← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1416

تحرير علوم الحديث

عبد الله الجديع

Полный текст (1 074 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

يستحقه بإحدى الأسباب التي ذكرناها من أنواع الجرح في أول الكتاب، وعائذ بالله من هذين الخصلتين: أن نجرح العدل من غير علم، أو نعدل المجروح من غير يقين " (١). وقال في ترجمة (سعيد بن زياد بن أبي هند الداري): " الشيخ إذا لم يرو عنه ثقة، فهو مجهول، لا يجوز الاحتجاج به، لأن رواية الضعيف لا تخرج من ليس بعدل عن المجهولين إلى جملة أهل العدالة، كأن ما روى الضعيف وما لم يرو في الحكم سيان " (٢). وقال في ترجمة (عبد الرحمن بن أبي نصر بن عمرو): " منكر الحديث على قلة روايته، يروي عن أبيه المناكير، وأبوه مجهول، لا يدري من هو، ولا يعلم له من علي سماع، وفي دون هذا ما يسقط الاحتجاج برواية من هذا نعته " (٣). وقال في ترجمة (عمران بن مسلم القصير): " ولا يجوز أن يحكم على مسلم بالجرح، وأنه ليس بعدل، إلا السبر " (٤). وقال في ترجمة (عائذ الله المجاشعي): " منكر الحديث على قلته، لا يجوز تعديله إلا بعد السبر، ولو كان ممن [لا] يروي المناكير، ووافق الثقات في الأخبار، لكان عدلاً مقبول الرواية، إذ الناس أحوالهم على الصلاح والعدالة، حتى يتبين منهم ما يوجب القدح فيجرح بما ظهر منه من الجرح، هذا حكم المشاهير من الرواة، وأما المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلا الضعفاء، فهم متروكون على الأحوال كلها " (٥).

стр. 317

وقال في ترجمة (محمد بن عطية بن سعد العوفي): " منكر الحديث جداً، مشتبه الأمر، لا يوجد الاتضاح في إطلاق الجرح عليه؛ لأنه لا يروي إلا عن أبيه، وأبو ليس بشيء في الحديث، ولا يروي عنه إلا أسيد بن زيد، وأسيد يسرق الحديث، فلا يتهيأ إطلاق القدح على من يكون بين ضعيفين إلا بعد السبر والاعتبار بما يروي عن غير الضعيف، ولا سبيل إلى ذلك فيه فهو ساقط الاحتجاج، حتى تتبين عدالته بروايته عن ثقة إذا كان دونه ثقة، واستقامت الرواية فلم يخالف الثقات " (١). قلت: فهذه النصوص المفسرة دالة على ما يلي: أولاً: أن الطريق إلى تبين عدالة الراوي عنده هو اختبار حديثه. وهذه هي العدالة الموجبة لقبول حديثه، وهي الإتقان لما رواه، وهذا طريق عامة الأئمة في أكثر الرواة. ثانياً: أن العدالة تثبت عنده برواية الواحد الثقة. وحيث إنه اعتبر اختبار حديث الراوي وسلامته من النكارة علامة على عدالته في النقل، دل على أن العدالة التي تثبت عنده برواية واحد ثقة إنما هي ما ترتفع به جهالة عينه ويثبت بها شخصه، وقد تقدم أنه مذهب لغيره، بل عليه عمل النقاد في رواة ما روى عنهم إلا الفرد من الثقات، لم يرو أحدهم منكراً، فصاروا إلى توثيقه وقبوله. ثالثاً: أنه جرح رواة بالجهالة، لكنها عنده ثابته للراوي الذي لم يعرف إلا من رواية مجروح لا يعتبر به عنده عن ذلك الراوي. وهذا القدر صحيح، موافق لطريقة غيره، ويبقى: الراوي لا يروي عنه إلا واحد من الثقات، فهذا قد يصفه غير ابن حبان بالجهالة، وقد يختبر حديثه فيلحقه بحسب ما تبين له إما بالمجروحين أو بالثقات، وابن حبان لم

стр. 318

يتجاوز هذا، غاية أمره أنه تعنى اختبار حديث الراوي بالقدر الذي وقف عليه منه، فصار بذلك إلى تبين ضبطه فألحقه بالثقات، أو ضعفه، فألحقه بالمجروحين، والأدلة على إلحاقه الراوي من هؤلاء بالثقات بناء على اختبار حديثه كثيرة في كتابه (الثقات)، وقد تتبعت ذلك بما يطول بيانه هنا. لكن الواجب اعتباره ما بينته قبل: أن رجال (الثقات) فيهم الثقة المحتج به، وفيهم الصالح للاعتبار وليس بحجة. وهذا مما يتعذر معه اعتماد إيراد ابن حبان للراوي في الثقات على أنه (ثقة) يحتج به عنده، إلا أن يوجد فيما ذكره قرينة تدل على أن ذلك الراوي في محل من يحتج به، كأن يقول: (مستقيم الحديث)، وقد قالها في طائفة، وإلا فما لك إلا أن تفسر قدر توثيق ابن حبان بمقالات سائر النقاد في الراوي. ولست أرى في هذا شيئاً من التساهل، ولكنه فوت فائدة الفصل بين ثقة محتج به، وصالح يعتبر به. لكن، ليس في (الثقات) راو لا يعتبر به على رأي ابن حبان. وكذلك ليس كل راو في (المجروحين) أراد ابن حبان إسقاط حديثه مطلقاً، بل فيهم المتروك وفيهم من يعتبر بما يوافق فيه الثقات من حديثه، وهو يبين ذلك. وأما قول ابن حجر: " هذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه، مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب (الثقات) الذي ألفه، فإنه يذكر خلقاً ممن ينص عليهم أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون، وكان عند ابن حبان أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره " (١).

стр. 319

وقول ابن حجر أيضاً في ترجمة (أيوب) رجل ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: " لا أدري من هو، ولا ابن من هو ": " وهذا القول من ابن حبان يؤيد ما ذهبنا إليه: من أنه يذكر في كتاب (الثقات) كل مجهول روى عنه ثقة، ولم يجرح، ولم يكن الحديث الذي يرويه منكراً، هذه قاعدته، وقد نبه على ذلك الحافظ صلاح الدين العلائي، والحافظ شمس الدين بن عبد الهادي، وغيرهما " (١). فأقول: ليس مذهباً عجيباً، ولا هو خلاف قول الجمهور، وإنما هو على ما بينت، إلا أن يعني ابن حجر بقول الجمهور أن جهالة الحال لا تثبت إلا براوية اثنين، وهذا قدمت من قبل له أمثلة من كلام أحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وأبي زرعة الرازي فيها توثيق من لم يرو عنه إلا واحد، وبينه كلام أبي حاتم وأبي زرعة بناء على استقامة حديثه، وكذلك صنع ابن حبان. طريقة الحاكم النيسابوري: الحاكم النيسابوري رأس من رءوس هذه الصناعة كلامه في النقلة في التحقيق معتبر قوي، وتعديله فيما يصف به الرواة من الثقة والصدق مقبول محتج به. وإنما دخلت الشبهة على بعض المتأخرين في تعديل الحاكم ووصف بعضهم له بالتساهل فيه، من جهة ضعف تحقيقه لشرط الصحة في كتابه " المستدرك "، كما بينته في (القسم الثاني). وحمل أحد الأمرين على الآخر معتبر لو لم يتبين سبب ما يعود إليه الخلل في طريقة الحاكم في التصحيح. لكن الشأن في كلامه في النقلة مختلف، فقد جرى على منهاج النقاد

стр. 320

قبله، فزكى رجالاً، وجرح آخرين، بل جرح رجالاً بالجهالة، مما دل على أن خبر المجهول عنده ليس موضعاً للحجة، ولا يحكم بصحته، وهذا موافق لمسلك جمهور أئمة هذا العلم، ووافق غيره من الأئمة في كثير مما تكلم فيه، وتفرد بفوائد في تعديل الرواة وجرحهم، تعد له، وكثير من ذلك منثور في " المستدرك "، ومنه في " سؤالات مسعود السجزي " له، ومنه في " تاريخ نيسابور "، ولا يكاد يخلو سائر كتبه من شيء من ذلك. وعهد من طريقة من يذكر عند بعض العلماء بالتساهل في التعديل أن يجري حال من لم يتبين أمره على العدالة، وليس الحاكم منهم، وهذه أمثلة من الرواة نعتهم بالجهالة في " المستدرك " ولم يصحح أحاديثهم لأجلهم: (١) يحيى بن عبد الله المصري، قال الحاكم: " لست أعرفه بعدالة ولا جرح " (١). (٢) عبد الملك بن عبد الرحمن، قال الحاكم: " مجهول، لا نعرفه بعدالة ولا جرح " (٢). (٣) غزال بن محمد، قال الحاكم: " مجهول، لا أعرفه بعدالة ولا جرح " (٣). (٤) عثمان بن جعفر أبو علي، قال الحاكم: " لا أعرفه بعدالة ولا جرح " (٤). (٥) أبو المغيرة القواس، تفرد عنه عوف الأعرابي، قال الحاكم: " مجهول " (٥).

стр. 321

هؤلاء منهم من عرف مخرجه من جهة مجروح أصلاً كيحيى بن عبد الله، فقد روى عنه اليمان بن سعيد وهو ضعيف، ومنهم من عرف مخرجه من جهة عدل كغزال بن محمد فقد روى عنه زياد بن يحيى الحساني وهو ثقة، ففيه إبانة أن الجهالة عند الحاكم تفارق الجهالة عند ابن حبان، فابن حبان لا يعد من كان بين ثقتين مجهولاً، فغزال مثلاً روى عن محمد بن جحادة وهو ثقة، فيكون بهذا بين ثقتين، لكنه مجهولاً في رأي الحاكم. بل يؤكد أن رفع الجهالة عنده إنما هي برواية اثنين على الأقل قوله في (إسماعيل بن إبراهيم الشيباني) , قد ذكر حديثاً من رواية محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عنه: " ولعل متوهماً من غير أهل الصنعة، يتوهم أن إسماعيل الشيباني هذا مجهول، وليس كذلك، فقد روى عنه عمرو بن دينار الأثرم " (١)، فجعل جهالته مرتفعة برواية اثنين: ابن ركانة وعمرو بن دينار، وهما ثقتان. وهذا موافق لشرط الحاكم الذي قننه لصفة الحديث الصحيح عنده، حيث قال: " صفة الحديث الصحيح: أن يرويه عن رسول الله ﷺ صحابي زائل عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة " (٢). وهذه الصفة التي ذكر الحاكم ظن بعض الناس أنه عنى أن كل حديث صحيح يجب أن يرويه اثنان عن الصحابي، وليس الأمر كذلك، إنما قوله: " وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان " عائد على ما ترتفع به الجهالة، فهو يقول: رفع الجهالة لا يكون إلا برواية اثنين عن الصحابي فمن دونه من رواة الحديث.

стр. 322

وخلاصة ما تحرر لي في شأن كلامه في الرواة ما يلي: أولاً: إن صدرت منه العبارة صريحة في تعديل أو تجريح أو تجهيل الراوي المعين، فقوله حجة، كقول شيخه الدارقطني وشبهه، فإن خالفه غيره في بعض ذلك، فهو من اختلاف الجرح والتعديل، يرجح الراجح بحجته. ثانياً: حكمه على إسناد في " المستدرك " بقوله مثلاً: " صحيح الإسناد "، حكم منه بثقة رواته عنده، لكنه في مرتبة غير معينة من القبول، من أجل أنه لم يكن يفرق بين الصحيح والحسن، فقد يكون الروي في مرتبة الثقة أو مرتبة الصدوق. ولما ثبت من خطئه الكثير في الحكم على أحاديث بالصحة وهي واهية أو ضعيفة من رواية المجروحين، فإنه لا يصح تعميم القول في الاحتجاج بذلك على كون رواة الإسناد ثقات أو صدوقين، لكنه يرفع من شأن الراوي المجهول عند غيره. طريقة ابن عبد البر: ابن عبد البر من طبقة الخطيب البغدادي، وهما معدودان في المتأخرين، كلاهما في الرواة المتقدمين مبني على تلخيص عبارات السلف فيهم، نعم الخطيب فارق ابن عبد البر بإنشاء القول بتعديل الرواة وجرحهم، خصوصاً من طبقة شيوخه، لكن لا يكاد يوجد ذلك لابن عبد البر إلا قليلاً. فإذا كان قول ابن عبد البر في الرواة خلاصة كلام السالفين، فالحجة إذاً عائدة إلى كلامهم، ويبقى تحرير ابن عبد البر للعبارة في الراوي تحرير إمام ناقد، فكما نقبل تحرير العبارة ممن جاء بعده كالذهبي وابن حجر من المتأخرين، فقبول قوله أولى، بل إن المتتبع لكلامه في الرواة في كتبه يجد له وزن عبارة الناقد العارف بهذا العلم فيه. وإنما دخلت الشبهة عند بعض الناس أن ابن عبد البر يتساهل في

стр. 323

التعديل، من جهة ما فهموه عنه من قوله في تفسير العدالة، وإنه يجري المسلمين في الأصل عليها، وليس كذلك كما بينته آنفاً في (المبحث الثالث). بل قد وصف ابن عبد البر بالجهالة رواة عديدين، ولو كانت العدالة تثبت عنده للراوي بمجرد الإسلام فيقبل بذلك حديثه، لم يكن لوصفه بالجهالة لأولئك الرواة معنى. وممن ينبغي التنبيه على كلامه في الرواة من المتأخرين: الحافظ نور الدين الهيثمي (المتوفى سنة: ٨٠٧). فإنه قد نثر في كتابه " مجمع الزائد " من خلال حكمه على الأسانيد، كثيراً من عبارات الجرح والتعديل، وهو يعتمد على من تقدمه، لكنها عبارات ينقصها التحرير، فربما أطلق التوثيق وهو كثير، لراو مجهول أو ضعيف، وهو يعتمد توثيق ابن حبان بإطلاق، وكثيراً ما يقول في الراوي: " لم أعرفه "، وهو كان من مشايخ الطبراني في (الميزان) نبهت على ضعفه، ومن لم يكن في (الميزان) ألحقته بالثقات الذين بعده " (١). ومعروف أن الحافظ الطبراني روى عن خلق كثيرين، ولم يكن معتنياً بنقد النقلة، إنما كان رواية، ولم يعرف عنه انتقاء الرواة الثقات، بل وقع في شيوخه من هو معروف بالضعف، فإطلاق الهيثمي هذه المنهجية في شيوخ الطبراني إطلاق غير علمي. * * *

стр. 324

المبحث الحادي عشر: تحرير القول في عدالة الصحابة الصحابي أصل الإسناد، وهو حلقة الوصل بالوحي، وحيث إن العصمة لا تثبت لآحاد الصحابة، فما القول في عدالتهم بركنيها: العدالة الدينية، وإتقان الرواية؟ ولا ريب أن الذي يهمنا هو تمييز شأن الصحابي الذي روى العلم. فأما العدالة الدينية، فثابتة لجميعهم بتثبيت الله ورسوله ﷺ ذلك لهم، والمقصود براءة جميعهم من وصف الفسق، وإنما كان يوجد الفسق في المنافقين، وليسوا صحابة، لتخلف معنى الصحبة فيهم، وليس من هؤلاء بفضل الله من يذكر برواية العلم. قال ابن حزم: " قد كان في المدينة في عصره ﵇ منافقون بنص القرآن، وكان بها أيضاً من لا ترضى حاله، كهيت المخنث الذي أمر ﵇ بنفيه، والحكم الطريد، وغيرهما، فليس هؤلاء ممن يقع عليهم اسم الصحبة " (١). قلت: وحتى من زنى أو سرق ممن قص علينا نبؤهم، فإن من ثبت

стр. 325

ذلك عليه فإنه تاب منه وأقيم عليه الحد المطهر، فعاد أمره إلى العدالة بالتوبة. قال الخطيب: " كل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي ﷺ لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ ؛ لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن " (١). قلت: والأدلة المثبتة عدالة جميع الصحابة كثيرة في الكتاب والسنة من حيث المعموم، ومن حيث التفصيل في كثير من أعيانهم. من ذلك قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلنكم أمة وسطاً﴾ [البقرة: ١٤٣]. عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : " يدعى نوح ﵇ يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، أو: ما أتانا من أحد، قال: فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، قال: فذلك قوله: ﴿وكذلك جعلنكم أمة وسطاً﴾، قال: الوسط: العدل، قال: فيدعون، فيشهدون له بالبلاغ، قال: ثم أشهد عليكم " (٢).

стр. 326

وقوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعل ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم﴾ الآية [الفتح: ١٨]، وقوله : ﴿والسابقون الأولون من المهجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ الآية [التوبة: ١٠٠]، وقوله تعالى: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾ حتى قوله: ﴿وكونوا مع الصدقين﴾ [التوبة: ١١٧ _ ١١٩]، وقوله ﴿للفقراء المهجرين الذين أخرجوا من ديراهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هو الصدقون﴾ والآية التي بعدها [الحشر: ٨ _ ٩]. قال الخطيب: " لا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم، المطلع على بواطنهم، إلى تعديل أحد من الخلق له، فهم على هذه الصفة، إلا أن

стр. 327

يثبت على أحد ارتكاب ما لا يحتمل إلا قصد المعصية والخروج من باب التأويل؛ فيحكم بسقوط العدالة، وقد برأهم الله من ذلك، ورفع أقدارهم عنه، على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء ... لأوجبت الحال التي كانوا عليها، من الهجرة والجهاد والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين؛ القطع على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين. هذا مذهب كافة العلماء، ومن يعتد بقوله من الفقهاء " (١). وعن البراء بن عازب، قال: " ليس كلنا سمع حديث رسول الله ﷺ ، كانت لنا ضيعة وأشغال، وكان الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب " (٢). وفي رواية، عن البراء، قال: " ما كل ما نحدثكم عن رسول الله ﷺ

стр. 328

سمعناه من رسول الله ﷺ ، وحدثنا أصحابنا، ولكنا لا نكذب " (١). وقال قتادة _ وسمع حديثاً من أنس _: قال رجل لأنس: أسمعه من رسول الله ﷺ ؟ قال: " نعم، وحدثني من لم يكذب، والله ما كنا نكذب، ولا ندري ما الكذب " (٢). وقال حميد الطويل بعد أن ساق حديثاً عن أنس في الشفاعة: فقال له (أي لأنس) رجل: يا أبا حمزة، أسمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: تغير وجهه واشتد عليه، وقال: " ما كل ما نحدثكم سمعناه من رسول الله ﷺ ، ولكن لم نكن يكذب بعضنا على بعض " (٣). وليس ما وقع بين الصحابة من اختلاف أفضى إلى الاقتتال فيما بينهم، كالذي وقع في الجمل وصفين، فكان بتأويل، والتأويل لا يقدح في أصل العدالة، بل صاحبه معذور. وقال ابن حزم: " أما قدامة بن مظعون، وسمرة بن جندب، والمغيرة بن شعبة، وأبو بكرة، رضوان الله عليهم، فأفاضل أئمة عدول " (٤). وبين أن ذلك، لكون قُدامة بدرياً، وكان متأولاً فيما جاء عنه، يعني

стр. 329

في شرب الخمرة، وكان المغيرة من أهل بيعة الرضوان، وسمرة شهد أحداً وما بعدها من المشاهد، وكان متأولاً فيما جاء عنه يعني فيمن قتل من الخوارج، وكان حال أبي بكرة يحتمل أنه قد شبه عليه فيما وقع فيه في شأن المغيرة من قذفه بالزنا، ﵃. والحاصل: أنك لا تجد في الصحابة، وخصوصاً رواة الأخبار، من يطعن عليه بمعصية لا تقبل التأويل، أو معصية طهر من أثرها بالحد. ضبط الصحابي: وأما ضبط الصحابي لما روى، فلا ريب أن أحدهم يجوز عليه الوهم كما يجوز على غيره، ولكن قرب العهد بالنبي ﷺ ، وطريق تلقي العلم عنه، بالسماع المباشر، أو بالرؤية، مع تكرار ورود العلم عليه، يضعف احتمال الوهم، بخلاف من بعدهم بعدما كثرت الوسائط. ومع ذلك فإن حفظ الصحابي تعرض للنقد، وبدأ ذلك في الصحابة أنفسهم، ووقع من بعض من جاء من بعد من الأئمة على ندرة، وإليك مثالين: الأول: توهيم عائشة لابن عمر في تواريخ عمرات النبي ﷺ . فعن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر، ﵄ جالس إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم؟ فقال: بدعة، ثم قال له: كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ قال: أربعاً، إحداهن في رجب، فكرهنا أن نرد عليه، قال وسمعنا أستنان عائشة أم المؤمنين في الحجرة، فقال عروة: يأماه، يا أم المؤمنين، ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول: إن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمرات، إحداهم في رجب، قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر

стр. 330

عمرة إلا وهو شاهده، وما اعتمر في رجب قط (١). الثاني: توهيم سعيد بن المسيب لابن عباس في زواج النبي ﷺ من ميمونة وهو محرم. فعن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، أن النبي تزوج ميمونة وهو محرم. قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس , وإن كانت خالته، إنما تزوجها حلالاً (٢). قال ابن تيمية: " وأما الغلط فلا يسلم منه أكثر الناس، بل في الصحابة من قد يغلط أحياناً " (٣). مسائل في عدالة الصحابة: المسألة الأولى: الرجل يختلف في صحبته، فيقدح فيه بعض من لا يثبتها له: وجد في بعض الرواة من عد في الصحابة؛ لشبهة رواية وقعت له عن النبي ﷺ ، أو لزعم بعض أهل السيرة أنه ولد في حياة النبي ﷺ ، فمثل

стр. 331

هؤلاء، إذا وجدت في أحدهم الجرح، فليس هو عند الجارح معدوداً في الصحابة، وثبت عليه الجرح عنده بسبب من أسبابه. وذلك مثل (بسر بن أرطاة) ويقال: (ابن أبي أرطاة)، فقد عده بعضهم في الصحابة، ولا تثبت له صحبة على التحقيق، قال يحيى بن معين: " أهل المدينة ينكرون أن يكون سمع بسر بن أبي أرطاة من النبي ﷺ ، وأهل الشام يروون عنه عن النبي ﷺ " (١). ولما ثبت عنه من الظلم والفساد في الأرض لهوى بني أمية، قال فيه يحيى بن معين: " رجل سوء " (٢). وأورده ابن عدي في " كتابة " في المجروحين لقول ابن معين فيه، وأورد له حديثين: أحدهما: دعاء مرفوع، والآخر: " لا تقطع الأيدي في الغزو "، وقال: " بسر بن أبي أرطاة مشكوك في صحبته للنبي ﷺ ، لا أعرف له إلا هذين الحديثين، وأسانيده من أسانيد الشام ومصر، ولا أدري بإسناد هذين بأساً " (٣). قلت: إن سلم الحديثان من النكارة، فلا يسلم إسناد فيه مثل بسر من السقوط، فإن ما تقدم له من الفساد يتعذر في مثله التأويل. والمهم أن تدرك هنا أنه لا يوجد قدح في عدالة من ثبتت صحبته، إنما وجد مثل هذا فيمن اختلف فيه، والراجح عدم صحبته. وقد يقول الناقد في الرجل: (مجهول)، وغيره يدعي له الصحبة، فلا تحمل قول بعضهم على بعض، فتظن أن من الصحابة من يطلق عليه ذلك، وإنما هذا تعارض بين أن يكون تابعياً مجهولاً، أو صحابياً، فإن رجح القول بصحبته، وإلا فهو تابعي مجهول، فابحث عن راجحه بحجته.

стр. 332

وذلك مثل (معبد بن خالد الجهني أبي رغوة)، فقد قال ابن أبي حاتم: " له صحبة، روى عن أبي بكر وعمر، ﵄، مات سنة ثنتين وسبعين، وهو ابن ثمانين سنة، سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: هو مجهول " (١)، وقد قال فيه يحيى بن معين: " ثقة " (٢). قلت: الأشبه أن يكون صدر هذه المقالة من كلام ابن أبي حاتم، لا من كلام أبيه، وأن قوله من بعد: " سمعت أبي يقول ذلك "، إشارة إلى روايته عن أبي بكر وعمر، وما بعده من الكلام، وكذلك وجدت ابن عبد البر نسب القول بصحبته لا بن أبي حاتم، لا لأبيه، وتبعه عليه ابن الأثير وابن حجر وغيرهما (٣). وحيث قام هذا الاحتمال فلا يصح الاعتراض بهذه الصورة على الأصل في انتفاء جرح الصحابي بالجهالة، ويؤيده أن ابن أبي حاتم نفسه أورد توثيقه عن ابن معين، فدل على أصل الاختلاف فيه، ولم أجد مستنداً في ذكر عمره الذي أقام شبهة صحبته إلا كلمة للواقدي، وهو متروك غير ثقة، نقلها عنه من سميت آنفاً وغيرهم. وقال أبو حاتم الرازي في (خذام بن وديعة): " مجهول " (٤)، وغيره يثبت له الصحبة. وكذا قال في (مدلاج بن عمرو السلمي) (٥)، وهو صحابي على الراجح، ولا رواية له.

стр. 333

وقالها في (بلال الفزاري) (١)، والقول قوله، فالرجل إنما روى مرسلاً، ولا صحبة له، ومثله آخرون، منهم: الحارث بن بدل النصري (٢)، وعبد الله بن أبي شديدة (٣)، وعبد الله بن قيس الأسلمي (٤). وقد وجدت لابن حجر قولاً بخصوص هذه المسألة جديراً بالتنبيه عليه، قال في ترجمة (مدلاج) المتقدم ذكره: " وكذا يصنع أبو حاتم في جماعة من الصحابة يطلق عليهم اسم الجهالة، لا يريد جهالة العدالة، وإنما يريد أنه من الأعراب الذين لم يرو عنهم أئمة التابعين " (٥). قلت: وليس الأمر ما أوهمته عبارته ﵀، أن أبا حاتم يقول في أحدهم: (مجهول) وهو من أعراب الصحابة، فهذا ما لا يوجد له مثال واحد البتة في كلام أبي حاتم، ولو قال: حكم أبو حاتم بجهالته لكونه من أعراب الصحابة، فلم يعرف صحبته لعدم ظهور أمره فيها، وذلك أن هؤلاء يكون أحدهم مغموراً، فكيف إذا اقترن بذلك أنه لم يرو عنه من العلم شيء، ولم يأت في صحيح الأخبار ما يبين أمره، كمدلاج المتقدم؟ والتحقيق: أنه لا يوجد فيمن وصقهم أبو حاتم بقوله: (مجهول)، من له صحبة في رأي أبي حاتم نفسه. المسألة الثانية: الرجل تدعى صحبته بناء على ما لا يثبت عنه من الرواية، فيذكر في الضعفاء من أجل نكارة حديثه، فهذا لا يصح عده صحابياً. ومثاله: (عمرو بن عبيد الله الحضرمي)، قال البخاري: " رأي النبي ﷺ ، لا يصح حديثه " (٦) , فذكره ابن عدي في الضعفاء، وقال: " وهذا

стр. 334

هو حديث واحد، وإنما شك البخاري أن لا يصح له، أي ليس لعمرو بن عبيد الله صحبة " (١). ومثل: (زهير بن عثمان الثقفي)، روى عن النبي ﷺ : " الوليمة حق، واليوم الثاني معروف "، قال البخاري: " لم يصح إسناده، ولا يعرف له صحبة " (٢)، وذكره ابن عدي تبعاً للبخاري، وأقره (٣). فمثل هذين إنما ذكرا في الضعفاء، لا لضعفهما؛ وإنما لضعف الرواية عنهما، وإذا كان مثل هذه الرواية هو الطريق لإثبات الصحبة، فالصحبة لا تثبت به، وإن افترضنا ثبوتها للرجل بغير هذه الرواية فذكره في الضعفاء ليس لجرحه في عدالته، وإنما من أجل الرواية الضعيفة التي قد تكون علتها من قبل غيره. المسألة الثالثة: تحرير القول في جهالة الصحابي . والمقصود به هنا من لم يسم، وهو وارد في رواية بعض الحديث، كقول الراوي: (حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ . فهذا عند أهل العلم في الاحتجاج به وقبوله على مذهبين: المذهب الأول: لا يقبل، وهو ظاهر صنيع الشيخين في " صحيحيهما ". قال الحاكم في صفة الحديث الصحيح: " أن يرويه عن رسول الله ﷺ صحابي زائل عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة " (٤).

стр. 335

وقال ابن حزم: " لا يقبل حديث قال راويه فيه: عن رجل من الصحابة، أو: حدثني من صحب رسول الله ﷺ ، إلا حتى يسميه، ويكون معلوماً بالصحبة الفاضلة، ممن شهد الله تعالى لهم بالفضل والحسنى " (١). والمذهب الثاني: يقبل، بمنزلة المسند، وعليه جرى المصنفون في جمع المسانيد، كأحمد بن حنبل وغيره. والتحقيق أن جهالة الصحابي غير قادحة، وذلك لاعتبارين: الأول: بناء على أصل عدالة جميع الصحابة، ومظنة النفاق والردة ليست واردة على نقلة الأثر. قال ابن الصلاح: " الجهالة بالصحابي غير قادحة؛ لأن الصحابة كلهم عدول " (٢). والثاني: لما علم بالتتبع أن الرواية عن صحابي مجهول العين قليلة، ولم يوجد فيها ما يعد منكراً أو ضعيفاً لمجرد كون الصحابي لم يسم أو لم يعرف، فدل على سقوط أثر ذلك. لكن اتصال الإسناد أو عدمه إنما يعتبر فيه تقسيمه إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: مسند متصل. وله صور: الأولى: أن يقول صحابي معروف: (أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ . كقول أنس بن مالك: " أخبرني بعض أصحاب النبي ﷺ ، أن النبي ﷺ ليلة أسري به مر على موسى ﵇ وهو يصلي في قبره " (٣).

стр. 336

فالجهالة بهذا الصحابي لا تضر على أي حال: صرح الصحابي المسمى بسماعه منه أم لا، وذلك تصديقاً لذلك الصحابي المسمى في خبره بصحبة مخبره. ولو لم يخبر عن صحبته أو ما يدل عليها، فأدنى أحواله، ينزل منزلة مراسيل الصحابة، وهي مسندة عند عامة أئمة الحديث. والثانية: أن يقول التابعي الثقة: (حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فيصدق في وصفه لمن حدثه بالصحبة، وخبره متصل لبيانه السماع من ذلك الصحابي المبهم. قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله (يعني أحمد بن حنبل): إذا قال رجل من التابعين: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فالحديث صحيح؟ قال: " نعم " (١). والقول بتصحيح ذلك أيضاً منقول عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي من أئمة الحديث، وأبي بكر الصيرفي من الأصوليين، لكن خالف البيهقي، فقال: " هو مرسل " (٢). وله أمثلة كثيرة، كقول عبد الرحمن بن أبي ليلى: " حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ ، أن رسول الله ﷺ نهى عن الحجامة والمواصلة، ولم يحرمها "، الحديث (٣). قلت: هذا ما دام التابعي ثقة، أما إن كان مجروحاً، فقد سقط قوله بسقوطه.

стр. 337

والثالثة: أن يقول التابعي الثقة: (أخبرني رجل سمع النبي ﷺ وشبه ذلك، فتثبت الصحبة لتلك الواسطة المبهمة تصديقاً للتابعي في خبره المتصل عن تلك الواسطة أنها سمعت النبي ﷺ . مثل قول أبي البختري سعيد بن فيروز: " أخبرني من سمع النبي ﷺ يقول: لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم " (١). ٢ _ متوقف فيه: وله صورة واحدة، وهي: أن يقول التابعي الثقة: (عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فيذكر الخبر معنعناً. فهو صادق في وصفه بالصحبة، لكنه لا يجري مجرى المتصل، وذلك لاحتمال كون التابعي لم يدرك ذلك الشيخ من الصحابة، فإنا نعلم أن الإرسال في التابعين كثير، كانوا يحدثون عمن لم يدركوا ومن لم يسمعوا منهم من الصحابة، ولم يسلم من ذلك حتى بعض كبار التابعين، كسعيد بن المسيب. ومن أمثلته: قول راشد بن سعد: " عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: " كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة " (٢). وأما ما سأل الحسين بن إدريس الحافظ محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، قال: إذا كان الحديث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، أيكون ذلك حجة؟ قال: " نعم، وإن لم يسمعه، فإن جميع أصحاب النبي ﷺ كلهم حجة " (٣).

стр. 338

فهذا للإبانة أن جهالة الصحابي لا تضره، ذكر في روايته سماعه من النبي ﷺ أم لم يذكر. وليس هو في شأن اتصال ما بين التابعي وذلك الصحابي المجهول. ٣ _ مرسل. وله صور واحدة، وهي أن يقول التابعي الثقة: (عن رجل عن النبي ﷺ أو: (حدثني رجل) ولا ينسبه للصحابة، ولا يذكر عن ذلك أنه سمع النبي ﷺ . فهذا مرسل، وذلك الرجل مجهول جهالة مؤثرة، ولا يلحق بالصحابة، فإن التابعين رووا كثيراً عن نظرائهم، وفي التابعين من جرح. كذلك رأيت أبا داود السجستاني خرج في " المراسيل " حديثاً من طريق محمد بن كعب القرظي، قال: (حدثني من لا أتهم عن رسول الله ﷺ فذكر حديثاً (١). فعده أبو داود مرسلاً. * * *

стр. 339

الفصل الثالث تفسير الجرح

стр. 340

تمهيد: في معنى الجرح الجرح يقابل التعديل، وهو: الطعن في الراوي بما يسلب عنه وصف العدالة أو الضبط، أو جميعاً. فسلب العدالة يكون بـ: الفسق بالفعل أو القول، والكذب في الحديث والتهمة به، وسرقة الحديث، والبدعة، والجهالة. وسلب الضبط في: سوء الحفظ، ومنه الاختلاط، وفحش الخطأ، وقبول التلقين، ويكون نسبياً فلا يطرح معه الراوي، وكلياً يسقط معه الراوي. وتقدم تحرير القول في حكم جرح الرواة غير العدول، وأنه مما توجبه ضرورة حفظ الدين. وفي المباحث التالية: تحرير سائر ما يتصل بهذا الأصل، وتبقى بقية تستوعب في الفصل الخامس في تحرير في (اختلاف الجرح والتعديل). * * *

стр. 341

المبحث الأول: صور الجرح غير المؤثر اعلم أنه ليس كل جرح في الراوي مقبولاً، فلا يعتد إلا بجرح من أهله، ولا يعتد بجرح إلا بصيغة بينة واضحة أن علة جرحه كذا كذا، وكانت تلك الجرحة قادحة، وسلمت من المعارض الراجح. وقد وقع في هذا الباب القدح في الرواة بأسباب غير معتبرة في التحقيق، أقدم بيانها ليخلص القول بعدها في تحرير القول في الأسباب المؤثرة، وذلك في صور: الصور الأولى: استعمال المباحات، أو ما يختلف فيه الاجتهاد حلاًّ وحرمة . فوقع الراوي في الشيء من ذلك لا يجوز أن يعد قادحاً، إذ استعمال المباح مشروع، ولا يقدح في العدالة استعمال المشروعات، ولا يصح أن تكون مفسقات، وإن جرى العرف بتركها على التحقيق، فإن العرف لا يصلح دليلاً على المنع مما أباحه الله ورسوله ﷺ . وما يختلف فيه الاجتهاد، فهذا إن فعله الراوي فلا يقدح فيه من جهة ما يكون له معه من عذر المخالفة، وخلاف العلماء في الأحكام كثير بينهم.

стр. 342

وقد جاوز بعض النقاد فجرح الراوي أو تركه لمثل ذلك، فمن أمثلته: ١ _ قال شعبة بن الحجاج: " لقيت ناجية الذي روى عنه أبو إسحاق، فرأيته يلعب بالشطرنح، فتركته، فلم أكتب عنه، ثم كتبت عن رجل عنه " (١). قال الخطيب: " ألا ترى أن شعبة في الابتداء جعل لعبه بالشطرنج مما يجرحه، فتركه، ثم استبان له صدقه في الرواية وسلامته من الكبائر، فكتب حديثه نازلاً " (٢). قلت: ومعروف عن شعبة تشديده في ترك حديث الراوي لشيء رآه منه في غير الحديث، مما يحتمل التأويل أو الخطأ. عن ورقاء بن عمر، قال: قلت لشعبة: ما لك تركت حديث فلان؟ قال: " رأيته يزن إذا وزن فيرجح في الميزان، فتركت حديثه "، وقلت لشعبة: ما لك تركت حديث فلان؟ قال: " رأيته يركض دابته، فتركت حديثه " (٣). وكان شعبة يقع في (الخصيب بن جحدر) يقول: " رأيته في الحمام يغير مئزر " (٤). وقال يحيى القطان: أتى شعبة المنهال بن عمرو، فسمع صوتاً، فتركه، يعني الغناء (٥).

стр. 343

٢ _ وقال جرير بن عبد الحميد: " أتيت سماك بن حرب، فرأيته يبول قائماً، فرجعت ولم أسأله عن شيء، قلت: قد خرف " (١). ٣ _ وقصة شرب الكوفيين للنبيذ معروفة، وقولهم فيه مشهور في عصر النقل والرواية، وكانت استباحتهم حاصلة بالتأويل، فالقدح على راو رأى ذلك الرأي أو فعل ذلك الفعل بمجرد ذلك جرح مردود غير معتبر. قال يحيى بن معين: " وكيع وابن نمير كانوا يشربون النبيذ، وإنما كان نبيذهم يجعلونه في التنور، يشربونه اليوم واليومين والثلاثة، ويهريقونه، ولا يشربون كلا نبيذ يزداد على الترك جودة ". وقال: " شريك وسفيان ووكيع وكل من رخص فيه كلهم يكرهون المعتق " (٢). وقال أيضاً: " ومن رخص فيه فيما أسكر كثيره: شريك وسفيان وحسن بن حي ووكيع وابن نمير، وهؤلاء، وهم مع ذلك ينهون عن الخليطين، وعن المنادمة والمعاقره والجلوس عليه، والنقيع عندهم خمر، والبصريون يرخصون في النقيع ويقولون: هو حلال، وكل نبيذ يجوز ثلاثة أيام فلا خير فيه عندهم وعند سفيان وشريك وابن حي وابن نمير ووكيع وأبي معاوية، كلهم يكرهه " (٣). وقال يحيى بن معين أيضاً: " تحريم النبيذ صحيح، وأقف عنده لا أحرمه، قد شربه قوم صالحون بأحاديث صحاح، وحرمه قوم آخرون بأحاديث صحاح " (٤).

стр. 344

وأحسن ما قيل فيمن واقع مثل هذه المخالفة متأولاً: قول أبي حاتم الرازي: جاريت أحمد بن حنبل من شرب النبيذ من محدثي الكوفة، وسميت له عدداً منهم، فقال: " هذه زلات لهم، ولا تسقط بزلاتهم عدالتهم " (١). ٤ _ وقال الإمام أحمد بن حنبل: " كان يحيى _ يعني القطان _ لا يرضى إبراهيم بن سعد "، قال المروذي: قلت: أيش كان حاله عنده؟ قال: " كان على بيت المال " (٢). قال يحيى بن سعيد القطان: " لو لم أرو إلا عن كل من أرضى، ما رويت إلا عن خمسة " (٣). وفسر ذلك الحاكم فقال: " يحيى بن سعيد في إتقانه وكثرة شيوخه يقول مثل هذا القول، ويعني بالخمسة الشيوخ: الأئمة الحفاظ الثقات الأثبات " (٤). قلت: بل والجامعين لأوصاف الورع والعفة حتى المباح المستحسن تركه، كما يدل عليه رأيه في إبراهيم بن سعد، فإبراهيم لم يكن ليعاب في حفظه، إنما عيبه قربه من الحاكم. ٥ _ وقال أبو عبيد الآجري: سمعت أبا داود يقول: " كان وكيع لا يحدث عن هشيم؛ لأنه كان يخالط السلطان، ولا يحدث عن إبرهيم بن سعد، ولا ابن علية، وضرب على حديث ابن عيينة " (٥).

стр. 345

وقال أبو داود: سمعت رجلاً قال لأحمد: لأيش ترك وكيع إبراهيم بن سعد؟ قال: " ما أدري، كان إبراهيم ثقة " (١). ٦ _ وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأبي مسهر (يعني عبد الأعلى بن مسهر حافظ الشاميين): إنه _ يعني سليمان بن عتبة _ يسند أحاديث عن أبي الدرداء؟ قال: " هي يسيرة، وهو ثقة، ولم يكن له عيب إلا لصوقه بالسلطان " (٢). ٧ _ وقال أبو الحسن الميموني: قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، أحمد بن عبد الملك بن واقد؟ فقال لي: " قد مات عندنا، ورأيته كيساً، وما رأيت بأساً، رأيته حافظاً لحديثه "، قلت: ضبطه؟ قال: " هي أحاديث زهير، وما رأيت إلا خيراً، وصاحب السنة، قد كتبنا عنه "، قلت: أهل حران يسيئون الثناء عليه، قال لي: " أهل حران قلما يرضون عن إنسان، هو يغشى السلطان بسبب ضيعة له "، فرأيت أمره عند أبي عبد الله حسناً، يتكلم فيه بكلام حسن (٣). ٨ _ ومن هذا القدح على المحدث بأخذ الأجرة على التحديث، وممن عيب به: أبو نعيم الفضل بن دكين، وهشام بن عمار، وعلي بن عبد العزيز المكي. وعلل بعضهم القدح بمثل هذه الصورة بأن أخذ الأجرة ربما أغرى المحدث بالزيادة في الحديث من أجل المال، كما قد يغريه بذلك لصوقه بالسلطان؛ لما يجره إلى محاباته. والصواب في جميع ذلك: أن القدح فيها ليس معتبراً، من جهة أننا اشترطنا الصدق لقبول روايته، فإذا ثبت اندفعت به مثل هذه الظنون.

стр. 346

وكذلك فإن المخطىء المتأول بمعصية إذا عرف بالصدق فحديثه مقبولاً مطلقاً، لأن التأويل متضمن إرادة صاحبه للصواب، وعدم قصده للخطأ، وقد وقع التأويل للمخالفة الشرعية من جماعة من الصحابة فلم يمنع ذلك من قبول ما حملوه من العلم عن رسول الله ﷺ ، كأهل الشام الذين قاتلوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁. فأولى من ذلك أن يقبل حديث من واقع مختلفاً في منعه، أو ترك مختلفاً في فرضه. قال الشافعي: " والمستحل لنكاح المتعة، والمفتي بها، والعامل بها، ممن لا ترد شهادته، وكذلك لو كان موسراً فنكاح أمة مستحلاً لنكاحها، مسلمة أو مشركة؛ لأنا نجد من مفتي الناس وأعلامهم من يستحل هذا، وهكذا المستحل الدينار بالدينارين، والدرهم بالدرهمين يداً بيد، والعامل به؛ لأنا نجد من أعلام الناس من يفتي به ويعمل به ويرويه، وكذلك المستحل لإتيان النساء في أدبارهن، فهذا كله عندنا مكروه محرم، وإن خالفنا الناس فيه فرغبنا عن قولهم، ولم يدعنا هذا إلى أن نحرجهم ونقول لهم: إنكم حللتم ما حرم الله وأخطأتم؛ لأنهم يدعون علينا الخطأ كما ندعيه عليهم، وينسبون من قال قولنا إلى أنه حرم ما أحل الله " (١). قلت: والقول في البدعة من هذا على التحقيق، وسيأتي في أسباب سلب العدالة. الصورة الثانية: ما يعود الجرح فيه إلى طريق التلقي، والجارح اعتمد فيه المذهب المرجوح . وذلك في حالتين: الأولى: في رواية الراوي عرضاً.

стр. 347

وهي الرواية قراءة على الشيخ، لا سماعاً من لفظه، وتقدم أنها: متصلة بمنزلة السماع عند أكثر أئمة الحديث. وربما رأيت من بعض النقاد الطعن في رواية بعض الثقات عن بعض شيوخهم أنها كانت عرضاً، ويكون مرجع الأمر إلى شيء زائد على مجرد العرض، وهو أن الذي كان يعرض على الشيخ راو مجروح، ويكون ذلك الثقة قد حضر ذلك العرض. مثل من طعن في روايته عن مالك؛ لكونه أخذ عنه بعرض حبيب كاتبه. ومنه قول يحيى بن معين في (حفص بن ميسرة): " سمع عرضاً، كان عباد بن كثير يعرض لهم على زيد بن أسلم وغيره، قال أبو جعفر السويدي (١): ذهبت إلى حفص بن ميسرة فسألته أن يخرج إلي كتاباً، فقال لي: إنما كان عباد بن كثير يعرض لنا " (٢). قلت: والرواية بمثل هذا في الأصل صحيحة؛ لأن العبرة بإقرار الشيخ ما يقرأ عليه، والقارئ ليس واسطة بين التلميذ وشيخه، ولذلك فلا تضر جهالته ولا كونه مجروحاً. ولوا افترضنا صحة القدح على ما يروي بهذا الطريق، فإن ورود القدح على الشيخ أولى من وروده على التلميذ، فإنما حدث التلميذ بما أقر به الشيخ مما قرئ عليه. وأما أن يكون حفص بن ميسرة اتقى التحديث عن زيد بن أسلم من أجل أنه سمع بعرض مجروح، فذلك جائز أن يكون من أجل شكه في ضبطه لرواية نفسه عن شيخه.

стр. 348

والمقصود: أن من تكلم فيه من الرواة المعروفين بالثقة بسبب مثل هذا السماع، فليس ذلك بقادح فيهم. والحالة الثانية: القدح في الراوي من جهة أنه روى وجادة. قال علي بن المديني: سألت سفيان (يعني ابن عيينة) عن جعفر بن محمد بن عباد بن جعفر، وكان قدم اليمن، فحملوا عنه شيئاً، قلت لسفيان: روى معمر عنه أحاديث يحيى بن سعيد، فقال سفيان: " إنما وجد ذاك كتاباً، ولم يكن صاحب حديث، أنا أعرف بهم، إنما جمع كتباً فذهب بها " (١). وقال شعبة بن الحجاج وسفيان بن عيينة: " حديث أبي سفيان عن جابر، إنما هي صحيفة " (٢). وفي لفظ لشعبة: " إنما هو كتاب " (٣). وقال أبو حاتم الرازي: " فأما جابر فإن شعبة يقول: لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث ". وقال: " ويقال: إن أبا سفيان أخذ صحيفة جابر عن سليمان اليشكري " (٤). وقال عبد الرحمن بن مهدي: " كان شعبة يرى أن أحاديث أبي سفيان عن جابر إنما هو كتاب سليمان اليشكري " (٥).

стр. 349

وقال أبو حاتم الرازي: " جالس سليمان اليشكري جابراً، فسمع منه، وكتب عنه صحيفة، فتوفي وبقيت الصحيفة عند امرأته، فروى أبو الزبير وأبو سفيان والشعبي عن جابر، وهم قد سمعوا من جابر، وأكثره من الصحيفة، وكذلك قتادة " (١). وقال همام بن يحيى: " قدمت أم سليمان اليشكري بكتاب سليمان، فقرئ على ثابت، وقتادة، وأبي بشر، والحسن، ومطرف، فرووها كلها، وأما ثابت فروى منها حديثاً واحداً " (٢). وقال سليمان التيمي: " ذهبوا بصحيفة جابر إلى الحسن، فرواها، أو قال: فأخذها، وأتوني بها فلم أروها " (٣). وقال عبد الرحمن بن مهدي: حدثت سفيان (يعني الثوري) أحاديث إسرائيل عن عبد الأعلى عن ابن الحنفية، قال: " كانت من كتاب " يعني أنها ليست بسماع (٤). وقال شعبة: " أحاديث الحكم عن مجاهد كتاب، إلا ما قال سمعت " (٥). وقال يحيى القطان: قال شعبة: " عامر الشعبي عن علي، وعطاء _ يعني ابن أبي رباح _ عن علي، إنما هي من كتاب " قال يحيى: فاسترجعت أنا (٦).

стр. 350

والتحرير كما بينته في (شرط اتصال السند): أن قبول الوجادة والعمل بها صحيح معتبر، بشرط حصول الثقة بالموجود، وعليه فلا تعد الرواية بها مما يقدح في الراوي لأجله. الصورة الثالثة: الجرح بسبب التحمل في الصغر . تقدم في الفصل السابق بيان صحة تحمل الصغير إذا كان مميزاً، وضبط ما تحمله، فالقدح في الراوي بسبب صغر السن لا أثر له بمجرده، ولا يصلح أن يكون سبباً للجرح، وإنما إذا ثبت أن السن لم يكن سن ضبط، والراوي حدث بالشيء مما لم يضبطه لذلك، كان ذلك مؤثراً، لكنا لم نجد في التحقيق له مثالاً صالحاً ترجع علته إلى مجرد هذا. وقد تكلم في بعض الرواة لهذه العلة، كما ذكرت بعض مثاله حيث أشرت. قال أحمد بن أبي الحواري (وهو ثقة): قلت للفريابي: رأيت قبيصة (١) عند سفيان؟ قال: " نعم، رأيته صغيراً ". قال أبو زرعة الدمشقي: فذكرته لمحمد بن عبد الله بن نمير، فقال: " لو حدثنا قبيصة عن النخعي لقبلنا منه " (٢). قلت: يعني أنه لم يضره أن كان صغيراً حين سمع من الثوري. الصورة الرابعة: ما يعود إلى جحد الشيخ أن يكون حدث بالحديث، أو تركه القول بمقتضاه . فهاتان حالتان: الأولى: الراوي يروي عن رجل حديثاً، فيسأل المروي عنه فينكره، أو ينكر أن يكون ذلك الراوي قد سمع منه، فذلك الخبر لا يقبل من ذلك

стр. 351

الطريق، ولكن لا يعد هذا سبباً للطعن على ذلك إذا كان ثقة ضابطاً؛ لجواز النسيان على المحدث، إلا أن يعتضد الجرح بذلك بما يشهد له، أو أن يكون التلميذ لم تستقر ثقته. قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: يضعف الحديث عندك بمثل هذا: أن يحدث الرجل الثقة بالحديث عن الرجل، فيسأله عنه، فينكره ولا يعرفه؟ فقال: " لا، ما يضعف عندي بهذا " (١). والعلة في ذلك كما ذكرت: أن النسيان غير مأمون على الراوي، وإن كان ثقة، وإنما العبرة بإتقان من حفظه عنه. ووقوعه في رواية الثقات نادر قليل. مثاله: ما رواه أحمد بن حنبل، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي ﷺ كره يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها. قال وكيع: سألت ابن جريج؟ فأنكره، ولم يعرفه (٢). قلت: فمن ذا يجرؤ أن يطعن بهذا على سفيان الثوري؟! إنما يحمل على نسيان ابن جريج له.

стр. 352

ومن مثاله: ما حدث به حماد بن زيد، قال: قلت لأيوب: هل تعلم أحداً قال بقول الحسن في: (أمرك بيدك)؟ قال: لا، إلا شيء حدثناه قتادة عن كثير مولى ابن سمرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه. قال أيوب: فقدم علينا كثير، فسألته؟ فقال: ما حدثت بهذا قط، فذكرته لقتادة، فقال: بلى، ولكنه نسي (١). قلت: وهل يقبل ذلك الحديث بعينه؟ على قولين: الأول: يقبل، والعمدة فيه على الحفظ الثقة، والشيخ قد نسي. والثاني: لا يقبل، من أجل الشبة، وهو قول متأخري الحنفية (٢). والأول هو الصحيح، وهو قول أهل الحديث، وعامة الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، وصححه الخطيب (٣). فإذا كان الراوي جازماً أن الشيخ حدثه، والشيخ يقول: لم أحدثك، فالقول قول الراوي المعروف بالثقة والإتقان، والشيخ قد نسي.

стр. 353

وأولى من ذلك بالقبول حين يكون الشيخ متردداً غير جازم بالإنكار، فيكون حفظ الثقة مرجحاً، ومن هذا لو أن الشيخ قال لراويه عنه: لم أحدثك، فرد وقال،: بل حدثتني، فأقره الشيخ. مثل: ما حدث به محمد بن جعفر غندر، قال: حدثنا شعبة، عن صدقة، قال: سمعت ابن عمر، وسأله رجل، فقال: إني أهللت بهما جميعاً، قال: " لو كنت اعتمرت كان أحب إلي "، ثم أمره فطاف بالبيت وبالصفا وبالمروة، وقال: " لا يحل منك شيء دون يوم النحر ". ثم إن شعبة نسي هذا الحديث، فقلت له: إنك حدثتني به، قال: إن كنت حدثتك به فهو كما حدثتك (١). وربما وقع من الشيخ من بعد أن يحدث بذلك الحديث عن راويه عنه عن نفسه. مثل: ما حدث به عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، ﵁: أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد. قال عبد العزيز: فذكرت ذلك لسهيل، قال: أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة، أني حدثته إياه ولا أحفظه. قال عبد العزيز: وقد كان أصاب سهيلاً علة أذهبت ببعض حفظه، ونسي بعض حديثه، فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه (٢). قلت: وهذه المسألة غير تراجع الشيخ عما حدث به مبيناً عن خطئه، فإنه لو فعل ذلك فالقول قوله.

стр. 354

والحالة الثانية، وهي عمل الإمام بخلاف رواية راو حدث هو عنه بتلك الرواية وقال بخلافها. فهذا لا يقدح به على الراوي ولا على الحديث، فمعلوم أن لترك العمل بالحديث أسباباً عدة، فقد يكون تركه لمعارض أقوى عنده، أو قياس أو احتمال نسخه، أو غير ذلك. فهذا مالك روى عن نافع وهو الثقة الحافظ عنده، عن ابن عمر حديث البيعين بالخيار، ولم يقل به مالك؛ لأنه رأى عمل أهل المدينة على خلافه. قال الخطيب: " إذا روى رجل عن شيخ حديثاً يقتضي حكماً من الأحكام، فلم يعمل به، لم يكن ذلك جرحاً منه للشيخ؛ لأنه يحتمل أن يكون ترك العمل بالخبر لخبر آخر يعارضه، أو عموم، أو قياس، أو لكونه منسوخاً عنده، أو لأنه يرى أن العمل بالقياس أولى منه، وإذا احتملت ذلك لم يجعله قدحاً في راويه " (١). الصورة الخامسة: الرواية عن المجروحين والمجهولين . وقع هذا من نفر كثير من الثقات، بل حفاظ الناس ومتقنيهم. قال بندار (محمد بن بشار): " ضرب عبد الرحمن بن مهدي على نيف وثمانين شيخاً عنهم الثوري " (٢). وقال عبد الرحمن بن مهدي: " اتقوا هؤلاء الشيوخ، واتقوا شيوخ أبي عامر العقدي المدنيين " (٣). وهذا الأعمش أنكروا عليه التحديث ببعض الحديث الذي يكون من

стр. 355

طريق المجروحين، فيبين وجه ذلك فيقول: " كنت أحدثهم بأحاديث يقولها الرجل لأخيه في الغضب، فاتخذوها ديناً، لا والله لا أعود إليها أبداً " (١). وكان حدث عن موسى بن طريف عن أبيه عن علي: " أنا قسيم النار "، فقيل له: لم رويت هذا؟ فقال: " إنما رويته على الاستهزاء " (٢). وذكرت في الكلام عن أصل (هل رواية الثقة عن رجل تعديل له؟ ) (٣) جماعة من الثقات عرفوا بالرواية عن المجهولين حتى أكثروا، ومع ذلك فلم يسقط حديثهم. فمثل هذا لا يكون الحمل فيه على الثقة، ولا يصح أن يعد بمجرده سبباً للقدح في الراوي. فتأمل ذلك واعلم أن كثيراً من النقلة تكلم فيهم بسبب ذلك، وهم في أنفسهم وحديثهم ثقات. مثل: (عيسى بن موسى غنجار)، قال الحاكم: " لم يؤخذ عليه إلا كثرة روايته عن الكذابين " (٤). وقال: " يحدث عن أكثر من مئة شيخ من المجهولين لا يعرفون، بأحاديث مناكير، وربما توهم طالب هذا العلم أنه يجرح فيه، وليس كذلك " (٥). وإنما كان من حال بعض النقلة أنهم لم يعرف لحديثهم مخارج إلا من جهة روايتهم عن المجروحين، فهؤلاء لو افترضنا ثقة أحدهم في نفسه، فما هو بثقة في حديثه، وإن كان الحمل فيه على من فوقه، بل التحقيق أنه لا معنى لوصف هذا الراوي بالثقة؛ لما في ذلك من التغرير بروايته.
следующие страницы →