أما كتب الكنى المستقلة كالثلاثة التي ذكرت، فذكره فيها من شرطها.
٤ _ من اشتهر بكنيته وله اسم معروف.
مثاله: (أبو عاصم النبيل) و (أبو العالية الرياحي) و (أبو إدريس الخولاني).
وهذا أكثر الأقسام وروداً في الأسانيد، وهو لا يذكر في فصل (الكنى) في كتابي البخاري وابن أبي حاتم، إنما من كان منهم من شرط " تهذيب الكمال " وجدته فيه، ومن لم يكن في شرطه فربما وجدته في كتب الكنى المستقلة، وربما لم تجده؛ لأنها لم تستوعب جميع ذلك.
على أنك إذا جئت إلى من يذكر بالكنى ممن بعد مسلم والدولابي ومن قرب من طبقتهما ممن ألف في ذلك، فإنه يشق الوقوف عليه، وبخاصة من كان من هذا القسم منهم، وابن عبد البر مع تأخر زمانه إلا أنه اقتصر على أصحاب الكنى قبل شيوع التصنيف في الحديث، إلى نحو أواسط المئة الثالثة.
فالطريق الأقرب لاكتشافهم بعلامة أخرى في الإسناد، على ما يأتي في (المبحث الثالث).
٥ _ من ذكر بكنية، وهو مشهور باسمه.
مثاله: (أبو حفص عمر بن الخطاب) و (أبو الحسن علي بن أبي طالب) و (أبو عبد الله بن مالك بن أنس) و (أبو بسطام شعبة بن الحجاج).
وهذا الصنف ذكره على سبيل التتمة للأقسام، وإلا فإنهم لا يذكرون في الأسانيد بكناهم دون أسمائهم.
ومما عليك أن تلاحظه:
أن من الرواة من يذكر بكنيته منسوباً إلى أبيه أو جده بكنية الأب أو الجد، مثاله:
стр. 72
(أبو القاسم بن أبي الزناد)، اسم أبيه: عبد الله بن ذكوان.
(أبو بكر بن أبي شيبة)، هو: عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان، و (أبو شيبة) كنية جده إبراهيم.
(أبو عبيدة بن أبي السفر)، هو: أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي سفر، واسم (أبي السَّفر) سعيد بن يحمد.
كما ينبغي أن تلاحظ أن من الألقاب ما أتى على لفظ الكنية، كما سيأتي في (تمييز الألقاب).
الدلالة الثالثة: تمييز الأنساب
(النسب) تكون إلى قبيلة أو الجد أو البلد أو الصنعة أو غير ذلك، وهي واقعة في الرواة على الوجوه المختلفة.
من أمثلتها:
(الأشجعي) يروي عنه أبو النضر هاشم بن القاسم وطبقته، هو: عبيد الله بن عبيد الرحمن، ونسبته إلى القبيلة.
(المسعودى) يروي عنه أبو نعيم الفضل بن دكين وطبقته، هو: عبد الرحمن بن عبد الله، ونسبته إلى الجد.
(الفريابي) من أصحاب سفيان الثوري، هو: محمد بن يوسف، ونسبته إلى البلد.
(المجمر) من أصحاب أبي هريرة، هو: نعيم بن عبد الله، ونسبته إلى صنعة، وهي تجمير المساجد، أي تطيبه بالبخور.
وما من راو ٍإلا وله نسبة، وليس يعني الباحث في الرجال معرفة ذلك إلا بمقدار ما يفيد في التعريف بشخصية الراوي.
стр. 73
كذلك المقصود ههنا: من يأتي من الرواة في الأسانيد بنسبه فقط، أو بنسبه مع علامة لا تساعد في تمييزه، أما من يأتي اسمه مقروناً بنسبه، وهو كثير في الرواة جداً، فهذا ليس معنياً بهذه الدلالة لإمكان الوقوف عليه بطريق سهلة.
الطريق إلى تميزها:
بالنظر فيما يأتي:
١ _ فصل خاص في (الأنساب) في أواخر " تهذيب الكمال " وفروعه، وذلك إذا كان الراوي من شرط " التهذيب ".
٢ _ كتب مخصوصة مؤلفة في (الأنساب) رتبت على حروف المعجم.
وليس فيها أفضل ولا أجمع من كتاب " الأنساب " للحافظ أبي سعد السمعاني (المتوفى سنة: ٥٦٢).
لكنك قد لا تقف على بغيتك فيه، فإنه يذكر النسبة ويذكر أمثلة ممن يندرج تحتها من الرواة أو غيرهم، ولا يستقصي.
٣ _ يقع في (الأنساب) الاشتباه كثيراً في الرسم والضبط، فربما وجدت بغيتك في كتب (المشتبه)، خصوصاً الثلاثة التي أسلفت ذكرها في (تمييز الأسماء).
٤ _ إن وقعت النسبة إلى بلد، فارجع إلى اسم ذلك البلد في " معجم البلدان " للعلامة المؤرخ ياقوت الحموي (المتوفى سنة: ٦٢٦).
فإن عجزت فارجع إلى المرحلة الثانية في المبحث التالي.
الدلالة الرابعة: تمييز الألقاب
اللقب: أن يدعى الإنسان بغير اسمه من الأوصاف التي تلحقه لسبب، وتجيء مدحاً وهو قليل، مثل: (الصديق، والصادق، وزين العبدين)، أو
стр. 74
ذماً وهو الغالب، مثل ما يتبع صفة خلقية وهو كثير، كـ (الأعمى، والأصم، والأعرج، والأسود، والأزرق) أو أمراً آخر كـ (غندر) وقيل معناه (المشغب).
كما يأتي أحياناً بصيغة الكنية، وهو لقب، مثل: (أبي الزناد) لقب عبد الله بن ذكوان، وكنيته (أبو عبد الرحمن). ومثل: (أبي الشيخ) لقب أبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني.
ومجيء الراوي في الأسانيد بلقبه كثير شائع، ويأتي في الغالب مهملاً من علامة زائدة، فترى قول المحدث:
(عن الأعرج) يعني عبد الرحمن بن هرمز.
و (عن الأعمش) يعني سليمان بن مهران.
و (حدثنا بندار) يعني محمد بن بشار.
والتيقظ لذلك من مهمات علم الرجال، والغلط فيه يقع كثيراً، فربما تبادر إلى ذهنك أنه اسم فتذهب تبحث عنه في الأسماء فلا تراه فيها، فتحسب أنه غير موجود.
فلو جئت إلى قول ابن أبي فديك: حدثني حماد بن أبي حميد الزرقي، عن عون بن عبد الله، في حديث خرجه أبو عبد الله بن ماجة في " سننه " (١)، فإنك لا يتبادر إلى ذهنك أن (حماداً) لقب، لمجيء مثله في الأسماء عادة، وستذهب للبحث عنه فيها.
نعم؛ لو بدأت بـ"تهذيب الكمال " أو بعض فروعه وعدت إلى من اسمه (حماد) وجدت الإحالة على اسمه الحقيقي، وذلك لما لقي رجال الأئمة الستة من العناية، لكن هب أنك عدت إلى " تاريخ"
البخاري أو
стр. 75
" الجرح والتعديل " فإنك سوف لن تجد له ذكراً فيمن اسمه (حماد)، ولو كان الرجل ليس من شرط " تهذيب الكمال " فليس لك حيلة للكشف عن حقيقته في الأسماء، وحينئذ فلا تعجل بالنفي، فجائز أن يكون لقباً.
ومن أشد ما يقع التغرير به من ألقاب الرواة مجيء الراوي بلقبه منسوباً إلى أبيه، كهذا المثال، وكقول المحدث: (حدثنا وهبان بن بقية) أو (عارم بن الفضل) أو (عبدان بن عثمان)، فهؤلاء مذكورون بالألقاب لا بالأسماء، فـ (وهبان): وهب، وعـ (عارم) محمد، و (عبدان) عبد الله.
الطريق إلى تمييزها:
بالبحث فيما يلي:
١ - " تهذيب الكمال " وفروعه في فصل خاص في أواخرها.
٢ - كتب مفردة في هذا الباب، من أجمعها كتاب " نزهة الألباب في الألقاب " للحافظ ابن حجر العسقلاني.
٣ - كتب (المشتبه) في أفراد من تلك الألقاب ليست كثيرة.
٤ - في بعض معاجم اللغة، كـ" القاموس المحيط " وغيره ضمن المواد اللغوية، والبحث عن اللقب فيها كالبحث عن أي مادة لغوية بالتجريد من الحروف الزائدة في الكلمة.
حكم استعمال ألقاب المحدثين في دراسة الأسانيد:
تعريف الراوي باسمه أو كنيته أو نسبه؛ هو الأصل في تمييز الناس، ولو نقل عن إنسان كراهته لاسم أو كنية أو نسب عرف بها واشتهر، فلا ينبغي أن يرد في ذلك محذور، وإن لم يأت على رضاه، أما الألقاب فإنه قد دخل الحرج على بعض أهل العلم من التعريف بما كان يرجع منها إلى قبح وذم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الفُّسُوقُ
стр. 76
بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١]، ووجدوا النقل عن بعض الرواة بكرا هتهم لما لقبوا به.
والتحقيق:
أن هذه الألقاب أصبحت لمن عرف وشاع ذكره بها بمنزلة الاسم العلم، لا تذكر على سبيل الانتقاص، فلا تتصور محدثاً يأتي على ذكر (الأعمش) في إسناد وهو يقصد شينه بصفة العمش، إنما هو في استعماله بمنزلة قوله: (سليمان بن مهران)، بل ربما اقترن عنده ذكر (الأعمش) بأجمل الصفات اللائقة به ﵀، فهو يستحضر (الأعمش) الأمام الثقة الحافظ المتقن القارىء الصالح.
وأنت ترى في الأسماء ما لو رجعت إلى أصله ومعناه وأصل اشتقاقه لو جدته يرجع إلى معنى غير محمود، لكن حيث عرف به المسمى به وصار علماً عليه فقد أهمل اعتبار أصله، فلا فرق في اعتبار هذا المعنى في الألقاب لنفس العلة.
قال عبدة بن سليمان (مروزي ثقة): سمعت ابن المبارك وسئل عن (فلان القصير) و (فلان الأعرج) و (فلان الأصفر) و (حميد الطويل)؟ قال: " إذا أراد صفته ولم يرد عيبه فلا بأس " (١).
وقال أبو بكر الأثرم: سمعت أحمد - يعنى ابن حنبل - سئل عن الرجل يعرف بلقبه؟ قال: " إذا لم يعرف إلا به جاز " ثم قال: " الأعمش إنما يعرفه الناس بهذا " (٢).
стр. 77
وقال أبو داود السجستاني: سمعت أحمد سئل عن الرجل يكون له اللقب، لا يعرف إلا به، ولا يكرهه؟ قال: " أليس يقال: سليمان الأعمش، وحميد الطويل؟ " كأنه لا يرى به بأساً (١).
الدلالة الخامسة: تمييز الأبناء
المراد بهذا من يأتي من الرواة في الأسانيد بصيغة (ابن كذا).
وهو الواقع في رجال الحديث بإضافة (ابن) إلى:
١_ الأب، كقول المحدث: (حدثني ابن إسحاق) يعني محمداً صاحب " السيرة " و (عن ابن أبي ليلى) يعني عبد الرحمن، أضيف إلى أبيه بكنية الأب، وكذلك هو محمد عبد الرحمن بن أبي ليلى، أضيف إلى جده.
٢ _ الجد، كقول المحدث: (عن ابن جريج) يعني عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أضيف إلى جده، و (عن ابن شهاب) يعني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وأضيف إلى جد أعلى.
و (حدثنا ابن منيع) يتبادر أنه نسبة للأب، وهو كذلك في الحافظ (أحمد بن منيع)، ولا يشكل هذا، لكنه يشكل في ابن ابنته (أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي)، فإن كثيراً من المحدثين يقول فيه: (ابن منيع) ينسبه إلى جده من قبل أمه.
٣ _ الأم، كقول المحدث: (حدثنا ابن علية) يعني إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، أضيف إلى أمه.
وحكي أنه كان يكره ذلك (٢)، ومن أجل كراهته فقد كان الإمام أحمد روى عنه في " المسند " حديثاً كثيراً، لا يكاد ينسبه إلا إلى أبيه.
стр. 78
٤ _ العم، كقول المحدث: (حدثنا ابن أخي ابن وهب) يعني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، أضيف إلى عمه عبد الله بن وهب.
الطريق إلى تمييز ذلك:
ليس بين أيدينا مصنف خاص في تمييز من يأتي على هذه الصفة من الرواة، سوى فصل تراه آخر " تهذيب الكمال " وفروعه نافع، ومن لا يعرف اسمه من الرواة ربما وجدته في آخر " الجرح والتعديل ".
الدلالة السادسة: تمييز النساء
الروايات من النساء قليلات، وكثير منهن لا تقف لهن في تراجمهن على أكثر من ذكر أسمائهن.
وأسماء النساء ظاهرة في الغالب، فإذا وافقك ذكر امرأة في الإسناد، فطريق الوقوف على ترجمتها بالرجوع إلى:
١_ فصل (النساء) من " تهذيب الكمال " وفروعه في آخر الكتاب.
٢ _ جزء خاص في " الطبقات الكبرى " للحافظ محمد بن سعد (المتوفى سنة: ٢٣٠) وهو آخر الكتاب، عقد النساء.
٣ _ " الثقات " لابن حبان، وطريقته ذكر أسماء الرجال في كل طبقة على الحروف، ثم يتبعها أسماء النساء من ذلك الحرف.
٤ _ وللصحابيات انظر: آخر " الإصابة " لابن حجر، ولغيرهن فصلاً في (النسوة المجهولات) في آخر " الميزان " للذهبي.
٥ _ وفي بعض كتب البلدان، مثل " تاريخ دمشق " لا بن عساكر، في آخره.
٦ _ وأجمع ما كتب في ذكر في أسمائهن لكنه لم يقتصر منهن على
стр. 79
المحدثات، كتاب " أعلام النساء " للعلامة المؤرخ عمر رضا كحالة، وفيه فوائد جمة.
وقولي فيما تقدم: (أسماء النساء ظاهرة في الغالب) وأشير إلى وقوع اللبس في بعض ذلك نادراً، فـ (أسماء) و (جويرية) من أسماء النساء عادة، و (طلحة) من أسماء الرجال عادة، لكنك تجد في الرجال (أسماء بن الحكم) وغيره، و (جويرية بن أسماء) وغيره، وفي النساء (طلحة أم غراب) , وهكذا، ولا يقع الإشكال في ورود الاسم منسوباً إلى الأب أو بعلامة تزيل الاشتباه، وإنما يقع فيما يأتي مهملاً من الأسماء، مثل (جويرية) المذكور آنفاً.
وربما بحثت عن المحادثة فلم تجد لها ترجمة ولا ذكر في غير الإسناد الذي وجدتها فيه، فانتبه لذلك.
تتمة:
ما تراه من الصفات زائدة تذكر في الراوي في سياق الإسناد غير ما تقدم ذكره في الدلالات آنفاً، مثل نسبة الراوي إلى مولاه، كقول المحدث: (عن نافع مولى ابن عمر)، أو ذكر صفات ثناء أو جرح للراوي كقول المحدث: (حدثنا فلان وكان ثقة)، أو: (وكان ضعيفاً)، أو حكاية بعض شأنه أو عام تحديثه أو بلد تحديثه، أو غير ذلك، فكله مفيد في التعريف بالراوي، وهو بمنزلة القيد المساعد للوقوف على حقيقته، لكن لا يقوم شيء من ذلك مجرداً كعلامة لتحقيق ذلك.
* * *
стр. 80
المبحث الثالث:
تميز الراوي بمعرفة شيوخه وتلاميذه وطبقته
هذا الفصل يمثل (المرحلة الثانية) من البحث عن الراوي وتمييزه.
وقد تقدم في (المبحث السابق) توضيح المفاتيح الأولى للوقوف على الراوي في كتب التراجم، وتكون تلك المفاتيح في الغالب قائدة إليه ودالة عليه، وفي أحيان كثيرة لا تسعفك في الوقوف على المراد مع الوضوح في العلامة، بسبب الاشتراك في الأسماء.
وعلى أي الحالين فأنت محتاج إلى مراعاة ما سأبينه لك في هذا الفصل لسببين:
أولهما: إذا وقفت على الاسم في كتب التراجم، فلا يصح الجزم بأنه هو المراد بمجرد اتباع تلك الخطوة من البحث حتى تنضم إليها قرائن أخرى يتحصل بها اليقين بأنه المقصود.
وثانيهما: إذا وقفت عليه ضمن عدد كلهم يسمون بمثل اسمه ويشاركونه في تلك العلامة الظاهرة، فإنه يتعذر عليك معه أن تقول بمجرد اعتماد الاسم: هو فلان، وإنما تحتاج إلى وسيلة محددة للمقصود.
стр. 81
والإبانة عن ذلك وتوضيحه في فرعين:
الفرع الأول: تمييز الشيوخ والتلاميذ .
الفرع الثاني: تمييز طبقات الرواة.
وفهم هذين الأصلين مقدمة في غاية الأهمية لمرحلة البحث في اتصال الإسناد أو انقطاعه، أو لكشف إمكان سماع الراوي ممن فوقه في الإسناد أو عدمه، فإليك شرح ذلك:
الفرع الأول تمييز الشيوخ والتلاميذ
الشيخ: هو الراوي وقع حمل الخبر عنه في الإسناد.
والتلميذ: هو الراوي الآخذ عن ذلك الشيخ في الإسناد.
والأخذ للخبر حاصل بصيغة من صيغ التحمل، مثل: (حدثنا) و (سمعت) و (عن) و (قال) وشبهها.
فقول البخاري مثلاً: (حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن سعيد)، ابن المثنى شيخ للبخاري، وتلميذ ليحيى بن سعيد.
والعبرة ههنا في ذكر (الشيخ) و (التلميذ) بناء على مجرد وقوع الرواية على تلك الصفة ولو مرة، وليس لها ارتباط بصغر التلميذ وكبر الشيخ، ولا بكثرة ما وقع للتلميذ من الرواية عن الشيخ أو قلة ذلك.
وهذا يقتضي منك أن تنتبه إلى صور واقعة في الأسانيد تأتي على غير المعتاد، مما قد يثير عندك ريبة في صواب الإسناد، أهمها:
١ _ رواية الآباء عن الأبناء .
وقوع رواية الأبناء عن الآباء جار على الجادة لا يحتاج إلى تنبيه
стр. 82
خاص، لكن مجيء الصورة معكوسة مما يجدر أن يلاحظ، نعم؛ ليس له أمثلة كثيرة، إلا أن ملاحظته من دقائق الفن.
مثاله:
قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن أبي عمر العدني، وغياث بن جعفر الرحبي، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا وائل بن داود، عن ابنه، عن الزهري، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ أولم على صفية بسويق وتمر (١).
فمثل هذا قد يحسبه المبتدئ تحرف عن (ابنه) من (عن أبيه)، وإنما هو بكر بن وائل بن داود.
٢ _ رواية الأكابر عن الأصاغر .
المراد هنا من كان متقدماً في السن أو الشيوخ يروي عمن تأخر في السن أو الشيوخ ممن يكون في طبقة تلاميذه، وهي كسابقتها لا تجد كثرة وقوعها، لكنها ربما أوردت الريبة إذا وقعت.
مثالها:
قال النسائي: أخبرنا عمرو بن علي، ومحمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالوا: أنبأنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول أخبرني مالك بن أنس، أن ابن شهاب أخبره، أن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي أخبراه، أن أباهما محمد بن علي أخبرهما، أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن متعة النساء.
قال ابن المثنى: يوم حنين، وقال: هكذا حدثنا عبد الوهاب من كتابه (٢).
стр. 83
فـ (يحيى بن سعيد) في الإسناد أول ما يتبادر إلى الذهن في الرواة عن مالك هو القطان، فإنه كان من تلامذته، ولو قال قائل: هو الأنصاري، فهذا لا يتصور في العادة، فإن الأنصاري تابعي ومن مشاهير شيوخ مالك وأعيانهم، ومالك من أتباع التابعين، كذلك عبد الوهاب الراوي عن يحيى هو ابن عبد المجيد الثقفي من أقران مالك.
لكن هكذا نزل الأنصاري في هذا الإسناد ليروي عن تلميذه مالك، وجاءت رواية الترمذي لهذا الحديث مصرحة بأنه (الأنصاري) (١).
ومن ذلك: رواية صالح بن كيسان عن الزهري. صالحٌ أكبر من الزهري، وقد رأى صالح ابن عمر " (٢).
ورواية إسماعيل بن أبي خالد عن فراس بن يحيى.
قال أحمد بن حنبل: " فراس ثقة، روى عنه إسماعيل، وإسماعيل أكبر منه سناً " (٣).
٣ _ رواية الأقران:
القرين من الرواة: من يجتمع مع الراوي الآخر في الطبقة أو الشيوخ والتلاميذ.
وهذه حاصلة بكثرة في الرواة، كرواية سفيان الثوري عن شعبة بن الحجاج، ورواية شعبة عن الثوري.
قال النسائي: أخبرنا أحمد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله بن الوليد،
стр. 84
قال: حدثنا سفيان، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: قطع أبو بكر ﵁ في مجن قيمته خمسة دراهم (١).
فسفيان هذا هو الثوري، روى عن قرينه شعبة، ولو سألت: كيف تميز لك سفيان هنا بكونه الثوري؟ قلت: عن طريق تلميذه عبد الله بن الوليد، فهو معروف به، وحديثه , وأخذه عنه مشهور، بل هو راوي " الجامع " للثوري.
قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني عمرو بن محمد الناقد، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، حدثنا شعبة، أخبرني سفيان، عن علي بن الأقمر، عن أبي جحيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا آكل متكئاً " (٢).
وهذه رواية شعبة عن قرينه سفيان.
هذه الصورة من رواية الأقران إذا روى القرينان أحدهما عن الآخر يسمونها (المدبج)، وتجد كذلك رواية القرين عن قرينه دون رواية الآخر عنه، ووقوعه أولى، لكن (المدبج) ألطف الصورتين.
٤ _ رواية السابق واللاحق:
الراوي يحدث عنه رجل من القدماء، ثم يعيش ذلك الراوي بعد ذلك الرجل زماناً إلى أن يدركه بعض أصاغر الرواة فيحدثون عنه.
وفائدة معرفة هذه الصورة دفع ظن الغلط في تلاميذ الراوي، فإنك
стр. 85
ربما تسأل: كيف اتفق فلان وفلان في الرواية عن ذلك الشيخ، وبين وفاتيهما زمان بعيد؟
مثاله:
قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى، حدثني أشعث، عن محمد بن سيرين، عن خالد يعني الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم (١).
قال ابن حبان: " ما روى ابن سيرين عن خالد غير هذا الحديث، وخالد تلميذه " (٢).
ومحمد بن سيرين مات سنة (١١٠)، وبقي بعده شيخه في هذا الحديث خالد الحذاء إلى أن مات سنة (١٤١)، فكان ممن أدركه وحدث عنه: عبد الوهاب بن عطاء الخفاف ومات سنة (٢٠٤).
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، حدثنا خالد، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، عن النبي ﷺ أنه قال: " إن المسلم إذا عاد أخاه لم في خرفة الجنة حتى يرجع " (٣).
فهذان روايان اتفقا في التحديث عن خالد الحذاء، وبين وفاتيهما (٩٤) سنة.
وهذا باب صنف فيه الحافظ الخطيب كتاباً سماه " السابق واللاحق " في
стр. 86
كثير منه نظر من جهة ذكر بعض الكذابين الذين ادعوا السماع ممن لم يدركوهم من الشيوخ.
والمقصود هنا أن تتفطن لورود مثل هذه الصورة ولا تستبعد وقوع مثل هذا الفارق في الزمن بين تلميذين لراو معين، أحدهما في واقع الأمر أعلى من طبقة الآخر بطبقتين، والجميع من الثقات والأسانيد إليهم صحيحة.
ما هو المرجع لمعرفة شيوخ الراوي وتلاميذه؟
الطريق للوقوف على ذكر أسماء شيوخ الراوي أو تلاميذه هو الرجوع إلى الكتب الجوامع في تراجم الرجال كمراجعك للمرحلة الأولى من البحث.
ومن أكثرها عناية بذلك " تهذيب الكمال " للمزي، فإنه يجتهد أن يستوعب شيوخ الراوي وتلاميذه، ممن وقعت له رواية من أولئك الشيوخ والتلاميذ عند الأئمة الستة أو غيرهم، إلا أن يكون الراوي روى عن الكثير جداً من الشيوخ مثل: (أحمد بن حنبل)، أو روى عنه الكثير من التلاميذ كـ (أبي هريرة) فلا يأتي على استيعابهم.
فهو في التحقيق أنفعُ مرجع وأوثقه للتحقق من وقوع رواية المترجم عن شيخ ما، أو رواية عنه من تلميذ ما.
ومثل هذا البحث لا يفيدك فيه مجرد الرجوع إلى المختصرات في رواة الحديث، مثل كتاب " تقريب التهذيب " لابن حجر.
إذا كان إسنادك الذي تبحث عن رواته مخرجاً في الكتب الستة أو بعض مصنفات الأئمة الستة الأخرى التي جعلها المزي من شرطه في كتابه، كـ" السنن الكبرى " للنسائي، و " الأدب المفرد " للبخاري، و " الشمائل " للترمذي، وغيرها مما ذكره في مقدمة " التهذيب "، فهذا الإسناد ستجد في ترجمة كل راوٍ من رواته ذكر جميع شيوخه في نفس تلك الكتب، وجميع
стр. 87
تلاميذه فيها كذلك، فيفسر لك المزي اسم الشيخ أو التلميذ بما يزيل الشبهة عنه.
وقد رتب ذلك ترتيباً علمياً، فبدأ في كل ترجمة بذكر الشيوخ، فإذا ذكر التلاميذ، مرتبين على حروف المعجم: الأسماء، فالكنى، فالنساء.
ويرمز بعد اسم الشيخ أو التلميذ برمز من روى له من الأئمة الستة.
نعم؛ أنبهك إلى انضباط تلك الرموز غالباً لا دائماً.
ويزيد في أسماء الشيوخ والتلاميذ ما وقف عليه خارج الكتب التي على شرطه كذلك.
وهذا مثال بترجمة منه:
(محمد بن أبي حفصة، واسمه ميسرة، أبو سلمة البصري.
روى عن: علي بن زيد بن جُدعان، وعمرو بن دينار، وقتادة بن دعامة، ومحمد بن زياد الجمحي ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري (خ م مد س)، وأبي جمرة الضبعيِّ.
روى عنه: إبراهيم بن طهمان (س)، وإسماعيل بن حمَّاد بن أبي حنيفة، وحمَّاد بن زيد (مد)، ورَوْحُ بن عبادة (م)، وسعدان بن يحيى اللَّخمي (خ)، وسفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك (خ م)، ومعاذُ بن معاذٍ، وأبو إسحاق الفزاري، وأبو إسماعيل المؤدبُ، وأبو معاوية الضرير) ... (١).
تلاحظ كيف جاءت الأسماء مرتبة، ولا يكاد منها اسم إلا ويقع مثله في الأسانيد بعلامة لا تنبىء عن أمره بوضوح، فيأتيك في الأسانيد: ابن جدعان، وعمرو، وقتادة، وابن شهاب، أو الزهري، وأبو جمرة، وهكذا
стр. 88
في التلاميذ، فلو أنك نظرت في الإسناد فلم تجد فيه اسماً أيسر للوقوف عليه من (محمد بن أبي حفصة) وعدت إلى ترجمته هذه لكفتك كثيراً من الجهد للتعرف على شيخه وتلميذه.
ومن فائدة معرفة الشيوخ والتلاميذ كشف ما يقع من الغلط والتصحيف في أسماء الرواة، فعندك ههنا في شيوخ (ابن أبي حفصة): (أبو جمرة الضبعيُّ)، ويأتي في بعض الأسانيد غير منسوب، ويتصحف إلى (أبي حمزة) بالحاء المهملة أوله والزاي، فيشتبه مع بعض من هو في طبقته ممن يكنى بهذا ويأتي مهملاً من النسبة، فحين ترى في شيوخ الراوي: (روى عن أبي جمرة الضبعي) فإنه لا يبقى مجال للشك مع هذا التمييز.
ورأيت في الترجمة الرمز واقعاً بعد أسماء بعض الشيوخ والتلاميذ، لا بعد جميعها، فأما الشيوخ فلم يقع في الكتب الستة وما يتبعها على شرط " تهذيب الكمال " لابن أبي حفصة عنهم رواية إلا عن الزهري فقط، فله سبعة مواضع في الكتب المشار إليها، موضعان عند البخاري في " صحيحه " (خ) أحدهما من رواية عبد الله بن المبارك، والثاني من رواية سعدان بن يحيى عن ابن أبي حفصة، وعند مسلم في " صحيحه " (م) ثلاثة مواضع أحدهما من رواية ابن المبارك واثنان من رواية رَوْح بن عبادة عن ابن أبي حفصة، ومواضع عند أبي داود السجستاني في كتاب " المراسيل " (مد) من رواية حماد بن زيد عن ابن أبي حفصة (١)، ومواضع عند النسائي في " السنن الكبرى " (س)
من رواية إبراهيم بن طهمان عن ابن أبي حفصة (٢)، وهو كل ماله عندهم من الأسانيد.
وجميع من بقي من شيوخه وتلاميذه تجد الرواية عنهم في غير الكتب
стр. 89
الستة وتوابعها من كتب الأئمة الستة، لكن استحضر أن الأمر في مثلهم أن المزي لم يقصد استيعابهم كما قصد إلى استيعاب رواة ما كان من الكتب على شرطه.
ولا تجد كـ" تهذيب الكمال " كتاباً ينفعك في هذا، إلا ما صار إليه الناس اليوم من جمع المعلومات في أجهزة الحاسب الآلي، وعمل الدراسات في تمييز الرواة، فإنهم إذا أتقنوها وأحسنوها فقد كفوا هما عظيماً.
ويبقى تمييز الشيوخ والتلاميذ للراوي الذي لم يترجم في " تهذيب الكمال " عن طريق الجوامع التي ألفت في تراجم الرواة، والتي أهمها كما تقدم في (مرحلة البحث الأولى): " تاريخ " البخاري و " الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم، ومن جرى على الترجمة على طريقتهما من الكتب اللاحقة، ككتب الثقات والضعفاء، أو كتب تراجم لمؤلفات مخصوصة كـ" تعجيل المنفعة " لابن حجر، أو غير ذلك مما قدمت لك ذكره أو وصفه في (المبحث السابق).
الفرع الثاني تميز طبقات الرواة
مصطلح (الطبقة) كثيراً ما يتردد في استعمال أهل الحديث، وربما رأيته في لسان أهل التاريخ، لكنه بالفريق الأول ألصق.
ومعنى الطبقة: الرواة المطابقون لبعضهم في الزمن حياتاً وموتاً، والمعتبر في المطابقة التقارب في أعمارهم ووفياتهم.
فيقال: " (أيوب السختياني) و (هشام بن عروة) طبقة واحدة، ذلك أن زمانهما واحد، ومن أدركاه من الشيوخ قد تقاربا فيه، ووفاتهما متقاربة كذلك.
стр. 90
والتقارب اصطلاحي لا يعود إلى ضابط:
فعند بعض العلماء: جميع الصحابة طبقة، وجميع التابعين طبقة، وجميع أتباع التابعين طبقة، وهذا روعي فيه الفضل والمنزلة.
وعند بعضهم: الصحابة طبقات، والتابعون فمن بعدهم طبقات، وهذا روعي فيه القدم والسابقة والإدراك.
وبعضهم: كل عشر سنين طبقة، وهذا أشبه بأن يكون لتيسير الحفظ والمعرفة، وهكذا.
والذي تتصل به فائدة في هذا العلم من هذا المبحث هو ما ينبني عليه تمييز المشترك من أسماء الرواة وكناهم وأنسابهم وألقابهم، ومعرفة إدراكهم بمن رووا عنه من عدمه.
وهذا يتحقق بتمييز الطرفين:
الطرف الأول: تمييز مواليد الرواة
اتصال الإسناد شرط لقبول الحديث، وتواريخ مواليد الرواة مقاييس لتصور إمكان اللقاء بين راويين وسماع أحدهما من الآخر، وبها يتم ابتداء حساب طبقته.
وخذ له مثلاً:
هذا فقيه التابعين سعيد بن المسيب، قال عن نفسه بأصح إسناد: " ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب، وكانت خلافته عشر سنين وأربعة أشهر " (١).
فهذا النص يعني أنه أدرك من حياة عمر ﵁ ثمان سنين،
стр. 91
وكان بالمدينة، ومن كان بهذا السن جاز جداً أن يسمع من عمر ومن قاربه في موته ومن تلاه، لكن حديثه عن أبي بكر الصديق ﵁ منقطع جزماً، فقد مات قبل أن يولد.
ولكن لصغر سعيد يوم استشهد عمر، مع كثرة ما حدث عنه مما لا يحتمل سنه أن يكون سمعه من عمر؛ اختلف نقاد المحدثين في سماعه منه:
فكان الإمام أحمد بن حنبل يقول: " هو عندنا حجة، قد رأى عمر وسمع منه إذا لم يُقبل سعيد عن عمر فمن يقبل،؟ " (١).
وخالفه غيره.
فقال عباس الدوري: سمعت يحيى _ يعني ابن معين _ يقول: " سَعيد بن المسيب قد رأى عمرَ وكان صغيراً " قلت ليحيى: هو يقول: ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر؟ فقال يحيى: " ابن ثمان سنين يحفظ شيئاً؟ " (٢).
وعبد الله بن وهب المصري الحافظ قبله قال: سمعت مالكاً - يعني ابن أنس - وسئل عن سعيد بن المسيب: هل أدرك عمر؟ قال: " لا، ولكنه ولد في زمان عمر، فلما كبر أكبَّ على المسألة عن شأنه وأمره حتى كأنه رآه " (٣).
فنفى مالك الإدراك مع إثباته ولادته في زمان عمر، وإنما يراد اصطلاحاً بالإدراك إدراك الزمان، لكن يشبه أن يكون مراد مالك إدراك السماع لصغر سنه.
стр. 92
فلاحظ! كم تقرر هذه القضية من أمر يعتمد عليه ثبوت الإسناد أو عدمه، كما تلاحظ من خلالها تحديد طبقة سعيد بن المسيب، فهو تابعي كبير، أما تابعيته فلإدراكه الصحابة، وأما كبره فلقدمه في الإدراك، فإن مولده كان بعد رسول الله ﷺ بنحو خمس سنين.
واعلم أن تحديد مواليد الرواة لم يعتن به الناس كما اعتنوا بحفظ وفيات الشيوخ، خصوصاً في الطبقات الأولى، ولذلك يقل في الرواة من تذكر سنة ولادته، وربما كان السبيل إلى تحديد مولده البحث في طريق أخرى تفيده ولو على وجه التقريب، ومما يستعمل في ذلك طرق، منها:
١ - أن يحفظ تحديد عمر الراوي مع سنة وفاته، فيطرح عمره من تاريخ وفاته، فيخلص إلى مولده.
مثاله:
(عامر بن شراحيل الشعبي) اختلفوا في عمره، فمنهم من قال: (٧٧) سنة، ومنهم من قال: (٧٩) سنة، ومنهم من قال: (٨٢) سنة، ومات سنة (١٠٤) أو بعدها بقليل، فلو نظرت مولده بهذا الاعتبار وجدته سنة (٢٧) أو (٥٢) أو (٢٢).
وهذا يعني أنه ولد قبيل مقتل عمر ﵁، أو بعيده في خلافة عثمان ﵁.
وروى عن جماعة من الصحابة قيل في روايته عنهم: (مرسلة لم يسمع منهم)، هم: عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وطلحة ين عبيد الله، وأسامة بن زيد، وعلي بن أبي طالب، وعوف بن مالك الأشجعي، وعائشة أم المؤمنين، وأم هانىء بنت أبي طالب، وعبد الله بن عمر.
ويمكنك أن تحقق إمكان السماع من عدمه في حق الشعبي من هؤلاء الصحابة، وذلك بالنظر في وفاة كل منهم وكم أدرك الشعبي من زمانه.
стр. 93
٢ - أن يقارن بآخر قد عرف مولده أو سنه.
مثاله:
قال الحافظ أحمد بن عبد الله العجلي: " أبو إسحاق أكبر من عبد الملك بن عمير بسنتين " (١).
أبو إسحاق هذا هو عمرو بن عبد الله السبيعي، مولده سنة (٣٢) أو نحوها، فيكون عبد الملك قد ولد سنة (٣٤) أو نحوها، وحيث إنه مات سنة (١٣٦) فهو قد زاد على المئة سنتين، وقد قال ذلك خليفة بن خياط (٢).
٣ - أن يكون مقبول الرواية ويحفظ عنه السماع الصريح في روايته من شيخ قد علمت سنة وفاته، فيستدل بوفاة ذلك الشيخ على وقوع مولد التلميذ قبلها بزمن تمكن فيه من السماع منه.
مثاله: (أبو البختري سعيد بن فيروز الطائي) رجل من ثقات التابعين، تكلموا في إدراكه لجماعة من الصحابة وسماعة منهم: عمر بن الخطاب، وأبي ذر الغفاري، وعبد الله بن مسعود، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وعائشة أم المؤمنين، ورافع بن خديجة، وأبي سعيد الخدري.
لكن قد ثبت عن أبي البختري قال:
أتينا علياً فسألناه عن أصحاب محمد ﷺ ، فقال: عن أيهم؟ قال: قلنا: حدثنا عن عبد الله بن مسعود، قال: علم القرآن والسنة ثم انتهى، وكفى بذلك علماً، قال: حدثنا عن أبي موسى، قال: صبغ في العلم صبغة، ثم خرج منه، قال: قلنا: حدثنا عن عمار بن ياسر، فقال: مؤمن
стр. 94
نسي، وإذا ذكر، قال: قلنا: حدثنا عن حذيفة، فقال: أعلم أصحاب محمد بالمنافقين، قال: قلنا: حدثنا عن أبي ذر، قال: وعى علماً ثم عجز فيه، قال: قلنا: أخبرنا عن سلمان، قال: أدرك العلم الأول والعلم الآخر، بحر لا ينزح قعره، منا أهل البيت، قال: قلنا: فأخبرنا عن نفسك يا أمير المؤمنين، قال: إياها أردتم؟ كنت إذا سألت أعطيت، وإذا سكت ابتدئت (١).
فهذا الخبر صريح في لقائه علي بن أبي طالب ﵁ وسماعه منه ضمن من أتاه فسأله عن هؤلاء الصحابة.
وإذا كان في موضع من يأتي علياً ليسأله مثل هذه المسائل، أو يسأل علي بحضرته وهو يدرك تلك المسائل، فهو في سن تؤهله لذلك، وإذا لم نصحح سماعه ممن تقدم علياً في الوفاة من الصحابة، فإنه قد أدرك علياً فمن بعده من الصحابة المذكورين آنفاً: زيد وعائشة ورافع وأبي سعيد، فإنهم جميعاً ماتوا بعد علي.
تنبيه:
قد يرد ذكر سماع الراوي من شيخ علمت سنة وفاته، لكن يكون السماع غير محفوظ، ويرجع إلى وهم من ثقة أو ادعاء من مجروح، أو سقط وتحريف في نسخة، فلاحظ ذلك وتحقق من ثبوت السماع.
وهاك أمثلة:
المثال الأول: قال خلف بن خليفة: رأيت عمرو بن حريث صاحب النبي ﷺ وأنا غلام صغير (٢).
стр. 95
وفي رواية: وأنا يومئذ ابن ست سنين (١).
هكذا زعم خليفة، وهو رجل كان ثقة فتغير في آخر عمره، وهذه الدعوى عدت وهماً منه عند بعض أهل التحقيق، ولم يتجاسر آخرون على إنكارها من أجل ما ثبت لهم من وصف خليفة بالصدق.
وسبيل من أنكرها أصح في النقد، وذلك أن عمرة بن حريث ﵁ توفي سنة (٨٥) وخليفة توفي سنة (١٨١) أو بعيدها، وجزم ابن سعد بأنه حين مات كان ابن (٩٠) سنة أو نحوها (٢)، وقال غيره: له (١٠١) سنة، فعلى عمره الأول يكون مولده سنة (٨٠) فيكون أدرك من حياة عمرو خمس سنين.
والذي يفصل في بيان الصواب في عمر خليفة ما ورد عنه من قوله: " قرض لي عمر بن عبد العزيز وأنا ابن ثماني سنين، وفرض لأخ في وهو ابن ست سنين وألحقنا بموالينا " (٣).
وعمر إنما ولي الخلافة سنة (٩٩) بلا خلاف، فلو كان فرض لخليفة في أول ولايته، فاطرح ثمانية وهي عمر خليفة يومئذ من (٩٩) فيكون مولده سنة (٩١) وهذا المتفق مع ما قال ابن سعد.
فيتحصل من ذلك أن خليفة ولد بعد موت عمرو بن حريث بست سنين، فأنى له أن يراه؟
إذا ليس هو بتابعي، بل كأقرانه من طبقة أتباع التابعين، ودعواه تلك وهم منه.
стр. 96
ولذا ذكر الإمام أحمد بن حنبل خلفاً وقوله رأيت عمرو بن حريث، فقال أحمد: قال ابن عيينة: " كذب، لعله رأى جعفر بن عمرو بن حريث " (١).
وقال أبو الحسن الميموني: سمعت أبا عبد الله _ يعني أحمد بن حنبل _ يسأل: رأى خلف بن خليفة عمرو بن حريث؟ " قال أبو عبد الله: " هذا ابن عيينة وشعبة والحجاج لم يروا عمرو بن حريث، يراه خلف؟ ! ما هو عندي إلا شُبَّه عليه " (٢).
المثال الثاني: قال الترمذي حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن أيوب بن موسى، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: قال رسول الله ﷺ :
" من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (الم) حرف ولكن (ألف) حرف، و (لام) حرف، و (ميم) حرف " (٣).
فقول القرظي: (سمعت عبد الله بن مسعود) يثبت أنه تابعي قديم يلحق بطبقة علقمة والأسود من أصحاب ابن مسعود، وحيث أن ابن مسعود مات سنة (٣٢) أو (٣٣)، فهذا يعني إدراك القرظي لعثمان بن عفان ﵁ وجميع من مات بعد ابن مسعود من الصحابة.
стр. 97
والإسناد بهذا إليه صحيح، ولذا قال الترمذي في الحديث: " حديث حسن صحيح ".
وازدادت الشبهة بقول قتيبة بن سعيد: " بلغني أن محمد بن كعب القرظي ولد في حياة النبي ﷺ "، فاعتمد ذلك أبو داود السجستاني فقال: " سمع من علي ومعاوية وعبد الله بن مسعود " (١).
والتحقيق أن ذلك وهم، فأما قول قتيبة الذي اعتمده أبو داود والترمذي فإنما حكاه عمن لا يعرف.
ورده البخاري بقوله: " لا أدري حفظه أم لا " (٢).
وسبب ذلك أن المعروف عند أهل السير أن أباه كعباً ممن نجا من القتل بحكم سعد بن معاذ في بني قريظة؛ لأنه لم ينبت بعد.
ولهذا عد كعباً في الصحابة من توسع فذكر من ولد في حياة النبي ﷺ وإن لم يذكر برؤية أو رواية، كالحافظ ابن عبد البر، وهذا على شرط آخرين كابن حبان معدود في التابعين، وقد ذكره فيهم " (٣).
فمن كان أبوه محل تردد هل يعد في الصحابة أو لا يعد فيهم لصغره في أواخر حياة النبي ﷺ ؛ فكيف لابنه أن يصح له السماع من الأقدمين؟
وقد ذكروا أن محمد مات سنة (١١٨) أو (١١٧) وهو ابن ثمانين سنة.
وهذا يعني أنه ولد سنة (٣٨) أو (٣٧)، فكيف يصح أن يثبت له سماع من ابن مسعود على ما تقدم في وفاته؟ وكيف يصح له من علي وقد استشهد سنة (٤٠)؟
стр. 98
وأشبه الأقاويل في مولده والمتفق مع هذا التحقيق قول الحافظ يعقوب بن شيبة: " ولد في آخر خلافة علي سنة أربعين " (١).
وكأن من ذكر مولده في حياة النبي كلى الله عليه وسلم قصد أباه، ولأبيه رواية عن علي بن أبي طالب من رواية محمد عنه، فيما ذكر ابن حبان.
والوهم في ذكر السماع في حديث ابن مسعود يشبه أن يكون من قبل الضحاك بن عثمان، فقد كان يخطئ.
المثال الثالث: وقع من جماعة رووا عن أنس بن مالك ﵁، وزعموا أنهم سمعوا منه وكانوا أحياء بعد سنة (٢٠٠)، فهذا بقاء للتابعين إلى ما بعد المئتين لو صدق هؤلاء، ولكنهم كانوا يكذبون.
منهم: " إبراهيم بن هدبة أبو هدبة البصري، فهذا رجل كان يقول في أحاديثه: " حدثنا أنس بن مالك "، وكان أبو هدبة كذاباً، دخل بغداد وحدث عن أنس، فسألوه أن يخرج رجله، خافوا أن يكون شيطاناً قد تمثل لهم فأرادوا أن يعرفوه بذلك (٢).
قال ابن حبان: " دجال من الدجاجلة، وكان رقاصاً بالبصرة يدعى إلى الأعراس فيرقص فيها، فلما كبر جعل يروي عن أنس ويضع عليه " (٣).
وقد رأوا أن أنساً ﵁ مات سنة (٩٣) أو قبيلها، فيحتاج ابن هدبة هذا ليعمر (١٢٠) سنة أو أكثر ليتسنى له السماع من أنس، والناس الذين اتهموه لم يروا سنه مؤهلاً لذلك، زيادة على ما عملوا من سوء حاله ومن روايته ما لا يرويه الناس.
стр. 99
الخلاصة:
إذاً، استعمال المواليد والوفيات من أهم الطرق لـ:
١ _ تمييز طبقات الرواة من جهة ابتدائها.
٢ _ تمييز إدراك الراوي لمن حدث عنه من الشيوخ (١).
٣ _ كشف الوهم والغلط في ذكر السماع.
٤ _ كشف زيف الكذابين في ادعاء السماع وقدم الطبقة.
قال الحافظ أبو علي الحسين بن علي النيسابوري: لما حدث عبد الله بن إسحاق الكرماني عن محمد بن أبي يعقوب أتيته، فسألته عن مولده؟ فذكر أنه ولد سنة إحدى وخمسين ومئتين، فقلت له: مات محمد بن أبي يعقوب الكرماني قبل أن تولد بسبع سنين، فاعلمه (٢).
الطرف الثاني: تمييز وفيات الرواة
الكلام في الوفيات من نفس باب الكلام في المواليد من جهة ما بين الأمرين من العلاقة، كما تراه واضحاً مما تقدم في المواليد، بل إن الوفيات مقاييس لتمييز المواليد، والعناية بها وقعت أكثر، وحفظها في تراجم الرواة كثير شائع، ولعلك لا تجد راوياً عرفت سنة ولادته وجهلت سنة وفاته، لكنك تجد رواة كثيرين علمت وفياتهم ولم تعلم مواليدهم.
ومن خلال الأمثلة المتقدمة تلاحظ أن وفيات الشيوخ قاعدة لمعرفة أعمار الرواة تحديداً أو تقديراً، فيتبين لك من خلالها: طبقة الراوي، ومن
стр. 100
أدرك من الشيوخ، ومن أدركه من التلاميذ ومن طابقه وقارنه من أمثاله وأقرانه، كما تميزه بها عمن رافقه في الاسم وخالفه في زمنه.
وهذا الطريق والذي قبله من أقوى ما يميز به الكذابون، فإن طائفة كثيرة منهم لم يكن لهم حظ من نور حديث رسول الله ﷺ ولا سمعوه، فعمدوا إلى وضع المتون وركَّبوا لها الأسانيد، وأرادوا لبضاعتهم أن تروج، فألصقوها بالمعروفين من الثقات الذين كتب الله لهم القبول عند الناس، ولم يكن أولئك الكذابون أدركوا أولئك الثقات.
وطائفة ادعت السماع من بعض الكبار أرادت أن تتشرف بالأخذ عنهم، فقصدت إلى تزوير علو الطبقة وإيهام القدم، إلى غير ذلك من دواعي الكذب.
عن إسماعيل بن عياش قال: كنت بالعراق، فأتاني أهل الحديث، فقالوا: ههنا رجل يحدث عن خالد بن معدان، فأتيته، فقلت: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟ قال: سنة ثلاث عشرة، فقلت: أنت تزعم أنك سمعت من خالد بن معدان بعد موته بسبع سني ن، قال إسماعيل: مات خالد سنة ست ومئة (١).
وقال الحافظ أبو حسان الحسن بن عثمان الزيادي: سمعت [حماد] بن زيد يقول لم نستعن على الكذابين بمثل التاريخ، نقول للشيخ: سنة كم ولدت؟ فإذا أخبر بمولده عرفنا كذبه من صدقه "، قال أبو حسان: فأخذت في التاريخ، فأنا أعمله من ستين سنة (٢).
стр. 101
أين جحد المواليد والوفيات؟
مرجعك لمعرفة مواليد الرواة ووفياتهم كتب التراجم الجوامع، كـ" تهذيب الكمال "، وفروعه، وكتب الذهبي كـ" سير أعلام النبلاء: و " تاريخ الإسلام " و " العبر "، ومن قبلها كتب التاريخ على السنين، كـ " المنتظم " لابن الجوزي وشبهه، كما تجد في كتب الأقدمين أصول المصنفات المفيدة في هذا الباب، مثل " التاريخ " و " الطبقات " لخليفة بن خياط المعروف بـ (شباب)، و" التاريخ الأوسط " للبخاري، و " الطبقات الكبرى " لابن سعد، و " المعرفة والتاريخ " ليعقوب بن سفيان، و " الثقات " لابن حبان، وكتب منثورة كثيرة ألفت في هذا المعنى، ومن الكتب الخاصة " تاريخ مولد العلماء ووفياتهم " لأبي سليمان محمد بن عبد الله بن زبر الربعي (المتوفى سنة: ٣٧٩)،
ومنها كتب عرفت بـ (الوفيات)، ومنها كتب التراجم على البلدان، كـ" تاريخ بغداد ".
وليس " التاريخ الكبير " للبخاري، ولا " الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم، ولا كتب الضعفاء والمجروحين، مظنة لمعرفة ذلك.
فوائد معرفة الطبقات:
١ _ تمييز ثبوت السماع بين راويين أو غلبة ثبوته.
فمعرفة الإدراك من التلميذ للشيخ علامة على اتصال الإسناد غالباً، ما لم يكن التلميذ مدلساً، وبتفصيل ستعلمه في الفصل التالي.
وإنما قلت: (غالباً) مع انتفاء التدليس عنه؛ استثناء للراوي الذي تيقنا إدراكه، لكنه ثبت عدم اللقاء بينه وبين الشيخ الذي روى عنه.
стр. 102
كما ترى مثلاً في قول الدارقطني في (زر بن حبيش): " لم يلق أنس بن مالك، ولا يصح له عنه رواية " (١)، مع أن أنساً من صغار الصحابة وآخرهم موتاً، وزر تابعي قديم، أدرك الجاهلية، وسمع من عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود والكبار من الصحابة، بل إنه مات قبل أنس بنحو عشر سنين، فالإدراك متيقن، ولكن قام البرهان على عدم اللقاء والسماع، فسقط اعتبار مجرد الإدراك.
٢ _ تمييز الانقطاع في الإسناد.
وهذه الفائدة ظاهرة من التي قبلها، فإن وقوع الراوي في طبقة لم تدرك طبقة الشيخ دليل على الانقطاع، ولا أظهر في إفادة ذلك من وقوع مولد الراوي بعد وفاة الشيخ، أو وفاة الشيخ والراوي عنه له من العمر ما لا يتهيأ في مثله التحمل والسماع، كأربع سنين أو دونها.
٣ _ تزييف دعوى السماع وكشف الغلط أو الكذب.
وذلك في حال قول الراوي: (حدثنا) وشبهها من صيغ السماع، وقامت الحجة على عدم إدراكه لمن روى عنه بتلك الصيغة.
وهذا كما تقدم يقع غلطاً من الراوي أو بعض من روى عنه، أو كذباً.
٤ _ جرح الرواة أو تعديلهم.
وذلك أن الراوي إذا ادعى السماع، وطبقته تمنع إمكان ذلك، فإما أن تكون تلك الدعوى وهماً، أو كذباً، وذلك إما منه أو ممن هو في سياق الإسناد إليه، وإذا تعين الواهم أو الكاذب كان ذلك جرحاً فيه بحسبه، فإن كان قد استقر صدقه حكمنا بوهمه، وإذا تكرر ذلك منه فربما صيرنا للحكم بسوء حفظه، وإن لم يستقر صدقه كان ذلك سبباً لجرحه بالكذب.
стр. 103
تقسيم الطبقات:
علمت من المبحث السابق أن تمييز الطبقة يكون بتمييز إدراك اللاحق للسابق وأن معرفة المواليد والوفيات أحسن الطرق لإثبات الإدراك، ومن تعسر علينا معرفة ذلك من أمره اعتبرنا القرائن في إمكان الإدراك، وهذا من حيث التأصيل لموضوع (الطبقات).
أما توزيع الرواة على الطبقات فقد قدمت في أول هذا المبحث أن تقدير الطبقة يعود إلى اصطلاح المصنفين، وفي مجهود أئمتنا السابقين ما يساعد الباحث لاستفادة هذا المعنى، وحيث إن الحاجة إلى تمييز الطبقات تشتد في رواة القرون الأولى، فإن أحسن ما يتفق مع ما شرحت في هذا المبحث هو تقسيم الطبقات الذي جرى عليه الحافظ المحقق ابن حجر العسقلاني في كتابه " تقريب التهذيب "، فإنه قال:
الأولى: الصحابة على اختلاف مراتبهم، وتمييز من ليس له منهم إلا مجرد الرؤية من غيره.
الثانية: طبقة كبار التابعين، كابن المسيب، فإن كان مخضراً صرحت بذلك (١).
الثالثة: الطبقة الوسطى من التابعين، كالحسن وابن سيرين.
الرابعة: طبقة تليها جل روايتهم عن كبار التابعين، كالزهري وقتادة.
الخامسة: الطبقة الصغرى منهم الذين رأوا الواحد والاثنين ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة، كالأعمش.
السادسة: طبقة عاصروا الخامسة، لكن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة، كابن جريج.
стр. 104
السابعة: كبار التابعين، كمالك والثوري.
الثامنة: الطبقة الوسطى منهم، كابن عيينة وابن علية.
التاسعة: الطبقة الصغرى من أتباع التابعين، كيزيد بن هارون، والشافعي، وأبي داود الطيالسي، وعبد الرزاق.
العاشرة: كبار الآخذين عن تبع الأتباع ممن لم يلق التابعين، كأحمد بن حنبل.
الحادي عشرة: الطبقة الوسطى من ذلك، كالذهلي والبخاري.
الثانية عشرة: صغار الآخذين عن تبع الأتباع، كالترمذي.
وألحقت بها باقي شيوخ الأئمة الستة الذين تأخرت وفاتهم قليلاً، كبعض شيوخ النسائي (١).
وهذا من حيث التقسيم دقيق، أما من حيث تطبيق الحافظ له في كتابه، فإنه قد يعد الراوي في طبقة يكون الأليق النزول به عنها.
ويمكن أن تتبع هذه القسمة كمقياس لجميع الرواة من أهل القرون الأولى ممن له رواية عند الأئمة الستة أو عند غيرهم.
стр. 105
المبحث الخامس:
تفسير طبقة الصحابة
الصحابي مبتدأ الإسناد، وحلقة الوصول الضرورية فيه، وتحديد معناه وتوضيح المراد به أساس تمييز سائر الطبقات.
وقد اختلف المتقدمون في تحديد المراد بـ (الصحابي)، فمن المنقول فيه ما يلي:
١ _ روي عن سعيد بن المسيب: " الصحابة لا نعدهم إلا من أقام مع رسول الله ﷺ سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين ".
قلت: وهذا لا يثبت عن ابن المسيب (١).
٢ _ وقال عاصم بن سليمان الأحول: عن عبد الله بن سرجس: أنه رأى الخاتم الذي بين كتفي النبي ﷺ ، وقد رأى النبي ﷺ ، ولم تكن له صحبة (٢).
стр. 106
قلت ذهب عاصم إلى أن ابن سرجس وإن رأى النبي ﷺ فليس بصحابي، من أجل أنه اعتبر في الصحبة الملازمة لبعض الوقت.
٣ _ وروي عن أحمد بن حنبل، قال: " كل من صحبه سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه، فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه، وكانت سابقته معه، وسمع منه، ونظر إليه (١).
٤ _ وقال البخاري: " من صحب النبي ﷺ ، أو رآه من المسلمين، فهو من أصحابه " (٢).
قال ابن حجر: " هذا الذي ذكره البخاري هو الراجح "، وقال: " هو قول أحمد والجمهور من المحدثين " (٣).
قلت: ويشير قوله: (الراجح) إلى ما ذهب إله بعض السلف كالذي تقدم عن عاصم الأحول، إلى عدم إطلاق الصحبة إلا على الصحبة العرفية، وهي أن يرافقه مدة.
وقال ابن حجر: " ويرد على التعريف: من صحبه أو رآه مؤمناً به ثم ارتد بعد ذلك ولم يعد إلى الإسلام، فإنه ليس صحابياً اتفقا، فينبغي أن يزاد فيه: ومات على ذلك " (٤).
وقال ابن حجر: " أصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي: من لقي النبي ﷺ مؤمناً به، ومات على الإسلام " (٥).
стр. 107
وفيمن يدخل في التعريف قال: " فيد خل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو عنه، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يراه لعارض كالعمى " (١).
قلت: ومن أهل العلم من ذهب إلى التوسع فيمن يدخل في جملة الصحابة، حتى قال: يدخل فيهم الجن الذين أسلموا ممن ينطبق عليه تعريف الصحابي.
وهذا ليس مما له فائدة هنا، فإن تحديد المراد بالصحابي في هذا الموضع إنما هو فيمن روى العلم، وكان له شخصية محددة، أما: هل يدخل في الصحابة مسلمو الجن الذين استمعوا القرآن، أو بعض الملائكة، فهذا مما لا ينبغي عليه عمل، ولا يحقق مصلحة، ولا يُنْتهى فيه إلى شيء بين.
نعم؛ رأيت الطبراني أخرج في " معجمه الكبير " حديثاً عن رجل من الجن، فقال: حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي، حدثنا أحمد بن سعد بن أبي مريم، حدثنا عثمان بن صالح، حدثني بن صالح، حدثني عمرو الجني، قال: كنت عند النبي ﷺ فقرأ سورة النجم، فسجد، فسجد، فسجت معه (٢).
قلت: وهذا خبر غريب جداً، بل منكر، وعثمان بن صالح هو المصري، من أصحاب عبد الله بن وهب، ومن شيوخ البخاري، وهو من طبقة تبع أتباع التابعين، ولو صححنا كونه من التابعين بمثل هذا لروايته عن جني له صحبة، لاضطرب عندنا مقياس الطبقات، ولصار به عامة من روى عنه من أتباع التابعين، وليس هذا محل إشكال إن ثبت، مع شدة غرابته، وإنما الشأن أن عثمان إن صح هذا إليه (٣)، فإنه وإن كان صدوقاً انتقى له
стр. 108
البخاري في صحيحه إلا أن أبا زرعة الرازي سئل عن بعض ما رواه عن عبد الله بن لهيعة، وفيه المنكر؟ فقال: " لم يكن عندي عثمان ممن يكذب، ولكنه كان يكتب الحديث مع خالد بن نجيح، وكان خالد إذا سمعوا من الشيخ، أملى عليهم مالم يسمعوا فبلوا به " (١).
قلت: وخالد هذا كذاب معروف.
وقد قال أبو نعيم الأصبهاني في رواية الجني هذه: " في إسناده نظر " (٢)، وقال الهيثمي: " في إسناده من لا يعرف، وعثمان بن صالح لا أراه أدرك أحد من الصحابة " (٣).
كيف تثبت الصحبة ؟
تثبت الصحبة بطريق من الطرق التالية:
١ _ التواتر، كصحبة حمزة بن عبد المطلب، وأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ﵃.
٢ _ الشهرة والاستفاضة، كصحبة كثيرين، علم كونهم من الصحابة بمجيء ذكرهم في الأخبار المعروفة، كياسر والد عمار، وخبيب بن عدي، أو بالرواية عنهم من وجوه عدة تحصل بمثلها الشهرة.
٣ _ صحة الإسناد إلى من قال: (سمعت رسول النبي ﷺ .
٤ _ الخبر الثابت إلى من هو معروف من الصحابة: أن فلاناً صحب النبي ﷺ ، أو يذكره في سياق ما يفيد صحبته. مثال: الحارث بن وقيش.
٥ _ أن يخبر عن نفسه أن له صحبة، ويثبت الإسناد عنه بذلك.
стр. 109
٦ _ معرفة قدم عهده، بحيث لا ينكر أن يكون أدرك زمان النبي ﷺ .
وجدير أن تعلم أن كثيراً من الأسماء تجده في جملة الصحابة، اعتمد ذاكروها على وجود رواية عنهم عن النبي ﷺ ، وإذا تحققت من تلك الرواية وجدت كثير منها لا تثبت أسانيدها إلى ذلك المدعى صحبته.
وكذلك فإن مجرد قول الرجل من الرواة: (قال رسول الله ﷺ ، لا يعني الصحبة، فالتابعي ومن دونه قد يقول ذلك، فيكون من قبيل المرسل أو المعضل.
والتثبت في الصحبة وتحقق إثباتها شرط لصحة الحديث، فدونها ينتفي الاتصال.
وكان النقاد الأولون يحققون ذلك، كما يحققون أحوال سائر النقلة، وبه كشفوا الخطأ في ظن الصحبة لطائفة.
فمن أمثلة ذلك:
قال أبو حاتم في (عبد الرحمن بن عئاش الحضرمي): " أخطأ من قال: له صحبة، هو عندي تابعي، هو عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ " يعني: الصواب في روايته كذلك، وقال أبو زرعة: " ليس بمعروف " (١).
وقال أبو حاتم في (عيسى بن يزداد): لا يصح حديثه، وليس لأبيه صحبة، ومن الناس من يدخله في المسند على المجاز، وهو وأبوه مجهولان " (٢).
وسأل البرقاني الدارقطني: مسلم بن الحارث التميمي عن أبيه عن النبي ﷺ ؟ قال: " مسلم مجهول، لا يحدث عن أبيه إلا هو " (٣).
стр. 110
كما يجب أن تعلم أن النقاد ربما اختلفوا في إثبات الصحبة لشخص، والواجب حينئذ المصير إلى الترجيح بما ذكرنا من الطرق لإثبات الصحبة أو نفيها.
من رأى النبي ﷺ وهو صغير ، هل تصح صحبته؟
حدث شعبة بن الحجاج عن أبي إياس معاوية بن قرة بن إياس، قال: جاء أبي إلى رسول الله ﷺ وهو غلام صغير، فمسح رأسه، واستغفر له.
قال شعبة: فقلت: أله صحبة؟ فقال لا، ولكنه كان على عهده قد حلب وصر (١).
قلت: فهو قد ولد في حياة النبي ﷺ ، لكن لم يكن سنه سن من يحمل العلم؛ لعدم التمييز من أجل الصغر.
واختلف أصحاب الزهري عنه على حديث رواه عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن جابر بن عبد الله في قتلى أحد، فمنهم من ذكر فيه جابراً ومنهم من لم يذكره، فسأل ابن أبي حاتم أباه عنه؟ فقال: " الصحيح مرسل " قال: قلت: عبد الله بن ثعلبة أليس قد رأى النبي ﷺ ؟ قال: " نعم، وهو صغير " (٢).
قلت: فعد حديثه مرسلاً من أجل عدم السماع للصغر.
والتحقيق: أن هذا الصنف يثبت لهم شرف الصحبة، لكن رواياتهم عن النبي ﷺ مرسلة ملحقة بعموم مراسيل التابعين، لا بمراسيل الصحابة الذين لهم من النبي ﷺ سماع، يروي أحدهم عنه ﷺ ما لم يسمعه، وإنما سمعه من صحابي غيره، فأرسله، بل هؤلاء الذين لهم شرف الصحبة تابعيون في الحكم (٣).