قال مسلم بن الحجاج: " أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثاً عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد، ومتن واحد، مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد، أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد، وإن كان حافظاً، على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث، مثل شعبة، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أئمة أهل العلم " (١).
قلت: ومثاله تمييز طبقات أصحاب الزهري، ولأئمة الحديث فيهم مقارنات ضرورية الأخذ بالاعتبار، لتمييز المحفوظ من حديث الزهري من غيره.
وقد قسم أبو بكر الحازمي أصحاب الزهري بالنظر إلى جملتهم إلى خمس طبقات (٢)، وتبعه على قسمته غير واحد، منهم ابن رجب الحنبلي (٣)، إليكها بمزيد تهذيب وزيادة:
الطبقة الأولى: جمعت الحفظ والإتقان وطول الصحبة للزهري، والعلم بحديثه، والضبط له، كمالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، ومعمر بن راشد، ويونس بن يزيد الأيلي، وعقيل بن خالد، وشعيب بن أبي حمزة، وعبيد الله بن عمر العمري، محمد بن الوليد الزبيدي، وإبراهيم بن سعد، وصالح بن كيسان، وغيرهم.
والطبقة الثانية: أهل حفظ وإتقان، لكن لم تطل صحبتهم للزهري،
стр. 737
وإنما صحبوه مدة يسيرة، ولم يمارسوا حديثه، وهم في إتقان دون الطبقة الأولى، كالأوزاعي، والليث بن سعد، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وسليمان بن موسى، ونحوهم.
والطبقة الثالثة: لازموا الزهري وصحبوه ورووا عنه، ولكن تكلم في حفظهم، كسفيان بن حسين، وابن أخي الزهري محمد بن عبد الله بن مسلم، ومحمد بن إسحاق، وأبي أويس عبد الله بن عبد الله المدني، وصالح بن أبي الأخضر، وزمعة بن صالح، ومحمد بن أبي حفصة، وعبد الرحمن بن أبي نمر، وسليمان بن كثير العبدي، وأسامة بن زيد، وجعفر بن برقان، وعبد الله بن عمر العمري، والنعمان بن راشد، ونحوهم.
والطبقة الرابعة: قوم رووا عن الزهري من غير ملازمة ولا طول صحبة، وهم متكلم فيهم مطلقاً، مثل: إسحاق بن يحيى الكلبي، ومعاوية بن يحيى الصدفي، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وإبراهيم بن يزيد المكي، والمثنى بن الصباح، ونحوهم.
والطبقة الخامسة: قوم من المتروكين والمجهولين، كالحكم بن عبد الله الأيلي، وبحر بن كنيز السقاء، وعبد القدوس بن حبيب، ومحمد بن سعيد المصلوب، ونحوهم (١).
ومن مثاله في أصحاب قتادة عن أنس، قول أبي بكر البرديجي: " إذا ورد عليك حديث لسعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس مروفوعاً، وخالفه هشام وشعبة (٢)، حكم لشعبة وهشام على سعيد، وإذا روى حماد بن سلمة
стр. 738
وهمام وأبان (١) ونحوهم من الشيوخ عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ حديثاً وخالف سعيد أو هشام أو شعبة، كان القول قول هشام وسعيد وشعبة على الانفراد، فإذا اتفقوا هؤلاء الأولون، وهم: همام بن يحيى وأبان وحماد بن سلمة، على حديث مرفوع، وخالفهم شعبة وهشام وسعيد، أو شعبة وحده، أو هشام وحده، أو سعيد وحده، توقف عن الحديث؛ لأن هؤلاء الثلاثة: شعبة وسعيد وهشام (٢) أثبت من همام وأبان وحماد " (٣).
النوع الثاني: معرفة من هو ثقة في حال فيقبل حديثه، مجروح في حال فيرد حديثه.
وهم أقسام ثلاثة (٤):
أولها: من ضعف حديثه في بعض الأوقات دون بعض.
كالمختلطين للكبر، كسعيد بن أبي عروبة، وسعيد بن إياس الجريري، وعطاء بن السائب.
ومن تغير حفظه بأخرة، كأبي حمزة محمد بن ميمون السكري، بعدما ذهب بصره.
ومن ساء حفظه لكنه صحيح الكتاب، كعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وشريك بن عبد الله النخعي.
وثانيها: من ضعف حديثه في بعض الأماكن دون بعض، وهو ثلاثة أصناف:
الأول: من حدث في مكان ليس معه فيه كتابه فخلط، وحدث في مكان آخر فضبط.
стр. 739
مثل معمر بن راشد في لين حديثه بالبصرة، وقوته باليمن.
والثاني: من حدث عن أهل بلد اعتنى بحديثه عنهم فأتقنه، وعن آخرين فلم يضبطه.
كإسماعيل بن عياش الشامي، فإنه ثقة إذا روى عن أهل بلده، ضعيف في غيرهم.
والثالث: من حدث عنه أهل بلد فضبطوا، وأهل بلد آخر فلم يضبطوا.
كزهير بن محمد التميمي، فإنه ثقة إذا حدث عنه أهل العراق، ضعيف إذا حدث عنه أهل الشام.
وثالثها: من كان ثقة في بعض شيوخه، ضعيفاً في آخرين.
كجعفر بن برقان في روايته عن الزهري خاصة، فهي ضعيفة، وهو ثقة في غيره.
وسماك بن حرب عن عكرمة خاصة ضعيف، ثقة في غيره.
وجرير بن حازم عن قتادة ويحيى الأنصاري في حديثه عنهما خطأ ولين، ثقة حجة عن غيرهما.
ومما يشبه هذا صور:
أولها: من كان رأسا في الحفظ، لكن في حفظ حديث الكبار، فإذا نزل للرواية عن الصغار والأقران لم يتقن.
كالأعمش، إذا روى عن مثل الحكم بن عتيبة وحبيب بن أبي ثابت وأبي إسحاق السبيعي.
ثانيها: من كان إذا جمع رواياته عن الشيوخ لم يتقن، وإذا أفردها أتقنها.
كعطاء بن السائب.
стр. 740
ثالثها: من كان يحدث عن شيخ مجروح فيسميه باسم ثقة، وهماً.
كما وقع لأبي أسامة في روايته عن (عبد الرحمن بن يزيد بن تميم)، وهو ضعيف، فيقول فيه: (عبد الرحمن بن يزيد بن جابر)، وهذا ثقة.
المقدمة الثانية: حفظ الأسانيد المعروفة الصحة، والأسانيد المعللة .
وذلك يستفاد بطريقين: فتارة بتصريح أهل المعرفة، وتارة: بالممارسة لهذا الفن.
كالذي قالوا فيه: أصح الأسانيد كذا، ويقابله: أوهى الأسانيد، والدرجات التي بين ذلك.
والأنموذج المفيد في تمييز أصح الأسانيد: كتاب " تقريب الأسانيد " للحافظ زين الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي (المتوفى سنة: ٨٠٦)، فقد بناه على أصح الأسانيد التي هي موازين الحديث الصحيح.
وهذا تلخيص لتلك الأسانيد بحسب الصحابة:
١ _ أصحاب نافع مولى ابن عمر، عنه، عن عبد الله بن عمر.
٢ _ أبو الزناد عبد الله بن ذكوان، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
٣ _ أصحاب القاسم بن محمد، عنه، عن عائشة.
٤ _ أصحاب الزهري، عنه عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه.
وعنه، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
وعنه، عن عروة بن الزبير، عن عائشة.
وعنه، عن عبيد الله بن عتبة، عن ابن عباس.
وعنه، عن أنس بن مالك.
٥ _ أصحاب قتادة بن دعامة السدوسي، عنه، عن أنس.
стр. 741
٦ _ أصحاب ثابت البناني، عنه، عن أنس.
٧ _ أصحاب محمد بن سيرين، عنه، عن أبي هريرة.
وعنه، عن عبيدة السلماني، عن علي بن أبي طالب.
٨ _ أصحاب إبراهيم النخعي، عنه، عن علقمة، (أو الأسود)، عن عبد الله بن مسعود.
٩ _ أصحاب سعيد المقبري، عنه، عن أبي هريرة.
١٠ _ أصحاب أبي سلمة بن عبد الرحمن، عنه، عن أبي هريرة.
١١ _ أصحاب عمرو بن دينار، عنه عن جابر بن عبد الله.
١٢ _ أصحاب محمد بن المنكدر، عنه عن جابر بن عبد الله.
١٣ _ أصحاب يزيد بن أبي حبيب، عنه، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر.
وهكذا.
ومن ذلك معرفة الأسانيد التي دارت عليها الأحاديث الصحيحة، وشاعت واشتهرت، كثابت البناني عن أنس، يقابلها الأسانيد الواهية كأبان بن أبي عياش عن أنس.
قال علي بن المديني: " لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة، ثم بعده سليمان بن المغيرة، ثم بعده حماد بن زيد، وهي صحاح، وروى عنه حميد شيئاً، فأما جعفر فأكثر عن ثابت وكتب مراسيل، وكان فيها أحاديث مناكير. . وفي أحاديث معمر عن ثابت أحاديث غرائب ومنكرة، جعل: ثابت عن أنس أن النبي صل الله عليه وسلم كان كذا، شيء ذكره، وإنما هذا حديث أبان بن أبي عياش عن أنس " (١).
стр. 742
وقال ابن المديني: " أحاديث هشام عن الحسن عامتها تدور على حوشب، وأما أحاديثه عن محمد فصحاح " (١).
وبين ابن المديني من دارت عليهم الأحاديث في الأمصار الإسلامية، ومن انتهت إليهم، وخلاصة ذلك فيما يلي:
الإسناد يدور على ستة: لأهل المدينة: ابن شهاب الزهري، ولأهل مكة: عمرو بن دينار، ولأهل البصرة: قتادة بن دعامة السدوسي، ويحيى بن أبي كثير، ولأهل الكوفة: أبي إسحاق السبيعي، وسليمان بن مهران الأعمش.
ثم صار علم هؤلاء الستة إلى: لأهل المدينة: مالك بن أنس، ومحمد بن إسحاق، ولأهل مكة: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وسفيان بن عيينة، ولأهل البصرة: سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، وأبي عوانة، وشعبة بن الحجاج، ومعمر بن راشد، ولأهل الكوفة: سفيان بن سعيد الثوري، ولأهل الشام: الأوزاعي: ولأهل واسط: هشيم بن بشير.
ثم انتهى علم هؤلاء إلى: يحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن آدم (٢).
فتمييز النقلة بمثل هذا من أسس تمييز علل الحديث، إذ هذه مقاييس يميز بها حفظ الراوي وخطؤه، أي يقوم إسناد هؤلاء مقام الميزان لسائر من يشاركهم الرواية بمثل تلك الأسانيد، موافقة ومخالفة.
стр. 743
وأمثلة ذلك كثيرة في علل الحديث.
ونقربه بالمثالين التاليين.
الأول: روى عبد السلام بن حرب عن يزيد بن عبد الرحمن أبي خالد الدالاني، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس:
أنه رأى النبي ﷺ نام وهو ساجد، حتى غط أو نفخ، ثم قام يصلي، فقلت: يا رسول الله، إنك قد نمت. قال: " إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعاً؛ فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله " (١).
قلت: وهذا حديث معلول عند جميع الحفاظ، كأحمد بن حنبل والبخاري وأبي داود والترمذي وابن عدي والدارقطني وغيرهم، وما شذ عنهم أحد فقواه إلا ابن جرير الطبري، والعلة فيه تعود إلى وجوه (٢)، لكن ما نعنيه منها هنا: أن الدالاني في حفظه ضعف، وقد جاء عن قتادة بما لم يأت به أصحاب قتادة المعروفون به والمعتنون بحديثه، من الثقات المتقنين، لذا قال أبو داود السجستاني: ذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل، فانتهرني؛ استعظاماً له، وقال: " ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة؟ "، ولم يعبأ بالحديث (٣).
стр. 744
والمثال الثاني: روى قران بن تمام، عن أيمن بن نابل، عن قدامة بن عبد الله بن عمار العامري، قال: " رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت على ناقته، ويستلم الحجر بمحجنه " (١).
قال أبو حاتم الرازي: " لم يرو هذا الحديث عن أيمن إلا قران، ولا أراه محفوظاً، أين كان أصحاب أيمن بن نابل عن هذا الحديث؟ " (٢).
ومن الأصول في هذا الباب أيضاً: معرفة النسخ التي تروى بها الأحاديث الكثيرة، وتمييز ما يصح منها مما لا يصح، ثم استعمال كشف علل الاختلاف فيها بحسب مراتب رواة تلك النسخ عن أصحابها، وذلك مثل:
نسخة سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن جده.
ونسخة بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده.
ونسخة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
وهذه النسخ من حيث الجملة ثابتة من صاحب النسخة إلى منتهى الإسناد، والنظر في عللها من جهة أصحاب سهيل وبهز وعمرو، في مواضع اتفاقهم واختلافهم وانفرادهم.
المقدمة الثالثة: تمييز المراسيل، ومن كان معروفاً بالإرسال من الرواة، وتبين مواضع سماعهم من عدمه.
ويدل على الطريق: معرفة الفرق بين التدليس والإرسال، ومعرفة تواريخ الرواة.
стр. 745
ومما ينبه عليه من هذا على التعيين أمور ثلاثة:
أولها: أن يكشف الغلط في التصريح بالسماع من الثقة، وأن الصواب الإرسال، وهذا من أغمضها.
مثل: سماع محمد بن كعب القرظي من ابن مسعود، والحسن البصري من أبي هريرة.
ومن مثاله في روايات الثقات:
ما رواه أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، عن صفوان بن عمرو، عن يحيى بن جابر الطائي، قال: سمعت النواس بن سمعان، قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم؟ قال: " البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يعلمه الناس " (١).
قال أبو حاتم الرازي: " هذا حديث خطأ، لم يلق ابن جابر النواس ".
قال ابن أبي حاتم: " الخطأ يدل أنه من أبي المغيرة فيما قال: (سمعت النواس)، وذلك أن إسماعيل بن عياش روى عن صفوان بن عمرو عن يحيى بن جابر عن النواس، لم يذكر السماع، فيحتمل أن يكون أرسله، ويحيى بن جابر كان قاضي حمص، يروي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن النواس " (٢).
قلت: وكذلك وقع في بعض الرواية عن أبي المغيرة على مثل ما ذكره ابن أبي حاتم عن ابن عياش (٣)، وتابع ابن عياش على روايته كذلك:
стр. 746
أبو اليمان الحكم بن نافع (١)، وروى الحديث معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه، عن النواس، فكان دليلاً آخر على أن يحيى بن جابر أرسله؛ لما عرف من روايته عن النواس بواسطة (٢).
وثانيها: الانقطاع في محل قامت القرائن على قوة الاتصال فيه، كالإدراك والقدم واحتمال اللقاء.
كرواية سعيد بن المسيب عن أنس.
ومما ينبغي التنبه له هنا أيضاً: أن لا تغتر بترجيح الاتصال في موضع بينوا فيه الإرسال، استدلالاً بتصحيح بعض أهل العلم حديثاً جاء من ذلك الوجه، كما يقع بعض ما يصححه الترمذي، وإن كان قليلاً.
وثالثها: ملاحظة الرواة الذين سمعوا من بعض الشيوخ حديثاً أو عدداً، ولم يسمعوا منهم ما سواها.
كرواية الحكم بن عتيبة عن مقسم.
ويلاحظ في هذا: من سمع يسيراً، وأخذ ما سواه إجازة أو وجادة، كالحسن البصري عن سمرة بن جندب، وأبي سفيان عن جابر بن عبد الله، ولا أعني بذلك تسليم وقوف الإرسال هنا؛ لما قدمت في الكلام على (ركن
стр. 747
الاتصال) أن الرواية بهذا الطريق متصلة، وإنما نبهت عليه ليلاحظ في كلام نقاد الحديث (١).
المقدمة الرابعة: تمييز ما يدخل على أحاديث بعض الثقات، وهماً أو تعمداً .
مثل: ما حكاه ابن حاتم الرازي، قال سألت أبي عن حديث رواه أبو عقيل بن حاجب (٢)، عن عبد الرزاق، عن سعيد بن قماذين (٣)، عن عثمان بن أبي سليمان، عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن حبشي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تطرقوا الطير في أوكارها؛ فإن الليل أمان لها "؟
فقال أبو حاتم: " يقال: إن هذا الحديث مما أدخله على عبد الرزاق، وهو حديث موضوع " (٤).
قلت: والعلة فيما حكاه أبو حاتم أن عبد الرزاق الصنعاني، وهو ثقة حافظ، قد ذهب بصره بعدما كبر، فصاروا يلقنونه ما ليس من حديثه الذي في كتبه، فيتلقن، فلقن أحاديث موضوعة.
وهكذا كل ثقة كان يقبل التلقين بأخرة، كالذي جاء أيضاً عن سويد بن سعيد الحدثاني، وعثمان بن صالح بن صفوان المصري، وعبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد، وعليه محمل ما روي عنهم من المنكرات بالأسانيد النظيفة.
وصح عن بسر بن سعيد، قال: " اتقوا الله وتحفظوا من الحديث،
стр. 748
فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله ﷺ ، ويحدثنا عن كعب (١)، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا بجعل حديث رسول الله ﷺ عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله ﷺ (٢).
وقد يقع مثل هذا بسبب تدليس التسوية (٣).
كما قال الهيثم بن خارجة: قلت للوليد بن مسلم: قد أفسدت حديث الأوزاعي، قال: كيف؟ قلت: تروي عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن الزهري، وعن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد، وغيرك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبد الله بن عامر الأسلمي، وبينه وبين الزهري إبراهيم بن مرة، وقرة، وغيرهما، فما يحملك على هذا؟ قال: أنبل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء. قلت: فإذا روى الأوزاعي عن هؤلاء، وهؤلاء ضعفاء، أحاديث مناكير، فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات ضعف الأوزاعي، فلم يلتفت إلى قولي (٤).
قلت: فأحاديث الضعفاء تدخل على الثقة بمثل هذا، فتفطن إليه، ولاحظ له المقدمة التالية.
المقدمة الخامسة: تمييز التدليس، ومعرفة ما يقع من بعض الثقات من تدليس الأسماء .
وفيه أصول:
أولها: تمييز من عرف بالتدليس عن المجروحين والمجهولين.
ثانيها: تمييز من اشتهر بالتدليس وكثر منه، فيطلب سماعه.
стр. 749
وثالثها: تمييز المقلين من التدليس، وإسقاط تأثير الوصف بالتدليس في حديثهم، ما لم يثبت التدليس في حديث بعينه.
رابعها: تمييز ما لم يدلس فيه المدلس مع عدم ذكره للسماع.
كرواية يحيى القطان عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة (١)، وروايته عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر الشعبي (٢).
خامسها: تمييز من كان يدلس، لكنه لا يدلس عن بعض الشيوخ.
سادسها: تمييز ما أطلق من وصف (التدليس) على الراوي وأريد به الإرسال، ظاهراً كان أو خفيا.
في تفصيل تبينه مما يأتي في الكلام على (الحديث المدلس).
المقدمة السادسة: تمييز بلدان الرواة، ومعرفة ما يتفردون به من السنن .
فما من أهل مصر من الأمصار الكبرى في صدر الإسلام بعد انتشار الصحابة في البلاد إلا ووقع لهم من السنن التي ليست لغيرهم، يرويها أهل تلك البلاد بأسانيدهم.
فأهل المدينة أعلم بالسنن عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد
стр. 750
الخدري وعائشة، وجابر بن عبد الله، وأهل مكة أعلم بالسنن التي نقلها عبد الله بن عباس، وأهل الكوفة بالسنن التي نقلها علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وأهل البصرة بالسنن التي نقلها أنس بن مالك، وأهل الشام بالسنن التي نقلها معاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وأبو ذر الغفاري، ومعاوية بن أبي سفيان، وأهل مصر بالسنن التي نقلها عبد الله بن عمر بن العاص، وأهل مرو بالسنن التي نقلها بريدة الأسلمي، وهكذا.
فإذا روى المدني سنة عن ابن مسعود ليست عند أهل الكوفة، أو الكوفي سنة عن ابن عمر ليست عند أهل المدينة، كان ذلك عند الناقد شبهة وعلامة على العلة.
ولا طريق إلى معرفة هذا دون تمييز هذه المقدمة.
المقدمة السابعة: تمييز المتشابه من الأسماء والكنى والألقاب .
وقد بينت أهمية هذا النوع من العلم للكشف عن حقيقة الراوي، إذ الاشتباه قد يصير الحديث الواهي صحيحاً، كأن يجد الطالب حديثاً يأتي في إسناده (عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير) فيفسره على أنه (عبد الكريم بن مالك الجزري) وهو ثقة، فيقضي بصحة الإسناد، وحقيقته (عبد الكريم بن أبي المخارق) وهو واه متروك.
وتأمل أثر ذلك في المثال التالي: ......
روى الفضل بن موسى السيناني، عن حسين بن واقد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : " وددت أن عندي خبزة بيضاء من برة سمراء ملبقة بسمن ولبن "، فقام رجل من القوم فاتخذه، فجاء به، فقال: " في أي شيء كان هذا؟ "، قال: في عكة ضب، قال: " ارفعه " (١).
стр. 751
قلت: هذا الحديث بإسناد إذا نظره الطالب قال: هذا إسناد نظيف، جميع رجاله ثقات لا يعرفون بتدليس، وأيوب عن نافع عن ابن عمر من أصح الأسانيد، إذ أيوب إذا جاء في مثل هذا الإسناد فهو السختياني الإمام الثقة الحافظ.
لكن أئمة الشأن ردوه وأنكروه:
فمنهم من حمل فيه على حسين بن واقد، كما قال الثقة أحمد بن أصرم: سمعت أحمد بن حنبل، وقيل له في حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﵇ في الملبقة؟ فأنكره أبو عبد الله، وقال: " من روى هذا؟ "، قيل له: الحسين بن واقد، فقال بيده، وحرك رأسه، كأنه لم يرضه (١).
ومنهم من قال: أيوب هذا ليس بالسختياني. كما قال أبو داود بعد أن أخرج الحديث: " هذا حديث منكر، وأيوب ليس هو السختياني ".
ومنهم من عين أن أيوب هذا هو أيوب بن خوط أحد المتروكين الهلكى، ووجدوا حسين بن واقد يروي عنه كما يروي عن السختياني، فدخلت الشبهة من الاشتراك.
فسأل ابن أبي حاتم أباه عن الحديث؟ فقال: " هذا حديث باطل، ولا يشبه أن يكون من حديث أيوب السختياني، ويشبه أن يكون من حديث أيوب بن خوط ".
стр. 752
قال ابن أبي حاتم: قلت: فأيوب بن خوط، يروي عن نافع؟ قال: " نعم، وهو متروك الحديث "، قلت: فحسين بن واقد، روى عن أيوب بن خوط شيئاً؟ قال: " لا أدري " (١).
قلت: وفي " الجرح والتعديل " ذكر أبو حاتم أن ابن خوط هذا روى عن نافع، وروى عنه حسين بن واقد (٢).
ولابن حبان كلمة فصل في (الحسين بن واقد)، قال: " ربما أخطأ في الروايات، وقد كتب عن أيوب السختياني، وأيوب بن خوط، جميعاً، فكل حديث منكر عنده عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، إنما هو أيوب بن خوط، وليس بأيوب السختياني " (٣).
قلت: فتطابقت كلمات النقاد في إنكار الحديث حيث لم يكن عند أحد من أصحاب أيوب السختياني المتقن الحافظ المكثر، ووجدوه من باب أحديث ابن خوط المتروك، فتعين التفسير للإهمال به، استدلالاً بما ظهر من نكارة الحديث، وبما اعتضد به ثقة حسين بن واقد في سائر حديثه، مع ما قام من الدليل عند بعضهم أن حسيناً روى عن الرجلين.
فتأمل مادل عليه اعتبار توضيح المشتبه في هذا الباب.
المقدمة الثامنة: تمييز المقلين من الرواة والمكثرين .
وهذا الأصل معتبر في الصحابة فمن بعدهم من الرواة.
فأما في الصحابة ففائدته معرفة من عليهم مدار السنن، وأن لا يستغرب أن يوجد عند المكثر من أفراد الحديث ما ليس عند غيره، كأبي هريرة في كثرة ما روى، حتى ندر من الأبواب ما لا توجد له فيه رواية.
стр. 753
بينما ترى الرواية عن الخلفاء الراشدين مثلاً قليلة.
قال علي بن المديني: " أحاديث أبي بكر عن النبي ﷺ الصحيحة قليلة " (١).
والأحاديث عن علي بن أبي طالب مع تأخره عنهم أيضاً قليلة، وأكثر ما ينسب أو يروي عنه من الحديث لا يصح.
كذلك الصحابي لا يعرف له إلا الحديث الواحد أو الأحاديث اليسيرة، فإن روي عنه الشيء غيره كان ذلك المروي عند الناقد محلاً للنظر.
وأما غير الصحابة، فالزهري مثلاً في كثرة حديثه لا ينكر له التفرد، بينما الراوي لا يروي إلا القليل، يروي ما لا يشارك فيه فهو محل نظر، وإن كان ثقة، فقلة حديثه تنبئ عن ضعف اهتمامه بالنقل، وإن كان اكتسب ثقته من أجل عدم ظهور وجه القدح فيه في نفسه وفي شيء مما رواه، إلا أن حال مثله حال في قلة الحديث توجب تحرياً لإثبات حفظه لما رواه.
ولذا كان أئمة الجرح والتعديل ينبهون كثيراً على قلة حديث الراوي أو كثرته؛ ليعرف محله في الاعتناء بهذا العلم من عدمه، وليعتبر ذلك في تمحيص رواياته.
المقدمة التاسعة: تمييز أصح ما يروى في الباب .
ومن هذا قولهم: (أصح شيء في الباب حديث فلان) أو (حديث كذا)، وهو كثير في الأبواب التي وردت فيها الأحاديث المختلفة.
كقول أحمد بن حنبل في حديث ثوبان: " أفطر الحاجم والمحجوم ": " هو أصح ما روي في هذا الباب " (٢).
стр. 754
وقال علي بن المديني في حديث رافع بن خديج في ذلك: " لا أعلم في الحاجم والمحجوم حديثاً أصح من هذا " (١).
وقال البخاري في أحاديث الوضوء من مس الذكر: " أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة " (٢).
وقال الترمذي في حديث عبد الله بن زيد في مسح الرأس في الوضوء: " أصح شيء في هذا الباب وأحسن " (٣)، وله مثل هذا نظائر أخرى.
هذه العبارة لا تفيد صحة الحديث عند قائلها، لكن فائدتها أن جميع ما سوى ذلك الحديث عند الناقد صاحب العبارة فهو دونه في القوة، ففيها إذا الإشارة إلى منزلة سائر الأحاديث في الباب.
والناقد يقول العبارة فيه قد يخالفه فيها غيره من النقاد، كما بين عبارة أحمد بن حنبل وابن المديني في شأن أصح شيء في الحاجم والمحجوم، إذ كل منهما قال غير مقالة الآخر، ولكن المقصود أن يحيط المعتني بتمييز علل الحديث بمثل هذا كما يحيط بأقاويلهم في بيان أحوال النقلة، ويعمل على تحرير الراجح منها.
المقدمة العاشرة: تمييز الأبواب التي لا يثبت فيها حديث .
هذا أصل خصه بالتصنيف بعض الحفاظ، كالحافظ عمر بن بدر الموصلي (المتوفى سنة: ٦٢٢) في كتاب " المغني عن الحفظ والكتاب، في قولهم: لا يصح شيء في هذا الباب ".
وهذا باب يدخله اجتهاد، ويرجع إلى قدر إحاطة العلم بطرق الأحاديث، لكن العبارة فيه إذا كانت من مقدمي أئمة هذا العلم، فقلما تترك سبيلاً للتعقب بضدها.
стр. 755
وفي كلام الأئمة النقاد كثير من العبارات في ذلك، من أمثلتها:
١_ البسملة عند الوضوء.
قال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: فما وجه قوله: " لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه "، قال: " فيه أحاديث ليست بذاك، وقال الله ﵎: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾، فلا أوجب عليه، وهذا التنزيل، ولم تثبت سنة " (١).
٢ _ الغسل من غسل الميت.
قال أبو داود السجستاني: سمعت أحمد (يعني ابن حنبل) ذكر فيمن غسل ميتاً فليغتسل؟ فقال: " ليس يثبت فيه حديث " (٢).
وهكذا نقل البخاري عن أحمد وعلي بن المديني قالا: " لا يصح من هذا الباب شيء " (٣).
٣ _ زكاة العسل.
قال البخاري: " ليس في زكاة العسل شيء يصح " (٤).
المقدمة الحادية عشرة: تفقد صيغ التحمل والأداء ، كالسماع والإجازة والعنعنة والوجادة.
فقد يقوم الدليل على خطأ ذكر السماع في أي محل من الإسناد، كما أن طائفة من العلماء أعلت بالرواية ببعض هذه الطرق، كالوجادة.
стр. 756
كما قال أحمد بن صالح المصري في (عطاء بن دينار): " هو من ثقات أهل مصر، وتفسيره فيما يروي عن سعيد بن جبير صحيفة، وليست له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير "، وقال أبو حاتم الرازي: " صالح الحديث، إلا أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في الديوان فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير " (١).
وقد بينت ما يتصل بذلك وما يقبل وما لا يقبل منه في محله من هذا الكتاب، وإنما المقصود أن يعتبر الباحث عن علل الحديث هذه الطرق، وصحتها حيث ترد.
وتفطن منها إلى العنعنة، فإن الثقة قد يروي الحديث بها، ولا يذكر بالتدليس، لكنها مظنة للإرسال، فتأمل ذلك واستقصه، حتى تنتفي مظنته.
المقدمة الثانية عشرة: تمييز الإدراج للألفاظ في سياقات المتون .
وهذا يتبين بالاعتناء بجمع ألفاظ الحديث عند استقصائه من محال تخريجه، وجمع متابعاته، فذلك طريق كشف زيادات الرواة، واستظهار القرائن الدالة على الإدراج.
وهو أمر يهمله أغلب المتعرضين لعلم الحديث من المتأخرين، وخصوصاً المعاصرين، مع أن تحرير المتون هو الغاية من النظر في الأسانيد.
стр. 757
القسم الثاني
أصناف الحديث
من جهة القبول والرد
стр. 758
الباب الأول
الحديث المقبول
стр. 759
الفصل الأول
الحديث الصحيح
стр. 760
المبحث الأول
تعريف الحديث الصحيح
المتحرر في تعريف الحديث الصحيح من مجموع عبارات المتقدمين واستعمالهم، هو:
الحديث الذي يجمع الشروط الأربعة التالية:
الأول: اتصال السند.
والثاني: عدالة الرواة.
والثالث: ضبط الرواة.
والرابع: السلامة من العلل المؤثرة.
وجرى المتأخرون على جعل نفي الشذوذ شرطاً مستقلاً غير نفي العلة، والتحقيق: أنه صورة من صور العلل المؤثرة، وأئمة النقاد في هذا الفن أعلوا بالشذوذ في معنى التعليل بسائر العلل غير الظاهرة.
والحديث إذا حقق الشروط المتقدمة مجتمعة فهو (الحديث الصحيح لذاته)، وإن تخلف شرط فلا يوصف بالصحة.
стр. 761
ومن عبارات الأئمة المتقدمين في تعريف الحديث الصحيح ما يلي: ١ _ قال الشافعي: " ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أموراً:
منها: أن يكون من حدث به ثقة في دينه.
معروفاً بالصدق في حديثه.
عاقلاً لما يحدث به.
عالماً بما يحيل معاني الحديث من اللفظ.
وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعنى؛ لأنه إذا حدث به على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه، لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث.
حافظاً إذا حدث به من حفظه.
حافظاً لكتابه إذا حدث من كتابه.
إذا شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم.
بريا من أن يكون مدلساً: يحدث عمن لقي ما لم يسمع منه، ويحدث عن النبي ﷺ ما يحدث الثقات خلافه عن النبي ﷺ .
ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه حتى ينتهى بالحديث موصولاً إلى النبي ﷺ ، أو إلى من انتهي به إليه دونه؛ لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه، ومثبت على من حدث عنه، فلا يستغني في كل واحد منهم عما وصفت " (١).
٢_ وقال أبو بكر الحميدي: " فإن قال قائل فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله ﷺ ويلزمنا الحجة به؟
стр. 762
قلت: هو أن يكون الحديث ثابتاً عن رسول الله ﷺ ، متصلاً غير مقطوع، معروف الرجال، أو يكون حديثاً متصلاً حدثنيه ثقة معروف عن رجل جهلته، وعرفه الذي حدثني عنه، فيكون ثابتاً يعرفه من حدثنيه عنه حتى يصل إلى النبي ﷺ ، وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه: (سمعت) أو: (حدثنا) حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ ، وإن أمكن أن يكون بين المحدث والمحدث عنه واحد أو أكثر؛ لأن ذلك عندي على السماع؛ لإدراك المحدث من حدث عنه حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ ، ولازم صحيح يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا إذا كان صادقاً، مدركاً لمن روى ذلك عنه.
مثل شاهدين شهدا عند حاكم على شهادة شاهدين، يعرف الحاكم عدالة اللذين شهدا عنده، ولم يعرف عدالة من شهدا على شهادته، فعليه إجازة شهادتهما على شهادة من شهدا عليه، ولا يقف عن الحكم بجهالته بالمشهود على شهادتهما.
فهذا الظاهر الذي يحكم به، والباطن ما غاب عنا من وهم المحدث، وكذبه، ونسيانه، وإدخاله بينه وبين من حدث عنه رجلاً أو أكثر، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال؛ فلا نكلف علمه، إلا بشيء ظهر لنا، فلا يسعنا حينئذ قبوله؛ لما ظهر لنا منه " (١).
٣_ وقال الحافظ محمد بن يحيى الذهلي: " لا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث الموصل غير المنقطع، الذي ليس فيه رجل مجهول، ولا رجل مجروح (٢).
٤ _ وقال ابنه الثقة يحيى بن محمد بن يحيى الذهلي: " لا يكتب الخبر عن النبي ﷺ حتى يرويه ثقة عن ثقة، حتى يتناهى الخبر إلى النبي ﷺ بهذه الصفة، ولا يكون فيهم رجل مجهول، ولا رجل مجروح، فإذا ثبت
стр. 763
الخبر عن النبي ﷺ بهذه الصفة؛ وجب قبوله، والعمل به وترك مخالفته " (١).
قلت: وشرط صاحبي الصحيح، ومن عرف عنه من الأئمة المتقدمين الحكم على الحديث بالصحة، وطرقهم في تعليل الحديث، مع هذه التعاريف عن هؤلاء الأعلام، استخلصنا منه هذه القيود كحد للحديث الصحيح.
وعلى المنهج ذاته جرى المتأخرون كابن الصلاح فمن بعده في تعريف الحديث الصحيح، واجتهدوا على حصره بأوصاف هي واضحة المعالم في الجملة، سوى ما حصل من مناقشات لهم في اشتراط نفي الشذوذ مستقلاً بالشرط عن شرط نفي العلة، وكذلك في اشتراط نفي العلة مطلقاً، أو مقيداً بالقادحة.
وما حرزته من عبارات جميعهم فمغن إن شاء الله عن الإيراد والنزاع، وناقل إلى اعتبار تحرير المراد بهذه الأوصاف، لا الإسهاب في كلام نظري أطال فيه المتأخرون دون فائدة تذكر سوى القصد إلى تقويم تعريف ابن الصلاح.
المراد بشروط صحة الحديث على سبيل الإجمال:
تحرير المراد بالشروط الأربعة المتقدمة المثبت اجتماعها صحة الحديث، سبق مفصلاً في فصوله ومباحثه من هذا الكتاب، وإنما يوجب فهم التعريف إيضاح المراد بقيوده، ودفع محترزاته، وبيانها كالآتي:
الشرط الأول: اتصال السند .
المراد به: أن يكون كل راو من رواة الإسناد أخذ الحديث ممن فوقه
стр. 764
مباشرة، وذلك بصيغة من صيغ التحمل الصريحة بالسماع كأن يقول: (سمعت فلاناً)، أو الصريحة بالاتصال دون سماع كالمكاتبة من الشيخ للتلميذ بخط موثوق به، أو المحتملة للسماع احتمالاً راجحاً، كالعنعنة ممن انتفت عن روايته عن شيخه شبهة الانقطاع بتدليس أو إرسال.
فيخرج بذلك المنقطع في جميع صوره، وألقابه المعروفة في هذا العلم هي: المنقطع، والمرسل، والمعضل، والمدلس، والمعلق.
الشرط الثاني: عدالة الرواة .
العدالة: استقامة الراوي في الظاهر على طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ .
وطريق تمييز الطاعة: الكتاب والسنة، وذلك فيما لا يحتمل خلافاً من نصوصهما.
فخرج به: ......
رواية الفاسق بالكذب في الحديث، أو في لسانه في غير الحديث، ومن يدعي سماع ما لم يسمع، أو الفاسق بالمعصية التي لا يدخلها تأويل كشرب الخمر المتفق على حرمته، ورواية الكافر.
ولا يقدح في العدالة شيء مما يلي:
أولاً: فعل المباحات مجردة عن المخالفة في أمر آخر، وإن جرى العرف على العيب بها.
ثانياً: موافقة الصغيرة بمجرده؛ من أجل انتفاء العصمة منه.
ثالثاً: موافقة المعاصي بالتأويل؛ لاعتقاد المواقع كونها مباحة.
رابعاً: البدعة غير القاضية بكفر صاحبها لعينه؛ لكون الأصل فيه قصد إصابة الحق.
وقد تشددت طائفة فقدحت في الرواة بما تقدم، وحررت المذهب الراجح من مذاهب أهل العلم في الفصول المعقودة لذلك من هذا الكتاب.
стр. 765
الشرط الثالث: ضبط الرواة .
والمعتبر في الضبط أن يكون الراوي حافظاً لحديثه، إما عن ظهر قلب، وإما في كتاب متقن صحيح، بحيث يقدر على أداء الحديث كما سمعه، لفظاً أو معنى، على ما تقدم شرحه في القسم الأول.
واعتبار الحفظ شرط لا يختلف فيه لصحة الحديث.
وأما فقه الراوي فوجده ليس علامة على كونه ضابطاً؛ فإن من الفقهاء من كان همه الاستدلال للمسألة، فلا يبالي كيف ساق متن الحديث، فربما تصرف في لفظه وحدث به على ما فهم، وهذا كثير شائع في كتب الفقه.
كما أن طائفة منهم لغلبة اعتنائها بالفقه فإنهم لم يكونوا يقيمون الأسانيد، فتراهم تكثر في رواياتهم المراسيل، وحمل اللفظ على اللفظ، وإدخال حديث في حديث، مثل الفقيه: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (١).
لا ريب أن الفقه إذا انضم إلى الحفظ فهو مزية للتقديم، ولكنه ليس بشرط يطلب لصحة الحديث.
وقد كان أئمة السلف يعتبرون فقه الراوي مع حفظه مرجحاً على مجرد الحفظ، وإنه والذي نفسي بيده لجدير بذلك.
كما جاء عن وكيع بن الجراح، قال: " أيما أحب إليكم: سفيان عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي؟ أو سفيان عن منصور، عن إبراهيم، قال: قال علي؟ "، قيل له: أبو إسحاق عن عاصم عن علي، قال: " كان حديث الفقهاء أحب إليهم من حديث المشيخة " (٢).
стр. 766
كذلك قال الثقة عبد الله بن هاشم النيسابوري: قال لنا وكيع: " أي الإسنادين أحب إليكم: الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله؟ أو سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؟ "، فقلنا: الأول، فقال: " الأعمش شيخ، وأبو وائل شيخ، وسفيان فقيه، ومنصور فقيه، وإبراهيم فقيه، وعلقمة فقيه، وحديث يتداوله الفقهاء خير مما يتداوله الشيوخ " (١).
وكان مالك بن أنس لا يحمل الحديث عمن لم يكن يفهمه، حيث قال: " لقد تركت جماعة من أهل المدينة ما أخذت عنهم من العلم شيئاً، وإنهم لممن يؤخذ عنهم العلم، وكانوا أصنافاً: فمنهم من كان كذاباً في غير علمه، تركته لكذبه، ومنهم من كان جاهلاً بما عنده، فلم يكن عندي موضعاً للأخذ عنه لجهله، ومنهم من كان يدين برأي سوء " (٢).
وقال مالك: " أدركت بالمدينة مشايخ أبناء مئة وأكثر، فبعضهم قد حدثت بأحاديثه، وبعضهم لم أحدث بأحاديثه كلها، وبعضهم لم أحدث من أحاديثه شيئاً، ولم أترك الحديث عنهم لأنهم لم يكونوا ثقات فيما حملوا، إلا أنهم حملوا شيئاً لم يعقلوه " (٣).
وقد شدد ابن حبان، فجعل الفقه شرطاً في راوي الحديث الصحيح، وبين علة ذلك بقوله: " إذا كان الثقة الحافظ لم يكن فقيهاً وحدث من حفظه، فربما قلب المتن، وغير المعنى؛ حتى يذهب الخبر عن معنى ما جاء فيه، ويقلب إلي شيء ليس منه وهو لا يعلم، فلا يجوز عندي
стр. 767
الاحتجاج بخبر من هذا نعته، إلا أن يحدث من كتاب، أو يوافق الثقات فيما يرويه من متون الأخبار " (١).
قلت: وهذا تعليل ذاهب الأثر باشتراطنا الإتقان للمحفوظ؛ إذ القلب في الرواية وتغيير المعنى مظنة لا تجتمع في الراوي مع نعته بالحفظ.
قال الخطيب: " إن لم يكن من أهل العلم بمعنى ما روى لم يكن بذلك مجروحاً؛ لأنه ليس يؤخذ عنه فقه الحديث، وإنما يؤخذ منه لفظه، ويرجح في معناه إلى الفقهاء، فيجتهدون فيه بآرائهم " (٢).
واستدل لذلك بحديث: " نضر (٣) الله امرأ سمع منا حديثاً، فبلغه كما سمعه. . " الحديث (٤).
قلت: وهذا الذي قاله الخطيب هو الصواب، ولو تأملت حال أكثر النقلة الثقات لم تجدهم ممن عرف بالفقه، أو حتى ذكر به أصلاً، فالعبرة بثقة الراوي وصحة الإسناد.
قال صالح بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: رواية أبي هريرة عن النبي ﷺ إذا صح مثل حديث سعيد وأبي سلمة، والرواية عن علقمة والأسود عن ابن مسعود، والرواية عن سالم عن ابن عمر، إذا رووا عن النبي ﷺ ؟ فقال: " كل ثقة، وكل يقوم به الحجة إذا كان الإسناد صحيحاً " (٥).
وذكر ابن رجب كلام ابن حبان المتقدم، وقال: " وفيما ذكره نظر،
стр. 768
وما أظنه سبق إليه، ولو فتح هذا الباب لم يحتج بحديث انفرد به عامة حفاظ المحدثين، كالأعمش وغيره، ولا قائل بذلك، اللهم إلا أن يعرف من أحد أنه كان لا يقيم متون الأحاديث، فيتوقف حينئذ فيما انفرد به، فأما مجرد الظن فيمن ظهر حفظه وإتقانه فلا يكفي في رد حديثه " (١).
كذلك فإن الراوي قد يكون حافظاً، لكن جل اهتمامه بمراعاة الطرق والأسانيد، ولا يلتفت إلى سياقات المتون (٢).
ومن أسوأ ما يقع من بعض الرواة: اختصار متن الحديث، دون وقوع العلم به من طريق آخر، ودون تحديث هذا المختصر له في موضع آخر بتمام سياقه، فهذا يفوت مصلحة ما يقع في ذلك المتن من الفائدة.
لكن هذا القصور لا أثر له في الجملة على تحقق شرط الضبط الذي يصح به الحديث.
الشرط الرابع: السلامة من العلل المؤثرة .
والعلة: سبب قادح في الحديث يظهر بالتتبع.
فإن كانت في المتن فإنها تظهر من خلال مقارنة ذلك المتن بنظائره بعد صحة الإسناد، فتبدو فيه مخالفة لما هو مسلم أو أصح منه، كحكاية خلق الأرض دون السماوات في ستة أيام، وكمجيئه على غير ما رواه من هو أقوى.
وإذا كانت في الإسناد فإنها تظهر من خلال مقارنة ذلك الإسناد بسائر أسانيد الحديث، كالحديث يرويه الثقة مرفوعاً، فإذا بك تجده موقوفاً أو مقطوعاً، أو يرويه متصلاً فإذا بك تجده منقطعاً أو مرسلاً.
стр. 769
على ما تقدم من بيانه في (النقد الخفي) من هذا الكتاب.
ومنها الشذوذ، وهو: مخالفة الثقة في روايته لمن هو أقوى منه.
والعلة المؤثرة هنا: هي رواية الثقة المرجوحة.
وفي هذا ما يدل على أن وصف الراوي بالثقة وإن كانت القاعدة أن يصحح حديثه، لكن ذلك مشروط بسلامة رواياته من القوادح.
ولا يتم إلا بجمع طرق حديثه المعين للتأكد من حفظه له.
وهذا على خلاف ما يظنه كثير من الناس أن ثقة الراوي مجردة كافية وحدها للحكم لحديثه بالصحة دون تحقيق هذا الشرط.
* * *
стр. 770
المبحث الثاني:
تطبيق لإظهار تحقق شروط الحديث الصحيح
قال الإمام أحمد بن حنبل في " مسنده ": حدثنا ابن نمير، عن مالك _ يعني ابن مغول _، عن محمد بن سوقة، عن نافع، عن ابن عمر:
إن كنا لنعد لرسول الله ﷺ في المجلس يقول: " رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الغفور " مئة مرة (١).
مخرج هذا الحديث هو أحمد بن حنبل وهو أحد كبار حفاظ الأمة وأئمتها، وكتابه " المسند " من أعظم دواوين الإسلام في حديث النبي ﵊، ولا يشك أهل العلم بالحديث في صحة نسبة هذا الديوان إليه، كما لا يشكون في صحة أصوله التي نشر عنها.
ولما كان أحمد ﵀ لم يشترط في " مسنده " أن لا يخرج إلا الصحيح، احتجنا للنظر في درجة هذا الحديث.
وترتيب البحث فيه على مرحلتين:
المرحلة الأولى: النظر في إسناد أحمد لهذا الحديث، ويعني أمرين:
أولاً: معرفة أحوال نقلته، بتمييز العدالة والضبط لكل راو.
стр. 771
وثانياً: معرفة وقوع الاتصال فيما بينهم من عدمه.
فتحقيق أحوال النقلة على النحو الذي شرحه في (تمييز النقلة)، وباتباع ذلك المنهاج تبين ما خلاصته: أن رواة الإسناد كلهم ثقات، وروى لهم البخاري ومسلم.
وأما الأمر الثاني: وهو سلامة الإسناد من الانقطاع، فإن كل موضع يصرح فيه الثقة بالسماع فإنه يزيل مظنة الانقطاع فيه بينه وبين شيخه، لكن هذا الإسناد كله معنعن، والعنعنة صيغة ليست قطعية بالاتصال، ولا يحكم باتصال الإسناد بها إلا إذا سلم المعنعن من التدليس، وثبت إمكان سماعه ممن فوقه، وقد وجدنا في تراجم رجال هذا الإسناد أن كل راو من رواته ممكن سماعه ممن فوقه، ولم يوصف أحد منهم بتدليس.
فحيث تحقق هذا؛ فهو إسناد متصل برواية الثقات.
المرحلة الثانية: تحقيق السلامة من العلل المؤثرة.
وهذا يتم بتتبع طرق هذا الحديث ومواضع وروده عند أحمد في غير الموضع المذكور، وعند غير أحمد في كتب رواية الحديث الأخرى.
رجعنا فوجدنا الحديث أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه " في موضعين (١)، قال في الموضع الأول: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا مالك بن مغول، وفي الموضع الثاني كما رواه أحمد.
وفيه أن ابن أبي شيبة وهو أحد الأئمة الحفاظ وافق الإمام أحمد على روايته، وهذه (متابعة)، وفي روايته من الفائدة تمييز (ابن نمير) وذكر سماعه من ابن مغول صريحاً.
وتابع أحمد وابن أبي شيبة عليه: أحمد بن عبد الله، ويقال له: ابن
стр. 772
أبي شعيب الحراني، وهو ثقة، رواه عنه البخاري في كتاب " الأدب المفرد " (١).
ثم وجدنا ابن نمير لم يتفرد بروايته عن مالك بن مغول، بل تابعه جماعة من الثقات، منهم:
١_ أبو أسامة (٢)، واسمه حماد بن أسامة ثقة محتج به في " الصحيحين ".
٢_ المحاربي (٣)، واسمه عبد الرحمن بن محمد، كوفي ثقة احتج به الشيخان، تكلم فيه بعض الحفاظ؛ لأنه كان يروي عن مجاهيل أحاديث منكرة، والعيب فيها من جهتهم لا من جهته، وهو هنا روى عن ثقة.
٣_ أبو بكر الحنفي (٤)، واسمه عبد الكبير بن عبد المجيد، قال: (حدثنا مالك بن مغول)، وأبو بكر هذا بصري ثقة، احتج به الشيخان.
فهذا ابن نمير لم بنفرد برواية هذا الحديث عن مالك بن مغول، وهل انفرد ابن مغول عن محمد بن سوقة.
لا، بل وجدناه تابعه الحافظ الإمام سفيان بن عيينة فرواه عن محمد بن سوقة (٥).
وهل وافق ابن سوقة أحد عن نافع؟ لم نجد ذلك، لكنه ثقة فلا يضره التفرد، لا سيما أنه لم يخالفه أحد.
فإن قلت: فهل تجد أحداً عن ابن عمر غير نافع؟
стр. 773
قلت: نعم، وجدته عن ابن عمر من طريقين آخرين، كلاهما عند أهل العلم بالحديث صالح.
فإن قلت: نافع حجة بنفسه لا يتوقف في صحة حديثه حتى يوجد الموافق.
قلت: نعم، لكن البحث قد يدل على مخالفة لنافع مؤثرة في حديثه، لا لاحتياج حديثه إلى عاضد، فحيث جاء الموافق دل على ضعف احتمال المخالفة، خصوصاً وأنك لم تجد مخالفة حصلت لأحد ممن روى هذا الحديث.
بل قد روى غير ابن عمر عن النبي ﷺ ما يشهد لأصل هذا الحديث، فجاء معناه من حديث الأغر المزني وحذيفة بن اليمان وغيرهما.
فدل التتبع والبحث على أن هذا الحديث سلم من العلل المؤثرة.
فإن قلت: رأينا بعض من رواه قال في لفظه في آخره: " الغفور "، وبعضهم قال: " الرحيم ".
قلت: هذا واسع في الألفاظ، فإن الله تعالى كذلك، على أنه قد ترجح أن من قال " الغفور " فروايته أقوى وأبين.
وقد وجدنا الإمام الترمذي قال في هذا الحديث: " حديث حسن صحيح " فزاد ذلك الطمأنينة في صحة ما استخلصناه من هذا البحث من الحكم بصحة الحديث.
* * *
стр. 774
المبحث الثالث:
نقد تعريفات الصحيح
١_ قسم الحاكم النيسابوري الحديث الصحيح بحسب استعمال أهل العلم له من فقهاء الحجاز وفقهاء العراق، وهم فقهاء الأمصار في العصر الأول، إلى عشرة أقسام، خمسة متفق عليها، وخمسة مختلف فيها:
فالمتفق عليها:
(١) ما اتفق عليه البخاري ومسلم، وهو ما رواه الصحابي المشهور الذي عنه راويان ثقتان، في شرط ذكره.
قلت: وهذا منتقد على الحاكم فيما ذكره من شرط الشيخين، وهو غير مصيب فيه، كما ذكرته في محله من هذا الكتاب (١).
(٢) الحديث برواية العدل عن العدل إلى الصحابي الذي ليس له إلا راو واحد.
(٣) أخبار جماعة من التابعين الثقات لا يعرف أحدهم إلا برواية واحد عنه.
(٤) الأفراد الغرائب، يتفرد بها الثقة، وليس لها طرق مخرجة في الكتب.
стр. 775
(٥) أحاديث من روى عن أبيه عن جده من الثقات، كصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
قلت: والمتأخرون على أن هذه الصحيفة حسنة الإسناد، والمتقدمون لم يتفقوا على الاحتجاج بها، لكن أن تقول: أكثرهم كان على قبولها والاحتجاج بها.
وفي إدخال الحاكم لها تحت (الصحيح) إنما هو من أجل عدم فصله له عن (الحديث الحسن)، كما جرى على ذلك في حكمه على الأحاديث في كتابه " المستدرك ".
والخمسة المختلف فيها، هي:
(١) المراسيل، والمراد: ما يرفعه التابعي أو تابع التابعي. صحيحة عند جماعة من الكوفيين، كإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سلمان، وأبي حنيفة وصاحبيه: أبي يوسف ومحمد.
قلت: وهذا شامل لبعض صور (المعضل) بتعريف المتأخرين، لأن ما يرفعه تابع التابعي قد زاد فيه السقط على واحد بيقين، وهو سقط على التوالي، وهي سمة (المعضل).
(٢) روايات المدلسين التي لا يذكرون فيها السماع.
هي صحيحة عند بعض أئمة الكوفة، ضعيفة عند آخرين (١).
(٣) خبر يرويه ثقة عن إمام ثقة فيسنده، ويرويه عن ذلك الإمام جماعة من الثقات فيرسلونه. أو يرفعه الثقة ويوقفه الجماعة.
فهذه الأخبار صحيحة على مذهب الفقهاء، إذ القول عندهم قول من زاد. وعند غيرهم من أئمة الحديث قول الجماعة (٢).