المبحث السادس:
التعليل بالتدليس
وشرحت معنى التدليس في (الحديث المدلس) (١).
والتعليل به بمعنى الوقوع لا المظنة، أي: ليس التعليل بمجرد العنعنة من الراوي الموصوف بالتدليس، وإنما بكشف وقوع تدليسه في ذلك الحديث، عن طريق جمع أسانيده.
مثل: حديث بقية بن الوليد، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : " إن الله يحب الملحين في الدعاء ".
هكذا رواه كثير بن عبيد الحذاء عن بقية (٢).
فهذا يقول فيه المبتدئ: (في إسناده بقية، وهو مدلس وقد عنعن)، ثم
стр. 702
يقلب فيرى بعض من رواه عن كثير قال فيه: " حدثنا كثير بن عبيد، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا الأوزاعي " (١)، فيقول: (انزاحت عنه شبهة التدليس، والأوزاعي فمن فوقه إسناد معروف الصحة).
لكن يقول الناقد في هذه الرواية، كما قال البيهقي: " هكذا قال: حدثنا الأوزاعي، وهو خطأ "، يعني لتفرد راو بها عن كثير عن بقية دون الجماعة، مع قيام الدليل على الواسطة بين بقية والأوزاعي فيه.
كما قال أبو حاتم الرازي: " هذا حديث منكر، نرى بقية دلسه عن ضعيف عن الأوزاعي " (٢).
وقال العقيلي: " لعله أخذه بقية عن يوسف بن السفر ".
قلت: هو كذلك، إنما حمله بقية عن أبي الفيض يوسف بن السفر كاتب الأوزاعي، عن الأوزاعي، وكان يوسف هذا متهماً بالكذب ووضع الحديث، كذلك رواه عن بقية: عيسى بن المنذر الحمصي، وهو ثقة (٣)، وتابعه أحد المتروكين (٤) لكن العبرة برواية عيسى هذا.
وكذلك أعله ابن عدي بتدليس بقية.
والتعليل بهذا الطريق لا يتفطن له إلا من رزق بصيرة وقوة معرفة وسعة اطلاع في هذا العلم، والذي يعل به الطلبة غايته ما ذكرت، لا يعدو
стр. 703
أن يجد أحدهم الراوي الموصوف بالتدليس لم يصرح بالسماع في روايته، فيقول: (إسناد ضعيف، فيه فلان مدلس، ولم يصرح بالتحديث)، وليس هذا من العلل الخفية، إنما العلة الخفية كشف وقوع التدليس في تلك الرواية، والتعليل بمجرد العنعنة من الموصوف بالتدليس تعليل ظاهر، قد يكون مرجوحاً لا أثر له في اتصال الإسناد، كما تلاحظه في بيان (الحديث المدلس).
стр. 704
الفصل الثالث
قوانين ضبط عملية
تعليل الأحاديث
стр. 705
المبحث الأول
علم التخريج
الطريق لكشف علة الحديث: جمع الروايات ثم سبرها وتنقيحها.
قال الخطيب: " السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط " (١).
قال الأوزاعي: " كنا نسمع الحديث، فنعرضه على أصحابنا كما يعرض الدرهم الزيف على الصيارفة، فما عرفوا أخذنا، وما تركوا تركنا " (٢).
وقال ابن أبي حاتم: " تعرف جودة الدينار بالقياس إلى غيره، فإن تخلف عنه في الحمرة والصفاء علم أنه مغشوش، ويعلم جنس الجوهر بالقياس إلى غيره، فإن خالفه في الماء والصلابة علم أنه زجاج، ويقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاماً يصلح أن يكون من كلام النبوة، ويعلم سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالة بروايته " (٣).
стр. 706
قلت: فهو يبدأ بتتبع روايات الحديث وجمعها، ومن ثم النظر فيها وتمحيصها.
قال عبد الله بن المبارك: " إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض " (١).
قلت: والطريق إلى تحقيق الجمع المقصود لطرق الحديث هو تخريج الحديث بمعناه الآتي قريباً.
تفسير علم التخريج:
المراد بعبارة (التخريج) عندما ظهر استعمال هذا المصطلح، هو:
انتقاء الراوي لنفسه من أصول سماعاته عن شيوخه أحاديث، فمنها ما يصنف على ترتيب أسماء الشيوخ على حروف المعجم، وعندئذ يسمى (معجماً)، ومنها ما يصنف على اعتبار آخر، كالبدء بحسب الأقدم، أو بحسب البلدان، وهذا يسمى (مشيخة)، ومنها ما يكون عشوائيا أو شبيها بذلك، فيسمى (الفوائد) وربما قيل: (الفوائد المنتقاة).
ويخرج من حديث كل شيخ حديث فأكثر، يراعى فيها علو الإسناد، أو قوته، أو غرابة الحديث (٢).
وقد ينتقي تلك الأحاديث للشيخ غيره من معاصريه من رواة الحديث وحفاظه.
قال الخطيب: " وإن لم يكن الراوي من أهل المعرفة بالحديث وعلله واختلاف وجوهه وطرقه وغير ذلك من أنواع علومه، فينبغي له أن يستعين
стр. 707
ببعض حفاظ وقته في تخريج الأحاديث التي يريد إملاءها قبل يوم مجلسه، فقد كان جماعة من شيوخنا يفعلون ذلك، فمنهم:
أبو الحسين بن بشران، كان محمد بن أبي الفوارس يخرج له الإملاء.
والقاضي أبو عمر بن عبد الواحد الهاشمي البصري، كان أبو الحسين بن غسان يخرج له.
وأبو القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج النيسابوري، كان أبو حازم العبدوي يخرج له.
وصاعد بن محمد الأستوائي فقيه أصحاب الرأي بنيسابور، كان أحمد بن علي الأصبهاني يخرج له.
وكان أبو الحسن محمد بن أحمد بن رزقويه يخرج الإملاء لنفسه، إلى أن كف بصره.
ثم كان أبو محمد الخلال يخرج له أحياناً، وأحياناً كنت أنا أخرج له " (١).
ومن أمثلة الكتب في (التخريج) بهذا المعنى: " المعجم الصغير " تخريج: الحافظ أبي القاسم الطبراني، خرجه لنفسه.
و" المعجم " للحافظ أبي بكر الإسماعيلي، وهو (مشيخته).
وخرج الحافظ عبد العزيز بن محمد النخشبي (المتوفي سنة: ٤٥٧) لقرينه أبي القاسم الحسين بن محمد الحنائي (المتوفي سنة: ٤٥٩) الفوائد المعروفة ب" الحنائيات ".
كما خرج الحافظ أبو طاهر السلفي (المتوفي سنة: ٥٧٦) الفوائد لشيخه أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار المعروف ب" ابن الطيوري " (المتوفي سنة: ٥٠٠) وتسمى ب" الطيوريات ".
стр. 708
التخريج بمعنى جمع الطرق والألفاظ:
قال أحمد بن حنبل: " الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضاً " (١).
والتخريج بهذا المعنى هو: أن تعمد إلى حديث فتجمع طرقه: أسانيدها ومتونها، من الكتب الحديثية التي تقوم على الإسناد، لا الكتب الناقلة عنها، ثم التأليف بينها لتحرير مواضع الاتفاق والافتراق في الأسانيد، فتتبين المتابعات والشواهد، وفي المتون، فيتبين ما فيها من التوافق اللفظي والمعنوي، والزيادة والاختلاف.
هذا المعنى للتخريج هو المطلوب تحقيقه لكشف علة الحديث، وليس هو المدلول القريب اليوم لمصطلح (التخريج).
إنما (التخريج) اليوم في طريقة أكثر من يتصدى للاشتغال بالحديث، ممن يفهم وممن لا يفهم، هو: عزو الأحاديث التي تذكر في الكتب غير مروية بالإسناد، إلى محالها من كتب الإسناد، كالحديث يوجد في " المغني " لابن قدامة مثلاً، ربما عزاه إلى مصدر من المصادر، كسنن أبي داود، وربما لم يعز إلى مصدر، فيكون التخريج ببيان محله من " السنن " توثيقاً لنصه، وتيسيراً للوقوف عليه في أصله، وقد يزيد الباحث العزو إلى ما تيسر له الوقوف عليه من الأصول.
وليس من هذا: الكلام على درجة الحديث، فذلك زيادة على التخريج، يحسن أن تسمى (تحقيقاً) مثلاً، وهي عبارة قد شاعت اليوم تدل على هذا المعنى.
فإن وقعت عملية التخريج هذه لكتاب مسند، كمن يعمد إلى أحاديث (مسند أحمد) فيبين محال الحديث في غيره، ويربط بين ذلك الحديث
стр. 709
وسائر طرقه في سائر كتب الحديث، فهذا العمل أشبه بمصطلح (الاستخراج) (١) منه بمجرد (التخريج)، وإن كان معنى (الاستخراج) فيه ناقصاً، فإن العناية فيه إنما هي بالإسناد غالباً دون المتن، ومعلوم أن (الاستخراج) يعتبر في الإسناد والمتن جميعاً (٢).
فمن يفهم فإنما ذلك عنده لواحد من غرضين، أو لهما جميعاً:
أولهما: وسيلة يتوصل بها إلى تبيين درجة الحديث، فهذا لا يكون (التخريج) بالنسبة له مقصداً لذاته، ولذلك فقد تتحقق بغيته بأن يوقف على كون الحديث مما (أخرجه) البخاري ومسلم، ولا يزيد.
وثانيهما: توثيق للنص المخرج، من جهة إحالته إلى أصل من الأصول.
ومن لا يفهم، فليس محلاً للحديث هنا.
ولا نجد حرجاً في هذه العملية أن يقال: (أخرجه) أو (خرجه)، فهو واسع، واللغة تحتمله، وإن كان (أخرجه) أكثر وأحسن.
ومن أمثلة كتب التخريج بهذا المعنى:
" تخريج أحاديث الكشاف " و " نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية " كلاهما للحافظ أبي محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي الحنفي (المتوفى سنة: ٧٦٢).
و" البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير " للحافظ عمر بن علي المعروف ب" ابن الملقن " الشافعي (المتوفى سنة: ٨٠٤).
стр. 710
وللحافظ ابن حجر العسقلاني يد طولى في ذلك.
وفي الزمن المتأخر مؤلفات الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الأباني، والشيخ المحدث أحمد بن محمد بن الصديق الغماري، وغيرهما من محدثي العصر.
و من القواعد الواجب اعتبارها في علم التخريج ما يلي:
أولاً: ملاحظة ألفاظ الإحالة ودلالاتها .
قال الحاكم: " مما يلزم الحديثي من الضبط والإتقان إذا روى حديثاً وساق المتن، ثم أعقبه بإسناد آخر: أن يفرق بين أن يقول: (مثله)، أو: (نحوه)، فإنه لا يحل له أن يقول: (مثله) إلا بعد أن يقف على المتنين جميعاً، فيعلم أنهما على لفظ واحد، وإذا لم يميز ذلك، جاز أن يقول: (نحوه)، فإذا قال: (نحوه) بين أنه مثل معانيه " (١).
قلت: وكان الإمام مسلم بن الحجاج دقيقاً في سياقه الروايات، فإذا بحثت عن ألفاظ الأحاديث عنده، فإن ساق للحديث طريقاً واحدة لمتنه فذاك المتن لذاك الإسناد، وإن أخرجه بسند، ثم أحال عليه أسانيد، فإن قال: (مثله) فهو باللفظ ذاته أو يقرب منه، وإن قال: (به) فهو مثله، ما لم ينبه مسلم نفسه على زيادة في المتن أو نقص.
وإذا ساق المتابعات قبل المتن، فإن قال: (فلان وفلان، واللفظ له) أو (واللفظ لفلان) فلفظ الحديث لمن أضافه إليه من الرواة، والثاني بنحوه أو معناه، وربما عطف المتابعات في سياق الإسناد على بعضها، وقال: (وألفاظهم متقاربة)، وقد لا ينبه على ذلك فيشعر باتحاد اللفظ. وربما قال مثلاً: (حدثنا محمد بن عباد، وابن أبي عمر، جميعاً عن مروان الفزاري،
стр. 711
قال ابن عباد: حدثنا مروان، عن يزيد)، فساق الإسناد، فهذا التصرف يشعر بأن السياق لرواية ابن عباد، ورواية ابن أبي عمر قريب منه.
ثانياً: المحدث يسوق حديثاً بإسناده ومتنه، ثم يلحقه بآخر يقتصر منه على الإسناد ويحيل المتن على الذي قبله قائلاً: (مثله)، أو (نحوه)، فهل يصح سياق نفس المتن للإسناد الثاني؟
الجواب: اختلف في ذلك المتقدمون، فوسع فيه سفيان الثوري في (مثله) و (نحوه)، ووافقه النقل عن يحيى بن معين في (مثله) خاصة، ومنع شعبة بن الحجاج من ذلك فيهما (١).
والاحتياط فيه أولى، وذلك بأن يقول مثلاً: (مثل حديث قبله متنه كذا وكذا) أو (نحو حديث قبله متنه كذا وكذا)، وهو اختيار الخطيب.
وفي باب الاعتبار، لا مانع من الاعتبار بالإسناد الثاني في تقوية الأول، اعتماداً على المحدث فيما ادعاه من المثلية أو النحوية، وإن كان الأولى الاجتهاد للوقوف على متن ذلك الإسناد في مصادر السنن والأخبار.
ثالثاً: الأخذ من نسخة مروية بإسناد واحد ، يجوز أن يساق الإسناد عند اقتباس بعض تلك الأحاديث، يذكر قبل المتن كما جاء في أول حديث في تلك الصحيفة، كصحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة، وهو قول وكيع بن الجراح، ويحيى بن معين، وأبي بكر الإسماعيلي، وغيرهم.
وكان مسلم يسوق الإسناد لصحيفة همام إليه، قال: " هذا ما حدثنا أبو هريرة، فذكر أحاديث منها .. "، وهذه مبالغة في التحري والأمانة (٢).
رابعاً: إذا أخرجت أحاديث أو حديثاً من جملة أحاديث، رواها
стр. 712
المخرج عن شيخ، نسبه تاما في أولها، ثم قال في سائرها: (وحدثنا فلان) ولم يزد على اسمه، جاز أن يبين على ما في أول تلك الأحاديث، ولو قلت عند قوله: (حدثنا فلان): (يعني) أو (أي: ابن فلان الفلاني) لكن أحوط، كما يفعل لبيان اسم مبهم في الإسناد.
وترى مثل هذا يقع كثيراً في " مسند أحمد " في تسمية شيوخه، و" مسند أبي يعلى " و " المعجم الأوسط " للطبراني، وغيرها.
خامساً: إذا وجدت اسماً مهملاً في الإسناد، وتيقنت من يكون فلا يجوز أن تقحم بيانه بعبارة تفهم أنه كذلك في الرواية، فلو جاء مثلاً: (عن هشام عن قتادة) فمع تيقنك أنه الدستوائي، فلا تجعله: (عن هشام الدستوائي عن قتادة)، ولكن قل: (عن هشام _ يعني الدستوائي _ عن قتادة)، أو (عن هشام _ هو الدستوائي _ عن قتادة).
وهذه فائدة، أنك إذا وجدت مثل هذه الصيغة (هو ابن فلان)، أو (الفلاني) فاعلم أنها ليست من قبل الراوي عن ذلك الشيخ، وإنما هي من بعض رواة الإسناد، أو من نفس مخرج الخبر (١).
* * *
стр. 713
المبحث الثاني:
علامات لكشف العلة من منهج المتقدمين
وهي أسباب تكتسب بالدراية بعلوم الحديث، وفهم ما ترد عليه الأسانيد والمتون، استعملها أئمة النقاد لمعرفة علة الحديث، وهي علامات ظنية، لا يجوز القطع بتخطئة الثقة بمجرد ورودها على فكر الناقد حتى يستدل لها.
نعم، قد يقوم الدليل عند الناقد على علة الحديث، ولم يتبين بمن يلصق الوهم فيه من رواته، لكن ينبغي في هذه الحال أن يتوجه حمله على أدناهم حفظاً.
ومن أمثلته: ما نقله ابن أبي حاتم الرازي، قال: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث، رواه علي بن هاشم بن مرزوق، عن يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن سالم مولى دوس: قلت لكعب: أكنت تقبل وأنت صائم؟ قال: نعم، وآخذ به (١)؟ فقالا: " هذا خطأ، إنما هو عن سالم مولى دوس، قال: قلت لسعد بن أبي وقاص "، قال أبو زرعة: " وأخطأ علي بن هاشم؛ لأن يزيد بن هارون لا يذهب عليه مثل هذا " (٢).
стр. 714
قلت: يقول: يزيد لحفظه وإتقانه لا يقع له مثل هذا الوهم، ولا يحمل فيه عليه الخطأ وفيمن دونه أولى بحمل الخطأ عليه منه مع صدقه، وهو علي بن هاشم الرازي.
لكن إذا لم يتبين ما يمكن أن يحمل عليه الوهم من رواته، فتكون الرواية معلولة، دون إلحاق المأخذ فيها على معين.
وتلك العلامات المساعدة المستفادة من طرق النقاد في التعليل، منها ما يعرف من الفصل السابق، إذ التفرد، والزيادة، والمخالفة، والاختلاف، ودخول حديث في حديث، والتصحيف، والقلب، والتدليس، جميعها تكون بملحظ الناقد، بل يقصد إلى تقصيها في الرواية، حتى تسلم له منها، فوقوع الشيء منها في الرواية علامة على العلة، فإن استقرت بحجتها كانت هي العلة.
لكن قد بينت من قبل أنه ليس كل تفرد علة، ولا كل مخالفة مؤثرة، ولا كل اختلاف قادحاً، فما لم يكن من قبيل ما بينت قبل أنه قادح بمجرد تلك الأسباب، فإن الناقد قد يهتدي بعلامات أخرى للتوصل إلى العلة، ترجع أصولها إلى ما يلي:
أولاً: أن يأتي أحد وجهي الرواية على الجادة، والآخر خارجاً عنها .
ومن عباراتهم فيه: (لزم فلان الطريق) (١). و (أخذ طريق المجرة فيه) (٢). و (وهذا الطريق كان أسهل عليه) (٣).
стр. 715
والمعنى فيه: أن يروي الحديث ثقتان، فيجريه أحدهما على المعتاد في أسانيد شيخه، والآخر على غير المعتاد منها.
فمن خرج به عن المعتاد، فذلك قرينة على إتقانه للرواية، إذ مثل ذلك يحتاج حفظه إلى مزيد احتياط، ولا يتفطن إليه متيقظ، بخلاف ما جاء على الجادة.
وقد قال أحمد بن حنبل في مثال هذا: " أهل المدينة إذا كان حديث غلط يقولون: ابن المنكدر عن جابر، وأهل البصرة يقولون: ثابت عن أنس، يحيلون عليهما " (١).
وهذه أمثلة:
المثال الأول، ويدخل في غير شيء من علل الحديث: حديث سمرة بن جندب في كفارة تفويت الجمعة.
رواه قتادة، واختلف عليه، فرواه همام بن يحيى، عنه، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ ، قال: " من فاتته الجمعة فليتصدق بدينار، أو بنصف دينار "، وفي لفظ: " من ترك جمعة من غير عذر، فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فنصف دينار " (٢).
تابع هماماً عليه إسناداً ومتناً: حجاج بن حجاج الباهلي الأحول (٣)، وهو ثقة.
ورواه خالد بن قيس بن رباح، فقال: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ ، به (٤).
стр. 716
وهذا الطريق خالفت في الإسناد، فجعلت (الحسن) بدلاً من (قدامة بن وبرة)، وهي محيلة الرواية من مجهول، وهو قدامة، إلى ثقة، وهو الحسن البصري، وهي رواية صحيحة الإسناد إلى قتادة، كصحة رواية همام عنه.
ومن يذهب من أهل العلم إلى صحة حديث الحسن عن سمرة، يصحح هذا الإسناد على طريقته، ومن لا يصححها قد يقوي روايتي قتادة ببعضهما، وهذان المنهجان كلاهما خطأ ههنا.
فتصحيح الرواية لذاتها من رواية الحسن عن سمرة، أو اعتبارها طريقاً مستقلة للحديث تنضم إلى رواية قدامة، إغفال لمخالفة همام.
والتحقيق: أن هماماً ألصق بقتادة، وأعلم بحديثه وأشهر به من خالد، بل هو من المكثرين عن قتادة وغيره، وليس خالد كذلك وإن كان ثقة، ثم إن خالداً أجرى الإسناد عن قتادة على الجادة، فقتادة عن الحسن عن سمرة نسخة، ومثل همام في كثرة حديثه عن قتادة لا يفوته مثل هذا، ليأتي به عن قتادة عن رجل غير معروف، لا يحفظ مثله ولا يتفطن له إلا بتعنٍّ، بخلاف المشهور المعروف.
ولذا قال البخاري: " والأول أصح " يعني رواية همام.
وممن أشار إلى علة هذه الرواية: أبو داود في " سننه " وأبو حاتم الرازي فيما حكاه ابنه (١).
وقال البيهقي: " كذا قال، ولا أظنه إلا واهماً في إسناده، لاتفاق من مضى على خلاف فيه ".
والحديث لا يصح، ولهمام فيه مخالفان آخران مرجوحان كذلك.
стр. 717
قال البخاري: " لا يصح حديث قدامة في الجمعة ".
قلت: العلة كما بينت من جهة جهالة قدامة، وكذلك لعدم العلم بثبوت سماع له ولا لقاء من سمرة، فإنه لم يذكر سماعاً في شيء من الطرق، ولم نجده يروي عن غير سمرة في شيء يثبت إسناده إليه.
فرجل مجهول لم تثبت عدالته، يروي بالعنعنة، لا يجوز قبول حديث ينفرد به لا يرويه سواه.
المثال الثاني: ما رواه محمد بن صالح بن مهران، قال: حدثنا أرطاة أبو حاتم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : " لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " (١).
قال ابن عدي: " الحديث عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر خطأ، إنما يرويه عبيد الله عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، على أنه قد روي عن هشام بن حسان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، وهذا خطأ أيضاً (٢)، وهذا الطريق كان أسهل عليه إذا قال: عبيد الله عن نافع عن ابن عمر؛ لأنه طريق واضح، وبهذا الإسناد أحاديث كثيرة، من أن يقول: عبيد الله عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ".
المثال الثالث: ما رواه سعيد بن كثير بن عفير، قال: حدثني المنذر بن عبد الله الحزامي، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله
стр. 718
بن دينار، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة قال: " سبحانك اللهم، تبارك اسمك، وتعالى جدك " وذكر الحديث بطوله (١).
قال الحاكم: " لهذا الحديث علة صحيحة، والمنذر بن عبد الله أخذ طريق المجرة فيه ".
ثم أسنده الحاكم من طريق أبي غسان مالك بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، قال: حدثنا عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ أنه كان إذا افتتح الصلاة، فذكر الحديث بغير هذا اللفظ.
قال الحاكم: " وهذا مخرج في صحيح مسلم ".
المثال الرابع: ما رواه عبد الله بن أبي بكر المقدمي، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، أن النبي ﷺ قال: " ساقي القوم آخرهم " (٢).
قال ابن عدي: " كذا قال المقدمي هذا: عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس، وهذا الطريق كان أسهل عليه؛ لأن ثابتاً أبداً يروي عن أنس، وإنما روى ثابت هذا الحديث عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة ".
المثال الخامس: ما رواه عبد الرحمن بن أبي الموال، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال:
كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمر كما يعلمنا السورة من القرآن الكريم، يقول: " إذا هم أحدكم بالأمر أو أراد الأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك " فذكر الحديث (٣).
стр. 719
قال أبو طالب أحمد بن حميد: سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن أبي الموال؟ قال: " عبد الرحمن لا بأس به "، قال: " كان محبوساً في المطبق حين هزم هؤلاء، يروي حديثاً لابن المنكدر عن جابر عن النبي ﷺ في الاستخارة، ليس يرويه أحد، هو منكر "، قلت: هو منكر؟ قال: " نعم، ليس يرويه غيره، لا بأس به، وأهل المدينة إذا كان حديث غلط يقولون: ابن المنكدر عن جابر، وأهل البصرة يقولون: ثابت عن أنس، يحيلون عليهما " (١).
ثانياً: أن تأتي رواية الغرباء عن الثقة على خلاف رواية أهل بلده، أو المعروفين من ثقات أصحابه.
ومثل له الحاكم بما رواه موسى بن عقبة، وهو مدني، عن أبي إسحاق السبيعي، وهو كوفي، زعم الحاكم أنه وهم في إسناده، من جهة أنه قال: عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: " إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مئة مرة " (٢).
قال الحاكم: " هذا إسناد لا ينظر فيه حديثي إلا علم أنه من شرط الصحيح، والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زلقوا ".
قلت: هو إسناد ظاهره الصحة بلا ريب، والحاكم تبع جماعة من أئمة الحديث، رأوا هذا الحديث يعرف من حديث أبي بردة بن أبي موسى عن الأغر المزني رجل من أصحاب النبي ﷺ من رواية العراقيين عن أبي بردة، وأبو بردة من أئمة الكوفيين.
стр. 720
ولو كان الأمر كذلك، أنه لم يروه العراقيون عن أبي بردة عن أبيه، لصح قول الحاكم ومن سبقه أو لحقه من أئمة الحديث.
لكني وجدت لهذا الحديث أصلاً من حديث أبي إسحاق عن أبي بردة من حديث أهل بيت أبي إسحاق، بل من أخصهم به، وهو حفيده إسرائيل بن يونس.
لكن المقصود أن تعلم أن وقوع هذه الصورة شبهة توجب البحث عن العلة (١).
ثالثاً: أن يأتي الحديث على شبه أحاديث راو آخر، وقد يكون ذلك الآخر من المجروحين.
هذا أيضاً من أسباب القدح في النقلة.
مثل أحاديث (سنان بن سعد عن أنس بن مالك).
قال أحمد بن حنبل: " تركت حديثه، حديثه حديث مضطرب "، وقال: " يشبه حديثه حديث الحسن، لا يشبه أحاديث أنس " (٢).
لكن العلل الخفية إنما هي في أحاديث الثقات، فهل لهذه الصورة تأثير في رواياتهم؟
من أئمة الحديث من أعل رواية الثقة لمشابهتها لأحاديث المجروحين.
والتحقيق أنه لا يصح التعليل لحديث الثقة بممجرد الشبه بحديث المجروح، أو أن ذلك الحديث رواه ذلك المجروح كذلك كما رواه الثقة، من جهة انتقاء المانع من وقوع الحديث لكليهما.
стр. 721
لكن قد يفيد الشبه شبهة توجب مزيد تحر، وربما كشفت عن علة قادحة.
قال ابن رجب: " حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث، ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه فلان، فيعللون الأحاديث بذلك " (١).
قلت: ومن مثاله: ما رواه أبو بكر الحنفي، حدثنا عاصم بن محمد بن زيد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :
" قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدي المؤمن ولم يشكيني إلى عواده، أطلقته من إساري، ثم أبدلته لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه، ثم يستأنف العمل " (٢).
قال الحافظ أبو الفضل بن عمار الشهيد: " هذا حديث منكر، وإنما
стр. 722
رواه عاصم بن محمد عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، وعبد الله بن سعيد شديد الضعف، قال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت أحداً أضعف من عبد الله بن سعيد المقبري. ورواه معاذ بن معاذ عن عاصم بن محمد عن عبد الله بن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة. وهو حديث يشبه أحاديث عبد الله بن سعيد " (١).
قلت: وذكر البيهقي أيضاً أن قرة بن عيسى، وهو الواسطي، رواه كذلك عن عاصم، عن عبد الله بن سعيد.
وتفرد به أبو بكر الحنفي عن عاصم عن سعيد بن أبي سعيد.
وليس في روايته أيضاً ذكر سماع بين عاصم وسعيد، ورواية غيره جعلته بالواسطة بين عاصم وسعيد، وهي عبد الله بن سعيد.
والحنفي اسمه عبد الكبير بن عبد المجيد، ثقة، لكنه في الحفظ دون معاذ بن معاذ بلا تردد.
فمن أتى بزيادة الواسطة فيه ثقة، بل أرجح في الثقة ممن لم يأت بها.
أيد رواية من أتى بها أن الحديث معروف من حديث عبد الله بن سعيد من رواية غير عاصم. فقد رواه كذلك محمد بن فضيل، وهو ثقة (٢)، وعبد الرحمن بن
стр. 723
سليمان بن أبي الجون العنسي، وهو صدوق حسن الحديث (١).
فالحديث حديث عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، وهو متروك ليس بثقة.
ولذا أدخله ابن الجوزي في " الموضوعات "، وقال: " هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ".
والمحفوظ في هذا الحديث موقوفاً على أبي هريرة قوله، كذلك رواه أبو صخر حميد بن زياد (٢).
ومثله وإن كان لا يقال من قبل الرأي، إلا أن أبا هريرة حمل عن أهل الكتاب (٣).
فشبه الحديث بحديث المجروح دل على علة الحديث الظاهر السلامة منها.
رابعاً: أن يأتي الحديث موافقاً للمنقول عن أهل الكتاب .
هذه علامة لا تصلح لتعليل أحاديث الثقات، حتى تقوم حجة على كون الحديث مما أخطأ فيه بعض الرواة فنسبه مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وهو من الإسرائيليات.
стр. 724
والعلة في منع التعليل بمجرد موافقة ما عند أهل الكتاب، أن الوحي الذي أنزل على نبينا ﷺ جاء مصدقاً لما جاء به النبيون من قبل، وفي القرآن الكثير مما يوافق ما عند أهل الكتاب، فتأمل.
ولم أجد في منهج أهل العلم بالحديث مثالاً واحداً أعلوا به رواية ثقة بمجرد وقوع تلك الموافقة، حتى يقوم دليل على وهم الثقة، كأن يروي ثقة حديثاً عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ثم يوجد من رواية من هو أوثق منه عن أبي هريرة عن كعب الأحبار، يحكيه عن التوراة.
ولكني وجدت بعض أهل زماننا ممن ليس من هذا العلم في شيء يشكك في بعض الحديث؛ لكونه وجد نظيره في التوراة التي عند اليهود.
كما سمعت من أحدهم في حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً " الحديث (١).
قال: " هذا آية في التوراة ".
وأقول: لو صح ما زعمه ما ضر ذلك في صحته حديثاً عن نبينا ﷺ ، فيكون من العلم المصدق لما عند أهل الكتاب.
خامساً: أن يكون الثقة يرجع إلى أصول، ولا يوجد ذلك الحديث في أصوله .
مثاله: قول أبي داود السجستاني: سمعت أحمد (يعني ابن حنبل) سئل عن حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه، عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: " الأئمة من قريش "؟ قال: " ليس هذا في كتب إبراهيم، لا ينبغي أن يكون له أصل " (٢).
وقال أبو حاتم الرازي: سألت أحمد بن حنبل عن حديث سليمان بن
стр. 725
موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ قال: " لا نكاح إلا بولي "، وذكرت له حكاية ابن علية؟ فقال: " كتب ابن جريج مدونة، فيها أحاديثه، من حدث عنهم، ثم لقيت عطاء، ثم لقيت فلاناً، فلو كان محفوظاً عنه لكان هذا في كتبه ومراجعاته " (١).
وقال ابن أبي حاتم الرازي: سمعت أبي وذكر حديث إبراهيم بن سليمان أبي إسماعيل المؤدب، عن هرير بن عبد الرحمن، بن رافع بن خديج، عن جده رافع، عن النبي ﷺ أنه قال لبلال: " نور بالفجر قدر ما يبصر القوم مواقع نبلهم ".
قال أبي: " روى أبو بكر بن أبي شيبة هذا الحديث عن أبي نعيم، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن هرير بن عبد الرحمن، عن جده، عن النبي ﷺ ، قال أبي: " وسمعنا من أبي نعيم كتاب إبراهيم بن إسماعيل، الكتاب كله، فلم يكن لهذا الحديث فيه ذكر، وقد حدثنا غير واحد عن أبي إسماعيل المؤدي ".
قلت لأبي: الخطأ من أبي نعيم، أو من أبي بكر بن أبي شيبة؟ قال: " أرى قد تابع أبا بكر رجل آخر، إما محمد بن يحيى أو غيره، فعلى هذا يدل أن الخطأ من أبي نعيم " يعني أن أبا نعيم أراد أبا إسماعيل المؤدب، وغلط في نسبته، ونسب إبراهيم بن سليمان إلى إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع (٢).
قلت: الحكم بخطأ أبي نعيم فيه محل نظر، فقد توبع عليه (٣)، لكني قصدت التمثيل باتباع النقاد هذا الطريق لكشف علة الحديث.
стр. 726
ويشبهه: أن يعاد حديث الثقة إلى أصل غيره من الثقات ممن شاركه في السماع، فلا يوجد الحديث فيه على الوجه الذي ذكره.
مثل: قال أحمد بن منصور الرمادي: قلت لعلي بن المديني: حدثني بعض مشايخنا المصريين، عن ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عائشة، قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين: فذكر الحديث.
فحرك رأسه، وضحك، قال: ليس هذا بشيء، وقال: جرير بن حازم إنما سمع من يحيى بن سعيد بالبصرة مع حماد بن زيد في كتاب حماد بن زيد، وهذا الحديث إنما رواه حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، قال: قالت عائشة: أصبحت أنا وحفصة صائمتين.
وليس هذا من حديث عمرة، إنما سمعه يحيى بن سعيد من الزهري، والزهري إنما سمعه من رجل لا يعرفه، حدثه به بعض من يدخل على عائشة، عن عائشة (١).
سادساً: أن يثبت عن راوي الحديث ترك عمله به، أو ذهابه إلى خلافه .
وهذا مسألة شائعة في الأصول على خلاف وتفصيل، لكنها أيضاً طريق جرى كبار نقاد الحديث على اعتباره في تعليل الحديث، كعلامة على العلة، أو تكون هي العلة، فيقضى على ناقلها بالوهم إن كان من الثقات، أو الضعف إن كان ممن دونهم.
وله أمثلة كثيرة، منها.
تضعيف جميع ما روي عن أبي هريرة في المسح على الخفين، بما جاء عنه في إنكاره.
стр. 727
نعم، الأحاديث المروية عن أبي هريرة في إثبات المسح عديدة، لكنها معلولة بغير علة (١)، غير أن مخالفتها المروي عنه في إنكار المسح من جملة تلك الأدلة على ضعفها.
والرواية عن أبي هريرة بترك المسح جاءت عنه من وجهين:
الأول: عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، قال: سألت أبا هريرة عن المسح على الخفين؟ قال: فدخل أبو هريرة دار مروان بن الحكم، فبال، ثم دعا بماء فتوضأ، وخلع خفيه، وقال: ما أمرنا الله أن نمسح على جلود البقر والغنم (٢).
والثاني: عن أبي رزين، قال: قال أبو هريرة: ما أبالي، على ظهر خفي مسحت، أو على ظهر حمار (٣).
وهذان خبران صحيحان عن أبي هريرة، ظاهران في مذهبه في ترك المسح على الخفين، وقد حكم بثبوتها عن أبي هريرة مسلم بن الحجاج، وقال: " ولو كان قد حفظ المسح عن النبي ﷺ كان أجدر الناس وأولاهم للزومه والتدين به، فلما أنكره. . . بان ذلك أنه غير حافظ المسح عن رسول الله ﷺ ، وإن من أسند ذلك عنه عن النبي ﷺ ، واهي الراوية، أخطأ فيه إما سهواً أر تعمداً ".
قال مسلم بعد إيراده إحدى الطرق عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في
стр. 728
إثبات المسح: " هذه الرواية في المسح عن أبي هريرة ليست محفوظة، وذلك أن أبا هريرة لم يحفظ المسح عن النبي ﷺ ، لثبوت الرواية عنه بإنكاره المسح على الخفين " (١).
وسئل الدارقطني عن الأحاديث الواردة عن أبي هريرة في المسح، فذكر خمسة من طرقها، ثم قال: " قال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر، وكلها باطلة، ولا يصح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في المسح " (٢).
ومع صحة الرواية بإنكار المسح عن أبي هريرة، وجدت ابن عبد البر يقول فيه: " لا يثبت " (٣)، ولم يعلله بشيء، وتبعه على ذلك جماعة ممن جاء بعده، وقوله هذا خلاف قول أحمد ومسلم.
بل سبق الشافعي إلى إثبات الرواية بالإنكار عن أبي هريرة، فقال: " ومسح رسول الله ﷺ على الخفين، فأنكر المسح علي بن أبي طالب وعائشة وابن عباس وأبو هريرة، وهؤلاء أهل علم بالنبي ﷺ ، ومسح عمر وسعد وابن عمر وأنس بن مالك، وهؤلاء أهل علم به " (٤).
قلت: فهذا مثال لتعليل الروية أو الروايات بمجيئها على خلاف الثابت المحفوظ عن راويها من رأيه ومذهبه.
стр. 729
ورأيت أحمد بن حنبل أعمل هذا الأصل أيضاً (١).
ومما يتصل بهذا الأصل: تعليل زيادة في الحديث مع كونها من رواية الثقة؛ من أجل أنها جاءت على خلاف المحفوظ من رأي الصحابي راوي الحديث.
قال أحمد بن حنبل: " كان شعبة يتهيب حديث ابن عمر: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى. يعني يتهيبه للزيادة التي فيها: (والنهار)؛ لأنه مشهور عن ابن عمر من وجوه: (صلاة الليل)، ليس فيه: (والنهار)، وروى نافع أن ابن عمر: كان لا يرى بأساً أن يصلي بالنهار أربعاً. وبعضهم قال: أنه كان يصلي بالنهار أربعاً فلو كان حفظ ابن عمر عن النبي ﵇: (صلاة النهار مثنى مثنى) لم يكن يرى أن يصلي بالنهار أربعاً، وقد روي عن عبد الله بن عمر قوله: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى " (٢).
سابعاً: أن يدل على نكارة الحديث ما يجده الناقد من نفرة منه ينزه عن مثلها الوحي وألفاظ النبوة.
والمقصود أن يقع ذلك الشعور لمن عايش المفردات والمعاني النبوية حتى أصبح وهو يحرك لسانه بالألفاظ النبوية، وكأنه يتذوق منها ريق النبي ﷺ ، فهذا قد يرد عليه من الرواية ما يجد له مرارة أو بعض مرارة، فيرد على قلبه الحرج في نسبة مثل ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فيكون ذلك
стр. 730
الشعور علامة على علة في الرواية، توجب عليه بحثاً عن محل الغلط منها حتى يقف عليه.
وليس المقصود أن ينصب الناقد هواه ومزاجه مجرداً لقبول الحديث أو رده، فإن الرأي يخطئ مهما اعتدل وراقب صاحبه ربه، والهوى لا تعصم منه نفس.
ومما وجدته يصلح لهذا مثالاً، حديث بقي في القلب منه غصة زماناً، حتى اطمأنت النفس لعلته، وهو حديث أبي سعيد الخدري: أن رجلاً أتى بابنة له إلى النبي ﷺ فقال: إن ابنتي هذه أبت أن تزوج، قال: فقال لها: " أطيعي أباك "، قال: فقالت: لا، حتى تخبرني ما حق الزوج على زوجته، فرددت عليه مقالتها، قال: فقال: " حق الزوج على زوجته أن لو كان به قرحة فلحستها، أو انتثر منخراه صديداً أو دماً ثم لحسته ما أدت حقه "، قال: فقالت: والذي بعثك بالحق، لا أتزوج أبداً، قال: فقال: " لا تنكحوهن إلا بإذنهن ".
قلت: فهذا الحديث فيما ذكر فيه من وصف حق الزوج على الزوجة بهذه الألفاظ المنفرة المستنكرة، ليس في شيء من المعهود في سنة أعف خلق الله ﷺ ، والذي أوتي الحكمة وفصل الخطاب وجوامع الكلم، وقد فصل الله في كتابه ونبيه ذو الخلق العظيم ﷺ في سنته الحقوق بين الزوجين بأجمع العبارات وأحسن الكلمات، كلها من باب قول ربنا : ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وأما علة الحديث فما هي مجرد النفرة من صيغة تلك العبارات، وإنما روى هذا الحديث جعفر بن عون، قال: حدثني ربيعة بن عثمان، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن نهار العبدي، عن أبي سعيد، به (١).
стр. 731
قال البزار: " لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد، ولا رواه عن ربيعة إلا جعفر ".
وقال الحاكم: " حديث صحيح الإسناد "، فتعقبه الذهبي بجرح ربيعة.
وكنت اغتررت مدة بكون ربيعة هذا قد أخرج له مسلم في " الصحيح " (١) حديثه " المؤمن القوي "، من روايته عن محمد بن يحيى بن حبان، محتجاً به، فأجريت أمره على القبول في هذا الحديث.
والتحقيق أن تخريج مسلم له لا يصلح الاحتجاج به بإطلاق، فمسلم قد ينتقي من حديث من تكلم فيه وكان الأصل فيه الثقة، فيخرج من حديثه ما تبين له كونه محفوظاً.
أما هذا الحديث فالشأن كما ذكر البزار من تفرد جعفر به عن ربيعة، وهو إسناد فرد مطلق.
وربيعة هذا قال يحيى بن معين ومحمد بن سعد: " ثقة "، وقال النسائي: " ليس به بأس "، لكن قال أبو زرعة الرازي: " إلى الصدق ما هو، وليس بذاك القوي "، وقال أبو حاتم الرازي: " منكر الحديث، يكتب حديثه " (٢).
قلت: والجرح إذا بان وجهه وظهر قدحه فهو مقدم على التعديل، كما شرحته في محله من هذا الكتاب، فالرجل أحسن أحواله أن يكون حسن الحديث بعد أن يزول عما يرويه التفرد، فيروي ما يروي غيره، أو يوجد لحديثه أصل من غير طريقه بما يوافقه.
وليس كذلك في هذا الحديث.
стр. 732
وعلى هذا المعنى يحمل ما روي من حديث أبي حميد وأبي أسيد، أن النبي ﷺ قال: " إذا سمعتم الحديث عني، تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه ".
وهذا _ فيما أرى _ حديث في صحته نظر (١)، ولو صح فمحمله: أن يكون شعور العارف بالسنن المخالط للعلم النبوي، المجتهد في البراءة من الهوى، دليلاً على علة في الرواية، لا يجرؤ على القول بها والطعن على الحديث حتى يقف على وجهها.
* * *
стр. 733
المبحث الثالث:
مقدمات أساسية لكشف العلة الخفية
هذا مبحث معقود لبيان أصول لا بد من مراعاتها قبل تقحم علم تعليل الحديث، إليك بيانها:
المقدمة الأولى: تمييز مراتب الرواة الثقات .
وهذه أعظم المقدمات، وبيانها في نوعين:
النوع الأول: معرفة مراتب الثقات الذين تدور عليهم الأحاديث الصحيحة وكيف الترجيح بينهم عند اختلافهم.
وذلك كتمييز أصحاب أبي هريرة، وأصحاب عبد الله بن عمر، وأصحاب نافع مولاه، وأصحاب قتادة عن أنس، وأصحاب ثابت البناني عن أنس، وأصحاب الزهري، وأصحاب الحسن البصري، , وهكذا.
وهذا طريق معتمد عند أئمة النقاد في علم (علل الحديث) يرجحون بتفاوت حفظ الثقات عمن عليهم مدار الحديث.
وذلك التفاوت على صور:
الأولى: المقارنة بين الثقتين في الرواية عن الشيخ الواحد المعين، كالترجيح بين أصحاب الأعمش إذا اختلفوا عليه.
стр. 734
وذلك كقول عثمان الدارمي: " سألت يحيى بن معين عن أصحاب الأعمش، قلت: سفيان أحب إليك في الأعمش، أو شعبة؟ فقال: سفيان أحب إلي في الأعمش. قلت: فزهير أحب إليك أم زائدة؟ فقال: كلاهما، يعني: ثبت. قلت: فأبو معاوية أحب إليك فيه أم وكيع؟ فقال: أبو معاوية أعلم به، ووكيع ثقة. قلت: فجرير أحب إليك أو ابن نمير؟ فقال: كلاهما , قلت: وابن إدريس أحب إليك أو ابن نمير؟ فقال كلاهما ثقتان، إلا أن ابن إدريس أرفع، وهو ثقة في كل شيء. قلت: فأبو عوانة أحب فيه أو عبد الواحد؟ فقال: أبو عوانة أحب إلي، وعبد الواحد ثقة، قلت: وأبو شهاب أحب إليك فيه أو أبو بكر بن عياش؟ فقال: أبو شهاب أحب إلي من أبي بكر في كل شيء. قلت: فأبو بكر أحب إليك فيه أو أبو الأحوص؟ فقال: ما أقربهما " (١).
والثانية: بين الثقات مطلقاً في الرواية عن الشيخ الواحد المعين.
كقول طائفة من النقاد: " حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت البناني " (٢).
وكقول أحمد بن حنبل: " كان عبد الملك بن أبي سليمان من الحفاظ، إلا أنه يخالف ابن جريج في أشياء. قال: وابن جريج أثبت عندنا منه. قال: عمرو بن دينار وابن جريج أثبت الناس في عطاء " (٣).
والثالثة: بين الثقتين في جملة شيوخهما.
стр. 735
كقول أحمد بن حنبل في (عاصم بن بهدلة): " ثقة، رجل صالح خير ثقة، والأعمش أحفظ منه " (١). وسأله ابنه عبد الله عن أبي أسامة حماد بن أسامة، وأبي عاصم الضحاك بن مخلد: من أثبتهما في الحديث؟ فقال: " أبو أسامة أثبت من مئة مثل أبي عاصم " (٢).
ومن هذا الترجيح بين الثقتين في الرواية عن أهل بلدهما، كمنصور بن المعتمر والأعمش في الرواية عن الكوفيين، حيث ذهب كبار النقاد إلى ترجيح منصور، وتنازعوا في روايتهما عن إبراهيم النخعي خاصة، وعلة تقديم منصور كما قال أبو حاتم الرازي: الأعمش حافظ يخلط ويدلس، ومنصوراً أتقن لا يدلس ولا يخلط " (٣).
واعلم كذلك أن نقاد المحدثين قد يختلفون في تلك المقارنات النسبية بين الثقات.
قال أحمد بن حنبل: " كنت أنا وعلي بن المديني، فذكرنا أثبت من يروي عن الزهري، فقال علي: سفيان بن عيينة، وقلت أنا: مالك بن أنس، وقلت: مالك أقل خطأ عن الزهري، وابن عيينة يخطئ في نحو من عشرين حديثاً عن الزهري، في حديث كذا، وحديث كذا، فذكرت منها ثمانية عشر حديثاً، وقلت: هات ما أخطأ فيه مالك، فجاء بحديثين أو ثلاثة، فرجعت فنظرت فيما أخطأ فيه ابن عيينة، فإذا هي أكثر من عشرين حديثاً " (٤).
قلت: فهذه الحكاية تبين طريقة النظر في ترجيح الثقات بعضهم على بعض.
стр. 736
قال مسلم بن الحجاج: " أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثاً عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد، ومتن واحد، مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد، أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد، وإن كان حافظاً، على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث، مثل شعبة، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أئمة أهل العلم " (١).
قلت: ومثاله تمييز طبقات أصحاب الزهري، ولأئمة الحديث فيهم مقارنات ضرورية الأخذ بالاعتبار، لتمييز المحفوظ من حديث الزهري من غيره.
وقد قسم أبو بكر الحازمي أصحاب الزهري بالنظر إلى جملتهم إلى خمس طبقات (٢)، وتبعه على قسمته غير واحد، منهم ابن رجب الحنبلي (٣)، إليكها بمزيد تهذيب وزيادة:
الطبقة الأولى: جمعت الحفظ والإتقان وطول الصحبة للزهري، والعلم بحديثه، والضبط له، كمالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، ومعمر بن راشد، ويونس بن يزيد الأيلي، وعقيل بن خالد، وشعيب بن أبي حمزة، وعبيد الله بن عمر العمري، محمد بن الوليد الزبيدي، وإبراهيم بن سعد، وصالح بن كيسان، وغيرهم.
والطبقة الثانية: أهل حفظ وإتقان، لكن لم تطل صحبتهم للزهري،
стр. 737
وإنما صحبوه مدة يسيرة، ولم يمارسوا حديثه، وهم في إتقان دون الطبقة الأولى، كالأوزاعي، والليث بن سعد، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وسليمان بن موسى، ونحوهم.
والطبقة الثالثة: لازموا الزهري وصحبوه ورووا عنه، ولكن تكلم في حفظهم، كسفيان بن حسين، وابن أخي الزهري محمد بن عبد الله بن مسلم، ومحمد بن إسحاق، وأبي أويس عبد الله بن عبد الله المدني، وصالح بن أبي الأخضر، وزمعة بن صالح، ومحمد بن أبي حفصة، وعبد الرحمن بن أبي نمر، وسليمان بن كثير العبدي، وأسامة بن زيد، وجعفر بن برقان، وعبد الله بن عمر العمري، والنعمان بن راشد، ونحوهم.
والطبقة الرابعة: قوم رووا عن الزهري من غير ملازمة ولا طول صحبة، وهم متكلم فيهم مطلقاً، مثل: إسحاق بن يحيى الكلبي، ومعاوية بن يحيى الصدفي، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وإبراهيم بن يزيد المكي، والمثنى بن الصباح، ونحوهم.
والطبقة الخامسة: قوم من المتروكين والمجهولين، كالحكم بن عبد الله الأيلي، وبحر بن كنيز السقاء، وعبد القدوس بن حبيب، ومحمد بن سعيد المصلوب، ونحوهم (١).
ومن مثاله في أصحاب قتادة عن أنس، قول أبي بكر البرديجي: " إذا ورد عليك حديث لسعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس مروفوعاً، وخالفه هشام وشعبة (٢)، حكم لشعبة وهشام على سعيد، وإذا روى حماد بن سلمة
стр. 738
وهمام وأبان (١) ونحوهم من الشيوخ عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ حديثاً وخالف سعيد أو هشام أو شعبة، كان القول قول هشام وسعيد وشعبة على الانفراد، فإذا اتفقوا هؤلاء الأولون، وهم: همام بن يحيى وأبان وحماد بن سلمة، على حديث مرفوع، وخالفهم شعبة وهشام وسعيد، أو شعبة وحده، أو هشام وحده، أو سعيد وحده، توقف عن الحديث؛ لأن هؤلاء الثلاثة: شعبة وسعيد وهشام (٢) أثبت من همام وأبان وحماد " (٣).
النوع الثاني: معرفة من هو ثقة في حال فيقبل حديثه، مجروح في حال فيرد حديثه.
وهم أقسام ثلاثة (٤):
أولها: من ضعف حديثه في بعض الأوقات دون بعض.
كالمختلطين للكبر، كسعيد بن أبي عروبة، وسعيد بن إياس الجريري، وعطاء بن السائب.
ومن تغير حفظه بأخرة، كأبي حمزة محمد بن ميمون السكري، بعدما ذهب بصره.
ومن ساء حفظه لكنه صحيح الكتاب، كعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وشريك بن عبد الله النخعي.
وثانيها: من ضعف حديثه في بعض الأماكن دون بعض، وهو ثلاثة أصناف:
الأول: من حدث في مكان ليس معه فيه كتابه فخلط، وحدث في مكان آخر فضبط.
стр. 739
مثل معمر بن راشد في لين حديثه بالبصرة، وقوته باليمن.
والثاني: من حدث عن أهل بلد اعتنى بحديثه عنهم فأتقنه، وعن آخرين فلم يضبطه.
كإسماعيل بن عياش الشامي، فإنه ثقة إذا روى عن أهل بلده، ضعيف في غيرهم.
والثالث: من حدث عنه أهل بلد فضبطوا، وأهل بلد آخر فلم يضبطوا.
كزهير بن محمد التميمي، فإنه ثقة إذا حدث عنه أهل العراق، ضعيف إذا حدث عنه أهل الشام.
وثالثها: من كان ثقة في بعض شيوخه، ضعيفاً في آخرين.
كجعفر بن برقان في روايته عن الزهري خاصة، فهي ضعيفة، وهو ثقة في غيره.
وسماك بن حرب عن عكرمة خاصة ضعيف، ثقة في غيره.
وجرير بن حازم عن قتادة ويحيى الأنصاري في حديثه عنهما خطأ ولين، ثقة حجة عن غيرهما.
ومما يشبه هذا صور:
أولها: من كان رأسا في الحفظ، لكن في حفظ حديث الكبار، فإذا نزل للرواية عن الصغار والأقران لم يتقن.
كالأعمش، إذا روى عن مثل الحكم بن عتيبة وحبيب بن أبي ثابت وأبي إسحاق السبيعي.
ثانيها: من كان إذا جمع رواياته عن الشيوخ لم يتقن، وإذا أفردها أتقنها.
كعطاء بن السائب.
стр. 740
ثالثها: من كان يحدث عن شيخ مجروح فيسميه باسم ثقة، وهماً.
كما وقع لأبي أسامة في روايته عن (عبد الرحمن بن يزيد بن تميم)، وهو ضعيف، فيقول فيه: (عبد الرحمن بن يزيد بن جابر)، وهذا ثقة.
المقدمة الثانية: حفظ الأسانيد المعروفة الصحة، والأسانيد المعللة .
وذلك يستفاد بطريقين: فتارة بتصريح أهل المعرفة، وتارة: بالممارسة لهذا الفن.
كالذي قالوا فيه: أصح الأسانيد كذا، ويقابله: أوهى الأسانيد، والدرجات التي بين ذلك.
والأنموذج المفيد في تمييز أصح الأسانيد: كتاب " تقريب الأسانيد " للحافظ زين الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي (المتوفى سنة: ٨٠٦)، فقد بناه على أصح الأسانيد التي هي موازين الحديث الصحيح.
وهذا تلخيص لتلك الأسانيد بحسب الصحابة:
١ _ أصحاب نافع مولى ابن عمر، عنه، عن عبد الله بن عمر.
٢ _ أبو الزناد عبد الله بن ذكوان، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
٣ _ أصحاب القاسم بن محمد، عنه، عن عائشة.
٤ _ أصحاب الزهري، عنه عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه.
وعنه، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
وعنه، عن عروة بن الزبير، عن عائشة.
وعنه، عن عبيد الله بن عتبة، عن ابن عباس.
وعنه، عن أنس بن مالك.
٥ _ أصحاب قتادة بن دعامة السدوسي، عنه، عن أنس.