﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْد إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ الآية.
قال شيخ الإسلام: «وهذه الآية مما يدل على فساد قول جهم ومن اتبعه، فإن الله جعل كلَّ مَن تكلم بالكفر من أهل وعيد الكفار، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.
فإن قيل فقد قال تعالى: ﴿ولكن من شرح بالكفر صدرًا﴾؟
قيل: وهذا موافق لأولها؛ فإنه من كفر من غير إكراه= فقد شرح بالكفر صدرًا، وإلا ناقص أولَ الآية آخرُها» (١).
إذا ثبت هذا؛ فمَن أظهر الموافقة للمشركين بأن دعوه للسجود لصنمهم أو الذبح له= فأجابهم طائعًا مختارًا لأي غرض من الأغراض، وزعم أنه إنما سجد لله وذبح لله؛ فهو ممن كفر بالله وشرح بالكفر صدرًا، وأبلغ من هذا أن مَن أقرَّ للمشركين بأنه يسجد لصنمهم ويذبح له ثم يدعي أنه يكذب عليهم، وهذا مثل من يقول لليهود أو النصارى أو المشركين: إن الدين الذي
стр. 37
أنتم عليه حق، ويزعم أنه يفعل ذلك لتبقى منزلته عندهم فيبقى معظمًا محترمًا، أو لينال حظًا من الحظوظ الدنيوية على أيديهم، فكل هؤلاء داخلون في عموم قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْد إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلِيهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فلم يستثن من الوصف بالكفر والوعيد إلا المكره.
ولو كان مَن أظهر الكفر مختارًا لا يعد كافرًا ظاهرًا وباطنًا= لما حكم الله بالكفر على المستهزئين في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهِزئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
قال شيخ الإسلام تعليقًا على هذه الآيات: «فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، وبيَّن أن الاستهزاء بآيات الله كفرٌ، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه= منعه أن يتكلم بهذا الكلام» (١).
стр. 38
وكذلك يلزم ـ على القول بأن من أظهر الكفر مختارًا لا يكون كافرًا في الباطن ـ أنَّ مَن صدَّق الرسول باطنًا بل وظاهرًا ولكن قال: لا أتبعه بل أعاديه وأحاربه، لأني لا أستطيع أن أخالف أهل ملتي، لا يعد كافرًا في الباطن، وهذا قول غلاة المرجئة الجهمية، وهو أفسد أقوال المرجئة، وفساده معلوم من دين الإسلام بالضرورة.
ولو كان الأمر كما يزعمون= لما كفر الجاحدون الذين قال الله فيهم: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، قال شيخ الإسلام: «و [المحبة] تستلزم الإرادة، والإرادة التامة مع القدرة= تستلزم الفعل؛ فيمتنع أن يكون الإنسان محبًا لله ورسوله، مريدًا لما يحبه الله ورسوله إرادة جازمة مع قدرته على ذلك؛ وهو لا يفعله، فإذا لم يتكلم الإنسان بالإيمان مع قدرته= دل على أنه ليس في قلبه الإيمان الواجب الذي فرضه الله عليه.
ومن هنا يظهر خطأ قول جهم بن صفوان ومن اتبعه، حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، لم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان، وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنًا كامل الإيمان بقلبه؛ وهو مع هذا يسب الله ورسوله، ويعادي الله ورسوله، ويعادي
стр. 39
أولياء الله، ويوالي أعداء الله، ويقتل الأنبياء، ويهدم المساجد، ويهين المصاحف، ويكرم الكفار غاية الكرامة، ويهين المؤمنين غاية الإهانة، قالوا: وهذه كلها معاص لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن» (١).
وأما ما يتعلق به مَن يزعم أن السجود أمام الصنم موافقةً للمشركين لا يكون شركًا من قول شيخ الإسلام ﵀: «وما كان كفرًا من الأعمال الظاهرة؛ كالسجود للأوثان، وسب الرسول، ونحو ذلك؛ فإنما ذلك لكونه مستلزمًا لكفر الباطن، وإلا فلو قُدِّر أنه سجد قدام وثن ولم يقصد بقلبه السجود له، بل قصد السجود لله بقلبه، لم يكن ذلك كفرًا، وقد يباح ذلك إذا كان بين مشركين يخافهم على نفسه، فيوافقهم في الفعل الظاهر، ويقصد بقلبه السجود لله، كما ذُكر أن بعض علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب فعل نحو ذلك مع قوم من المشركين حتى دعاهم إلى الإسلام؛ فاسلموا على يديه، ولم يُظهِر منافرتهم في أول الأمر» (٢) = فلا يمكن حمله على من يسجد مجاملة
стр. 40
أو طمعًا؛ بل مراد الشيخ مَن تعمَّد السجود لله قدام وثن موهمًا للمشركين أنه يسجد لصنمهم خوفًا منهم لقوله: «وقد يباح ذلك إذا كان بين مشركين يخافهم على نفسه».
وأما قوله: «كما ذُكر أن بعض علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب فعل نحو ذلك مع قوم من المشركين حتى دعاهم إلى الإسلام فأسلموا على يديه، ولم يظهر منافرتهم في أول الأمر».
ففيه إشكال من وجهين:
الأول: قوله: «علماء أهل الكتاب» حيث قرنهم بعلماء المسلمين، ومعلوم أن علماء أهل الكتاب لن يدعوا المشركين إلى الإسلام، وقد قال في آخر كلامه: «حتى دعاهم إلى الإسلام فأسلموا».
والجواب:
أن يقال أراد بعلماء أهل الكتاب مَن كان يكتم إيمانه بين قومه المشركين كالنصارى؛ فهم مسلمون في الباطن وإن كانوا في الظاهر معدودين في أهل الكتاب، كما يذكر شيخ الإسلام هذا الصنف في تفسير بعض الآيات؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلِه لا يَشْتَرُونَ
стр. 41
بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إَنَّ اللهَ سَرِيعُ الحْسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩].
أو يقال: أراد بهم علماء أهل الكتاب قبل مبعث النبي ﷺ ، وأراد بالإسلامِ الإسلامَ العام الذي هو دين الرسل كلهم.
وقد كان منهم من يكتم إيمانه خوفًا ويتلطف في الدعوة إلى الإسلام، كما أخبر الله عن مؤمن آل فرعون، فقد كان يكتم إيمانه بموسى ﵇، ومع ذلك دعا قومه إلى التوحيد والإيمان باليوم الآخر.
وعلى هذا؛ فالحامل لهم على السجود قدام الصنم= هو الخوف من قومهم.
الوجه الثاني من الإشكال: قوله: «ولم يظهر منافرتهم في أول الأمر» يشعر بأنهم فعلوا السجود قدام الصنم تألفًا لهم من أجل دعوتهم لا خوفًا منهم.
والجواب: أنَّ هذه العبارة إذا بنيت على ما قبلها= اقتضى ذلك أن الذي لم يظهر المنافرة؛ كان الحامل له على عدم المنافرة= هو الخوف منهم، وآثر الرخصة بترك الصدع والمجاهرة التي تنفرهم= ليتمكن من دعوتهم كما صنع مؤمن آل فرعون.
وعلى هذا؛ فالشيخ ~ لا يدل كلامه على
стр. 42
جواز السجود قدام الصنم اختيارًا من أجل دعوة المشركين إلى الإسلام، وإنما يعذر من فعل ذلك خوفًا.
وبعد؛ فمن سجد قدام الصنم خوفًا كان معذورًا بالإكراه، ومن كان جاهلًا وسجد قدام الصنم متأوِّلًا تأليف المشركين من أجل دعوتهم= كان معذورًا للتأويل؛ فإنَّ تَعَمُّدَ السجود قدام الصنم حرام؛ بل هو كفرٌ؛ إذا كان إظهارًا لموافقة المشركين على شركهم، ولا يعذر في ذلك إلا من كان خائفًا أو متأولًا تأليفهم كما تقدم.
وكلامُ الشيخ صريحٌ بأنَّ كُفر الباطن أصلُ الكفر الظاهر، فما كان كفرًا من الأقوال والأعمال الظاهرة؛ كسب الرسول ﷺ والسجود للوثن؛ فإنه مستلزمٌ لكفر الباطن، ومعنى ذلك أن سب الرسول ﷺ لا يصدر إلا عمَّن هو كافرٌ في الباطن كفرَ التكذيب أو كفر الإباء، وكذلك السجود للوثن لا يكون إلا مع كفر الباطن.
ولكن كون السجود للوثن؛ إنما يتعين بإقرار الساجد ولو كان كاذبًا، وكذلك إذا أظهر الموافقة للمشركين، كما إذا دعوه للسجود لصنمهم= فأجابهم، أو قاموا للسجود؛ فقام وسجد معهم= فكل هذه من أنواع الكفر الظاهر، ومَن صدرت منه= فهو كافر ظاهرًا وباطنًا إلا أن يكون مكرهًا؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ
стр. 43
بَعْد إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ الآية.
ومعنى الآية ـ والله أعلم ـ أنَّ من أظهر الكفر= فهو كافر إلا أنْ يكون مكرهًا وقلبه مطمئن بالإيمان.
وأما السجود قدام الصنم، الذي لم تدل القرائن القولية أو الحالية على أنه سجود للصنم، فمن أظهر أنه يسجد للصنم، أو دلت القرائن على ذلك= فإنه كافر، وإن قصد السجود لله، إلا أن يكون مكرهًا، كما تقدم.
وأما السجود لله قدام الصنم من غير أن يقوم دليل يقتضي أنه سجود للصنم فهو حرام، لأنه تشبه بالمشركين، فإن وقع ذلك خوفًا منهم= فيُغتفر للعذر، فيعذر للتأويل، وإن كان لا يجوز أن يتخذ وسيلة للدعوة إلى الله، فإن ما كان في نفسه حرامًا= لا يجوز أن يدخل في وسائل الدعوة، ففيما أباح الله وشرع غنية وكفاية عمّا حرَّم، كما جاء في الحديث: «إنَّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» (١).
стр. 44
وقال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبَّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] وليس من الحكمة دعوة المشركين بإظهار الموافقة لهم فيما هو من دينهم؛ فإن ذلك مما يرضون به ويحتجون به على من أنكر عليهم شركهم، وليس لهذا المسلك في الدعوة مستند من كتاب ولا سنة، بل قد دل القرآن على أنَّ مِن أسس الدعوة= الصدع بالحق مع القدرة على ذلك قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمشرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الْذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخرَ فَسَوفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٦]، والله أعلم.
ومما تقدم= يتبين خطأ هذا المقرِّر أنَّ السجود قدام الصنم لا يكون كفرًا وشركًا ولو أقرَّ بلسانه أنه يسجد للصنم، أو أظهر بهذا السجود موافقة المشركين على دينهم ما دام أنه في الباطن لم يقصد السجود للصنم.
وأقبح مِن هذا زعمُ هذا المقرر ـ كما ورد في السؤال ـ (أن المشرك الوثني لو عرف صحة دين الإسلام وأقر به، لكن مداهنة لقومه وخوفًا من الملامة والعيب= يسجد معهم ـ طوعًا ـ لأوثانهم، ويذبح لها ويطوف بها ويظهر تعظيمها، ولا يصرح بالبراءة منها، فمثل هذا لا يحكم بكفره مع كونه آثما).
стр. 45
وهذا القول منكر عظيم، وهو يشبه قول جهم، أو هو حقيقة قول جهم في الإرجاء، وذلك لما تقدم من أنَّ إظهار الموافقة للمشركين على دينهم بقولٍ أو فعلٍ لأي سبب من الأسباب إلا الإكراه= هو كفر في ذاته، فيكفر باطنًا وظاهرًا من صدر منه ذلك، إلا أن يكون مكرهًا لعموم قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْد إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ الآية.
فعلى هذا المقرر أن يراجع نفسه وأن يستهدي ربه؛ فإنَّ المقام خطر، لأن ما يقرره من أعظم ما يجرئ الجاهلين وأهل الأهواء على التفوه بالكفر ومداهنة الكافرين، مما يفضي بهم إلى الانسلاخ من دين الإسلام؛ تعلقًا بمثل هذه الشبهات، فيكون المقرِّر بما قرره= هو السبب في ضلالهم.
هذا ونسأل الله أن يلهمنا وإياه الصواب، وأن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، وألَّا يجعله متلبسًا علينا فنضل. وصلى الله وسلم على محمد.
أملاه المؤلف حفظه الله في:
٢٠/ ١٠/١٤٣١ هـ.
стр. 46
الملحق الثاني
مظاهر الكفار على المسلمين رهبة لا كرهًا للمسلمين
أُفيدك بأني قد قرأت كتابًا بعنوان: «مسائل العذر بالجهل» تحت إشراف فضيلتكم، وفهمت منه أن إعانة الكفار بالقتال معهم ضد المسلمين لا تكون كفرًا، إلا بشرط الرغبة في إظهار دينهم، أو المحبة لدينهم، وعبَّر أن القتال مع الكفار ضد المسلمين ـ حمية ولمصالح دنيوية ـ ليس كفرًا مخرجًا من الملة، فهل هذا الفهم صحيح؟ وهل قال به أحد من أهل السنة؟ وما رأي فضيلتكم في اشتراط ما ذُكِر أعلاه للحكم بتكفير من قاتل المسلمين مع الكافرين؟
الإجابة:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فلا شك أن أسباب مظاهرة بعض الكافرين على بعض المسلمين تختلف:
стр. 47
- فتارة يكون الباعث بغض الإسلام وأهله.
- وتارة يكون عن رغبة في مصلحة أو رهبة من ضرر يلحق بهذا المظاهر.
ومعلوم أنه لا يستوي من يحب الله ورسوله ودينه ـ ولكن حمله غرض من الأغراض على معاونة بعض الكفار على بعض المسلمين ـ لا يستوي هذا ومن يبغض الإسلام وأهله.
وليس هناك نص بلفظ «المظاهرة» أو «المعاونة» يدل على أن مطلق المعاونة ومطلق المظاهرة= يوجب كفر مَن قام بشيء من ذلك لأحد من الكافرين.
وهذا الجاسوس الذي يَجُسُّ على المسلمين ـ وإن تحتم قتله عقوبة ـ فإنه لا يكون بمجرد الجس مرتدًا، ولا أدل على ذلك من قصة حاطِب بن أبي بَلْتَعَةَ ﵁ فقد أرسل لقريش يخبرهم بمسير النبي ﷺ إليهم، ولما أطلع اللهُ نبيَه على ما حصل من حاطب، وعلى أمر المرأة التي حملت الكتاب= عاتب النبيُّ ﷺ حاطبًا على ذلك، فاعتذر بأنه ما حمله على ذلك إلا الرغبة في أن يكون ذلك يدًا له عند قريش يحمون بها أهله وماله، فقبل النبي ﷺ عذره، ولم يأمره بتجديد إسلامه، وذكر
стр. 48
ما جعل الله سببًا لمغفرة الله له، وهو شهوده بدرًا (١).
وهذه مظاهرة أيُّ مظاهرة، فإطلاق القول بأنَّ مطلق المظاهرة ـ في أي حال من الأحوال ـ يكون ردة= ليس بظاهر.
فإن المظاهرة تتفاوت في قدرها ونوعها تفاوتًا كثيرًا، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] = لا يدل على أنَّ أيَّ تولٍّ يوجب الكفر، فإن التولي على مراتب، كما أن التشبه بالكفار يتفاوت، وقد جاء في الحديث: «من تشبه بقوم فهو منهم» (٢)، ومعلوم أنه ليس كلُّ تشبه يكون كفرًا= فكذلك التولي.
стр. 49
والحاصل: أن ما ورد في الكتاب المسؤول عنه من التفصيل= هو الصواب عندي. والله أعلم.
أملاه المؤلف حفظه الله في:
١/ ٢/١٤٢٧ هـ.
стр. 50
الملحق الثالث
نوع الفعل الذي وقع فيه حاطب ﵁
ما هو الفعل الذي وقع فيه الصحابي حاطِب؟ ومن أي نوع هو؟ وهل مَن فعل مثل ما فعل حاطب الآن لا يكفر؟
الحمد لله، الفعل الذي وقع من حاطِب ﵁ أنه كتب لأهل مكة يخبرهم بمسير النبي ﷺ إليهم، ليكون ذلك يدًا له عندهم يحمون بها أهله وماله، وهذا فعل الجاسوس، وقد دفع حاطب الكتاب إلى امرأة لتبلغه إلى قريش= فنزل الوحي على النبي ﷺ ، فبعث النبي ﷺ عليًا والزبير ﴿في أثر تلك المرأة فأدركاها فأخذا منها الكتاب.
فدعا النبي ﷺ حاطبًا، فقال: ما هذا؟ فقال: لا تعجل عليَّ ـ وذَكَر سبب فعله ـ وقال: ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام= فصدَّقه النبي ﷺ ، وأخبر بمغفرة الله له لشهوده بدرًا حين قال لعمر: «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر؛ فقال:
стр. 51
اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (١).
فلم يعتبر النبي ﷺ ما وقع من حاطب موجِبًا لردته، ولهذا أجمع العلماء أن المسلم إذا جَسَّ على المسلمين= لا يكفر، وإنما اختلفوا في قتله، وهو موضع اجتهاد.
ومما يدل على أنَّ حاطبًا لم يكفر بما وقع منه: أن الله تعالى خاطبه باسم «الإيمان» بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾ الآيات [الممتحنة].
فمَن فعل مثل ما فعل حطب ـ أي مِن غير ارتداد ورغبة عن الإسلام ـ =فإنه لا يكفر؛ بل هو مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب؛ يستوجب عليها القتل، أو التعزير، وإنما اندفعت العقوبة عن حاطب ﵁ لكونه من أهل بدر، كما نوه النبي ﷺ بذلك، والله أعلم.
أملاه المؤلف حفظه الله في:
٢/ ٨/١٤٢٥ هـ
стр. 52
قائمة مراجع التحقيق
(أ)
- الإبانة (الإيمان): ابن بطة، ت: رضا بن نعسان، دار الراية، ط: الثانية.
- إرشاد العباد إلى معاني لمعة الاعتقاد: عبدالرحمن البراك، ت: عبدالله السحيم، دار التدمرية، ط: الأولى.
- اقتضاء الصراط المستقيم: ابن تيمية، ت: ناصر العقل، وزارة الشؤون الإسلامية بالسعودية، ط: السابعة.
- الإيمان: ابن منده، ت: علي فقيهي، مؤسسة الرسالة، ط: الثانية.
- الإيمان: أبو بكر بن أبي شيبة، ت: الألباني، المكتب الإسلامي، ط: الثانية.
- الإيمان: أبو عبيد القاسم بن سلام، ت: الألباني، المكتب الإسلامي، ط: الثانية.
- الإيمان الأوسط: ابن تيمية، ضمن «مجموع الفتاوى» المجلد ٧، ت: ابن قاسم، دار عالم الكتب.
стр. 53
- الإيمان الكبير: ابن تيمية، ضمن «مجموع الفتاوى» المجلد ٧، ت: ابن قاسم، دار عالم الكتب.
(ب)
- بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد من القائلين بالحلول والاتحاد: ابن تيمية، ت: موسى الدويش، مكتبة العلوم والحكم.
(ت)
- تعظيم قدر الصلاة: محمد بن نصر، ت: عبد الرحمن الفريوائي، مكتبة الدار، الأولى.
- تعليقات على المخالفات العقدية في فتح الباري: عبدالمحسن العسكر، دار التوحيد، ط: الأولى.
- تفسير البغوي «معالم التنزيل»، ت: محمد النمر، وصاحبيه، دار طيبة، ط: الأولى.
- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: ابن عبد البر، ت: سعيد أعراب، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، ١٤١٠ هـ
- توضيح مقاصد الواسطية: عبد الرحمن البراك، ت: عبدالرحمن السديس، دار التدمرية،، ط: الثالثة.
- توضيح المقصود في نظم ابن أبي داود: عبدالرحمن البراك، ت: إبراهيم الأزرق، مكتبة الرشد، ط: الأولى.
стр. 54
(ج)
- الجامع الكبير: الترمذي: ت: بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، ط: الثانية.
- جامع المسائل: ابن تيمية، ت: محمد عزير شمس، دار عالم الفوائد، ط: الأولى.
(ر)
- الرد على الشاذلي: ابن تيمية، ت: علي العمران، دار عالم الفوائد، ط: الأولى.
- الرد على المنطقيين: ابن تيمية، ت: عبد الصمد شرف الدين، مؤسسة الريان، ط: الأولى.
- الرسالة الصفدية: ابن تيمية، ت: سيد الجليمي، وأيمن عارف، دار أضواء السلف، ط: الأولى.
(س)
- سنن ابن ماجه، ابن ماجه، ت: بشار عواد معروف، دار الجيل، ط: الأولى.
- السنة: الخلال: عطية الزهراني، دار الراية، ط: الثانية.
- سير أعلام النبلاء: الذهبي، ت: شعيب الأرناؤوط، وجماعة، مؤسسة الرسالة، ط: الثامنة.
- سيرة ابن إسحاق: ابن إسحاق، ت: محمد حميد الله، معهد الدراسات والأبحاث للتعريب.
- السيرة النبوية: ابن هشام، ت: عمر عبدالسلام تدمري، دار الكتاب العربي، ط: الرابعة.
стр. 55
(ش)
- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: اللالكائي، ت: أحمد الغامدي، دار طيبة، ط: السابعة.
- شرح جواب في الإيمان ونواقضه: عبدالرحمن البراك، موقع «جامع شيخ الإسلام ابن تيمية»، صوتي.
- شرح العقيدة التدمرية: عبد الرحمن البراك ت: عبدالرحمن السديس، دار التدمرية، ط: الأولى.
- شرح العقيدة الطحاوية: عبدالرحمن البراك، ت: عبدالرحمن السديس، دار التدمرية، ط: الثالثة.
- شرح العمدة: ابن تيمية، ت: محمد أجمل الإصلاحي، دار عالم الفوائد، ط: الأولى.
- شرح القصيدة الدالية: عبدالرحمن البراك، ت: ياسر العسكر، دار ابن الجوزي، ط: الأولى.
- شرح كشف الشبهات: عبدالرحمن البراك، ت: عبدالرحمن السديس، دار التدمرية، ط: الأولى.
- شرح مختصر الروضة: الطوفي، ت: عبدالله التركي، مؤسسة الرسالة، ط: الرابعة.
- شرح نواقض الإسلام: عبدالرحمن البراك، ت: عبدالرحمن السديس، دار التدمرية، ط: الأولى.
(ص)
- صحيح البخاري، عناية: محمد زهير الناصر، دار طوق النجاة، ط: الأولى.
- صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، ت: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ط: الثالثة.
стр. 56
- صحيح مسلم، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الصميعي، ط: الأولى.
(ع)
- العقيدة الواسطية: ابن تيمية، ضمن شرحها «توضيح مقاصد الواسطية»: عبدالرحمن البراك، ت: عبدالرحمن السديس، دار التدمرية،، ط: الثالثة.
(غ)
- غريب الحديث: الخطابي، ت: عبدالكريم العزباوي، جامعة أم القرى، ١٤٠٢ هـ.
(ف)
- الفائق في غريب الحديث: الزمخشري، ت: علي البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر، ط: ١٤١٤ هـ.
- فتح الباري شرح صحيح البخاري: ابن حجر، ت: ابن باز، المطبعة السلفية، ط: الأولى.
(ك)
- كتاب السنن (سنن أبي داود): أبو داود، ت: محمد عوامة، المكتبة المكية، ط: الأولى.
- كتاب الصلاة: ابن القيم، ت: عدنان البخاري، دار عالم الفوائد، ط: الأولى.
- كتاب المجتبى (السنن الصغرى): النسائي: ت: مركز البحوث، دار التأصيل، ط: الأولى.
стр. 57
(م)
- مجموع الفتاوى: ابن تيمية، ت: عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد، دار عالم الكتب، ١٤١٢ هـ.
- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: ابن عطية، ت: الرحالة الفاروق وأصحابه، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بقطر، ط: الثانية.
- المستدرك على الصحيحين: الحاكم، ت: فريق علمي، دار الميمان، ط الأولى.
- مسند أبي يعلى: أبو يعلى الموصلي، ت: حسين أسد، دار المأمون، ط: الأولى.
- مسند إسحاق بن راهويه: إسحاق بن راهويه، ت: عبد الغفور البلوشي، مكتبة الإيمان، ط: الأولى.
- مسند الإمام أحمد بن حنبل: ت: شعيب الأرناؤوط وجماعة، مؤسسة الرسالة، ط: الأولى.
- المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، في تخريج ما في الإحياء من الأخبار: العراقي، في هامش «إحياء علوم الدين»، در ابن حزم، ط: الأولى.
- المقاصد الحسنة: السخاوي، ت: محمد الخشت، دار الكتاب العربي، ط: الثانية.
- الموطأ (رواية يحيى بن يحيى): مالك بن أنس، ت: بشار عواد، دار الغرب الإسلامي، ط: الأولى.
(ن)
- النهاية في غريب الحديث والأثر: ابن الأثير، ت: أحمد الخرَّاط، المكتبة المكية، ط: الأولى.