← Акыда

Акыда · id 14174

جواب في الإيمان ونواقضه

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (57 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

جواب في الإيمان ونواقضه لفضيلة الشيخ عبدالرحمن بن ناصر البراك اعتنى به عبدالرحمن بن صالح السديس

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وصلَّى الله على عبدِه ورسولِه وخاتمِ أنبيائه ورسلِه محمدٍ وآله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا، أما بعد: فهذا كتاب «جواب في الإيمان ونواقضه» أملاه فضيلة الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله، فيه تحريرٌ موجزٌ مركَّزٌ لقضايا الإيمان ونواقضه في مذهب أهل السنة والجماعة، وهو كتابٌ لطيفٌ في حجمه، كبيرٌ في معناه. يعاد طبعه اليوم بإخراجٍ جديد، بعد نفادِ نسخِه، وكثرةِ سؤال الناس عنه. وقد اعتنيتُ بتخريج أحاديثه ونقل كلام العلماء عليها تصحيحًا وتضعيفًا، وعزو ما يحتاج لعزو، وكتبتُ تعليقات يسيرة؛ كـ: بيان معنى، أو دليل قول، ونحوها من الفوائد.

стр. 3

وضبطتُ طائفة من كلماته بالحركات، واعتنيت بعلامات الترقيم، ووضعت فهرسًا لمسائله. وحلَّيته ببعض التعليقات من شرح المؤلف له (١) ومِن كتبه الأخرى. وألحقتُ بآخره ثلاث فتاوى للمؤلف رأى أهمية إلحاقها لمناسبتها لبعض مواضعه. ثم قرأتُ الكتاب على الشيخ ـ حفظه الله ـ؛ فعدَّل وأضاف في مواضع يسيرة، تزيد المعنى وضوحًا. كتبه عبد الرحمن بن صالح السديس الرياض/هاتف/٠٥٠٨٠٣٢٢٤٠ assdais@gmail.com ١٥/١١/١٤٣٦ هـ

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي مَنَّ على من شاء بالإيمان، وصلَّى الله على عبده ورسوله وآله وصحبه ومَن تبعهم بإحسان، وسلم تسليمًا، أما بعد: فقد سأل بعضُ طلاب العلم عن مسألة كثُر فيها الخوض في هذه الأيام (١)، وصورة السؤال: هل جنس العمل في الإيمان شرطُ صحةٍ أو شرطُ كمالٍ، وهل سوءُ التربية عذرٌ في كُفر مَن سبَّ اللهَ أو رسولَه؟ والجوابُ: أن يُقال: دلَّ الكتابُ والسُّنة على أنَّ «الإيمانَ» اسمٌ يشمل:

стр. 5

١ - اعتقادَ القلبِ؛ وهو تصديقُه، وإقرارُه. ٢ - عملَ القلبِ؛ وهو انقيادُه، وإرادتُه، وما يتبعُ ذلك مِن أعمالِ القلوبِ؛ كالتوكلِ، والرجاء، والخوف، والمحبة. ٣ - إقرارَ اللسانِ. ٤ - عملَ الجوارحِ ـ واللسانُ مِنها ـ والعملُ يشمل: الأفعالَ والتروكَ؛ قوليةً أو فعليةً. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداًً﴾ [النساء: ١٣٦]. وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [التغابن: ٨]. وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ

стр. 6

وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقال تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. والآياتُ في هذا المعنى كثيرة. وفي «الصحيحين» عن ابن عباس ﴿أن رسول الله ﷺ قال لوفدِ عبدِ القَيس لما أَتوا إليه: «مَنِ القومُ؟ ـ أو مَنِ الوفدُ ـ؟» قالوا: ربيعة. قال: «مرحبًا بالقومِ ـ أو بالوفد ـ غيرَ خَزايا ولا نَدامى» فقالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أنْ نأتيكَ إلا في شهرِ الحرامِ، وبيننا وبينك هذا الحيُّ مِن كفَّارِ مُضرَ، فمُرْنا

стр. 7

بأمرٍ فَصْلٍ نُخبِر به مَن وَراءنا، ونَدخل به الجنةَ، وسَألوه عن الأَشْرِبة. فأَمَرهم بأربعٍ، ونهاهم عن أربعٍ؛ أَمَرَهم بـ: الإيمان بالله وحده، قال: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟» قالوا: اللهُ ورسولُه أعلم. قال: «شهادةُ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ الله، وإقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزكاة، وصيامُ رمضان، وأنْ تُعْطُوا مِنَ المغنمِ الخُمُسَ»، ونهاهم عن أربع: عِنِ الحَنْتَمِ، والدُّبَّاءِ، والنَّقِيْرِ، والمُزَفَّتِ ـ وربما قال: المُقَيَّر (١) ـ وقال: «احفظوهن وأخبروا بهن مَنْ وراءَكُم» (٢). وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الإيمانُ بِضعٌ وسِتون شعبةً، والحياءُ

стр. 8

شعبةٌ مِنَ الإيمان» (١). وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ سُئل أي العمل أفضل؟ فقال: «إيمانٌ بالله ورسولِه»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهادُ في سبيل الله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «حجٌ مبرورٌ» (٢). وفي «صحيح مسلم» عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَن رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإنْ لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان» (٣). وقد استفاض عن أئمةِ أهلِ السنةِ ـ مِثل: مالكِ بنِ أنس، والأوزاعيِّ، وابنِ جُريجٍ، وسفيانَ الثوريِّ، وسفيانَ بنِ عيينةَ، ووكيعِ بنِ الجراحِ، وغيرِهم كثيرـ

стр. 9

قولُهم: «الإيمانُ قولٌ وعملٌ» (١). وأرادوا بـ «القولِ»: قول القلبِ واللسانِ، وبـ «العملِ»: عمل القلبِ والجوارحِ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ~ في «العقيدة الواسطية»: «ومن أصول أهل السنة والجماعة أنَّ الدَّينَ والإيمانَ قولٌ وعملٌ؛ قولُ القلبِ واللسانِ، وعملُ القلبِ واللسانِ والجوارحِ» (٢). فظهر أنَّ اسمَ «الإيمانِ» يَشملُ كلَّ ما أمر اللهُ به ورسولُه مِنَ: الاعتقاداتِ، والإراداتِ، وأعمالِ القلوبِ، وأقوالِ اللسانِ، وأعمالِ الجوارحِ: أفعالًا وتروكًا . فيَدخل في ذلك: فِعلُ الواجباتِ والمستحباتِ،

стр. 10

وتركُ المحرماتِ والمكروهاتِ، وإحلالُ الحلالِ وتحريمُ الحرامِ (١). وهذه الواجباتُ والمحرماتُ؛ بل والمستحباتُ والمكروهاتُ؛ على درجات متفاوتة تفاوتًا كثيرًا. وبهذا= يتبيَّنُ أنه لا يصحُ إطلاقُ القولِ بأنَّ العملَ شرطُ صحةٍ أو شرطُ كمالٍ؛ بل يحتاجُ إلى تفصيل ؛ فإنَّ اسمَ «العملِ» يشملُ: عملَ القلبِ وعملَ الجوارحِ، ويشملُ الفعلَ والتركَ، ويشملُ الواجباتِ التي هي أصولُ الإسلامِ الخمسةِ وما دونها، ويشملُ تركَ الشركِ والكفرِ وما دونهما من الذنوب. - فأمَّا تركُ الشركِ وأنواعِ الكفرِ والبراءةُ منها؛ فهو شرطُ صحةٍ لا يتحقق الإيمان إلا به.

стр. 11

- وأما تركُ سائرِ الذنوبِ؛ فهو شرطٌ لكمالِ الإيمانِ الواجب. - وأما انقيادُ القلب ـ وهو إذعانُه لمتابعةِ الرسول ﷺ ، وما لابدَّ منه لذلك مِن عملِ القلب؛ كمحبةِ الله ورسولِه، وخوفِ الله ورجائه ـ، - وإقرارُ اللسان ـ وهو: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله ـ؛ فهو كذلك شرطُ صحةٍ لا يتحقق الإيمان بدونهما. - وأمَّا أركانُ الإسلام بعدَ الشهادتينِ؛ فلَمْ يتَّفقْ أهلُ السنةِ على أنَّ شيئًا منها شرطٌ لصحةِ الإيمانِ؛ بمعنى: أنَّ تركَه كفرٌ، بلِ اختلفوا في كفرِ مَن ترك شيئًا منها، وإنْ كان أظهر وأعظم ما اختلفوا فيه: الصلوات الخمس؛ لأنها أعظمُ أركانِ الإسلام بعد الشهادتين. ولِما وَرَدَ في خصوصها ممَّا يدل على كفرِ تارك الصلاة؛ كحديث جابر بن عبد الله ﴿قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بينَ الرجلِ وبين الشركِ والكفر= تركُ الصلاة». أخرجه مسلم في «صحيحه» وغيره (١).

стр. 12

وحديث بُرَيْدةَ بن الحُصَيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمن تركها= فقد كفر». أخرجه أصحاب «السنن» (١). - وأما سائرُ الواجبات بعد أركانِ الإسلام الخمسة؛ فلا يختلفُ أهلُ السنة أنَّ فعلَها شرطٌ لكمال إيمان العبد، وتركَها معصيةٌ لا تخرجه عن الإيمان. وينبغي أن يُعلم أنَّ المراد بـ «الشرط» هنا: معناه الأعم، وهو: ما تتوقف الحقيقة على وجوده، سواء كان ركنًا فيها أو خارجًا عنها، فما قيل فيه هنا: إنه شرطٌ للإيمان= هو مِنَ الإيمان (٢). وهذا التفصيل كلُّه على مذهب أهل السنة

стр. 13

والجماعة؛ ف لا يكون مَن قال بعدمِ كفرِ تاركِ الصلاةِ كسلًا ـ أو غيرها من الأركان ـ مُرْجِئًا، كما لا يكون القائلُ بكفره حَرُوْرِيًّا . وإنما يكون الرجلُ من المرجئة بإخراج أعمالِ القلوب والجوارحِ عن مُسمى الإيمان ؛ فإنْ قال مع ذلك بوجوبِ الواجباتِ، وتحريمِ المحرماتِ، وترتُّبِ العقوباتِ= فهو قولُ مُرجئةِ الفقهاءِ المعروفِ، وهو الذي أنكره الأئمة، وبيَّنوا مخالفتَه لنصوصِ الكتابِ والسنة (١). وإن قال: «لا يضرُّ مع الإيمانِ ذنبٌ»، و «الإيمانُ هو: المعرفةُ» = فهو قولُ غلاةِ المرجئةِ الجهمية، وهم كفارٌ عند السلف. وبهذا= يَظهر الجوابُ عن مسألة العملِ في الإيمان، هل هو شرطُ صحةٍ أو شرطُ كمالٍ، ومذهبُ المرجئة في ذلك.

стр. 14

هذا، ولا أعلم أحدًا من الأئمة المتقدمين تكلَّم بهذا، وإنما وَرَدَ في كلامِ بعضِ المتأخرين نسبته إلى السلف (١). وبهذا التقسيم والتفصيل= يتهيَّأُ الجوابُ عن سؤالين: أحدهما: بِمَ يَدخل الكافرُ الأصلي في الإسلام، ويَثبت له حكمه؟ والثاني: بم يَخرج المسلمُ عن الإسلام، بحيث يصيرُ مرتدًا؟ فأما الجواب عن الأول: فهو أنَّ الكافر يَدخل في الإسلام ويثبت له حكمه؛ بالإقرار بالشهادتين ـ شهادة أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله ـ؛ فمن أَقرَّ بذلك بلسانه دون قلبه= ثَبت له حكمُ الإسلام ظاهرًا. وإنْ أقرَّ بذلك ظاهرًا وباطنًا= كان مسلمًا على

стр. 15

الحقيقة ومعه أصل الإيمان؛ إذ لا إسلامَ إلا بإيمان، ولا إيمانَ إلا بإسلام. وهذا الإقرارُ الذي تَثبت به حقيقةُ «الإسلام» يشملُ ثلاثةَ أمورٍ: - تصديقَ القلب، - وانقيادَه، - ونطقَ اللسان؛ وبانقياد القلب ونطق اللسان= يتحقَّق الإقرار ظاهرًا وباطنًا، وذلك يتضمَّنُ ما يعرفُ عند أهلِ العلم بـ: «التزام شرائعِ الإسلام»؛ وهو: الإيمان بالرسول ﷺ ، وبما جاء به، وعَقْدُ القلب على طاعته؛ فمَن خلا عن هذا الالتزام= لم يكن مُقِرًّا على الحقيقة. فأما تصديقُ القلب؛ فضدُّه: - التكذيبُ، والشكُ، والإعراضُ. وأما انقيادُ القلب؛ فإنه يتضمَّنُ: - الاستجابةَ، والمحبةَ، والرِّضَا والقبولَ. وضدُّ ذلك: - الإباءُ، والاستكبارُ، والكراهةُ لما جاء به الرسول ﷺ .

стр. 16

وأما النطقُ باللسان؛ فضدُّه: - التكذيبُ، والإعراضُ، فمَن صدَّق بقلبِه وكذَّب بلسانِه= فكفرُه كفرُ جحود، ومَن أقرَّ بلسانِه دونَ قلبِه= فكفرُه كفرُ نفاق. فنتج عن هذا: ستةُ أنواعٍ من الكفر، كلُّها ضد ما يتحقق به أصل الإسلام، وهذه الأنواع هي: ١ - كفر التكذيب. ٢ - كفر الشك. ٣ - كفر الإعراض. ٤ - كفر الإباء. ٥ - كفر الجحود. ٦ - كفر النفاق. - ومِن كفر الإباءِ والاستكبار: الامتناعُ عن متابعة الرسول ﷺ والاستجابة لما يدعو إليه، ولو مع التصديق بالقلب واللسان، وذلك كـ: كُفرِ أبي طالب (١)،

стр. 17

وكفر مَن أظهر الاعتراف بنبوة النبي ﷺ من اليهود (١) وغيرِهم (٢). وأما الجواب عن السؤال الثاني: وهو: بم يَخرج المسلمُ عن الإسلام، بحيث يصيرُ مرتدًا؟ فجِماعُه ثلاثةُ أمور: الأول: ما يضادُّ الإقرارَ بالشهادتين ، وهو أنواعُ

стр. 18

الكفرِ الستةِ المتقدمة، فمتى وقع مِنَ المسلم واحدٌ منها= نقضَ إقرارَه؛ وصار مرتدًا. الثاني: ما يناقضُ حقيقةَ الشهادتين ـ شهادة أنْ لا إله إلا الله، أو شهادة أن محمدًا رسول الله ـ: - فحقيقةُ شهادة أن لا إله إلا الله: الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، وهذا يشمَلُ التوحيدَ بأنواعه الثلاثة: - توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات. وهذا يتضمَّنُ الإيمانَ بـ: - أنه تعالى ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. - وأنه الإلهُ الحق، الذي لا يستحق العبادة سواه. - وأنه الموصوفُ بكلِّ كمالٍ والمنزَّهُ عن كلِّ نقصٍ، وأنه كما وَصَفَ نفسه وكما وصفَه رسوله ﷺ من غير تعطيل ولا تمثيل، على حدِّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. - وإفرادُه مع ذلك بالعبادة، والبراءةُ من كلِّ ما يعبد من دونه.

стр. 19

و جملة ما يناقض التوحيد أمورٌ: ١ - جَحْدُ وجود الله، وهذا شرُّ الكفر والإلحاد، وهو مناقضٌ للتوحيد جملة، ومنه: القول بـ: «وَحدة الوجود» (١). ٢ - اعتقادُ أنَّ مع الله خالقًا ومدبرًا ومؤثرًا مستقلًا عن الله في التأثير والتدبير، وهذا هو الشرك في الربوبية. ٣ - اعتقادُ أنَّ لله مِثْلًا في شيء من صفاتِ كمالِه؛ كـ: علمِه، وقدرتِه. ٤ - تشبيهُه تعالى بخلقه في ذاته أو صفاته أو أفعاله، كقول المشبِّه: له سَمْعٌ كسمعي، وبصر كبصري. ويدخل في ذلك: وَصْفُه بالنقائص؛ كـ: الفقرِ، والبخل، والعجز، ونِسبةِ الصاحبةِ والولد إليه.

стр. 20

٥ - اعتقادُ أن أحدًا مِنَ الخلقِ يستحقُ العبادة مع الله، وهذا هو اعتقادُ الشرك في الإلهية، ولو لم يكن معه عبادةٌ لغير الله. وهذه الأمورُ الخمسة كلُّها تَدخل في «كفر الاعتقاد» أو «شرك الاعتقاد». ٦ - عِبادةُ أَحدٍ مع الله بنوع من أنواع العبادة، وهذا هو «الشرك في العبادة»، سواء اعتقد أنه ينفع ويضر، أو زَعم أنه واسطةٌ يقربه إلى الله زُلفى، ومن ذلك: السجود للصنم. والفرق بين هذا والذي قبله: أنَّ هذا من باب الشرك العملي المناقض لتوحيد العمل، الذي هو إفراد الله بالعبادة، وذاك مِن باب الشرك في الاعتقاد المنافي لاعتقاد تفرد الله بالإلهية واستحقاق العبادة. ولِما بين الاعتقاد والعمل من التلازم= صار يُعبَّر عن هذا التوحيد بـ: «توحيد الإلهية»، و «توحيد العبادة»، وعن ضده بـ: «الشرك في الإلهية»، أو «الشرك في العبادة». ٧ - جَحدُ أسماءِ الله وصفاتِه أو شيءٍ منها.

стр. 21

٨ - السِّحْرُ، ويشملُ: - ما يُفرَّق به بين المرءِ وزوجه؛ كـ: سِحرِ أهل بابِل (١). - ما يَسحرُ أعين الناس حتى تُرى الأشياء على غير حقيقتها؛ كـ: سحرِ سحرة فرعون (٢). - ما يكون بالنَّفْثِ في العُقَدِ؛ كـ: سحر لَبِيْدِ بنِ الأعصم وبناتِه (٣). وهذه الأنواعُ تقومُ على الشركِ بالله بعبادةِ الجنِ أو الكواكب.

стр. 22

وأما السِّحرُ الرِّياضِيُّ؛ وهو: ما يَرجع إلى خِفَّةِ اليد وسرعة الحركة، والسِّحرُ التَّمْوِيهيُّ؛ وهو: ما يكون بتموِيه بعض الموادِ بما يُظْهِرُها على غير حقيقتها= فهذانِ النوعان مِنَ الغِشِّ والخِداع، وليسا من السِّحر الذي هو كفرٌ (١). - وحقيقةُ شهادةِ أنَّ محمدًا رسول الله: - أنَّ الله أرسله إلى جميعِ الناسِ بالهدى ودينِ الحق. - وأنَّه خاتم النبيين. - وأنه الصادق المَصْدُوق في كلِّ ما أَخبر به. - وأنَّ هديه ﷺ خيرُ الهدي. - وأنَّ الإيمانَ به، وطاعتَه، ومحبتَه، وأتباعَه؛ واجبٌ على كلِّ أحد. و جملةُ ما يناقض حقيقةَ شهادة أنَّ محمدًا رسولُ الله أمورٌ:

стр. 23

١ - جَحْدُ رسالتِه ﷺ ، أو تكذيبُه، أو الشكُ في صِدقه. ٢ - جحدُ خَتْمِه للنبوة، أو دعوى النبوة بعده ﷺ ، أو تصديقُ مدَّعِيها، أو الشكُ في كذبه. ٣ - جحدُ عمومِ رسالتِه ﷺ ، ومن ذلك: اعتقادُ أنه رسولٌ للعرب خاصة، أو دعوى ذلك، أو أنَّ اليهودَ والنصارى لا يجبُ عليهمُ اتِّباعه، أو أنَّ أحدًا يَسَعُه الخروجُ عن شريعته ﷺ ؛ كـ: «الفيلسوف» (١)، أو «العارف» من الصوفية (٢) ونحوهما.

стр. 24

٤ - تَنقُّصُ الرسول ﷺ ، وعَيبُه في شخصه، أو في هديه وسيرته. ٥ - السخريةُ من الرسول ﷺ ، والاستهزاءُ به، أو بشيءٍ مما جاء به من العقائد، والشرائع. ٦ - تكذيبُه ﷺ في شيء مما أَخبر به من الغيب مما يتعلق بالله، أو يتعلق بالملائكة، والكتب، والرسل، والمبدأ، والمعاد، والجنة والنار. - ما يناقض حقيقةَ الشهادتين جميعًا، ويشمل أمورًا: ١ - التكذيب بأنَّ القرآنَ من عند الله، أو جحد سورةٍ، أو آيةٍ، أو حرفٍ منه، أو قال: إنَّه مخلوقٌ، أو: إنه ليس كلامَ الله. ٢ - تفضيل حكمِ القانون الوضعيِّ على حكم الله ورسولِه، أو تسويته به، أو تجويز الحكم به ولو مع تفضيل حكم الله ورسولِه. ٣ - تحريم ما أحلَّ اللهُ ورسولُه، وتحليل ما حرم الله ورسوله، أو الطاعة في ذلك.

стр. 25

تنبيهان: ينبغي أنْ يُعلم: - أنَّ ما تقدم من أنواع الردة؛ منه: ما لا يحتمل العذر؛ كـ: جحد وجود الله، وتكذيب الرسول ﷺ = فهذا يكفرُ به المعين بكلِّ حال؛ لأنَّ ما جحده أعظمُ الضروريات. ومنه: ما يحتمل العذر بالجهل، أو التأويل؛ مثل: جحد شيءٍ مما جاء به الرسول ﷺ مِنَ الأخبار والشرائعِ= فهذا لا يكفرُ به المعين إلا بعد إقامةِ الحجة عليه؛ لتطرق الاحتمالات الحاملة له على الجحد؛ كخفاء الأدلة. - أنَّ مَن أَظهر شيئًا مما تقدم من أنواع الردة؛ جادًا أو هازلًا أو مداهنًا أو معاندًا في خصومة ـ أَيْ: غيرَ مُكْرَهٍ ـ= كَفَرَ بذلك؛ لقوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] (١).

стр. 26

ومِن ذلك: إظهارُ السجودِ للصنم مجاملةً للمشركين، وطلبًا للمنزلة لديهم، والنَّيْلَ مِن دنياهم، وإن ادعى أنه يَقصِد بسجوده ذلك؛ السجودَ لله، أو لا يقصد السجود للصنم؛ فإنَّه بذلك مُظهِرٌ للكفر مِن غير إكراهٍ= فيَدخل في عموم قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ..﴾ الآية. (١). الثالث (٢): ما يلزم منه لزومًا ظاهرًا ويدل دلالة ظاهرة على عدم الإقرار بالشهادتين باطنًا، ولو أقرَّ بهما ظاهرًا، وذلك يشمل أمورًا، منها: ١ - الإعراضُ عن دين الإسلام، لا يتعلَّمه ولا يعمل به، ولا يبالي بما يترك مِنَ الواجبات، وما يأتي من المحرمات، ولا بما يَجهل من الأحكام. وينبغي أن يُعلم أنَّ المكلفَ لا يَخرج مِن كفرِ الإعراض ـ المستلزمِ لعدمِ إقرارِه ـ بفعل أيِّ خصلةٍ

стр. 27

من خصالِ البِرِّ وشعبِ الإيمانِ؛ فإنَّ مِن هذه الخصالِ ما يشترك الناسُ في فعله ـ كافرُهم ومؤمنهم ـ كـ: إماطة الأذى عن الطريق، وبِرِّ الوالدين، وأداء الأمانة. وإنما يتحقق عدم هذا الإعراض والسلامة منه= بفعل شيء من الواجبات التي تختص بها شريعة الإسلام التي جاء بها الرسول ﷺ ـ كـ: الصلاة والزكاة والصيام والحج ـ إذا فَعل شيئًا من ذلك إيمانًا واحتسابًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ~: «فلا يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله مع عدم شيء (١) من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد ﷺ » (٢). ٢ - أنْ يضعَ الوالي قانونًا يتضمن أحكامًا تُناقِض أحكامًا قَطْعيةً من أحكام الشريعة، معلومةً من دين الإسلام بالضرورة، ويفرضَ الحكم به، والتحاكم إليه، ويعاقبَ من حَكَمَ بحكم الشريعة المخالِف له، ويدَّعي مع ذلك الإقرارَ بوجوبِ الحكم بالشريعة ـ شريعة الإسلام ـ التي هي حكمُ الله ورسولِه.

стр. 28

ومن هذه الأحكام الطاغوتية المضادة لحكم الله ورسوله: - الحكمُ بِحُرِّيَّة الاعتقادِ؛ فلا يُقتل المرتدُ، ولا يُستتاب. - حريةُ السلوكِ؛ فلا يُجبر أحدٌ على فعل الصلاة، ولا الصيام، ولا يعاقبُ على ترك ذلك. - تبديلُ حدِّ السرقة ـ الذي هو قطع اليد ـ بالتعزير والغرامة. - منعُ عقوبة الزانيين بتراضيهما إلا لِحَقِّ الزوج، أو نحو ذلك مما يتضمن إباحة الزنا وتعطيل حدِّه من الجلد والرجم. - الإذنُ بصناعة الخمر، والمتاجرةُ فيه، ومنعُ عقوبِة شاربِه (١). ٣ - تولي الكفارِ من اليهودِ والنصارى والمشركينَ، بمناصرتهم على المسلمين، قال تعالى:

стр. 29

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] (١). ٤ - أنْ يَترك المسلمُ الصلاةَ دائمًا بحيث لا يصلى إلا مجاملةً للناس إذا كان بينهم، ولو بغير طهارة، فإنَّ ترْكَ الصلاةِ على هذا الوجه= لا يَصدر ممن يقِرُّ بوجوبها في الباطن؛ فكُفْرُ هذا بـ: تركِ الإقرار بوجوب الصلاة؛ لا بمطلقِ تركِ الصلاة الذي اختلف فيه أهلُ السنة. ولهذا يجب أن يُفرَّق بين هذا وبين مَن يصلي لكنه لا يحافظ عليها؛ فيتركها أحيانًا ويُقَصِّر في واجباتها،

стр. 30

كما يدل على ذلك حديث عبادة بن الصامت ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خمسُ صلواتٍ كتبهن اللهُ على العباد، مَن أتى بهن لم يُضيِّع مِن حقهن شيئًا ـ استخفافًا بحقهن ـ= كان له عند اللهِ عَهدٌ أنْ يدخلَه الجنةَ، ومَن لم يأتِ بهن= جاء وليس له عند الله عهدٌ؛ إنْ شاء عذَّبه، وإن شاء أدخله الجنة» (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ~: «فأمَّا مَن كان مُصِرًَّا على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك= فهذا لا يكون مسلمًا، لكن أكثر الناس يصلون تارة، ويتركونها تارة؛ فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في «السنن» حديث عبادة بن الصامت ـ وذكر الحديث ـ فالمحافظُ عليها الذي يصليها في مواقيتها كما أمر الله تعالى، والذي (٢) يؤخرها أحيانًا عن وقتها، أو يترك واجباتها= فهذا تحتَ مشيئةِ الله تعالى،

стр. 31

وقد يكون لهذا نوافلُ يُكَمِّل بها فرائضه كما جاء في الحديث (١)» (٢). وقال ~ في الأمراء الذين أخبر النبي ﷺ أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها: «وإن قيل ـ وهو الصحيح ـ إنهم كانوا يُفَوِّتُونها؛ فقد أمر النبي ﷺ الأمة بالصلاة في الوقت، وقال: «اجعلوا صلاتكم معهم نافلة» (٣)، ونهى عن قتالهم .. ومؤخرها عن وقتها= فاسقٌ، والأئمةُ لا يُقاتَلون بمجرد الفِسق .. وهؤلاء الأئمة فساقٌ، وقد أمر بفعلها خلفهم نافلة» (٤). ٥ – ومنها تَعَمُّد إلقاءِ المصحف في الحُشِّ أو البول عليه، أو كتابته بالنجاسة؛ فإن هذا الصنيعَ غايةٌ في امتهان القرآن العظيم؛ لا يَصدر عمَّن يُقرُّ بأنه كلامُ الله .

стр. 32

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ~: «ولا يُتَصوَّر في العادة أنَّ رجلًا يكون مؤمنًا بقلبه، مقرًا بأن الله أوجب عليه الصلاة، ملتزمًا لشريعة النبي ﷺ وما جاء به، يأمره ولي الأمر بالصلاة= فيمتنع حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمنًا في الباطن، قط لا يكون إلا كافرًا. ولو قال: أنا مقرٌّ بوجوبها، غير أني لا أفعلها= كان هذا القول مع هذه الحال= كذبًا منه، كما لو أخذ يلقي المصحف في الحُشِّ ويقول: أشهد أنَّ ما فيه كلام الله، أو لو جعل يقتل نبيًا من الأنبياء ويقول: أشهد أنه رسولُ الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمانَ القلب، فإذا قال: أنا مؤمِن بقلبي مع هذه الحال= كان كاذبًا فيما أظهره مِن القول» (١). أما قول السائل: «هل سوء التربية عذرٌ في كفر من سبَّ الله أو رسوله؟» فالجواب: أنَّ سبَّ اللهِ ورسولِه مِن نواقضِ الإسلامِ البينة؛ لأنه استهانةٌ بالله ورسوله، وذلك يناقض ما تقتضيه الشهادتان من التعظيم لله ورسولِه. وسوءُ التربية ليس عذرًا للمكلف في تركِ واجب،

стр. 33

ولا فعلِ محرمٍ مِن سائر المحرمات؛ فضلًا عمَّا هو مِن أنواع الكفر بالله. ولو صحَّ أنَّ سوء التربية عذرٌ في شيءٍ مِن ذلك= لكان أولادُ اليهودِ والنصارى وغيرِهم؛ معذورينَ في تَهَوُّدِهم وتنصُّرِهم، وهذا لا يقوله مسلمٌ، ومَن قال ذلك= فهو كافر؛ يُعرَّفُ ويستتاب؛ فإن تاب وإلا وجب قتله مرتدًا. وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: قال رسول الله ﷺ : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة؛ فأبواه= يهوِّدانه، وينصِّرانه، ويمجِّسانه، كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهيمةً جمعاءَ، هل تُحِسُّون فيها من جَدْعاء؟» ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم: ٣٠] (١). وقال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]. هذا، وأسأل اللهَ أنْ يثبِّت قلوبَنا على دينه، وأنْ يُحبِّب إلينا الإيمانَ ويزيِّنه في قلوبِنا، ويكرِّه إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ، ويجعلَنا من الراشدين، إنه تعالى سميع الدعاء، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 34

الملحق الأول حكم السجود أمام الصنم السؤال: ما قول أهل العلم في قول مَن يُقرِّر أنَّ السجود قُدَّام الصنم لا يكون كفرًا وشركًا، ولو أقر بلسانه أنه يسجد للصنم، أو أظهر بهذا السجود موافقة المشركين على دينهم، ما دام أنه في الباطن لم يقصد السجود، ويقرِّر أن المشرك الوثني لو عرف صحة دين الإسلام وأقر به، لكن مداهنة لقومه وخوفًا من الملامة والعيب= يسجد معهم ـ طوعًا ـ لأوثانهم، ويذبح لها ويطوف بها ويظهر تعظيمها، ولا يصرح بالبراءة منها، فمثل هذا لا يحكم بكفره مع كونه آثما، وربما احتج هذا المقرِّر بكلام متشابه منسوب لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فما تقولون في ذلكم؟ الإجابة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، أما بعد:

стр. 35

فإن من المعلوم أن الكفر والإيمان يتعلقان بالظاهر والباطن، والناس بهذا الاعتبار أربعة أقسام: القسم الأول: مؤمن ظاهرًا وباطنًا. القسم الثاني: كافر ظاهرًا وباطنًا. القسم الثالث: مؤمن ظاهرًا لا باطنًا، وهو المنافق، وهذه الأقسام هي التي ذكرها الله في أول سورة البقرة، وفي مواضع أخرى من القرآن. وأما القسم الرابع؛ فهو مَن أظهر الكفر قولًا أو فعلًا مكرهًا وقلبه مطمئن بالإيمان، كالرجل من آل فرعون الذي يكتم إيمانه خوفًا من فرعون وملئه، ومثل الذي نزلت فيهم هذه الآية: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْد إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلِيهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]. فدل هذا الاستثناء على أن من أظهر الكفر بقول، أو فعل وهو غير مكره، بل هازلًا أو مداهنًا أو طامعًا= فهو ممن شرح بالكفر صدرًا؛ لأن ما أظهره من الكفر= هو فيه مختار، والاختيار إنما يكون مع شرح الصدر= فيكون ممن كفر ظاهرًا وباطنًا، ولهذا قال تعالى:

стр. 36

﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْد إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ الآية. قال شيخ الإسلام: «وهذه الآية مما يدل على فساد قول جهم ومن اتبعه، فإن الله جعل كلَّ مَن تكلم بالكفر من أهل وعيد الكفار، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. فإن قيل فقد قال تعالى: ﴿ولكن من شرح بالكفر صدرًا﴾؟ قيل: وهذا موافق لأولها؛ فإنه من كفر من غير إكراه= فقد شرح بالكفر صدرًا، وإلا ناقص أولَ الآية آخرُها» (١). إذا ثبت هذا؛ فمَن أظهر الموافقة للمشركين بأن دعوه للسجود لصنمهم أو الذبح له= فأجابهم طائعًا مختارًا لأي غرض من الأغراض، وزعم أنه إنما سجد لله وذبح لله؛ فهو ممن كفر بالله وشرح بالكفر صدرًا، وأبلغ من هذا أن مَن أقرَّ للمشركين بأنه يسجد لصنمهم ويذبح له ثم يدعي أنه يكذب عليهم، وهذا مثل من يقول لليهود أو النصارى أو المشركين: إن الدين الذي

стр. 37

أنتم عليه حق، ويزعم أنه يفعل ذلك لتبقى منزلته عندهم فيبقى معظمًا محترمًا، أو لينال حظًا من الحظوظ الدنيوية على أيديهم، فكل هؤلاء داخلون في عموم قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْد إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلِيهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فلم يستثن من الوصف بالكفر والوعيد إلا المكره. ولو كان مَن أظهر الكفر مختارًا لا يعد كافرًا ظاهرًا وباطنًا= لما حكم الله بالكفر على المستهزئين في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهِزئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]. قال شيخ الإسلام تعليقًا على هذه الآيات: «فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، وبيَّن أن الاستهزاء بآيات الله كفرٌ، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه= منعه أن يتكلم بهذا الكلام» (١).

стр. 38

وكذلك يلزم ـ على القول بأن من أظهر الكفر مختارًا لا يكون كافرًا في الباطن ـ أنَّ مَن صدَّق الرسول باطنًا بل وظاهرًا ولكن قال: لا أتبعه بل أعاديه وأحاربه، لأني لا أستطيع أن أخالف أهل ملتي، لا يعد كافرًا في الباطن، وهذا قول غلاة المرجئة الجهمية، وهو أفسد أقوال المرجئة، وفساده معلوم من دين الإسلام بالضرورة. ولو كان الأمر كما يزعمون= لما كفر الجاحدون الذين قال الله فيهم: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، قال شيخ الإسلام: «و [المحبة] تستلزم الإرادة، والإرادة التامة مع القدرة= تستلزم الفعل؛ فيمتنع أن يكون الإنسان محبًا لله ورسوله، مريدًا لما يحبه الله ورسوله إرادة جازمة مع قدرته على ذلك؛ وهو لا يفعله، فإذا لم يتكلم الإنسان بالإيمان مع قدرته= دل على أنه ليس في قلبه الإيمان الواجب الذي فرضه الله عليه. ومن هنا يظهر خطأ قول جهم بن صفوان ومن اتبعه، حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، لم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان، وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنًا كامل الإيمان بقلبه؛ وهو مع هذا يسب الله ورسوله، ويعادي الله ورسوله، ويعادي

стр. 39

أولياء الله، ويوالي أعداء الله، ويقتل الأنبياء، ويهدم المساجد، ويهين المصاحف، ويكرم الكفار غاية الكرامة، ويهين المؤمنين غاية الإهانة، قالوا: وهذه كلها معاص لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن» (١). وأما ما يتعلق به مَن يزعم أن السجود أمام الصنم موافقةً للمشركين لا يكون شركًا من قول شيخ الإسلام ﵀: «وما كان كفرًا من الأعمال الظاهرة؛ كالسجود للأوثان، وسب الرسول، ونحو ذلك؛ فإنما ذلك لكونه مستلزمًا لكفر الباطن، وإلا فلو قُدِّر أنه سجد قدام وثن ولم يقصد بقلبه السجود له، بل قصد السجود لله بقلبه، لم يكن ذلك كفرًا، وقد يباح ذلك إذا كان بين مشركين يخافهم على نفسه، فيوافقهم في الفعل الظاهر، ويقصد بقلبه السجود لله، كما ذُكر أن بعض علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب فعل نحو ذلك مع قوم من المشركين حتى دعاهم إلى الإسلام؛ فاسلموا على يديه، ولم يُظهِر منافرتهم في أول الأمر» (٢) = فلا يمكن حمله على من يسجد مجاملة

стр. 40

أو طمعًا؛ بل مراد الشيخ مَن تعمَّد السجود لله قدام وثن موهمًا للمشركين أنه يسجد لصنمهم خوفًا منهم لقوله: «وقد يباح ذلك إذا كان بين مشركين يخافهم على نفسه». وأما قوله: «كما ذُكر أن بعض علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب فعل نحو ذلك مع قوم من المشركين حتى دعاهم إلى الإسلام فأسلموا على يديه، ولم يظهر منافرتهم في أول الأمر». ففيه إشكال من وجهين: الأول: قوله: «علماء أهل الكتاب» حيث قرنهم بعلماء المسلمين، ومعلوم أن علماء أهل الكتاب لن يدعوا المشركين إلى الإسلام، وقد قال في آخر كلامه: «حتى دعاهم إلى الإسلام فأسلموا». والجواب: أن يقال أراد بعلماء أهل الكتاب مَن كان يكتم إيمانه بين قومه المشركين كالنصارى؛ فهم مسلمون في الباطن وإن كانوا في الظاهر معدودين في أهل الكتاب، كما يذكر شيخ الإسلام هذا الصنف في تفسير بعض الآيات؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلِه لا يَشْتَرُونَ
следующие страницы →