← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1417

معترك الأقران في إعجاز القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (1 547 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

ولدن قد لا تضاف، وقد تضاف للجملة بخلافهما. وقال الراغب: لدن: أخصّ من عند وأبلغ، لأنه يدلّ على ابتدائها بالفعل. وعند أمكَن من لدن من وجهين: أنها تكون ظرفية للأعيان والمعاني بخلاف لدى، وعند تستعمل في الحاضر والغائب، ولا تستعمل لدى إلاَّ في الحاضر. ذكرهما ابن الشجري وغيره.

стр. 1017

(حرف الغين المعجمة) (غمَام) : سحاب أبيض، سمِّي بذلك لأنه يغمّ السماء، أي يسترها. ومنه: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ) : جمع ظلة، وهو ما علاكَ من فَوْق، فإن كان ذلك لأمر الله فلا إشكال، وإن كان لله فهو من المتشابه، فيجب الإيمان بها من غير تكييف كما قدمنا في وَجه المتشابه. وتأويله عند المتأولين يأتيهم عذاب الله في الآخرة، أو أمره في الدنيا. ويحتمل أن يكون (يَنْظُرُونَ) بمعنى يطلبون ذلك لجهلهم، كقولهم: (لولا يكلمنا الله) . (غفور) : من أسماء الله، ومعناه الساتر على عبادة ذنوبهم. ومنه الْمِغْفَر، لأنه يستر الرأْسَ. وغفرتُ المتاعَ في الوعاء إذا جعلته فيه، لأنه يغطيه ويستره. (غلول) : من الخيانة والأخذ من الغنم بغير حق. وقد جاء الوعيد لمن غلّ شيئاً لأَنْ يسوقه يوم القيامة على رقبته في قوله تعالى: (يَأتِ بما غَلَّ يوم القيامة ) . وقد جاء ذلك مفَسَّراً في الحديث، قال ﷺ : "لا ألفينَّ أحدَكم على رقبته رِقاعٌ يوم القيامة (١) . لا ألفينَّ أحدَكم على رقَبته صامتٌ (٢) . لا ألفينَّ أحدَكم على رقبته إنسان، فيقول: يا رسول الله أغِثْني، فأقول: لا أملك لكَ من اللَه شيئاً" (٣) . فتأمل أيها المخالف، هل يمنعك من اللَهِ أحدٌ إلا أن يأخذَ الله لمن يشاء. هذا رسولُ الله سيد الأوَّلين والآخرين يقول: يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئاً. يا فاطمة بنت محمد، لا أملك لك من الله شيئاً. فكيف يتَّكل المغرور على أحد في مخالفته أمر الله.

стр. 1018

(غائط) : مكان منخفض، ثم استعمل في حاجةِ الإنسان، لأن العرب كانوا يطلبون ذلك في قضاء حوائجهم، فكني عن الحدَثِ بالغائط. (غَمَرات الموت) : شدائده وكرباته كما يغمر الشيء إذا علاه وغطَّاه، فتذكر أيها الأخ كرباته وسكراته، فإن كنْتَ منهمكاً نفّرك. وإن كنت تائباً رقاك بمحبة تأخيره لتغنَم أو تعجيله لتسلم. وإن كنت محبًّا شوّقك، لأن المحب يحبُّ لقاء حبيبه، ولكن التفويض أعلى. ولو انتظرنا ضربة شرطى لتكدّر عيشنا، فكيف وفي كلّ نفس يمكن مجيء الموت بسكراته وغصصه، ونودُّ أن لو قدرنا على صِيَاح وأنين، ويودُّ مَنْ حضره فترة ساعةٍ، ليقول: لا إله إلا اللَه، فلا يمْهل، وتجْذَب روحه من كل عضو وعِرق، فتبرد قدماه ثم ساقاه، ثم فَخِذاه، وهكذا حتى تبلغ الحلقوم، فعنده ينقطع نظَره إلى دنياه، ويغلق عنه باب توبته، كما روِي: "إن اللهَ يقبل توبةَ عَبْده ما لم يغرغر". ثم يرى ملائكةَ ربه تعالى وثناءهم عليه، وقولهم: (اليوم تجْزَوْن عذابَ الْهونِ) . فيا لها من مصيبة لو عقل، ولهذا كانوا ﵃ يديمون ذِكْرَ الموت. ويخافون من سوء العاقبة. وفي الصحيحين: "إن المؤمن إذا حضره الموت بشّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحبّ إليه مما أمامه، ومن ختم له بشرٍّ فضدّه، وسببه عقيدةٌ فاسدة تثمر عند موته الجحود أو الشك، فما لم يُرْحَم بتوبةٍ عذابه دائمٌ، نسأل الله العافية. وإذا تأملنا وجدنا أسباب سوءِ الخاتمة موجودة فينا، وسأنبئك بأقلها، وهي: الإصرار على فعل منهيّ، أو صفة مذمومة، كعُجْب ونحوه. ومنها الغفلة عن ذكر الله، فقد خطف خلق كثير بنزغة الشيطان لتمكنه منهم. ولهذا اختار الشارعُ لفْظَ الشهادتين، فإن الشيطان يجهد في شبهة مكفّرة عند الموت، غالبها في الرسالة، لعلمه اقتصارنا على التعليلة، وكل ما نزغ في التوحيد دفع بلا إله إلا الله، أو في الرسالة دفع بمحمد رسول الله، فكأنَّ التهليلة صلاة، وذكر سيدنا ومولانا محمد رسول الله ﷺ لا يبطلها، وإن كان أجنبيًّا منها.

стр. 1019

كيف وأجلّ أسنان مفتاح التهليلة الشهادة الثانية، فأكْثِر من ذِكْرِ هذه الكلمة المشرّفة، حتى تمتزجَ مع معناها بلحِمك ودمك، واطلب منه سبحانه الثباتَ عليها، فقد قطع ظهورَ العابدين سوء الخاتمة، فكيف يُخْصِب لك جَنَابٌ حتى ترى ما خُطّ لك في أمّ الكتاب. وعلامة حسن الخاتمة استقامةٌ ودوام ذكرٍ، للحديث: "يموت المرءُ على ما عاش عليه". ولحديث: كلّ ميَسَّر لِمَا خلِق له. فكيف نطمع بحسنها وقد غرقنا في حب الدنيا والمواظبة على خصالٍ مذمومة، وعند فراقنا لها يخاف علينا من استيلاء الشيطان لتمكنه منَّا عند الموت. وعلامة ذلك أن في حبها طولَ أملنا، ونسينا الآخرة، والهوَى يصدّ عن الحق، فكل فتنة أتتنا فمِنْ حبِّ الدنيا والْجَهْل بمصارع أقراننا في كل ساعة. أمرنا الصادق المصَّدوق أن نكونَ فيها كالغريب أو عابري سبيل، وإذا أمسينا فلا ننتظر الصباحَ، وإذا أصبحنا فلا ننتظر المساءَ، ونأخذ من صحتنا لسقمنا، ومن حياتنا لموتنا، فأعرضنا عن نصْحه، وأطَلْنَا أملنا مع رؤيتنا لموت الأطفال والشبّان، ولهذا بادر مَنْ فتح الله بصيرته، فكان يصلِّي الصبح بوضوء العشاء، وآخر لم يضعْ جَنْبه على الأرض عشرين سنة، وآخر حسب ما بين مضغ اللقمة وبَلْعها خمسين تسبيحة، فكان لا يتقوّت إلا بحساء الشعير، وآخر يقوئ ليلا ولا يغْفِي إلا إغفاءَ الطير. وآخر وِرْدهُ كلّ يوم مائة ألف تسبيحة. وآخر لا يتحدث مع أخيه فيعاتبه على ذلك، فيقول له: أبادِر خروج روحي. ونحن مشتغلون بدنْيا فانية، ويا ليتنا نِلْنَا منها شيئاً، وهذا سليمان أعطي منها ما لم يُعْطه أحدٌ قبله ولا بعده، والرياح تجري بأمره رُخاءً حيث أراد، فلما استَوْسق ملكه قال: (هذا من فَضْلِ ربي) ... الآية، فما عَدَّها نعمةً كما نعدها، ولا حسبها كرامةً من الله كما نظنّها، بل خاف أَن يكونَ استِدْراجاً من حيث لا يعلم، ونحن أنعم علينا بنعمه لنصرفها في الطاعة، فغفلنا عنه وصرفْناها في معصيته، أليس من الخسْران المبين ما نحن فيه من الضلال المبين، عِشْنا عَيْش البهائم، بل هي أحسن حالاً منَّا، لأنها تحس ونحن في موت الحسِّ. اللهم يا منقِذَ الغرقى، ويا منجّي الهلْكَى بعد أن يئسوا، أنقذْنا من هذا الوحل العظيم بجاه نبيك الكريم، عليه أفضل صلاةٍ وأزكى تسليم.

стр. 1020

(غبر) : له معنيان: ذهب وبقي. ومنه: (عجوزاً في الْغَابِرين) ، أي في الهالكين. قد غبرَتْ في العذاب: أي بقيت فيه ولم تَسِرْ مع لوط. ويقال في الباقين، وإنما جمع جَمْع المذكر تغليباً في الرجال. (غَيًّا) : خسرانا، وقد يكون بمعنى الضلال، كقوله: (وإن يَرَوْا سبيلَ الغَيّ يتخذوه سبيلا) . فيكون على حذف مضاف، تقديره يلقَون جزاءَ غَيّ. (غار) : نقب في الجبل. (غَيَابَتِ الْجُبِّ) : غوره، وما غاب منه. قال بعض أهل العلم: إنما قال ألْقوه في (غَيَابَتِ الْجُبِّ) أخوه إربيل، وقيل يهوذا، ففعلوا ذلك، فلما أرسلوه في الجبّ أرادوا أن يقطعوا الحَبْل، فبعث الله جبريل ﵇ ليأخذه ويُؤْنسه، وقال: يا يوسف، لا تغتمّ، إنهم قطعوا حبْل النَّسب، وأنا وصْلَت حبل الوصلة والسبب. كذلك المؤمن، يريد الشيطان أن يقطعَ بينه وبين مولاه حبلَ الوصلة، واللَه يريد وَصْلها به، لأنه الغفور الوَدود، وكيف يقطعها وقد حبَّب إليه الإيمانَ وزينه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان! ألا ترى يوسف وموسى ومحمداً صلَّى الله عليهم وسلَّم أجمعين، حبّبهم الله إلى الْخَلْق، ولم يضيّعهم في أيدي الأعداء، بل تولَّى حِفْظهم ونجاتهم. (غاشِيَةٌ مِنْ عذابِ الله) : غَشِي الأمر يغشى - بالكسر في الماضي والفتح في المضارع - معناه غَطَّى، حِسًّا أو معنى، ومنه: (واللَّيل إذا يَغْشَى) ، لأنه يُغطي بظلامه. وينقل بالهمزة والتشديد، فيقال: غَشّى وأَغشى. (ومِنْ فوقهم غَوَاشٍ) ، يعني ما يغشيهم من العذاب. والغاشية أيضاً القيامة، لأنها تغشى الخلق. وقيل: هي النار، من قولهم: (وتَغْشَى وجوهَهم النار) . وهذا ضعيف، لأنه ذكر بعد ذلك قسمين: أهل الشقاوة، وأهل السعادة.

стр. 1021

(غَوْراً) : مصدر وُصف به، فهو بمعنى غائر، أي ذاهبٌ في الأرض. وقد قدمنا معناه في قوله: مَعين. (غَرَاماً) : ملازماً. قال الحسن: كلّ غريم مفارق غريمه إلا النار. (غرورا) : قد قدمنا أنه بفتح الغين الشيطان، وبضمها الباطل، مصدر، من غررت. (غَرَابِيب سود) : قد قدمنا أنه جمع غِرْبيب، وهو الشديد السواد، وقدم الوصف الأبلغ لقصد التأكيد. (غَوْل) . بفتح الغين: اسم عام في الأذى والضرّ. ومنه يقال: غالَه وأغاله، إذا أهلكه. وقيل: الغَوْل وَجَع في البطن. ويقال الغضب غَوْل للحم، والحرب غول للنفوس، وإنما قدم المجرور في قوله: (لا فيها غَوْل) ، تعريضاً بخَمْر الدنيا، لأن فيها غَوْل. (غَسَّاقاً) : بتخفيف السين وتشديدها: صَدِيد أهل النار. وقيل: ما يَسِيل من عيونهم. وقيل: عذابٌ لا يعلمه إلا الله. (غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ) : فيه أقوال: الليل إذا أظلم. ومنه قوله: (إلى غَسق الليل) ، وهو قول الأكثر، لأن ظلمةَ الليلِ ينتشر عندها أهل الشر من الإنس والجن، ولذلك قيل في المثَل: الليل أَخفَى للويل. وقيل القمر، للحديث: "يا عائشة، استعيذي بالله مِنْ شرِّ هذا الغاسق، وأشار إليه. ووُقوبه على هذا كسوفه، لأن وقب في كلام العرب يكون بمعنى الظلمة والسَّوَاد، وبمعنى الدخول، فالمعنى إذا دخل في الكسوف، أو إذا أظلم به. وقيل، الشمس إذا غربت، والوقوب على هذا بمعنى الظلمة، أو الدخول. وقيل النهار إذا دخل في الليل وهذا قريبٌ من الذي قبله وقيل الغاسق سقوط الثريا، لأنها تهيج عندها الأسقام والطاعون للحديث: "النجم هو الغاسق". فيحتمل أن يريدَ الثريا.

стр. 1022

وقيل إنه الذّكَر إذا قام، حكاه النقاش عن ابن عباس، لأنه لا يملك الإنسان نفسه مع انتشاره، ولهذا أكْرِم من ذكر الله عند جماعه بأن الشيطان لا يضرّ ولده إنْ كان، لأنه آثر ذِكْرَ الله على شهوة نفسه. وقال الزمخشري: يجوز أن يريد بالغاسق الأسود من الحيات، ووقَبَه ضربه. وحكى السهيلي أنه إبليس. (غادَرَ) : ترك. ومنه: (لا يُغَادِرُ صغيرةً ولا كبيرة) . (فَلَمْ نغَادِرْ منهم أحدا) . (غُلْف) : جمع أغلف، وهو كلّ شيء جعلته في غلاف، ولما قالوا: (قلوبنا في أَكِنَّة مما تَدْعونا إليه) ، أي محجوبة - ردّ الله عليهم بأنَّ عدمَ إيمانهم بسبب كفرهم، (فقليلاً ما يُؤمنون) ، أي إيماناً قليلاً يؤمنون. وما زائدة ويجوز أن تكون القلةُ بمعنى العدم أو على أصلها، لأن من دخل منهم في الإسلام قليل، أو لأنهم آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض. (غرْفة) : بضم الغين لها معنيان: المسكن المرتفع، ومنه: (أولئك يُجْزَون الغرْفَة) . (وهم في الغُرفات آمِنون) . وغَرفة من الماء - بالفتح: المرة الواحدة. ومنه: (إلا من اغترف غرفةً بيده) . وقرئ بضم الغين، وهو المصدر، وبفتحها هو الاسم. (غفْرانَك) : مصدر، والعامل فيه مضمر، ونصب على المصدرية، تقديره: اغفر غفْرانك. وقيل على المفعولية، تقديره نطلب غفرانك. (غزَّى) : جمع غاز، ووزنه فعّل - بضم الفاء وتشديد العين. ومعناه أن المنافقين قالوا لإخوانهم من الأوْس والخزرج يوم أحد: (إذا ضربوا في الأرض) ، أي سافروا، وإنما قال (إذا) التي

стр. 1023

للاستقبال مع قالوا، لأنه على حكايةِ الحال الماضية، لأنهم ظنوا أن إخوانهم لو كانوا عندهم لم يموتوا ولم يُقتلوا. وهذا قول مَنْ لا يؤمن بالقَدَر والأجَل المحتوم، ويقرب منه مذهب المعتزلة في القول بالأجَلين. (غَلَا) يَغْلو، وهو مجاوزة الحدّ والإفراط، ومنه: (لا تغْلوا في دينكم) . (غمَّةً) : وغَمّ، ككربة وكَرْب بمعنى ظلْمة. (غثَاء) : يعني هالكين كالغثَاء، وهو ما يحمل السيلُ من الورق وغيره مِمّا يبلى ويسودّ. ومنه قوله قعالى: (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) . فمعناه أنَّ الله أخرج النباتَ أخضر، فجعله بعد خضْرته غثاء أَسود، لأن الغثاء إذا قدم تعفَّن واسوَدَّ. وقيل: إن (أَحْوَى) حال من المرعى، ومعناه الأخضر الذي يضرِب إلى السواد. وفي الكلام على هذا تقديم وتأخير، تقديره الذي أخرج المرعى أحوى. فجعله غثاء. وفي هذا القول تكلّف. (غرفات) : جمع غرفة. وقد قدمنا أنها اسم جنس. (غُصَّة) : أي يختنق به آكله. وقيل: هو شَوْك من نار يعترض في حلوق أهل النار، لا ينزل ولا يخرج. وروي أن رسولَ الله ﷺ قرأ هذه الآية فصعق. (غِشَاوة) : مجاز باتفاق بمعنى الغطاء، تقول: غشيت الشيء غَطيته، ووحّد السمع في قوله: (وعلى سَمعهم) ، لأنه مصدر في الأصل، والمصادر لا تجْمع. (غِلّ) : عداوة وحسد. ومنه: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) .

стр. 1024

(غِلْظَة) : أي شدة، ومنه: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) ، أي تفرقوا. وأما قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) . فمعناه الأمر بقتْل الأقرب فالأقرب، والشدة في إجلابهم على تدريج. وقيل إنها إشارة إلى قَتْل الروم بالشام، لأنهم كانوا أقرب الكفَّار إلى أرض العرب، وكانت أرض العرب قد عمَّها الإسلام، وكانت العراق حينئذ بعيدة. (غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) : المراد به هزم كسْرى ملك الفرس. وأَدنى الأرضِ بين الشام والعراق، وهي أدنى أرض الروم إلى فارس. وقيل: في أدنى أرضِ العرب منهم، وهي أطراف الشام. وقد قدمنا أنها سُميت الروم باسم جدّهم. (غيض) الماء، وغاض: نقص، بلغة الحبشة. (غسْلين) : قد قدمنا أنه غسالة أهْل النار، وكلّ جرح أو دبر غسلته فخرج منه ماء فهو غِسْلين. (غَير) : اسم ملازم للإضافة والإبهام، فلا تنصرف ما لم تقع بين ضِدّين. ومن ثَمَّ جاز وصف المعرفة بها في قوله: (غير المغضوب عليهم) . والأصل أن تكون وصفاً للنكرة نحو: (نعمل صالحا غير الذي كُنَّا نعمل) . وتقع حالاً إن صلح موضعها لـ لا واستثناء إن صَلح موضعها إلا، فتعرب بإعراب الاسم الواقع بعد إلا في ذلك الكلام. وقرئ قوله تعالى (لا يستوي القاعِدون من المؤمنين غَيْر أولي الضرَر) - بالرفع على أنها صفة للقاعدين، أو استثناء وبدل على حَدِّ: (ما فعلوه إلا قليل) . وبالنصب على الاستثناء. وبالجر خارج السبع صفة للمؤمنين. وفي المفردات للراغب: غير يقال على أوجه:

стр. 1025

الأول: أن تكون للنفي المجرد من غير إثباتِ مَعْنى به، نحو: مررتُ برجل غير قائم، أي لا قائم، قال تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ) . (وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) . الثاني: بمعنى إلاَّ فيسَتْثنَى به، ويوصف به النكرة، نحو: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ، (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) . الثالث: لنفي الصورة من غير مادَّتها، نحو: الماء إذا كان حارًّا غيره إذا كان باردًا. ومنه قوله تعالى: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) . الرابع: أن يكون ذلك متناولاً لذاتٍ، نحو: (تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ) . (أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا) . (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا) ، (وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) . ******************* تم الجزء الثاني، ويليه إن شاء الله الجزء الثالث وأوله حرف الفاء.

стр. 1026

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الكتاب: معترك الأقران في إعجاز القرآن ويُسمَّى (إعجاز القرآن ومعترك الأقران) المؤلف: الإمام الحافظ / جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (المتوفى ٩١١ هـ) دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان الطبعة الأولى: ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م الجزء الثالث

стр. 1027

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حرف الفاء (فسق) : أصله الخروج، وتارة يرد بمعنى الكفر، وبمعنى العِصْيان، وكلُّ خارج عن أمر الله فهو فاسق. يقال فسقت الرّطَبَة إذا خرجت عن قشرها. (فما فَوْقَها) : الضمير راجع للبعوضة. ولما ذكر الله في القرآن الذباب والنمل والعنكبوت عاب الكفّار ذلك. فأنزل الله: (إنَّ الله لا يستحيي أن يضربَ مَثَلاً ما بعوضةً فما فوقها) . قال قطْرب: الحروف المقطعة والأمثال وضعها الله لإطفاء شغَف الكفار حيث قالوا: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغَوْا فيه) ، فوضع الله هذه الحروف والأمثال يسمعونها، لأنها عربية لم يسمعوها قبل ذلك، ثم يبلغ الرسول رسالته بعد ذكرها ذلك. (فأَزَلهما الشيطان عنها) ، أي عن الجنة أو عن الشجرة، والزلل متعد من زلل القدم. وأزلهما بالألف من الزوال، وضمير التثنية لآدم وحواء، وكذا (فأخرجهما مما كانا فيه) . والصحيح كما قدمنا أن آدَم أكل منها نسياناً، وحلف له إبليس، فظنّ أنه لا يحلف أحد بالله كاذباً، فجعل الله له الأكل من الشجرة سبباً في إخراجه من الجنة، لِحكَمٍ -، منها: أنه كان في حكمةِ الحكيم أن يكون خليفةً في الأرض، ويقوم فيها، فأراد

стр. 1028

آدم أن يقيم في الجنة، فجعل الله بأكل إخنطة وتناولها سببا لخروجه من الجنة! لينفذَ ما قضى وقدّر. وكذلك النبي ﷺ أراد أن يكونَ مقامه بمكة، وكان في حِكمَة الحكيم أن يمكث في المدينة مدةً، ويعلي كلمتَه فيها، فجعل جفاء المشركين سبباً لخروجه منها، لسَبقِ مقاديره إلى مواقيتها. كذلك العَبْد المخلص يريد أن يكون في طاعة ربه، ولا يقع في مخالفته. وكان في حكمة الحكيم أن يكون كفوراً وغافرًا وغفَّاراً، فجعل خذلان العاصي سبباً لخروجه عن أمره، ثم يمنُّ عليه بالتوبة، فيتداركه برحمته، فيظهر حكمته وتقديره، ويبدي للعالمين غفرانه. ومنها لكون الكفَّار في صلبه إذ لم تكن الجنة محلاً للكافرين، وكذلك المؤمن يخرجه من النار لكون المعرفة في قلبه، إذ ليست النار محلاَّ للعارفين. ومثال المؤمن والكافر في صلب آدم كتاجر أخفى المسك في وسط البُحْدُق حتى لا يحسَّ به قاطع الطريق، فإذا بلغ الْمَأمَن كان المسك قد أخذ بطرف من رائحة البُحْدُق، وكذلك البُحْدُق تعلق به شيءٌ من رائحة المسك، فيبسطهما على بساط فتهحت الرياح فتتلاشى الروائح المستعارة، كلّ رائحة تعود إلى أَصْلها، فيبقى الأصل على ما خُلق عليه. فكذلك الكافر والمؤمن في صلْب آدم، فأصاب الكافر رائحةً من المؤمن، فيعمل منها الحسنات، وأصاب المؤمن رائحةً من الكافر فيعمل منها السيئات، فإذا كان يوم القيامة يجمعهم اللَّهُ في بساطٍ واحد، فتهب رياح القيامة، فترجع حسنات الكافر إلى المؤمن، ويرثُ بها منزله في الجنة، وسيئات المؤمن إلى الكافر ويرث بها منزلَه في النار فتتلاشى العواري، وتبقى الأصول على ما قُدر وقُضى، قال تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) . وقال: (وليَحمِلُنَّ أَثقالهم وأثقالاً مع أَثْقالهم) . ومنها أنه كان في خروجه من الجنة رحمة من الله له وإكراماً بالنبوءة والتكاليف.

стр. 1029

والفائدةُ فيه أنه يرحم مَنْ عصاه في جواره، فالأوْلى ألا يعاقب مَنْ عصاه في جوار إبليس. قيل: إنه قال: يا رب، إني أستحيي من ولد محمد. فقال له: سأمَهّد له عُذرك، فقال: (ولم نَجِد له عَزْماً) ، أي لم يعتقد الذنب، ولم يثبتْ عليه، بل اعتذر وندم. وكذلك مهَّد الله عُذْر هذه الأمة المحمدية بقوله: (للذين عَملوا السّوءَ بجهالةِ) . وقال: (وخُلق الإنسان ضعيفا) . (خلق الإنسان من عَجَل) . أدبك بأوامر ولم يرض أن يعاتبك غيرةً منه إليك، فاعتذر منك إليك. (فتلقى آدمُ من ربِّه كلماتٍ) ، أي أخذ، قيل، على قراءة الجماعة وقرأ ابنُ كثير بنصب آدمَ ورَفْع الكلمات، فتلقى على هذا من اللقاء، والكلمات هي قوله: (ربَّنا ظلَمنا أنْفسنا) ، بدليل ورودها في الأعراف. وقيل غير ذللك. وهذه إحدى الخصائص التي خصّ الله آدم بها، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من رُوحه، وأسجد له ملائكته، وأمرهم بحَمله إلى الجنة على أكتافهم، وعلّمه أسماءَ كل شيء، تم عرضهم على الملائكة، وأدخله الجنة بغير عملٍ إلا أمْره بالصلاة على رسول الله ﷺ ، وكلمه مواجهة. ولما عطس قال: الحمد للهِ، فأجابه الله بقوله: يرحمك الله، يا آدم لهذا خلقْتك. فهذا معنى قوله تعالى: (ولولا كلمة سَبَقَتْ مِنْ ربِّكَ) . (فإما يَأتينَّكم مني هدًى) : إن شرطية، وما زائدة للتأكيد. والهدى هنا يراد به كتاب الله ورسالتُه. (فمن تَبع) ، شرط، وهو جواب الشرط الأول. وقيل: (فلا خوف) جواب الشرطين. واعلم أن الكتابَ كتابان: كتاب من الله إليكَ، وكتاب منك إليه بيد الْحفَظَة، فإذا قبلتَ كتابه الذي فيه الأمْر والنهي، والوَعد والوعيد، ونزول

стр. 1030

البلاء عليك، ووجود الرضا منك، وإن كان فيه ما يخالف هواكَ، أفتراه لا يقبل كتابك في يوم القيامة وإن كان مملوءا زَلاَّت، وهي لا تضرّه، ألا تراه يقول في إبراهيم: (ولقد اصْطَفَيْنَاه في الدّنيا وإنّه في الآخِرة لمِنَ الصّالحين) ، واصطفاك أنتَ بكتابه، قال تعالى: (ثم أوْرَثْنا الكتابَ الذين اصطَفَينا مِنْ عبادنا) . والاصطفاءُ فعْل الله، وفعل الله مبنيّ على الابتداء، قال تعالى: (كما بدأكُمْ تَعُودون) . والصلاح فعل العبد، وفعل العبد مبني على الخواتيم، قال ﷺ : "الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ". واعلم أنَّ مَنْ سأل الله شيئاً سأل الله منه، فمن لا يقوم للَه فما سأل منه لا يعطيه ما يسأل، ومَنْ قام للهِ فما سأل منه أعطاه بلا مؤونة، ألا ترى أن الله أعطى لإبراهيم المالَ في الدنيا والولد والمعجزات بغير سؤال، فلما سأل إبراهيم بقوله: (إِني ذاهب إلى ربّي سيهْدِين) - سأل منه الكلّ فقال له: أسلم، أي الكل إلى الكل، إنْ أردْتَ الوصول إلى الكل. ولما سأل منه إحياء الموتى سأل الله منه إماتة الحى، ألا ترى أنه قال: (فلمَا أسْلَما) . يعني وضع السكين على حَلْقه قال: إلهي بكَ ولَكَ وإليْكَ، أي بك الصبر على فراقه، ومنكَ إعطاؤه، ولكَ الحكم فيه، وإليك يرجع الأمر كله. فإن قلت: ما الحكمة في جزعَ إبراهيم وصَبر إسماعيل؟ (١) والجواب: إسماعيل عَرف - برؤية المعرفة - أن إبراهيم إنما ابْتلي بذبحه، لأنه التفت بقلبه عن الله، فلو أنَّ الولد التفت بقلبه لابْتُلي كما ابتلي إبراهيم. وأيضاً جزع إبراهيم على مفارقة حبيبٍ لم يكن له وصلة في ذلك الوقت إلى مَنْ هو أحب إليه منه. وإبراهيم لم يجزَعْ، لأنه وصل إلى الحبيب المجازي. وقيل لما وضع السكين على حَلْقه أراه الله نوراً من أنواره أنساه ما يجِد من الألم لوجود لذة ذلك النور، كنساءِ مِصْرَ اللواتي قطّعْنَ أيديهن برؤية يوسف.

стр. 1031

وقيل إن اللَهَ قال له: يا إبراهيم، جزعتَ على مفارقة حبيب زائل عنك. وضاق ذَرعك به، فكيف بمفارقة الحبيب الباقي، فكان جزعه لهذا السبب لا لِلوَلد. (فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) ، أي عالم أهلِ زمانهم، لأنه يجب الاعتقاد بتفضيل هذه الأمةِ المحمدية لفَضل نبيهم. قيل: أعطى اللَّهُ الكليمَ عشر معجزات، وأكْرَمَ قَوْمَه بعشر كرامات، وشكى عليهم بعشر شكيات، وعاقبهم بعشر عقوبات: أما المعجزات: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ) ، والعصا، واليد، والحجر، والألواح، والصّحف. وأما الكرامات: (وإذ أنجيناكم) ، (وإذ فرقنا بكم البحر) . (ثم بعثناكم من بعد موتكم) . (وظللْنا عليكم الغَمام وأنزلْنَا عليكم المنَّ والسّلْوَى) . (ثم عفونا عنكم مِنْ بعد ذلك فتاب عليكم) . (يغفر لكم خطاياكم) . (قد علم كلّ أناس مَشْرَبهم) . (وإذ آتينا موسى الكتاب) . والشكيات: (ثم اتخذتم العِجْل) . (قالوا أرِنَا الله جَهْرة) . (فبدّل الذين ظلموا قَوْلا) . (ادع لنا ربك) . (ثم يحرّفونه) . (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك) . (فبما نَقْضِهم ميثاقَهم وكُفْرهم بآيات الله وقَتْلهم الأنبياءَ بغير حق) . والعقوبات: (ضربت عليهم الذلَّة والمسكنة) . والجِزْية (وباءوا بغضبٍ من الله) . (فاقتلوا أنفسكم) . (يذَبِّحون أبناءكم ويستحيون نساءكم) . (كونوا قردةً خاسئين) . (فأرسلنا عليهم رِجزاً من السماء) . (واللَه مخْرِج ما كنتم تَكْتمون) . (فَرقنا بكم البَحرَ) ، أي جعلناه فرقاً، اثني عشر طريقاً على عدد الأسبَاط. والبحر المراد به القلزم. (فاقتلوا أنفسكم) : روي أنَّ من لم يعبد العجل قتل من عبده حتى بلغ القتل فيهم سبعين ألفاً، فعفا الله عنهم.

стр. 1032

(فتاب عليكم) : قبله محذوف لدلالة الكلام عليه، وهو فَحْوى الخطاب، أي فعلتم ما أمرتم به من القَتْل فتاب عليكم. (فانفجرَتْ) : قبله محذوف تقديره: فضربه فانفجرت، أي سالتْ. ومنه انفجر، وكان هذا الاستسقاء في فحص التِّيه، وكان الحجر من جبَل الطور، وهو المشهور، لأنه أبلغ في الإعجاز، ولهذا كانوا يجدونه في كل مَرْحلة. ولا خلاف أنه كان حجراً مربّعا منفصلا له أربع جهات كانت تنبع من كلّ جهة ثلاث عيون إذا ضربه موسى ﵇، وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفَّت العيون. وقيل إن هذا الحجر هو الذي وضع موسى ثوبه عليه ففرَّ بثوبه، ومرَّ على مَلأ من بني إسرائيل حين رموه بالأُدْرَة، فلما وقف أتاه جبريل ﵇. فقال له: إن الله تعالى يقول لك: ارفع هذا الحجر، فإنَّ لي فيه قدرةً، ولك فيه معجزة، فرفعه ووضعه في مِخْلاته. وكان موسى ضربه اثنتي عشرة ضربة، فيظهر بكل ضربة مثل ثَدْي المرأة فيعرفه فتنفجر الأنهار منه، ثم يسيل الماء. فإن قلت: هل الانفجار والانبجاس بمعنى واحد، لأنه اختلف التعبير بهما؟ والجواب أنَّ الانبجاس أقل من الانفجار، لأن الانفجار انصباب الماء بكثرة، والانبجاس ظهور الماء. فالواقع هنا طلب موسى ﵇ من ربه، قال تعالى: (وإذ استَسْقَى موسى لقَوْمِه) . فطلبهم ابتداء فقيل - إجابة لطلبه: فانفجرت، مناسبة لذلك. وفي الأعراف طلب بنو إسرائيل من موسى ﵇ السقي، قال تعالى: (وأوحينا إلى موسى إذ استَسْقَاه قَوْمه) ، فقيل - جواباً لطلبهم: فانبجست، فناسب الابتداء الابتداء والغاية الغايةَ. واعلم أنَّ اللَهَ تعالى وضع الدولة على ثلاثة أحجار، والقدرة في ثلاثة أحجار، والملك في ثلاثة أحجار، أما الدولة فوضعها في الكعبة، وجعلها موضعَ طواف المؤمنين.

стр. 1033

وجعل مقامَ إبراهيم قبلةً للمؤمنين. والحجر الأسود جعله بينه وبين خَلقِه عَهْداً وشهيدًا. وأما القدرة فوضعها الله في حجر موسى، وحجر ناقة صالح، وحجر موسى الذي برّأَه الله بسببه مما قالوا. وأما الملك ففي خاتم سليمان، وصخرة بيت القدس، وحجر داود. وبالقدرة يخرج من الحجر الماء والذهب والنار. (فكلوا) : خطاب لبني إسرائيل، وجاء هنا بالفاء التي للترتيب، لأن الأكل بعد الدخول فيها، وجاء في الأعراف بالواو بعد قوله: (اسْكنوا) ، لأنَ الأكلَ مقارن للسكنى. (فارض) : مسِنًة. وبِكْر: صغيرة. (فاقِعٌ) : شديد الصفرة. (فآدَّارَأتم فيها) ، أي اختلفتم، وهو من الْمدارأة، أي المدافعة. (فذَبحوها) ، من الذبح الذي هو قَطْع الْحلقوم والوَدَجين. وبهذا استدل مَنْ قال بذبح البقرة ولا يجزئ غيره. (فَأَتمهنَّ) : يعني وَفَى بهن. ولما ادَّعَى محبةَ الله تعالى ابتلاه بعشر: خمس في الرأس، وخمس في الجسد، فأتمهن، أي وفى بهن. وقال بعض: هو على الظاهر، وتحت كلّ واحدة منهن إشارة. وقيل أراد بالكلمات الدعوات، وهي قوله: (رَبَّنا إني أسكنت) . (ولا تخْزِني) . وقيل ابتلي بالنار، فقال: حسبي الله. وقيل: لما وضع السكين على حَلْق إسماعيل قال: منك ما أَرى، ومنِّي ما ترى، فأنجاه الله بهذه الكلمات. وقيل غير هذا.

стр. 1034

قال بعضهم: ابتلى الله خليلَه بعشرة أشياء، ثم أثْنَى عليه بعشرة، ثم أعطاه عشرة. أما الابتلاء فهو مناظرة النّمْرُود، والكوكب والقمر والشمس، وبكسر الأصنام، ومناظرة الأب، وبالهجرة، وبنار النّمْرود، وبذبح الولد، وبالإخلاص في قول الله له: (أَسْلِمْ) . وبالعشر كلمات، وبالملائكة الذين بعثهم الله إليه شبه المجوس يعرض عليهم الإيمان. وأما الثناء عليه فسمّاه (أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا) ، شاكراً لأنْعمه، وفيًّا صديقاً نبيئا قيما أَوّاباً مُنيباً. واصطفاه بالاجتباء والاهتداء، والبركة والبِشارة بإسحاق، والحجة على قومه، والإمامة والمقام، ونسبة الأمة المحمدية، على جميعهم السلام، والخلّة في قوله تعالى: (واتّخذ الله إبراهيم خَلِيلاً) . (فمن عُفي له من أخيه شيء) . فيها تأويلان. أحدهما أن المعنى مَن قتل فعُفِي عنه فعليه أداء الدية بإحسان، وعلى أولياء المقتول اتباعه بها بمعروف، فعلى هذا " من " كناية عن القاتل، وأخوه هو المقتول أو وَليّه. وعُفي من العَفْو عن القصاص. وأصله أن يتعدى بعن، وإنما تعدى هنا باللام، لأنه كقولك: تجاوزت لفلان عن ذنبه. والثاني أنَّ المعنى إِنّ مَن أَعطيته الدية فعليه اتباع بمعروف، وعلى القاتل أداء بإحسان، فعلى هذا " منْ " كناية عن أولياء المقتول، وأخوه هو القاتل أو عاقِلَته، وعفي بمعنى يسر، كقوله: (خذ العَفْو) ، أي تيَسَّر. ولا إشكال. في تعدّي عفِي بإلى على هذا المعنى.

стр. 1035

(فمن اعْتَدَى بعد ذلكَ فَلَه عذَابٌ أليم) ، أي قتَلَ قاتلَ وليه بعد أخذ الدية منه فله القصاص منه. وقيل عذاب الآخرة. (فمن تطَوَّع) ، أي صام ولم يأخذ بالفطر والكفارة. وذلك على القول بالنسخ. وقيل تطوّع بالزيادة في مقدار الطعام، وذلك على القول بعدم النسخ. (فمن شَهِد منكم الشهرَ فلْيَصمه) ، أي كان حاضراً غير مسافر. والشهر منصوب على الظرفية. والمراد به شهر رمضان المتقدم. (فَلْيَسْتَجِيبوا لي) ، أي فيما دعوتهم إليه من الإيمان والطاعة (فاعْتَدوا عليه) : تسمية العقوبة باسم الذنب، أي قاتلوا من قاتلكم، ولا تبالوا بحرمة صدّكم عن مكة. (فما اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي) : وأقلّ ذلك شاة تذبحونها. (فمَنْ كان مِنْكم مَرِيضاً) : نزلَت في كَعب بن عُجْرَة لما رآه رسول الله ﷺ فقال: لعلك تؤْذيك هوَامّ رأسك، فقال: نعم. فقال له ﷺ ، احلق رأسك، وصمْ ثلاثة أيام، أو أطْعِم ستة مساكين، أو انْسك بشاةٍ. فمعنى الآية: إنَّ مَنْ كان في الحج واضطره مرضٌ أو قمل إلى حَلْق رأسه قبل يوم النَّحْر جاز له حَلْقه، وعليه صيامٌ، أو صدقة، أو نسك، حسبما فسّر في الحديث. وقاس الفقهاء على حَلْق الرأس سائرَ الأشياء التي يمنع الحج منها، إلا الصيد ووَطء النساء. وقاس الظاهرية ذلك على حلق الرأس، ولا بد في الآية من مضْمَر لا يستقلّ الكلام دونه، وهو المسمى فَحْوى الخطاب، وتقديره: (فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى مِنْ رأسه) فَحَلَق رأسه فعليه فِدْية.

стр. 1036

(فاَذْكُروني أَذْكرْكمْ) : قد قدمنا مرارا أنَّ منزلة العبد من الله حيث أنزله العبد، ولهذا لما قال داود: يا رب، كنْ لسليمان كما كنْتَ لي. فأَوحى اللَهُ إليه: قل له يكون لي كما كنْتَ لي أكون له كما كنتُ لك. وقد أمرنا الله بهذا في آياتٍ من كتابه، قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) . (فافسَحُوا يَفْسح الله لكم) . (إنْ تَنْصُروا الله ينصركم) . (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) . (هل جزاءُ الإحسانِ إلا الإحسان) . وقد اختلفت الأقاويل في قوله: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) - نحواً من أربعين قولاً، فإن ذكرته بالإيمان يذكرك بالجنة، لقوله: (وعد الله المؤمنين) . وإن ذكرته بالاسترجاع يذكرك بالرحمة. وإن ذكرته بالاستغفار يذكرك بالمغفرة. وإن ذكرته بالإنفاق يذكرك بالْخَلَف. وإن ذكرته بالشكر يذكرك بالزيادة. وإن ذكرته بالصبر يذكرك بالأجر. وإن ذكرته بالتقوى يذكرك بالفرج. وإن ذكرته بالتوكّل يذكرك بالكفاية. وإن ذكرته بالتوبة يذكرك بالقبول. وإن ذكرتَه بالدعاء يذكرك بالإجابة. وإن ذكرته بالمجاهدة يذكرك بالهداية. وإن ذكرته بالطاعة يذكرك بالمودة. وإن ذكرته بالسجود يذكرك بالقرب. وإن دْكرته بالإحسان يذكرك بالرحمة. وإن ذكرته بالاستقامة يذكرك بالأمْن. وإن دْكرته بالقَرْض يذكرك بالتضعيف. وإن ذكرته بالفرائض يذكرك بالفلاح. وإن ذكرته بالخشية يذكرك بالفوز. وإن ذكرته بالاعتصام يذكرك بالنصر. وإن ذكرته في نفسك ذكرك في نفسه. وإن ذكرتَه في مَلَأ دْكرك في ملأ خير مِنْ ملَئك. وإن ذكرته بالنوافل ذكرك بالمحبة. وإن تقرَّبت إليه شِبْراً تقرّب منك باعاً. وإن أتيته مَشْياً أتاك هَرْوَلة. وإن أتَيتَه بقرَاب الأرض خطيئة ولم تشرِك به أتاك بمثلها مغفره، وهو الغفور الرحيم. وفي التوراة: يا ابن آدم أظهرتَ الذنوب معي وأخفيتها عن الخلق، وأبديت الحسنات لِخَلْقي ولم تخْلِصْها لي، وأكلْتَ رزقي ولم تشكرني، وبارزتَني بالمعاصي ولم تَستَحِ منّي، ولم تحذرني، أمّا ما أظهرت من الذنوب فقد غفرتها لك،

стр. 1037

وما أتيْتَ من الحسنات بغير إخلاص فقد قبلْتها منك، وما أكلت من رزقي ولم تشكرني فلم أَحرمك الزيادة، وما بارزتني به ولم تستح مني فأنا أستحي أن أعذِّبك بعد شهادتك لي بوَحْدانيتي، وأنا الغفور الرحيم. فتأَمَّلْ أَيها العاصي هذه الكرامات التي أكرمك بها، دعاك أولاً بنفسه بقوله: (واللَهُ يدعو إلى دار السلام) ، من دارٍ أولها بكاء، وأوسطها عَناء، وآخرها فَناء، إلى دارِ أولها عطاء، وآخرها لقاء، وهي أحسن البنيان المسدس، فإن اللهَ خلقك مسَدَّساً! فخمسة منها يدعوك إلى خمس جهات واللَه سادسهم: يدعوك من تلك الجهات كلِّها إليه، فالأمَل يدعوك من بين يديك، والشيطان يدعوك من خَلْفك، والهوى يدعوك عن يسارك، والشهوة عن يمينك، والدنيا تَحْتَك! والله من فوقك، فذلك قوله: (ولا خمسة إلا هو سادِسهم) . فإن كانت همتك في دار الأشجار والبساتين والأنهار فقد دعاكَ لذلك بقوله: (جنات عَدْن تجري مِنْ تحتها الأنهار) . وإن كانت همتك الطعام والشراب فقد دعاك لذلك بقوله: (كلوا واشْربوا) . (يُطَافُ عليهم بصِحافٍ مِنْ ذَهَب) . (ولَحْمِ طَيْرٍ مما يشتهون) . وإن كانت همتك التمتع بالنسوان فقد دعاك لذلك بقوله: (وحورٍ عِين كأمثال اللؤلؤ المكنون) ، لو تفلَتْ إحداهنّ على البحر لعَذب. ولو اطلعت إحداهن على الدنيا لأضاء ما فيها. وإن كانت همتك اللباس فقد رغبك بقوله: (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) . وإن كانت همتكَ الغلمان والولدان فقد رَغبَك بقوله: (وِلْدَان مخَلَّذونَ) . (غلمان لهم كأنّهم لؤلؤ مَكْنون) . وإنْ كانت في الشرب والخمور فقد ذكر لكَ أنَّ فيها أنهاراً من خَمْرٍ لذة للشاربين. وإن كانت همتك رضاه والنظر إليه فقد دعاك في مواضع من كتابه. وحرَّضكَ عليه، فما ظنّك بربٍّ كريم يدعوكَ للضيافة وتقبّل دعوته، أتراه لا يرضيك، وقد بعث إليكَ الملائكة تبشِّرك حين نَزْعك، وأعطاك في حياتك

стр. 1038

مراكب الجمال إلى بيتك، وأعناق الرجال إلى قَبْرِك، والبراق إلى حَشْرك، قال تعالى: (يوم نَحْشُر الْمُتَّقِينَ إلى الرحمن وَفْداً) . (فعِدةٌ من أيام أخَر) : هذا من رحمة الله بهذه الأمة، حيث أباح لها التفريقَ في قضاء رمضان، وهو من خصائص هذه الأمة، قال تعالى: (يأيها الذين آمنوا كتِبَ عليكم الصيامُ كما كتِب على الذين من قبلكم) . فإن قلت: قد قلتم: إنَّ هذا الصيام من خصائص هذه الأمة، فما معنى الصيام على غيرها؟ فالجواب أنه اختلف: فقِيلَ ثلاثَة أيام مِنْ كلِّ شهر. وقيل: عاشوراء، ففي هذه الآية الشريفة نرى عذْرَين ونهيين ونسْخَين ورحمتين وكرامتين. أما العذْران فقوله: (كما كُتِب على الذين مِن قَبْلكم) . والثاني: (أيَّاماً معدودات) ، أي قليلة تمضي سريعاً. وأما النسْخان فقوله: (وعلى الذين يطيقونه فِديَةٌ طعام مسكين) ، أي في بَدءِ الإسلام إن مَنْ لم يصم ثم أطعم لم يكن له بذلك. والثاني أن المجامعة كانت حراماً في ليالي رمضان، فأباح الله لهم بسبب عمَر قوله: (أحِل لكم ليلةَ الصيامِ الرَّفَث إلى نِسائكم) يعني الجماع. وأما الأمران فقوله: (ولتكمِلوا العِدة) ، وقوله: (ولتكَبروا اللهَ على ما هَدَاكم) . وأما النهْيان ففي المؤاكلة والمجامعة بالنهار، وهو قوله: (ثم أتِمّوا الصيامَ إلى الليل) . وأما الرحمتان: (فمَن كان مِنْكم مَرِيضاً أو على سفر فعدَة مِنْ أيام أخر) ، فرخص له في الإفطار والقضاء بأيام أخر.

стр. 1039

وأما الكرامتان فقوله: (شَهْر رَمَضان) . وليلة القَدْر التي هي خَيْرٌ من أَلْفِ شهر، فالصيام أفضل الطاعات، لأنه يصوم بأمر، ويفطر بأمر: (كلوا واشْرَبُوا) . والجوع والعطش وغير التمتّع مِنْ عذابِ أهل النار، والله لا يجمَع على الصائم عذابَين، ويعطون الغرف في الجنة بصبرهم، قال تعالى: (أولئك يجْزَون الغرفَة بما صَبَروا) . وكلّ عمل لا يخلو من وجهين: إما طاعة مع الغَفْلة، أو مَعصِية مع الشهوة، فجعل الله قبول الطاعة بالصوم قوله: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) ، وجعل غُفْرانَ المعصية بالصوم، قال تعالى: (ومَنْ قتل مؤمناً. . . فصيام شهرين. . .) . وانتهاء المناهي أفضل من ائتمار الأوامر، ألا ترى أنه قال: (مَنْ جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) . قال: (ونهى النَّفْس عن الْهَوَى) . والصوم من انتهاء المناهي، والزّهد في الحلال أفضل من الزهد في الحرام، والصوم من الزهد في الحلال، وفي نداء عباده تعالى بالإيمان من اللطائف والفضائل ما لا يحيط بها إلا هو، كأنه سبحانه يقول: يا مَنْ أقْرَرْتم بوَحْدَانيتي، وعرفْتم دَيموميتي، لا تَقْنَطوا من رحمتي. قال بعضهم: النداء على عشرين وجهاً: خمس من الله في الدنيا، وخمس للآدميين في الدنيا، وخمس من الملائكة في الدنيا، وخمس من الملائكة في الآخرة. أما الذي من الله فنداء الجنس: (يا أيها الناس) . ونداء النسبة: (يا بني آدم) . (يا بني إسرائيل) . ونداء المدحة: (يأيها الذين آمنوا) ، لأن الله جمع أوصافَ المؤمنين ونُعوتهم ومعانيهم في هذا النداء، لأنه لم تَبْقَ حسنة إلا دخلت تحته، كما أن الله عَلَم على ذاته القدسية، ومَن ذكره فكأنما ذكر جميع أسمائه التي هي ألفُ اسم ثلاثمائة في التوراة، وثلاثمائة في الإنجيل، وثلاثمائة في الزَّبور، وواحد في صُحف إبراهيم، وتسع وتسعون في القرآن، فأوَّل جميع الكتبِ اللهُ. ونداء المذمة: (يأيها الذين كفروا لا تَعتَذِروا اليوم) .

стр. 1040

ونداء الإضافة: (يا عباديَ الذين آمَنوا) . (يا عبادي الذين أَسرفوا) . وأما الذي للآدميِّين: نداء الشريعة، وهو لإبراهيم حيث قال له: (وأذنْ في الناس بالحج) . ونداء العتاب ليولسف: (يا أيها العزيز مَسَّنَا وأَهلَنا الضرُّ) . ونداء الإيمان لمحمد ﷺ قوله: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا) ونداء الجمعة للمؤمنين: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودِي للصلاة مِنْ يَوْمِ الجمعة) . ونداء الجماعة للمنافقين. وأما الذي للملائكة في الدنيا: فملك ينادي في كل صباح: يا أبناء الثلاثين. لا تَغْتَرّوا بالشباب. يا أبناء الأربعين، لا تجترئوا. يا أبناء الخمسين، أَلاَ تستحيون. يا أبناء الستين، قد دَنا حصادكم. يا أبناء السبعين، الرحيل الرحيلَ. ومَلك ينادي بالمقابر كل يوم: يا أهْلَ القبور، من تغبطون اليوم، قالوا: نغبط أَهلَ المساجد الذين يذكرون اللَهَ ولا نَذْكر، ويصلُّون ولا نصلي، ويصومون ولا نصوم، وملك ينادي عند رأس قَبْرِ النبي ﷺ : ألا مَنْ زال عن سنّة صاحب هذا القبر فقد برئ من شفاعته. وملك ينادي في الموقف: مَنْ حَجَّ وكسْبه حرام ردَّ الله حجَّهُ. وأما الذي من الملائكة في الآخرة فأوله عند البعث: أيتها العظام البالية. والأجساد النخِرة، هَلمّوا إلى الحساب عند ربّكم. وملك عند الحساب: أبشروا يا أمة محمد! فإنَّ رحمة الله قريبٌ منكم. وملك عند المحاسبة يقول: أيْنَ فلان ابن فلان، هلمَّ إلى العَرْض على الرحمن. وملك ينادي عند الفراغ من الحساب: ألاَ إنَّ فلانَ ابن فلان سعِدَ سعادة لا يشقى بعدها أبداً. وملك آخر على أَهل الشقاوة ينادي: ألا إن فلانِ ابن فلان شقي شقاوة لا يسعَد بعدها أبداً. أعاذنا اللَه من ذلك بمنه. (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) : يعني بقبولهم ورحمتهم، لا بقُرب المسافة. وسببُ نزول هذه الآية أنه ﵊ سئل أين ربنا، فَوْقنا أو

стр. 1041

تحتنا، أو يميننا أو يسارنا، أو خلفنا أو قدّامنا، فأنزل الله: (وإذا سألكَ عبادِي عَنّي فإني قَريب) . يعني وحاجتكم أنا، لا المكان، فإن وجدتموني فما تصنعون بالمكان وأنا منَزَهٌ عن المكان. وفي رواية: إن اليهود سألوه ﵇ أقريب ربّنا فننَاجيه أم بعيد فنُنَادِيه، فأنزل الله: (ونحن أقرب إليه مِنْ حَبْلِ الوَرِيد) . يعني بالعلم والقدرة والإجابة لا بالذات، فادْعوني سِرًا أو جَهْرًا، فإني قريب أجيب، إنْ سألني العاصي غفرت له، وإن سألني المحسن أعطيته سؤلَه. فهنيئاً لكم أيتها الأمة المحمدية، نسبكم إلى آدم في قوله: (يا بني آدم) . وبالشريعة إلى نوح في قوله: (شرعَ لكم من الدِّين ما وصَّى به نوحاً) . وبالملّة إلى إبراهيم. وبالأمة إلى محمد ﷺ ، وبالعبوديّة إلى نفسه، والحكمة فيه حتى يشفع آدم فيكم، فيقول: يا رب، هم أولادي، ويقول نوح: أهل شريعتي. ويقول إبراهيم: أَهل مِلَّتي. ويقول محمد: أمَّتي. ويقول الله: عبادي وخواصِّي، فالذي نسبك إليه أَترى أنه يريد معاقَبتك. وقد قال لنوح لَما أراد عقوبة ولده: إنه ليس من أَهلِك. أو الرسول الذي بعِث إليك يريد تعذيبَ أمته، وهو لم ينْسَهم في الأربعة مقامات: مقام التحية لولاه في قوله: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين". ومقام الشكر في قوله: (والمؤمنون كلّ آمَنَ بالله وملائكته) . ومقام الحاجة سأل من الله عشر حاجات، فأعطاه ما سأل قوله تعالى: (غفرانكَ ربَّنا وإليكَ الْمَصِير) . . . إلى آخر السورة. ومقام الشفاعة: (ولسوف يعْطِيكَ ربّكَ فَتَرْضَى) . أفترى أنه يرضى بقاء أمته في النار وهو في الجنة، ولذلك يقول له جبريل: أنت منعَّم، وأمتك في النار، فيستأذن في الشفاعة فيهم في حديثٍ طويل. وقد عاتبه الله يوم بَدْر لما كان في العَرِيش وأصحابه في الشمس، فقال: يا محمد، أنْتَ في الظل وأصحابك في الشمس، أهكذا هي الصحبة! فسبحان اللطيف بعباده وخصوصاً بهذه الأمة (١) .

стр. 1042

وفي الحديث: أن جميع الأنبياء قالوا ربَّنا، كما قال آدم: (ربَّنَا ظلَمْنا أنْفُسَنا) . وإبراهيم: (رَبّنا واجعلْنَا مسْلمَيْن لك) . وغيرهما. فلما بلغ الأمرُ إلى أمة محمد هابُوا أن يضيفوه إلى أنفسهم، فيقولوا: ربنا، فسكتوا، فأضاف الله نَفْسَه إليهم بقوله: (وقال ربكم ادْعُوني أسْتَجِبْ لكم) . وكان جميع الأمم لم يكن لهم جراءة على أن يدعوا ربَّهم، ولكن كانوا يقولون: (ادع لنا ربك) . (هل يستطيعُ ربُّك) . وهذه الأمةُ رفع الله الواسطةَ بينهم وبينه، وأمرهم بالدعاء، فإن لم يدعوه فهو يدعوهم ليغفر ذنوبهم. وتأمل قوله تعالى: (فإنّي قَرِيب) ، ولم يقل هو كما قال: (يسألونك ماذا ينفقون قل العَفْو) . (قل هو أذًى) . (قل إصلاح لهم خير) . وقال: (فلْيَسْتَجِيبوا لي) إذا دعوتهم إلى المغفرة، فإن دعوني بلا غفلة أجَبْتُهم بلا مهملة، وإن دعوني بالصفاء أجبتهم بالعطاء، وإن دعوني بلسان الشهادة أجبْتُهم بإعطاء الولاية. وإن دعوني بالنعمة أجبتهم بالشهادة، وإن دعوني بجميع الجوارح أجبتهم إجابةَ ناصح، وإن دعَوْني بالإخلاص أجبتهم بالخلاص، وإن دعَوْني بالمغفرة أجبتهم بتبديلها بعشرة، وإن دعَوْني بالخوف والرجاء أجبتهم بالرحمة والجزاء. وإن دعَوْني بالاضطرار أجبتهم بالافتخار. وإن دعوني بأسمائي الْحسْنَى أجبْتهم بالعطية الكبرى. فانظروا أيها الأمة ما أرْحَمه بنا! وقد رآيناه أجاب الذاكرين بقوله: (أذكركم) . وأجاب المتفكرين: (بل الله يَمنُّ عليكم) . وأجاب الداعين: (أستَجِبْ لكم) . وأجاب الخائفين: (ألاَّ تخافوا ولا تحزنوا) . وأجاب المقربين بالوصلة: (فقد استَمْسكَ بالغرْوَة الوثقى) . وأجاب المستغفرين بالمغفرة: (إنه كان غَفَّارًا) . وأجاب المتضَرّعين بقوله: (يوم لا يخْزِي الله النبي) . فإن قلت: قد رأينا مَنْ يَدْعو ولا يستجيب له؟ والجواب إذا وقع الدعاءُ من المضطرّ حصل جوابه على كل حال.

стр. 1043

ومَنْ وُفّق للدعاء لم يُحرم الإجابة. ومن وفّق للتوبة لم يحرم القبول. ومن وفّق للشكر لم يحرَم المزيد. ومن وفق للصبر لم يحرم الجزاء. ومن وفق للتوكّل لم يحرم الكفاية. ومن وفق للعمل الصالح لم يحرم المودةَ عند الله وعِنْد خَلْقه. ومِصداق هذا كله قوله تعالى، (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) . (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) . (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) . (وجزاهمْ بما صَبَروا) . (ومَنْ يتوكَّلْ على الله فهو حَسْبُه) . (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) . فإن قلت: بيِّن لنا الاضطرار وشروط الدعاء؟ فالجواب: أنَّ الاضطرار ألاَّ تبقى فيك علاقة مع غيره سبحانه، وإن أخلصتَ له في الدعاء وتضرعت، ورجوتَ وخِفْتَ، واستغَثْتَ به، فلا بد من إجابتك إما عاجلا فتبلغ سؤْلك أو يكفّر لك به من ذنوبك، أو يؤَخَّر لك لمصلحتك، أو يرفع درجتك، ولعلّه يعطيك سؤْلك فتغفل عنه، وهو يحبُّ المُلِحِّين في الدعاء. ألاَ تسمعه سبحانه يقول لبعض الداعين: أعطوه سؤْله، فإني أكره صوته، فإجابة الدعاء في الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد. ورحم الله القائل: اللهُ يَغْضب إن تَرَكْتَ سؤَاله ... وابن آدَمَ حين يُسْأل يَغْضَبُ وقد وعدنا الله تعالى بالكرامة على أنواع من الطاعات، فأكرم الساجد بالقربة، ودخول البيت الحرام بالأمن. والجهاد بالجنة. والصدقة بأضعافها. والزكاة بالفَلاَح. والدعاء بالإجابة، لكن العلّة منا وإلينا، وشؤْمَ نفوسنا عائدٌ علينا، كما قال إبراهيم بن أدْهم لما قالوا له: يا أبا إسحاق، الله يقول: (ادْعوني أَسْتَجِبْ لكم) ، ونحن نَدْعوه ولا يَستَجِيب لنا، فأطْرق ساعة وقال: لأنَ قلوبَكم ماتَتْ في عشرة أشياء، فقالوا: هاتها. قال: عرفْتمِ الله ولم تؤدّوا حقّه، وقرأتم كتابه ولم تعملوا به، وعرفتم رسولَه وتركتم سُنَّته. وقلتم الشيطان لنا عدوّ فَوَافَقْتموه، وادعَيْتم حبّ الجنة ولم تعملوا لها. وقلتم نخافُ النار ووهبتم لها أبدانكم.

стр. 1044

وقلتم: الموت حقّ ولم تتهيئوا له. وانتبهتم من النوم واشتغلتم بعيوب إخوانكم. وأَكلْتم رزْقَه ولم تشكروه. ودفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم، فأنَّى يُستجابُ لكم! وفي الحديث ما يعضده قوله: "مَطْعَمه حَرامٌ، وملْبَسه حرام، ويقول: يا رب، يا رب، فأَتى يُستجاب له! " وصدق الصادق المصدوق، فإن الدعاء مثل الطائر، وكيف يطير مقصوص الجناح. فاجتهد في إخلاص المطعم والملبس، وتَخَيَّرْ أوقات الإجابة وأماكنها المفضّلة في الحصن الحصين لابن الجزري، وخصوصاً بعد الأذان، وقبل الإقامة، وبعد الصلوات، وخصوصاً صلاة الجمعة، والسَّحَر أسرع إجابة لخلوّك بالمحبوب. وبعضهم ترك الدعاء لِعِلْمِه بأن الله لا يغفلُ عنه، واشتغل بذكره، للحديث القُدسي: "من شغله ذِكْري عن مسألتي أعطيته أفضلَ ما أعطي السائلون"، ولهذا أشار ابن عطاء الله بقوله: "طلَبك منه اتهامٌ له". . . الخ. وبعضهم لم يرفع رَأسَه للدعاء حياءً منه. وبعضهم قال: الدعاءُ تحكم على الله، وقد سبق تقديره قَبْل وجودي، فإن سبق سعادتي فأناله، وإن لم يسبق فكيف اطلب منه ما لم يرد (١) . وبعضهم دعاه في الشدة، وأعرض عنه في الرخاء، وهذا حالنا كما قال سبحانه: (فإذا مَسَّ الإنسانَ ضرّ دَعَانَا) . وبعضهم قال: لا أقولُ نحن، لأن الملائكة قالت: (نحن نسبِّح بحمدك) ، فلم يرْضَ الله منهم، وإبليس قال: أنا، فلعنه الله. وفرعون قال: (أَليس لي ملْك مصر) ، فأغرقه الله. وقارون قال: عندي، فخسف الله به الأرض. وأعلى من هؤلاء من امتثل أمْرَ ربه في الدعاء، ورأى نفسه عَبْداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وإنما قام بحقّ الربوبية، فطلبه لمحبَّته في الطلب، وفوّضَ الأمر له، كما قال بعضهم لما قيل له: سَلْ تُعْطَ، فقال: عالم من جميع الوجوه يقول لجاهل من جميع الوجوه: سَلْ تُعْطَ، لا أعلم ما يصلح بي، ولكن يختار هوَ لي.

стр. 1045

ولهذا قال ابن عطاء الله: لا يكن طلبك تسبّباً إلى العطاء منه، فيقلّ فَهْمك عنه، وليكن طلبك لإظهار العبودية، وقياماً بحقوق الربوبية. فإن قلت: إذا سبق العطاء منه فما فائدة الطلب، وقد أعطانا بغير سؤال؟ فالجواب إذا سبق في أَزَلِه العطاء وفَّق عَبْدَه لطلبه، فيجيب، ويفرح العبد بذلك، ولو أعطاك بغير سؤال لطمع الكافر والمؤمن. وهذه أسباب ووسائط يوفّق الله العبدَ إليها في أي وقت شاء على يد من يشاء (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) . والكلامُ هنا طويل، وقد ألَّفت فيه تأليفاً عجيباً سميته مفاتح الطلب. فانظره إن ظفرتَ به، وإلا ففي هذه النبذة كفاية إن شاء الله. (فإذَا أَمِنْتم) : الخطاب للمحْرمين مِنْ أَهل مكة وغيرهم. ومعناه: إذا كنتم بحال أَمْنٍ، سواء تقدَّم مرض أو خوف عدوّ، أو لم يتقدم. (فَمَنْ تَمَتَّعَ بالعمْرَة) : والتمتع هو أَنْ يعتمر الإنسان في أشهر الحج ثم يحج من عامه، فقد تمتّع بإسقاط أحد السفَرين للحج أو العمرة. وقال عبد الله بن الزبير: التمتّع هو أن يحْصَر عن الحج بعدو حتى يفوته فيعتمر عمْرةً يتحلل بها من إحرامه، ثم يحج مِنْ قابل قضاءً لحاجته، فهو قد تمتع بفعل الممنوعات للحج من وقت تحلله بالعمرة إلى الحجّ القابل. وقيل: التمتع هو قِران الحجِّ والعمرة. (فمَنْ لم يَجِدْ فصِيام ثلاثةِ أيامٍ في الحجّ وسبْعَةٍ إذا رجَعْتم) : يعني من لم يجد الشاةَ فليصمْ ثلاثة أيام، وقْتها من إحرامه إلى يوم عرفة، فإن فاته صام أيام التَّشْريق وسبعة إذا رجع إلى بلاده. (فمَنْ فَرض فيهنَ الحجَّ) . أي أَلزم الحجَّ نفسه في شوال وذو القعدة وذو الحجة. (فلا رَفَثَ) ، وهو الجماع،

стр. 1046

(ولا فسوقَ) ، وهي المعاصي، إذْ علامةُ قبول الحج ترك المعاصي، ولا جزاء له إلا الجنة، كما صح. (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) ، لأن الإنسان كثيراً ما يذكر أباه. والعارفُ يذكر الله أكثر، لأنه مخترعه وخالِقه كيف شاء، ورازِقه من أين شاء، وممِيته متى شاء، ويحييه إذا شاء، فكيف يغفل عمن هذه صفته، وقد دعا الْخَلق إلى نفسه، فالسابق منهم همّه اسمه، فدعاه بلفظ الرب، وقال: (وأنِيبوا إلى رَبِّكم) . (فَفِرّوا إلى الله) . والمقتصد منهم همه الرزق، فدعاه بقوله: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ) ، وقال: (يرزق مَنْ يشاء بغير حساب) . والظالم همه غفران ذنوبه، فدعاه بقوله: (وسارِعوا إلى مغفرةٍ مِنْ رَبِّكم) . فعلى كل حال العبد لا يغفل عن سيده. ولما كانت العرب تذكر أباها كثيراً مفاخرة عند الجمرة أمر الله بذكره عوضاً عن ذلك، لأنه الضارُّ النافع. (فَضْلاً مِنْ رَبِّكم) : التجارة في أيام الحج أباحها الله لعباده، ولا يضر نيتها، ولا تفسد العبادة بها خلافاً لبعض الصوفية. والصحيح أن النيةَ الصحيحة تقلِب القبيح حسناً، والحسن قبيحاً. وتشريك النية الصالحة جائزة، بل مطلوبة في الأفعال، ورضي الله عن السيد الذي دق عليه، فقال لبعض التلامذة: قمْ حلّ له الباب. فقام، فقال بعد رجوعه: بأي نيّةٍ قمْتَ له. فقال: نيًة فتْح الباب. فقال: هلاّ نوَيْت قضاء حاجته إن احتاج، والسلام عليه ومصافحته، وصار يعدد له سبْعَ نيات. هكذا كانوا ﵃ يشركون أفعالهم لتضعيف حسناتهم، ونحن بالضدّ مِنْ هذا، فليس لنا نية ألبتَّة. فلا تتحرك أيها الأخ حركةً إلا للَه تكثراً بنيتك، كلبْثِك بالمسجد بغية

стр. 1047

الزيارة لله، وانتظار الصلاة، وكفّك عما نهيت، وعكوفك على الطاعة وسلامةِ الناسِ من شرِّك، وتعَلّم وتعليم واستفادة أخ، ونحوها. وبدخولك الأسواق: ذكر الله تعالى، والسلام على إخوانك، وشهادة البقاع لك، ومَنْع الشيطان وطَرْده، وتغيير ما رأيتَ من المناكر إن قدرت صيانة، وأمرك بالمعروف صدقة، ورؤية نعمة فراغك وتوفيقك. وقد علمت ذاكر اللَه في الغافلين كالمجاهد خَلْف الفارّين، ولا تشغلك رؤية شهوةٍ، فتصدَّقْ بقدميْك لزيارة إخوةٍ لئلا تحوجهم لزيارتك، وقضاء حاجتهم، ورد السلام على مَنْ سلّم منهم، وسماحاً في بَيْع، ورؤية صالح، ورؤية آياته تعالى: من تصرّف الخلق في معايشهم وحركاتهم وألوانهم، وما جبلوا عليه من حبِّ الدنيا، واختلاف أغراضهم، وتَصَرّفهم في المأكل والملابس، واختلاف السلع. والكلام هنا طويل. والقصد منه أنه يجب علم حقيقة النية، وتخليصها من كل حظّ دنيوي حتما، ومن كل حظ أخرويّ ندْباً، وهي تمييز الأغراض بعضها من بعض، (وما يَعْقِلها إلا العالمون) . ومتى حصلت الحركة وعَقَبها باعثٌ واحد فنيَّةٌ خالصة، وإيثارُ الراجح اختيار، واقترانها بحكم فقضاء وبما له مقدار، أو عني بشيء خاص فعناية. وتصميم الإرادة عَزْم وهَمّ ومشيئة. وللحنفية: إنَّ المشيئة مشتقّ من الشيء، وفي كتب اللغة أنها إرادة لا فعل. صح: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. ومَنْ قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهوَ في سبيل الله، ومن هَمَّ بحسنةٍ ولم يعملها كتبت له حسنة، وإِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ، ونظره تعالى إلى القلب للنية، والنية والعلم وغيرها مما ينسب للقلب، وهو قائم بالنفس، والعقل في القلب. وتأمَّل قوله تعالى: (لَهمْ قلوب يعْقِلونَ بها) . (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) .

стр. 1048

فتأمَّل أيها الأخ صُنْع الله في هذا المؤمن، حيث جعل له داخل ضميره شمساً ساكناً في وسط الأحشاء أضْوَأ من الشمس اللامعة، حتى جاز الهوى، وملَك طريق السماء، فلم يسكن على شيء دون الرّبّ ﷻ ، فصار حاله في الضمير كعود نصِب له في الأرض، فإذا اتَّصل بالأرض، والأرض به، نبتت المعرفة به، فصارت نزهةً للعارفين، ثم الشهادة عطاء المحبين، ثم المحبة على السابقين. (فمن تَعَجَّلَ في يومين فلا إثْمَ عليه) : قد قدمنا أنَّ هذه الآية أباحت التعجّل والتأخر. وقيل: إنه إخبار عن غفْران الإثم، وهو الذنب للحاجِّ، سواء تعجّل أو تأخر. وعلى الأول فيكون (لمن اتَّقَى) أنْ يَأثَم في التعجُّل والمتأخر لا إثم عليه. وعلى الثاني أنَّ الغفران إنما هو (لمن اتَّقَى) الله في حَجِّه. للحديث: "مَنْ حَجّ هذا البيت فلم يَرْفُث ولم يفسق خرج من ذُنوبه كيوم ولدَتْه أمه". فاللام متعلقة إما بالغفران أو بالإباحة المفهومَيْن من الآية. (فحَسبه جَهَنَّم) : الضمير يعود على مَنْ لا يطيع من يأمره بالتقوى تكبراً وطغْياناً، وهو الذي يُقال له: اتَّق الله، فتأخذه العزَّةُ بالإثم. والباء يحتمل أن تكون سببية، أو بمعنى مع. وقال الزمخشري: هي كقولك: أخذ الناس الأمير بكذا، أي ألزمهم إياه. فالمعنى حملته العزةُ على الإثم. (فاعلَموا أَن اللهَ عَزِيزٌ حكيم) : تهديد لمن زَلّ بعد البيان. ويحتمل أن يكون الخطاب بقوله: (ادخلوا في السِّلْم) لأهل الكتاب، على معنى الأمر لهم بالدخول في الإسلام. ولما سمع بعض الأعراب قارئاً يقرأ: (فاعلموا أن الله غفورٌ رحيم) - قال له: أخطأت. فقال: من أين علمت، قال: أَيغريهم على المعصية. (فلِلوَالدين والأقربين) : بيان مَصْرف نفقَة التطوّع. وتقدم في الترتيب الأهمّ فالأهمّ، وإن أريد بالنفقة الزكاة المفروضة فذلك منسوخ. (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) : أي اجتنبوا جِمَاعَهُنّ في

стр. 1049

الفرج، لا فيما عداه من أعكانها وبين فخذيْها، والاستمناء بيدها. وقد فسر ذلك الحديث بقوله: لتشد عليها إزارها وشأنك بأعلاها. (فاءُوا) ، أي رجعوا إلى الوطْءِ، وكفّروا عن اليمين. فإن الله يغفر ما في الإيلاءِ من الإضرار بالمرأة. (فنِصفُ ما فَرَضْتمْ) ، يعني من الصداق لمن طلّق قبل الدخول، فإن كان لم يفرض لها صداقاً، وذلك في نكاح التفويض، فلا شيء عليه من الصداق، ويؤمر بالمتعة، لقوله: (ومَتِّعوهُنَّ) . (فإذا أَمِنْتم فَاذْكروا اللهَ) : قيل المعنى إذا زال الخوف فصلّوا الصلاةَ التي عُلِّمتموها وهي التامة. وقيل: إذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم هذه الصلاة التي تجزيكم في حال الخوف، فالذكر على القول الأول بمعنى الصلاة. وقد ذكر الله للصلاة اثني عشر اسماً: القرآن: (إن قرآنَ الفَجْرِ كان مَشهوداً) . والأَمانة: (إنّا عَرَضْنا الأمانةَ) . والحسنات: (إنَّ الحسناتِ يذهِبنَ السيئات) . قال ابن عباس: إن الصلوات الخمس يكفرنَ الخطايا. والتوبة: (ذلكَ ذِكْرَى للذَّاكِرين) يعني توبةً للتائبين. والبقاء: (والباقيات الصالحات) . والذكر: (الذين يذكرون الله) . والاستغفار: (والمستغفرين بالأَسحار) . والتسبيح: (فَسبْحانَ الله حين تمسون) . والركوع: (واركَعوا مع الراكعين) ، أي صَلّوا مع المصلّين. والسجود. وعلى القول الثاني فمعنى الذكر الشكر، وعلى كلاَ القولين فالواجب على الإنسان أن يذكر الله على كل حال. والذكر على سبعة أوجه: ذِكْر اللسان، وهو الحمد للَه والثناء، وذكر الْجَنان وهو التسليم والرضا، وذكر الأبْدَان وهو الجهد والعناء. وذكر العينيْن، وهو

стр. 1050

العبرة والبكاء، وذكر اليدين وهو السخاء والعطاء، وذكر الرِّجْلين وهو المشي إلى الحج، وثبات النفس لِلِّقاء. وذكر الروح وهو الخوف والرجاء. (فإنْ خَرَجْنَ) : الضمير يعود على الْمعْتَدّات اللواتي يُتَوَفَّى أزواجهن ألاَّ يخرجن من ديارهنَّ أربعة أشهر وعشراً، وليس لأولياء الأزواج إخراجهنَّ، فإذا كان الخروج من قِبَلهن فلا جناح على أحد فيما فعَلْنَ في أنفسهن من تزوُّجٍ وزِينة. (فمَنْ شَرِب مِنْه فليس مِنِّي) : هذا من قول طالوت لَما جاز على نهر فلسطين اختبر طاعتهم بمنعهم من الشرب. (فشَرِبوا منه إلا قليلاً منهم) ، وكانوا ثمانين ألفاً، ولم يشرب منهم إلا ثلاثمائة وبضعة عشر عدد أصحاب بَدْر، فأما مَنْ شرب فاشتدَّ عليه العطش، وأما من لم يشرب فلم يعطش. (فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) : يعني أنَّ الله فضّل الأنبياء والرسل على بعضٍ من غَيْر تعيين الفاضل على المفضول، لكن الإجماع على تفضيل أولي العزْم منهم. واختلف فيما بينهم، فقيل آدم لأنه أبو البشر. وقيل نوح، لأنه أول رسول بعث في الأرض. وقيل إبراهيم، لأنه خليل الله. وقيل موسى، لأنه كليم الله. وقيل عيسى، لأنه روح الله. والإجماع على أنَّ نبيّنا ومولانا محمد ﷺ سيدهم وإمامهم، والمبعوث إليهم، وإلى الملائكة، لا يختلف في هذا القول إلا جاحد ومَنْ لا خَلاَقَ لَه. فإن قلت: ما معنى قوله ﵇: " لا تفَضّلوني على يونس بن مَتى "؟ فالجواب أنه قال ذلك على وَجْه التواضع والانبساط، والتنبيه للمخاطب على أَلاّ يتعرض لأنبياء اللْهِ ورسله بالغَيْبة. أو قال ذلك قبل أن يعلم بفَضْلِه على سائر أنبيائه ورسله. وانظر كيف يكون حال مَنْ يتعرض بالنَّقْصِ لهم من هؤلاء القصَّاص

стр. 1051

والمؤرخين بنسبه الذَّنب لهم، كآدم، وداود، ويونس، وغيرهم، ورَضِيَ اللَه عن الإمام عليٍّ حيث يقول: "مَنْ حَدَّث بما يقول هؤلاء القصَّاص جلَدْته حدَّين لما ارتكب مِنْ صَرْف. ومن رفع الله محلّه هذا في الجملة، فكيف بمن تنقَّصَ أو عاب سيّدهم وإمامهم، والذي عليه مدار أمْرِهم. قال ﷺ : " كنت نبيئاً، وآدم بين الماءء والطين "، ويظهر لك تفضيله على أولي العزم من الرسل في قوله تعالى: (وإذ أخَذْنا من النبيّين ميثاقَهم ومِنْكَ ومِنْ نوح) ، فقدّمه على أولي العَزْم منهم، تنبيهاً لكَ على أنك لا تعلم حقيقته هنا، إنما يظهر كمال شرفه إذ يستشرف من شرف المحشر، فيشرف بالشفاعة، فآدم ومَنْ سِوَاه تحت لوائه، وكلهم يقول: نفسي نفسي، وهو صلى الله عليه يُسْلِم نفسه لصاحب النفس، ويقول: لا أسألُك نفسي ولا فاطمة ابنتي، وإنما أسألُكَ أُمَّتي، أُمَّتي يا مَنْ لا يخْلِف الميعاد. وقد وعدتني ألاَ تخْزِيني فيهم. فأقسم عليك يا سيد الأولين والآخرين بمن أعطاك هذه الكرامة والْمَنْزِلة الرفيعة، لا تَنسَ عَبدَك في ذلك اليوم العظيم، بل في الدنيا، ينْقذني مِنْ شرِّ هوَاي وشهوتي، ويُقبل بي عليه وعلى طاعته، ويستعملني في خدمته، ولست بأهلٍ لذلك، إن لم تكن نفحةٌ من بحر جودك، وإلاّ فأنا متعلق بذَيْلِك، متوستل لك بمدحك والصلاة عليك، وهي من أعظم الوسائل عندك، للَه دَرُّك من محبوب! ما أعْذَبَ ذِكْرك! كم غَرَّت غرتك من غِرّ جاء ليغرف عند مشاهدتك. قال: ما هذا وجه كذّاب، غاية جمال يوسف أن أفْتَنَ نسوةً، وجمالك قد أفتن الكونين، كم عاداك من عاد إليك، كل قلْب قَلاك فأقْلَبه القدَرُ فانقلب إليك، ما طاب عيش عباده الأنبياء حتى صليت بهم في صوامع السموات، ما جلا عروس رسالتك ليلةَ الإسراء على منصب قاب قوسين إلاّ ليعلم عُذَّال: (أتجعل فيها مَنْ يفْسِد فيها) ، ما حوت صدفة آدم من يتيمة الوجود، اجتمع في مدرسة درس رئيس الملائكة، يسأل ما الإسلام، وما الإيمان، وما الإحسان، ومِن خواص الجنّ من غلبهم التعجّب، فقالوا: (إنا سمِعْنا قرآناً عَجَباً) . ومن فضلاء الإنس من كان به الأنس كـ (ثَانِيَ اثنين إذْ هما في الغار) . إن كانت شمس

стр. 1052

السماء تظهر الظاهر فشمس شرْعك تُظهر الغيب. اتَقُوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله، إذا كان في النجوم هدى للسالك في السالك، فكم بنجوم آياتك من مهتدٍ إلى الحق. (فأماتَه الله مائةَ عامٍ ثم بعثه) : الضمير يعود على عزَير. وقيل: على الخضْر، وذلك أنه مرّ على قرية، وهي بيت المقدس لما خرَّبَها بخْت نَصّر، وقيل قرية الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فسأل عن كيفية إحيائهم، فأراه الله ذلك عياناً في نفسه، ليزدادَ بصيرة، وأماته مائةَ عام ثم بعثه، وذلك أنه أماته غدوة يومٍ، ثم بعثه قبل الغروب من يومِ آخر بعد مائة عام، فظنَّ أنه يوم واحد. ثم رأى بقيَّةً من الشمس، فخاف أن يَكذب، فقال: (يوماً أو بعض يوم) . وروي أنه قام شابًّا على حالته، فوجد أولاده وأولادهم شيوخاً. وكذلك قصة أصحاب الكهف، لما بعثهم قال بعضهم لبعض: (كم لبِثْتُم) . وكذلك يسألون في القيامة: (كم لبثتم) (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ) ، كل ذلك دلالة على أنَّ الدنيا كلها كثيرهاَ كقليلها، ولا يلبث الإنسان فيها إلا كنَفَس واحد. وهذا مشاهد، وليس الخبر كالعيان. (فلما تبَيَّن له) ، أي تبيَّنَ له كيفية الإحياء، فأراه الله في نفسه ذلك. ولذلك قال: (انظر إلى طعامِكَ وشرابك لم يتَسنَّه) ، أي يتغير. وانظر إلى حمارك كيف تركْتَه مربوطا بحبل من ليف، ولم يتغير. قال: (أعلم أن الله على كل شيء قدير) - بهمزة قطع وضم الميم - اعترافاً. وقرئ بألف وَصْل والجزم على الأمر، أي قال له الملك ذلك. فإن قلت: ما الحكمة في أنَّ عزيراً سأل الإحياء، فعاقبه، وإبراهيم سأل مثل ذلك فأجابه؟ فالجواب أن عزَيراً سأل عن القدرة، فقال: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا)

стр. 1053

وإِبراهيم سأل عن كيفية القدرة، فقال: (كيف تحيى الموتى) ، لأن قوله (أنى) بمعنى كيف، إذ لا يشكّ في الله في القدرة، فسؤاله إنما كان على جهة الاستخبار لا الإنكار، كما زعمه بعضهم. وقيل: إن إبراهيم عرف بالقلب، فأراد أن يرى بالعَيْن، وذلك أنه لما قال النمرود: (أنا أُحيي وأميت) ، فقتل رجلاً وأحيا آخر، فقال إبراهيم: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) ، لأني أعلم أنه ليس فعلك كفعله، فأراه الله ذلك في أربعةٍ من الطير، وفَرَّق أجزاءَها، وجعل جزءاً من الحمام مع جزءٍ من الدّيك، وخلط بعضَها مع بعض، ليكون أبلغ في القدرة حيث رجع كلّ جزء إِلى صاحبه، فاطمأنّ قلْبُه كما طلب، ولهذا كانت هذه الطير طير العبرة، وطير المحنة الطاوس الذي كان سبب خروج آدم من الجنة. وطير التجربة الحمار الذي كان لنوح في السفينة حتى دخل إبليس بين قوائمه. وطير الفتنة لداود حيث تسوّرَ له في المحراب. وطير الهلكة لسليمان. وطير الحجة لعيسى حيث صوَّره من طين، ونفخ فيه، فصار طائراً بإذن الله. وطير الكرامة لمحمد ﷺ . وطير اللعنة للنمرود حيث دخل في خياشيمه وهي البعوض، وأمهله ثلاثةَ أيام، لعله يتوب. وطير الهلكة للحبشة لما أرادوا هَدْم الكعبة، فأرسل الله عليهم طَيراً أَبَابِيل تَرميهم بحجارة من سِجِّيل، على كل واحد اسم صاحبه. وطير المعرفة للعارفين يطير حتى يتعلق بالمولى سبحانه (١) . (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) . أي إن لم تنتهوا عن الربا حورِبْتم. ومعنى (فَأْذَنُوا) : فاعلموا. وقرئ بالمد، أي أعْلِموا غيركم. (فاكْتُبوه) : ذهب قوم إلى أنَ كتابةَ الدَّيْن واجبة بهذه الآية. وقال قوم: إنها منسوخةٌ بقوله: (فإنْ أمِنَ بعضكم بعضاً) . وقال قوم: إنها على الندب. (فرَجلٌ وامْرَآتان) : قال قوم: لا تجوز شهادةُ المرأتين إلاَّ مع عدم الرجال.

стр. 1054

وقالوا: معنى الآية: (إن لم يكونا) ، أي لم يوجدا. وأجازه الجمهور، لأن المعنى إن لم يستشهد رجلان فرجل وامرأتان، وارتفاع رَجل بفعل مضمر، تقديره فليكن رجلٌ، فهو فاعل. أو تقديره فليستشهد رجل، فهو مفعول لم يسمَّ فاعله، أو بالابتداء، تقديره: فرجل وامرأتان يشهدون. (فإنّه فسوقٌ بكم) . أي إن وقعتم في الإضرار المتقدّم في قوله: (ولا يُضَارَّ كاتِبٌ ولا شَهيد) . (فرِهَانٌ مَقْبُوضَة) : بهذا احتجّ الشافعيّ على صحة الرهن. واحتج مالك بأنه شرط كمالٍ. وأجمع العلماء على صحة قبض المرتهن وقبض وكيله. وأجاز الجمهور وَضْعه على يد عدل. (فإنْ أَمِنَ بعضُكم بَعْضاً) . أي أمن صاحب الحق المَدِين لحسن ظنه به، فليستَغْن عن الكتابة، وعن الرهن، فأمر أوّلاً بالكتابة ثم بالرهن، تم بالائتمان، فالدين ثلاثة أحوال. ثم أمر المَدِين بأداء الأمانة، ليكون عند ظن صاحبه به. (فإنه آثِم قَلْبُه) : معناه قد تعلّق به الإثم اللاحق عن المعصية في كِتمان الشهادة، وارتفع آثم بأنه خَبَرُ إن، وقلبه فاعل به. ويجوز أن يكون (قَلْبُه) مبتدأ و (آثم) خبره. وإنما أسند الإثم إلى القلب وإن كانت جملة المكاتم هي الآثمة، لأن الكتمان من فعل القَلْب، إذ هو يضمرها، ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان. (فيَغفر لِمَنْ يشاء ويعذِّبُ مَنْ يَشَاء) : قرئ بالجزم فيهما عطفاً على (يحاسبكم) ، وبرفعهما على تقدير فهو يَغفر. (فَإِنْ حَاجُّوكَ) ، أي جادَلُوك. والضمير يعود على نصارى نَجْران، أو اليهود. (فإنما عليكَ البَلاَغ) ، أي إنما عليك تبليغُ رسالة ربّك، فإذا بلَغتها فعلْتَ ما عليك. وقيل إنها موادعة منسوخة بالسيف.

стр. 1055

(فتقَبَّلَها رَتها بقَبُول حَسَن) : الضمير يعود على مريم. وفيه وجهان: أحدهما - أن يكون مصدرا على غير الضمير. والآخر - أن يكون اسماً لا يقبّل به، كالسَّعوط اسم لما يستَعط به، يعني أن اللَه رضِيها للمسجد مكان الذَّكَر، لأنها قالت: (إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) ، يعني لخدمته. (فأنْفُخ فيه فيكون طائراً بإذْن الله) ، وقرئ (طيْراً) بياء ساكنة على الجمع. قيل: هو الَخفّاش، لأنه أكمل الطير خَلْقاً، ولها أسنان وثَدي، وهي تَحيض. قال وهب: كان يطير ما داموا ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ليعلم أن الكمال للهِ تعالى، وأنَّ فِعْلَ الخالق مخالفٌ لفعل المخلوق. وذكر: (بإذن الله) ، ليرفَعَ وَهْمَ من توهَّم في عيسى الربوبية. وأراد على قراءة نافع بالألف النوع. فإن قلت: ما وَجْهُ تذكير الضمير هنا وتأنيثه في المائدة في قوله: (فتنفخ فيها) ، وهل يجوز أن يكون كلّ واحد منهما مكان الآخر؟ والجواب أنه أنّث الضمير في المائدة، لأنه يعود على الهيئة، وذَكَره هنا، لأنه يعود على الطير، أو على الكاف من (كهيئة) ، وإنما خصّه بالتذكير هنا، لأنه إخبار قبل الفعل، وفي المائدة خطاب الله له في القيامة. قال الزمخشري: في الأولى الضمير للكاف، أي في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير، فيكون طيرا، أي فيصير طيرا كسائر الطيور. وقال في قوله: (فتنفخ فيها) الضمير للكاف، لأنها صفة الهيئة التي يخلقها عيسى، وينفخ فيها، ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها، لأنها ليست من خلقه ولا نفْخِه في شيء. قال: وكذلك الضمير في تكون. . . انتهى كلامه. وهو في غاية الوضوح. (فَوْرهم) : الضمير للملائكة، أي من ساعتهم. وقيل المعنى من شَرِّهم (١) . والمعنى أنَّ الله أمدَّ المسلمين بهذا العدد، ليزيدهم قوة.
следующие страницы →