← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1417

معترك الأقران في إعجاز القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (1 547 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

والمؤرخين بنسبه الذَّنب لهم، كآدم، وداود، ويونس، وغيرهم، ورَضِيَ اللَه عن الإمام عليٍّ حيث يقول: "مَنْ حَدَّث بما يقول هؤلاء القصَّاص جلَدْته حدَّين لما ارتكب مِنْ صَرْف. ومن رفع الله محلّه هذا في الجملة، فكيف بمن تنقَّصَ أو عاب سيّدهم وإمامهم، والذي عليه مدار أمْرِهم. قال ﷺ : " كنت نبيئاً، وآدم بين الماءء والطين "، ويظهر لك تفضيله على أولي العزم من الرسل في قوله تعالى: (وإذ أخَذْنا من النبيّين ميثاقَهم ومِنْكَ ومِنْ نوح) ، فقدّمه على أولي العَزْم منهم، تنبيهاً لكَ على أنك لا تعلم حقيقته هنا، إنما يظهر كمال شرفه إذ يستشرف من شرف المحشر، فيشرف بالشفاعة، فآدم ومَنْ سِوَاه تحت لوائه، وكلهم يقول: نفسي نفسي، وهو صلى الله عليه يُسْلِم نفسه لصاحب النفس، ويقول: لا أسألُك نفسي ولا فاطمة ابنتي، وإنما أسألُكَ أُمَّتي، أُمَّتي يا مَنْ لا يخْلِف الميعاد. وقد وعدتني ألاَ تخْزِيني فيهم. فأقسم عليك يا سيد الأولين والآخرين بمن أعطاك هذه الكرامة والْمَنْزِلة الرفيعة، لا تَنسَ عَبدَك في ذلك اليوم العظيم، بل في الدنيا، ينْقذني مِنْ شرِّ هوَاي وشهوتي، ويُقبل بي عليه وعلى طاعته، ويستعملني في خدمته، ولست بأهلٍ لذلك، إن لم تكن نفحةٌ من بحر جودك، وإلاّ فأنا متعلق بذَيْلِك، متوستل لك بمدحك والصلاة عليك، وهي من أعظم الوسائل عندك، للَه دَرُّك من محبوب! ما أعْذَبَ ذِكْرك! كم غَرَّت غرتك من غِرّ جاء ليغرف عند مشاهدتك. قال: ما هذا وجه كذّاب، غاية جمال يوسف أن أفْتَنَ نسوةً، وجمالك قد أفتن الكونين، كم عاداك من عاد إليك، كل قلْب قَلاك فأقْلَبه القدَرُ فانقلب إليك، ما طاب عيش عباده الأنبياء حتى صليت بهم في صوامع السموات، ما جلا عروس رسالتك ليلةَ الإسراء على منصب قاب قوسين إلاّ ليعلم عُذَّال: (أتجعل فيها مَنْ يفْسِد فيها) ، ما حوت صدفة آدم من يتيمة الوجود، اجتمع في مدرسة درس رئيس الملائكة، يسأل ما الإسلام، وما الإيمان، وما الإحسان، ومِن خواص الجنّ من غلبهم التعجّب، فقالوا: (إنا سمِعْنا قرآناً عَجَباً) . ومن فضلاء الإنس من كان به الأنس كـ (ثَانِيَ اثنين إذْ هما في الغار) . إن كانت شمس

стр. 1052

السماء تظهر الظاهر فشمس شرْعك تُظهر الغيب. اتَقُوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله، إذا كان في النجوم هدى للسالك في السالك، فكم بنجوم آياتك من مهتدٍ إلى الحق. (فأماتَه الله مائةَ عامٍ ثم بعثه) : الضمير يعود على عزَير. وقيل: على الخضْر، وذلك أنه مرّ على قرية، وهي بيت المقدس لما خرَّبَها بخْت نَصّر، وقيل قرية الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فسأل عن كيفية إحيائهم، فأراه الله ذلك عياناً في نفسه، ليزدادَ بصيرة، وأماته مائةَ عام ثم بعثه، وذلك أنه أماته غدوة يومٍ، ثم بعثه قبل الغروب من يومِ آخر بعد مائة عام، فظنَّ أنه يوم واحد. ثم رأى بقيَّةً من الشمس، فخاف أن يَكذب، فقال: (يوماً أو بعض يوم) . وروي أنه قام شابًّا على حالته، فوجد أولاده وأولادهم شيوخاً. وكذلك قصة أصحاب الكهف، لما بعثهم قال بعضهم لبعض: (كم لبِثْتُم) . وكذلك يسألون في القيامة: (كم لبثتم) (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ) ، كل ذلك دلالة على أنَّ الدنيا كلها كثيرهاَ كقليلها، ولا يلبث الإنسان فيها إلا كنَفَس واحد. وهذا مشاهد، وليس الخبر كالعيان. (فلما تبَيَّن له) ، أي تبيَّنَ له كيفية الإحياء، فأراه الله في نفسه ذلك. ولذلك قال: (انظر إلى طعامِكَ وشرابك لم يتَسنَّه) ، أي يتغير. وانظر إلى حمارك كيف تركْتَه مربوطا بحبل من ليف، ولم يتغير. قال: (أعلم أن الله على كل شيء قدير) - بهمزة قطع وضم الميم - اعترافاً. وقرئ بألف وَصْل والجزم على الأمر، أي قال له الملك ذلك. فإن قلت: ما الحكمة في أنَّ عزيراً سأل الإحياء، فعاقبه، وإبراهيم سأل مثل ذلك فأجابه؟ فالجواب أن عزَيراً سأل عن القدرة، فقال: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا)

стр. 1053

وإِبراهيم سأل عن كيفية القدرة، فقال: (كيف تحيى الموتى) ، لأن قوله (أنى) بمعنى كيف، إذ لا يشكّ في الله في القدرة، فسؤاله إنما كان على جهة الاستخبار لا الإنكار، كما زعمه بعضهم. وقيل: إن إبراهيم عرف بالقلب، فأراد أن يرى بالعَيْن، وذلك أنه لما قال النمرود: (أنا أُحيي وأميت) ، فقتل رجلاً وأحيا آخر، فقال إبراهيم: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) ، لأني أعلم أنه ليس فعلك كفعله، فأراه الله ذلك في أربعةٍ من الطير، وفَرَّق أجزاءَها، وجعل جزءاً من الحمام مع جزءٍ من الدّيك، وخلط بعضَها مع بعض، ليكون أبلغ في القدرة حيث رجع كلّ جزء إِلى صاحبه، فاطمأنّ قلْبُه كما طلب، ولهذا كانت هذه الطير طير العبرة، وطير المحنة الطاوس الذي كان سبب خروج آدم من الجنة. وطير التجربة الحمار الذي كان لنوح في السفينة حتى دخل إبليس بين قوائمه. وطير الفتنة لداود حيث تسوّرَ له في المحراب. وطير الهلكة لسليمان. وطير الحجة لعيسى حيث صوَّره من طين، ونفخ فيه، فصار طائراً بإذن الله. وطير الكرامة لمحمد ﷺ . وطير اللعنة للنمرود حيث دخل في خياشيمه وهي البعوض، وأمهله ثلاثةَ أيام، لعله يتوب. وطير الهلكة للحبشة لما أرادوا هَدْم الكعبة، فأرسل الله عليهم طَيراً أَبَابِيل تَرميهم بحجارة من سِجِّيل، على كل واحد اسم صاحبه. وطير المعرفة للعارفين يطير حتى يتعلق بالمولى سبحانه (١) . (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) . أي إن لم تنتهوا عن الربا حورِبْتم. ومعنى (فَأْذَنُوا) : فاعلموا. وقرئ بالمد، أي أعْلِموا غيركم. (فاكْتُبوه) : ذهب قوم إلى أنَ كتابةَ الدَّيْن واجبة بهذه الآية. وقال قوم: إنها منسوخةٌ بقوله: (فإنْ أمِنَ بعضكم بعضاً) . وقال قوم: إنها على الندب. (فرَجلٌ وامْرَآتان) : قال قوم: لا تجوز شهادةُ المرأتين إلاَّ مع عدم الرجال.

стр. 1054

وقالوا: معنى الآية: (إن لم يكونا) ، أي لم يوجدا. وأجازه الجمهور، لأن المعنى إن لم يستشهد رجلان فرجل وامرأتان، وارتفاع رَجل بفعل مضمر، تقديره فليكن رجلٌ، فهو فاعل. أو تقديره فليستشهد رجل، فهو مفعول لم يسمَّ فاعله، أو بالابتداء، تقديره: فرجل وامرأتان يشهدون. (فإنّه فسوقٌ بكم) . أي إن وقعتم في الإضرار المتقدّم في قوله: (ولا يُضَارَّ كاتِبٌ ولا شَهيد) . (فرِهَانٌ مَقْبُوضَة) : بهذا احتجّ الشافعيّ على صحة الرهن. واحتج مالك بأنه شرط كمالٍ. وأجمع العلماء على صحة قبض المرتهن وقبض وكيله. وأجاز الجمهور وَضْعه على يد عدل. (فإنْ أَمِنَ بعضُكم بَعْضاً) . أي أمن صاحب الحق المَدِين لحسن ظنه به، فليستَغْن عن الكتابة، وعن الرهن، فأمر أوّلاً بالكتابة ثم بالرهن، تم بالائتمان، فالدين ثلاثة أحوال. ثم أمر المَدِين بأداء الأمانة، ليكون عند ظن صاحبه به. (فإنه آثِم قَلْبُه) : معناه قد تعلّق به الإثم اللاحق عن المعصية في كِتمان الشهادة، وارتفع آثم بأنه خَبَرُ إن، وقلبه فاعل به. ويجوز أن يكون (قَلْبُه) مبتدأ و (آثم) خبره. وإنما أسند الإثم إلى القلب وإن كانت جملة المكاتم هي الآثمة، لأن الكتمان من فعل القَلْب، إذ هو يضمرها، ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان. (فيَغفر لِمَنْ يشاء ويعذِّبُ مَنْ يَشَاء) : قرئ بالجزم فيهما عطفاً على (يحاسبكم) ، وبرفعهما على تقدير فهو يَغفر. (فَإِنْ حَاجُّوكَ) ، أي جادَلُوك. والضمير يعود على نصارى نَجْران، أو اليهود. (فإنما عليكَ البَلاَغ) ، أي إنما عليك تبليغُ رسالة ربّك، فإذا بلَغتها فعلْتَ ما عليك. وقيل إنها موادعة منسوخة بالسيف.

стр. 1055

(فتقَبَّلَها رَتها بقَبُول حَسَن) : الضمير يعود على مريم. وفيه وجهان: أحدهما - أن يكون مصدرا على غير الضمير. والآخر - أن يكون اسماً لا يقبّل به، كالسَّعوط اسم لما يستَعط به، يعني أن اللَه رضِيها للمسجد مكان الذَّكَر، لأنها قالت: (إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) ، يعني لخدمته. (فأنْفُخ فيه فيكون طائراً بإذْن الله) ، وقرئ (طيْراً) بياء ساكنة على الجمع. قيل: هو الَخفّاش، لأنه أكمل الطير خَلْقاً، ولها أسنان وثَدي، وهي تَحيض. قال وهب: كان يطير ما داموا ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ليعلم أن الكمال للهِ تعالى، وأنَّ فِعْلَ الخالق مخالفٌ لفعل المخلوق. وذكر: (بإذن الله) ، ليرفَعَ وَهْمَ من توهَّم في عيسى الربوبية. وأراد على قراءة نافع بالألف النوع. فإن قلت: ما وَجْهُ تذكير الضمير هنا وتأنيثه في المائدة في قوله: (فتنفخ فيها) ، وهل يجوز أن يكون كلّ واحد منهما مكان الآخر؟ والجواب أنه أنّث الضمير في المائدة، لأنه يعود على الهيئة، وذَكَره هنا، لأنه يعود على الطير، أو على الكاف من (كهيئة) ، وإنما خصّه بالتذكير هنا، لأنه إخبار قبل الفعل، وفي المائدة خطاب الله له في القيامة. قال الزمخشري: في الأولى الضمير للكاف، أي في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير، فيكون طيرا، أي فيصير طيرا كسائر الطيور. وقال في قوله: (فتنفخ فيها) الضمير للكاف، لأنها صفة الهيئة التي يخلقها عيسى، وينفخ فيها، ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها، لأنها ليست من خلقه ولا نفْخِه في شيء. قال: وكذلك الضمير في تكون. . . انتهى كلامه. وهو في غاية الوضوح. (فَوْرهم) : الضمير للملائكة، أي من ساعتهم. وقيل المعنى من شَرِّهم (١) . والمعنى أنَّ الله أمدَّ المسلمين بهذا العدد، ليزيدهم قوة.

стр. 1056

فإن كان في يوم بَدْر فقد قاتلت فيه الملائكة، وإن كان في يوم أحد فقد شرط أن تصبروا وتتقوا، فلما خالفوا الشرط لم تنزل الملائكة. (فما وهَنوا) ، الضمير للربيين على إسناد القتل للنبىء، وهو لمن بغى منهم على إسناد القتل إليهم. (فأثابَكمْ غَمًّا بغَمٍّ) ، أي جازاكم غَمًّا بسبب الغم الذي أدخلتموه على رسول اللَه ﷺ وعلى المؤمنين، إذ عصيتم وتنازَعتم. وقيل: أثابكم غمّاً متصلاً بغم، وأَحَد الغَمَّين ما أصابهم من القتل والجراح، والآخر ما أرجف من قَتْل رسول الله ﷺ . (فَشَلْتم) : أي جَبنْتم. (فَزَادهم) : الفاعل ضمير القول، وهو أنَ الناس قد جمعوا لكم. والصحيح أَن الإيمان يزيد وينقص، فمعناه هنا قَوَّى إيمانهم وثقتهم بالله. (فانقلبوا) ، أي رجعوا بنعمة السلامة وفَضْل الأجْر. (فلا تَخَافوهم وخافونِ) : يعني أنَّ الشيطان يخوِّفُ أولياءَه فيخوفونكم أيها المؤمنون، فلا تخافوهم. وقراءة ابن عباس وابن مسعود: يخوفكم أولياءه. وقيل المعنى: يخوف المنافقين، وهم أولياؤه من كفّار قريش، فالمفعول الثاني على هذا محذوف. (فلا تحسبنّهم) : بالتاء وفتح الباء خطاباً للنبي ﷺ وبالياء وضمّ الباء، أسند الفعل للذين يفرحون، أي لا يحسبون أنفسهم. (فإن آنسْتم منهم رشداً) : الخطاب لأولياء الأيتام أن يدفَعوا إليهم أموالَهم إذا رشدوا، وهو المعرفة بمصالحه وتدبير ماله، وإن لم يكن من أهل الدّين. واشترط قومٌ الدين، واعتبر مالك البلوغَ والرشد. وحينئذ يدفع المال. واعتبر أبو حنيفة البلوغ وحده ما لم يظهر سفَه. وقوله مخالف للقرآن.

стр. 1057

(فَليَسْتَعْفف) : أمر الوصيَّ الغنِيَّ أن يستعفف عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئاً، وإنْ كان فقيراً فليأكل بالمعروف من غير إسراف. وقيل: المراد أن يكون له أجرة بقَدرِ عمله وخدمته. وقيل نسخها: (إن الذينَ يأْكلُونَ أموالَ اليتامى ظُلْماً) . قال عمر بن الخطاب: لا بأس للوصيّ الفقير أن يستسلف من مال محجور له، فإذا أيسر ردَّه. (فانْكحوا ما طابَ لكم من النساءِ) ، أي ما حلّ. وإنما قال " ما " ولم يقل " من "، لأنه أراد الجنس. وقال الزمخشري: لأن الإناث من العقلاء يجري مجرى غير العقلاء، ومنه قوله تعالى: (أو ما ملكَتْ أيْمَانُكم) . (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤) . إباحة للأزواج أو للأولياء على ما تقدم من الخلاف - أن يأخذوا ما دفعه النساء من صدقاتهن عن طِيبِ أنفسهن. وقد قال بعضهم: مَنْ أصابه ألم فليأخذ مِنْ صَدَاق زوجه أربعةَ دراهم، ويشتري بدرهمين عسلاً وبدرهمين زيتاً ويشربها بماء مطر، فإن الله يعافيه، لأن الله قال في الزيت مباركاً، وفي المطر مباركا، وفي العسل شفاء، وفي الصداق الهناء -. وإن أضاف إليها آيةً من كتاب الله ففيه الشفاء أيضاً. (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً) ، إنما أنّثَ ضمير الجماعة في (كن) ، لأنه قصد الإناث. وأصله أن يعود على الأولاد، لأنه يشمل الذكور والإناث. وقيل: يعود على المتروكات. وأجاز الزمخشري أن تكون كان تامة، والضمير مبْهَم، ونساء تفسير. (فوق اثنَتَين) : ظاهره أكثر من اثنتين، ولذلك جمع على أن للثلاث فما فوقهن الثلثين، وأما البنتان فاختلف فيهما، فقال ابن عباس: لهما النصف كالبنت الواحدة. وقال الجمهور: لهما الثلثان. وتأولُوا فوق اثنتين فما فوقهما. وقال قوم: إن فوق زائدة كقوله: (فاضرِبوا فوق الأعناق) .

стр. 1058

وهذا ضعيف. وقال قوم: إنما وجب لهما الثلثان بالسنّة لا بالقرآن. وقيل بالقياس على الأختين. (فلها النصف) : نصّ على أنَّ للبنت النصف إذا انفردت، ودليلٌ على أن للابن جميعَ المال إذا انفرد، لأن للذكر مثل حظّ الأنثيين. (فلأمه الثلث) : لم يجعل الله للأم الثلث إلا بشرطين: أحدهما عدم الولد. والآخر إحاطة الأبوين بالميراث، ولذلك دخلت الواو لِتَعْطِفَ أحدَ الشرطين على الآخر. وسكت عن حظ الأب استغناء بفهمه، لأنه لا يبقى بعد الثلث إلا الثلثان ولا وارث إلا الأبوان، فاقتضى ذلك أنَ الأب يأخذ بقيّته وهو الثلثان. (فإن كان له إخوة فلأمَه السّدس) : أجمع العلماء على أن ثلاثة من الإخوة يردّونَ الأم إلى السدس. واختلفوا في الإثنين، فمذهب الجمهور أنهما يردانها إلى السدس. ومذهب ابن عباس أنهما لا يردانها إليه، بل هما كالأخ الواحد. وحجَّته أنَّ لفْظَ الإخوة لا يقع على الإثنين، لأنه جمعٌ لا تثنية. وأقلّ الجمع ثلاثة. وقال غيره: إن لفظ الجمع قد يقَع على الإثنين، كقوله: (وكُنا لِحكمِهِم شاهِدين) . و (تسوَّروا المحراب) . (وأطرَاف النهار) . واحتجوا بقوله ﷺ : " الاثنان فصاعدا جماعة ". وقال مالك: مضت السنة أن الإخوة اثنان فصاعداً. ومذهبه أن أقلّ الجمع اثنان، فعلى هذا يحجب الأخَوان فصاعداً الأم عن الثلث إلى السدس، سواء كانا شقيقين، أو لأب، أو لأم، أو مختلفين، وسواء كانا ذَكَرَيْن أو أنثيين، أو ذكراً وأنثى، فإن كان معهما أبٌ ورث بقية المال، ولم يكن للإخوة شيء عند الجمهور، فهم يحجبون الأمَّ ولا يرثون. وقال قوم: يأخذون السدس الذي حَجَبوا عنه الأم، وإن لم يكن أب ورثوا.

стр. 1059

(فهم شرَكاء في الثّلث) : يعني إن كان الإخوةُ للأم اثنين فأكثر فلهم الثلث بالسواء بين الذكر والأنثى، لأن قوله: (شركاء) يقتضي التسوية بينهم، ولا خلاف في ذلك. ولما وقع النزاع بين فَقِيهَيْنِ في أقل الجمع، هل هو اثنان أو ثلاثة، رأى أحدهما رسولَ الله ﷺ فاشتكى إليه، فقال ﷺ : كلّ منكم مصيبٌ، فإن أقلً جمع التثنية اثنان. وأقل جَمْع الإفراد ثلاثة. فانظر كيف أَرضماهما ظولف بقوله. (فاستَشْهِدوا عليهنَّ أربعةً منكم) ، إنما جعل شهداء الزنى أربعة تغليظاَ على المدعي، وسَتْرًا على عباده، ولذا قال ﷺ : "هَلاَّ سترتَه بردائك". وفي حديث آخر: "من ابتلي بشيء من هذه القاذورات فليستترْ عنا بستر الله، ومن أبدى لنا صَفْحَة وجهه أقمنا عليه الحدَّ". وقيل: ليكون شاهدان على كل واحد من الزانيين. (فأَمسكوهن في البيوت) : كانت عقوبةُ الزنى الإمساك في البيوت، تم نُسخ ذلك بالإيذاء المذكور والتوبيخ. وقيل إن الإمساك في البيوت للنساء، والإيذاء للرجال، فلا نَسخ بينهما. ورجَّحه ابن عطية والزمخشري وابن الغرس بقوله في الإمساك: من نسائكم، وفي الإيذاء: منكم، ثم نسخ الإمساك والإيذاء بالرجم للمحصَن، وبالجلد لغير المحصَن. واستقر الأمرُ على ذلك،فأما الجلد فمذكور في سورة النور، وآما الرجم فقد كان في القرآن ثم نسخ لفظه، وبَقِي حكمه. وقد رجم ﷺ ماعزاً الأسلمي وغيره. (فأَعرِضوا عنهما) : لما أمر بالإيذاء للزاني أمر بالإعراض عنه إذا تاب، وهو تَركُ الإيذاء، وفيه ترجية للتائب. وقد أخبرنا الله في أربع آيات من كتابه أنه يتوب على المؤمنين، قال تعالى: (لقد تاب الله على النبي) . (ويتوبَ اللَهُ على المؤمنين) . (والله يريد أن يتوبَ عليكم) . (إنما التوبة على الله) . وأخبرنا في ثلاث آيات أنه يقبل توبتهم،

стр. 1060

قال تعالى: (ألم يعلموا أن اللهَ هو يَقْبَل التوبةَ عن عباده) . (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) . (وقابل التَّوْبِ) . وذكر لنا أنه يغفر لهم في ثلاث آيات، قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) . و (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) . (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) . وأخبرنا في آيتين أنا إنْ رجَعْنا إليه قَبلنا، قال تعالى: (وأنِيبوا إلى رَبكم) . وقال: (فَفِرُّوا إلى اللهِ) . وقد قدمنا أن في هاتين الآيتين إشارةً إلى فلاح التائب ومحبته له. وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) . فقدم محبةَ التائب على التطهر، وما ذلك إلآ أنَ التائبَ تقَع ندامته واستغفاره، وطلب العذْر والدعاء من مولاه، ولذلك كان المعصوم على الإطلاق يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم أكثر من مائة مرة. وقال الصحابي: إنْ كُنّا لنعدّ لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد: رب اغفر لي وتُبْ عليَّ - أكثر من سبعين مرة، فكيف بك أنها الغَرِيقُ! ولا يخلصك من ذلك إلا بكثرة الاستغفار، والصلاة على النبي المختار ﷺ ، فإنهما يَمْحَقان الذنوب مَحْقاً. قال ﷺ : " التائب من الذنب كمن لا ذَنْبَ له ". وإذا لأَمًلْتَ الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، تجد فيها محبةَ الله للتائب والمستغفر، ألا ترى أن اللَهَ قدّمه في آيات من كتابه، كقوله تعالى: (التّائبُون العابِدُون الحامدون) . (فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مُقْتَصِد) . وفي الحديث: " طُوبَى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً ". وقد قرن اللهُ صحبةَ التائبين مع الصابرين، والمجاهدين والمحسنين. والمتوكلين والْمُتَقين والمقاتلين في سبيله، والمتّبعين لنبيه، فما أشرفَها من خصلة إن وفَّقَك الله إليها! ويا لها من نعمة يجب عليك شكرُها! وكيف لا تشكره عليها

стр. 1061

والشكر نعمةٌ أخرى، لكنه سبحانه يعطي الكثير، ويَرْضى باليسير. ، فاللسان ترجمان القلب. ولو جعل الله في قلبك رؤية هذه النعم لحركته فما يدفَع عنك النَقَم، أعجبتكَ نفسك، فرضيت أفعالها! ألم تعلم أنَّ أصْل كلِّ معصية الرضا عن النفس. سرحت لسانك في أعراض إخوانك، وهل خلقه لك إلا لتسبِّحه، أو تذكر نِعَمه، أو تستغفر من ذنوبك الصادرة منك! فإنّا للَه وإنّا إليه راجعون على مصابنا وعدم اهتبالنا بما كسبته جوارِحُنا، نسأله سبحانه السلامة والعافيةَ في ديننا ودنيانا، بجاه نبينا وحبيبنا. (فاحشة ومَقْتاً) . قد قدمنا أن الفاحشةَ معناها الزنى، وزاد في هذه الآية (مَقْتاً) ، لأنَ تزوّجَ الرجل زوجة أبيه أشدّ من الزنى. (فَتَيَاتكم المؤمنات) : هنَّ الإماء. ويجوز نكاحهن إذا لم يجد طَوْلاً للمحصنات. (فانكحوهنَّ بإذْن أهلهن) ، أي ساداتهنَّ المالكين لهن. (فإذا أُحْصِنَّ) . معناها إذا زنت الأمَة بعد أن أحصنت فعليها نصف حدّ الحرة. (فَتِيلا) : هو الخيط الذي في شقّ نواة التمرة. وقيل: ما يخرج بين إصبعيك وكفّيك إذا فتلتهما، وهو تمثيل وعبارة عن أقل الأشياء، فيدل على الأكثر بطريق الأولى. (فَردوه إلى الله والرسول) : الردُّ إلى الله هو النظر في كتابه. والرد إلى الرسول هو سؤائه في حياته، والنظر إلى سنَّته بعد وفاته. (فَمِنْهمْ مَنْ آمَن به) . معناها أنَّ مِنَ اليهود مَنْ آمن بالنبي ﷺ ، أو بالقرآن المذكور في قوله: (مصدّقاً لما معكم) . أو بما ذكر من حديث إبراهيم. فهذه الضمائر في (به) . وقيل منهم، أي من آل إبراهيم، ومنهم من كفر كقوله: (فمنهم مهْتَدٍ وكثير منهم فاسقون)

стр. 1062

(فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) . معناها: كيف يكون حالُهم إذا عاقبهم الله بذنوبهم، ويقولون: لم نرد إلا مُوافَقتك يا محمد، مع أنهم كاذبون في قولهم، فانظر هذه الملاطفة الواقعة مِنْ أمْرِ اللَه لرسوله في شأنهم. (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) : لا هنا مؤكدة للنفي الذي بعدها. ومعنى الآية أنهم لا يؤمنون حتى يرضوا بحكم النبي ﷺ . ونزلت بسبب المنافقين الذين تخاصموا. وقيل بسبب خصام الزبير مع الأنصاريّ في الماء الذي قال لرسول الله ﷺ : " أن كان ابن عمتك ". وحكمها عام. (فأولئك مع الَّذِين أَنْعَمَ اللَّهُ عليهم.. .) . أشار بها إلى أنَّ مَنْ أطاع الله ورسوله يحشر معهم. وهي مفسرة لقوله: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) . (فانْفِروا ثُبَاتٍ) ، أي اخرجوا للجهاد جماعات متفرقين، أو جماعات. وفيها إشارةٌ إلى السرايا، وأنَ مَنْ خرج بها فهو كالمجاهد، ولا يُقال إنَّ المجاهد لا يكون إلاَّ مع الإمام، وقد صحّ أنه ﷺ قال: " لولا أن أشقّ على أمتي ما قعدْتُ خِلاَف سَرِيّة ". وقد كان ﷺ يبعث السرايا ويحرِّض عليها. وقد وصف من تخلّف عنها بأنه من المسْتهزئين. (فبما نَقْضِهم ميثاقَهم) : (ما) زائدة للتأكيد، والباء تتعلق بمحذوف تقديره: بسبب نقضهم فعلنا ما فعلنا، والباء تتعلق بقوله: (حَرَّمْنَا عليهم) ، ويكون (فبِظُلمٍ) على هذا بدلاً من قوله (فبما نَقْضِهم) . (فآمِنُوا خَيراً لكم) : انتصب (خيراً) هنا، وفي قوله: (انتهوا خيراً لكم) - بفعل مضمر تقديره: وأْتُوا إيماناً خيراً لكم. هذا مذهب سيبويه، وعلى هذا فنصبُه على النعت لمصدر محذوف. وقال بعض الكوفيين: هو خبر كان المحذوفة، تقديره يكن الإيمان خيراً لكم.

стр. 1063

(فمن اضْطرَّ) : راجع إلى المحرمات المذكورة قَبْلَ هذا: أباحها اللَّهُ عند الاضطرار. (فاغْسِلوا وجوهَكم وأَيدِيَكُمْ إلى المرافق) : ذكر الله في هذه الآية صفةَ الوضوء، وذكر فيها أربعة أعضاء: اثنان محدودان وهما اليدان والرجلان، واثنان غير محدودَيْن وهما الوجه والرأس. فأما الحدودان فتغسل اليدان إلى المرفقين، والرِّجلان إلى الكعبين وجوباً بإجماع، فإنَّ ذلك الحد هو الذي جعل الله لهما. واختلف هل يجب غسل المرفقين مع اليدين وغسل الرجلين مع الكعبين أم لا، وذلك مبني على معنى إلى، فمن جعل إلى بمعنى مع في قوله: (إلى المرافق) و (إلى الكعبين) - أوجب غسلهما، ومن جعلها بمعنى الغاية لم يوجب غَسْلهما. واختلف في الكعبين: هل هما اللذان عند معقد الشِّراك لذكرهما بلفظ الجمع، كما ذكر المرافق، لأنه على ذلك في كل رجل كعب واحد. وأما غير المحدودين فاتّفق على وجوب إيعاب الوَجه، وحَدّه طولا مِنْ أَوَّل منابت الشعر إلى آخر الذقن واللحية، وحدّه عَرْضاً من الأذن إلى الأذن. وقيل من العِذار إلى العِذَار. وأما الرأس فمذهب مالك وجوب إيعابه كالوجه. ومذهب كثير من العلماء جواز الاقتصار على بعضه، لما روي في الحديث أن رسولَ الله ﷺ مسح على ناصيته، ولكنهم اختلفوا في القَدْرِ الذي يجزئ على أقوال كثيرة. وسِرّ الأمر في غسْل هذه الأعضاء في الوضوء أن الله أكرم هذه الأمة في الجنة بالخواتم والخلاخل والأسورة والتِّيجان والنظر إلى الله، فأمرهم بغسل هذه الأعضاء، ليطهرهم من الذنوب الواقعة منها، فيلقوه ولا ذَنْب عليهم، ولذلك قال ﷺ : " إني لأعرف أمتي يومِ القيامة، لأنهم غرّ محجلون من آثار الوضوء ". فلا يحافظ عليه إلا مؤمن، لأن مفتاحَ الجنّة لا إله إلا الله، ومفتاح الصلاة

стр. 1064

الوضوء: قال الله تعالى: (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) . فانظر كيف سوَّاهم مع رسول الله، لقوله: (إنما يريد الله ليذْهِبَ عنكم الرِّجْسَ أَهلَ البَيت) . (ويتم نعمته عليك) . فإن قلت: لم مُنِع المتيمم من مسح رأسه؟ والجواب أنَّ وَضْعَ التراب على الرأس علامة الفراق من الحبيب، والله تعالى لا يحب فراقهم، فلم يجعل لهم ما يتفاءلون به على الفراق. (فَاطَّهَّروا) : هذا أَمرٌ بالغسل لمن وجب عليه، وفيه إجمال، بخلاف الوضوء، فإنما فصله لأنه من خصائص هذه الأمة، ولم يكونوا يعرفونه، بخلاف الغسل، فإنما علموه مما تقدم. وبهذا أمر الله الأمم المتقدمة، وسِره ليذوق الإنسان وبالَ ما أصابه من اللذة في الوقاع، وأن الدنيا لا تَخْلو من كَدَرِ، وفيه معنى النظافة، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن تمرّ عليه جمعة إلا ويغتسل فيها مرةً، مع أنه يكفر السيئات، ويرفع الدرجات، وقد صحّ أنه يكفر بعدد شعر جسده من السيئات. فإن قلت: ما معنى الحديث: " هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قَبلي " لَمّا غسل الأعضاء ثلاثاً، مع قولكم: إنه من خصائص هذه الأمة؟ والجواب أنه كان من خصوصية الأنبياء لا أممهم، لما قدمناه من أنَ الله أراد بذلك تطهيرهم، ولهذا تقول الأنبياء والأمم يوم القيامة: كادت هذه الأمة أن تكون كلها أنبياء، فما أشرفها من أمة نبِيٍّ كريمٍ! (فأغريْنا) ، أي أثبتنا وألصقنا، وهو مأخوذ من الغراء. (فَترَةٍ) : سكون وانقطاع، لأنه ﷺ بُعث بعد انقطاع الرسل، لأنها كانت متواترة، كلّما جاء أمةً رسولها كذّبوه إلى وقت رَفْع عيسى، فانقطعت الرسل إكراماً لهذا النبي الكريم.

стр. 1065

(فَلِمَ يعَذَبُكم بِذنوبِكم) : رد عليهم، لأنهم قد اعترفوا أنهم أبناء الله وأحبّاؤه، فردّ الله عليهم أنه يعذبهم وينتقم منهم، والأبُ لا يعذّب ولده، والحبيب لا يرضى بعذاب حبيبه، ففيه تبكيتٌ لهم، وإشارة إلى أن من أحبَّه يرفع درجته، ولا يكون العبد محبوباً عند مولاه إلا بعد الإخلاص في العبودية، والقيام بحقوق الربوبية. وأمّا من يدَّعي المحبّة وهو عَريّ عنها فهو كاذِبٌ في دَعْواه، غَيْر واصل لما يتمنّاه. واعلم أن العَبْدَ مع الله على ثلاثة أوجه: حال يكون للعبد عليه. وحال يكون للَه على العبد. وحال يكون على رأس العبد شاء ذلك العبد أو أَبى. فأما الحال التي تكون للعبد على الله فهي حال الشدة والمحنة، فللعبد على اللَه الأجر والعوض، قال تعالى: (ذلك بأنّهم لا يصيبهم ظَمَأ ولا نَصَب) . وأما الحال التي تكون للَه على العبد فهي حال النعمةِ والرخاء، ولله على العبد الشكر والنعمة، قال تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) . وقال: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) . وأما الحال التي تكون على رَأس العبد فهي حال القضاء والقدر، قال تعالى: (قل لَنْ يُصيبنا إلاَّ ما كتَب الله لنا) . وإذا علمت هذا فمرادُ الله منك في حال النعمة - الشكر، ومجازيك بالزيادة: (لَئِنْ شَكَرْتمْ لأَزِيدَنكم) . وفي حال النقمة الصبر، ومجازيك بالثواب الجزيل (وجَزَاهمْ بما صَبَروا جَنَّةً وَحَرِيرا) . وفي حال الطاعة - الإخلاص، ومجازيك بالقَئول: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠) . وفي حال المعصية التوبة والرجوع إليه، ومجازيك بالمغفرة.

стр. 1066

فمن ادَّعى محبَّته تعالى وهو غَيْرُ ممتثل لأمْرِه فهو كذاب في دعواه، غير مدرك ما يتمنّاه. وهذه دعوى اليهود والنصارى وهم مخالفون في أَمره، فإياك والتشبّه بهم، فالتشبّهُ بأهل الخير فلاح. وإذا كان سبحانه يسأل الصادقين عن صِدقهم فكيف بمَنْ لم يعمل، وقد قالوا: عمَل بلا إخلاص كحقيقةٍ بلا روح، فلا تكثروا العملَ بالبَهْرَج، غدير صاف أنفع من خليج كَدِر. ما أشبه حجر الْمَهَا بالْجوهر، لكن بين الثمنين بَون بعِيد. ربح المرائي منتن يَشِين القلوب الصافية. (فافْرُقْ بيننا وبين القوم الفاسقين) : هو من الفرقة. وقيل من الفَصْل، أي افصل بَيْنَنا وبينهم بحكم. (فإنّها مُحَرَّمة عليهم أربعين سنةً) : قد قدمنا أنَّ الله حرَّم على بني إسرائيل الأرضَ المقدَّسة أربعين سنة، مدة عبادتهم العِجْل، حتى مات كلّ مَنْ قال: (إنا لنْ نَدْخلَها) ، ولم يدخلها أحَد من ذلك الجيل إلا يوشع وكالب، ومات هارون في التيه، ومات موسى بعده في التِّيه أيضاً. وقيل إِن موسى وهارون لم يكونا في التّيه، لقوله: (فافْرُقْ بيننا وبين القوم الفاسقين) . وخرج يوشع ببني إسرائيل بعد الأربعين سنة، وقاتلَ الجبَّارين، وفتح المدينةَ. والعامل في أربعين محرّمة - على الأصح، فيجب وَصْله معه. وقيل العامل فيه يتيهون، فعلى هذا يجوز الوقف على قوله: (مُحرَّمة عليهم) . وهذا ضعيف، لأنه لا حامل على تقديم المعمول هنا، مع أنَّ القولَ الأول أكمل معنى، لأنه بيانٌ لمدة التحريم والتّيه معاً. (فلا تأْسَ على الْقَوْمِ الفاسِقين) . أي لا تَحْزَنْ على مَنْ فسق منهم يا محمد، لإنكارهم هذه القصص في كتابك، مع علمهم بها في كتبهم. وقيل الخطاب لموسى. (فكأنَّما قَتَلَ الناسَ جَمِيعاً) : تمتيل قاتِلِ الواحدِ بقاتل الجمع يتصوَّر من ثلاث جهات: إحداها: القِصاص في قَتْل الواحد والجمع سواء.

стр. 1067

والثاني: انتهاك الحرمة، والإقدام على العصيان. والثالث: الإثْم والعذاب الأخْرَوِي. قال مجاهد: إنَّ الله وعد قاتل النفس بجهنّم والخلود فيها، والغضب واللعنة. والعذاب العظيم. فإن قَتَل جميع الناس لم يزِدْ على ذلك. وهذا الوجه هو الأظهر، لأنَّ القصد بالآية تعظيم قَتْلِ النفس، والتشديد فيه، ليَزْدَجِر الناس عنه. وكذلك الثواب في إحيائها كثواب إحياء الجميع، لتعظيم الأمْرِ والترغيب فيه. وإحْياؤها هنا إنقاذها من الموت، كإنقاذ الغريق وشبهه. وقيل بترك قَتْلها. وقيل بالعفو إذا وجب القصاص. (فمَنْ تاب منْ بَعْد طلْمه) : توبة السارق هي أن يندم على ما مضى، ويُقْلِعَ فيما يستقبل، ويردّ ما سرق إلى مَنْ يستحقّه. واختلف إذا تاب قبل أن يصل إلى الحاكم، هل يسقط عنه القَطْع، وهو مذهب الشافعي لظاهرِ الآية، أو لا يسقط عنه، وهو مذهب مالك، لأن الحدودَ عنده لا تسقط بالتوبة، إلا المحارب، للنصّ عليه. (فَتَرى الذِين في قلوبهم مَرَضٌ) : هم المنافقون، كعبد اللَه ابن أبي بن سَلول وأصحابه. (فعسى اللَهُ أن يأتِيَ بالفتح أوْ أَمْرٍ مِنْ عنده) : لا يكون فيه تسبّب لمخلوق. وقيل أَمْرٌ من الله لرسوله بقَتْل اليهود. والفَتْح: هو ظهور النبي ﷺ والمسلمين. (فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) : مِنْ قَصْدِهم الاستعانة باليهود على المسلمين، وإضمار العداَوة للمسلمين. (فسوف يَأتي اللَّهُ بقَوْم يحِبّهم ويحبّونه) : قرأ ﷺ هذه الآية، وقال لهم: قوم هذا، يعني أبا موسى الأشعري. والإشارة بذلك - والله أعلم إلى أهل اليمن، لأن الأشعريين من أهل اليمن. وقيل المراد أبو بكر الصدِّيق وأصحابه الذين قاتلوا أَهْلَ الردَّة. ويقَوِّي ذلك ما ظهر من أبي بكر الصِّديق رضي الله عنه

стр. 1068

من الجد في قتالهم، والعَزْم عليه، حتى خالف في ذلك عزم الناس، فاشتد عزمه، ووافقوه، وأجمعوا معه حتى نَصرهم الله على أهل الردة. ويقوّي ذلك أيضاً أن الصفات التي وصف بها هؤلاء القوم هي في أوصاف أبي بكر، ألا ترى قوله تعالى: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) ، وكان أبو بكر ضعيفاً في نفسه قوياً في الله. وكذلك قوله: (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) . إشارة إلى مَنْ خالف أبا بكر ولامة في قتال أهْلِ الردة، ولم يرجع عن عَزْمه. فإن قيل: أين الراجع من الجزاء إلى الشرط؟ والجواب أنه محذوف، تقديره: مَن يَرتَدِدْ مِنكمْ عن دِينه فسوف يأتي الله بقومَ. (فَعَمُوا وَصَمُّوا) : عبارة عن تماديهم على المخالفة والعِصيان. (فاجتَنِبوه) : نصّ في التحريم. والضمير يعود على الرجس الذي هو خبر عن جميع الأشياء المذكورة. (فيقُول ماذَا أجبتم) . أي يقول الله للرسل يوم القيامة: ماذا أجابكم الأمم من إيمان وكفر، وطاعة ومعصية. والمقصود بهذا السؤال توبيخ مَن كفَر من الأمم، وإقامة الحجة عليهم. وانتصب ماذا بأجبتم بانتصاب مصدره. ولو أراد الجواب لقال: ماذا أجَبْتم. فإن قلت: يفهم من قوله تعالى: فيقول للمرسلين (ماذا أجبتم) أنه يخاطبهم هناك، وكذا الخطاب منه سبحانه حيث وقع، كقوله لعيسى: (أأنْتَ قُلْت للناس) ، وقد قلتم إنَّ كلامه تعالى قديم ملازم لِلذاتِ القديمة، وقول الرسل: (لا عِلْمَ لنَا) ما معناه، لأنهم علموا بمجاوبة قولهم وإنكارهم؟ والجواب أن الله يسمعهم خطابه حينئذ، لا أنه يحْدِثه، لأنه قديم قائم

стр. 1069

بذات، وهكذا نداؤه سبحانه للرسل والأمم يومئذ، كقوله: (ويَوْمَ ينادِيهم فيقولُ ماذا أَجَبْتُم الْمُرْسَلين) . والرّسل صلوات الله وسلامه عليهم لم يذهلوا عن جوابِ قومهم لهم في الدنيا، لأنهم آمِنون يومئذ، وإنما تأدَّبوا مع الله سبحانه لردّ العلم إليه سبحانه. قال ابن عباس ﵁: المعنى لا علم لنا إلا ما علمتنا. وقيل معناه عِلْمنا ساقط في جَنْب علمك. ويقوّي هذا قولهمِ: (إنَّكَ أنْتَ عَلاَّم الغُيوب) ، لأن من علم الخفيَّات لم تَخْف عليه الظواهر. وسؤال الله لهم مع علمه توبيخٌ واحتجاجٌ على المخالفين. وانظر الصحابة ﵃ كيف تأدبوا بهذا الْخُلق العظيم في آخر حجَّةِ الوداع لما قال ﷺ : " أيُّ يوم هذا، أي شهر هذا، أي مكان هذا، فأجابوا بقولهم: الله ورسوله أعلم، مع أنهم علموا الشهر واليوم والمكان، لكنهم تأدّبوا معه ﷺ ، وتوهموا لعله أن يريد غير هذا. (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥) . هذه عادةُ الله سبحانه في عقاب مَنْ طلب مِنَ الرسول آيةً فكفرها، وأصحابُ المائدة سألوها من عيسى، فقال الله: (إني مُنَزلها عليكم) ، فكفروا، فمسخهم الله قردةً وخنازير. قال عبد اللَه بن عمر: أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة مَن كفَر من أصحاب المائدة، وآل فرعون، والمنافقون. (فانظروا) : أمَر الله رسولَه أن يأمر قريشاً بالسير في الأرض للاعتبار بمنازل الكفار الذين كانوا قبلهم. فإن قلت: ما الفرق بين قوله: (فانظروا) ، و (ثم انظرُوا) ؟ والجواب أنه جعل النظر مسبَّبا عن السير في قوله: (فانظروا) ، فكأنه قال: سيروا لأجل النظر. وأما قوله: (قُلْ سيروا في الأرض ثم انْظروا) ، فمعناه إباحةُ السير للتجارة وغيرها من النافع، وإيجاب النظر في الهالكين. (فإنّهم لا يكذِّبونك) . بتشديد الذال بمعنى لا يكذبونك

стр. 1070

معتقدين لكذبك، وإنما هم يجحدون الحق جمع علمهم به. ومن قرأه بالتخفيف قيل معناه لا يجدونك كاذباً. يقال: أكذبْت فلاناً إذا وجدته كاذباً، كما يقال أحْمدته إذا وجدته محموداً. وقيل هي بمعنى التشديد، يقال أكْذَب فلانٌ فلاناً، وكذّبه بمعنى واحد. وهو الأظهر، لقوله بعد هذا: (يجحدون) . ويؤيد هذا ما روي أنها نزلت في أبي جهل، فإنه قال لرسول الله ﷺ : إنا لا نكذِّبك، ولكن نكذب ما جئْتَ به، وإنه قال للأخنس بن شَرِيق: والله إن محمداً لصادق، ولكني أحسده على الشرف. (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) ، أي من الذين يجهلون أنَّ اللَه لو شاء لجمعهم على الهدى. وقد قدمنا أن قول الله: (فَلَا تَكُونَنَّ) - بالتأكيد - لرسوله لإفراط محبته فيه، لأن العادة أن يكون الاجتهاد على قدر المحبة، بخلاف قوله لنوح: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) ، لأنه صَفِيّ، ولا يبلغ قَدْر المحب. (فَرَّطْنَا) ، أي ضَيَّعنا وأغفلنا. والمراد بالكتاب في الآية اللَّوْح المحفوظ. والكلام على هذا عامّ. وقيل القرآن، ومعناه أن الله لم يفرط فيه من شيء، فيه هداية الْخَلق، والبيان لهم. وقد قدمنا أنَّ جميعَ العلوم الدنيوية والدينية مستنبطةٌ منه. (فلولا إذْ جَاءَهم بأسُنَا تَضَرَّعوا) : في هذه الآية عرض وتحضيض على التضرع، ومدح لهم في رجوعهم إلى الله، ودليل على أن من أخذه اللَه بذنوبه فلم يرجع إليه يقسو قلبه، كما ذكر في هؤلاء الكذابين. (فلما نَسوا ما ذكَروا به) : أي من الشدائد، ولم يتعظوا بها، فتح عليهم أبواب الرزق والنعم، ليشكروا عليها فلم يشكروا، فأخذهم الله. (فتَطْردهُمْ) : هذا جواب النفي في قوله: (ما عليك) . (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ) : استفهم عن المؤمنين والكافرين لعلهم يجيبون، فأجاب عن السؤال بقوله: (الذين آمَنوا ... ) .

стр. 1071

وقيل إن (الذين آمنوا) استئناف، وليس من كلام إبراهيم. (فإنْ يكْفرْ بها هؤلاء) : أي أهل مكة. (فقد وَكَّلْنَا بها قوماً لَيْسوا بها بِكافرين) : هم الأنبياء المذكورون. وقيل الصحابة، وقيل كلّ مؤمن. والأول أرجح لدلالة ما بعده على ذلك. ومعنى توكيلهم بها توفيقهم للإيمان بها، والقيام بحقوقها. (فبِهدَاهمْ اقْتَدِه) : استدل به مَنْ قال إنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنا شرع لنا. وقد قدمنا أن الاختلاف إنما وقع في الفروع. والخلاف: هل يقتدي النبي ﷺ فيها بمن قبله أم لا؟ والهاء في (اقْتَدِه) للوقف، فينبغي الوقف عليها، وتسقط في الوصل، ولكن من أثبتها فيه راعَى ثبونها في خط المصحف. (فأخْرَجْنَا به) : أي بالماء. ومنه: أي من النبات. وذكر الله الإخراج في كتابه في خمس آيات: إخراج القدرة، وهو الصبيان. (والله أخرجكم من بُطون أمَّهَاتِكُم) . وإخراج النعمة كهذه، وكقوله: (فأخرج به من الَثمرات رِزْقاً لكم) . (فأخرجنا به أزواجاً من نَبَاتٍ شتّى) ، كالحبّ والعِنَب. وإخراج العقوبة: (فأخرجَهُمَا ممَّا كانَا فيه) . وإخراج الهيبة: (يخرجون من الأجداث سِرَاعاً) . وإخراج الكرامات: (يُخْرِجهم من الظَّلماتِ إلى النور) . أي من الكفر إلى الإيمان، ومن النكرة إلى المعرفة. فإن قلت: لم جمع الظلمات، وأفرد النور، وجمع السماوات وأفرد الأرض حيث وقع في كلامه سبحانه؟ والجواب لما شَعَّب سبحانه الكفْرَ على شعب كثيرة جمعه بهذا الاعتبار. والنُّور واحد أفرده وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وكما نشاهد السماوات بعلامة الكواكب، والمنّة للهِ علينا فيها، لأن فيها منفعتنا ذكرهنَّ بلفظ الجمع، بخلاف الأرض، لأنّا لا نشاهد غير الأرض التي نحن

стр. 1072

عليها، ولا منفعة لنا في غيرها، ولو كانت لنا فيها منفعة فالسموات أعظم لخدمتهن، والاستدلال بكواكبهن، وخدمة أهلهن لنا كما قدمنا. (فاعْبدوه) : مسبَّب عن مضمون الجملة، أي من كان هكذا فهو المستحقُّ للعبادة وحده. (فكلُوا مما ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عليه) : أباحت هذه الآية أكْلَ ما ذُكر اسمُ الله عليه، والنهي عما ذبح للنّصُب وغيرها، وعن الْمَيْتَة. وهذا النهي يقتضيه دليل الخطاب من الأمر، ثم صرح به في قوله: (ولا تَأكُلُوا مِمَّا لم يُذْكَرِ اسْم الله عليه) . وقد استدل بذلك مَنْ أوجب التسميةَ على الذبيحة، وإنما جاء الكلام في سياق تحريم الْمَيْتَة وغيرها، فإنْ حملناه على ذلك لم يكن فيه دليل على ذلك. وقال عطاء: هذه الآية أمْرٌ بذكر الله على الذبح والأَكل والشرب. (فما كانَ لِشُرَكَائهم فلا يَصِلُ إلى الله) : كانوا إذا هبّت الريح فحملت شيئاً من الذي لله إلى الذي للأصنام أقَرُّوه، وإذا حملت شيئاً من الذي للأصنام إلى الذي لله ردُّوه، وإذا أصابتهم سنَةٌ أكلوا الذي لله وتحامَوْا نصيب شُرَكائِهم، وهذا من جَهْلهم. ولهذا رد الله عليهم بقوله: (ساء ما يَحْكمُونَ) . (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ البالغَةُ) : لما أبطل حجّتهم أثبت حجة الله، ليظهر الحق، ويبطل الباطل. (فإنْ شَهدُوا فلا تَشْهَد مَعَهُم) ، لأنهم يكذبون في شهادتهم، ونسبتهم لله ما لا يليق به، فكيف تشهد يا محمد وأنتَ على الحق. (فَالق الحبّ والنوَى) : أي يفرق الحبّ تحت الأرض، والحنطة لخروج النبات منها، ويفلق النوى لخروج الشجر منها. وقيل أراد الشق الذي في النواة والحنطة. والأول أرجح لعمومه في أصناف الحبوب. (فالق الإصْبَاح) : أي الصبح، فهو مصدر سُمِّي به الصبح.

стр. 1073

ومعنى فَلقه إخراجه من الظلمة. وقيل: إن الظلمة التي تنفلق عن الصبح، فالتقدير فالق ظلْمةِ الإصباح. (فتَفَرَّقَ بكمْ عن سبِيله) : أي تفرقكم عن سبيل الله. والفعل مستقبل، حذفت منه المضارعة، ولذلك شدَّده. (فرَّقوا دِينَهم وكانُوا شِيَعاً) : جمع مَنْ فرق دينه من اليهود والنصارى وأهل البِدَع. وقرئ: (فارَقوا) ، أي تركوا. وفي الحديث: " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصَارى على اثنَتَين وسبعين. وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النار إلا واحدة. قيل: ما هي يا رسول الله، قال: ما أنا عليه وأصحابي ". ولولا الإطالة لذكرت فرق هذه الأمة ومذاهبها. وقد تكفّل بذكرها أئمتنا للاحتراز منهم، جزاهم الله عن هذه الأمة خيراً. (فجاءَهَا بأْسنَا بيَاتاً) : لا يصح عطْف هذه الآية بالفاء، لأن مجيء البأس قبل الإهلاك. ويحتمل أن يكون استئنافاً على وجه التفسير للإهلاك، فلا يحتاج إلى تكلّف. والمراد أهلكنا أهلها، فجاءهم، ثم حذف المضاف بدليل: (أوْ هم قَائلون) ، من القائلة بالنهار. وقد أصاب العذابُ بعضَ الكفار المتقدمين بالليل، وبعضهم بالنهار. و (أو) هنا للتنويع. (فما كان دَعْوَاهمْ) : أي ما كان دعاؤهم واستغاثتهم إلا الاعتراف بأنهم ظالمون. وقيل: المعنى أن دَعْوَاهم هنا ما كانوا يدعونه من دينهم، فاعترفوا لما جاءهم العذاب بأنهم كانوا ظالمين في ذلك. (فَلَنَقصَّنَ عليهم بِعِلْمٍ) : أي على الرسل والأمم. (فَبِمَا أغْوَيْتَنِي) : الفاء للتعليل، وهو متعلِّق بفعل قسم محذوف، تقديره أقسم بالله بسبب إغوائك، لأغوينَ بني آدم، وما مصدرية. وقيل استفهامية، ويبطله ثبوت (فَبِما) مع حرف الحر. وفي الحديث أنه قال:

стр. 1074

" لا أزال أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم ". فقال الله:، " وعِزَّتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني، وأنا الغفور الرحيم ". (فَعَفوا فاحِشة) : هي ما كانت العرب تفعله من الطواف بالبيت عرايا: الرجال، والنساء. ويحتمل عموم الفواحش. (فمن أظلَم ممَّن افترى على الله كذباً) : هذه الآية بالفاء، وفي الثانية من الأنعام، وفي يونس، لما فيها من المناسبة اللفظية، لأنه افتتح آية الأنعام بقوله: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) ، ثم قال: (ومَنْ أظْلَم) . وختم الآية بقوله: (إنه لا يفلح الظالمون) . ليكون آخر الآية لفظ أول الآية، وتتبع هذه الآية يطول ذكرها، فقِسْ ما ذكرته على ما لم نذكره. (فَمَا كانَ لكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْل) : هذا من قول أولاهم - وهم الرؤساء والقادة، لأُخْراهُمْ - وهم الأتباع والسفلَةُ: لم يكن لكم علينا من فَضْل في الإيمان والتقوى يُوجب أن يكون عذابنا أشدَّ من عذابكم، بل نحن وأنتم متساوون. (فذوقوا العذابَ بما كنتم تَكسِبون) : هذا يحتمل أن يكون من قولهم أيضاً، أو من قول الله لهم. (فصَبْرٌ جَمِيلٌ) : هذا وعْدٌ من يعقوب بالصبر، وارتفاعُه على أنه مبتدأ تقديره صَبْر جميل أمْثَل، أو خبر مبتدأ تقديره شأني صبر جميل. روي أن يعقوب ﵇ لما طال بكاؤه، واشتد حزنه، نهاه الله عن ذكر يوسف، ثم أمر جبريل ﵇ أن يتصور بصورة يوسف، فلما بصر به يعقوب تأوّه، فأوحى الله إليه: قد علمتُ ما تحت أنينك، لو كان ميتاً لنشرته لحسن وفائك. فقال: يا جبريل، ما أعلمني بحياته، فأحبّ أن أشمَّ ريحه. فقال له: الآن بعد ما شكوته ودعوته بلسان الضرورة سأوصل إليك يوسف (١) . وكذلك أنت يا مؤمن وعدَكَ ربُّك بالإجابة عند الاضطرار، وبغُفران

стр. 1075

الذنوب عند الاستغفار، فقال: (استغفروا رَبَّكم إنه كان غَفَّاراً) . (فَتَاها) ، أي عَبْدها. ويقال بمعنى الشاب، والعرب تسمي المملوك شاباً كان أو شيخاً فَتًى. فتأمل هذه الإضافة. وفي قوله: (وراوَدَتْه التي هُوَ في بَيْتِها) : يوضّح لك أنكَ في بيته وتحت يده، فإذا اجتنبت الكبائر وما أشبهها يعفو عنك الصغيرة، لأنك في بيته، قال تعالى: (إنْ تجتنبوا كبائِرَ ما تنْهَوْن عنه) . كما عفا عن يوسف للنظر إليها والمخاطبة لاجتنابه الدنوَ إليها، لأنه كان في بيتها. (فقدسرق أَخ لَه من قَبْل) : هذا من كلام إِخْوَة يوسف، ومرادهم أنَّ هذا الأمر صدرَ مِنْ ابنٍ لأمّ لا مِنّا، وقصدوا بذلك رفع المَعَرَّة عن أنفسهم ورَمَوْا بها يوسف وشقيقه. واختلف في السرقة التي رموا بها يوسف على ثلاثة أقوال: الأول: أن عمّته ربَّتْه فأراد والده أن يأخذه منها، وكانت تحبّه ولا تصبر عنه، فجعلت عليه منْطقةً لها، ثم قالت: إنه أخذها منها، فاستعبدته بذلك. وبقي عندها إلى أن ماتت. والثاني: أنه أخذ صنما لجدّه والدِ أمه فكسره. والثالث: أنه كان يأخذ الطعام من دَارِ أبيه ويعطيه للمساكين (١) . (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ) : الضمير للجملة التي بعد ذلك وهي قوله: (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا) . (فتحسَّسُوا مِن يوسفَ وأخيه) ، أي تعرّفوا خبرهما. والتحسس طلب الشيء بالحواس الأربعة: السَّمْع، والبَصَر، والشَّم، والذَّوْق. وإنما لم يذكر الولد الثالث، لأنه بقي هناك اختياراً منه، لأن يوسف وأخاه كانا أحبَّ إليه لصغرهما.

стр. 1076

فإن قلت: أليست الحواسّ خمسة؟ قلت: الذي مشى عليه الفخر في تفسير قوله تعالى: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم) أن الحواسّ أربعة، فجعل الذوق واللمس واحداً، أَلا ترى أن الشم لا تكليف فيه ألبتَّة، ولا يتعلق به أمر ولا نهي، ولما كان الاسم الشريف من أربعة أحرف دلَّ على أن الحواس أربعة. فالألف للسمع، والحاء للبصر، والميم للشم، والدال للذوق. ووقع للفخر في سورة الحمد مناسبة اسمه ﷺ أحمد ومحمد من الحمد، لأنه أول ما خلق الله العقل، فكان أول ما نطق به الحمْد، وآخر ما نطق به الحمد، وكان آخر الأنبياء محمد ﵊، فناسب الاسم أن يكون من نوع المبدأ، فاشتق له من الحمد اسمان: محمد وأحمد، فأهل السماء هو أحمدهم، وأهل الأرض هو مَحْمودهم. (فلما دخلوا على يوسفَ) : هنا محذوفات يدلّ عليها الكلام، وهي: فلما رحل يعقوب بأهله حين بلغه خبر يوسف - آوى إليه أبويه، أي ضَمَّهما وتعانقا، ورأى يعقوب أناساً كثيراً، فقال: يا يوسف، مَنْ هؤلاء، قال: يا أَبت، إن هؤلاء كلهم عَبيدي، وقد أعتقتهم كلَّهم لرؤيتك. فكذلك أنتم يا أمةَ محمد، يقول الله : يا محمد، يوسف أعتق عبيده برؤية أبيه، وإني أعتق برؤيتك جميعَ عصاة أُمتك. (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ) : هذه على القراءة بالعطف بالفاء المقتَضِية للتسبيب والتعقيب، ولا يصح العطف بالفاء، لأنَّ السبب على ثلاثة أنواع: ظاهر، وخفي، ومتوسط. وإنما يحتاج إلى الفاء في التوسط والخفي، وأما هنا فظاهر كونه سبباً فما بعده، فلا يحتاج في عطفه إلى ما يبيّن كونه سبباً. والآية عند بعض العلماء من باب القَلْب. والأصل فيها: وأولئك في أعناقهم الأغلال، لأن الأغلال محيطة بأعناقهم كإحاطة الظرف بالمظروف، وأعناقهم هي المظروف.

стр. 1077

وقد قالوا: إن القلب لا يجوز إلا في الضرائر أو فيما قلّ من الكلام. وقد جعلوا منه: (ما إنَّ مَفاتِحَه لتَنوء بالعصْبَة أولي القوة) . وفي الآية دليل على أنَّ منكِرَ البعث كافر، واشتملت على اللفظ العام والإبهام، ثم التفسير، لأن قوله: (وأولئك الأغلال في أعناقهم) - تفسير للعذاب النازل بهم. وهذا من باب ذكر المسبب عقب السبب، لأنَّ الكفر سبب في غلّ الأعناق. فإن قلت: هل هذا على التوزيع، أو كلّ واحد في عنقه أغلال؟ فالجواب أن آية الحاقّة، تدل على التوزيع لكلّ واحد غلّ واحد، أو تكون الأغلال في رؤوسهم، وهو يقوم مقامَ سلاسل متعددة في عنق كلّ واحد من سائرهم، حتى لا يظهر منه شيء. وقيل: إن هذا مجاز فيكونون في الدنيا ممنوعين من الإيمان، كقوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) . والإشارة بأولئك وتكرارها للذين قالوا: (أإذا كنَّا ترابا) . (فَاخْرج مِنها) : الضمير يعود على الجنة، وإن لم يَجْرِ لها ذكر، أو من السماء، كما قال في آية الأعراف: (فاهْبِطْ منها) . ويحتمل أن يعود الضمير على جملة الملائكة، وعلى هذا فيكون إبليس من الملائكة، وهو الظاهر من القرآن، ومِنْ كثير من الأحاديث، وانتقده ابن عطية بأن الملائكة معصومون، قاله الأصوليون. وحكى الطبري عن ابن عباس أن الله خلق ملائكةً فأمرهم بالسجود لآدم، فأبوا فأرسل الله عليهم ناراً فأحرقتهم. ورُدَّ بثبوت العصمة للملائكة. (فبما أغويتني) : قد قدمنا مراراً أنَّ الإغواء هو الحَملُ على الوقوع في المعاصي، فلا يقدر على إغواء المخلصين

стр. 1078

بوَجْه، لكن يزيِّن لهم فقط، لأن التزيين هو تحسين القبائح، فالإغواءُ يستلزم الفعل، والتزيين لا يستلزمه. فإن قلت: ما الفرق بين قسمه في الأعراف بالإغواء. وفي (ص) : قال: (فبعزَّتِكَ لأغْوِيَنّهم) ؟ فالجواب أنه أقسم بالأول في الفعل، وفي الثاني بالصفة. قال بعضهم: فعادَتهم يقولون: هذا مناقِضٌ لأصل الزمخشري، لأنه ينفي الصفات جملة، يقول: إن اللَه سميع لا يسمع، بصير لا يبصر، عليم لا يعلم، مريد لا بإرادة، قادر لا بقدرة، بل سميع لذاته، بصير لذاته، عالم لذاته. (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) : هذا تأكيد بعد تأكيد، يتضمن الآخر ما تضمَّن الأول. وقال غيره: لو وقف على كلهم لصلحت للاستثناء وصلحت على معنى المبالغة، مع أن يكون البعض لم يسجد، وهذا كما يقول القائل: كلّ الناس يعرف هذا، وهذا يزيد لأن المذكور أَمر مشتهر، فلما قال (أجمعون) رفع الاحتمال بأن بعضهم لم يسجد، واقتضى الكلام أن جميعهم سجد. وقال المبرد: لو وقف على (كلُّهم) لاحتمل أن يكون سجودهم في مواطن كثيرة، فلما قال (أجمعون) دل على أنهم سجدوا في موطن واحد. قال ابن عطية: واعترض على قول المبرد بأنه جعل قوله (أجمعون) حالاً بمعنى مجتمعين، ويلزمه على هذا أن يكون أَجمعين، هذا على أَن يقرب من التنكير، إذ هو معرفة لكونه يلزم اتباع المعارف، والقراءة بالرفع تَأبى قوله. فإن قلت: ما فائدة إتيانه في الحِجر وفي (ص) بهذا اللفظ دون غيرهما؟ فالجواب أنه لما بالغ في السورتين في الأمر بالسّجُود - وهو قوله: (فقَعُوا له ساجدين) في السورتين بالغ في الامتثال فيهما فقيل: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) ، لتقع التوفقة بين أولاها وأخراهَا.

стр. 1079

(فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) : هذا من قول إبراهيم ﵇ على وَجْه التعجب مِنْ ولادته في كبره، أو على وَجْه الاستبعاد لذلك، حسبما قدمناه. وقرئ بتشديد النون وكسرها على إدغام نون الجمع في نون الوقاية، وبالكسر والتخفيف على حذف أحد النونين، وبالفتح - وهو نون الجمع. (فاسْألُوا أهْلَ الذّكْرِ) : يعني أحبارَ اليهود والنصارى، لأن جميعهم يشهدون أن الرسل من البشر. ويؤخذ من هذه الآية وجوبُ سؤال الجاهل عما يحتاج إليه في أمْرِ دينه، ولا يُعذَر بجهله. وفيها دليل على أن خَبر التواتر يفيد العلم، لأن المعنى: فاسألُوا أهلَ الذِّكرِ لتعلموا إن كنتم لا تعلمون، فهو سؤال عمّا لم يعلم ليعْلم. فإن كان المسؤولون بَالِغينَ عددَ التواتر فهو خَبَر تواتر، وإلا فهو خبر واحد محصل للعلم في الوجهين. (فالذين لا يُؤْمِنُون بالآخرة قلوبهم مُنْكِرة) : الفاء للتسبيب، وليس هو من باب ذكر اللازم، وإنما هو من باب ذكر الشيء عقيب نقيضه، لأن لازم كونه إلهاً واحدًا التصديق لا الإنكار والكفر. (فخَرَّ عليهم السقْفُ مِنْ فَوْقِهم) : هذا كقوله لهم: (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ) . وهل السقف إلا فوقهم. وقد قدمنا سِرَّ التعببر من فوقهم فيما نقلناه عن ابن عطية. (فادْخُلُوا أبوابَ جهنَّم) : حال مقدرة. وجهنّم الطبقة الأولى من النار. فإن قلت: كيف قال هنا: (ادخلوا أبْوَابَ جهنم) ، مع أنها مأوى العصَاة من هذه الأمة؟ والجواب أنَّ دخولهم فيها ليس على جهة الاستقرار، وإنما هو على جهة الدخول لما تحتها، لأن النصارى قيل في الثانية، واليهود في الثالثة.

стр. 1080

ورُدَّ هذا بأنَّ الرسل مهما كثرت كانت عقوبة مكذبيها أشدّ، وقوم موسى كفروا بموسى فقط، والنصارى كفَروا بعيسى وهو بعد موسى فعذابه أشد. لأنه سبقه من الأنبياء كثيرون دَعَوْا إلى مثل ما دعا هو قومه. (فتَمتَّعوا) : أي في الدنيا. وهذا على وجه التهديد لمن عقل. (فهو وَلِيّهم اليوم) : فسره الزمخشري بوجوه: منها أنَّ الضمير راجعٌ لكفار قريش، وأنه زَيّن لآبائهم أعمالهم فهو وليّ هؤلاء، لأنهم منهم، فعلى هذا يكون الألف واللام في اليوم لتعريف الحضور، وعلى الوجوه الأخر التي ذَكَر هو وغيره تكون إما لتعريف الماهية، أو لتعريف العهد. (فأحْيَا بهِ الأرْضَ) : الفاء للتعقيب، وخصوصا في مكة، لحرارة أرْضها كما قدمنا أنها تصبح أرضها خضراء بصب المطر أول الليل. (فَرْثٍ ودَمٍ) : قد قدمنا فيما نقلناه عن الزمخشري أنَّ الفرث ما في الكرش من القذر، وهذا من عجيب القُدرة أن اللبن متوسط بين الفَرْث والدم، ولا يغيِّران له لوناً ولا طعماً ولا رائحة. قال أبو حيان: (من بين فَرْث ودم) حال من ضمير (نسقيكم) ، أي خارجا من بين فَرْث ودم. وقيل متعلق بـ (نسقيكم) المقدر، إذ لا يتعلق مجروران بفعل واحد. ويجوز هنا لاختلاف معناهما، لأن من الأولى للتبعيض، والثانية لابتداء الغاية. (فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) : في هذه الآية دلالة على الوحدانية، كأنًّ الله يقول: أنتم لا تسوُّون بين أنفسكم وبين عبيدكم، ولا تجعلونهم شركاء لكم، فكيف تجعلون عبيدي شركاء لي؟ والآخر أنها عتاب وذمّ لمن لا يحسن إلى مملوكه حتى يرد ما رزقه الله عليه، كما جاء في الحديث: " أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون ". وفيها دليل على صحة

стр. 1081

إطلاق لفظ البعض على النصف وعلى أكثر منه، لأن الفاضل أكثر رزقا من المفضول. وحكي الخلاف في البعض: هل يطلق على النصف أم لا؟ فإن قلت: التفاوتُ إنما هو في الرزق التكميلي الزائد على ما يُقيم الرّمَق ويستر البدن. وأما الحاجِيّ فهم فيه مع المماليك مستوون، فهلا قيل: فما الذين فُضّلوا برادّي فَضْل رِزْقهم، كما قال: (والله فَضّل بعضَكم على بعض في الرزق) ؟ والجواب: لو قيل: فما الذين فضلوا برادّي فَضْل رزقهم لكان فيه غثاثةٌ لتكرار لفظ الفضل ثلاث مرات، وهذا يقال له في علم البيان الاستخدام، وهو أَن يعبَّر باللفظ عن غيره خوْفَ السآمة والملَل. وأيضا فضل الرزق أخصّ من الرزق، فاستعمل الأخص في الثبوت، والأعم في النفي، لأن نفي الأعمّ يستلزم نَفْي الأخص. فإن قلت: لفظ الردّ يقتضي سابقية: الملك والحوز، والمماليك لم يكن لهم ذلك بوجْه، فهلا قيل: فما الذين فضِّلوا بمعْطين رزقهم لما ملكت أيمانهم، وهذا نحو ما أوردوا في قوله تعالى، (أو لتعودُنَّ في مِلَّتِنا) ؟ والجواب: أنه إشارةٌ إلى تأكيد النفي، وأن هذا امتنعوا من إعطائه للمماليك يمكن إن كان يكون للمماليك بدلا عنهم، فكانوا قابلين لأن يملكوه، لأن الذي أعطاه لسادتهم كان قادراً على إعطائه لهم دون ساداتهم بناء على أنَّ من ملك أن يملك يعدّ مالكاً، وإن فسرنا الرزق بما منعه السادات مماليكَهم في قوله: (فما الذين فُضّلوا برادّي رزقهم على ما ملكت أيمانهم) فتكون النعمة في قوله: (أَفَبِنعْمَة الله) - الرزق. وإن جعلناه تمثيلاً، أي كما أنِفوا أن يشاركَهم أحَدٌ في رزقهم كذلك ينبغي ألاَّ يجعلوا مع الله شريكاً، فيكون المعنى أفبالدَّلائل الدالة على وحدانية الله يجحدون. وانظر إذا ردّوا كلَّ رزقهم عليهم لا يكونون فيه سواء، وإنما يستوون معهم بردّهم عليهم نصفَ فَضْل رزقهم، فإما أن يكونَ على حذف مضاف، أو يكون

стр. 1082

الرزق مضافاً إلى ضمير ما ملكت أيمانهم، ويكون الذين فَضَّلُوا به مملوكهم هو رزق مملوكهم الذي يساوِيهم به في نفس الأمر. (فلا تَضْرِبوا للهِ الأمْثَال) : الضمير يعود على مَنْ عبد غير اللَه وأشركوهم في العبادة، مع أنهم لا يملكون شيئاً، فنبههم سبحانه بهذه الأمثال والمواعظ ليتنبّهوا ويرجعوا، لكن من المصيبة خطاب غير العاقل، والعاقل تكفيه الإشارة، ولا يستغرب هذا في حقهم، لأنَّا مثلهم في عدم الفهم والإدراك. (فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) : إما أن المراد به الكفار باعتبار من سيؤْمِنُ منهم وهم أقلّهم، فأقلهم يعلمون، وإما أن يراد به الأصنام، وعبَّر بالأكثر عن الكل، وهو بعيد. ويحتمل أن يكون الحمد للَه من كلام الله تعالى، أثنى على نفسه بنفسه، أو أمْرًا للنبي ﷺ خاصا به، أو عامًّا له ولأمته: قولوا الحمد للَه على ما أنعم علينا، بأنْ هدانا ووفّقنا. وفي قوله: (يَسْتَوُون) دليل لمن يقول: إنَّ أقلَّ الجمع اثنان كما قدمنا. ونَفْيُ المساواة يقع في القرآن على وجهين: تارة مطلقاً كهذه الآية، وكقوله: (هل يَسْتَوي الذين يَعْلَمون والذين لا يَعْلمون) ، وتارة مع تعيّن الأرجح، كقوله: (لا يستوي أصحاب النارِ وأصحاب الجنةِ أصحابُ الجنة هم الفائِزون) . وكقوله: (لا يَسْتَوِي منكم مَن أنْفَق مِن قَبلِ الفَتْح) . وإنما لم يعين هنا الأفضل لظهوره قبل، وكذلك كل أحد يعلم أنَّ أصحاب الجنة هم الفائزون. وذلك أنَّ أصحاب النار يدخل فيهم العُصاة من المؤمنين والكفار، فهل قصد تفضيل أصحاب الجنة بالإطلاق على أصحاب النار بالإطلاق، أو على الكفار، فلما أعيد ذكر الأفضل علم أن المراد بأصحاب النار أصحابها حقيقة، وهو من حُكمَ عليه بالخلود فيها. فإن قلت: الآية خرجت مخرج المدح لفاعل ذلك، فَهَلاَّ ذكر فيها صدقةَ السرّ فقط، لأنها أفضل؟

стр. 1083

والجواب: أنه قصد التنويه على كثرة إنفاقه ومبادرته إلى أفعال البِرّ كيفما أمكنه، وبدأ بالسر، لأنه أفضل. (فكفَرَتْ بأنْعُمِ الله) : الضمير للقرية المذكورة في المثل. واختلف فيها، فقيل مكة، لأنها كفرت بنبوءة محمد ﷺ ، فأصابهم الجَدْب والخوف من غَزْو النبي ﷺ إليهم. وقيل: إنما قصد قريةً غير معينة أصابها ذلك، فضرب الله بها مثلاً، وهذا أظهر، لأن المراد وعظ أهلِ مكة بما جرى لغيرهم، والضمير في قوله: (فأذاقَها الله لِبَاسَ الجوع والخَوْف) لأهل القرية: فاعل قوله: بما كانوا يصنعون. والإذاقة واللباس هنا مستعاران، أمّا الإذاقة فقد كثرَ استعمالها في البلايا حتى صارت كالحقيقة. وأما اللباس فاستعير للجوع والخوْف لاشتمالهما على اللّابس ومباشرتهما له كمباشرة الثوب. (فحقً عليها القَوْلُ) ، أي القضاء الذي قضاه الله. والضمير يعود على القرية التي أمر مُتْرَفيها ففسقوا فيها، أي قضينا عليه بالفِسق. وعلى قراءة مدّ الهمزة من (آمرنا) فهو بمعنى كثّرنا. وقراءة أمَّرنا - بتشديد الميم فهو من الإمارة، أي جعلهم أمراء ففسقوا. (فَضَلْنَا بعْضَهم على بَعْضٍ) : أي في رزق الدنيا، ليتخذ بعضهم بعضاً سخْرياً. (فَاسأَلْ بني إسرائيل إذْ جاءَهم) : هذه الآية خطاب لنبينا ومولانا محمد ﷺ ، ومعناها سلَ الْمعاصرين لكَ من بني إسرائيل عما ذكرنا من قصة موسى، لتزدادَ بذلك يقينا. وقال الزمخشري: المعنى قلنا لموسى: سَلْ بني إسرائيل من فرعون، أي اطْلُب منه أنْ يرسلهم معك، فهو كقوله: (أرسل معي بني إسرائيل) . أو سلهم أن يعضدوك ويكونوا معك. وهذا أيضاً على أن يكون الخطاب لموسى. والأول أظهر.

стр. 1084

والعامل في إذ على هذا القول الأول آتينا موسى، أو فعل مضمر. والعامل فيه على قول الزمخشري القول المحذوف. (فَجْوَة) : متسع. ويقال معناه أي موضع تصيبه الشمس. (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) : لفظه أمْر وتخيير. معناه أن الحق قد ظهر، فيختار كلّ إنسان لنفسه إما الحقّ الذي ينجّيه، وإما الباطل الذي يُرْديه، ففي ضمن ذلك تهديد. (فاختلط به نَبَات الأرْض) : الباء سببية. والمعنى صار به النبات مختلطاً، أي ملتفاً بعضه ببعض من شدّة تكاثفه. (فأصبح هَشِيماً) ، أي متفتتاً، وأصبح بمعنى صار. (فلَنْ يَهْتَدوا إذاً أبداً) : يريد به من قضى أنه يؤمن. (فأرَدْتُ أَن أعِيبَها) : الضمير للسفينة. وهذا مؤخّر في المعنى عن ذكر غَصْبها، لأن خوف الغصب سبب في أنه عابها. وإنما قُدّم للعناية به، وأسند الإرادة هنا لنفسه، لأنها لفظ عيب فتأدّب بألا يسندها إلى الله، وذلك كقول إبراهيم: (وإذا مرضْت فهو يَشْفِين) . فأسند المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله، تأدُّبا. واختلف في قوله: (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا) : هل هو مسند إلى ضمير الخضر أو إلى الله. وقوله: (فأراد رَبُّك) . أسندها إلى الله في هذه لأنها أمر مغيب مستأنف لا يعلمُ ما يكون منه إلا الله. وقال بعض الصوفية: لما قال: فأردتُ، فأردنَا - تعرَّضَ له جبريل، فقال: مَنْ أنتَ وما فعلك، فأسنده في الثالثة إلى فاعل الأمور الذي بيده مقاليدها (١) . (فأتْبعَ سَبباً) أي طريقاً يوصله.

стр. 1085

(فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى) . أي من تمادَى على الكفر قتله، وهو معنى قوله: (فسوف نُعَذِّبُه) . ومَنْ أسلم أحسن إليه. (فما اسْطَاعُوا) : أصلُه استطاعوا، وحذفت التاء في هذا تخفيفا. (فأوْحى إليهم) : أي أشار. وقيل: كتب في التراب، إذ كان لا يقدر على الكلام، مع أنه سليم من الخرس، وإنما جعل الله له ذلك علامةً على حَمْل امرأته. (فحمَلَتْهُ) : يعني في بطنها. (فأجَاءهَا) ، معناه ألجأها، وهو منقول من جاء بهمزة التعدية. (فإمَّا تَرَيِنَّ) : هي إن الشرطية دخلت عليها ما الزائدة للتأكيد. وترين فعل خوطبت به مريم، دخلَتْ عليه النون الثقيلة للتأكيد. (فأتَتْ به قَوْمَها تَحْمِلُه) : لما رأت الآيات ِ علمت أن الله سيبيِّنُ عذرها، قالوا لها: (يا مريم لقد جئْتِ شيئاً فَرِيًّا) . من الفرْية، وهي الشنعة. (فأشارَتْ إليه) ، أي إلى ولدها ليتكلَّم، وصمتت هي كما أمِرت. فتولى الله تبرئتها، كذلك يعقوب بلغ به البلاء حتى ضاق به الأمر. فأظهر الله له الفرج ببشارة القميص. وكذلك موسى وعيسى، وكذلك عائشة لما ضاق بها الأمر حتى تركت العلائق، ورفعت قَلْبها عن الخلائق، فأنزل الله طهارتها، فقال لها أبوها: قومي فقبِّلي رأسَ رسولِ الله ﷺ ، فقالت: بحمد الله لا بحمدكما، لأن الله طهَّرني بالآيات (١) . كذلك أنْتَ يا محمدى، إذا ضاق بك الأمر، وتركت العلائق إلا من الله فتح عليك باب البشارة، وأدخلك دار كرامته.

стр. 1086

(فاختلف الأحزبُ مِنْ بَيْنهم) ، أي من تلقائهم، ومن أنفسهم وأن الاختلاف لم يخرج عنهم. والأحزاب: اليهود والنصارى، والحق خلاف أقوالهم كلِّها. (فوَيْلٌ للذين كفروا) : قد قدمنا أنَّ الويل هو الحزن والثّبور. ورُوي هذا الكفر الذي كفروا عن قتادة أن بني إسرائيل جمعوا من أنفسهم أربعةَ أحبار غايةً في المكانة والجلالة عندهم، وطلبوا أن يبينوا أمر عيسى، فقال أحدهم: هو الله نزل إلى الأرض، فأخيا من أَحيا وأَماتَ من أمات. تم صعد فقال له الثلاثة: ليس الأمر كذلك. واتبعه اليعقوبية. ثم قال أحد الثلاثة: عيسى ابن الله، فقال له الاثنان: كذبت، واتبعه النسطورية. ثم قال أحدهما: عيسى أحد ثلاثة: عيسى إله، وأمه إله، والله إله. فقال له الرابع: كذبْتَ واتبعه الإسرائيلية. فقال الرابع: عيسى عبد الله وكلمتُه ألقاها إلى مريم، فاتبع كلَّ واحد من الأربعة فريقٌ من بني إسرائيل، ثم اقتتلوا، وغلب المؤمنون، وقتلوا، وظهرت اليعقوبية على الجميع. وروي أنه في ذلك نزلت: (إنَّ الذين يكفُرون بآيات الله) . فإن قلت: ما الفرق بين وصفهم هنا بالكفر، وفي الزخرف بالظلم؟ فالجواب أنً الكفر أبلغ من الظلم. وقصة عيسى في سورة مريم مشروحة فيها، ذكر نسبهم فيها إلى الله تعالى، حتى قال: (ما كان للهِ أن يتخذ مِنْ وَلَدٍ سبحانه) ، فذكر بلفظ الكفر. وقصته في الزخرف جملة فوصفهم بلفظٍ دونه وهو الظلم. وقيل غير هذا من الأجوبة حذفناه اختصاراً. (فلا تَعْجَلْ عليهم) ، أي لا تستبطىء عذابهم وتطلب تعجيله، إنما نعُدّ مدة بقائهم في الدنيا. (فلما أتاها نُودِيَ يا موسى) . ضمير الإتيان راجع إلى النار، ولم يناده من الشجرة، وإنما ناداه عند وصوله إليها، وإنما أمره بخلع نعْليْه، لأنهما

стр. 1087

كانتا من جلد حمار ميِّت، فأمر بخلع النجاسة. واختار ابن عطية أنه إنما أمِر بخلعهما ليتأدب، ويعظّم البقعة المباركة، ويتواضع في المناجاة مع خالقه (١) . وأين هذا المقام من مقام سيدنا ومولانا محمد ﷺ لما زُجَّ به في عالم العزَّة! أراد أن يخلع نعلية، فإذا النداء: يا محمد، لا تخلع نعليك. فقال: يا ربِّ سمعتك تقول لموسى: (فاخلع نعليك) . فقال: يا محمد، لئن أمرت موسى بنزع نعليه على جبل الطور فقد أبحنا لك أن تطأ بنعليك على بساط النور، لأنك المكرَّم عندنا، والعزيز لدينا (٢) . اللهم بحرمته لديك اعف عنا واغفر لنا. قيل أصحاب الشجرة في القرآن أربعة: آدم: (ولا تَقرَبا هذه الشجرة) ، وموسى: (نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقْعَةِ المباركة من الشجرة) . ومريم: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ) . ومحمد ﷺ : (إذ يبَايعونك تَحْتَ الشجرة) . فآدم دَنا من شجرته باختيار نفسه، فصارت عليه محنة، حتى خرج منها بسببها. وموسى دنا من شجرته بالأمر، فصارت عليه بركة، وأوْصله بالوادي المقدس، ونودي (إني أنا رَبُّك) . ومريم دَتتْ من شجرتها باخْتِيار نَفْسها، فصارت عليها محنة، حتى قالوا ما قالوا، ونالها من الألم ما نالها، ولم تَصِلْ إلى رزقها إلا بالعناء. والنبي ﷺ دنا من شَجَرته من حيث الأمر، فعادت عليه رحمةً، وبايعوه تحتها، وظهر الإسلام، واستقام الشرع. وكذلك مثَّل الله الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة. وقيمة الشجرة بالثمار والأنوار، وقيمة المؤمن بمعرفة الجبَّار، كأنه تعالى يقول: قلبك بموضع شجرة إنباتها معرفتي، وثمرها شهادتي، ونورها حديثي ومنها تصير يا عبدي موحِّدي.. . آدم قصد شجرةً وفيها للعدو نصيب، - فأصابه من الذلِّ والمِحَن والخروج من الجوار ما أصابه (٣) . والشجرة التي هي في موضع نظري ومقام معرفتي إذا قصدها الشيطان أتراني أسلمها له، وأنا أنظر إليها كل يوم ثلاثمائة وستين

стр. 1088

نظرة لحُرمتها، أفتراني أسلمها للشيطان إذا قصدها! بل أطرده وأكافئه كما كافَأت آدم، حين قصد شجرة فيها للعدو نصيب أخرجته منها لنصيبه. والشجرة التي هي نصيبى أكافئه بأن أضع ذنوبك على عنقه، وأدخلك الجنة لنصيي فيك. فإن قلت: قد اختلفت الألفاظ في قصة موسى، ففي موضع قال: آتاها، وفي موضع: جاءها، وفي آية: (إني أنا ربُّك) ، وفي آية: (إني أنا الله) ؟ فالجواب أن لفظ جاء وأتى بمعنى واحد، لكن كثُر هنا لفظ الإتيان، نحو: فأتِيَاه، فلنأتينّك، ثم أتى، ثم ائْتُوا صفا. وكثُر في النمل لفظ جاء، نحو: (فلما جاءهم) . (وجئتك من سبَأ) . (فلما جاء سليمان) . وإنما أبرز الضمير في هذه الآية بقوله: ربك، لأنه خاطبه مرّتين، كل مرة بما يليق به، ففي الأولى أظهر له النعمة في إنجائه من فرعون، وتحنّن شعيب له، وإكرامه بالكلام. فلما تأنّس وزالت عنه الدهشة خاطبه بالألوهية الْمشْعرة بالخوف من هذا الاسم العظيم. فسبحان اللطيف بعباده، الْمُنْعم عليهم بنعمه: خلقهم بلا مثل، وصورهم بلا مشاورة، ورباهم بلا قوة، وهداهم بلا شفاعة، ورزقهم بلا دعوة، وأمرضهم بلا واسطة، وشفاهم بلا دَوَاء، وأماتهم بالعدل، وأحياهم بالقدرة، وغفر لهم بالرحمة. وقد قدمنا أنَّ موسى خرج لطلب النار، فوجد الجبَّار. ويوسف خرج للنزهة فوجد العبودية. وبلقيس خرجت للنظر فوجدت المعرفة. وطالوت خرج لطلب حماره فوجد الملك. وأنت يا محمديُّ إذا خرجتَ من الدنيا لِطَلَب مَوْلاك أفتراك لا تجده وقد خرجت لأجله! كلا، بل تجده، وينيلُك ما انتهت عيْنُك، ولذَّت نفسك.

стр. 1089

ألا تراه قال لموسى لا توجّه تِلْقَاء مدين وجاع وعَيي ورفع رأسه فقال: أنا الغريب الفقير المريض - فأجابه: الغريب الذي ليس له مثلي حبيب، والفقير الذي ليس له مثلي نصيب، والمريض الذي ليس له مثلي طبيب. فرضي بهذه الكلمات. (فلا يَصدّنَّكَ عنها) : الضمير للساعة، أي لا يصدنَّكَ عن الإيمان بها والاستعداد لها. والخطاب لموسى. وقيل لنبينا ومولانا محمد، وهو بعيد، لأنه قد استعدَّ لها. وقيل الضمير للصلاة، وهو بعيد. (فتَرْدَى) ، أي تهلك. وهذا الفعل منصوب في جواب (لا يصدنَّك) . (فألْقَاهَا فإذا هي حيَّةٌ) : لما ذكر موسى ﵇ المنافع التي كانت في عصاه بسؤال الله له أمره أنْ يُلْقيها ليَرَى فيها عجائب غير التي كانت فيها، ويعلمَ أن الله يؤيده وينصره ويعزّه، فألقاها امتثالاً لأمْرِ ربه، فقلب الله أوصافَها وأعراضها، فصارت حيّةً تسعى، أي تنتقل من مكان إلى مكان. والحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى، والصغير والكبير. وقد قدمنا أنَّ الله سمّاها بأسماء مختلفة: بالحية، والثعبان، والجان، فأراد بالحية أول أمرها صغيرة رقيقة، ثم تتزايد وتصير كالثعبان في سرعة حركة الجان. وقيل: كان لها عرْف كعرف الفرس، وكان بين لَحْيَيْها أربعون ذراعاً (١) . قال ابن عباس: انقلبت ثعباناً ذكراً يبتلعُ الحجرَ والشجر، لها كلام كالرعد القاصف. فلما رآها موسى كذلك خاف. وقد قدمنا أن خوفه إنما كان ممن أجل عِلْمه أنها كانت من الشجرة التي أكل منها آدم، وقيل: لأنها كانت معجزة بالخوف منها، فخاف منها كل أحد. فقال الله له: يا موسى، اذهب بها إلى فرعون، وخُذْها، ولا تَخَفْ، سنُعيدها سيرتها الأولى. وموسى أمّنه الله من أربع مخاوف: من إلقاء العصا، وفرعون، وقومه، ومن قَتْل القبطي، فأمنه الله منها جميعا.

стр. 1090

وأنت يا محمدي إذا رجعْتَ إليه أفتراه لا يُنجيك من غمِّ الدنيا، وعند النّزعْ، وفي القبر، وفي أهوال القيامة. وقد قال لك: (إن الله مع المؤمنين) . إن الله مع الصابرين) . (إن الله مع الذين اتَّقَوْا) . (وإن الله لَمَعَ المحسنين) . موسى كانت في يمينه العصا، فضرب البحر بها فانفلق حتى جاوزَه هو وقومه، والمؤمن الذي بيده كتاب ربِّه أتراه لا يضرب به بحرَ الموت فينفلق له، ويقول له: كن عليَّ رحمةً (١) فتنزع روحه نوماً برفْق كالقطر من الصفا، كما صح عنه ﷺ أنه قال لملك الموت: " ارفق بأمتي. فقال له: أبشر، فإني بكل مؤمن رفيق ". (فاقذفيه في الْيَمِّ) : اليم: هو البحر، وأمْر الله في هذه الآية لأمّ موسى أن ترميه في بَحر النيل، لأن فرعون لما ذكر له أن هلاكَه على يد رجل من بني إسرائيل أمر بذبح كلّ ذكر يولد لهم، فألقَتْه في تابوت، وألقت التابوتَ في البحر، وكان فرعون في موضع يُشْرف على النيل، فلما رأى التابوتَ أمر به فسِيق إليه، وامرأتُه معه، ففتحه فأشفقت عليه امرأته، وطلبت أن تتخذه ولداً، لأنها لم يكن لها ولد، فأباح لها ذلك، فذلك قوله: (وألقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبّةً مني) . فهذه المحبةُ نفعت امرأة فرعون، وكذلك صَفُورا نفعت محبتها لموسى، وزُليخا ليوسف، وخديجة لمحمد ﷺ . فالمؤمن الذي يحبُّ الله ويحبُّه الله أفتراه لا تنفعه محبته، وهو يقول: (يحبُّهم ويحبُّونَه) ، ولم تكن هذه المحبة إلا لأمّة الحبيب، لأنه كان حبيباً، وحبيبا كحبيب حبيب، ألا ترى آدم كان صفيًّا، فلم يجد أحد من قومه الصفوة، وإبراهيم كان خليلاً فلم يجد أحدٌ من قومه الخلة، وهكذا سائر الأنبياء، لكن من علامة المحبة أولها الإفلاس، وآخرها الوَسواس، ومن فَرّ منه دعاهُ بكثرة الإحسان حتى يستحيي من الله، فيرجع إليه. (فتقول هل أدُلّكم على مَنْ يَكفُلُه) : يعني أنَّ فرعون لما أخذه من التابوت، وأسلمه لآسية صارت ترْضعه في المراضع، فلم يَقْبَل ثَدْيَ مرْضعة.
следующие страницы →