← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1417

معترك الأقران في إعجاز القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (1 547 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

قال: استهزأوا بالبينات وبما جاءوا به من علم الوَحْي. ويدل عليه قوله: (وحاق بهم ما كانُوا به يَسْتَهْزئون) ، جزاء جهلهم واستهزائهم. وقيل: الضمير عائد على الأنبياء، وفي هذا التأويل حَذْفٌ، وتقديره: فَلمّا جاءتهم رسلُهم بالبينات كذّبوهم، ففرح الرسل بما عندهم من العلم والثقة به، وبأنه سينصرهم. و (حاق) معناه نزل بهم وثبت، وهي مستعملة في الشرِّ. و (ما) في قوله: (ما كانوا) هو العذاب الذي كانوا يكذِّبون به ويستهزئون بأمره. والضمير في بهم عائد على الكفار بلا خلاف. فإن قلت: ما معنى ترادف هذه الفاءات في هذه الآيات؟ قلت: أما قوله: (فما أغْنَى عنهم ما كانوا يكسبون) . فهو نتيجة قوله (كانوا أكثر منهم) . وأما قوله: (فلما جاءتهم رسلُهم بالبينات فرحوا) ، فجارٍ مَجْرَى البيان والتفسير لقوله تعالى: (فما أغْنَى عنهم) ، كقولك: رُزِق زيد المال فمنع المعروف، فلم يُحسن إلى الفقراء. وأما قوله: (فلما رَأوْا بَأسَنا قالوا آمَنَّا) ، فكذلك: (فلم يك ينفعهم إيمانُهم) ، تابع لإيمانهم لما رأوْا بَأس الله. فحق لمن سمع هذه الموعظة أنْ يبادر إلى الطاعة، ولا يتأنَّى. بلى، والله. وقعت منا المخالفة وقتَلْنَا أنفسنا بالمعاصي بئس ما اخترنا! كم وعظنا المشيب ولا قبلنا، علمنا أنَّ الدنيا ثلاثة أنفاس: نفَس مضى عملنا فيه ما عملنا، ونَفَس لا ندري أَنملكه أم لا، فليس لنا إلا النفس الذي نحن فيه. حرصنا على درهم لا ندري لمن يبْقَى، ومزقنا ثوب المعاصي ولم نكفه بتوبة، فما أسرع الملتقى! أليس هذا من العمى، إذا شغلنا بالدنيا خسرنا فكيف يكون حالُنا وقد شغلتنا المعاصي عن الإقبال عليه! بئس ما استنفدنا زمانَ الصبا في المعاصي واللهو، ولم ننته في الكبر عن لَهْونا، ولو تُبْنَا لحقَّ لنا البكاء، فكيف وقد انهمكنا! إذا تاب الشيخ

стр. 1122

يقول الله : الآنَ جئتنا حين ضعفَتْ مفاصلك. الآن وقد ذهبت قُوّتك. الآن وقد نفد عمرك. الآن وقد قَسا بالمعاصي قَلْبك. الآن وقد ضاع في البطالة وقْتك. هذا لمن تاب، فكيف حال مَنْ هو في قَفص الطبع محجوب عن العتاب، نعقد عقدة التوبة بخيط العنكبوت ظاهراً وباطناً، نتلذّذ بها، فكيف لا نحلها، لو صدقت التوبة منا لوجدنا مرارتها، كما وجدنا حلاوتها، إلهي التوبة لا تدوم لي، والمعصية لا تنصرف عني، ولا أدري بِمَ تختم لي، غير أنَّ عفوك ورجاءك أطمعني أن أسألك ما لا أستَوْجِبه منك، فهب لي منك توبةً باقية، واصرف أزمة الشهوات عني، وحقّقني بحقيقة الإيمان، وأعنّي على نفسي والهوى والشيطان، بحرمة سيدنا ونبينا ومولانا سيد الثَّقَلين صلى الله عليه وعلى آله ما اختلف الْمَلَوان. (فإن أعْرَضوا) : الضمير لقريش، أي أعرضوا عنك يا محمد فسآخذهم أخذةً شديدةً، مثل أخذ عادٍ وثمود، وقد كانوا أشدَّ منهم قوةً وأكثر أموالاً وأولادا، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون. (فإنا بما أُرسِلتُم به كافرون) : ليس فيه اعتبار الكفار بالرسالة، وإنما معناه بما أرسلتم على قولكم ودَعْوَتكم، وفيه تهكم. (فالَّذِينَ عِنْد ربِّك) : يعني الملائكة، ووصفهم بالعندية للتشريف والتكريم، إذ يستحيل في حقه جلّ وعلا التجسيم، المجسم أعمى والمعطل أكمه. (فحكمه إلى اللَهِ) : الضمير في المختلف فيه، يعني ما اختلفتم أنتم والكفّار مِنْ أمر الدين الْحُكم فيه إلى الله بأنْ يعاقب المبطل ويُثيب المحق، أو ما اختلفتم فيه من الخصومات فتحاكَمُوا فيه إلى النبي ﷺ . وهذا كقوله: (فردوه إلى الله والرسول) . (فإمّا نَذْهَبَن بكَ فإنَّا منهم مُنْتَقِمون) : يحتمل أن يريد بهذا الانتقام قَتْلهم يوم بَدْر، وفَتْح مكة، وشبه ذلك من الانتقام في الدنيا،

стр. 1123

أو يريد به عذابَ الآخرة. وقيل: إن الضمير في (منهم منتقمون) للمسلمين، وإن معنى ذلك أن اللهَ قضى أن ينتقم منهم بالفِتَن والشدائد، وأنه أكرم نبيَّه ﷺ بموته قبل رؤيته الانتقام منهم. والصحيح أنَّ مقصد الآية وَعِيدٌ الكفار، يعني إن عَجَّلْنَا وفاتَك قَبْلَ الانتقام منهم فيقع الانتقامُ منهم بعده، وإن أخَّرْنا وفاتَك إلى حين الانتقام منهم (فإنَّا عليهم مقتدرون) . ثم شهد له بأنه على صِرَاطٍ مستقيم، وكيف لا يكون على الصراط الستقيم وقد كان يقمُّ البيْتَ، ويحلب الشاة، ويعلف الناضح، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، وينام على الحصير، ولا ينام على الوَثِير، ويسلِّمُ مبتدراً على مَنْ لقي من صغير أو كبير، ويأخذ بيد الخادم ويَطْحَن معها إذا عيَّت، حتى قال الحق فيه: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ، وأنزل عليه الكتابَ الحكيم، وشرح صَدْرَه، ويَسَّر أمره، وأعْلَى في العالمين ذِكْرَه، وأمره بالاستمساك بما أوْحى إليه، ليَقتَدِي به مَنْ بعده، فهو أحمد، وأمَّته الحامدون، ومستغفِرٌ وأمَّتُه التوَّابون، خصه الله وأمته بخصائص لم يعطها مَن تقدم في الدنيا ولا في الآخرة: في الدنيا يطول ذكرها، وفي الآخرة لا يُقدر قَدرها، كالحوض، والكوثر، واللواء الذي عَرْضُه ما بين الْمَشْرِق والْمَغْرِب مكتوب عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، تقدمته آدم ونوح، وخلفه إبراهيم وموسى، وعن يمينه جبريل وميكائيل، وعن يساره إسرافيل وعزرائيل، وساقته أصحابه وأمته، رافعاً صوته: يا ربّ، أمتي أمتي، وقد وعدتني الشفاعةَ فيهم، وهم عَبيدُك، فاغفر لهم ما جَنَوْا، ولا تُؤَاخذهم بما عَصَوا، يا أكرم الْخَلق، يا رسول الله، عبدك الصنف قد وحل في شَرَك المعاصي، ولم يجد منْقِذاً ينْقذه منه غَيْرَ جاهك العظيم، فلا تخيّبه منه، وخُذْ بيده، ولا تعامِلْة بما جفاك به، حاشا لفضلك أنْ تخيب راجياً، الخير أكبر، والمواهب أوسع! (فأنا أولُ العابدين) : هذه الآية ردٌّ على الكفار،

стр. 1124

واحتجاج عليهم، لأنهم كانوا يقولون: إنَّ له ولداً، ومعناها: لو كان للرحمن ولد كما يقول الكفار لكنْتُ أنا أول من يعبد ذلك الولد. كما يعظِّمُ خدامُ الملك ولدَ الملك لتعظيم أبيه، ولكن ليس للرحمن ولد، وما ينبغي له أن يتخذ ولداً، فلا نعبد غيره. وهذا نوع من الأدلة يسمَّى دليلَ التلازم، لأنه علَّقَ عبادةَ الولد بوجوده. ووجودُه محال، فعبادته محال. ونظير هذا أن يقول المالكي - إذا قصد الرد على الحنفي في تحليل النبيذ: إن كان النبيذ غير مسْكِر فهو حلال، لكنه مسكر فهو حرام. قال الطبري: هو ملاطفةٌ في الخطاب، ونحوه قوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) . قال ابن عطية: ونحوه قوله تعالى في مخاطبة الكفار: (أَين شركائي) يعني في زعمكم. وقد تكلم الزمخشري هنا بزعمه الفاسد بما لا يليق ذِكْرهُ للمبتدئ، وأما المنتهي فيعلم فسادَ مذهبه، ورضي الله عن ابن خليل السكوني في ردِّه عليه للتحرز منه، عامله الله بلطفه. (فاصْبِرْ كما صبرَ أولو العَزْمِ مِنَ الرسُلِ) : قد قدمنا أن الله ذكرهم في قوله: (وإذَ أخذنَا من النبيين ميثاقَهم ومنك) في هذا التقديم إشعارٌ بفَضْلِه ﷺ على مَنْ سواه. وقيل: أولو العزم الثمانية عنتر المذكورون في الأنعام، لقوله تعالى: (فبهدَاهم اقْتَدِه) . وقيل: كلّ من لقي من أمته شدة. وقيل: الرسل كلهم أولي عَزْم، فـ (مِنَ الرسُلِ) على هذا لبيان الجنس، وعلى الأقوال المتقدمة للتبعيض. (فضَرْبَ الرِّقَاب) : أصله: فاضربوا ضَرْباً، ثم حذف الفعل وأقام المصدر مقامه. والمراد قتلهم، ولكن عَبَّر عنه بضرب الرقاب، لأنه الغالب في صفة القتل.

стр. 1125

(فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) . قد قدمنا في حرف التاء اختلاف الأوزار، ومتى يكون ذلك، وانتصب المنّ والفِدَاء على المصدرية، والعامل فيهما فعلان مضمران. ومعنى الْمَنّ العتق. والفداء: فك الأسير بمال. وأمر الله في هذه الآية بوثاق الأسير حتى يفدى أو يُمنّ عليه، والإمامُ مُخَيَّر في ذلك أو القتل، والاسترقاق، وضَرْب الجزية. وقيل: لا يجوز المن ولا الفداء، لأن الآية منسوخة بقوله: (فاقْتُلوا المشركين حيثُ وجدتموهم) . فلا يجوز على هذا إلاَّ قتلهم. والصحيح أنها محكمة. (فقد جاء أشْرَاطُها) : يعني علامات الساعة، والذي جاء من ذلك مبعثه ﷺ ، لقوله: أنا من أشراط الساعة، وبعثت أنا والساعة كهاتين. وقد أخبرنا أنَّ لها دلائل، منها ظهور الفتَن وكثرة المعاصي، والحرص في الدنيا، والتنافس عليها، وتوسيد الأمر لغير أهله، فحينئذ يظهر الدجال. ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، وتفصيل هذا كلّه يحتاج لطول نفس، لكنّهم اختلفوا في أول الآيات ظهوراً، وذلك يتوقف على صحة نَقْلٍ. وظهور المهدي والدجال بعده، وعيسى بعده، ويعلم الله ما بعد ذلك. والصحيح أنها كالخرز إذا ظهرت واحدةٌ تبعتها أختها. (فأوْلَى لهم) : في معناه قولان: أحدهما أنه بمعنى أحق، وخَبَره على هذا (طاعةٌ) . والمعنى أن القول المعروف والطاعة أولى لهم وأحق. والآخر أنَّ أولى لهم كلمة معناها التهديد والدعاء عليهم، كقولك: وَيْل لهم. ومنه قولى (أوْلَى لك فأوْلى) ، فيوقف على أولى لهم على هذا القول، ويكون (طاعةٌ) ابداء كروم، تقديره طاعةٌ وقول معروف أمْثَل، والمطلوب منهم طاعة وقول معروف، أو قولهم لك يا محمد: طاعة وقول معروف بألسنتهم دون قُلوبهم.

стр. 1126

(فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ) : أسند " الأَمْرَ " إلى العزم مجازاً، كقولك: نهارُه صائم، وليلُه قائم. ويحتمل أن يريد صِدْقَ اللسان، أو صِدْق العزم والنية، وهو أظهر. وانظر كيف خرج من الغَيْبَة إلى الخطاب بقوله: (عسَيْتم) ، ليكون أبلغ في التوبيخ. والمعنى: هل يُتَوَقَّع منكم الإفساد في الأرض، وقَطْعُ الأرحام، إنْ تولّيْتم. ومعنى توليتم: صرتم ولاةً على الناس، وصار الأمْرُ لكم، وعلى هذا قيل: إنها نزلت في بني أمية. وقيل معناه: أعرضتم عن الإسلام. (كيف إذا تَوَفَّتْهم الملائكةُ) : ضمير الفاعل للملائكة. وقيل: إنه للكفار، أي يضربون وجوه أنفسهم، وذلك ضعيف. (فَلَنْ يَغْفِرَ الله لهم) : هذا قَطع بأن مَنْ مات على الكفر لا يَغْفِر الله له. وقد أجمع المسلمون على ذلك. (فلا تَهنُوا وتدْعوا إلى السَّلْمِ وأنتم الأعْلَون واللهُ معكم) : معناها لا تضْعفوا عن مقاتلة الكفار، وتبدءونهم بطلب الصلح، فهو كقوله: (وإنْ جَنَحوا للسَّلْمِ فاجْنَحْ لها) . (فَيُحْفِكُم) ، أي يلح عليكم. والإحفاء: هو أشدُّ السؤال. و (تبخلوا) جوابُ الشرط. (فسيقولون بَلْ تَحْسذوتنَا) : الضمير يعود على المنافقين. معناه أنهم يقولون: يعز عليكم مالاً وغنية. و (بل) هنا للإضراب عن الكلام المتقدم وهو قوله: (لن تَتَّبِعونا كذَلكمْ قال الله من قبل) ، فمعناه رد أن يكون الله حَكم ألاَّ يتبعوهم. وأما (بل) في قوله تعالى: (بل كانوا لا يَفْقَهون إلاَّ قَليلاً)

стр. 1127

فهي إضراب عن وصف المؤمنين بالحسد، وإثباث لوصف الْمخَلَّفين بالجهل. (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) : يعني مِنْ صدق الإيمان، وصِدْق العزم على ما بايَعُوا عليه. وقيل: مِنْ كراهة البَيْعَة على الموت، وهذا باطل، لأنه ذمّ للصحابة. (فعجّل لكم هذِه) : يعني فَتْح خَيْبَر. وقيل: إن المغانم التي وعدهم بها مغانمُ خَيْبَر، والإشارة ب (هذه) إلى صُلْح الحديبية. (فآزَرَه) : أي قوّاه، وهو من المؤازرة بمعنى المعاونة. ويحتمل أن يكون الفاعل الزرع والمفعول (شطْأه) ، أو بالعكس، لأن كلَّ واحد منهما يقَوِّي الآخر. وقيل معناه ساواه طولاً، فالفاعل على هذا الشَّطْء، ووَزْن آزره أفعله، وقيل فاعله. وقرئ بقصر الهمزة على وزن فَعَله. (فاستَغْلَظَ) ، أي صار غليظاً. (فاستَوى على سُوقِه) ، جمع ساق، أي قام الزرع على سوقه. وقيل كزرع النبي ﷺ أخرج شَطْاه بأبي بكر، فآزرَه بعمر، فاستغلظ بعثمان، فاستوى على سُوقه بعلي بن أبي طالب. (فقال الكافرون) : أي من قريش، ووضَع الظاهر موضع المضمر لقَصْد ذَمّهم، وانْهمَاكهم في الغيّ، كما قال تعالى: (أولئك هم الكافرون حَقًّا) ، هل ترى كفْرا أعظمَ من تكذيب مَنْ صدقه الله بوَحْيِه ويتعجبوا من إنذاره لهم مع علمهم بصدقه وأمانته. فإن قلت: عطفه هنا بالفاء بخلاف سورة (ص) بالواو يدلّ على أنها قضيتين؟ والجواب أنَّ آية (ص) إنما وردَتْ مورد الإخبار بمرتكبات من أفعال العرب وأقوالهم فجيء بتلك الجمل منسوقاً بعضها ببعض، وأخبر تعالى أنهم في عِزّةٍ وثقاق، وأنهم عجبوا أنْ جاءهم منذر منهم، ولم يكن من الملائكة، وأنهم رموه

стр. 1128

بالسحر والكذب، وأنهم تعجبوا من جعله الآلهة إلهاً واحداً، وأنهم تمالئوا على قولهم: (امشموا واصْبِروا على آلهتكم) ، فلما قصد هنا الإخبار بجملةٍ مِنْ مرْتكباتهم جاءت منسوقا بعضها على بعض بالواو التي لا تقتضي ترتيباً ولا تسبباً. وأما آية (ق) فمقصودٌ بها التعريف، فتعجبهم من البعث الأخْروي واستبعادهم إياه، ولم يقصد هنا غير هذا، قصده، فربطه بالفاء، أي عجبوا من البعث بعد الموت، فقالوا: كذا، فجيء لكل بما يحرزه. (فالحامِلاَت وِقْرًا) ، هي السحاب يحمل المطر. والوقر: الحمل، وهو مفعول به. (فالجارِيات يُسْرا) : هي السفن تجري في البحر، وإعرابُ " يسرًا " صفة لمصدر محذوف، ومعناه بسهولة. (فالمقْسِمَاتِ أمْراً) ، هي الملائكة تقْسم أمورَ الملكوت من الأرزاق والآجال وغير ذلك. و (أمْراً) مفعول به. وقيل: إن الحاملات وِقْراً: السفن. وقيل جميع الحيوان الحامل. وقيل: إن (الجاريات يسْراً) السحاب. وقيل: الجاري من الكواكب، والأول أشهر، لأنه قول علي بن أبي طالب ﵁. (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ) : هذا قسمٌ أقسم اللَة باسمه، كقوله: (فوَرَبِّك لنَسْألَنَّهمْ أجمعين) . ولما ذكر الله في هذه الآية رزْقَ عباده، وأنه يوصله لهم، أقسم لهم اطمئناناً لنفوسهم، ويقسم اللَّهُ في كتابه إما لفضيلة وإما لمنفعة. وأقسم بنفسه كهذه الآيات، وبفعله مثل: (والسماء وما بناها) ، وما ضاهاها من أفعاله، كقوله تعالى: (والنجم إذا هوى) . (والطور) . (والتين) . (والليل) .

стр. 1129

فإن قلت: إن كان القسم لأجل المؤمن فإنه يصدقه بغير قسم، وإن كان للكافر فإنه لا يصدقه، فما فائدته؟ والجواب أن قسمَه تعالى لإكمالِ الحجة وتأكيدها، والحاكم يقبل الحكم َ باثنين، إما بالشهادة وإمّا بالقسم، فذكر اللَّهُ القَسم في كتابه كي لا تَبْقَى لهم حجة على الله، فإنا للَه وإنا إليه راجعون على هذه العقول الخَسيسة، اختارنا من بين جامد وناي، وناطق وصامت، وذلك أنه اختار الناي من الجامد لما كان فيه من الخضرة والزهرة والطيب والمنفعة، ثم اختار الحيوان من الناي لما فيه من الحركة والقوَّة والتصرف والزينة، ثم اختار الناطق من الحيوان لما فيه من الفصاحة والذّلاقة والفِطْنَة والبصيرة، ثم أختار الممتحن من الناطق لما أفادهم من العلم والحجة والدعوة والشريعة، ثم اختار المؤمن من الممتحن لما آتاه الله من المعرفة والهِدَاية والتوحيد والشهادة، ثم اختار المحب بالثناء والبشارة والمحبة، قال تعالى: (التًائِبون الْعَابدون الْحَامِدون) . (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) . واصطفاك يا محمدي لوَحْيه، قال تعالى: (ثم أوْرَثْنَا الكتابَ الذين اصْطَفَيْنَا مِنْ عبادنا) . فأنت مختار المختار، ووعدَك برزقه كي تتفرغ لخدمته، وضَمِنه لك ولم تَثِقْ بضمانه حتى أقسم لك به، فأعرضْتَ عن هذا كله، واشتغلت بالمعاصي والفجور عن طاعته، أما علمت أنَّ زلَّة الوزير ليست كزلَّةِ العامّة، يعْصِي الوزير فيضرب رَقبته، ويعصي أحَد العامة فلا يُلتفت إليه، أليس من الغبْنِ العظيم والرزء الجسيم - أنك تثق بمخلوق مثلك، يقول لك: غذاؤك اليوم والعشاء عليَّ فلا تدَبّر معه، وتَثِق بقوله، ولا تثق بقول أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين! وأعظم من هذا أنْ لو قاله لك يهودي أو نصراني لوثقت بقوله، ولم تَثِقْ بإلهك الذي خلقك وصوّرك ووعدك، ورَضِي الله عن الإمام علي في قوله: اتطْلُب رِزْق الله مِنْ عند غيره ... وتصْبح من خوف العواقب آمنا وترضى بطرف وإن كان مشركاً ... ضَمِيناً ولا ترْضى بربك ضامنا

стр. 1130

قال بعضهم: نبشت على أكثر من سبعين فوجدت وجوهَهم محوَّلة عن القِبْلة، وذلك اتهامهم ربّهم. اللهم ارحمنا إذا صرْنا إليك. (فقالوا سلاَماً) : نصب على أنه في معنى الطلب، وهو مفعول بفعل مضمر. وموقع الثاني مرفوع لأنه خبر تقديره: عليكم سلام، وهذا على أن يكون السلام بمعنى السلامة، وإن كان بمعنى التحية فإنه رفع الثاني ليدلّ على إثبات السلام، فيكون قد حياهم بأكثر مما حيَّوْه، وينتصب السلام الأول على هذا على المصدرية، تقديره سلمنا عليكم سلاماً، ويرتفع الثاني بالابتداء تقديره سلام عليكم. (فتَوَلَّى بركْنِه) ، أي أعرض فرعون عن الإيمان، واستمسك بقوته وسلطانه، وقال: موسى ساحر أو مجنون. (فأخذَتْهُم الصاعِقةُ وهم يَنْظُرون) ، لأنها كانت بالنهار، زيادةً في نكالهم، إذ ليس الموت صَبْراً كالغِيْلةِ. (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) : أمر الله في هذه الآية بالإيمان به والدخول في طاعته، وعبَّر عن الأمر بذلك بلفظ الفِرَار، لينَبه على أن وراء الناس عقاباً وعذابا أليماً حَقُّه أن يُفَرّ عنه إن لم يُفَر منه طوْعاً يفر منه خوفاً، ونحن لم نفر منه لا طوعا ولا خوفاً، ولو علمنا ما تحت هذه الكلمة من التحذير والاستدعاء لم يهدأ رَوعنا، ألاَ تراه كرَّره للإبلاع وهزّ النفس للتشمير. وتحكيم التحذير، وإعادة الألفاظ بعينها في هذه المعاني بقرينة شدة الصوت، لكن الجاهل ضعيف الاستخراج، فيا لها من مصيبة لو عقلها العاقلُ. (فإنَّ للذِين ظَلموا) : هم كفار قريش وأصحابهم ممن تقدم من الكفار، يعني أن لهم نصيبا من العذاب.

стр. 1131

(فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ) : أي المغلوبون في الكيد. ويعني مَنْ تقدم الكلام عليهم وهم قريش، فوضع الظاهر موضع المضمر. (فبأيِّ آلاءَ رَبِّكَ تتَمارى) : هذه مخاطبة الإنسان على الإطلاق، يعني بأي نِعَمِ ربك تشكّ، وقد منّ عليكَ، وجعل رَحِمَ أمِّكَ سكنَك، والأرضَ مِهادك، والشمسَ سِرَاجك، والإسلام خلقتك، ومحمد نبيك، والكعبة قِبْلتك، والجنةَ منزلك، والنارَ سِجْن أعدائك، والملائكة خدامك، والشيطانَ حِبَالَ عِصْيانك، والعقل والفَهْم والانتباه خصالك، فما لك أعرضْتَ عنا وتركت الالتفات إلينا! أهكذا معاملتك معنا! بئس العبد، لنعم الرب. (فما تغْنِ النّذر) ، بمعنى الاستبعاد والإنكار. (فتَوَلَّ عنهم) : لعلمك أن الإنذار لا ينفعهم، وأمره بالإعراض عنهم لمّا لم يَقْبَلوا كلامَه. وفيه إشارة إلى أن مَنْ لم يقبل الإنذارَ يُعرض الله عنه، وإذا أعرض عنك أيها الأخ كيف يكون حالك؟! (فكذبوا عَبْدَنا) ، يعني محمداً عبدنا، فما أشرفها من إضافة لأنه قرنه بنون العظمة. (فكيف كان عَذَابي ونذُر) : توقيف فيه تذكير لقريش. والنّذُر: جمع نذير. (فتعَاطى فَعَقَر) ، أي اجْتَرأ على أمرٍ عظيم، وهو عَقْر الناقة. وقيل: تعاطي السيف. (فبأَيِّ آلاءِ رَبِّكما تكذِّبَان) وما بعدها،: الآلاء: هي النعم، واحدها إلَى على وَزْن فعًى. وقيل ألاً على وزن فعاً، وقيل غَيْر هذا. والخطاب للثَّقَلين: الإنس والجن، بدليل قوله: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) . وروي أنه لما قرأ رسولُ الله ﷺ هذه الآيات سكت أصحابه، فقال:

стр. 1132

إن جواب الجن خَيْر من سكوتكم، إني لما قرأتها عليهم قالوا: لا تكذب بشيء من آلاء رَبِّنا. وكرر هذه الآية تأكيداً ومبالغة. وقيل: إن كل موضع منها يرجع إلى معنى الآية التي قبلها، فليس بتأكيد: لأن التأكيد لا يزيد على ثلاث مرات. (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) : قد قدمنا أن السؤال المنفي هنا على وَجْه الاستخبار وطلب الصرفة، إذ لا يحتاج إلى ذلك، وأَما السؤال فلا بد منه، قال تعالى: (فورَبِّكَ لنَسْألنَّهمْ أجْمَعين) . وأحوال القيامة مختلفة على حسب الخلق. (فاكهةِ زَوْجَان) . أي من كل ما يتفَكَّه به نوعان، بخلاف الدنيا، وإنما جعل ما فيها أنموذج على ما في الجنة لا أنه مثلها. (فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) : الضمير للمأكول ووزن الهيم فعل، بضم الفاء، وكسرت الهاء لأجل الياء، وهو جمع أهيم، وهو الْجَمل الذي أصابه الْهُيَام بضم الهاء، وهو داء معطش يشرب منه الْجَمَل حتى يموت أو يسقم، والأنثى هَيْماء. وقيل: هو جمع هائم وهائمة. وقيل: الهيم: الرمال التي لا ترى من الماء، وهو على هذا جمع هَيام بفتح الهاء. وقرِئ شُرب بضم الشين، واختلف هل هو مصدر أو اسم للمشروب. وقرئ بالفتح، وهو مصدر. فإن قلت: كيف عطف قوله: (فشاربون) على (شاربون) ، ومعناهما واحد؟ فالجواب أنَّ المعنى مختلف، لأن الأول يَقْتَضِي الشرب مطلقاً، والآخر يقْتَضِي الشرب الكثير المشبه لشرْبِ الهِيم. (فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ) : تحضيض على التصديق. إمَّا بالخالق تعالى، وإما بالبعث، لأنَّ الخلقة الأولى دليل عليه.

стр. 1133

(فلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ) : تحضيض على التذكّر والاستدلال بالنَّشْأة الأولى على النَّشأةِ الآخرة. وفي هذا دليل على صحةِ القياس. (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) : لولا هنا عرض، والضمير في (بَلَغَتِ) للنفس، لأن سياقَ الكلام يقتضي ذلك، وبُلوغها الحلقوم حين الموت، والفعلُ الذي دخلت عليه " لولا " هو قوله: (تَرْجِعونَها) ، أي هلاَّ ردَدْتم النفس حين الموت. ومعنى الآية: احتجاجٌ على البشر، وإظهارٌ لعجزهم، فإنهم إذا حضر أَحدَهم الموتُ لم يقدروا أن يردّوا رُوحَه إلى جسده، وذلك دليلٌ على أنهم مقهورون تحت قدْرته، (وهو القاهِر فوق عباده) ، والمقهور لا يقدر على شيء، وذلك أشدُّ لحسرته. (فَسَلاَم لكَ مِنْ أصحابِ الْيَمِين) : معنى هذا على الجملة نجاة أصحابِ اليمين وسعادتهم. والسلامُ هنا يحتمل أن يكون بمعنى السلامة أو التحية. والخطابُ في ذلك يحتمل أن يكون للنبي ﷺ ، أو لأصْحَابِ اليمين. فإنْ كان للنبي ﷺ فالسلام بمعنى السلامة. والمعنى سلامٌ لك يا محمد منهم، أي لا ترى فيهم إلا السلامة من العذاب. وإن كان الخطابُ لأصحاب اليمين فالسلام بمعنى التحية. والمعنى سلام لكَ، أي تحية لك يا صاحب اليمين من إخوانك، وهم أصحاب اليمين، أي يسلِّمون عليك فهو كقوله: (إلا قِيلاً سَلاماً سلاماً) . أو يكون السلام بمعنى السلامة، والتقدير سلامة لك يا صاحبَ اليمين، ثم يكون قوله: (مِن أصْحَاب اليمين) - خَبر ابتداء مضمر، تقديره أنت من أصحاب اليمين. فهنيئاً لكَ يا محمديُّ بما منحكَ اللَّهُ من هذه التحية التي حيَّا بها أنبياءَه وأصفياءَه في قوله لنوح: (اهبِطْ بسلامٍ منَّا) . ولإبراهيم: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) . حياك في الدنيا بقوله: (وسَلامٌ على عباده الذين اصْطَفى) .

стр. 1134

وفي الآخرة يأتيك الملكُ بكتابِ منه: أمّا بعد السلام عليك فزرنا، لأنا اشتقنا لكَ، لا رَاعَى الله مَن لا يرَاعي الذَمم. (فَسبِّحْ باسْمِ رَبِّك العَظيم) : لما نزلت هذه الآية قال ﷺ : اجعلوها في ركوعكم. فلما نزلت: (سَبّح اسْمَ رَبِّكَ الأعلى) قال: اجعلوها في سجودكم. فلذلك استحبَّ مالك وغيره في السجود سبحان ربي الأعلى، وفي الركوع سبحان ربي العظيم، وأوجبها الظاهرية. ويحتمل أن يكون المعنى سبَح اللهَ بذكر أسمائه، والاسم هنا جنس الأسماء. والعظيم صفةٌ للرب، أو يكون الاسم هنا واحداً، والعظيم صفة له، وكأنه أمره أن يسبِّحَ باسمه الأعظم، ويؤيِّد هذا ويشير إليه اتصالُ سورةِ الحديد بها، وفي أولها التسبيح، وجعله من صفات اللهِ وأسمائه. وقد قال ابن عباس: اسْم الله الأعظم موجودٌ في ست آيات من أول سورة الحديد. ورُوي أنَّ الدعاءَ بعد قراءتها مستجاب. (فالذِين آمَنوا منكم وأنْفَقوا لهُمْ أجْرٌ كَبِير) : نزلت في عثمان بن عفان ﵁، فإنه جهَّز جَيْش العُسْرة يومئذ. ولفْظ الآيةِ مع ذلك عامّ، وحكمها باق لكل من أنفق في سبيل الله وطاعته، ويدخل فيه النفقة على العِيال بنيَّة تعفُّفهم وإعانتهم، بل هي من أعظم النفقات للحديث: " دِرْهم يُنفقه أحدُكم على أهله خير من ألْف ينفقها في سبيل الله ". (فطَالَ عليهم الأمَدُ) : أي مدة الحياة وقيل انتظار القيامة. وقيل انتظار الفتح. والأول أظهر. (فمنهم مهْتَدٍ) : قد قدمنا أن الضمير راجع لذرية نوح وإبراهيم لتقدم ذكرهها، ولأن منهم اليهود والنصارى وغيرهم. (فافْسَحُوا) : هو التوسع دون القيام، لأنه منهيٌّ عنه للحديث: " لا يقم أحدكم من مجلسه ثم يجلس الرجل فيه، ولكن توسَّعوا وتفَسَّحوا ". واختلف: هل هذا النهي محول على التحريم أو الكراهية،

стр. 1135

ْ (فَانْشزوا) ، أي ارتفعوا. واختلف في هذا النشوز المأمور به، فقيل: إذا دعوا إلى قتال أو صلاة أو فعل طاعة. وقيل: إذا أمروا بالقيام مِنْ مجلس رسول الله ﷺ ، لأنه كان يحبُّ الانفرادَ أحياناً، وربما جلس قوم حتى يُؤْمَروا بالقيام، ولهذا أخبر اللَّهُ أنَّ جلوسهم (كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) . (فَبَايعْهُنَّ) : الضمير يعود على النساء اللواتي بايَعْنَ رسول الله ﷺ في ثاني يوم الفتح على جبل الصَّفَا، وبايعهنَّ بالكلام، ولا تمس يده يدَ امرأة. وقيل: إنه غمس يَدَه في الماء ودفعه إلى النساء، وغمس أيديهن فيه. وروي أنه لما بايعهنَّ رسولُ الله ﷺ هذه المبايعة فقرَّرَهنَ على ألاَّ يسرِقْنَ، قالت هند بنت عتبة، وهي امرأة أبي سفيان بن حرب: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجلٌ شَحِيح، فهل عليَّ إن أخذتُ من ماله بغير إذنه، قال: خُذِي ما يكفيك ووَلدك بالمعروف، فلما قَرَّرهن على ألا يَزْنين قالت هند: يا رسول الله، أتزني الحرة، فقال ﵇: لا تزني الحرة - يعني في غالب الأمر، وذلك أن الزني في قريش إنما كان في الإمَاء. فلما قال: (ولا يَقْتُلْنَ أولادهن) قالت: رَبّيْناهم صغاراً وقتَلْتَهم أنت ببَدْر كباراً، فتبسم ﷺ ، فلما وقفهن على ألاَّ يعصينه في معروف قالت: ما جلسنا هذا المجلس وفي أنفسنا أنْ نعصيك. وهذه المبايعة للنساء إنما كانت في ذلك اليوم، ولا يعمل بها اليوم، لإجماع العلماء على أنه ليس على الإمام انْ يشترط عليهن هذا. فإمَّا أنْ تكون منسوخة ولم يذكر الناسخ، أو يكون ترك هذه الشروط، لأنها قد تقررت وعُلمت من الشريعة فلا حاجة إلى اشتراطها. (فلما جاءَهُم بالبَينَاتِ) : يحتمل أن يريد عيسى أو محمد - صلى الله عليهما وسلم. ويؤيدُ الأولَ اتصاله بما قبله. ويؤيد الثاني: (وهو يُدْعَى إلى الإسلام) ، لأن الداعي إلى الإسلام هو محمد ﷺ . (فأصبَحُوا ظَاهِرين) : قيل إنهم ظهروا بالحجة.

стр. 1136

وقيل غلبوا الكفار بالقَتْل بعد رَفع عيسى ﵇. وقيل: إنَّ ظهور المؤمنين منهم هو بمحمد ﷺ (فقالوا أبَشَر يَهْدونَنا) : استبعدوا أن يرْسل الله بشراً، أو تكبَروا عن اتباع بَشر. والبشر يقع على الواحد والجماعة. (فإذَا بلَغْنَ أَجلَهنَّ فأمْسكوهنَّ بمعروف أو فَارِقوهنَّ بمعروف) : يعني في أداء الصدَاق والإتباع حين الطلاق. وبلوغ الأجل خطابٌ بآخر العدة. والإمساك بمعروف هو تحسين العشرة وتَوْفِية النفقة. فإن قلت: ما الحكمة في تعبيره في آية البقرة بالسراح في مكان الفراق هنا؟ والجواب لاكتناف آية البقرة النهي عن مضارَّة النساء وتحريم أخْذ شيء منهن ما لم يكن منهن ما يسوغ ذلك من ألاَّ يقما حدودَ الله، فلما اكتنفها ما ذُكر واتْبع ذلك بالمنع عن عَضْلِهنَّ، وتكرر أثناء ذلك ما يفهم الأمر بمجاملتهن والإحسان إليهن حالَي الاتصال والانفصال لم يكن لينَاسِبها - قصد من هذا أن يعبّر بلفظ: (أو فارقوهن) ، لأن لفظ الفراق أقرب إلى الإساءة منه إلى الإحسان، فعوَّل إلى ما يحصل منه المقصود مع تحسين العبارة، وهو لفظ التسريح. فقال تعالى: (فأمْسِكوهنَّ بمعروفٍ أوْ سرحوهن بمعروف) ، وليجري مع ما تقدم من قوله تعالى: (الطلاق مرَّتَان فإمساكٌ بمعروف أو تسريح بإحسان) . وقيل هنا: بإحسان، ليناسب به تعالى المذكور من قوله: (أو تسريح) . وقد رُوعي في هذه الآي كلِّها مقصد التلطّف، وتحسين الحال في الصحبة والافتراق، ولما لم يكن في سورة الطلاق تعرّض لعَضْل، ولا ذِكْر مضارة - لم يذكر، وورد التعبير بلفظ: (أو فارقوهنَّ) ، على الانفصال، ووقع الاكتفاء فما يراد من المجاملة في الحالين بقوله: معروف، وبانَ افتراق القِصتين في السورتين، وورود كل من العبارتين على ما يجب. (فأنْفِقوا عليهنَّ حتى يضَعْنَ حَمْلهن) : اتفق العلماء على وجوب النفقة للمطلقة الحامل، عملاً بهذه الآية، إذَا كان الطلاق رجْعِيًّا.

стр. 1137

وإن كان بائناً فاختلفوا في نَفَقتها. وأمّا المتوفَّى عنها إذا كانت حاملا فلا نفقة لها عند مالك والجمهور، لأنهم رأوا أنَّ هذه الآية إنما هي في المطلقة. وقال قوم: لها النفقة في التركة. (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) : هو أبو بكر الصديق على قول مَنْ قال إنه مفرد. وقيل علي بن أبي طالب. وعلى القول بأنه جمع محذوف النون للإضافة فهو على العموم في كلِّ صالح. والخطاب لنبينا ومولانا محمد ﷺ ، يعني إن تعاونتما عليه بما يسوؤه من إفراط الغيرة وإفشاء سره ونحو ذلك فإنَّ له مَنْ ينصره. ومولاه هنا يحتمل أن يكون بمعنى السيد الأعظم فيوقف على (مولاه) ، ويكون (جبريل) مبتدأ و (ظهير) خبره وخَبَر ما عطف عليه. ويحتمل أن يكون المولى هنا بمعنى الولي الناصر، فيكون (جبريل) معطوفاً، فيوصل مع ما قبله، ويوقَف على (صالح المؤمنين) ، ويكون (الملائكة) مبتدأ و (ظهير) خبره. وهذا أرجح وأظهر لوجهين: أحدهما: أن معنى الناصر أليق بهذا الموضع، فإن ذلك كرامة للنبي ﷺ وتشريفٌ له. وأما إذا كان بمعنى السيد فذلك يشترك فيه النبي ﷺ مع غيره، لأنَّ اللهَ مولى جميع خلقه بهذا المعنى، فليس في ذلك إظهار مزيّة له. والوجه الثاني: أنه ورد في الحديث الصحيح أنه لما وقع ذلك جاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ما يشقّ عليك من أمْرِ النساء، فإن كنْتَ طلقتَهنَّ فإن الله معك وملائكته، وجبريل معك، وأبو بكر معك، وأنا معك، فنزلت الآية موافقة لقول عمر، فقوله: معك يقتضي معنى النصرة. وقد أفرد جماعة ٌ من العلماء تصنيف ما نزل من القرآن على لسان بعض الصحابة. والأصل فيه موافقاث عمر، وقوله ﵁: وافقت ربي، ووافقني في أربع مرات: في الحجاب.وفي أسارى بَدْر. وفي مقام إبراهيم.

стр. 1138

وفي قوله: (ولقد خلقنا الإنسانَ من سُلاَلةٍ من طين) . لما نزلت قلت أنا: (فتبارك الله أحسن الخالقين) ، فنزلت كذلك. وأخرج عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن يهودياً لقِي عُمر بن الخطاب فقال: إن جبريل الذي يَذْكره صاحبُك عدوٌّ لنا. فقال عمر: مَنْ كان عدوًّا للَه وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل فإنَّ الله عدو للكافرين، فنزلت كذلك. وأخرج الترمذي، عن ابن عُمر - أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: " إن الله جعل الحقً على لسان عمر وقَلْبه ". قال ابن عمر: ما نزل بالناس أمر قط فقالوا وقال إلاَّ نزل القرآنُ على نحو ما قال عمر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة، قال: لما أبطأ على الناس الخبر في أحُد خرجن يستخبرن فإذا رجلان مُقْبلان على بعير، فقالت امرأة: ما فعل رسول الله ﷺ ، قالا: حَيٌّ. قالت: فلا أبالي، يتخذ الله من عباده الشهداء، فنزل قوله تعالى: (ويَتَّخذَ منكم شهَداء) . (فلَمَّا رَأوه زُلْفةً) : أي قريباً، وضمير الفاعل للكفار، والمفعول للعذاب. (فطافَ عَلَيْهَا طائِف) : الطائف: الأمر الذي يأتي بالليل. (فتَنَادَوْا مُصْبِحين) : أي نادَى بعضهم بعضاً حين أصبحوا، وقال بعضهم لبعض: اغدوا على حَرْثكم، فلما لم يعرفوها ورأوا ما أصابها قالوا: (بل نحن محرومون) ، أي حَرمنا الله خيرها، فقال أوسطهم، وهو أفضلهم: (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ) . وهو عبارة عن طاعة الله وتعظيمه. وقيل: أراد الاستثناء في اليمين، كقوله: إن شاء الله. والأول أظهر، لقولهم بعد ذلك: (سبحان ربِّنا إنَّا كُنَّا ظالمين) (فأقْبل بعضُهم على بعض يتَلاَوَمُون) : أي يلوم بعضهم بعضاً على ما كانوا عزموا عليه من مَنعْ المساكين، أو على غَفْلتهم عن التسبيح.

стр. 1139

فإن قلت: ما معنى عطفه هنا بالفاء، وفي الثانية من سورة الصافات. بخلاف الأولى؟ والجواب أن هذه الآية من كلام أهل صنعاء لما رأوا جتتهم محرقة وندموا على ما كان منهم وجعلوا يقولون: (سُبْحَانَ رَبِّنَا) ، (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ) . وأما عطف أولى الصافات بالواو فلأنه عطف جملة على جملة فحسب، وعطف الآية بعدها بالفاء، لأنه عطف جملة على جملة بينهما مناسبة والتئام، لأنه حكى أحوالَ أهْل الجنة ومذاكرتهم فيها، وما جرَى بينهم في الدنيا وبيْن أصدقائهم، وهو قوله: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) . (فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) ، أى ثمانية أملاك، والمراد بالفوقية أنهم - يزادون يوم القيامة أربعة، لأنهم اليوم أربعة رؤوسهم عند العرش، وأرجلهم تحت الأرض السابعة. وقال ابن عباس: هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم أحدٌ عدتهم. والأول أصح لوروده في الحديث. (فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ) : أي يتمنى أنه لا يُعْطَى كتابه. وقال ابن عطية: يتمنى أن يَكون معدوماً لا يَجْرِى عليه شيء. والأول أظهر. (فَصِيلتِه التي تُؤْوِيه) ، أي تَضُمُّه، فيحتمل أن يريد تضمّه في الانتماء إليها، أو في نُصرته وحِفْظه من المضرات. (فَأُدْخِلُوا نَارًا) : يعني جهنم، وعَبَّر عن ذلك بالفعل الماضي، لأنَّ الأمر محقق وقيل: أراد عَرْضَهم على النار، وعَبَّر عنه بالإدخال. (فاجراً) : مائلاً عن الحق. وأصل الفجور الميل. (فزَادُوهم رَهَقاً) : ضمير الفاعل للجن، وضمير المفعول للإنس.

стр. 1140

والمعنى أنَّ الجن زادوا الإنس ضلالأ أو إثما لما عاذوا بهم، أو زَادُوهم تخويفاً لما رأوا ضعْفَ عقولهم. وقيل ضمير الفاعل للإنس، وضمير المفعول للجن، والمعنى أن الإنسَ زَادوا الجنّ تكبُّراً لَمّا عاذوا بهم، حتى كأن الجني يقول أَنا سيد الجن والإنس. (فَمنْ يَسْتَمِع الآنَ) ، أي وقت استراقه. (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) . قد قدمنا أن الرصد اسم جمع للواحد كالحرس للحراس، ومعنى الآية: أنَّ الله يسلك من بين يدي الرسول ومِنْ خلفه ملائكة يكونون رَصدا يحفظونه من الشياطين. قال بعضهم، ما بعث اللَّهُ رسولا إلا ومعه ملائكةٌ يحرسونه حتى يبلِّغَ رسالةَ ربه. وإذا كان الله يحفظ غَيْرَ الرسل فما بالك بهم. وتأمل حكاية َ الشيطان الذي أتى لوسوسة القائم الذي كان في المسجد يصلّي فلم يقدر على الدخول، فقال أخوه من الشياطين: ما بالُك لا تدخل إليه، فقال: نفس النائم منعني من توسوس القائم، وكان النائم إبراهيم بن أدهم. (فقُتِل كيف قَدَّر) : دعاءٌ على الوليد بن المغيرة، وذَمٌّ لحاله، وكرره تأكيداً. قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون مقتضاه بزَعْمِه الأول حين أعجبه القرآن، فيكون قوله: (قُتِل) لا يُرَادُ به الدعاء عليه، وإنما هو كقولهم: قاتل اللهُ فلاناً ما أشجعه! يريدون التعجبَ من حاله واستعظامَ وصفه. وقال الزمخشري: يحتمل أن يكون ثناء عليه على طريقة الاستهزاء، أو حكاية لقول قريش تهكماً به. فإنْ قُلْتَ: ما معنى (ثُم) الداخلة في تكرير الدعاء؟ قلت: الدلالة على أنَّ المرة الثانية أبلغُ من الأولى، ونحوه قوله: ألاَ يا اسلمي ثم اسْلَمي. . . فإن قلت: فما معنى المتوسطة بين الأفعال التي بعدها؟

стр. 1141

قلت: الدلالة على أنه قد تأتي في التأمُّل والتمهل، وكان بين الأفعال المتناسقة تراخ وتباعد. فإن قلت: فلم عطف فقال بالفاء بعد عطف ما قبله بثم؟ قلت: لأن الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب لم يلبث أن نطق بها من غير لبْث. فإن قلت: فلم لم يوسط حرف العطف بين الجملتين؟ قلت: لأن الأخرى جرت من الأولى مَجْرى التوكيد من المؤكد. (فمَنْ شاء ذَكَره) : فاعل شاء ضمير يعود على مَنْ. وفي ذلك حَفْز وترغيب. وقيل الفاعل هو الله. ثم قَيَّد فعلَ العبد بمشيئة الله. (فاقِرَةٌ) ، أي مصيبة قاصمة الظَّهْر، تقول: فقرتُ الرجل، إذا كسرت فقَارَه، كما تقول: رأسْتُه، إذا ضرَبْت رأسه. (فأوْلَى) : قد قدمنا في مواضع أنه كرّرَ ذلك تأكيداً، وأن رسولَ الله ﷺ لبَّبَ أبا جهل، وقال: إن اللهَ يقول لكَ: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) . فنزل القرآن بموافقة ذلك. (فالعاصِفَاتِ عَصْفاً) : هي الملائكة، لأنهم يعصفون كما تعصفُ الرياح في سرعة مُضِيهم إلى امتثال أوأمرِ اللَهِ. وقيل: الرياح، لقوله: ريح عاصف. (فالفَارِقَاتِ فَرْقأ) : قيل الملائكة لأنهم يفرقون بين الحق والباطل. وقيل الرياح، لأنها تفرق السحاب، ومنه: (ويجعله كِسَفاً) . (فالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً) : هم الملائكة، لأنهم يلقون الذكر للأنبياء ﵈. والأظهر في المرسلات والعاصفات أنها الرياح، لأن وَصْف الرياح بالعصف حقيقة. والأظهر في الناشرات والفارقات أنها الملائكة،

стр. 1142

لأنَّ الوصف في الفارقات أليق بهم من الرياح، ولأن الْمُلْقيات المذكورة بعدها هي الملائكة، ولم يقل أحَدٌ إنها الرياح، ولذلك عطف المتجانسين بالفاء، فقال، والمرسلات، فالعاصفات، ثم عطف على ما ليس مِنْ جنسها بالواو، فقال: والناشرات، ثم عطف عليه المتجانسين بالفاء. وقيل في الْمُرْسلاَت والْمُلْقِيات إنهم الأنبياء ﵈. فإن قلت: هل يصحُّ قولُ القائل إن الْمرْسلات الرياح لمعنى قوله: عُرْفاً؟ والجواب أنَّ معنى عُرْفاً على كلّ قَوْل -: فَضْلا وإنعاماً، وانتصابُه على أنه مفعول من أجله، وقيل معناه متتابعة، وهو مصدرٌ في موضع الحال. وأما عَصْفاً ونَشْراً وفَرْقاً فمصادِر. وأما ذِكْراً فمفعول به. (فإنْ كانَ لكمْ كَيْدٌ فَكِيدون) : تعجيز وتعريض بكَيْدِهم بالدنيا، وتقْريع عليهم، كَقول نوح: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) . وكقول موسى: (فأجْمِعوا كَيْدَكم ثم ائْتوا صَفًّا) . (فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا) : قيل إنها الملائكة، سمّاهم اللَه نازعات، لأنهم ينزعون نفوسَ بني آدم من أجسادها، وناشطات، لأنهم ينشطونها، أي يخرجونها، فهو من قولك: نشطت الدّلْوَ من البئر، إذا أخرجتَها. وسابحات، لأنهم يسبحون في سيرهم، أي يسرعون فيسبقون فيدبّرون أمورَ العباد والرياح والمطر وغير ذلك حسبما يأمُرهم الله. وقيل: إنها النجوم، وسماها نازعات، لأنها تنزع من المشرق إلى المغرب. وناشطات لأنها تنشط من بُرج إلى برج، وسابحات لأنها تسبَح في الفلك، ومنه: (كلّ في فَلَكٍ يَسْبَحون) ، فتسْبق في جَرْيها، فتدبِّر أمْراً من علم الحساب. (فالْمُدَبرَاتِ أمرًا) : قال ابن عطية: لا أعلم خلافًا أنها ْ الملائكة، وحُكي فيها القولانِ، كما تقدم.

стр. 1143

فإن قلت: ما معنى (غَرْقاً) على القولين، وأين جواب القسم؟ فالجواب إنْ قلنا إن النازعات الملائكةُ ففي معنى غَرْقاً وجهان: أحدهما أنه من الغرق، أي تُغْرِق الكفَّار في جهنم. والآخر أنه من الإغراق بمعنى المبالغة فيه، أي تُبالغ في نَزْعِ النفوس حتى تُخْرِجها من أقاصي الأجساد. وإن قلنا إن النازعات النجوم فهو من الإغراق بمعنى المبالغة، أي تبالغ في نُزوعها، فتقطع الفَلَكَ كله. وإن قلنا إنها النفوس فهو أيضاً من الإغراق، أي تُغْرِق في الخروج من الجسد. وإعراب (غَرْقا) المصدر في موضع الحال. ونَشْطاً وَسبْقاً وسبْحاً مصادر، و (أمرًا) مفعول به. وجواب القسم محذوف، وهو بَعْثُ الموتى بدلالة ما بعده عليه من ذِكْر القيامة. وقيل الجواب: (يوم تَرْجُفُ الراجفةُ. تَتْبَعُها الرادِفَةُ) . على تقدير حَذْف لام التوكيد. وقيل: هو: (إن في ذلك لعبْرَةً لمَنْ يَخْشَى) ، وهذا بعيد لبُعْدِه من القسم، ولأنه إشارة إلى قصةِ فرعون لا لمعنى القسم. (فإنَّما هِيَ زَجْرَة وَاحِدَة) : هذا من كلام الله ردًّا على الذين أنكروا البَعْث، كأنه يقول: لا تظنّوا أنه صعب على الله، َ بل هو عليه يسير. (فإذا هُمْ بالساهرة) . أي وجه الأرض، والباء ظرفية، وإذا فجائية، والمعنى إذا نفخ في الصُّور حصلوا بالأرض أسرع شيء. (فحَشر فنَادَى. فقال أنا رَتكُم الأعْلَى) . يعني أن فرعون جمعَ جنُودَه، ونادى قومه، وقال لهم ما قال. ويحتمل أنه أمر مَن يُنَاديهم. والأول أظهر، لأنه روي أنه قام فيهم خطيباً. (فَسَوَّاها) : الضمير يعود على السماء، أي أتقَن خلقتها. وقيل: جعلها مستويةً، ليس فيها مرتفع ولا منخفض.

стр. 1144

(فإذا جاءت الطامّة الكبرَى) .، هذا أحد أسماء يوم القيامة، وقد سماه الله في كتابه بثلاثين اسما لعظمه: يوم الآزِفَة. ويوم التلاق. ويوم التناد. ويوم التغَابن. ويوم الثبور. ويوم الْجَمع. ويوم الحق. ويوم الخصومة. ويوم الدين. ويوم الراجفة. ويوم الزلزلة. ويوم الشفاعة. ويوم الصاخَّة. ويوم عظيم. ويوم عَبوس. ويوم العُسْر. ويوم الفارقة. ويوم القَمْطَرِير. ويوم الفَصْل. ويوم القيامة. ويوم النّفخ. ويوم الوَعيد. واليوم الموعود. ويوم القارعة. ويوم الواقِعة. واليوم المشهود. ويوم الحاقة. ويوم النُّشور. يخرجون من الأجداث كأنهم جَراد منْتشر، يكشف للمرء ما أخفاه، ويتذكر حينئذ غَفْلته وهواه، فإنا للَه وإنا إليه راجعون على غفلتنا على ما يراد بنا! يقول الله تعالى في بعض كتبه: " عَبْدي أعطيتُك منية المرضى، وأهل السجون، وأهل القبور، وأهل النشور، وأهل الجِنَان، وأهل النيران، فما لك لا تغتنم ساعتَكَ التي أنْتَ فيها، ألم تعلم أنَّ مَنْ أحبَّ شيئاً طلبه، ومَنْ طلب شيئاً وجده، ومَن خاف من شيء هرب منه، ومَنْ أراد سفرًا اهتمّ له، ومنْ أحبَّ اللحوق بقوم اقتدى بفعالهم وسلك سبيلهم، ومَنْ فضل قوماً بالعلم يحق أن يفضلهم بالعمل، فليكن الغالب مِن همومك هَمَّ المَعَاد والتزوّد له، والغالب مِنْ كلامك ذكر الموت والاستعداد له، فهو أشدُّ شيء نزل بك قط، وأهونُ شيء فيما بعده، لأن بعده سبعين هَوْلاً، كلّ هَوْل أشدّ من الموت، فلا يستتبعك الشيطان في الدنيا، والمنافقون في الآخرة. فإن قلت: لِمَ خُصَّت النازعات باسم الطامَّة، وعبس باسم الصاخَّة، مع أنهما شيء واحد؟ فالجواب أن اسمَ الطامّة أرهب وأنْبَأ بأهوال القيامة، لأنها من قولهم: طَمَّ السيل، إذا علا وغلب. وأما الصاخَّة فالصيحة الشديدة، من قولهم صخَّ بأذنيْه مثل أصاخ، فاستُعير على أسماء القيامة مجازاً، لأن الناس يصيخون لها، فلما كانت الطامّة أبلغ في الإشارة إلى أهوالها خصّ بها أبلغُ السورتين في التخويف والإنذار.

стр. 1145

وعلى ذلك بنيت سورة " النازعات "، ألا ترى قوله: (يوم تَرْجف الراجفة. تتبعها الرادفة) . ووصف الطامة الكبرى، وما أتْبع به بَعْدُ. وابتداء السورة وختامها قَبْلها تخويف وترهيب، فناسبها أشدّ العبارتين موقعاً، وأرهبها. وأما سورة عبس فلم تبْن على ذلك الغرض، وإنما ئنيت على قصة عبد اللَه ابن أم مكتوم الأعمى. وذلك مشهور، ثم ورد قوله: (فإذا جاءت الصاخّة) عَقِب التذكير بقوله: (إنها تَذْكِرَة) ، والتذكير للاعتبار بقوله: (فلْيَنْظُر الإنسان إلى طعامه) ، إلى قوله: (مَتَاعاً لكم ولأنعامكم) . ثم أتبع بعد ذكر الصاخة بقوله: (وجوه يَوْمَئِذ مسْفِرَةٌ. ضاحكةٌ مستبْشرة) . فسورةُ النازعات على الجملة أشدّ في التخويف والترهيب، فناسبَها أبلغ العبارتين من أسماء القيامة. وقيل: إنما خُصَّت النازعات بالطامّة، لأن الطمَّ قبل الصخ، وهو الصوت الشديد والفَزع قَبْل الصوت، فكانت هي السابقة. وخصَّت سورة " عبس " بالصاخّة، لأنها بعده وهي اللاحقة. (فليَنْظر الإنسانُ إلى طَعَامه) : أمر بالاعتبار في الطعام، كيف خلقه اللَّهُ بقدرته، ويَسَّرَه برحمته، فوجب على العبد طاعته وشكره. وتقبح معصيته والكفر به. وقيل: فلْيَنْظر الإنسان إلى طعامه كيف يَصير، فيَزْهَد في دنْيا هذه حالها، ولا يرغب في لذّاتها، كما قال ﷺ للأعرابي: ما طعامك. قال: اللحم واللبن. قال: فإلى ماذا يَصِير، ولهذا كان ﷺ لا يشبع من خُبز الشعير زُهْداً فيها. قال يحيى بن سلام: بعد أن ذكر اللَّهُ زواجرَ الكفَّار استأنف ضَرْبَ المثل لأهل الإيمان، ليزدادوا اعتباراً بقوله: (فلينظر الإنسانُ إلى طعامه) الذي يحيا به ويأكله، من أي شيء كان "، ثم صار بعد حفظه ابن آدم، وهو الجسد. قال الحسن: ملك يميل رقبة ابن آدم حين يجلس. وقيل: فلينظر الإنسان إلى طعامه ويفكّر فيما هيّأه من سماءٍ وأرض، وماء وحَرّ وبرد ونحْوها، وآلة عديدة، وأسنان، منها كاسرة وطاحنة، بريق حُلو لذَوْقِه وَصَوْغه وقوة

стр. 1146

هاضمة، ودافعة، وإذا استوى طعامُه بحرارة كبده ونحوه أعطى اللهُ تعالى لكل جُزْء وشعرة نصيبا. (فأقْبَره) . أي جعله ذَا قَبْر، يقال: قبرت الميت إذا دفَنْته، وأقبرته إذا أمرت أن يُدْفَن. (فلْيَتنافَسِ المتَنَافِسون) : التنافس في الشيء هو الرغبةُ فيه، والمغالاة في طلبه، والتزاحمُ عليه، وهذا كقوله: (لمِثْلِ هذَا فلْيَعْمَل العامِلُون) ، فسبحان من جذب عباده إليه تارةً بذكر نعيمه، وتارة بالتخويف من عذابه، وتارةً بإحسانه إليهم لعلهم يرجعون إليه، لم يَكفه ما أعطاهم من رياسة الدنيا، وتسخير المخلوقات لهم حتى وعدهم بالملك العظيم، والفَوْز المقيم، والرضوان الجسيم، ورؤيتُه تعالى أعظم من هذا كله. (فالْيَوْمَ الذين آمَنُوا من الكفَّار يَضْحَكُون) : لما كان الكفار في الدنيا يضحكون على المؤمنين قلب الله الحقائق، فيضحك المؤمنون من الكفار حينئذ ويقولون لهم: (هذا يومكم الذي كنتم توعدون) . (اصْلَوْها اليوم بما كنتم تكفرون) . (فلا أقْسِم بالشَّفَق) . هو الحمرة التي تَبقى بعد غروب الشمس. وقال أبو حنيفة: هو البياض. وقيل: هو النهار كله. والأول هو المعروف عند الفقهاء وأهل اللغة. (فمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُون) : أيُّ شيء يمنع الكفار من الإيمان بعد رؤيتهم هذه العِبَر. (فبَشرْهُم بعذَابٍ أليم) : وضع البشارة موضع النذارة تهكماً بهم. (فَتَنُوا المؤمنينَ والمؤمناتِ) : إن كانت هذه الآية في أصحاب الأخدود فالفتنةُ هنا بمعنى الإحراق، وإن كانت في كفَّار قريش

стр. 1147

فالفتْنة بمعنى الفتنة والتعذيب. وهذا أظهر، لقوله: (ثم لم يتوبوا) ، لأن أصحاب الأخدود لم يتوبوا، بل ماتوا على كفرهم. وأما قريش فمنهم مَنْ أسلم وتاب. وفي الآية دليلٌ على أنَ الكافر إذا أسلم يُغفر له ما فعل في حال كفْره، للحديث: الإسلام يَجبُّ ما قَبله. واختلف هل يكتب له ما فعل من الخير؟ الصحيح أنه يكتب له، للحديث: " أسلمت على ما أسْلفت من الخير:. وقد ألَّف بعضُهم فيه تأليفاً مفيداً. (فلْيَنْظر الإنسان ممَّ خلق) : حذف ألف ما لأنها استفهامية، وجوابها: (خُلِقَ من ماءٍ دافق) ، واستَفْهَم هنا عن ابتداءِ الخِلْقة ليعلم الإنسان مَنْ هو، وسن أي شيء خلق، كي لا يتكبر، وكيف يتكبر مَنْ خلق من ماء نجس غمس في دم نجس، ولذلك قال بعضهم: ما يصنَع بالكبْر مَنْ خلق من نطفة مَذِرة وآخره جِيفة قَذِرة، وهو فما بينها حامل عَذِرَة! (فما له من قوَّةٍ ولا ناصر) : قد قدمنا أنَّ الضمير للإنسان، وفيها التنبيه له على الرجوع إلى خالقه وناصره، ولا يلتفت إلى غيره مِن والد وزوج وأخٍ وولد، إذ كلّهم ينقطعون عنه، ولا يجدُ إلا مولاه الذي ينصره حيًّا وميتاً، يقول تعالى في بعض كتبه: " عبدي أحباؤك أربعة: حبيب يصلح لأولاك ولا يصلح لأخْراك، وهما الأبوان يخدمانك ويربيانك في صغرك، فإذا كبرا يكونان ضعيفين لا يقدران على أن يربّياك. وحبيب يصلح في أخراك ولا يصلح لأولاك، وهم أولادك يخدمونك في آخر عمركَ. وحبيب يصلح لظاهرك ولا يصلح لباطنك، وهم الأخلاء والأصدقاء. وحبيب يصلح لباطنك ولا يصلح لظاهرك، وهنَّ أزواجك، فإذا أردتَ أن تحبَّ أحداً فإني أحبك أوَّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً، وأنصرك، في كل الأحوال، أتترك من يحبك في كل الأحوال وتحبُّ من لا يحبك على كلِّ حال. (فَسَوَّى) : حذف مفعول خَلَق فسوَّى، لقصد الإجمال الذي يفيد العموم. والمراد خلق كل شيء فسوَّاه، أي أتقن خِلْقَته.

стр. 1148

(فهَدَى) : حذف المفعول أيضاً لمفيد العموم، فإن كان من التقدير فالمعنى قَدَّر لكل حيوان ما يصْلحه فهداة إليه، وعرَّفه وجْهَ الانتفاع به. وقيل: هدَى ذكورَ الحيوان إلى وطْءِ الإناث لبقاء النسل. وقيل: هو المولود حين وَضْعِه إلى مَص الثدي. وقيل: هدى الناس للخير والشر والبهائم للمراتع. وهذه الأقوال أمثلة. والأول أعم وأرجح، فإن هدايةَ الإنسان وسائرِ الحيوانات إلى مصالحها بابٌ واسع فيه عجائب وغرائب. وقال الفراء: المعنى هدى وأضل، واكتفى بالواحدة، لدلالتها على الأخرى. وهذا بعيد. (فذَكًرْ إنما أنْتَ مذَكَر) ، أي ذَكَرْ كلَّ أحد، (إلا مَنْ تولَّى) ، يئست منه، فهو على هذا متصل. وقيل: (إلاَّ مَنْ تولى) استثناء من قوله: (لست عليهم بمصَيْطر) . أي لا تتسلَّط إلا على مَنْ تولى وكفر، وهو على هذا متصل لا نَسْخَ فيه، إذ لا موَادعة فيه، وهذا بعيد، لأن السورة مكية والموادعة بمكة ثابتة. (فَصبَّ عليهم ربُّكَ سَوْطَ عَذَاب) : قد قدمنا أنه استعار للسوط العذاب، لأنه يقتضي من التكرار ما لا يقتضيه السيف وغيره، قاله ابن عطية. قال الزمخشري: ذِكْر السوط إشارة إلى عذاب الدنيا، إذ هو أهون من عداب الآخرة، كما أن السوط أهونُ من القتل. (فأمّا الإنسان إذَا ما ابْتَلاَه رَبُّه) : قد قدمنا أن معنى الابتلاء الاختبار، واختباره تعالى لعَبْدِه لتقومَ الحجةُ عليه بما يبدو منه، وقد كان الله عالماً بذلك قبل كونه. والإنسانُ هنا جنس. وقيل نزلت في عتْبة بن ربيعة، وهي مع ذلك على العموم فيمَنْ كان على هذه الصفة، وذكر اللهُ في هذه الآية ابتلاءَه للإنسان بالخير والشر اختباراً وفتْنَة. (فقدَر عَلَيْهِ رِزْقَه) ، أي ضَيَّقَه. وقرئ بتشديد الدال وتخفيفها بمعنى واحد. وفي التشديد مبالغة. وقيل معنى التشديد جعله على قدر معلوم.

стр. 1149

(فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ) : مَن قرأ بكسر الذال من (يعذب) والثاء من (يوثق) فالضمير في عذابه ووثاقه لله تعالى. ومَنْ قرأ بالفتح فالضمير للإنسان، أي لا يعذب أحد مثل عذابه ولا يوئق أحد مثل وثاقه، وهذه قراءة الكسائي. وروي أَن أبا عمرو رجع إليها، وهي قراءة حسنةٌ صحّتْ عنه ﷺ . (فادْخلي في عِبَادِي) ، أي فادخلي في عبادي الصالحين. وقرئ: فادخلي في عَبْدي بالتوحيد، ومعناه ادخلي في جسده، وهو خطاب للنفس. ونزلت هذه الآية في حمزة. وقيل في خبيب بن عدي الذي صلبه الكفّار بمكة، ولَفْظُها يَعمّ كلَّ نفس مطمئنة، لأن النفوس ثلاثة: لوّامة، وأمًارة، ومطمئنة، والمدوح منها الأخيرة. (فلا اقْتَحَم العَقَبة) : قد قدمنا أنَّ الاقتحام الدخول بشدة ومشقة. والعقبة: عبارة عن الأعمال الصالحة المذكورة بَعْد، وجعلها عقبة استعارةً من عقَبة الجبَل، لأنها تصد ويشقّ صعودها على النفوس. وقيل هي جبل في جهنم له عقَبة لا يجاوزُها إلا من عمل هذه الأعمال و"لا" تحضيض بمعنى هلاّ. وقيل هي دعاء. وقيل نافية. واعترض على هذا القول بأن لا النافية إذا دخلت على الفعل الماضي لزم تكرارها. وأجاب الزمخشري بأنها مكررة في المعنى، والتقدير فلا اقتحم العقبة، فلا فَك رقبة، ولا أطعم مسكيناً. (فألْهَمَها فجورَها وتَقْوَاها) . أي عرفها طرق الفجور والتقوى، وجعل لها قوةً يصح. معه! اكتساب أحد - الأمرين. ويحتمل أن تكون الواو بمعنى أو، كقوله: (إنا هَدَيناه السبيلَ إمَّا شاكِراً وإمّا كفورا) . (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ) : منصوب بفعل مضمر تقديره احفظوا ناقةَ الله، أوْ احْذَروا ناقةَ الله.

стр. 1150

(فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) . أي سوى القبيلة لم يُفْلت أحداً منهم. وقال الزمخشري: الضمير للدمدمة، أي سوَّاها بينهم. فانظر كيف هوَّل عليهم بهذه اللفظة بسبب ذَنْبهم، وهو التكذيب، وعَقْر الناقة، ليتعظ غيرهم. (وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥) : ضمير الفاعل لله تعالى. والضمير في عقباها للدَّمْدَمة والتسوية، وهو الهلاك، أي لا يخاف عاقبةَ إهلاكهم ولا درك عليه في ذلك كما يخاف الملوك من عاقبة أعمالهم، وفي ذلك احتقارٌ لهم. قيل: وضمير الفاعل لصالح، وهو بعيد. وقرئ فلا يخاف بالفاء وبالواو. وقيل في القراءة بالواو إن الفاعل أشْقاها. والجملة في موضع الحال، أي انبعث ولم يخَفْ عقبى فعلته، وهذا بعيد. (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى) : مخاطبة من الله أو من النبي ﷺ على تقدير: قل يا محمد. (فَحَدِّثْ) : أمر من الله لرسوله أنْ يحدّث بنعمه، وهي الْقرآن، والرسالة، وجميع النعم التي أعطاه من دِينية ودنيوية، ولهذا قال ﷺ : " التحدث بنعم الله شكرٌ لها وكتمانُها كفرها ". ولهذا كان بعض السلف يقول: صليتُ البارحة كذا، وصمْتُ من الشهر كذا، وهذا إنما يجوز إذا ذكره على وَجْهِ الشكر، أو ليُقْتدى به، لا على وَجْهِ الفَخْر والتكبّر. وانظر كيف ذكر الله في هذه السورة ثلاث نعم، ثم ذكر في مقابلتها ثلاث وصايا، فقابل قوله: (ألم يجِدْكَ يتما) بقوله: (فأما اليَتيمَ فلا تَقْهَر) . وقوله: (ووجدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى) بقوله: (وأما السائلَ فلا تنْهَرْ) على قول مَنْ قال: إنه السائل عن العلم. وقابله بقوله: (وأمَّا بنعمة رَبِّكَ فحدِّثْ) - عَلى القول الآخر. (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) : هذا وعْد بالسسْر بعد العسر،

стр. 1151

وتسليةٌ لنبينا ومولانا محمد ﷺ والمؤمنين لما كانوا يلْقَوْن من الأذَى من الكفار. وإنما ذكره بلفظ مع التي تقتضي المقارنة ليدلَّ على قُرْب اليسر من العسر. فإن قيل: ما وَجْه ارتباط هذا مع ما قبله؟ والجواب: لما عدّدَ عليه النعم تسليةً له وتأنيساً قَوِي رجاؤه بالنصر، كأنه يقول له: إن الذي أنعم عليك بهذه النعم سينصرك ويظْهرك ويبدّل لك هذا العسر يسراً قريباً، ولذلك كرَّر: (إنّ مع العسر يسراً) ، مبالغة. قال ﷺ : " لن يغلب عُسر يُسرين ". وقد روى ذلك عمر، وابن مسعود، وتأويله أن العسر المذكور في هذه السورة واحد، لأن الألف واللام للعهد، كقولك: جاءني رجل فأكرمْتُ الرجل. واليسر اثنان لتنكيره. وقيل: إن اليسر الأول في الدنيا والثاني في الآخرة، وقد أكثر الناسُ في هذه الآية وألفُوا فيها تواليف منها كتاب: " الفَرَج بعد الشدة "، وجنة الرضا، وغيرهما مما يطول ذكر شيء منها. وبالجملة فمَنْ تَذَكًر سَبْقَ نعمته عليه، وكثْرَة نعمه إليه، وعظيم ثوابه. وصدْقَ وعْده، وسعةَ رحمته وسَبْقَها غَضبه - آثر له قوة رجائه فيه، وهان عليه ما يَلْقَاه في ضيقه، قال تعالى في بعض كتبه: يا مطرود، لا تبرح، ويا مَرْدُود لا تَيأْس، ويا مهجور لا تَقْلق، قد فتحنا لك البابَ وجعلناك من الأحباب، وهب أني طردْتُك عن بابي، وألزمْتك حِجابي فإلى بابِ مَنْ تلتجئ، وعلى أي جهة تقف، فكنْ معي كالصبي مع أمّه، كلما زجَرَتْه رجع إليها، وكلما طردته تمرًغ بين يديها، فلا يزال معها حتى تقبله، فانْقُل قدمَ الإقدام لبابي، واكشف رأْسَ الاستغفار ونادِ بلسان الحقْر والاضطرار: ربي مَسني الضرّ وأنْتَ أرْحَمُ الراحمين - يقع لك جواب: (فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) . (فإذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) : هو من النصَب بمعنى التَّعب. والمعنى إذا فرغت من أمْرٍ فاجتهد في أمرٍ، ثم اختلف في تعيين الأمرين، فقيل:

стр. 1152

إذا فرغت من الفرائض فانْصَبْ في النوافل. وقيل: إذا فرغت من الصلاة فانْصَبْ في الدعاء. وقيل: إذا فرغت من شغْل دنياك فانصب في عبادة ربك. (فارْغَبْ) : إنما قدم المجرور في (إلى ربك) ليدلَّ على الحصر، أي لاَ ترغب إلا إلى ربك وحْدَه. وفي هذا إشارة إلى عدم الركون للخلق، فإن الركونَ إليهم وحشة والالتجاء إليهم إعراض عن الحق. وقد قدمنا من هذا المعنى كثيراً. (فلهم أجْر غير مَمْنون) : أي غير منقوص، يقال: مننت الحَبْلَ إذا قطعته. وقال مجاهد: غير محصور، لأن كلّ مَحْسوب محصور، فهو معدّ لأن يمنَّ به. ويظهر في الآية أنه وصفه بعدم المنِّ والأذَى من حيث هو من جهة الله تعالى، فهو شريف لا منَّ فيه، وأعطياتُ البشر هي التي يدخلها المنُّ. قال السدي: نزلت هذه الآية في المَرْضَى والزمناء إذا عجزوا عن إكمال الطاعات كتب لهم من الأجر ما كانوا يعملون. فإن قلت: أيّ حكمة في الإخبار بهذا، ولم زيدت هنا الفاء، وحذفت من آية الانشقاق، وفصِّلَتْ؟ والجواب إنما زيدت لمراعاة الفاء التي بعدها، وفائدة تكرير هذه الآية والإخبار بها للتأسي والتخلّق بأفعال الحق في عدم مَنِّه، لأنَّ المنَّ يكدِّرُ الإحسانَ ويذهب بلذّته، ولذلك قال تعالى: (لا تبْطِلوا صدقَاتِكم بالمَنِّ والأذَى) . قال المفسرون: المنُّ أن يذكره، والأذى أن يظهره. وقال ﷺ : " لا تأكل طعام المنَّان، فإنه داء ". . . إلى غير ذلك من الأحاديث مما يطول ذكرها. (فمن يعمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه) : قد قدمنا في حرف الميم ما في هذه الآية وتسميتها بالجامعة الفاذة، ولما نزلت هذه السورة بَكى أبو بكرٍ

стр. 1153

وقال: يا رسول الله، أو أُسأل عن مثاقيل الذّرّ من أعمالي، قال له : يا أبا بكر، ما رأيته في الدنيا مما تكره فمثاقيل ذَرِّ الشر ويَدَّخِر لك الله مثاقيلَ ذرِّ الخير. . . إلى آخره. فانظر بكاء المشهود له بالجنة على نفسه، وخَوْفه من ذنوبه مع أن الله بشَّره بشفاعته في عدد ربيعة ومُضَر من هذه الأمة، وأنت تريد اللحوقَ بهم مع عدم خوفك وبكاك، وكثرة أوزارك محيطة بك، ما يكون جوابك إذا قيل لك: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) ، فما أعظمها من كربة إذا حملْتَ حُزمة سيئاتك، وصرت تقرؤها بين يدي ربك، وما مثلنا إلا كحاطبٍ يجمع كلً ما يَلْقَى، فإذا جاء يرفعها لم يقدر عليها، وقد أخفى الله غضبه في معاصيه، فلا تحقرن منها شيئاً، فإنها عند الله بمكانٍ، وكلّ ما صغر في عينك عظيم عند الله. قال الفضيل بن عياض: أتاني رجل، فقال: عِظْني، فقرأتُ عليه: (إذا زُلْزِلَت) ، فغاب مدةً ثم أتاني، فقلت له: أين غَيْبَتُك، قال: كنْتُ مشغولاً بتحقيق الحساب الذي علَّمْتَني، فقلت له: وما هو، قال: (فمَنْ يعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خيرًا يره) . ورئي بعض المشايخ وقد بلغ جدَاراً، وكان في زمن الشتاء، وهو يتصببُ عرقاً فسئل عن ذلك، فقال: أخذتُ من هذا الحائط قطعةَ طين غسل يده بها ضيفٌ، ولم أستحل من صاحبه حتى مات، فأنا كلما مررتُ به لم أمًلك نفسي. هذا حالُهم، فأنَّى لنا اللحوق بهم! مَلأْنَا بطونَنا من الحرام، وتراكمت على قلوبنا سحائبُ الآثام، وغلب علينا سكر المنام، وادعيْنَا الدعاو ى الباطلة والآمال الكاذبة. فإن قلت: ما سِرُّ تقديم الخير في هذه الآية على الشر؟ والجواب لما كان المطلوب في العمل تقديمُ الخير على الشر جاء في اللفظِ على الوَجْهِ المطلوب. وأيضا لما كان فاعلُ الخير مقدَّماً في الرتبة على فاعلِ الشرِّ جاء العملُ مرتباً على ترتيب عامله.

стр. 1154

(فلْيَعْبدوا رَبَّ هذا البيت) : هذا إقامة حجةٍ عليهم، واستدعاءٌ لهم، بملاطفة وتذكير بالنعم حيث كان الناسُ يتخطفون مِنْ حَوْلهم، وهم لا يُصيبهم ما أصَاب غيْرَهم، من الأمن وإتيان الرزق إليهم، لحرْمَةِ هذا البيت المعظم عند جميع بني آدم، كأنه يقول لهم: إن لم تعبدوه لما شَرَفكم بالعقل، وجعلكم محبوبين، فاعبدوه لهذا البيت الذي شرَّفكم به، ودفَع عنكم مَنْ قَصد ضرَّكم من جميع الأمم. (فَسبِّحْ بحَمْدِ رَبِّك) : قد ذكرنا معنى التسبيح والاستغفار، وأن هذه السورة إعلام من الله لرسوله بقُرْب أجله. فإن قيل: لم أمره بالتسبيح والْحَمْدِ والاستغفار عند رؤْية النصر والفَتْح. وعند اقتراب أجله؟ فالجواب أنه أمره بالتسبيح والْحَمْد ليكونَ شُكْرهُ على النصر والفَتْح وظهورِ الإسلام، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ المَرْءَ لا يَختم صحيفَته إلا بخير الأعمال، ويهيئ زاداً للقاء ربه، ولا يَغْفل كما غفل في أول أجله. والاستغفار والتَسبيح من أفضل الأعمال، لما فيهما من تَنْزِيه الخالق، وانكسار القَلْب مع الاستغفار، وهو تعالى عند المنكسرة قلوبهم. (فَرَاش) : قد قدمنا أنه طير دقيق يتساقطُ في النار ويقْصِدها، ولا يزال يقتحم على المصباح ونحوه حتى يَحْتَرق. ومنه الحديث: " أنا آخذ بحجَزِكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها تَقَاحمَ الفراش والجنادب. فإن قلت: قد شبههم في سورة القمر بالجَرَاد المُنْتَشر، وهنا بالفَراش، فهل بينهما توافق أم لا؟ فالجواب أن بينهما موافَقة على قول بعضهم، قال الفراء: الفَراشُ غوغاء الجراد، وهو صغِيره الذي ينتشر في الأرض والهواء. قال بعض العلماء: الناس أول قِيامهم من القبور كالفَراش المبثوث، لأنهم يجيئون ويذهبون على غير نظام،

стр. 1155

ثم يدعوهم الداعي فيتوجَّهون إلى ناحية المَحْشر كالجراد المنتشر، لأن الجرادَ إنما تَوَجّهه أبداً إلى ناحية مقصودة، وبهذا يظهر لك الجَمْعُ بين الآيتين. وروى البيهقي في الشعب عن النَّوَّاس بن سمعان أن النبي ﷺ قال: ما لي أراكم تتهافتون في الكذب تهافُتَ الفراش في النار، كلّ الكذب مكذوب إلا الكذب في الحرب أو الكذب لإصلاح ذات البَيْن، أو الكذب على امرأته ليرضيها. قال الغزالي: ولعلك تظنّ أنَّ ذلك لنقْصانها وجهلها، فاعلم أن جَهْلَ الإنسان أعظم من جهلها، بل صورة الإنسان في الإكباب على الشهوات صورة الفَراش في التهافت على النار، فلا يزال يَرْمِي بنفسه فيها إلى أن يغمس فيها، ويهلك هلاكاً مؤبَّداً، فليت جهل الآدمي كان كَجَهْل الفراش، فإنما اغترارها بظاهر الضوء إن احترقت تخلَّصت في الحال، والآدمي يبقى في الحال أبَدَ الآبادِ، ومدة مؤبَّدة، ولذلك كان رسول الله ﷺ يقول: إنكم تتهافتون في النار تهافتَ الفراش وأنا آخذ بحُجزكم. قلت: وقد قدمنا أن الفرش صغار الإبل كالعجاجيل والفصْلان، لأنها تُفرش للذبح ويفرش ما ينسج من صوفها. فإن قلت: ما سِرّ تقديم الحمولة على الفرش مع احتياج الناس إليها أكثر ومنفعتها أهَمُّ؟ فالجواب أن الحمولة أعظم في الانتفاع، لأنها للأكل والحَمْل. قال الفراء: ولم أسمع بالفراش يُجمع. ويحتمل أن يكون مصدراً سُمِّيَ به، من قولهم: فرشها اللَه فَرْشاً. (فرْقَان) : له ثلاثة معانٍ: القرآن، ومنه: (يَجْعَل لكم فرقاناً) ، أي تفرقة. ويوم بَدْر، ومنه: (وما أنْزَلْنا على عَبْدِنا يَوْمَ الفُرقان) . (فَلَك) : سفينة، ويستوي فيها الفرد والجمع.

стр. 1156

(فقه) : فهم، ومنه: (لا يفْقَهُون) . و (ما نَفْقه كثيراً مما تقول) . (فُومِهَا) : هو الثوم. وقيل الحنطة بالعبرانية. ويقال: فوموا، أي اختبئوا، ويقال: الفُوم الخرنوب. (للفقراء الذين احْصِرُوا في صبيل الله) البقرة: ٣٧٣،: متعلق بمحذوف، تقديره: الإنفاق للفقراء المهاجرين الذين حُبِسوا بالعدوّ أو بالمرض، والمراد بهم أصحابُ النبي ﷺ . وأما قوله: (إنما الصدقاتُ للفقراء) - فالمرادُ أنَّ الزكاة تُدفع للفقراء، وهم أحد الأصناف الثمانية. والفقيرُ الذي له بُلْغة من العيش، وقد قدمنا أنَّ المسكينَ أحوجُ من الفقير، لأنه الذي لا شيء له بالكلية. والعاملين عليها الذين يقْبِضُونها ويفرِّقونها. والمؤلفة قلوبهم: كفّارٌ يُعْطَونها ترغيباً في الإسلام، كإعطائه للأقْرع بن حابس مائةً من الإبل. وقيل: هم مسلمون يُعْطَون ليتمكَنَ إيمانُهم. واختلف: هل بقي حكْمهم أو سقط للاستغناء عنهم، وفي الرِّقَاب: يعني العبيد يُشْترون ويُعْتَقون. والغارِمِين: يعني مَن عليه دين. ويشترط أن يكونَ استَدانَ في غير فَساد ولا إسراف. وفي سبيل الله: يعني الجهاد، فيُعْطَى منها المجاهدون ويشترون منها آلاتِ الحرب. واختلف هل تُصْرف في بناءِ الأسوار وإنشاء الأصاطيل، وابن السبيل: يعني الغريب المحتاج. (فَرِيضةً) ، أي حقًّا محدودا، ونصبه على المصدر. وقد قدمنا أن لفظة الفَرْض تحتمل معاني كثيرة: بمعنى التقدير، ومنه الحديث: زكاةُ الفِطْر فريضة، أي مقدَّرة. وبمعنى النزول، ومنه: (سورة أنْزَلْناها وفَرَضْنَاها) . وقرئ بتشديد الراء، يعني بيَّنَّاها. وبمعنى التحليل، قال تعالى: (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ) ، يعني فما أحلَّ اللهُ له.

стр. 1157

وقال تعالى: (وقد فَرَضْتُم لهن فريضة) ، أي سمّيتم، وقوله: (فَمَنْ فرَض فيهن الحج) : يعني أوجب. وقال تعالى: (قد فَرض اللهُ لكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم) ، يعني بَيَّنها. فإن قيل: لم ذكر مصرف الزكاة في تضاعيف ذِكر المنافقين؟ فالجواب أنه خَصَّ مصرف الزكاة في تلك الأصناف ليقطع طَمَع المنافقين فيها، فاتَصَلَتْ هذه الآية في المعنى بقوله: (ومنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصدقات) . (فُسُوقٌ بكم) : خطاب لمن وقع في الإضرار في الكاتب والشهيد المتقدمين في الذكر. وقد قدمنا أنَّ الفِسْقَ هو الخروج عن الطاعة، وقد عَبَّر سبحانه عن المنافق بالفاسق في قوله تعالى: (أفمَنْ كان مؤْمِناً كمَنْ كان فَاسِقا) . (فُرَادَى) : متفردين عن أموالكم وأولادكم. وأما قوله: (قل إنما أعِظكم بواحدة أنْ تقوموا للهِ مَثْنَى وفرادَى) - فمعنَاها أن تقوموا للنظر في أمْرِ محمد ﷺ قِياماً خالصاً ليس فيه اتِّبَاعُ هَوى ولا مَيْل، وليس المراد بالقيامِ بالأمْر الجد فيه، وأن تقوموا بدل أو عطف بيان، أو خبر ابتداء مضمر. ومَثْنى وفرَادى حال من الضمير في (أن تقوموا) . والمعنى أن تقوموا اثنين اثنين للمناظرة في الأمر وطلباً للتحقيق. وتقوموا واحداً واحداً لاستحضار الذهْن وإجماع الفِكرة. (فُرطاً) : من التفريط والتضييع، أو من الإفراط والإسراف. (فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) : الضمير للملائكة، وقد قدمنا أنهم إذا سمعوا الوَحْيَ إلى جبريل يفزعون لذلك فزعاً شديداً، فإذا زال الفَزَعُ عن قلوبهم قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم، قالوا: الحقّ. ومعنى (فُزِّعَ) زال عنها الفَزَع، فالضمير في (قالوا) للملائكة.

стр. 1158

فإن قلت: كيف ذلك ولم يتقدم للملائكة ذِكْرٌ يعود الضمير عليه؟ والجوابُ أنه قد وضعت إليه إشارة بقوله: (وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) ، لأن بعض العرب كانوا يعبدون الملائكةَ ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فذكْر الشفاعة يقتضي ذِكْرَ الشافعين، فعاد الضمير على الشفعاء الذين دَلّ عليهم لَفْظ الشفاعة. فإن قيل: بِمَ اتّصل قوله، (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) ، ولأي شيء وقعت حتى غاية؟ فالجواب: أنه اتصل بما فهم من الكلام مِن أنَّ ثَمَّ انتظاراً للإذن في الشفاعة وتوقّفاً وفزَعاً حتى يَزول الفَزع بالإذْن في الشفاعة، ويقرب من هذا المعنى قوله: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ) . ولم يفهم بعض الناس اتصالَ هذه الآية بما قبلها فاضطربوا فيها حتى قال بعضهم: هي في الكفار بعد الموت، ومعنى (فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) رأوا الحقيقةَ، فقيل لهم: ماذا قال ربّكم، فيقولون: قال الحق، فيقرّون حين لا ينفعهم الإقرار. والصحيح أنها في الملائكةِ لورود ذلك في الحديث، ولأن القَصدَ الردُّ على الكفار الذين عبدوا الملائكةَ بذكر شدةِ خَوْفِ الملائكة من الله وتعظيمهم له. (فُرُوجٍ) : انشقاق، وذلك دليل على إتقان الصنعةِ. ومنه: (أولم يرَ الذين كَفَروا أنَّ السماواتِ والأرضَ كانتا رَتْقاً ففتقناهما) . والفروج والانشقاق والفطور والصدوع والفتوق بمعنى واحد. (فِرَاشاً) : بمعنى مهاداً، يعنى ذَلَّلناها لكم، ولم نجعلها صعبةً غليظة لا يمكن الاستقرارُ عليها. (فؤَاد) : قلب، وجمعه أفئدة. (فِصَال) من الرضاع، وإنما عبر عن مدّته بالفصال، وهو الفطام، لأنه منتهى الرضاع.

стр. 1159

فإن قلت: قد قال في سورة لقمان: (وفِصَاله في عامين) ، وفي الأحقاف: (وفِصَالهُ ثلاثون شَهْراً) ؟ فالجواب أنَّ ما في لقمان مدة رضاعه، وفي الأحقاف حَمْلُه وفصاله ثلاثون شهراً. وهذا لا يكون إلا بأن ينقص من أحد الطرفين، وذلك إما أنْ تكون مدة الحمل ستة أشهر، ومدة الرضاع حَوْلين كاملين، أو تكون مدة الحمل تسعة أشهر، ومدة الرضاع حولين غير ثلاثة أشهر. ومن هذا أخذ عليٌّ بن أبي طالب مدةَ الحمل ستة أشهر. (فِتْنة) : وردت على أوجه: الشرك: (والفِتْنَة أشَدّ من القَتْل) ، (حتى لا تكونَ فِتْنَة) . والضلال: (ابتغَاء الفِتْنَة) . والقَتْل: (أنْ يَفْتِنَكم الذين كفَروا) . والصدُّ: (واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنوك) . والضلالة: (ومَنْ يُرِدِ الله فِتْنَتَه) . والمعذرة: (ثم لم تكن فتْنَتهم) . والقضاء: (إن هي إلا فِتْنَتك) . والضلالة: (ألاَ في الفتْنَةِ سقَطوا) . والمرض: (يُفتنون في كل عام) . والعبرة: (لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً) . والعقوبة: (أن تصيبهم فتنة) . والاختبار: (ولقد فتَنَّا الذين مِنْ قبلهم) . والعذاب: (جعل فِتنَةَ الناس كعذابِ الله) . والإحراق: (يوم همْ على النار يُفْتَنون) . والجنون: (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) . *** (فرعون) : قد قدمنا أن اسْمَه الوليد بن مصعب. وقيل إن كلّ مَنْ ملك مصر يسمى فرعوناً، كما يقال تبَّع لكل من ملك اليمن، أي يتبع صاحبه كالخليفة يخلف غيره. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد، قال: كان فرعون فارسياً من أهل إصطخر.

стр. 1160

(فِجَاجاً) : مسالك، واحدها فَجّ. (فِرْدوس) : مدينة في الجنة، وهي جنة الأعقاب. وأخرج ابنُ أبي حاتم، عن مجاهد، قال: الفردوس بستان - بالرومية. وأخرج عن السُّدِّي، قال: الكَرْم بالنبطية، وأصله فرداساً. فإن قلت: يُفهم من إعادة الضمير عليها مؤنثاً على معنى الجنة، وهذا مخالفٌ لما ذكر في سورة المعارج، أنه ذكر أوصافَ هؤلاء، فقال: (أولئِكَ هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) - (في جناتٍ مكرمون) ، فدلّ على أنها جنات، وهو الصحيح. قلت: لا تنافي بينهما، لأنه ذكر في الْمعَارِج مسكن كل فرد فَرد، وهنا ذكر جَنَّات الفِرْدوس التي هي مسكنه ﵊، ومساكن مَنِ اتبعه من أمته. ولذلك ورد في الحديث: " إذا سألْتُم الله فاسْألوه الفردوس، فإنه أعْلَى الجنة، ومنه تفجَّر أنهار الجنة ". *** (في) حرف جر له معان: بمعنى الظرفية مكاناً أو زماناً، نحو: (غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ) . حقيقة كالآية، أو مجازاً، نحو: (ولكم في القصاص حَيَاةٌ) . (لقد كان في يوسف وإخوته آياتٌ للسائلين) . (إنّا لَنَرَاكَ في ضَلاَلً مُبِين) . ثانيها: المصاحبة كمع، نحو: (ادْخُلوا في أمَمٍ) ، أي معهم - (في تسع آيات) . ثالثها: التعليل، نحو: (فَذالِكُنَّ الذي لمْتُنَّنِي فيهِ) . (لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ) ، أي لأجْله. وابعها: الاستعْلاء، نحو: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) . خامسها: معنى الباء، (يَذْرَؤُكم فيه) ، أي بسببه.
следующие страницы →