← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1417

معترك الأقران في إعجاز القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (1 547 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

(فاختلف الأحزبُ مِنْ بَيْنهم) ، أي من تلقائهم، ومن أنفسهم وأن الاختلاف لم يخرج عنهم. والأحزاب: اليهود والنصارى، والحق خلاف أقوالهم كلِّها. (فوَيْلٌ للذين كفروا) : قد قدمنا أنَّ الويل هو الحزن والثّبور. ورُوي هذا الكفر الذي كفروا عن قتادة أن بني إسرائيل جمعوا من أنفسهم أربعةَ أحبار غايةً في المكانة والجلالة عندهم، وطلبوا أن يبينوا أمر عيسى، فقال أحدهم: هو الله نزل إلى الأرض، فأخيا من أَحيا وأَماتَ من أمات. تم صعد فقال له الثلاثة: ليس الأمر كذلك. واتبعه اليعقوبية. ثم قال أحد الثلاثة: عيسى ابن الله، فقال له الاثنان: كذبت، واتبعه النسطورية. ثم قال أحدهما: عيسى أحد ثلاثة: عيسى إله، وأمه إله، والله إله. فقال له الرابع: كذبْتَ واتبعه الإسرائيلية. فقال الرابع: عيسى عبد الله وكلمتُه ألقاها إلى مريم، فاتبع كلَّ واحد من الأربعة فريقٌ من بني إسرائيل، ثم اقتتلوا، وغلب المؤمنون، وقتلوا، وظهرت اليعقوبية على الجميع. وروي أنه في ذلك نزلت: (إنَّ الذين يكفُرون بآيات الله) . فإن قلت: ما الفرق بين وصفهم هنا بالكفر، وفي الزخرف بالظلم؟ فالجواب أنً الكفر أبلغ من الظلم. وقصة عيسى في سورة مريم مشروحة فيها، ذكر نسبهم فيها إلى الله تعالى، حتى قال: (ما كان للهِ أن يتخذ مِنْ وَلَدٍ سبحانه) ، فذكر بلفظ الكفر. وقصته في الزخرف جملة فوصفهم بلفظٍ دونه وهو الظلم. وقيل غير هذا من الأجوبة حذفناه اختصاراً. (فلا تَعْجَلْ عليهم) ، أي لا تستبطىء عذابهم وتطلب تعجيله، إنما نعُدّ مدة بقائهم في الدنيا. (فلما أتاها نُودِيَ يا موسى) . ضمير الإتيان راجع إلى النار، ولم يناده من الشجرة، وإنما ناداه عند وصوله إليها، وإنما أمره بخلع نعْليْه، لأنهما

стр. 1087

كانتا من جلد حمار ميِّت، فأمر بخلع النجاسة. واختار ابن عطية أنه إنما أمِر بخلعهما ليتأدب، ويعظّم البقعة المباركة، ويتواضع في المناجاة مع خالقه (١) . وأين هذا المقام من مقام سيدنا ومولانا محمد ﷺ لما زُجَّ به في عالم العزَّة! أراد أن يخلع نعلية، فإذا النداء: يا محمد، لا تخلع نعليك. فقال: يا ربِّ سمعتك تقول لموسى: (فاخلع نعليك) . فقال: يا محمد، لئن أمرت موسى بنزع نعليه على جبل الطور فقد أبحنا لك أن تطأ بنعليك على بساط النور، لأنك المكرَّم عندنا، والعزيز لدينا (٢) . اللهم بحرمته لديك اعف عنا واغفر لنا. قيل أصحاب الشجرة في القرآن أربعة: آدم: (ولا تَقرَبا هذه الشجرة) ، وموسى: (نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقْعَةِ المباركة من الشجرة) . ومريم: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ) . ومحمد ﷺ : (إذ يبَايعونك تَحْتَ الشجرة) . فآدم دَنا من شجرته باختيار نفسه، فصارت عليه محنة، حتى خرج منها بسببها. وموسى دنا من شجرته بالأمر، فصارت عليه بركة، وأوْصله بالوادي المقدس، ونودي (إني أنا رَبُّك) . ومريم دَتتْ من شجرتها باخْتِيار نَفْسها، فصارت عليها محنة، حتى قالوا ما قالوا، ونالها من الألم ما نالها، ولم تَصِلْ إلى رزقها إلا بالعناء. والنبي ﷺ دنا من شَجَرته من حيث الأمر، فعادت عليه رحمةً، وبايعوه تحتها، وظهر الإسلام، واستقام الشرع. وكذلك مثَّل الله الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة. وقيمة الشجرة بالثمار والأنوار، وقيمة المؤمن بمعرفة الجبَّار، كأنه تعالى يقول: قلبك بموضع شجرة إنباتها معرفتي، وثمرها شهادتي، ونورها حديثي ومنها تصير يا عبدي موحِّدي.. . آدم قصد شجرةً وفيها للعدو نصيب، - فأصابه من الذلِّ والمِحَن والخروج من الجوار ما أصابه (٣) . والشجرة التي هي في موضع نظري ومقام معرفتي إذا قصدها الشيطان أتراني أسلمها له، وأنا أنظر إليها كل يوم ثلاثمائة وستين

стр. 1088

نظرة لحُرمتها، أفتراني أسلمها للشيطان إذا قصدها! بل أطرده وأكافئه كما كافَأت آدم، حين قصد شجرة فيها للعدو نصيب أخرجته منها لنصيبه. والشجرة التي هي نصيبى أكافئه بأن أضع ذنوبك على عنقه، وأدخلك الجنة لنصيي فيك. فإن قلت: قد اختلفت الألفاظ في قصة موسى، ففي موضع قال: آتاها، وفي موضع: جاءها، وفي آية: (إني أنا ربُّك) ، وفي آية: (إني أنا الله) ؟ فالجواب أن لفظ جاء وأتى بمعنى واحد، لكن كثُر هنا لفظ الإتيان، نحو: فأتِيَاه، فلنأتينّك، ثم أتى، ثم ائْتُوا صفا. وكثُر في النمل لفظ جاء، نحو: (فلما جاءهم) . (وجئتك من سبَأ) . (فلما جاء سليمان) . وإنما أبرز الضمير في هذه الآية بقوله: ربك، لأنه خاطبه مرّتين، كل مرة بما يليق به، ففي الأولى أظهر له النعمة في إنجائه من فرعون، وتحنّن شعيب له، وإكرامه بالكلام. فلما تأنّس وزالت عنه الدهشة خاطبه بالألوهية الْمشْعرة بالخوف من هذا الاسم العظيم. فسبحان اللطيف بعباده، الْمُنْعم عليهم بنعمه: خلقهم بلا مثل، وصورهم بلا مشاورة، ورباهم بلا قوة، وهداهم بلا شفاعة، ورزقهم بلا دعوة، وأمرضهم بلا واسطة، وشفاهم بلا دَوَاء، وأماتهم بالعدل، وأحياهم بالقدرة، وغفر لهم بالرحمة. وقد قدمنا أنَّ موسى خرج لطلب النار، فوجد الجبَّار. ويوسف خرج للنزهة فوجد العبودية. وبلقيس خرجت للنظر فوجدت المعرفة. وطالوت خرج لطلب حماره فوجد الملك. وأنت يا محمديُّ إذا خرجتَ من الدنيا لِطَلَب مَوْلاك أفتراك لا تجده وقد خرجت لأجله! كلا، بل تجده، وينيلُك ما انتهت عيْنُك، ولذَّت نفسك.

стр. 1089

ألا تراه قال لموسى لا توجّه تِلْقَاء مدين وجاع وعَيي ورفع رأسه فقال: أنا الغريب الفقير المريض - فأجابه: الغريب الذي ليس له مثلي حبيب، والفقير الذي ليس له مثلي نصيب، والمريض الذي ليس له مثلي طبيب. فرضي بهذه الكلمات. (فلا يَصدّنَّكَ عنها) : الضمير للساعة، أي لا يصدنَّكَ عن الإيمان بها والاستعداد لها. والخطاب لموسى. وقيل لنبينا ومولانا محمد، وهو بعيد، لأنه قد استعدَّ لها. وقيل الضمير للصلاة، وهو بعيد. (فتَرْدَى) ، أي تهلك. وهذا الفعل منصوب في جواب (لا يصدنَّك) . (فألْقَاهَا فإذا هي حيَّةٌ) : لما ذكر موسى ﵇ المنافع التي كانت في عصاه بسؤال الله له أمره أنْ يُلْقيها ليَرَى فيها عجائب غير التي كانت فيها، ويعلمَ أن الله يؤيده وينصره ويعزّه، فألقاها امتثالاً لأمْرِ ربه، فقلب الله أوصافَها وأعراضها، فصارت حيّةً تسعى، أي تنتقل من مكان إلى مكان. والحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى، والصغير والكبير. وقد قدمنا أنَّ الله سمّاها بأسماء مختلفة: بالحية، والثعبان، والجان، فأراد بالحية أول أمرها صغيرة رقيقة، ثم تتزايد وتصير كالثعبان في سرعة حركة الجان. وقيل: كان لها عرْف كعرف الفرس، وكان بين لَحْيَيْها أربعون ذراعاً (١) . قال ابن عباس: انقلبت ثعباناً ذكراً يبتلعُ الحجرَ والشجر، لها كلام كالرعد القاصف. فلما رآها موسى كذلك خاف. وقد قدمنا أن خوفه إنما كان ممن أجل عِلْمه أنها كانت من الشجرة التي أكل منها آدم، وقيل: لأنها كانت معجزة بالخوف منها، فخاف منها كل أحد. فقال الله له: يا موسى، اذهب بها إلى فرعون، وخُذْها، ولا تَخَفْ، سنُعيدها سيرتها الأولى. وموسى أمّنه الله من أربع مخاوف: من إلقاء العصا، وفرعون، وقومه، ومن قَتْل القبطي، فأمنه الله منها جميعا.

стр. 1090

وأنت يا محمدي إذا رجعْتَ إليه أفتراه لا يُنجيك من غمِّ الدنيا، وعند النّزعْ، وفي القبر، وفي أهوال القيامة. وقد قال لك: (إن الله مع المؤمنين) . إن الله مع الصابرين) . (إن الله مع الذين اتَّقَوْا) . (وإن الله لَمَعَ المحسنين) . موسى كانت في يمينه العصا، فضرب البحر بها فانفلق حتى جاوزَه هو وقومه، والمؤمن الذي بيده كتاب ربِّه أتراه لا يضرب به بحرَ الموت فينفلق له، ويقول له: كن عليَّ رحمةً (١) فتنزع روحه نوماً برفْق كالقطر من الصفا، كما صح عنه ﷺ أنه قال لملك الموت: " ارفق بأمتي. فقال له: أبشر، فإني بكل مؤمن رفيق ". (فاقذفيه في الْيَمِّ) : اليم: هو البحر، وأمْر الله في هذه الآية لأمّ موسى أن ترميه في بَحر النيل، لأن فرعون لما ذكر له أن هلاكَه على يد رجل من بني إسرائيل أمر بذبح كلّ ذكر يولد لهم، فألقَتْه في تابوت، وألقت التابوتَ في البحر، وكان فرعون في موضع يُشْرف على النيل، فلما رأى التابوتَ أمر به فسِيق إليه، وامرأتُه معه، ففتحه فأشفقت عليه امرأته، وطلبت أن تتخذه ولداً، لأنها لم يكن لها ولد، فأباح لها ذلك، فذلك قوله: (وألقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبّةً مني) . فهذه المحبةُ نفعت امرأة فرعون، وكذلك صَفُورا نفعت محبتها لموسى، وزُليخا ليوسف، وخديجة لمحمد ﷺ . فالمؤمن الذي يحبُّ الله ويحبُّه الله أفتراه لا تنفعه محبته، وهو يقول: (يحبُّهم ويحبُّونَه) ، ولم تكن هذه المحبة إلا لأمّة الحبيب، لأنه كان حبيباً، وحبيبا كحبيب حبيب، ألا ترى آدم كان صفيًّا، فلم يجد أحد من قومه الصفوة، وإبراهيم كان خليلاً فلم يجد أحدٌ من قومه الخلة، وهكذا سائر الأنبياء، لكن من علامة المحبة أولها الإفلاس، وآخرها الوَسواس، ومن فَرّ منه دعاهُ بكثرة الإحسان حتى يستحيي من الله، فيرجع إليه. (فتقول هل أدُلّكم على مَنْ يَكفُلُه) : يعني أنَّ فرعون لما أخذه من التابوت، وأسلمه لآسية صارت ترْضعه في المراضع، فلم يَقْبَل ثَدْيَ مرْضعة.

стр. 1091

حتى شاع خبره، فذهبت أخته إليهم، وقالت: (هل أدلكم على من يكفُله) . (فرَدَدْناه إلى أمِّه) : وهذا مِنْ مِنَنِ الله عليه لما قالت لهم: أنا أدُلكمْ على أهْلِ بيت يكْفلونه لكم وهم له ناصِحون، وحَرَّضَتْهم بهذا الكلام قالوا لها: أنْت تعرفين هذا الغلام، قالت: لا، غير أني أعلم من هذا البيت الحرصَ على التقرب إلى الملكة والجدّ في خدمتها ورضاها، فتركوها وسألوها الدلالة، فجاءت بامّ موسى، فلما أخذته التْقَمَ ثَدْيهَا، ففرحت آسية لذلك، وقالت لها: تكونين معي في القصر. فقالت لها: ما كنْتُ لأدعَ بيتي وولدي - تعني هارون. ولكنه يكون عندي. فأحسنت آسية إليها غايةَ الإحسان، واعتَز بنو إسرائيل بهذا الوليد السعيد، فهذا معنى رجوعه إلى أمّه، وإقرار عينها، وذهاب الحزن عنها. وهذا كله من ثقتها بربها، وتسليم الأمْرِ إليه بعد امتثال أمره، ولولا أن الله رَبَط على قَلْبها بالصَّبْر لكادت تُبدي به، لكن رجعت إلى ربها، فجمع الله شَمْلَها به. ويعقوب لما رجع في حِفْظِ يوسف إلى أولاده وقولهم له: (وإنا له لحافظون) ، واطمأن إلى حفظهم ابتلاه الله بمفارقته. ولما زال عن حفظ إخوته ردّه الله إلى حفظه، فقهر له العبادَ والبلاد، وردّ عليه والده. وأنْتَ يا محمدي لو رجعْتَ إلى الله وتوكلْتَ عليه لحفظك في أهلك ومالك وولدك، وجمع بينك وبين أحبتك يوم القيامة، ولكنك أسأتَ الأدب. واطمأنَنْتَ إلى المخلوقين، فكيف تطمع بنيل مركوبك وقد أعرضت عنه؟! فإن قلت: أي فرق بين الرجوع في هذه الآية وفي آية القصص بالرد؟ والجواب هما بمعنى واحد ولما كان لفظ الرجوع ألطف خُصَّت به هذه الآية. وعبَّر في القصص بالرد لمناسبة قوله: (إنا رَادُّوه إليكَ) . (فنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغَمِّ) : لما خاف مِن قَتْلِ القبطي أمَّنه الله بقوله: (لا تخف نَجَوْت من القوم الظالمين) .

стр. 1092

وكذلك المؤمن يخاف من غَمّ القيامة، فيسمع النداء: لا تخف فالمراد به غيرك. (فَتَنَّاكَ فُتُوناً) ، أي اختبرناك اختباراً حتى ظهر منك أنك تصلح للنبوءة والرسالة. وقيل: خلّصناك من محنة بعد محنة، لأنه خلصه من الذبح، ثم من اليمّ، ثم من القصاص بالقتل. والفتون يحتمل أن يكون مصدراً أو جمع فتنة. (فلبثْتَ سنين في أهل مَدْين) : يعني الأعوام العشرة التي استَأْجَره فيها شعيب لرَعْي الأغنام، فقال له شُعيب في العام الرابع: يا موسى، كلما وُلدت أنثى من الحمْلَان فهي لك في هذه السنة، فكان موسى يُلقي عصاه في الماء، ويسقي الأغنام منها، فولدت كلها أنثى في تلك السنة، فقال شعيب ﵇ في السنة العاشرة: كلما ولدت ذكورا من الْحُمْلان فهي لك، فولدت في تلك - السنة كلها ذكورا. فاجتمع له أغنام كثيرة، فرجع مع أهله إلى مصر، فآنس في الطريق ناراً، كما قال الله تعالى، فلما دنا منه الكلِيم صار نوراً، وكذلك نار الخليل لما دنا منها الخليلُ صارت روضة ورحمة. وكذلك جبّ يوسف كان مملوءاً عفاريت وحيّات، فلما دنا منه الصديق صار رحمةً، وكذلك البحر لما دَنَا منه الكليم صار يبساً، وكذلك القبر موضع الوَحْشة والديدان فإذا نام فيه الحبيبُ صار عليه روضةً من رياض الجنة. وكذلك يوم القيامة - يوم الحسرة والندامة - فإذا قام فيه الحبيب يصير يوم العز والقربة، والدنوِّ والرتبة. وكذلك النار موضع الملامة فإذا دخل عليها الحبيب صار موضع إظهار الكرامة. (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ) : ضمير التثنية يعود على موسى وهارون، وضمير الإفراد على فرعون. يعني أن الله أمرهما بالإتيان إليه ليخْبِراه بالرجوع عما هو فيه، لِمَا في إخبارهما له بإقامة الحجة عليه. وفي ضمن ذلك دعوتُه إلى الإيمان. والمرادُ بإرسال بني إسرائيل معهما لإخراجهم عن ملكه، ومن دائرة حكمه. وفي ذلك تحقير لشأنه وإبطال ما ادَّعاه من السلطان.

стр. 1093

فإن قلت: لم حذف من هذه الآية اسم فرعون وأثبته في الشعراء؟ والجواب أنه تقدم ذكره في قوله: (اذْهَبَا إلى فرعون إنّه طغَى) - فلم تكن إعادة اسمه ظاهراً مع الاتصال والقرب، إذ لم يفصل بين ظاهره ومضمره إلا كلمتان. أما آية الشعراء، فوَجْه إظهارِه أنه قد اجتمع فيها أمران: أحدهما: الفصل بين مضمر الاسم وظاهره، مع إتيان الظاهر مضافاً إليه فَضْلُه إلى ما ذكر من الفَضْل ببضع وعشرين كلمة. والثاني: أمر موسى ﵇ أولاً، وإنما أورد بإتيانه قوم فرعون. قال تعالى: (وإذ نادى ربّك موسى) ، فقد يتوهم أن الجاري على هذا أن لو قيل عوض قوله: فأتيا فرعون - فأتهم - إلا أنه لم يقصد ثانياً إلا ذكر متبِعيه، فلم يكن بدّ من الإفصاح باسمه غير مضمر. وأما قوله تعالى في الأولى: فقولا إنا رسولا ربك - بتثنية لفظ " رسولا " فوارد على اللغة الشهيرة. وأما قوله في الثانية: (إنا رسول ربِّ العالمين) - فعلى لغة مَنْ يقول رسول للواحد والاثنين والجماعة والذكر والمؤنث، فورد الأول في الترتيب الثابت على اللغة الشهيرة، والثاني على اللغة الأخرى، على ما قد تقدم في مثل هذا. وعَكس الوارد مخالف للترتيب، ولا يناسبه. وأما قوله: (إنّا رسولَا ربك) بإضافة اسمه تعالى إلى ضمير الخطاب فإنه يناسب من حيث ما فيه من التلطف والرفق لما تقدمه من قوله تعالى: (فقولَا لَهُ قَوْلاً ليِّناً) . وقد تفسر هنا القول، وتبيَّن ما فيه من التلطّف في قوله تعالى في آية النازعات: (فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) . وناسب هذا ما بنيت عليه سورة طه من تَأنيس نبينا ومولانا محمد ﷺ ، وتأنيس موسى كليمه بقوله: (وأنَا اخْتَرْتك فاسْتَمِعْ لما يُوحَى) ، وما بعده إلى قوله: (قد أُوتِيتَ سؤْلَكَ يا موسى) ، وما بعده. فلما كان مَبْنَى هذه السورة

стр. 1094

بجملتها على التلطّف والتأنيس ناسب ذلك بما أمر موسى ﵇ من دعاء فرعون وأنسه ولطفه، وأمر موسى ﵇ وأخيه هارون بذلك، فقيل لهما: (فقولَا له قَوْلاً ليِّنا) . وجرى على ذلك قوله: (إنا رسولا ربك) ، فأشعرت هذه الإضافة بالتلطف الربّاني. ولما لم تكن سورة الشعراء مبنية على ما ذكر، وإنما تضمنت تعنيفَ فرعون وملأه وإغراقهم، وأخذ المكذّبين للرسل بتكذيبهم، وهذا في طرف من التلطف - ورَدَ فيها: (فقولا إنا رسول رب العالمين) ، بإضافة اسمه تعالى إلى العالمين. لتحصيل أنه مالك الكلّ، وأنهم تحت قَهْره تعالى، وفي قبضته، وعدل عن الإضافة إلى ضمير الخطاب، إذ لم يقصد هنا ما قدم من التلطف. ونظير الوارد في هاتين الآيتين قوله تعالى: (ولو شاء ربّك ما فعلوه) - تأنيساً لنبينا ومولانا محمد ﷺ ، ثم ورد فيما بعد: (ولو شاء الله ما فعَلوه) . فقِفْ على ذلك، وقد تبين جليل النظم، وهو التناسب، وتأمل أَمرَهما الله هنا بالإخبار بأنهما رسولَا رَبِّه، وأمرهما في آية أخرى بالتلطف له في الموعظة، لأنه أعون على قَبُول النصح، وإنفاذ الدعوة، وإمالة القلوب إلى ما تدعى إليه، وهذا كقوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) . واختلف في معنى القول اللين، فقيل: عِدَاهُ شباباً لا يهرم بعده (١) ، وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت، وأن تبْقى له لذة المطعم والمشرب والْمَنْكح إلى حين موته. وقيل: لا تواجهاه بما يكره، فإن في ذلك تنفيرا له، أو لما له من حق التربية لموسى، فقد روي أنَّ الله قال: كانت لفرعون على موسى حقّ التربية، فأردت أن أكافئه بقولي: (فقُولاَ له قَولاً ليّنا) . وقيل كنِّياه، وكان له ثلاث كنى: أبو العباس، وأبو الوليد، وأبو مرة. وقد رُوي أن إبليس أتى إليه ودقَّ عليه الباب، فقال: مَنْ، فقال له

стр. 1095

إبليس: من ادَّعَى الرّبوبية يعرف مَنْ أنا، فقال له فرعون: هل علمت من هو شر منّا، قال إبليس: مَنْ باع آخرته بدنْيا غيره. فانظر هذا اللطف العظيم مع من ادَّعَى الربوبية، فكيف بمن أقر له بالعبودية وعبده مدةً مديدة، أتراه لا يعامله بما تدهش له النفوس من العيشة الهنية. (فمنْ ربّكمَا يا موسى) : خطاب لهما، مع أنَّ موسى الأصل في النبوءة وهارون تابعٌ له. (فيُسْحِتَكم) : معناه يهلككم. وقيل سحت وأسْحَت، وقد قرئ بفتح الياء وضمها. والمعنى متفق. (فأَجمعوا كيْدَكمْ) ، أي اعزموا وأنفذوه. وهذا من قول موسى على وَجْه الإسراع في مقصودهم لعِلْمه بباطلهم. (فرجع موسى إلى قَوْمه) : يعني بعد كمال الأربعين يوماً التي كلَّمه الله فيها في قوله: (وواعَدْنَا موسى ثلاثين ليلة) ، فتناول منها ورقةَ زيتون، فأمر بعشرة أخرى، فانظر بالله ورقة زيتون منعت متَناولها عن المراد، فكيف تنال مرادك مع تناول شهواتك، وخصوصاً إن كانت من ظلم للعباد. (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) . أي في طاعتك لإبليس، فجعل المسبّب مع السبب. فإن قلت: لم خصّ آدم بالشقاء والتوبة في قوله: فتاب عليه وهَدَى، وحوَّاء كانت المتسببة؟ فالجواب: أن آدم كان نبيئاً وحوَّاء كانت من جملة الأولياء الذي يجب أن يكون مأمون العاقبة، ومن شرط الولاية كثرة الْحُزن والخوف إلى آخر الزمان. وخص آدم بالخطاب، لأنه كان المخاطب أولاً والمقصود بالكلام، وأَضاف الإخراج إلى إبليس والإنزال إلى نفسه بقوله: (اسكنْ أنْتَ وزَوْجك الجنَّةَ)

стр. 1096

لأن الضيف إذا كان كريماً لا يُخْرج ضيفَه من ضيافَتِه، فلما خرج قال له: يا آدم، أسكَنْتك في جوارِ العدو لتعصيه فيها، وتطيعني، فأقول هذا بذاك، والمحبة بيننا باقية، كذلك يوم القيامة يقول: عبدي أنعمت عليك برضاك، وأطعتني برضائي، وعصيتني مخالفاً لأمري، دع الطاعة في مقابلة النعمة، والزّلَّة في مقابلة البليّة، والمعرفة بيننا باقية. (فإمّا يَأْتِيَنَكم مني هدًى) : إن الشرطية دخلَتْ عليها ما الزائدة وجوابها. (فمن اتَّبع هدَاي فلا يَضِل ولا يشْقَى) . أي لا يضلّ في الدنيا، ولا يَشقى في الآخرة. (فلا تستعجلون) ، أي لا تستعجلون العذاب. وقيل المراد هنا آدم، لأنه لما وصل الروح إلى صدره أراد أنْ يقومَ، وهذا ضعيف. (فَعَلَهُ كَبِيرُهم هذا) : ضمير الفعل للصنم، وذلك أنهم لما سألوه عمَّنْ كسر الأصنام قال لهم هذا القولَ، ومقصوده بذلك تبكيتهم لإقامة الحجة عليهم، كأنه يقول: إن كان إلهاً فهو قادر على أن يفعل، وإن لم يقدر فليس بإله، ولم يقصد الحقيقة الْمَحْضة. فإن قلت: قد ورد في الحديث: أنَّ إبراهيم كذب ثلاث كذبات، إحداها هذه؟ والجواب: أن معناها قال قولاً ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى آخر. ويدلُّ على ذلك قوله: (فَاسألوهمْ إنْ كانوا يَنْطِقون) . وهذا التأويل أولى، لأن نفي الكذب يعارِض الحديث، والكذبُ الصراح لا يجوز على الأنبياء عند أهل التحقيق. وأما المعاريض فهي جائزة، وعلى تقدير جواز الكذب فإنما جاز له ذلك، لأنه فعله من أجل الله.

стр. 1097

(ففَهَّمْنَاهَا سلَيْمان) : الضمير يعود على القضية المذكورة قبل هذا في الرجلين. (فهل أَنْتم شاكِرون) : لفظه استفهام، ومعناه استدعاء إلى الشكر. (فنَفخنا فيها مِنْ روحِنَا) : عبارة عما ألقاه الحق سبحانه من أَسرار آثار أسماء الأفعال، وسرى إليها من ذلك السر، فتكوَّن الولد في رحمها، وذلك الإلقاء إما بواسطة الملك المعبَّر عنه بالرّوح أو دونه، وإضافةُ الروح إلى ضميره تعالى إضافة الملك إلى المالك. وقد كثرت الأقاويل في الروح، حتى أنهاه بعضهم إلى أربعمائة قول، ولا يعلم حقيقته إلا الله، كما قال: (مِنْ أمْرِ رَبِّي) ، أي من عجائب ربي. وقيل: من علم ربي. وقيل الروح آدم، (ونفخت فيه من روحي) . وقيل جبريل، (وأيدْنَاه بروح القدس) . وقيل الروح: الْخَلْق العظيم الذي في عالم العزّة يأمر بما يأمره الله به جميع الملائكة، وهو خلق عظيم أعظم العوالم يسبّح كلّ يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق الله من كل تسبيحةٍ ملكاً يجيىء يوم القيامة صفاً واحداً، فذلك قوله: (يوم يقوم الرّوحُ والملائكةُ صفًّا) . فإن قلت: لم أنث الضمير هنا وذكّره في التحريم، مع أن القصة واحدة؟ والجواب أنه لما كان المقصود في سورة " اقتربت " ذكْرها وما يؤُول إليه أمرها حتى ظهر ابنها وصارت هي وابنها آية، وذلك لاَ يكون إلا بالنَّفْخِ في جملتها خُصَّت بالتأنيث، وما في التحريم مقصور على ذِكْرِ إحصانها وتصديقها بكلمات ربها، وكان النفخُ في جميعها وهو مذكَّر، فلذا قال: (فيه) . وأيضاً فهنا أنَّث بعد ذكر جملة من الأنبياء والرسل بخصائص عليَّة، وآياتٍ نبوية ناسب ذلك ذكر مريم وابنها بما منحا. وأما آية التحريم فمقصود فيها ذِكر

стр. 1098

عظتين عظيمتين تبيّن بهما حكم السبقية بالإيمان أو الكفر، وهما قضية امرأتي نوح ولوط، وإن انضواءهما إلى هذين النبييْن الكريمين انضواء الزوجية التي لا أقْرب منها، ومع ذلك لم يغْنيا عنهما من الله شيئاً، وقضية امرأة فرعون وقد انضوت إلى الكافر لم يضرّها كفْره، ثم ذكرت مريم ﵍ للالتقاء في الاختصاص وسبقية السعادة، ولم يَدعُ داعٍ إلى ذِكْر ابنها، فلا وَجْه لذكره هنا. (الْفَزَع الأكْبَر) : فيه أقاويل، قيل النفخ في الصور. (ففَزعَ مَنْ في السماوات) . وقيل: هو صوتُ القطيعة، وهو قوله لأهل النار: (اخْسَئوا فيها ولا تكَلِّمُون) . (فإن يصْبِروا فالنار مَثْوًى لهم) . وقيل يوم ذبح الموت بين الجنة والنار. وقيل يوم يسمعون: (وامْتَازُوا الْيَوْمَ أيُّها الْمجْرِمون) . وقيل يوم أمر الله آدم ابعث من ذريتك بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحدٌ إلى الجنة. وقد سمَّى الله في كتابه ثلاثة أشياء أكبر: هذا، (ولذِكْر اللهِ أكبر) . (ورِضْوانٌ من الله أكبَر) . (فَاعْبُدُون) : خصَّت هذه الآية بالعبادة، لأنه لم يرد في سورتها ذكْر لفَظ التقوى في أمرٍ ولا خبر من أولها إلى آخرها، بل ورد فيها الأمْر بالعَبادة في قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) . بخلاف سورة المؤمنين، فإنه تكرر فيها ذكر التقوى في ثلاثة مواضع: في قصة نوح: (أفلا تتقون) . والتالية لها: (أفلا تَتَقون) . فروعي في الأولى ما تقدمها، ونُوسب بالثانية ما اكتنفها، وأيضاً فإنَّ العبادة بها ليحصل لهم الاتّقاء، فهي مقدَّمة في الطلب لتحصل ما يتسبَّب عنها إذا كانت الإجابة. وعلى ذلك ورد دعاءُ الخلق، قال تعالى: (يا أيها الناسُ اتَّقوا ربَّكم) ، فالاتّصاف بالتقوى ثان عن الاتصاف بالعبادة، فقيل في الأنبياء: (فاعبدون) . وفي الثالثة: (فاتقُون) ، على مقتضى الترتيب.

стр. 1099

(فَتَقطعُوا أَمرَهم بَيْنَهم) . أي اختلفوا فيه، وهو استعارةٌ من جعل الشيء قطَعاً، والضمير للمخاطبين، والأصل تقطعتم أمْرَكم بينكم، إلا أَن الكلامَ صرِف إلى الغيبة على طريق الالتفات، كأنه يَنْعَى عليهم ما أَسدَوه إلى آخرين، ويقتح عندهم فِعلهم، ويقول هم: ألا تَرَوْن إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله، وإن اختلفوا في الدين مرجعُهم إلينا وحسابهم علينا. فإن قلت: ما فائدة عطف هذه الآية بالفاء وزيادة (زبُراً) ؟ والجواب أن زيادته تأكيد لافتراقهم، ونصب الحال الواردة بياناً وتأكيداً لقُبْح تفرقهم، وتشنيع مرتَكَبهم، فناسب ذلك مقصود هذه الآية لما هنا من التخويف والإنذار، ولم يكن ليناسب آية الأنبياء، لبنائها على غيرها لما تقدمها من تأنيس نبينا ومولانا محمد ﷺ ، وتعريفه بما منح سبحانه متقدمي الرسل، وما أعقبهم صبرهم على أممهم، ولذلك عطفها بواو العطف، كأنه يقول: نبَّهناهم على السؤال، وأوضحنا لهم أمر مَن تقدمهم، وعاقبة الاستجابة لمن تمسّك بهَدي المذكورين، وهم مع ذلك على عنادهم وافتراقهم، وكأن الكلام وارد مورد التعجب من أمرهم، ولم يَشُبْه شدة الوعيد، ليبقى رجاؤه. (فَلَك) : هو القطب الذي تدور عليه النجوم. (فَجٍّ عمِيق) ، أي طريق بعيد. (فكلوا منها) ، ندب للأكل من الأضحية، وهو من خصائص هذه الأمة المحمدية، يأكلون صدقاتهم فيؤْجَرون عليها بخلاف من تقدم، فسبحان من أنعم عليهم بنعم دنيا وأخرى، جعلنا الله ممن أحبهم. (فاجتَنِئوا الرجسَ من الأَوثان) : من لبيان الجنس، كأنه قال الرجس الذي هو الأوثان، والمراد النهي عن عبادتها، أو عن الذبح تقرّباً لها كا كانت العرب تفعل.

стр. 1100

(فيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشيطان) : أي فيُبْطِله، كقولك: نسخت الشمس الظلَّ. (فلا ينَازِعنّكَ في الأمر) ، أي في الدين والشريعة، وضمير الفاعل للكفار. والمعنى أنهم لا ينبغي لهم منازعة النبي ﷺ ، لأن الحق قد ظهر بحيث لا يسَعُ النزاع فيه، فجاء الفعل بلفظ النهي، والمراد غير النهي. وقيل المعنى: لا تنازعْهم فينَازِعوك، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه. ويحتمل أن يكون نهياً لهم عن المنازعة على ظاهر اللفظ. (فأَقِيموا الصلاة) : الظاهر أنها المكتوبة، لاقترانها مع الزكاة، وإقامتها بإتيانها بالخضوع والحضور، إذ ما كل مصَلٍّ مقيم، ولا يكتب للعبد من صلاته إلا ما عقل منها، الصلاة طهرة القلوب، واستفتاحٌ لباب الغيوب. (فاسْلكْ فيها من كلً زَوْجين اثنين) : لما صنع نوحٌ السفينة، وجعل الله علامةَ خروج الماء إفارةْ التنور أَمر جبريل أنواعَ الحيوان أن تأتيه فيضع يمينه على الذَّكَر ويساره على الأنثى. وروي أن أول من دخل السفينة الذّر، وآخر من دخلها الحمار، فتمسك الشيطان بذَنَبه، فزجره نوح، فلم ينبعث، فقال له: ادخل، ولو كان معك الشيطان. قال ابن عباس: زَلَّت هذه الكلمة عن لسانه، فدخل الشيطان حينئذ. وكان في مؤخرة السفينة (١) . وروي أن نوحاً ﵇ ومَنْ في السفينة شم نتن الزبل والعذرة فأوحى اللَه إليه أن امسح على ذنب الفيل، ففعل، فخرج من الفيل، وقيل من أنفه خنزير، فكفى نوحاً وأهله ذلك الأذى، فيؤخذ من هذا أن نوع الخنزير لم يكن قبل ذلك. وروي أن الفأر آذى الناسَ في السفينة بقَرْض حوائجهم، فأمر الله نوحاً أن يمسح على جبهة الأسد، ففعل، فعطس فخرجت منه هِرّة وهِرّ فكفَيَاهم الفأر.

стр. 1101

وروي أيضاً أن الفأر خرج من أنف الخنزير، وهذا كله ليس له مستند. وروي أن إبليس لما دخل في السفينة طمع في إغواء أهلها، فشَكَا نوح إلى اللَه، فأمره أن يحمل معه تابوت آدم في السفينة حتى ينظر إليه إبليس، فيذوب حسرة، ولذلك قال ﷺ : الشدّ بالقَيْد أهوَن من النظر إلى الضد، وإذا كانت مشاهدة العدو تمنع الاشتغال بالنفس وتمنع عن الطعام والشراب، فكيف لا تذوب أنْتَ يا محمدي والمحبة في قلبك، كما ذاب إبليس حين نظر إلى عدوه. لو صدقَتْ محبتُك في صحبة معبودك لمنعك مشاهدته عن الشهوات وطلبِ الفضول والتلذذِ بالزلات، ولا يقدر إبليس على وَسوَستك وإغوائك في جميع الأوقات، ألا ترى أنه لم يقدر على دخول السفينة إلا بإذن صاحبه، فكيف يدخل قَلْبَك وفيه مولاك، أما سمعته يقول: (وإذا ذَكَرْتَ ربَّك في القرآن وَحْدَه وَلَّوْا على أدبارهم نُفُورا) . وفي الحديث: إن له صفتين: وسواس، وخَنّاس، فإذا خنس على ابن آدم وشَمّه ووجد فيه الغَفْلة وسوس، وإذا وجده متيقظًا خنس، فانظر بأيّ شيء تعمره، إن عمرته بذكره سبحانه والتفكرِ في عجائبه - طردَهُ عنك، ووصلْتَ إلى حضرته، ألا تراه سبحانه أمر نوحاً بحَمْله معه الحيوان الذي لا معرفةَ له، ولم يفرق بينه وبين محبوبه، فكيف يذيق عَبْدَه المؤمن أليمَ فُرْقته بعد طول خدمته، وقديم معرفته! كأنه سبحانه يقول: يا نوح، احمل ما هو مفارِق لك، وهارب عنك، لتُرِيَ الْخَلْقَ حُسْنَ خُلقك، فيستدلون بحسن خلقك على لطيف صُنعي، أنا لما ذَكَرني الموفون الملازمون ببابي، والخواصّ من عبادي - هديتُهم، وأنعمت عليهم، هذه معاملتي معهم في دار الْمِحْنة، فكيف معاملتي معهم في دار النعمة، إنك أدخلْتَ الخلائق في سفينتك ولكَ إليها حاجة، فأي عجب لو أدخلْتُ جميع العصاة في الجنة ولا حاجة لي فيها! (فبُعْداً) : مصدر وُضِع موضع الفعل، بمعنى بَعُدُوا، أي هلكوا، والعامل فيه مضمر لا يظهر.

стр. 1102

(فارَ التّنُّور) : يعني بالماء، ولمّا أخبرته امرأتُه بوجود الماء فيه ركب هو وأهلُه السفينة، وكان هذا التّنور لآدم، فخلص إلى نوح. واختلف في موضعه، والصحيح أنه كان في مسجد الكوفة، وقيل بدمشق. (فكان من الْمُغْرَقين) : الضمير يعود على ابن نوح، لمّا لم يسمع قولَ أبيه أغرقه الله ببوله، وذلك أنه اتخذ قارورة وأدخل فيها نفسه لظنّه أنه يَنْجو (١) ، فأظهر الله مَوْجَ القدرة، وحال بينه وبين ولده، وكذلك الكافر في خروجه من الدنيا يظهر له موج الشقاوة، فيحول بينه وبين ما يشتهيه من قبول العذر والإقرار بالوحدانية، كما قال تعالى: (وحِيلَ بينهم وبين ما يَشْتَهُون) ، كذلك العبد العاصي يدعو ربَّه بالندامة، فيظهر له موج الرحمة، فيحول بين صرفته ومعصيته، وتَبْقى صرفته، وذلك قوله تعالى: (يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءَ وقَلْبه) . وفي الخبر أن نوحاً قال: يا رب، أنت وعدتَني بنجاةِ أهلي وإنَّ ابني من أهلي، فأوحى الله إليه: إنه ليس من أهلك الذين وعدتُكَ بنجاتهم، وقد وافقتك في دعائك على الكفار، أفلا تُوافقني أنْتَ في واحد هو ابنك بعد أن قلْتُ لك: إنه ليس من أهلك! كأنه سبحانه يقول: عبدي، أسلمت إليكَ الدنيا بأسرها عاجلاً، والعُقْبى آجلاً موافقة لسؤالك وإجابة لدعائك، أفلا تسلم لي واحداً من أعضائك، وهو القلب، فأكون لك نعم الرب! (فلا أنسابَ بَيْنَهم) ، يعني في الآخرة، لأن كلً واحد منهم مشغول بنفسه، وكل منهم يفرُّ من أبناء جنسه، مخافةَ أن يتعلق بشخصه، قال تعالى: (يوم يَفِر الْمَرءُ من أخيه) . (فَرضْنَاها) ، أي فرضنا الأحكامَ التي فيها. وقرئ بالتشديد مبالغة. (فاجْلِدوا كلَّ واحدٍ منهما مائةَ جَلْدَةٍ) ، ليس على عمومه.

стр. 1103

يخص منه الْمحصن والمحصنات والعبد والأمة، وصِفَتُه عند الشافعي أن يفرّق على جميع الأعضاء والمجلود قائم. وعند مالك في الظهر والمجلود جالس، وتُستر المرأة بثوبِ لا يقيها الضرْبَ، ويجرَّد الرجل عند مالك، وقال يجلد على قميص ويؤخرُ المريض والحامل للبُرْء. واختلف هل يجوز أن يجمع مائة سوط ويضرب بها ضربة واحدة، وأجازه الشافعي للمريض، لورود ذلك في الحديث، ومنعه مالك، وأجازه أبو حنيفة لما في قصة أيوب. فإن قلت: ما الحكمة ُ في سقوط الحدِّ عن المريض؟ فالجواب أن المقصود به التأديب لا القتل، ولذلك أمر بالتخفيف عنه في الحرّ الشديد والبرد الشديد. كذلك العاصى من هذه الأمة إذا دخل النارَ يقول الله لمالك: لا تُقَربه إلى النار العظمى، ولا تعذِّبه عذاب الكفرة، لأن القصد في إدخاله التأديب لا التعذيب، هذا حدُّ العاصي في الدنيا، وهذا حد الجاني في العقبى. (فشهادَة أحدِهم أرْبَعُ شهادات) : بالنصب على المصدرية، والعامل فيه شهادة أحدهم. وقرئ بالرفع، وهو خبر (شهادة أحدهم) . وقوله: (بالله) ، وإنه لمن الصادقين - من صلة أربع شهادات، أو مِنْ صلة: " شهادة أحدهم "، أي يقول الزوج أربع مرات: أشهد بالله، لقد رأيْتُ هذه المرأة تزني، أو أشهد بالله ما هذا الحمل مني، ولقد زَنت، وإني لمن الصادقين، ثم يقول في الخامسة: لعنة اللَهِ عليَّ إنْ كنْتُ من الكاذبين. (فارِهين) ، بألف وعدمها، منصوب على الحال من المفعول في (تَنْحِتُون) ، وهو مشتق من الفَرَاهَة، وهي النشاط والكيس. وقيل: أشِرين بَطرِين. (فأصْبَحوا نادِمين) : الضمير يعود على قوم صالح، لما تغيرت أَمْوَالُهم كما ذكرناه - ندِموا.

стр. 1104

فإن قلت: ما بالُهم لم ينفعهم الندم كقوم يونس؟ والجواب أن ندمهم إنما كان على عدم قتلهم لولد الناقة، ولم يندموا على قتلها، وكذلك نَدَم قابيل، ندم على كونه عجز عن إخفاءِ أخيه لا على قَتْله، فلذلك لم ينفعهما الندم، بخلاف قوم يونس فنَدَمهم كان حقيقةً، وآمنوا فنفعهم إيمانهم، وهذه الأمة المحمدية ينفعهم الندم للحديث: "الندم توبة". وفي الحديث: "إن الحفظة تصعد بعمَل العبد يقابلونه باللوح المحفوظ، فلا يجدون ما كتبوا فيختلجوا، وإذا النداءُ من قِبَل الله: وصلت ندامةُ قلبه قبل وصولكم إليَّ". (فبعثَ اللَّهُ غُرَاباً يبحثُ في الأرض) : لما قتل قابيلُ أخاه، وأراق دمه، فاجتمع النّسور عليه، فتحير قابيل في دَفْنه، فأخذ يدور في الأرض، فكل قطرة وقعت من دم هابيل عليها صارت سبِخَة، فبعث الله غرابَين يقتتلان، فقتل أَحدهما الآخر، نم بحث الأرض بمنقاره ودفنه، فاقتدى به قابيل، فذلك قوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) . والحكمة في بَعث الغراب لاسودَادِه، ولما كان القتل مستغرباً إذ لم يكن معهودًا قَبْلَ ذلك ناسب بعث الغراب إليه، ولهذا اشتقوا من اسمه الغربة والاغتراب والغريب. ورَوَى أنس أنَّ النبي ﷺ قال: " امتَنّ اللهُ على ابن آدم بالريح بعد الروح "، ولولا ذلك ما دَفن حبيب حبيباً، وقابيلُ أول من يُساق إلى النار، وهو المراد بقوله: (رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ) ، وهما قابيل وإبليس. وروَى أنس أن النبي ﷺ سئل عن يوم الثلاثاء، فقال: يوم الدم، فيه حاضت حواء، وفيه قَتَل ابنُ آدم أخاه. قال مقاتل: كانت السباع والطير تستأنس بآدم، فلما قتل قابيل هابيل هربت منه الطير والوحش، ومالت الأشجار، وحمضت الفواكه، وملحت المياه، واغبَرَّت الأرض.

стр. 1105

وعن ابن أبي واقد عن ابن حبيب، قال: بينما أنا عند أبي بكر الصديق إذ أتى بغراب، فلما رآه بجناحيه حمد الله، ثم قال: قال ﷺ : " ما مِنْ صيد مصيد إلا بنَقْصٍ من تسبيح، ولا أنبت اللَّهُ نابتة إلا وَكَل بها ملَكاً يُحصي تسبيحها حتى يأتي به يوم القيامة، ولا عُضدت شجرة، ولا قطعت إلا بنقصٍ من تسبيح، ولا دخل على امرئ مكروه إلا بذنب، وما عفا الله أكثر ". "يا غراب، اعبد الله "، ثم خلى سبيله. (فَكهين، وفاكهون) ، أي معجبون، كما يقال حذِر وحاذر. وفي التفسير: فاكهون: ناعمون، وفكِهون: معجبون، وفاكهون أيضاً الذين عندهم فاكهة كثيرة. كما يقال: رجل لابنٌ وتامر، أي ذو لبن وتمر كثير. (فَرَض عَلَيْكَ القرآن) ، أي أنزله عليكَ وأثبته. وقيل معناه أعطاك القرآن. والمعنى متقارب. وقيل: فرض أحكام القرآن، فهو على حذف مضاف. (فلبث فيهم ألْفَ سنة) : الضمير لنوح. والمعنى أنه بقي هذه المدة بعد بَعْثه. وروي أنه عمّر بعد الطوفان ثلاثمائة سنة. وأكثر الصحابة على أنه قبل إدريس، واسمه عبد الغفار. وروى الطبراني، عن أبي ذَرّ. قال: قلْتُ: يا رسول الله، مَنْ أول الأنبياء، قال: آدم. قلت، ثم مَنْ، قال: نوح، وبينهما عشرة قرون. (فالزاجراتِ زَجْراً) : هي الملائكة تزجر السحاب وغيره. وقيل: الزاجرون من بني آدم بالمواعظ. وقيل: آيات القرآن المتضمنة الزَّجْر عن المعاصي. (فالتَاليات ذِكْراً) : هي الملائكة تتلو القرآن والذكر. وقيل: هم التالون للقرآن، والذكر من بني آدم، وهي كلّها أشياء أقسم الله بها على أنه واحد.

стр. 1106

(فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) : يعني أن قوم إبراهيم طلبوا منه أنْ يَخْرج معهم إلى عيد لهم، وأراد الامتناعَ من ذلك، فنظر في النجوم لأنهم كانوا منَجِّمين، وقال لهم: إني سقيم، أي فيما يستقبل، لأن كلَّ إنسان لا بد له أنْ يمرض، أو أراد أنه سقيم النفْسِ مِنْ كفرهم وتكذيبهم له، وهذا التأويل أولى. وقيل: إنه كانت تأخذه الْحمَّى في وقت معلوم، فنظر في وقتِ أخْذِها له، واعتذر عن الخروج معهم لذلك. وقيل: نظر وفكر فيما يكون من أمره معهم، لأنه أراد كسر أصنامهم، فقال: إني سقيم. والنجوم على هذا ما يَنْجم مِنْ حاله معهم، وليست نجوم السماء، وهذا بعيد. (فما ظَنُّكم بربِّ العالمين) : المعنى أي شيء تظنون برب العالمين أن يعاقبكم وقد عبدتم غيره، أو أي شيء تظنون أنه هو حتى عبدْتم غيره، كما تقول: ما ظنّك بفلان إذا قصدت تعظيمه، فالقصد على المعنى الأول تهديد، وعلى الثاني تعظيم للَه وتوبيخ لهم. (فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) . لما قال لهم: إني سقيم - خافوا أن يكون طاعوناً، فخافوا منه. وتباعدوا خَوْفاً مِن عَدْواه، فمال إلى آلهتهم، وقال هذا القولَ على وجه الاستهزاء بالذين يعبدونها، وقد قدمنا فائدة إدخال الفاء في هذه الآية. (فجعلناهم الأسْفَلين) : يعني قوم النمرود، وذلك أنه قال له: يا إبراهيم، إن كان ربّك ملكاً فليحارِبْني بعسكره، وليأخذ الملك مني. فقال إبراهيم: إلهي، إن نمرود ركب مع جنوده، فأرْسِلْ إليه جنْداً من أضعف خَلْقك، وهي البعوض، لأنها إذا شبعت تموت وسائر الحيوان إذا شبع يَحْيَا، فأوحى الله إليه: يا إبراهيم، لو لم تسأل جند البعوض لأرْسلتُ عليهم جنْداً ما لَوْ جمعت منه لم يكن مثل ما أهلكتهم به (١) . قال تعالى: (وما يعلم جنودَ ربِّك إلا هو) . فركب نمرود - لعنه الله - في سبعمائة ألف فارس مقَنّع ومدَرع، وخرج إلى الخلاء يطلب المبارَزة، فأرسل الله جنْدَ البعوض، وقال لهم:

стр. 1107

جعلتُ اليوم رزقكم هذا الجند، وقوَّى الله مناقرها، فلم يحجبها الدروعُ والمغافير حتى أكلت لحومهم ودماءهم، ولم يبق منهم أحد غير نمرود، فإنه هرب ورجع إلى بيته، وأوحى الله إلى البعوض الموكل به أن يمْهله حتى يرى ما صنع الله بجنده، فلما دنا وقتُ عَذابه جعل يَحوم حَوْلَ منخره ودخله بعد ثلاثة أيام تنبيهاً لنمرود وإمهالاً له، كأنه تعالى يقول: أمهلتكَ لمعاصيك وكفرك ولم نأخذك بغتة، فإن رجعت إلينا في الثلاث فلك الأمان، ومنا القبول والإحسان، وإن لم ترجع فالعيبُ منك، أما نحن فقد استعملنا فَضْلنا وكرمنا. وهكذا عادته سبحانه في إمهال الكفرة وعدَم أخْذِهم بغتة، فكيف بك يا محمدي إنْ رجعْتَ إليه! أَتراه لا يقبلك، وقد عاتب أنبياءَه في عدم رحمتهم بالكفَرة اللئام. فإن قلت: قد عبَّر في آية الأنبياء، بـ (الأخسرين) ، فهل هما بمعنى واحد؟ والجوابُ أن الصفتين من السفالة غاية حال الكافرين، ومَنْ كان من الأسفلين فقد خسر خسراناً مبينا، فلا تضادَّ بين الصفتين، لأن السفول لاحق في ذات المنسفل والخسْرَان حقيقة في خارج عنه، فالسفول أبلغ، فقدّم ما هو لاحق خارجيّ وأخّرَ ما لا يتعدى ذات المتصف به، تكملةً وتَتمَّة، إذ هو أبلغ على ما يجب وعلى ما قدمنا من رَعيْ الترتيب، والتسفّل ضد الترقي. وقيل: رُوعي في الصفة مقابلة قولهم: (ابْنوا له بنْياناً) ، لأنه يفهم منه إرادتهم علوَّ أمرهم بفعلهم ذلك، فقوبلوا بالضدّ، فجعلوا الأسفلين، وهو حسن. (فإنهم يومئذ في العذاب مشْتَرِكون) : الضمير يعود على المتبعين والأتباع، واشتراكهم في العذاب حكم عدل، إذ كلّ منهم مستحق، ألا ترى كيف وصفهم جميعاً بأنهم مجرمون. فإن قلت: هل يفهم من اشتراكهم في العذاب استواؤهم فيه؟

стр. 1108

والجواب: لا استواء بينهم، لأن الشركة في الشيء قد تقتضي تساوي الشركاء في ذلك المشترك فيه وقد لا تقتضي. والضال والمضلّ وإن اشتركا في العذاب فللمضِلِّ ضعفان، لأنه ضلَّ وأضلّ. فإن قلت: قد قال الذين كفروا: (إنا كلٌّ فيها) ، أي في النار؟ فالجواب أنه إخبار عن التَّساوي في المكان، لا عن الواقع فيه، لأنهم في دَرَكات متفاوتون. وقد صح أن سيدنا ومولانا محمداً ﷺ سأل عن سكانها، فقال: الطبق السابع مأوى المناففين. والسادس مأوى مَنْ طغى وبغَى وادعَى الربوبية. والخامس مأوى الجبّارين والظالمين. والرابع مأوى المتكبرين والكافرين. والثالث مأوى اليهود. والثاني مأوى النصارى! وسكت عن الأول، فقال له: أخبرني عن الأول - وألحّ عليه، فقال: عصاة أمتك يا محمد، فأغمي عليه فلما أفاق بكى بكاءً شديدا، وأغلق عليه الباب، وصار يطلب في أمته، فجاءه جبريل وبشّره بالشفاعة فيهم. اللهم كما جعلته رحيما بنا لا تحرمنا من شفاعته، أقسم عليك بجاهه عندك. (فَبَشَّرْنَاه بغلام حَليم. . . الآيات، إلى قوله: (وفَدَينَاه بِذِبْحٍ عظيم) . هذه البشارة انطوت على ثلاثة أشياء: على أن الولد ذكر، وأنه يبلغ أَوَان الحلم، وأنه يكون حليما. قيل: ما نعَتَ الله الأنبياءَ عليهم الصلاة والسلام بأقل مما نَعَتَهم بالحلم، وذلك لعزة وجوده. ولقد نعت الله به إبراهيم، وأَيّ حلم أعظم من حلمه لمّا عرض عليه أبوه الذبح قال: (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) . والحادثة شهدت بحلمهما جميعاً. وفي هذا دليل على أنَّ الإشارة بإسماعيل وهو الذّبيح، وأمْرُ ذبحه كان بالحجاز بمنى، وتمّ رَمى إبراهيم الشيطان بالجمرات، ولهذا قال ﷺ : أنا ابن الذَّبِيحين، يعني إسماعيل، وعبد اللَه أباه الذي نذر عبد الطلب لما حفر بئر زمزم أنْ يَذْبح أحد أولاده، فخرج السهم على عبد اللَه، فمنعه أخواله وقالوا له: افْدِ

стр. 1109

ابْنَك بمائة من الإبل، ففداه بها، ونحرها عن آخرها، تقرّباً إلى الله، فأخذ منها الناس ما يحتاجون والطير والسباع. قال علماء الإسلام: ومن جَرَّى هذه الواقعة كانت دِيَة الإبل عدد وصفه، كما كان الكبش الذي فدى الله به إسماعيل مثالاً لما وقعت به مشروعية الأضحية. وروي أن إسماعيل أول مَنْ خطّ بالقلم. ورأيت في بعض التقاييد أن أول من خط بالقلم من العرب هود ﵇ وأن ... كان يكتب به، فرأى في منامه مَنْ نهاه عن كتبه في الأحجار، وأنه إنما خص الله به نبيئاً يبْعث في آخر الزمان، فينزل عليه كتاباً يقرأ ويخطّ بهذا الخط العربي. وعن الأصمعي قال: سألتُ عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا أصمعي، أَين عَزُب عنك عقلك، ومتى كان إسحاق بمكة، وإنما كان بها إسماعيل، وهو الذي بنى البيت مع أبيه. وذكر الطبري، عن ابن عباس، قال: الذبيح إسماعيل، وتزعم اليهود أنه إسحاق، وكذَبوا. وسأل عمر بن عبد العزيز يهوديًّا كان أسلم وحَسن إسلامه. قال: الذبيح إسماعيل واليهود يعلمون ذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب أن تكونَ هذه الفضيلة في أبيكم. وفي رياض النفوس أن أسد بن الفرات قال: كنت بالعراق زمن قراءتي على محمد بن الحسن، فقلت له: اختلف الناس في الذّبيح، من هو، وعندي أنه إسماعيل. قال: لِمَ، قال: لأن الله يقول: (فبَشَّرْنَاها بإسحاق ومِن وراء إسحاق يعقوب) ، فكيف يؤْمر بذبح مَنْ قد أخبر أنه سيولد له، ومن المعلوم أن الإخبار إنما يقع على مجهول العاقبة، فتعيّن أنه إسماعيل. قال الشيخ ﵀: هذا إن كان صحَّ الخبر قبل الأمر بالذبح. فإن قلت: لِمَ وصف المبشر به هنا بالحلم، وفي الذاريات، والحِجْر بالعلم؟ فالجواب أنه وصفه هنا بالحم لاَنقياده لخكم ربه، واستسلامه له، ووصفَه في

стр. 1110

غيرها بالعلم لكبره. وقيل: إن الحليم إسماعيل، والعليم إسحاق. وعن محمد بن كعب القرَظي قال: كان مجتهد بني إسرائيل إذا دعا قال: اللهم ربَّ إبراهيم وإسماعيل وإسرائيل. فقال: يا رب، ما لمجتهد بني إسرائيل يدعو بهذا، وأنا بين أظهرهم، قد أَسمعتني كلامك، واصطفيتني برسالتك. قال: يا موسى، لم يحبّني أحدٌ حٌبَّ إبراهيمَ قط، ولا خيّر بين شيء قط وبيني إلا اختارني. وأما إسماعيل فإنه جادَ بنفسه، وأما إسرائيل فإنه لم ييأس من روحي في شدةٍ نزلت به قط. فإن قلت: لِمَ كان الأمر بالذبح هنا مناماً دون اليقظة؟ فالجواب: لتعْلَم أنَّ النبوءة اثنان: رسالة، ورؤيا منام، ولما كان إسماعيل أحب إليه من كل شيء لم يرد اللهْ أن يواجه خليلَه بما فيه كراهية له، فأراه في المنام، كأنه استَحْيىَ منه، وهكذا عادته سبحانه مع أنبيائه وخيرته من خَلْقه، ألاَ ترى رؤيا يوسف سجود إخوته وأبويه، ورؤيا سيدنا ومولانا محمد ﷺ دخول المسجد الحرام، وما سواهما، للدلالة على تقوية صِدْقهم، وإذا تظاهرت الحالتان على الصدق كان ذلك أقوى للدلالة من انفراد أحدهما. فإن قلت: قد قال الله له: " قد صدَّقْتَ الرؤيا "، وإنما كان يصدقها لو صحّ منه الذَّبْح، ولم يصح؟ فالجواب أنه قد بذل وسْعه فيما أمر به من بطْحه على شقِّه، وإمرار الشَّفْرَة على حَلْقه، ولكن الله منعها من القطع، ليعم أنَّ القطع لله لا للسكين، وهذا لا يقدح في فعل إبراهيم، فلا يسمى عاصياً ولا مفَرّطاً. فإن قلت: الله تعالى هو الْمفْتدى منه، لأنه الآمر بالذبح، فكيف يكون فاديا حتى قال: (وفَدَيناه) ؟ والجواب الفادي هو إبراهيم ﵇، والله وهب له الكبْش ليفتدي به، وإنما قال: وفَدَيْناه - إسناداً للفداء إلى السبب الذي هو الْمُمَكَّن من الفداء بهبته. فإن قلت: لم يشاوره في أَمْر هو حَتم من الله؟

стр. 1111

فالجواب أنه لم يشاوره ليرجع إلى رأيه، ولكن ليعلم ما عنده، لأنه بشّر بالحلم، وأيضاً ليوطًن الولدُ نفسه على الصبّر، ويحتسب، فجاوبه ﵇ بأحسن جواب، ألا تراه قال له: يا أبت، خذْ بناصيتي، واجلس على كتفي لئلا أوذيك إذا أصَابني حَرّ الحديد. ففعل إبراهيم، فلما أمَرَّ السكين على حلقه انقلبت السكين، فلحرْمة تعفير وجهه رُفِع عنه الذّبح، فالمؤمن الذي عفّر وجهه في التراب سنين عديدة أتراه يحرقه بالنار؟!! ولما سأل إبراهيم الولدَ الصالح وبُشِّر به أمر بذبحه، ليعلم أنَّ هذا الولد هو الذي طلبه، وكذلك سيدنا محمد ﷺ سأل اللهَ تعالى صلاحَ أمته في وقت وفاته، وطلب منه هو الخليفةَ بعده عليهم، فأجاب الله دعاءه، وأراه سؤاله فيهم: إسماعيل استسلم لقضاء ربه، ومِنْ عادة الصبيان الجزَغ من الألم، ومِن طبع الحديد القَطْع، فلما صبر وغيّر عادته لأجل الله غَيَّر طَبع الحديد لأجله، ولم يقطع كذلك حال المؤمن مع الله، إذا صبر واستسلم للقضاء غيَّر الله طبع العوائد عليه وأثابه الحُسْنى. وقيل: إنه لما صُرع للذّبح كشف الله له عن الجنة حتى يسهل عليه اللقاءُ مع ربه، وكذلك المؤمن في حالة الموت يكشف اللَّهُ له على ما أعدَّ له من النعيم، فيسهل عليه خروج روحه. قال ﷺ : " لا يدخل أحد الجنة إلا رأى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكراً، ولا يدخل أحد النار إلا رأى مقعده من الجنة لو أَحسن ليكون عليه حَسرة ". قيل: لما أُتي إبراهيم بالكبْش يَدَاه مشدودتان إلى قَرْنه، لأن إسماعيل قال له، أَطلقْ لي رِجْلاً واحدة لتعلمَ الملائكة أني فعلْتُ ذلك عن رِضًى مني وطِيب نفس، وأني لم أجزع، فأُتي بالكبش كذلك. وأنتَ يا محمدي لو وافقْتَ ربك فيما أمركَ به لرأيتَ العجائب من لطفه في موافقة جميع المخلوقات لك، لكنّك خالفْتَ فاختلفت عليك الأمور، ولذلك قال بعضهم: إني لأعلم حالي مع ربي حتى في غلامي ودابَّتي.

стр. 1112

ومَرَّ ابن المبارك بفرس يُبَاع بأبخس ثمن، فقال: ما بال هذا، فقيل له: به عيوبٌ كثيرة، من حَرَن ورَكْض، وذَعَارة، فاشتراه وقال في أذنه: إني أتوب من جميع ما عصيتُ الله به، فإياك والمخالفة، فَذلّلَه الله له، وصار كأحسن ما كان. كلّ ذلك من طاعة الله، وعدم المخالفة. ولما فدى الله إسماعيل من الذبح دعا بدعوات منها: اللهم اغفر لكل مَنْ وحَّدَك، ومن أصابته محنة - فتذكَر مِحْنَتي - ففَرج عنه. وقال: يا رب، حاجتي إليك أن تغفر لكل مؤمن ومؤمنة يذكرك فإني أسألك كما بردت النار على خليلك إبراهيم، وانجيتني من الذبح، كذلك خلِّص المؤمنين من النار. فانظر ما أعظم حرمتك عند ربك يا مؤمن، الملائكة والأنبياء وجميع المخلوقات يستغفرون لك، ورسولُك ﷺ يشفع فيك، أفتراه يعذِّبك بعد هذه الفضائل، بل يفديك من النار بيهودي أو نصراني كما فدى إسماعيل بالكبش الذي تقرَّبَ به هابيل ورباه في الجنة لإسماعيل. فإن قلت: لم وصف الفداء بالعظمة؟ فالجواب: لكيلا يدخل في حدٍّ محدود، إذ لو كان محدودا لوجب الافتداء به، وكذلك سائر المسلمين. وكان فيه مشقة. وقيل: لأنه من عند الله. وانظر كيف وصفه بالعظمة، مع أنه وصف نفسه وكتابَه والأجر بالعظيم، والفوز العظيم، والعذاب العظيم، والظلم شِرْك عظيم، والبهتان، وكَيْد النساء عظيم، وزلزلة الساعة شيء عظيم، والعرش العظيم. وقال: (أنْ تَميلوا ميلاً عظما) . (فقد افترى إثْماً عظيما) ، (وتحسبونه هيِّنا وهو عند الله عظيم) . وقيل: إن الله أمر إبراهيم بتعليق قَرْن الفداء على الكعبة إشارة له أن عَلِّق قلبك بعرشي، ولا تلتفت لسواي، لأني ربُّ الكل. وأنت يا محمديّ إذا علقت قلبَك بربك، وأخفيتَ ما بينك وبينه، ولم تطلِع عليه أَحداً من خَلْقه، أفتراه لا يقْبَلك، وقد أخْفى لك ما لا يخطر ببالك من قرة أعين،

стр. 1113

فإن قلت: لِمَ لمْ يقل في هذه القصة كما قال قبل: إنَّا كذلك نَجْزِي المحسنين) ، فيكون ذكره تفخيمًا لأمره؟ فالجواب أنه تقدم في قصة إبراهيم نفسها: (إنا كذلك) ، فاستغنى عن إعادتها. (فأتوا بكتابكم إنْ كنْتم صادقين) : عجَّز قريشاً بهذا الخطاب، لأنهم ليس لهم كتاب يحتجُّون به، وكذلك: (فاسْتَفْتِهم) ، على وجه التقرير والتوبيخ عما زعموا من أن الملائكة بناتْ الله. (فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) . يعني بما تعبدون من الأصنام وغيرها. (وَمَا تَعْبُدُونَ) عطف على الضمير في (إِنَّكُمْ) . ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع. ومعنى فاتنين مضِلِّين. والضمير في عليه يعود على ما تعبدون، وعلى سببية، معناها التعليل. و (مَن) مفعول بـ فاتنين. والمعنى إنكم أيها الكفَّار وكل ما تعبدونه لا تضِلون أحداً إلا مَنْ قضى الله أنه يصْلَى الجحيم. وقال الزمخشري: الضمير في " عليه " يعود على الله تعالى. (فَتَولَ عنهم حتّى حِينٍ) ، أي إلى حضور آجالهم. وقيل: حضور يوم القيامة. وقيل: حضور يوم بدر، وهذه موادعةْ منسوخة بالقتال. (فسوف يُبْصرون) : وعد للنبي ﷺ ووَعِيدٌ لهم. فإن قلت: ما فائدة تكرير هذه الآية، ولم حُذِف في الثانية المفعول؟ فالجواب: من وجهين: أحدهما أنه اكتفى بذكره أولاً عن ذكره ثانياً. فحذَفه اختصاراً. والآخر أنه حذفه ليفيد العموم فيمن تقدم وغيرهم، كأنه قال: أبصر جميع الكفار، بخلاف الأول، فإنه في قريش خاصة. (فإذا نزل بساحَتِهم فساءَ صبَاحُ الْمنْذَرين) . الساحة، الفنَاء حول الدار، والعرب تستعمل هذه اللفظة فيما يرِد على الإنسان من محذور.

стр. 1114

وسوء الصباح مستعمل في ورود الغارة والرزايا، ومقصدُ الآية التهديد بعذاب يحلُّ بهم بعد أن أنذروا فلم ينفعهم الإنذار، وذلك تمثيل بقوم أنذرهم - ناصح بأنَّ جيشاً يحلّ بهم، فلم يقبلوا نصْحه، حتى فاجأهم الجيش فأهلكهم. وفي صحيح البخاري أنه ﷺ صعد على الصفا، ونادى بأعلى صوته: يَا صَبَاحَاهْ ففزعت إِلَيْهِ قُرَيْشٌ قَالُوا مَا لَكَ قَالَ أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أَوْ يُمَسِّيكُمْ أَمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي قَالُوا بَلَى قَالَ فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ تَبًّا لَكَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) . (فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ) : هذا تعجيز لهم وتهَكّم بهم. ومعنى يرتقوا يصعدوا، والأسباب هنا السلالم والطرق وشِبْه ذلك مما يوصل به إلى العلو. وقيل: هي أسباب السماء. والمعنى إن كان لهم ملك السماوات والأرض فليصعدوا إلى العرش ويدَبِّرُوا الملك. (فَوَاق) : فيه ثلاثة أقوال: أحدها - رجوع، أي لا يرجعون بعدها إلى الدنيا، وهو على هذا مشتق من الإفاقة. الثاني - ترداد، أي هي واحدة لا ثاني لها. الثالث - ما لها من تأخير ولا توقّف مقدار فوَاق ناقة وهو ما بين حَلبتيها، وهذا القول إنما يجري على قراءة (فُواق) بالضم، لأن (فُواق) بالضم، كذا في الحديث، والقولان الأول على الفتح، والثاني على الضم. (فَصْلَ الخِطَاب) . هو فصل القضاء بين الناس بالحق عند ابن عباس، وعند علي بن أبي طالب - هو إيجاب اليمين عليه والبَيِّنة على المدَّعِي. وقيل كلمة أَما بعد، فإنه أول مَن قالها. وقال الزمخشري: معنى فصل الخطاب: البَين من الكلام الذي يفهمه من يخاطب به، وهذا هو الذي اختاره ابن عطية، وجعله من قوله: (إنه لقول فَصْلٌ) . (فاعبُدوا ما شِئْتم مِنْ دونه) : هذا تهديد ومبالغة في الخذلان والتخلية لهم على ما هم عليه.

стр. 1115

(فسلَكهُ يَنَابِيعَ في الأرض) . أي أدخل المطر وأجراه. والينابيع: جمع ينبوع، وهو العين، وفي الآية دليل على أنَّ ماء المطر هو الْمخْرِج للعيون. (فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) ، أي في حق الله. وقيل في أمره، وأصله من الجنب، بمعنى الجانب، ثم استعير لهذا المعنى. ومعناه اتقوا يوماً تقول فيه كلّ نفس: (يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) . ندامةً على استهزائه بأمر الله تعالى. فإن قلت: لم نكرت النفس؟ فالجواب أن المراد بها بعض الأنفس، وهي نفس الكافر، ويجوز أن يراد نفس متميِّزَة من الأنفس إمّا بلجاج في الكفر شديد أو بعذاب عظيم، ويجوز أن تكون للتكثير، قال قتادة: لم يكْفه أنْ ضَيّعَ طاعةَ الله حتى سخر من امتثالها. وروي أنه كان في بني إسرائيل عالم ترك عِلْمه وفسق - أتاه إبليس، فقال له: تمتَّع من الدنيا ثم تبْ. فأطاعه، وكان له مال، فأنفقه في الفجور، فأتاه ملك الموت في ألَذ ما كان، فقال: "يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ"، ذهب عمْري في طاعة الشيطان، وأسخطت الملك الدَّيان، فندم حين لم ينفعه الندم، فأنزل الله خبره في القرآن. فليتأمل العاقلُ هذا الوعيد الهائل، فإنّا لله وإنا إليه راجعون، على طَمْس قلوبنا، وغَفْلتنا عما يراد بنا. صدق الله العظيم في قوله في بعض كتبه: " يا علماء السوء، قد وعظتكم وأنذرتكم، ومِنْ فعل القبيع حذّرْتُكم، وكثير من الآيات أريتكم فلم تنتفعوا بالمواعظ والآيات، (وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) ، تطيعون أنفسكم فيما تشتهون وهي تعصيكم فيما تأمرون، بئس العبيد أنتم إذا علمتم أنكم لا تنالون ما تريدون إلا بترك ما تشتهون، ولا تبلغون كل ما تأملون إلا بصبركم على ما تكرهون، تريدون مرافقة النبيين والصديقين والشهداء

стр. 1116

والصالحين، بأي عمل عملتموه، بأي غيْظ كظمتموه، بأي رحم وصلتموه، بأي قريب باعَدْتموه، بأيِّ بعيد قَرَّبتموه، وبأي زلة لإخوانكم عَفَوْتم عنها. بأي شهوة تركْتموها، هل أنتم إلا كالْحَمْقَى، أما علمتم أنَ مَن كثر شبعه كثر لحمه، ومن كثر لحمه كثرت شهْوَته، ومن كثرت شهوته كثرت ذنوبه، ومَن كثرت ذنوبه قَسا قلبه، ومَنْ قسا قلبه غرق في الآفات، أما علمتم أن المسيء ميت وإن كان في منازل الأحياء، والمحسن حيٌّ وإن انتقل إلى منازل الأموات ". (فَوْج) : مفرد أفواج، وهي الجماعة من الناس. (فَطَرني) ، أي خلقه ابتداء، ومنه فاطر السماوات والأرض. و (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) . وأفطر بالألف من الإطعام. (فعليه كَذِبه) : هذا من قول مؤمن آل فرعون، يعني إن كان موسى كاذباً في دعوى الرسالة فلا يضركم كذِبه، فلأي شيء تقتلونه؟!! فإن قلت: كيف قال: وإن يك كاذباً - بعد إيمانه به. فالجواب أنه لم يقلْ ذلك على وجه التكذيب، وإنما قاله على وجه زعمكم أنه كاذب، وقصد بذلك المحاجّة عليهم. وفيه احتجاجٌ عليهم، كأنه قال: قدَّرنَا كذِبَه، ماذا عليكم من كذبه، هَبْه رجلاً منكم كذب عليكم، فأقام عليهم الحجة على تقدير الكذب والصدق. (فأَطَّلِعَ) بالرفع على (أبلغُ) ، وبالنصب على إضمار " أن " في جواب لعلي، لأن الترجي غير واجب، فهو كالتمني في انتصاب جوابه، ولا نقول إن لعلل أشربت معنى ليت، كما قاله بعض النحاة. وهذا من قول فرعون لما أمر هامان ببنيان الصرح الذي رام أن يصعد به إلى

стр. 1117

السماء، وانظر ضَعف عقولهما وعقول قومهما وجهلهم بالله في كونهم طمعوا أنْ يصِلوا إلى السماء ببنْيان الصرح. وقد روي أنه أول من علمنا الآجر، وصعد على الصرح بعد بنيانه، ورَمى بسهم إلى السماء، فرجع السهم مخضوباً بالدم، وذلك فتنة له ولقومه، وتهكم به. (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) : ضمير التأنيث يعود على السماوات، قوله: ائتيا مجاز، وهو عبارة عن تكوين طاعتهما، وكذلك قولهما: (أتَيْنَا طائعين) ، عبارة على أنهما لم يمتنعا عليه حين أراد تكوينهما. وقيل: بل ذلك كلام حقيقة، أنطق الله السماوات والأرض بالطوع، ولهذا جعهما جمع العقلاء لفعلهما فعلهم. وقول الله لها عبارة عن لزوم طاعتهما كما يقول الملك لمن تحت يده: افعل كذا، شئْتَ أو أبَيتَ، أي لا بدّ لك من فعله. وقيل تقديره: أتيتما طوعاً وإلا أتيتما كَرْهاً. وقيل: إن المجيب له من الأرض موضع الكعبة. ومن السماوات البيت المعمور، فلِذا أكرمهما الله بالطواف بهما. فإن قلت: هلّا قال طائعتين على اللفظ أو طائعات على المعنى، لأنها سموات وأرضون؟ فالجواب لما جعِلن مجيبات ومخاطبات ووُصفن بالطوع والكره قال: (طائعين) في موضع طائعات، نحو قوله: ساجدين - تغليبا. فإن قلت: لم ذكر الأرض مع السماء وانتظمهما في الأمر بالإتيان، والأرضُ مخلوقَة قبل السماء بيوميين؟ فالجواب قد خلق جرم الأرض أولاً غير مَدْحوَّة كما قدمنا، فالمعنى ائتيا على ما ينبغي أن تأْتيا عليه من الشكل والوَصْف، ائتي يا أرض مدحوة قراراً ومِهَاداً لأهلك، وائتي يا سماء مقبية سقْفًا لهم، ومعنى الإتيان الحصول والوقوع. وتنصره قراءةُ من قرأ واتَتَا من المواتاة، وهي الموافقة، أي يتواتِ كلّ واحدة أختها ولتوافقها، قالتا: وافقنا وساعدنا.

стр. 1118

(فَتَنَّا سُلَيْمَانَ) : قد قدمنا أنه لما نظر إلى ملْكه، واستعظمه، بأنْ أَلقى على كرْسيه جسداً، فقيل ولده الذي مات. وقيل: الصنم الذي اتخذته بنْتُ ملك الروم التي أسرها سليمان ثم تزوجها، وهذه عادَتُه سبحانه مع أنبيائه وأحبابه، ولذلك أمر حبيبه بألا يلتفت إلى غيره غيرةً منه عليه، ولما لم يلتفت إلى غيره قَرَّبَه منه، فكان كقَاب قَوْسين أو أدنى. (فوَيلٌ للقاسيةِ قلوبُهم من ذِكْرِ الله) : الويل: وادٍ في جهنم تستعيذ منه كلَّ يوم سبعين مرة، وقد ذكره الله لثمانية عشر صنفاً: اليهود: (فوَيْل لهم مما كتبت أيديهم) . (ويل لكل أفاك أثيم) . (وَئلٌ يومئذ للمكذبين) . و (ويل للمطففين) . و (ويل لكل همَزة لمَزَة) . (يا ويلنا إنا كنّا طاغين) . (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) . (يا ويلنا قد كُنَّا في غفلة من هذا) . (يقولون يا ويلتنا) . (ولكم الوَيْل مما تصِفون) . (يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا) . (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) . (وويل للكافرين من عذاب شديد) . (فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم) . ولا أظنُّ أحداً في هذا الزمان سلم من هؤلاء الأصناف، وخصوصاً القاسية قلوبهم مِنْ ذكر الله، فقد اتصفنا بها أجمعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون! وهذه حالةَ تقتضي ختم القلوب وتغذيها بالحرام الذي يبعد عن المربوب. (فقضَاهنَّ سبْعَ سَموَاتٍ) : أي صنعهن، وانتصانبا على التمييز تفسيراً للضمير، وأعاد عليها هنا ضمير الجماعة المؤنثة لأنها لا تعقل. فإن قلت: قد قال أولاً في يومين، وبعده في أربعة أيام، وهنا في يومين. وهذا يقتضي أنها ثمانية أيام.

стр. 1119

والجواب لما ذكر أنَّ الأرضَ خُلِقَتْ في يومين عُلم أن ما فيها خلق في يومين. فبقيت المخايرة بين أن يقول في يومين، وأن يقول في أربعة أيام، فتلك أربعة أيام، ثم خلق السماوات في يومين، فتلك ستة أيام حسبما ذُكر في مواضع كثيرة من القرآن، ولو كانت هذه الأربعة الأيام زائدة على اليومين المذكورين قبلها لكانت الجملةُ ثمانية أيام، بخلاف ما ذكر في مواضع كثيرة. قال بعض العلماء: إن الله تعالى خلق السماوات والأرض في يوم الأحد، فمن أراد البناء فليبن فيه، وخلق الشمس والقمر في يوم الإثنين وصفتهما السير، فليسافر فيه، وخلق الحيوان يوم الثلاثاء، وأباح ذَبْحها وإراقةَ دمها، فمن أراد الحجامة فيه فليحتجم فيه، وخلق البحار والأنهار يوم الأربعاء وأباح شربها، فمن أراد شرب الدواء فليشرب فيه، وخلق الجنة والنار يوم الخميس وجعل الناس محتاجين إلى دخول الجنة والنجاة من النار، فمن أراد قضاءَ الحوائج فليسأل فيه، وخلق آدم وحواء يوم الجمعة وزوجهما فيه، فمن أراد عقد التزويج فليتزوج فيه، أخذه من قول الإمام علي ﵁: لنعم السبت يوم السبت حقا ... لصيدٍ إن أردْتَ بلا امترا. وفي الأحد البناء، لأن فيه ابْتدأ اللَّهُ خَلْقَ السماء وفي الإثنين أسفار وربح ... وأمْنٌ في الطريق وفي العطاء وإنْ ترد الحجامة فالثلاثا ... ففي ساعتها هرق الدماء وإن شرب امرؤ يوماً دواء ... فنعم اليوم يوم الأربعاء وفي يوم الخميس قضا حوائِج ... وفيه الله يأذن بالقضاء ويوم الجمعة التزويج فيه ... ولذات الرجال مع النساء وهذا العلم لا يحويه إلا ... نَبيّ أوْ وَصِيّ الأنبياء فإن قلت: كيف ذكر الأيام التي خلق الله فيها المخلوقات، وإنما تعتبر بوجود الشمس؟ والجواب أنه يحتمل أن يجعلها على التقدير، وإن لم تكن الشمس خُلقت

стр. 1120

بعد، وكان تفصيل الوقت أنها الأحد ويوم الإثنين، كما ذكر فخلق الأرض غير مَدْحوَّة، ثم خلق السماوات فسواهنَّ في يومين، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وجعل الرواسيَ وغيرها في يومين، فتلك أربعة أيام للأرض، وهذا معنى قوله تعالى: (والأرض بَعْدَ ذلكَ دَحَاها) . كلُّ ذلك تعليم لعباده، وإشارةً لهم في التأنِّي في الأمور، لأنه كان سبحانه قادراً على قوله لها: كنْ، فكانت. وفي الحديث أنه سئل ﷺ عن يوم الأحد، فقال: يوم غَرْس وعمارة، قالوا: كيف ذلك يا رسول الله، قال: لأن فيها ابْتدأ الله خلق الدنيا وعمارَتها. فإن قلت: بم علق قوله: (للسائلين) ؟ قلت: بمحذوف، كأنه قال: هذا الْحَصرُ لأجل مَنْ سأل في كَمْ خلقت الأرض وما فيها، أو يقدر فيها الأقوات لأجل الطالبين إليها من المقتاتين. وهذا الوَجْه الأخير لا يستقيم إلا على طريقة الزجاج. (فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) : الضمير يعود على الأمم المذكورة الذين جاءتهم رسلهم بالبينات. فإن قلت: أي علم عندهم حتى يفْرَحوا به؟ فالجواب أنهم كانوا يفرحون بما عندهم من العلم في ظنّهم ومعْتقدهم من أنهم لا يبعثون ولا يحاسبون، واغتروا بعلمهم في الدنيا والمعاش، وظنّوا أنه يَنْفَعهم. وهذا لقول بعضهم: (وما أظنّ الساعةَ قائمة) . وقيل: أراد علم الفلاسفة والدهريِّين، من بني يونان، وكانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم، وعن سقراط أنه سمع بموسى ﵇ فقيل له: لو هاجَرْتَ إليه. فقال: نحن قوم مهذَّبون، فلا حاجةَ بنا إلى من يُهَذبنا. وقيل: فرحوا بما عند الرسل من العلم فَرَحَ ضَحِك منه واستهزاء به، كأنه

стр. 1121

قال: استهزأوا بالبينات وبما جاءوا به من علم الوَحْي. ويدل عليه قوله: (وحاق بهم ما كانُوا به يَسْتَهْزئون) ، جزاء جهلهم واستهزائهم. وقيل: الضمير عائد على الأنبياء، وفي هذا التأويل حَذْفٌ، وتقديره: فَلمّا جاءتهم رسلُهم بالبينات كذّبوهم، ففرح الرسل بما عندهم من العلم والثقة به، وبأنه سينصرهم. و (حاق) معناه نزل بهم وثبت، وهي مستعملة في الشرِّ. و (ما) في قوله: (ما كانوا) هو العذاب الذي كانوا يكذِّبون به ويستهزئون بأمره. والضمير في بهم عائد على الكفار بلا خلاف. فإن قلت: ما معنى ترادف هذه الفاءات في هذه الآيات؟ قلت: أما قوله: (فما أغْنَى عنهم ما كانوا يكسبون) . فهو نتيجة قوله (كانوا أكثر منهم) . وأما قوله: (فلما جاءتهم رسلُهم بالبينات فرحوا) ، فجارٍ مَجْرَى البيان والتفسير لقوله تعالى: (فما أغْنَى عنهم) ، كقولك: رُزِق زيد المال فمنع المعروف، فلم يُحسن إلى الفقراء. وأما قوله: (فلما رَأوْا بَأسَنا قالوا آمَنَّا) ، فكذلك: (فلم يك ينفعهم إيمانُهم) ، تابع لإيمانهم لما رأوْا بَأس الله. فحق لمن سمع هذه الموعظة أنْ يبادر إلى الطاعة، ولا يتأنَّى. بلى، والله. وقعت منا المخالفة وقتَلْنَا أنفسنا بالمعاصي بئس ما اخترنا! كم وعظنا المشيب ولا قبلنا، علمنا أنَّ الدنيا ثلاثة أنفاس: نفَس مضى عملنا فيه ما عملنا، ونَفَس لا ندري أَنملكه أم لا، فليس لنا إلا النفس الذي نحن فيه. حرصنا على درهم لا ندري لمن يبْقَى، ومزقنا ثوب المعاصي ولم نكفه بتوبة، فما أسرع الملتقى! أليس هذا من العمى، إذا شغلنا بالدنيا خسرنا فكيف يكون حالُنا وقد شغلتنا المعاصي عن الإقبال عليه! بئس ما استنفدنا زمانَ الصبا في المعاصي واللهو، ولم ننته في الكبر عن لَهْونا، ولو تُبْنَا لحقَّ لنا البكاء، فكيف وقد انهمكنا! إذا تاب الشيخ

стр. 1122

يقول الله : الآنَ جئتنا حين ضعفَتْ مفاصلك. الآن وقد ذهبت قُوّتك. الآن وقد نفد عمرك. الآن وقد قَسا بالمعاصي قَلْبك. الآن وقد ضاع في البطالة وقْتك. هذا لمن تاب، فكيف حال مَنْ هو في قَفص الطبع محجوب عن العتاب، نعقد عقدة التوبة بخيط العنكبوت ظاهراً وباطناً، نتلذّذ بها، فكيف لا نحلها، لو صدقت التوبة منا لوجدنا مرارتها، كما وجدنا حلاوتها، إلهي التوبة لا تدوم لي، والمعصية لا تنصرف عني، ولا أدري بِمَ تختم لي، غير أنَّ عفوك ورجاءك أطمعني أن أسألك ما لا أستَوْجِبه منك، فهب لي منك توبةً باقية، واصرف أزمة الشهوات عني، وحقّقني بحقيقة الإيمان، وأعنّي على نفسي والهوى والشيطان، بحرمة سيدنا ونبينا ومولانا سيد الثَّقَلين صلى الله عليه وعلى آله ما اختلف الْمَلَوان. (فإن أعْرَضوا) : الضمير لقريش، أي أعرضوا عنك يا محمد فسآخذهم أخذةً شديدةً، مثل أخذ عادٍ وثمود، وقد كانوا أشدَّ منهم قوةً وأكثر أموالاً وأولادا، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون. (فإنا بما أُرسِلتُم به كافرون) : ليس فيه اعتبار الكفار بالرسالة، وإنما معناه بما أرسلتم على قولكم ودَعْوَتكم، وفيه تهكم. (فالَّذِينَ عِنْد ربِّك) : يعني الملائكة، ووصفهم بالعندية للتشريف والتكريم، إذ يستحيل في حقه جلّ وعلا التجسيم، المجسم أعمى والمعطل أكمه. (فحكمه إلى اللَهِ) : الضمير في المختلف فيه، يعني ما اختلفتم أنتم والكفّار مِنْ أمر الدين الْحُكم فيه إلى الله بأنْ يعاقب المبطل ويُثيب المحق، أو ما اختلفتم فيه من الخصومات فتحاكَمُوا فيه إلى النبي ﷺ . وهذا كقوله: (فردوه إلى الله والرسول) . (فإمّا نَذْهَبَن بكَ فإنَّا منهم مُنْتَقِمون) : يحتمل أن يريد بهذا الانتقام قَتْلهم يوم بَدْر، وفَتْح مكة، وشبه ذلك من الانتقام في الدنيا،

стр. 1123

أو يريد به عذابَ الآخرة. وقيل: إن الضمير في (منهم منتقمون) للمسلمين، وإن معنى ذلك أن اللهَ قضى أن ينتقم منهم بالفِتَن والشدائد، وأنه أكرم نبيَّه ﷺ بموته قبل رؤيته الانتقام منهم. والصحيح أنَّ مقصد الآية وَعِيدٌ الكفار، يعني إن عَجَّلْنَا وفاتَك قَبْلَ الانتقام منهم فيقع الانتقامُ منهم بعده، وإن أخَّرْنا وفاتَك إلى حين الانتقام منهم (فإنَّا عليهم مقتدرون) . ثم شهد له بأنه على صِرَاطٍ مستقيم، وكيف لا يكون على الصراط الستقيم وقد كان يقمُّ البيْتَ، ويحلب الشاة، ويعلف الناضح، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، وينام على الحصير، ولا ينام على الوَثِير، ويسلِّمُ مبتدراً على مَنْ لقي من صغير أو كبير، ويأخذ بيد الخادم ويَطْحَن معها إذا عيَّت، حتى قال الحق فيه: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ، وأنزل عليه الكتابَ الحكيم، وشرح صَدْرَه، ويَسَّر أمره، وأعْلَى في العالمين ذِكْرَه، وأمره بالاستمساك بما أوْحى إليه، ليَقتَدِي به مَنْ بعده، فهو أحمد، وأمَّته الحامدون، ومستغفِرٌ وأمَّتُه التوَّابون، خصه الله وأمته بخصائص لم يعطها مَن تقدم في الدنيا ولا في الآخرة: في الدنيا يطول ذكرها، وفي الآخرة لا يُقدر قَدرها، كالحوض، والكوثر، واللواء الذي عَرْضُه ما بين الْمَشْرِق والْمَغْرِب مكتوب عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، تقدمته آدم ونوح، وخلفه إبراهيم وموسى، وعن يمينه جبريل وميكائيل، وعن يساره إسرافيل وعزرائيل، وساقته أصحابه وأمته، رافعاً صوته: يا ربّ، أمتي أمتي، وقد وعدتني الشفاعةَ فيهم، وهم عَبيدُك، فاغفر لهم ما جَنَوْا، ولا تُؤَاخذهم بما عَصَوا، يا أكرم الْخَلق، يا رسول الله، عبدك الصنف قد وحل في شَرَك المعاصي، ولم يجد منْقِذاً ينْقذه منه غَيْرَ جاهك العظيم، فلا تخيّبه منه، وخُذْ بيده، ولا تعامِلْة بما جفاك به، حاشا لفضلك أنْ تخيب راجياً، الخير أكبر، والمواهب أوسع! (فأنا أولُ العابدين) : هذه الآية ردٌّ على الكفار،

стр. 1124

واحتجاج عليهم، لأنهم كانوا يقولون: إنَّ له ولداً، ومعناها: لو كان للرحمن ولد كما يقول الكفار لكنْتُ أنا أول من يعبد ذلك الولد. كما يعظِّمُ خدامُ الملك ولدَ الملك لتعظيم أبيه، ولكن ليس للرحمن ولد، وما ينبغي له أن يتخذ ولداً، فلا نعبد غيره. وهذا نوع من الأدلة يسمَّى دليلَ التلازم، لأنه علَّقَ عبادةَ الولد بوجوده. ووجودُه محال، فعبادته محال. ونظير هذا أن يقول المالكي - إذا قصد الرد على الحنفي في تحليل النبيذ: إن كان النبيذ غير مسْكِر فهو حلال، لكنه مسكر فهو حرام. قال الطبري: هو ملاطفةٌ في الخطاب، ونحوه قوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) . قال ابن عطية: ونحوه قوله تعالى في مخاطبة الكفار: (أَين شركائي) يعني في زعمكم. وقد تكلم الزمخشري هنا بزعمه الفاسد بما لا يليق ذِكْرهُ للمبتدئ، وأما المنتهي فيعلم فسادَ مذهبه، ورضي الله عن ابن خليل السكوني في ردِّه عليه للتحرز منه، عامله الله بلطفه. (فاصْبِرْ كما صبرَ أولو العَزْمِ مِنَ الرسُلِ) : قد قدمنا أن الله ذكرهم في قوله: (وإذَ أخذنَا من النبيين ميثاقَهم ومنك) في هذا التقديم إشعارٌ بفَضْلِه ﷺ على مَنْ سواه. وقيل: أولو العزم الثمانية عنتر المذكورون في الأنعام، لقوله تعالى: (فبهدَاهم اقْتَدِه) . وقيل: كلّ من لقي من أمته شدة. وقيل: الرسل كلهم أولي عَزْم، فـ (مِنَ الرسُلِ) على هذا لبيان الجنس، وعلى الأقوال المتقدمة للتبعيض. (فضَرْبَ الرِّقَاب) : أصله: فاضربوا ضَرْباً، ثم حذف الفعل وأقام المصدر مقامه. والمراد قتلهم، ولكن عَبَّر عنه بضرب الرقاب، لأنه الغالب في صفة القتل.

стр. 1125

(فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) . قد قدمنا في حرف التاء اختلاف الأوزار، ومتى يكون ذلك، وانتصب المنّ والفِدَاء على المصدرية، والعامل فيهما فعلان مضمران. ومعنى الْمَنّ العتق. والفداء: فك الأسير بمال. وأمر الله في هذه الآية بوثاق الأسير حتى يفدى أو يُمنّ عليه، والإمامُ مُخَيَّر في ذلك أو القتل، والاسترقاق، وضَرْب الجزية. وقيل: لا يجوز المن ولا الفداء، لأن الآية منسوخة بقوله: (فاقْتُلوا المشركين حيثُ وجدتموهم) . فلا يجوز على هذا إلاَّ قتلهم. والصحيح أنها محكمة. (فقد جاء أشْرَاطُها) : يعني علامات الساعة، والذي جاء من ذلك مبعثه ﷺ ، لقوله: أنا من أشراط الساعة، وبعثت أنا والساعة كهاتين. وقد أخبرنا أنَّ لها دلائل، منها ظهور الفتَن وكثرة المعاصي، والحرص في الدنيا، والتنافس عليها، وتوسيد الأمر لغير أهله، فحينئذ يظهر الدجال. ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، وتفصيل هذا كلّه يحتاج لطول نفس، لكنّهم اختلفوا في أول الآيات ظهوراً، وذلك يتوقف على صحة نَقْلٍ. وظهور المهدي والدجال بعده، وعيسى بعده، ويعلم الله ما بعد ذلك. والصحيح أنها كالخرز إذا ظهرت واحدةٌ تبعتها أختها. (فأوْلَى لهم) : في معناه قولان: أحدهما أنه بمعنى أحق، وخَبَره على هذا (طاعةٌ) . والمعنى أن القول المعروف والطاعة أولى لهم وأحق. والآخر أنَّ أولى لهم كلمة معناها التهديد والدعاء عليهم، كقولك: وَيْل لهم. ومنه قولى (أوْلَى لك فأوْلى) ، فيوقف على أولى لهم على هذا القول، ويكون (طاعةٌ) ابداء كروم، تقديره طاعةٌ وقول معروف أمْثَل، والمطلوب منهم طاعة وقول معروف، أو قولهم لك يا محمد: طاعة وقول معروف بألسنتهم دون قُلوبهم.
следующие страницы →