(قال إن فيها لوطاً) :
ليس إخبارا بأنه فيها، وإنما قصد نجاةَ لوط من العذاب الذي يصيب أهلَ القرية وبراءته من الظلم الذي وُصفوا به، فكأنه قال: كيف تهلِكون أهْلَ هذه القرية وفيها لوط، وكيف تقولون: إنهم ظالمون وفيهم لوط؟
(قَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ) :
الضمير لعيسى، وذلك أنهم قالوا: إن كان عيسى يدخل النارَ فقد رضينا أن نكونَ وآلهَتنا معه، لأنه خير من آلهتنا.
وقيل: إنهم لما سمعوا ذِكْرَ عيسى قالوا: نحن أهْدَى من النصارى، لأنهم عبدوا آدميًّا، ونحن عَبَدْنَا الملائكةَ فمقْصِدهم تفضيل آلهتهم على
عيسى.
وقيل: إن قولهم: (أم هو) يَعْنون محمداً ﷺ ، فإنهم لما قالوا إنما يريد محمدٌ أن نعبده كما عبدت النصارى عيسى قالوا: (أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ) - يريدون تفضيلَ آلهتهم على محمد، والأظهر أنَّ المرادَ بـ (هو) عيسى.
وهو قول الجمهور، ويدلّ على ذلك تقدم ذكْرِهِ.
(قوم خَصِمون) :
هذا من قول الله لهم، يعني يريدون أن يغالطوك في عيسى وإنما هو عَبْدٌ أنْعَمْنا عليه بالنبوة وَالمعجزات وغير ذلك.
(قال الذين كفَروا للّذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونَا إليه) :
القائلون لهذه المقالة هم أكابِر قريش لما أسلم الضعفاء، كبلال وعَمَّار
وصيهيب - قالوا: لو كان الإيمان خيراً ما سبقَنا هؤلاء إليه.
وقيل: بل قالها كنانة وقبائل من العرب لما أسلمَتْ غفار ومزَينة وجهينة، وقيل: بل قالها اليهود لما أسلم عَبْدُ الله بن سلام.
والأول أرجح: لأن الآية مَكيّة.
فإن قلت: كان الأوْلى أن يقول ما سَبَقْتمونا إليه، لأن قول الذين كفروا
للذين آمنوا مواجهة؟
والجواب معنى الذين آمنوا: من أجل الذين آمنوا، أي قالوا ذلك عنهم في
غَيْبتهم، وليس المعنى أنهم خاطبوهم بهذا الكلام، لأنه لو كان خطاباً لقالوا: ما سبقتمونا إليه.
стр. 1192
(قد خَلَتِ النّذُر من بين يَدَيْه ومِنْ خَلْفِه) ، أي تقدمَتْ من قبله ومِنْ بعده.
والنّذر: جمع نذير.
فإن قيل: كيف يتصور تقدُّمها من خلفه؟
فالجواب أنَّ هذه الجملة اعتراض، وهي إخبار من الله تعالى أن الله قد بعث
رسلاً متقدمين قَبل هُود وبعده.
وقيل من خلفه: يعني خَلْفه في زمانه.
(قال إنما العِلْمُ عند الله) :
قال هود: العذابُ الذي قلتم ائتا به ليس لي علم وَقْت كونه، وإنما يعلمه الله، وما عليَّ إلا أنْ أبلغكم ما أرسلت به، ولكني أَراكم قوماً تجهلون أمْر الله ووَعيده.
(قالوا للذين أوتُوا العلم ماذا قال آنِفاً) :
قد قدمنا معنى آنفاً.
والمعنى أن قرَيشاً كانت تقول ذلك إمَّا احتقاراً لكلامه، كأنهم قالوا أيُّ
فائدة فيه، وإما جهلاً ونسياناً، لأنهم كانوا وقْتَ كلامه ﷺ مُعْرِضين عنه.
(ق) :
قد قدمنا أنه جبل محيط بالأرض، أو هو مِن أسماء الله تعالى: القاهر، أو المقتدر، أو القادر (١) .
فإن قلت: أين جواب القسم، وما الفرق بينه وبين (يس) في إظهار
جوابِ القسم ووصف القرآن بالمجيد؟
والجواب أنَّ جوابَ القسم محذوف، تقديره ما ردُّوا أمرك بحجةٍ، وما
كذّبوا ببرهان، وشبه ذلك، وعن هذا المحذوف وقع الإضراب بـ بل.
ووصف كلامه هذا بالمجيد لشرفه، وفي سورة يس بالحكيم، لأنه محكم على غيره لرعاية الفواصل.
وقد قدمنا أنَّ اللهَ سمَّاه بستين اسماً، وما ذلك إلا لتعظيمه، فاعرفْ
قَدْرَ ما وصل إليكَ يا مَنْ أكرمه الله به.
(قعيد) ، أي قاعد، وقيل مقاعد يعني مجالس.
ورَواه ابنُ عطية بأنَّ المقاعد إنما يكون مع قعود الإنسان، وإنما أفرده وهمَا اثنان، لأنَّ
стр. 1193
التقدير عن اليمين قَعِيد وعن الشمال قَعِيد من (المُتَلَقَيَانِ) ، فحذف أحدهما
لدلالة الآخر عليه.
وقال الفراء: لَفْظُ (قَعيد) يدل على الاثنين والجماعة، فلا يحتاج إلى حذف، وذكر جماعة ٌ عن مجاهد أن (قَعِيد) اسم كاتب السيئات.
(قاصِرَات الطَّرْف) :
معناه أنَّ الحُورَ العِين يقصرن أعينهن على النظر إلى أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم.
(قالوا لولا نزل هذا القرآنُ على رَجُل من القَرْيَتَيْنِ عَظيم) :
لم يكْفِ قريشاً معَانَدتهم لرسول الله ﷺ ، بل ضموا إليه مكابرتهم والاستخفاف بكتابِ الله وشرائعه والاحتكام على حكمة الله في تخيَّر ﷺ مِن أهل زمانِه.
ومعنى القريتين: مكة، وعَنَوْا بالرجل منها الوليد بن المغيرة.
وقيل عتبة بن ربيعة.
والأخرى الطائف، وعَنَوْا بالرجل منها عروة بن مسعود.
وقيل حبيب بن عُمير.
ووصفوه بالعظمة لكثرة ماله، فأنكر اللهُ عليهم اعتراضَهم
وتحكُّمهم، وأن يكون لهم التدبير لأمر النبوءة بقوله: (أهُم يَقْسمون رحمةَ
رَبِّك) ، والتخير لها مَنْ يصلح لها ويقوم بها والمتولِّين لقسمة
رحمةِ الله التي لا يتولاها إلا هو بباهر قُدرته وبالغ حكمته، ثم ضرب لهم مثلاً
فأعلَم أنهم عاجزون عن تدبر خُوَيصة أمْرِهم وما يصلحهم في دُنْياهم، وأن الله عزّ وعلا هو الذي قَسم بينهم معيشتَهم وقدَّرها ودبَّر أحوالَهم تدبير العالم بها، فلم يُسَوِّ بينهم، ولكن فاوت بينهم في أسباب العيش، وغاير بين منازلهم، فجعل منهم أقوياء وأغنياء، ومحاويج وضعفاء، وموالي وخدماً، ليصرّف بعضهم بعضاً في حوائجهم، ويستخدموهم في مهنهم، ويسخروهم في أشغالهم حتى يتعايشوا ويتوافروا، ويصلوا إلى منافعهم، ويحصلوا على مرافقهم، ولو وَكَلَهُم إلى أنفسهم، وولاَّهُم تدبيرَ أمرهم لضاعوا وهلكوا، فإذا كانوا في تدبير المعيشةِ الدنيَّةِ في هذه الحياة الدنيا على هذه الصفة فما ظَنُّك بهم في تدبير أمْرِ الدين الذي هو رحمةُ اللهِ الكبرى ورَأفَتُه العظمى، وهو الطريقُ إلى خيار حظوظ الآخرة والسُّلَّم إلى حلول دار السلام.
стр. 1194
(قَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ) :
يعني من إجابتك.
وقولهم: (إننا لمُهْتَدون) : وَعْدٌ نَوَوْا إخلافَه، لأنهم رَأوْا تسعَ آيات فلم يؤمنوا.
وقولهم: (يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ) : إما أنْ يكون عندهم غَيْرَ مذموم، لأن السحر كان عِلْمَ أهْلِ زمانهم، وكأنهم قالوا يا أيها العالم.
وإما أنْ يكون ذلك اسماً قد ألِفوا تسميةَ موسى به من أوّل ما
جاءهم، فنطَقُوا به بعد ذلك من غير اعتقاد معناه.
فإن قلت: ظاهِرُ كلامهم يقتضي تكذيبَهم له، وقولهم: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ)
يقتضي تصديقَه، فما معنى الجمع؟
والجواب أنَّ القائلين لذلك كانوا مكذّبين، وقولهم: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ)
يريدون: على قولك وزَعمك، فدعا الله موسى فكشفه عنهم فنكثوا عَهْدهم.
(قال يا قوم أليس لي مُلْكُ مِصْر) :
القائل لهذا فرعون، وقصَدَ بذلك الافتخارَ على موسى والتعظيمَ لملكه، ومِصْرُ هو البلد المعروف، وما يرجع إليه، ومنتهى ذلك من نهر الإسكندرية إلى أسوان بطول النيل، فانظر عَقْلَه الفاسد، وبلادَته، حيثُ فخَر بتافِهٍ من الدنيا، ولم يعتبر بمَنْ تقدَّمه من الملوك الذين كانوا أعظَم منه، (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) .
(قال قَرِينُه هذا ما لديَّ عَتِيد) :
اختلف ما المراد بالقرين، هل الشيطان الذي كان يُغْويه، أو الملك الذي يسوقه، أو الملك الذي يتولَّى عذابَه في جهنم، والأولُ أرجح، لأنه هو القرين المذكور بعد، ولقوله: (نُقَيِّضْ له شَيْطاناً فهو له قرين) .
وقوله: (هذا ما لديَّ عتيد) ، أي هذا الإنسان حاضر لديَّ قد استَعَدْتُه ويسَّرته لجهنم، وكذلك المعنى إن قلنا إنَّ القرينَ هو الملك السابق.
وإن قلنا إنه إحدى الزبانية فمعناه هذا العذاب لديَّ حاضر.
ويحتمل أن يكون (ما) في قوله: (ما لديَّ) موصولة، فـ (عَتِيد)
بدل منها، أو خَبَر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف، أو تكون موصوفة
стр. 1195
فـ (عَتِيد) صفة لها، ويحتمل أن يكون (عَتِيد) الخبر ويكون (ما) بدلاً مِنْ هذا أو منصوبة بفعل مضمر.
فإن قلت: إذا كان القَرِين في الآية الثانية، بعد هذا فما فائدة تكرُّره وعطفه بالواو أولاً؟
فالجواب أنهم اختلفوا، هل المراد بهما قرين واحد أم لا، إذ المقارنة تكون
على أنواع.
وقال بعض العلماء: قرين في هذه الآية الثانية ليست عطفاً بل جواباً.
وأما عطفه بالواو فلأن هذه الآية معطوفة على ما قبلها من آياتٍ هي إخبار عما يَلْقَاهُ الإنسان المتقدم ذكره مِن الأهوال والشدائد في المواقف الأخروية، وما بين يديها: أولها قوله: (وجاءت سكْرَة الموت بالحق) .
ثم قال: (ونُفِخ في الصور ذلك يوم الوَعِيد) .
(وجاءت كل نفسٍ معها سائِق وشهيد) .
(وقال قرِينُه هذا ما لديَّ عَتِيد) ، فهذه إخبارات عن
شدائد يلي بعضُها بعضاً.
فطابَق ذلك وورد بَعْضها معطوفاً على بعض.
وأما قوله بعد: (قال قرينه ربنا ما أطْغَيْته) ، فهو إخبار مبتدأ مستأنف
معرًف بتَبَرِّي قرينه من حَمْله على ما ارتكبه واجترحه، ولا طريق إلى عطف
ذلك على ما قبله، إنما هو استئناف إخبار، فوُجد كلّ على ما يرد.
(قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) :
أي كان جبريل من محمد ﷺ بمقدار القاب - وهو مقدار المسافة بين قَوْسين عَرَبيين، ومعناه من طَرَف العود
إلى طَرَفه الآخر.
وقيل من الوتر إلى العود.
وقيل ليس القوس الذي يُرْمَى بها، وإنما هي ذِراع تُقَاس به المقادير.
ذكره الثعلبي، وقال: إنه من لغة أهل الحجاز، وتقدير الكلام: مقدار مسافة قُرْبِ جبريل من محمد ﷺ مِثْلُ قاب
قوسين، ثم حذفت هذه المضافات.
ومعنى أدنى أقرب.
و (أو) هنا مثل قوله: أو تريدون.
وأشبَهُ التأويلات فيها أنه إذا نظر إليه البشر احتمل أن يكونَ قاب قوسين، أو يكون أدنى.
وهذا الذي ذكرنا أن الضمائر المتقدمة لجبريل هو الصحيح.
وقد ورد ذلك في الحديث عن سيِّدنا
стр. 1196
ومولانا محمد ﷺ .
وقيل: إنها لله تعالى، وهذا القول يردّ عليه الحديث والعقل.
إذ يجبُ تنزيهُ اللَهِ تعالى عن تلك الأوصاف من الدنوّ والتدلِّي وغير ذلك.
(قاضِيهَ) :
يعني من أعطي كتابه بشماله يتمنى أنْ يكون مات في الموتة الأولى بحيثُ لا يكون بعدها بعث ولا حياة.
(قاسطون) :
من قسط الثلاثي يعني جار، وأقسط الرباعي - بالألف، إذا عدل.
بالرومية، ومنه: (إنَّ اللهَ يحبُّ المُقْسِطين) .
(قصص) :
له معنيان: من الحديث، ومن قَصِّ الأثر.
ومنه: (فارتَدَّا على آثارِهما قصصا) ، (قُصِّيه)
(قَسْورَة) :
ابن عباس: هو الرامي.
وقال أيضاً القسورة بلغة أهل الحبشة هو الأسد.
وقيل أصوات الناس.
وقيل الرجال الشداد، وقيل سوَاد أولَ الليل.
فإن قلت: سواد أول الليل لا يليق، لأنَّ اللفظة مأخوذة من القَسر الذي هو
للقهر والغلبة؟
والجواب: أنه يليق باللفظة، لأنه لا شيء أشد نفارا لحُمرِ الوحش من
قُرْب الظلام لتوحّشها.
(قَمْطَرِيرا) :
معناه طويل، وقيل شديد.
(قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ) .
منونين، وبتنوين الأول، وهذا التنوين بدل من ألف.
الإطلاق، لأنه فاصلةٌ، والثاني لإِتْبَاعه الأول.
وقرئ قوارير - بالرفع، على: هي قوارير، والضمير في (قدَّروها تقديراً) يحتمل أن يكون للطائفين وأن يكون للمنعمين، ومعنى تقديرهم أنهم قدروها في أنفسهم، أو تكون على مقادير وأشكال على حسب شهواتهم، فجاءت كما قدَّروا، والتقدير
стр. 1197
إما أن يكون على قدر الأكف، قاله الربيع، أو على قَدْر الرِّي، قاله مجاهد.
قال ابن عطية: وهذا كله على قراءة مَنْ قرأ قَدَّروها بفتح القاف.
وقرئ قُدروها على البناء للمفعول، ووجهه أن يكون من قدر منقولاً من قدر، تقول: قُدرت الشيء، وقدرك على فلان إذا جعلك قادراً له.
والمعنى جعلوا قادرين له كما شاءُوا، وأطلق لهم أن يقدروا على حسب ما اشتهوا.
فإن قيل: من المعلوم أن القارورة من الزجاج، فكيف قال من فضة؟
فالجواب أنَّ المراد أنها في أصلها من فضة، وهي تشبه الزجاج في صفائها
وشفيفها.
وقيل: هي من زجاج، وجعلها من فضة على وَجْه التشبيه لشرفِ
الفضة وبَيَاضها.
(قَصْر) :
واحد القصور، وهي الديار العظام.
وقد قدمنا وَجْهَ تشبيه الشرر به في عِظَمه وارتفاعه في الهواء.
وقيل: هو الغليظ من الشجر واحده قَصْرة كجَمْرة.
(قَضْبا) ، هي الفِصْفصة، وقيل علف البهائم.
واختار ابن عطية أنها البقول وشبهها مما يؤْكل رطباً.
(قَيِّمَة) :
فيعلة، وفيه مبالغة، تقديره اللَّهُ القيّمة أو الجماعة القيمة، ومعناه أنَّ الذي امروا به من عبادة الله والإخلاص له، وإقام الصلاة
وإيتاء الزكاة، هو دين الإسلام، فلأيِّ شيء لا يدخلون فيه؟
(قرآناً) :
يكون بمعنى القراءة، ويقال فلان يقرأ قرآناً حسناً، ومنه: (إنَّ قرآنَ الفَجْرِ كان مشهودا) .
وقد قدمنا أنه لا ئسمى بهذا الاسم غَيْر كتابِ الله، لأنه يجمع السور ويضمّها، والقارئ مَنْ له القراءة ومَنْ لا قراءة له فليس بقارئ، ولا يكون قارئاً إلا عند وجود القراءة، ولو كانت القراءة قديمة لكان يجب أن يكونَ الحافظ لكتاب الله قارئاً له في جميع أحواله، فلما بطل ذلك دلَّ على أنها محْدَثة، والقراءة غير الحفظ،
стр. 1198
والكتابة غير السمع.
والمتلوُّ والم قروء والمحفوظ والمكتوب والمسموع واحدٌ، ولهذا لو قال:
واللهِ لا قرأت القرآن ثم سمعه من غيره لم يحْنَث، وهكذا لو قال: واللهِ
لا حفظت القرآن ثم كتبه أو قرأه أو سمعه من غير أن يحفظه لا يَحْنث، فدلّ
ذلك على تغاير الكتابة والقراءة والحِفْظ والسمع. والله أعلم.
(قَرِّي عَيْنًا) :
أي طيبي نفساً لما فعل اللَّهُ لكِ من ولادة نَبئ
كريم، أو من تيسير المأكول أو المشروب، كقولك: قرِرت به عيناً أقَرّ بالكسر في الماضي والفتح في المضارع، وقرَرت بالمكان بالفتح في الماضي، والكَسر في المضارع.
(قَرْضًا) :
سلفاً، والفعل منه أقرض يقرض.
(قلنا) :
مذهب العرب إذا أخبر الرئيس منها عن نفسه قال: قلنا وفعلنا وصنعنا، لعلمه أن أتباعه يفعلون بأمره كفعله، ويَجرون على مثل أمره، ثم كثر الاستعمال بذلك حتى صار الرجل من السوقة يقول فعلنا وصنعنا.
والأصل ما ذكرت.
(قُرُوء) :
جمع قرء، وهو مثترك في اللغة بين الطهر والحيض، فحَمَلَه مالك والشافعي على الطهر لإثبات التاء في ثلاثة، فإن الطهر
مذكر والحيض مؤنث، ولقول عائشة ﵂: الأقراء هي الأطهار.
وحمَلَه أبو حنيفة على الحيض، لأنه الدليل على براءة الرحم، وذلكَ مقصود
العِدَّة، فعلى قول مالك والشافعي تنقضي العدة بالدخول في الحيضة الثالثة، إذا طلقها في طُهْرِ لم يمسها فيه، وعند أبي حنيفة بالطهر منها.
(قرْبان) :
ما يتَقرَّب به إلى الله مِنْ ذبح وغيره، والقُرْبة هي الطاعة، ومن شرطها العلمُ بالمتقرب إليه، فمحال وجود القُربة قبل العلم بالمعبود والنظَر والاستدلال المؤدّيين إلى معرفته ، فهو واجب وطاعةٌ له، فكل قربة طاعة، وليست كل طاعة قُرْبة، لأن الصلاة في
стр. 1199
الدار المغصوبة تقَعُ واجبة وطاعة، وليست بقربة، لأنه لا يُثَاب عليها، وإنما
الفرض يسقط عند الفقهاء والمتكلمين من أهل الحق، ومَنْ لا قربة له فليس
بمتقَرب.
ولا يقال متقرب إلا لمَنْ كثرت قُرَبُه وطاعته.
(قُبُلًا) :
أصناف، جمع قبيل، أي صنف صنف.
وقُبلاً أيضاً جمع قبيل، أي كفيل.
وقبلاً أيضاً مقابلة.
وقُبلاً عيانا.
وقُبلاً استئنافاً.
وقولُ سليمان، (لا قِبَل لهم بها) ، أي لا طاقة لهم.
(قِسْطاس) :
قال مجاهد: هو العدل بالرومية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جُبير، قال: القسطاس - بلغة الروم:
الميزان.
(قمَّل) - بضم القاف وتشديد الميم: صغار الجراد.
وقيل البراغيث.
وقال الواسطي: هو الذِّبان بلسان العبرانية والسريانية.
وقرئ بفتح القاف والتخفيف، وهو على هذا القمل المعروف، وكانت تتعلق بلحومهم، ومن طبعها أن تكون في الشعر الأحمر أحمر وفي الأسود أسود وفي الأبيض أبيض، ومتى تغيّر الشعر تغير إلى لونه، وهو من الحيوان الذي إناثُه أكبر من ذكوره.
وقيل: إن الصئبان بيضه.
وأما قملة النسر التي تسقط منه إذا عضّت قتلت.
وروي أن موسى ﵇ مشى بعصاه إلى كثيب أهْيل، فضربه فانتشر
كلّه قمل في مصر.
ثم إنهم قالوا: ادع لنا ربك في كَشْف هذا عنا، فدعا، فرجعوا إلى كفرهم.
وروى الترمذي الحكيم أنه إذا وجد الجالس على الخلاء قملة لا يقتلها، بل
يدفنها، لِمَا رُوي أنه مَنْ قتل قملة على رأس خلائه بات معه في شِعَاره شيطانة تُنسيه ذِكْرَ الله أربعين صباحاً.
وقد رخص ﷺ لعبد الرحمن بن عوف والزُّبير
ابن العوام لُبْس الحرير لدفع القمل، لأنه لا يقمل بالخاصية.
قال الجاحظ، وربما كان للإنسان قمل الطباع، وإن تنظف وتعطر وبدَّل الثياب، فعند الشافعية يجوز
стр. 1200
لُبْس الحرير لهذه النازلة.
وقال مالك: لا يجوز لبسه مطلقا، لأنَّ وقائع الأحوال عنده لا تعمّ.
وفي فتاوى قاضي خان: لا بأس أنْ يطرح القملة حيّة، والأدب
أن يقتلها.
وإذا رأى المصلِّي في ثوبه قملة أو برغوثاً فالأوْلى أن يتغافلَ عنها.
فإن ألقاها بيده أو أمسكها حتى يَفْرغ فلا بأس، فإن قتلها في الصلاة عُفي عن دمها دونَ جلدها، فإن قتلها وتعلَّق جلدها بظُفْره أو ثوبه بطلت صلاته.
قال الغزالي: ولا بأس بقتلها كما لا بأس بقَتْل الحية والعقرب.
قال القمولي: ولا بأس
بإلقائها بغير المسجد، والذي قاله صحيح، للحديث:
" إذا وجد أحدكم القملة في المسجد فلْيَصرّها في ثوبه حتى يخرج من المسجد ".
رواه الإمام أحمد في الصحيح.
وروى الحاكم في أوائل المستدرك من حديث أبي سعيد أنه قال: قلت: يا رسول الله، مَنْ أشدُّ الناس بلاءً، قال: الأنبياء.
قال: ثم مَنْ؟ قال: العلماء.
قال: ثم مَنْ؟ قال: الصالحون، كان أحدهم يُبْتلى بالقمل حتى تقتله، ويبتلى أحدهم بالفقر حتى لا يجد إلا العباءة يلْبَسها، ولأحدهم كان أشدَّ فرحاً بالملأ من أحدكم بالعطاء، قال: صحيح على شرط مسلم.
(قرَّة عَين لي ولك) :
مشتق من القَرّ، وهو الماء البارد، ومعنى قولهم: أقر اللَّهُ عينكَ: أبرد اللَّهُ دمعك، لأن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة.
(قُدورٍ راسيات) :
قد قدمنا أنها ثابتات لا تنزل، لأنها كانت أثَافِيها منها، ويطبخ فيها الجمل، لا يخرج منها إلا عظامه.
(قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) ، أي الكذابون.
والإشارة إلى الكفار.
وقُتِل معناه لعن.
قال ابن عطية: واللفظة لا تقتضي ذلك.
وقال الزمخشري: أصله الدعاء بالقَتْل، ثم جرى مَجْرى اللعن والقبْح.
(قُطوفها) :
جمع قطف، وهو ما يُجنى من الثمار ويُقطف كالعنقود.
стр. 1201
(قِبْلَةً) :
جهة، وسُميت الكعبة بذلك لأنها تُقابل المصلِّي ويقابلها.
(قيلاً، وقولاً) بمعنى واحد، ومنه: (وأقوم قيلاً) .
(قِسّيسين) : جمع قَس، وهو العالم.
وفي الحديث: يُبعث بن ساعدة أمةً وحده.
وروي أنه ﷺ قال: رأيته على جَمل بعُكاظ، وهو
يقول: أيها الناس اسمَعُوا وَعُوا، مَنْ عاش مات، ومَنْ مات فات، وكلّ ما هو آت آت، مالي أرى الناسَ يذهبون ولا يرجعون، أرَضُوا بالإقامة فأقَاموا، أمْ تركوا هنالك وناموا، إن في السماء لخبرًا، وإنَّ في الأرض عبراً.
سَقْفٌ مرفوع، ومهاد موضوع، وبحار تَمُور، ونجوم تحور، ثم تعود.
اقسم باللهِ قسماً لا كَذب فيه ولا إئماً: إن للهِ لدِيناً هو أرضى من دِيْنٍ نحن عليه، ثم تكلم بأبيات شعر لا أدري ماهي.
قال أبو بكر: كنت حاضراً، والأبيات عندي.
وأنشد:
في الذاهبين الأوليـ ... ن من القرون لنَا بَصَائر
لما رأيتُ موارداً ... للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها ... يمشي الأكابرُ والأصاغر
لا يرجع الماضي ولا ... يبقى من الباقين غَابر
أيْقَنْث أني لا محا ... لة حيث صارالقَوْمُ صائر
له هذا يدلّ على أنه تنبّه بعقله في هذه، فاتَّعظ واعتبر، ولو أدركته الرسالة
لنبّه بعقله من كان في جهالة.
(قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا) :
جمع قطعة، ومَنْ قرأ قطْعاً - بتسكين الطاء - أراد اسم ما قُطع، تقول قطعت الشيء قَطْعاً، بفتح القاف من المصادر، واسم ما قطعت، والجمع أقطاع، (مُظْلِمًا) على قراءة فتح الطاء حال من الليل، وأمَّا على إسكانها فصفةٌ له أو حال من الليل.
стр. 1202
(قِطَع مُتَجَاوِرَات) :
قد قدمنا أنَّ معناها قُرى متصلة، ومع تلاصقها فإنَ أرضها تتنوع إلى طيب ورديء، وصلب ورخو، وغير ذلك.
(قِيعَة) :
جمع قاع، وهو المنبسط من الأرض.
وقيل القيعة بمعنى القاع، وليس بجمع.
(قَرْن) :
مفرد قرون، وهو مائة سنة، وقيل سبعون، وقيل أربعون.
فإن قلت: قد ورد في آيات من القرآن زيادة (من) كآية الأنعام.
ويس، وفي السجدة: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ) .
وفي (ص) : (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ) ، هذه، الآيات الثلاث بزيادة (من) فيها، وسائرها ورد في القرآن مثل هذه الآي لم تزد فيها (مِنْ) ؟
والجواب أنها تزاد حيث يراد تأكيد مضمن الآي من العصاة، والإشارة إلى
الوعيد، وهي أبداً في أمثال هذه المواضع محرِزة معنى التأكيد لا تنفكّ عن
ذلك، ثم إن حذفها أوجز من إثباتها، ولكلِّ مقام مقال، فحيث ورد من هذه
الآي ما قبله استيفاء تفصيل وعيدي في أمة بعينها أو أكثر، أو تكرر التهديد
وشدة التخويف من مقتضى السياق وهو فحوى الكلام، فذلك موضع زيادتها والتأكيذ بإثباتها، وحيث لا يتقدم تفصيلٌ على ما ذكرناه، أو تكون آية التهديد لا تَبْلغ في اقتضاء مقتضاها نفوذ الوعيد، فهذا يناسبه الإيجاز بحذفها، إذ لا يراد من تأكيد الوعيد ما يراد في الآي الأخر.
(قَرْنَ في بيوتكنَّ) :
قرئ بكسر القاف، ويحتمل وجهين:
أحدها أن يكون من الوقار، أو من القرار في الموضع، ثم حذفت الراء
الواحدة كما حذفت اللام في (ظَلْتَ) .
وأما القراءة بالفتح فمن القرار في الموضع على لغةِ مَنْ يقول: قرِرت بالكسر أقر بالفتح.
والمشهور في اللغة عكس ذلك.
стр. 1203
وقيل: هو من قارّ يقار إذا اجتمع.
ومعنى القرار أرجح، لأن سودة ﵂
ْقيل لها: لِمَ تحتَجِبين؟ فقالت: أمرنا الله أن نقرَّ في بيوتنا، وكانت عائشة
إذا قرأت هذه الآية تبكي على خروجها أيامَ الجمل، وحينئذ قال لها عمار: إن اللهَ أمرك أن تقَرّي في بيتك.
(قال رَدت إني قتَلْتُ منهم نَفْسا) :
هذا من قول موسى، والإشارة بالنفس إلى القِبْطي، فقال الله: ألَمْ أحفظ خضرة الشجرة من النار لم تحرقها ولم تضرها، فكذلك يا موسى احفظك وأنْجيك من فرعون ولا يضرك بشيء، فلما خرج موسى من مصر حين قتل القبطي سأل اللهَ الهداية، فقال: (رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) ، فلم يجبه حتى بعث إلى مصر ثانية، فقال عند خروجه: سمعتُ نِدَاءَك وأجبتكَ، واليوم هديتك إلى كلامي، إني انا الله العزيز الحكيم، فكذلك أنْتَ يا مؤمن لمّا أنزلتُك إلى الدنيا عرَْفت المحن التي توجهَتْ إليك، فقلت: اهدنا الصراط المستقيم، فأسمع وأجيب، تم إذا قرب رجوعك إليّ وفوضتَ أمرك إليّ أقول لك: إني أنا الغفور الرحيم، وأَجعل الجنةَ منزلك ومَثْواك، كما جعلت دِيارَ فرعون ومقامه ميراثا لبني إسرائيل، فأظت: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) .
فإن قلت: ما ورد في الشعراء، أن الله أهلك القبط على أيدي بني
إسرائيل وأورثهم ملكه ودِيارهم، والذي في الدخان، أن الله أورثها
آخرين ليسوا هم؟
الجواب أنه وقع الخلاف في رجوع بني إسرائيل إلى مصر بعد هلاكِ
فرعون، وقد قدمنا في مشهور التواريخ أنهم لم يرجعوا إليها ولا ملكوها قطّ، وإنما أمرهم الله بدخول الأرض المقدَّسة، ولهذا قال قتادة: القوم الآخرون هم بنو إسرائيل، فورثوا نوعها في بلاد الشام، وإنما سماهم آخرين، لأنهم ليسوا منهم في شيء من قرابة ولا دين ولا وَلاء، لأنهم كانوا مسَخّرين مستعبدين في
стр. 1204
وقد ذكر الثعلبي عن الحسن أنَّ بني إسرائيل لما رجعوا إلى مصر بعد هلاك
فرعون - ويقوي قوله آية الشعراء - إليه، ونصبه بالكاف في كذلك يدل على رجوعهم، أي مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها، وأوْرَثْناها لهم، وسمّاها وِراثة من حيث كانت لأناس ووصلت إلى آخرين بعد موت الأولين، وهو حقيقة الميراث في اللغة ورَبطها الشرع بالنسب وغيره من أسباب الميراث.
(قِطَّنَا) :
قد قدمنا أنَّ القِط في اللغة له معنيان:
أحدهما الكتاب بالنبطية، والآخر النصيب.
وفي معناه - في قوله: (وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) ، ثلاثة أقوال: أحدها نصيباً من الخير، أي دعَوا أَن يعجِّل اللَّهُ لهم في الدنيا.
والآخر نصيبهم من العذاب، فهو كقولهم: (أَمْطِر علينا حجارةً من السماء) .
والثالث صحائف أعمالنا.
فتبًّا لقومٍ طَبع اللَّهُ على قلوبهم وطلبوا الحجارةَ أو العذاب مع علمهم أنه الحق ولولا أنَّ اللهَ رحمهم بوجوده معهم لعاجَلهم بالحجارة ونزولِ العذاب، لكنه ﷺ رحمة للعالم، كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) .
وقال معاوية لرجل من أهل سبَأ: ما أجهل قومك حين ملَّكوا أمرهم امرأة!
ققال له: قوْمك أجهل من قومي حيث قالوا حين دعاهم رسولُ الله ﷺ إلى الحق: (إنْ كان هذا هو الحق من عندك فأمْطِرْ علينا حجارةً) .
ولم يقولوا: اهْدِنا له.
فإن قلت: قد قال بعدها: (وما لهم ألاَّ يعَذِّبهم الله) ، وهي مناقضة لقوله تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنْتَ فيهم) ؟
فالجواب أن هذه الآية نزلت كلّها بمكة إثر قولهم: (أو ائْتِنَا بعذابٍ أليم) .
ونزل قوله: (وما كان الله معذبَهم وهم يستغفرون) ، عند خروج النبي ﷺ من مكة في طريقه إلى المدينة، وقد بقِيَ
بمكة مؤمنون يستغفرون.
وقيل: إن قوله: (وما لهم ألاَّ يعذِّبهم الله) نسخ
стр. 1205
لقوِله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) - وفيه نظر، لأن الخبر لا
يدخله نسخ.
والظاهر أن: (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ) - يقتضي الوعيد.
وت قد يِره: وما يملكهم، أو ما يدْرِيهم، ونحو هذا من الأفعال التي توجب أن
تكونَ (أن) في موضع نصب.
وقال الطبري: تقديره: وما يمنعهم أن يعذبوا.
قال ابن عطية: والظاهر في قوله: (وما) أنها استفهام على جهة التقرير
والتوبيخ والسؤال، وهذا أفصح في القول، وأقطع في الحجة.
والمعنى: وأيّ شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم وهم معذّبون لا محالة، وكيف لا يعذبون وحالُهم أنهم يصدّون عن المسجد الحرام جَوْراً وتعدِّياً عامَ الحديبية، وإخراجهم لرسول الله ﷺ من الصدّ.
(قد) :
حرف يختص بالفعل المتصرف الْخَبَريّ المثبت المجرَّد من ناصب
وجازم.
وحرف تنفيس ماضياً أو مضارعاً.
ولها معان:
التحقيق مع الماضي، نحو: (قد أفْلَح المؤمنون) .
(قد أْفلح من زَكَّاها) ، وهي في الجملة الفعلية المجابِ بها القسم.
مثل إن واللام في الاسمية المجاب بها في إفادة التوكيد والتقريب مع الماضي
أيضا، تقربه من الحال، تقول: قام زيد، فيحتمل الماضي القريب والماضي
البعيد.
فإن قلت: قد قام، اختص بالقريب.
قال النحاة: وانبنى على إفادتها ذلك أحكام، منها: مَنْع دخولها على ليس.
وعسى، ونِعْم، وبئس، لأنهن للحال، فلا معنى لذِكْرِ ما يقرّب ما هو حاصل، ولأنهن لا يفِدْن الزمان.
ومنها وجوب دخولها على الماضي الواقع حالا، إما ظاهرة، نحو: (وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا) .
أو مقدرة، نحو: (هذه بضاعتنا رُدَّتْ إلينا) .
(أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) .
وخالف في ذلك الكوفيون والأخفش، فقالوا: لا يحتاج إلى ذلك لكثرة وقوعه حالا بدون قد.
стр. 1206
وقال السيد الجرجاني وشيخنا العلامة الكافِيجي: ما قاله البصريون غلط، سبَبه اشتباه لفْظِ الحالِ عليهم، فإنَّ الحال الذي يقربه (قد) حال الزمان، والحال المبيّن للهيئة حال الصفات، وهما متغايران.
المعنى الثالث التقليل مع المضارع، قال في المغني: وهو ضربان تقليل وقوع
الفعل نحو: قد يصدق الكذوب.
وتقليل متعلَّق الفعل نحو: (قد يعلم ما أنْتُم عليه) ، أي أنَّ ما هم عليه هو أقل معلوماته تعالى، قال: وزعم بعضهم أنها في هذه الآية ونحوها للتحقيق.
ومِمّن قال بذلك الزمخشري، قال:
إنها دخلت لتوكيد العلم، ويرجع ذلك إلى توكيد الوعيد.
الرابع: التكثير، ذكره سيبويه وغيره، وخرّج عليه الزمخشري: (قد نرى
تقَلب وَجْهك في السماء) ، أي ربما نرى، ومعناه تكثير الرؤية.
الخامس: التوقع، نحو قد يقدم الغائب لمَنْ يُتَوقع وقوعه وينتظره.
وقد قامت الصلاة، لأن الجماعة ينتظرون ذلك، وحمل عليه بعضهم قوله تعالى: (قد سمع اللَّهُ قولَ التي تُجادلك في زوجها) ، لأنها كانت تتوقَّع
إجابة الله لدعائها.
стр. 1207
(حرف السين المهمَلة)
(سليمان بن داوود) .
قال كعب: كان أبيض، جسيما، وَسِيماً، وَضيئاً.
جميلا، خاشعاً متواضِعاً، وكان أبوه يشاوِرُه في كثير من أموره مع صِغَر سنه
لوفور عقله وعلمه.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس، قال: ملك الأرض
مؤْمنان: سليمان، وذو القرنين.
وكافران: النُّمرود، وبخت نصّر.
قال أهل التاريخ: ملك وهو ابنُ ثلاث عشرة سنة، وابتدأ بناءَ بيت المقدس بعد مُلكه بأربع سنين، ومات وله ثلاث وخمسون سنة.
(سواءَ السّبِيل) :
هو الطريق، وجمعه سبُل، ثم استعمل في طرايق الخير والشر.
وقد قدمنا أنَّ سبيلَ الله الجهاد، وابن السبيل الضيف.
وسوَاء بالفتح - والهمز من التسوية بين الأشياء.
وسواء الجحيم وَسطها، وسيأتي معناها آخر الحرف.
(سَنَزِيد المحسنين) :
أي يزيدهم أجراً إلى المغفرة.
(سَلْوى) :
طائر يشبه السُّمَاني، كان ينزل على بني إسرائيل من المنّ.
(سجَّداً) :
معناه رُكعاً، لأن الدخول لا يتأتّى مع السجود.
وقيل: متواضعين.
وقد قدمنا أنَّ سجودَ الملائكة لآدم كان بِوَضْع جباههم في
الأرض، وأول مَن سجد إسرافيل، ولذا جازاه اللهُ بولاية اللوح المحفوظ.
(سفِه نفسه) : منصوب على التشبيه بالمفعول به.
وقيل: الأصل في نفسه ثم حذف الجار فانتصب.
وقيل تمييز، ومعناه أهلكها وأوْبقها.
стр. 1208
(سيَقول السفهاءُ) :
ظاهره الإعلام بقولهم قبل وقوعه.
وقال ابن عباس: نزلَتْ بعد قولهم، والمراد بهم اليهود أو المشركون أو المنافقون.
وأما: (ولا تُؤْتوا السفهاءَ أموالَكم) .
فالمراد بهم أولاد الرجل ونساؤه لأنهم يبذَرون.
وقيل السفهاء المحجورون، وأموالكم، أي أموال المحجورين، وأضافها إلى المخاطبين لأنهم ناظرون عليها وهي تحتَ ولايتهم.
(سِرًّا) ، وسروراً بمعنى واحد.
(تسليما) : ملاطفة وقَصْداً.
(سلَف) الأمر، أي تقدم، وأسلفت الرجل أي قدمته، ومنه: (بما
أسْلَفْتم في الأَيام الخالية) .
(سَلم) - بفتح السين: ال سلام ة، والمراد به عقد الذمة بالجزية.
وقرئ بكسر السين بمعنى الدخول في الإسلام.
وأما السَّلَم بغير ألف فهو الانقياد.
ومنه: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم) ، وقرئ بالألف بمعنى
التحية.
(سارعوا) :
بغير واو استئناف، وبالواو عطف على ما تقدم، ومعناه المبادرة إلى الأمر.
(سَعِيراً) :
اتقادا، وهو اسْم من أسماء جهنم.
(سلام) :
اسم من أسماء الله، وهو بمعنى الخير، (فاصْفَحْ عنهم وقل سلام) .
وبمعنى الثناء: (سلام على نوح في العالَمِين)
وبمعنى السلامة: (اهْبِط بسلام منَّا) .
(لهم دار السلام عند رَبهم) .
وبمعنى الشجر العظام، واحدتها سَلَمَة.
(أسلم) :
له ثلاثة معان:
الدخول في الإسلام، والإخلاص للهِ، والانقياد.
ومنه: (أسلمت لرب العالمين) .
(فلما أسْلَما وَتَلَّه للْجَبِين) .
стр. 1209
سكينة) : وقار وطمائينة.
وقال الراغب في مفرداته قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ) الفتح: ٤،: إنه ملك يسكن قَلْب المؤمن ويؤمنه، كما روي: إن السكينة تنطِقُ على لسان عمَر.
وقيل في سكينة
تابوت بني إسرائيل: إن لها وجهاً مثل وَجه الإنسان، ثم هي بعد
ريح هفَّافة.
وقيل: رأس مثل رأس الهرّ وجناحان، وهي من أمر الله.
(سكن)
يسكن: له معنيان، من السكون ضد الحركة.
ومن السكنى في الموضع، ومنه: (اسكنْ أنْتَ وزَوْجك الجنَّةَ) .
فإن قلت: إذا كان من السكون الذي معناه الإقامة، فما معنى عطف الأكل في البقرة بالواو بخلاف آية الأعراف؟
والجواب أنَّ مورد الآيتين مختلف في الموضعين، لأن الواردَ.
في البقرة قُصد به مجرد الإخبار والإعلام به لرسوله ﷺ بما جرى في قصة آدم ﵇
وابتداء خلقه، وأمر الملائكة له بالسجود، وما جرى من إبايَة إبليس عن
السجود، ثم ما أمر به آدم من سكنى الجنة والأكل منها، ولم يقصد غير التعريف بذلك من غير ترتيب زمانيّ أو تحديد غايةٍ، فناسبَهُ الواو، وليس موضع الفاء.
وأما آية الأعراف، فمقصودُها تعدادُ نِعَم الله تعالى على آدم وذُرّيته، ألا
ما تقدَّمها من قوله تعالى: (ولقد خلَقْنَاكم ثم صوَّرْنَاكم) .
وأمر الملائكة بالسجود لآدم ثم قوله مفْرِداً لإبليس: (اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا) ، مفرداً بذلك أمر آدم ﵇ بالهبوط متبعا بالتأنيس له ووصية الذرية في قوله: (يا بني آدمَ لا يفتنَنَّكم الشيطانُ) ، فناسب هذا القصد العطف بالفاء الْمُحْرِزة معنى الترتيب.
والواو لا تقتضي ذلك، وإنما بابُها الْجَمع حيث لا يُراد ترتيب، وليس موضع شرط وجزاء، فيكون ذلك مسوغاً لدخول الفاء، وإنما ورد ها هنا لما ذكرتُه من قصد تجريد التفضيل المحصّل لتعديد النعم.
ولما اختلف القَصْدَان اختلفت العبارة فيهما.
стр. 1210
(سعى) يسعى: له ثلاثة معان، عمل عملاً، ومنه: (وأن ليس للإنسان
إلاّ ما سعى) .
ومشى، ومنه: (فاسعَوْا إلى ذِكْر الله) .
وأسرع في مشيه، ومنه: (وجاء رجلٌ من أقْصَا المدينة يسْعَى) .
فإن قلت: ما وَجْه تقديم الرجل في هذه الآية وتأخيره في آية يس؟
والجواب إنما أخره في يس لأوجه، منها: أنه كان يعبد الله في جَبَل، فلما
أسمع خبر الرجل سعى مستعجلا.
وقيل: حيث قدّم الظرف على رجل أراد أن ينبه أن الرجل من المدينة
نَفْسها، وحيث أخَّر الظرف لم يرد أن يُنَبّه على المعنى المذكور.
وقيل: لما كانت مقالة الرجل في سورة يس تقتضي الإِرشادَ أخر ذكْرَه ليكون موالياً لإسناد قوله إليه، وليعلم القائل أنَّ مقالته تقتضي الإنذار قدم ذكره وفصَل بينه وبين مقالته ليبعد إسنادها إليه، إذ المقالة تقتضي الإخفاء، وهو أيضاً كذلك، فكان بعد إسناد المقالة إليه فيه ضربٌ من إخفائه.
وقيل غير هذا من الوجوه حذفناه لطوله
(سَوْءَةَ أخيه) ، أي عورته، وخصها بالذكر لأنها أحق
بالستر من سائر البدن، والضميرُ في (أخيه) عائد على ابن آدم، وأما قوله:
(فبَدَتْ لهما سَوْءاتُهما) ، فقد قدمنا أنه زال عنهما اللباسُ الذي
كان عليهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر.
(سَمَّاعونَ للكذبِ سَمَّاعُون لقوم آخَرِين) ، أي لقوم
آخرين من اليهود الذين لا يأتُون النبي ﷺ لإفراط البغْضَةْ والمهاجرة.
فإن قلت: ما فائدة تكرير هذا السماع هنا؟
فالجواب أنه إن كان سمّاعون الأول استنئاف إخبار عن المنافقين والذين
هادُوا فيكون الثاني في اليهود خاصة، وإن كان من الذين هادوا استئنافاً منقطعاً
стр. 1211
عما قبله فيكون سمّاعون الأول راجِعاً إليهم خاصة، فكرّر الثانية تأكيداً.
وبالجملة - فالآيةُ خطابٌ للنبى ﷺ على وجه التسلية.
وأما قوله في براءة:
(فيكم سمّاعون لهم) ، فمعناه خطاب للصحابة بأنهم يسمعون
كلامَ المنافقين في إخبارهم بابتغائهم فتنتكم، وتنقلونها لإخوانكم المؤمنين، وهم معْ لك طالبون فسادكم.
وقيل سمّاعون، أي يتجسسون لهم الأخبار.
(سأرِيكم دارَ الفاسقين) ، أي دار فرعون وقومه، وهو مصر، فالمعنى أريكم كيف أقفرت منهم لما هلَكُوا.
وقيل: منازل عاد وثمود ومن هلك من الأمم المتقدمة ليعتبروا بها.
وقيل جهنم.
وقرأ ابن عباس بالثاء المثلثة -: " سأورثكم " من الوراثة، وهي على هذا مصر كما قدمنا.
(سأصْرِف عن آياتي الذين يتكبَّرُون في الأرض بغير الحقّ) :
يحتمل أن يريد بها آيات القرآن وغيره من الكتب فيطمس الله فَهْمَها.
والتدبّر في معانيها على المتكبرين، وهذا كقوله: (واتَّقُوا اللهَ ويعلِّمُكم الله) .
وفي الحديث: العلم نور يضَعُه الله في قلْبِ الخائف.
وفيه: " مَن عمل بما علم أورثه الله عِلْمَ ما لم يعْلم ".
مَنْ لم يتّق الله يصرفه عن فَهْم آياته، ويصده عن الإيمان عقوبة له على تكبّره.
وقيل: الصرف منعهم عن إبطالها.
(سكتَ عَنْ موسى الغَضَب) ، أي سكن، وبذلك قرأ بعضهم
والغضب: شعلة نار، وهو مذموم، مَنْ وجده فليستعِذْ بالله منه، وإن
كان قائما جلس، وإن كان جالساً فليَضْطَجع، وغضبُ موسى إنما كان لله في غضبه ِعلى اتخاذ العِجْل في غيبته إلى الطور، فلما رجع ألْقَى الألواحَ التي كانت عنده لما لحقه من الدهش، وأخذ برأس أخيه هارون يجرُّه، لأنه ظن أنه فرَّط في كفِّ الذين عبَدُوا العجل، فقال: (ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي) ، الآية، فسكن حينئذ موسى.
وإنما دعاه هارن بأمِّهِ، لأنه أدْعَى إلى العطف والحنوّ.
وقرئ ابن أمِّ بالكسر على الإضافة
стр. 1212
إلى ياء المتكلم وحذفت الياء، وبالفتح تشبيهاً بخمسة عشر، جعل الاسمان اسماً واحداً.
وفي الآية تنبيه على أنَّ الغضبَ للَه من النصرة لدين الله، فلا يغفل المرء عن
الحبِّ في الله والبغْض في الله.
وإنما غضب موسى على مَنْ ظنّ منه الإفادة والانتهاء عما هو فيه.
وأما مَن ظن عدم ذلك فلا ينبغي إلا هجرانُه وطرْدة.
ولعمري هل فيك نفحة من هذه النفحات فتغضب على أهلك ووَلَدك وما
ملكت يمينك إذا رأيتهم خالفوا أَمْرَ ربهم، كَلاّ لو فهموا منك تغضباً لتَرْكِ
دينهم كما تغضب عليهم إذا ضيعوا دنياك لانْتَهَوا، ولكنك لا تغضب عليهم
لعدم صِدْقك مع الله فلم يزيدوا إلا طغياناً كبيراً.
(سَيَّارة) :
قوم مسافرون.
ورُوي أنَّ السيارة التي أخرجت يوسف كانت من مَدْين.
وقيل أعراب السيارة طلبوا الماءَ فوجدوا يوسف.
وسليمان طلبَ السمكةَ فوجد الخاتم، وموسى طلب النارَ فوجد الجبّار.
وأنْتَ يا عبدَ الله، هَلاَّ ترمي شبكةَ الندامة في بَحْر
الاستغفار وتَصطاد لنفسك الضعيفةِ حوتَ السلامة من الفرقة والقطيعة، فإن
كنت أحذق فعليكَ بالأوفق، لا يشغلك شاغل عن الطاعة بجهد الاستطاعة، فإن وقعتَ في ظلمة أو وَحلة يخرجك كما أخرج يوسف، وإن صيّره ملكاً فيصيّرك ملكا كريماً في دارِ ضيافته، ويكشف لك عن كمال ذاته، فتنظر إلى جماله.
(سيِّدَها) :
قد قدمنا أن السيد يراد به الرئيس والذي يفوق في الخير قومَه.
والسيد في الحقيقة هو المالك.
ولذا أضاف امرأةَ العزيزِ إليه، لأنه مالكها، فلما رأته خجلَت واستحيت وقالت: (مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، قتلًا أو ضرباً وَجيعاً.
قالت ذلك ضجَرًا لِمَا فاتها منه، ولما ظنت أن يَنْسب إليها من ذلك.
وأنتَ يا عبد الله، تفوتك من مولاك اغتنام الطاعات، ولا تبكي على فَقْدها،
стр. 1213
ولا تهتم من عقوبة معصيته.
أما علمْتَ أنَّ عقوبةَ غيبة الحبيب أشدّ من عقوبة الغضب.
غضبت زليخا ساعةً فأورثها خزْناً طويلاً، كانت تقوم الليل وتقول: يا
يوْسف، هل أنتَ نائم أو ساهر، أما أنا فأنا ساهرة من حبك، ليتني لم أمر بك إلى ما ترى! وأنت لا تخاف من غضب مَنْ لا يقوم لغضبه شيء.
فلا تحسبنَّ إمهاله لكَ إهمالاً، أما سمعتَه يقول: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) ، أي نؤاخذُهم قليلاً ولا نباغتهم كما يرتقي الراقي الدرجةَ
ْفيتدرّجِ شيئاً بعد شيء حتى يصلَ إلى العلوّ، قال بعضهم: معناه كلما جدَّدوا
ْخطيئة جدّدنا لهم نعمةً حتى نأخذهم بغتة.
(سَبعٌ شِدَاد) : يعني ذات شدة وجوع سَبْعَ سنين.
هذا تعبير الرؤيا، وذلك أنه عبَّر البقرات السمان بسبع سنين مجْدبة، وكذلك السنبلات الخضر واليابسة.
فإن قلت: ما وجه اختلافِ العددَيْن في هذه الآية وآية البقرة في قوله:
(سبع سنابل) ؟
فالجواب أن بابَ ما يجمع بالألف والتاء أن يكون للقليل ما لم ينص عليه أو
يعرض عارض، لأن آية البقرة مبنية على ما أعدَّ الله تعالى للمنفق في سبيله وما يضاعف له من أخر إنفاقه، وأن ذلك ينتهي إلى سبعمائة ضعف، وقوله: (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) ، قد يفهم الزيادة على ما نص عليه من
ذلك، كما أشارت إليه آياتٌ وأحاديث، فمَبْنى هذه الآية التكثير، فناسب
ذ ر ورود المفسّر على ما هو مِنْ أبنية الجموع للتكثير لحظاً للغاية المقصودة.
ولم يكن ما وَضْعه للقليل في الغالب لينَاسب ما لحظ فيه الغاية من التكثير.
أما آية يوسف فإنما بناؤها على إخبار الملك عن رؤياه: (سبع سنْبلات)
: فلا طريقَ هنا للَحْظِ قِلّة ولا كثرة، لأنه إخبار برؤيا، موَجْفه الإتيان
من أبنية الجموع بما يناسب المراد وهو قليلٌ، لأن ما دون العشرة قليل، فلحظ في آية البقرة وما بعدها مما يتضاعف إليه هذا العدد، وليس في آية يوسف ما يلحظ، فافترق القَصْدَان وجاء كلّ على ما يجب.
стр. 1214
(سارِب) :
قد قدمنا أن (سَارِبٌ) عطف على (مُسْتَخْفٍ)
بالليل، لا على (مُسْتَخْفٍ) وحْدَه، وأما قوله: (فاتخذ سبيله في البحر سَرَبا)
، فمعناه أنَّ الحوتَ سار في البحر، فقيل: إن الحوتَ كان ميتاً
مملوْحاً ثم صار حيّا بإذن الله، ووقع في الماء، فسار فيه.
وقال ابن عباس: بل صار موضع سلوكه ماءً جامداً.
قال ابن عطية: وهؤلاء يتأوّلون سَرَباً بمعنى جَولاناً، من قولهم مَحَل سارب، أي مهمل يرْعَى فيه حيث شاء.
وقالت فرقة: اتخذ سَرَبا في التراب من المِكْتَل إلى البحر، وصادفَ في طريقه بَحْراً فثقبه.
وظاهر الأمر أن السرَب إنما كان في الماء.
ومن غريب ما رُوي في البخاري في قصص هذه الآيات أنَّ الحوت إنما حي
لأنه مستَه عَين هناك تَدْعى كين الحياة ما مستَتْ قطّ شيئاً إلا حيي.
ومن غريبه أيضاً أن بعضَ المفسرين ذكر أنَّ موضع سلوك الحوت عاد
حجرًا طريقاً، وأن موسى مشى عليه متبعاً للحوت حتى أفْضى به ذلك الطريق إلى جزيرة في البحر، وفيها وجد الخضر.
وظاهر الروايات والكتاب أنه إنما وجد الخضر في ضَفة البحر يدلُّ عليه قوله: (فارْتَدَّا عَلَى آثارِهما قَصَصاً) .
وإنما ذَكر بعده: (واتَّخذ سبيله في البحر عَجَبا) - بالواو: لأنه يحتمل أن يكون من كلام يوشعَ لموسى، أي اتخذ الحوت سبيله عجباً للناس.
ويحتمل أن يكون قوله تمام الخبر، تم استأنف التعجب، فقال
من قبل نفسه: عجباً لهذا الأمر.
وموضع العجب أن يكون حوت قد مات وأُكل شقّه الأيسر تم حيي بعد ذلك.
قال أبو شجاع في كتاب الطبري: رأيته فإذا هو شقه حوت وعين واحدة
وشق آخر ليس فيه شيء.
قال ابن عطية: وأنا رأيته والشق الذي ليس فيه شيء
قشر له قشرة رقيقة تشفّ تحتها شوكة، وشقه الآخر.
ويحتمل أن يكون قوله: (واتخذَ سَبِيلَه) . الآية إخباراً من الله تعالى، وذلك على وجهين: إما أن يخبر عن موسى أنه اتخذَ سبيلَ الحوتِ من البحر عجباً، أي تعجَّب منه، وإما أن يخبر عن الحوت أنه اتخذَ سبيلَه عجباً للناس.
стр. 1215
وقرئ: واتخاذ سبيله، فهذا مصدر معطوف على الضمير في (أن أذْكرَه)
(سَرَابِيلهم مِنْ قَطِران) ، بفتح القاف وكسر الطاء.
وبفتحهما وبسكون الطاء، وإنما جعل قُمص أهلِ النار من القَطران، وهو الذي تهنأ به الإبل، لأن للنار اشتعالاً شديداً.
فإن قلت: ما فائدة الإتيان بِمنْ، وقد كان يستغنى عنها؟
فالجواب أن فائدة الإتيالن بها نَفْيُ توهّم مجاز التشبيه، نحو زيد أسد.
وكقوله ﵇ في صحيح مسلم: "إنَّ أحدَكم لا يزال راكباً ما انتعل".
ففرْق بين خاتم فضة ومِنْ فضة، فإن الأول يحتمل أنه تشبيه محذوف الأداة، والثاني نص لا يتطرق إليه احتمالٌ ألبتَّة.
وقد يقال: إن الإتيانَ بها هو الأصل، لأن الإضافةَ في مثله على معنى مِن.
نحو ثوب خز، وإنما يُستغنى بذكرها مع الإضافة، ولما تعذرَت الإضافة هنا
بإضافة السرابيل إلى ضمير المحدّث عنهم تعين الإتيان بها رجوعاً للأصل.
لتدل على التبعيض المقصود مِن هذا التركيب.
وفائدة قصْدِه هنا الإعلام بأن هناك قَطراناً غَيرَ ما جعل من السرابيل، ليصبّ عليه، فيزداد اشتعال النار - بذلك، أَو تجدد منه السرابيل إن ذهبت الأولى بذهاب الجلودِ التي طليت بما شبّه منه بالسرابيل: (كلما نَضِجَتْ جلودهم بدَّلْناهم جلوداً غيرها) .
أو يسوقونه فتحترق أفئدتهم كلما أَحرقَت جلودَهم (نار الله الموقدة التي تطَّلِع على الأفئدة) ، أو لغير ذلك، ولو لم تذكر (مِن) لما غم أنَ هناك منه غير ما جعلت السرابيل إلا بدليل آخر.
نَظير ما ذكرناه من فائدة قصد التبعيض هنا قوله ﷺ في حكاية عن قول
إبراهيم: (فاجعَلْ أفئدةً من الناس تَهْوِي إليهم وارْزقْهم من الثمرات) ، ولا يتأتى السربال حقيقة من القَطران إلا بأنْ تبدّل صفته من
المائعية إلى التجمد، وحينئذ يكون إخباراً، بخلاف الْمَعْهود منه.
ويشبه على هذا
стр. 1216
الْجَعل أن يكون تنكيره للنوعية، أي نوع من القطران غير متعارف، فظهر من هذا أن احتمالَ التشبيه مع ذكْر " من " قائم كما هو مع حذفها.
ويحتمل أنه قصد التشبيه بالقطران لشدةِ سوادها واشتعال النار فيها ونَتنها
بحيث يقال إنها من القطران، وربما يكون من تلك السرابيل المسوح التي تقْبض فيها أرواحُ الكفار على ما ورد مرادًا بها الحقيقة في قراءة تنوين قَطرانٍ، ووصف بأنه أقرب، ويدل على أن التصريح بمن لا يُنافي التشبيه الإتيان بها مع صريحه، نحو قوله ﷺ : "كأنه من رجال شنوءة، وكأنه من رجال الزط".
(سبعاً من الْمَثَاني والْقرآنَ العظيم) :
قال بعضُ العَدديين:
إنما خص لَفظ السبع هنا لأنها أول العدد الكامل الزائد على العدد التام
الأجزاء، لأن الستة عدد تام الأجزاء، وهذا العدد له نسبة في المخلوقات
الجملة، كعدد السماوات والأرض والأيام والأعضاء، وأبواب جهنم.
وغير ذلك مما يطول ذكرها.
وذكر الله لهذه السورة أسماء كثيرة، وفيها سبع آيات، وهي
خالية من أحرف العذاب: الثاء: (لا تدعوا اليوم ثبُوراً واحداً) .
والخاء: (ألاَّ تخافوا ولا تحْزَنُوا) .
والشين: (ولا تَشثقَى) .
والجيم: (لهم نار جَهنم) - يعني الكفار.
والزاي: (إن شَجَرةَ الزّقّوم) .
والفاء: (يومئذٍ يتفرَقون) .
والظاء: (أو كظلُمَاتٍ) .
فسبحان من خصَّ هذه الأمة بمحامدَ وخصائص يجب عليهم شكْرُها إن عقلوا، ولو لم يكن لهم افتتاح هذا الكتاب المنزَّل عليهم بالحمد تعلما لهم وإرشاداً لحمده.
وكرَّر عليهم ذكر ذلك في كتابه:
كقوله لنبيه: (قل الحمد للَه الذي لم يتخذ وَلَداً) .
(قل الحمد للَه بل أكثرهم لا يعلمون) .
فإن قلت: لم أمر بالحَمْد للَه على عدم اتخاذِ الوَلد؟
والجواب أنه لو كان له ولد فلا بد من عبادته، وعبادة إلهين يشقّ علينا، ولو
كان له ولد لأعطاه أفضل الأشياء، فانفرد بالملك كلّه، ولو كان له ولد لكان
стр. 1217
له إلى النساء حاجة، والمحتاج لا يستحق الربوبية: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ) .
فإن قلت: لم أمر عباده بالحمد قَبْلَ سائرْ الطاعات؟
والجواب لأن أول كل شيء منه نعمة، وهو الْخَلْق السويّ، والمعرفة.
والإسلام، والهداية، فأمرنا بالحمد ليكونَ جزاؤه فقد الإنسية فيشق علينا
أداؤه، وإذا أردت أن تعرف قيمةَ الحمد فتأمَّل إلى أهل الجنة حيث حمدوه إذا
فرغوا من الحساب: (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) .
وإذا عَبَرُوا على الصراط قالوا: (الحمد للَه الذي أذهَب عنّا الحزَن) فاطر:
، وإذا بلغوا بابَ الجنة قالوا: (الحمد للهِ الذي صدَقَنَا وعْدَه) ، فإذا نزلوا منازلهم قالوا: الحمد للَه (الذي أحلَّنا دارَ الْمقَامة من فَضْله) .
فإذا فرغوا من الطعام قالوا: (الحمد للَه ربّ العالمين)
قال تعالى: (وآخِر دَعْواهم أنِ الحمد للهِ رب العالمين) .
فانظر كيف لم يغفلوا عن الحمد في كل الأحيان مع أنَّ الله ختم لهم بالحسْنى.
ِفكيف تَغْفُل يا محمديّ عَمَّن ناصيَتك بيده، وأعطاكَ سورة لا بدّ لك من
ذكرها في صلاتك، كل ذلك لمحبته فيك، ألاَ ترى أنه قسمها بينك وبينه.
وجعل جوارِحَك سبعاً وأبواب جهنم سبعاً، فإذا قرأتها أعتق الله من النار سبعاً بسبع، وجمع لكَ ذِكر عشر نفرِ من الأنبياء قبل نبيك: نوح، قال: (إن أجريَ إلا على رب العالمين) .
وهود: (إن أجريَ إلا على الله) .
وموسى: (إني رسول ربّ العالمين) .
وإبراهيم: (أسلمتُ لربِّ العالمين) .
ونبيك: (وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) .
وهارون: (إنّ ربكم الرحمن) .
وإبراهيم: (ومَنْ عصاني فإنكَ غفورٌ رحيم) .
ومحمد: (لكم دينكم وليَ دِين) .
وأولاد يعقوب لما سألهم قالوا:
стр. 1218
(نعبد إلهكَ وإله آبائك) .
ومحد: (رَبَّنا الرحمن الْمُسْتَعانُ على ما تَصِفون) .
وموسى: (إنَّ معي رَبي سيَهْدين) .
وسليمان أمره الله بقوله: (أنْ أشْكُرَ نعمتَكَ التي أنعمْتَ عليَّ) .
وموسى: (رب بما أنعمتَ عليَّ) .
والمغضوب عليهم ذكره في الذين كفروا من بني إسرائيل في قوله إذ غضب
الله عليهم: (وباءُوا بغضبِ من الله) .
ولا الضالين ذكره في قصة داود ﵇ تحذيرا له من الضلال وتطولاً
عليه كما تطوَّل علينا قوله: (ولا تَتَّبع الْهَوى فيضِلّك عن سبيلِ الله) .
وذكر الذين قتلوا أولادهم سفَهآ بغير علم وحرَّموا ما رزقهم الله افتراء
على الله (قد ضَلّوا) .
وذكره عن كفرة بني إسرائيل:
(وضَلّوا عن سوَاءِ السبيل) .
فانظر كيف أمرك بالدعاء بها في كل صلاةٍ، واختصر لك فيها التوراةَ
والإنجيل، والزَبور، والفرقان، وصحفَ إدريس وإبراهيم وموسى، فلهذا مَنَّ الله بذكرها على نبيه بقوله: (ولقد آتيناكَ سَبعاً من المثاني) .
فإن قلت: إيتاء النعم والسكوت عنها وتَنَاسيها هو أكمل من إيتائها والمنة
بها، كما قال القائل:
وإنَّ اْمرَا أسدَى إليَّ بنعمة ... وذَكَّر فيها مرةً لبخيل
والجواب أن التذكير بالنعمة الماضية إنْ كان إشعاراً بورود نعمةٍ أخرى في
المستقبل فلا شيء فيه، وإنما يكون امتنانأ إذا! يشعر بورود نعمةٍ أخرى في
المستقبل، وعليه قوله تعالى: (ألَئ يجِدكَ يتيما فآوَى. ووجدك ضَالاً فهدَى) .
وأيضاً ذكَّر بها ليرتّبَ عليها أمراً تكليفياً فيكون أدخل في مقام الامتثال.
стр. 1219
فإن قلت: الجملة الثانية كأنها مبيِّنَة عن الأولى
فهلاّ عطفت بالفاء، فكان يقال: " فلا تمدنً عينيك"؟
فالجواب أنه لما كانت السببية ظاهرة أغْنَتْ عن الإتيان بالفاء.
فإن قلت: ما سر تسمية الفاتحة بالسبع المثاني، والقرآن العظيم، والفاتحة، وأم الكتاب، وأم القرآن، والوافية، والكافية، والكنْز، والأساس، وسورة الحمد، وسورة الشكر، والواقية، والشافية، والشفاء، وسورة الدعاء، وتعليم المسألة، وغير ذلك من أسمائها؟
فالجواب أن ذكر فضائلها وأسمائها يحتاج لمجلد مستقل كما قال الإمام عليّ
﵁: لو شئت أن أَضع على الفاتحة وقْر سبعين بعيراً لفعلت، لكني أشير لك إلى ما فتح الله به من كتب ساداتنا وأئمننا ﵃:
فسُميت بالمثان! لأنها تثنّى في كل ركعة أو في كل صلاة، أو بسورة أخرى.
أو لأنها نزلت مرتين، أو لأنها على قسمين: ثَنَاء، وَدعَاء، أو لأنها إدْا قرأ العبد منها آيةً ثناه الله بالإخبار عن فعله، كما في الحديث الصحيح: " إذا قال العبدُ: الحمد للَه رب العالمين قال الله: حَمَدني عَبدي ".
. . إلى آخر الحديث، أو لأنها جمع كل فيها فصاحة المباني وبلاغة المعاني، أو لأنها من الثُّنْيَا لأن اللهَ استثناها لهذه الأمة.
وإنما سُمِّيت بالقرآن العظيم، لاشتمالها على المعاني التي في أمّ القرآن.
فاتحة الكتاب، لأنها يُفتتح بها في المصاحف، وفي التعليم، وفي القراءةْ، وفي
الصلاة، أو لأنها أول سورة نزلت، أو لأنها أول سورة كتبت في اللوح
المحفوظ) أو لأنها فاتحة كل كلام.
وسميت بأم الكتاب وأم القرآن لحديث أبي هريرة: إذا قرأتم الحمدَ فاقرءُوا
بسم الله الر حمن الرحيم، إنها أم القرآن، وأم الكتاب.
السبع المَثَاني - قال الماوردي: سُميت بذلك لتقدمها وتأخر ما سواها تَبَعاً
стр. 1220
لها، لأنها أمَّتْه، أي تقدمَتْه، ولهذا يقال لراية الحرب أمّ، لتقدمها واتّباع الجيش لها.
ويقال لما مضي من سِني الإنسان أمّ لتقدمها، ولمكة امّ القرى لتقدمها على
سائر القرى.
وقيل أم الشيء أصْلُه، وهي أصل القرآن لانطوائها على جميع
أغراض القرآن وما فيه من العلوم والحكم وقيل: إنها أفضل السور كما يقال
لرئيس القوم أم القوم.
وقيل لأن حرمتها كحرمة القرآن كله.
وقيل لأن مَفْزعَ أَهل الإيمان إليها.
وقيل: لأنها محْكمة، لأن المحكمَات أم القرآن.
وسميت الوافية لأنها وافية بما في القرآن من المعاني، أو لأنها لا تقبل
التنصيف، فإن كلّ سورة من القرآن لو قرئ نصفُها في كل ركعة والنصف
الثاني في أخرى لجاز بخلافها.
وقال المرسي: لأنها جمعت ما لله والعبد.
وسميت بالكنز لما رَوى البيهقي في الشعب من حديث أنس مرفوعاً: إن الله
أعطاني فيما مَنَّ به عليَّ أني أعطيت فاتحة الكتاب.
وهي من كنوز العرش.
وفي رواية عن أبي أمامة، قال: أربع آيات نزلن من كَنْز العرش لم ينزل منه شيء غيرهن: أم الكتاب، وآية الكرسي، وخاتمة سورة البقرة، والكوثر، يعني خاصة به ﷺ .
وسميت الكافية، لأنها تكفي في الصلاة عن غيرها، ولا يكفي غيرها عنها.
والأساس، لأنها أَصل القرآن، وأول سورة فيه.
وسورة الحمد، وسورة الشكر، وسورة الحمد الأولى.
وسورة الحمد القصوى، والواقية، والشافية، والشفاء، والصلاة، لحديث: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، أي السورة.
وسورة الدعاء، لاشمالها عليه في قوله: (اهدنا الصراط) .
وتعليم المسألة، لأن فيها آداب السؤال، ولها أسماء غير هذه، وقد ذكر اللهُ
الحمد من سبعة نَفَر، فوجد كل واحد منهم كرامةً، لآدم حين عطس، قال: الحمد للهِ، فوجد الرحمةَ من الله بقوله: يرحمك الله.
ونوح قال: (الحمد لله الذي نَجّانا من القوم الظالمين) المؤمنون: ١٣٨، فوجد السلامة بقوله:
стр. 1221
(يا نوح اهْبطْ بسلام مِنّا وبركات عليك) .
والخليل قال: (الحمد للَه الذي وهب لي على الكِبَر إسماعيل وإسحاق) ، فوجد الفداء: (وفدَيْنَاه بذبح عظيم) .
وداود وسليمان قالا: (الحمد للهِ الذي فَضلنا على كثير من عباده المؤمنين) ، فوجدا النبوءة والْملْك بقوله تعالى: (وكلاَّ آتيْنَا حكماً وعِلماً) .
ومحمد ﷺ أمره الله تعالى بالحمد، فوجد الرِّفْعة والشرف بقوله تعالى: (ألم نشرح لكَ صَدْرَك) .
وأنت يا محمدي إذا أكثرتَ من هذه السورة وطلبتَ منه سبحانه شيئاً أتراك
لا تَنَاله وقد أعطاكَ الله ما أعطى الأنبياء، فاحْمَدِ اللهَ الذي هداكَ لها.
وخصكَ بهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسم وعلى آله أفضل صلاة وأزكى
تسليم.
فإن قلت: هل للسور غيرها من القرآن هذه التسمية أوْ لهَا اسم واحد
يخصها؟
فالجواب: قد قدمنا في حرف اللام تسمية سوَر باسم واحد، ونذكر لكَ
الآن تسمية بعض السور بأسماء تتمةً للفائدة:
فالبقرة تسقى بفسطاط القرآن لما جمع فيها من الأحكام التي تذْكَر في
غيرها.
وسنام القرآن، لأنها أعلاه.
وآل عمران: اسمها في التوراة طيبة، وفي صحيح مسلم تسميتها والبقرة
الزهراوين.
والمائدة: تسمى أيضاً العقود، والْمنْقذة، قال ابن الغرس: لأنها تنقذ
صاحبها من ملائكة العذاب.
والأنفال: تسمى سورة بَدْر.
وبراءة: تسمى التَّوبة، لقوله تعالى: (لقد تاب الله على النبي) .
والفاضحة لأن فيها: ومنهم، ومنهم، قال ابن عباس:
стр. 1222
حتى ظننا أنه لم يَبقَ منا أحد إلا ذكر فيها.
وسورة العذاب، قال حذيفة: تسمو بها سورة التوبة
وهي سورة العذاب.
وقال عمر: هي إلى العذاب أقرب، ما كادت تقلع عن
الناس حتى ما كادت تُبْقِي منهم أحداً.
والمقْشقشة لقول ابن عمر: ما كُنَّا ندعوها إلا المقْشقشة، أي البراءة من النفاق.
والنقرة لأنها نقرت عما في قلوب المشركين، قاله ابن عمر.
والبَحوث، بفتح الباء، لما أخرج الحاكم عن المقداد.
قيل له: لو قعدت العام عن الغَزْو! قال: أبَتْ علينا البَحوث، يعني براءة.
. . الحديث.
والحافرة لأنها حفرت عن قلوب المنافقين، ذكره ابن الغرس.
والمثيرة
لما أخرج ابن أبي حاتم عن عبادة، قال: كانت هذه السورة تسمى الفاضحة، فضحت المنافقين، وكان يقال لها المثيرة، أنبأتْ بمثالبهم وعَوْراتهم.
وحكى ابن الغرس من أسمائها المبعثرة، وأظنه تصحيف المنقرة، فإن صح كملت الأسماء عشرة، ثم رأيته كذلك، أعني المبعثِرة بخط السخاوي في جمال القراء، وقال: لأنها بعثرت عن أي أسرار المنافقين.
وذكر أيضاً فيه من أسمائها المخزية، والْمنَكَلَة.
والمشددة، والمدمدمة.
النحل: قال قتادة: تسمى سورة النعم، لأن الله عدّد فيها من النعم على
عباده.
الإسراء: تسمى سورة سبحان، وسورة بني إسرائيل.
الكهف: سماها ابن مَرْدَويه في الحديث سورة أصحاب الكهف.
ورَوَى البيهقي من حديث ابن عباس - مرفوعاَ - أنها تدْعى في التوراة الحائلة، تحول بين النار وبين قارئها.
طه: تسمى سورة الكليم، ذكره السخاوي في جمال القرّاء.
الشعراء: تسمى سورة الجامعة. ذكره الإمام مالك.
النمل: تسمى سورة سليمان.
السجدة: تسمى سورة المضاجع، لقوله تعالى: (تتجافَى جنوبهم عن
المضاجع) .
стр. 1223
فاطر: تسمى سورة الملائكة.
يس: سماها رسول الله ﷺ قلْبَ القرآن.
وفي حديث أبي بكر - مرفوعاً:
سورة يس تدْعى في التوراة المعمَّة، تعمّ صاحبها بخير الدنيا والآخرة، وتدْعَى
الدافعة والقاضية تدفع عن صاحبها كل سوء وتقضي له كلَّ حاجة.
الزمر: تسمى الغرف.
غافر: تسمى سورة الطَّوْل والمؤمن، لقوله فيها: (وقال رجل مؤْمِن) .
فُصلت: تسمى السجدة، وسورة المصابيح.
الجاثية: تسمى الشريعة، وسورة الدهر، حكاه الكرماني في العجائب.
سورة محمد ﷺ تسمى القتال.
(ق) : تسمى الباسقات.
اقتربَتْ: تسمى القمر، وأخرج البيهقي عن ابن عباس أَنها تُدعى في التوراة المبيِّضة، تبيض وَجْهَ صاحبها يوم تسوَدُّ الوجوه.
الرحمن: سميت في حديثٍ عروس القرآن، أخرجه البيهقي عن علىّ مرفوعاً.
المجادلة: سُمِّيت في مصحف أبيٍّ الظهار.
الحشر: سمّاها ابنُ عباس سورة بني النَّضِير، قال ابن حجر: كأنه كرِه
تسميتها بالحشر، لئلا يظنّ أن المراد يوم القيامة، وإنما المراد به هنا إخراجُ بني النّضِير.
الممتحنة، قال ابن حَجر: المشهور في هذه التسمية أنها بفتح الحاء، وقد
تكسر، فعلَى الأولى هي صفة المرأةِ التي نزلت السورة بسببها، وعلى الثاني هي صفة السورة كما قيل لبراءة الفاضحة.
وفي جمال القُرَّاء: تسمَّى أيضاً سورة الامتحان، وسورة المودَّة.
الصف: تسمى أيضاً سورة الْحَوَارِيين.
الطلاق تسمى سورة النساء القُصْرى.
لأن الطول والقصر أمر نسبي.
وقد أخرج البخاري عن زيد بن ثابت أنه قال:
стр. 1224
طول الطوليَيْنِ، وأراد بذلك سورة الأعراف.
والتحريم يقال لها التحرّم، وسورة لم تحرِّم.
سورة الملك تسمى المانعة، لأنها تمنع صاحبها من عذاب القَبْر، وأخرج
الترمذي من حديث ابن عباس مرفوعاً هي المانعة هي المنجية، تُنْجيه من عذاب القبر.
وقال ابن مسعود: كُنَّا نسميها في عَهْد رسول الله ﷺ المانعة.
وفي جمال القراء تسمى أيضاً الواقية والمنَّاعة.
سأَلَ: تسمى المعارج، والواقع.
عم: يقال لها النّبَأ، والتساؤل، والمعصرات.
لم يكن: تسمى سورة أهل الكتب، كذلك سُمِّيت في مصحف أبيٍّ.
وسورة البيّنة، وسورة القيامة، وسورة البرية، وسورة الانفكاك.
ذكر ذلك في جمال القراء.
أرأيت: تسمى سورة الدِّين، وسورة الماعون.
الكافرون: تسمى المقشقشة، وتسمى أيضاً سورة العبادة، وذكره في جمال القراء.
النصر: تسمى سورة التوديع، لما فيها من الإيماء إلى وفاته ﷺ
تَبَّتْ: سورة الْمَسَد.
والإخلاص تسمى سورة الأساس، لاشمالها على توحيد الله، وهو أساس الدين.
قال: والفلق والناس يقال طما المعوذتان بكسر الواو، والمقشقشتان، من قولهم: خطيب مقشقش.
فهذا ما وقفتُ عليه.
وعلى القول بأن أسماء السور المفتتح بالحروف المقطعة هي أسْماء لها، لكن منها ما هو أحدي، كـ (ص) ، و (ن) ، و (ق) .
وثنائي، كـ (طه) ، و (يس) ، والحواميم، وثلاثي مثل
(الم) ، (طسم) .
ورباعي: (المر) ، (المص) .
وخماسي: (كهيعص) ، و (حم عسق) .
وقد أكثر الناس الكلام على هذه الحروف المقطعة.
والذي عندي أن الله وَضعها لإطفاء تشغيب الكفار حيث قالوا: (لا تَسْمَعوا لهذا القرْآن) ، فأتى الله بها ليسمعوها لغَرابتها، تم يبلغ الرسول رسالته.
كأنَّ الله يقول لهم: إن لم تصدقوه فأتوا بسورة من مثله في مثل هذه الحروف وأنتم لا تفهمون معناها.
وهذه دلالة لنبوءة محمد ﷺ ، لأن الله ذكر في الكتب الماضية أنه يخرج في آخر الزمان رسول، وعلامته أن تكونَ بعض رؤوس سور كتابه الحروف المقطعة، وهي أسماء اللَهِ فرَّقها ووضعها على بعض السور لشرفها عنده.
стр. 1225
(سائغاً للشَاربين) :
قد قدمنا أنه صفة للبن - سهلاً للشرب، حتى إنه لم يغَصّ به أحد.
وقد جعل فيه غنْية عن الطعام والشراب، ولهذا قال ﷺ حين شربه: اللهم زدْنا منه سَكَراً، يعني الخمر، ونزل ذلك قبل
تحريمها (١) .
فهي منسوخة بالتحريم.
وقيل: إن هذا على وَجْه المنفعة التي في الخمر، ولا تعَرُّضَ فيه لتحليل ولا تحريم، فلا نسخ.
وقيل السكر المائع من هاتين الشجرتين كالخلّ والرب، والرزق الحسن: العنب والتمر والزبيب.
(سَرَابِيلَ تَقِيكم الحرَّ) :
قد قدمنا أن السرابيل القمص.
وذَكَر وقايةَ الحر ولم يذكر وقايةَ البرد، لأنه أهم عندهم لحرارة بلادهم.
والخطاب معهم.
(سبباً) :
هو الطريق الموصِّل إلى المقصود، من علم أو قدرة
أو غير ذلك.
وأصْل السبب الْحَبْل، ومنه: (فليَمْدد بسببٍ إلى السماء) .
(فأتْبَعَ سَبباً) ، فسمي الطريق سبباً، لأنه يتوصَّل
بسلوكه إلى المقصود.
وأما (أسباب السماوات) ، فمعناه أبوابها.
(سَمِيًّا) ، أي نظيرًا، وهذا مدح ليحيى ﵇، وسمَّاه الله قَبْلَ وجوده، وبهذه الآية احتجَّ أهل السنَّة على المعتزلة، لأنه لو كان الاسم
غير المسمَّى لكان المخاطب غير يحيى، وقد قال له: (يا يحيى خذِ الكتابَ
بِقُوَّةٍ) .
وقوله: (سبَح اسْمَ ربِّكَ الأعْلَى) لو كان الاسم غير المسمى لكان قد أمر بأن يسبّح الاسم دونه، وهذا لا يقوله محصل.
فدلّ ذلك على أن الاسمَ هو المسمَّى.
(ساوَى بين الصَّدَفَيْنِ) :
من التسوية بين الأشياء وجعلها سوية، بمعنى أتقن وأحسن، ومنه: (فسوَّاكَ فعدَلَك) .
(سَرِيَّا) :
قال مجاهد: هو بالسريانية: نهرًا.
وقال سعيد بن خبير: بالنبطية.
وحكى شَيْذلة أنه باليونانية، وعلى كل قولٍ ما كان قريباً من
стр. 1226
جِذع النخلة، فسَّرَه ﵊ بذلك.
وقيل يعني عيسى، فإن السري
الرجل الكريم.
(سوِيًّا) : أي قويما.
(سلامٌ عليكَ) :
إنما سلم إبراهيم سلام موَادعة ومفارقة لا تحيّة، لأن ابتداء الكافر بالسلام لا يجوز، فإذا سلّم عليه الكافر يقول له: وعليكم، أو عليك السِّلام، بكسر السين، وهي الحجارة.
وفي الحديث: إنَّ عائشة قالت ليهودٍ سلموا: وعليكم السام واللَّعْنة.
فقال لها ﵊:
مَهْلاً يا عائشة، فإن اللَهَ رفيق يحبُّ الرفْقَ.
فقالت: أو لم تسمع ما قالوا، قالوا: السام عليكم.
فقال: قد قلت لهم وعليكم.
(سأسْتَغفِر لكَ رَبِّي) :
لما طلب آزَرُ من إبراهيم الاستغفار وعده أنْ يدعوَ له.
قال ابن عطية: معناه سأدعو اللهَ أنْ يهديك، فيغفر لكَ بإيمانك.
وذلك لأن الاستغفارَ للكافر لا يجوز.
وقيل: وعَدَه أن يستغفر له مع كفره، ولعله كان لم يعلم انَّ اللَهَ لا يغفر للكافر حتى أعلمه اللَّهُ بذلك.
ويقَوِّي هذا قوله: (واغْفرْ لأَبي إنه كان من الضالِّين) .
ومثل هذا قول النبي ﷺ لأبي طالب: " لأستغفِرَنَّ لك ما لم أنْهَ عنك ".
وروي أنه لما نزلت: (إن تستَغْفر لهم سبعين مرة فلن يغفرَ اللَّهُ لهم) ، - قال
ﷺ : " لأزيدنَّ على السبعين "، فلما فعل عبد اللَه بن أبي وأصحابه ما فعلوا، وقولهم: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) ، وتوليتهم عن استغفار رسول الله ﷺ لهم شدَّدَ اللَّهُ عليهم بقوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) .
وفي هذا نظر، لأن هذه السورة نزلت في غزوة بني الْمصْطلق قَبْل الآية ِ الأخرى بمدة.
وروي أنه إذا كان يوم القيامة يجعل اللَّهُ آزَر تحت قدم إبراهيم على صورة كبش ملطَّخ بالدم ويُؤْمَرُ إبراهيم بذبحه، لأنه لما حملت أمّه بإبراهيم اشتهى أن يكونَ غلاماً فيذبحه تحت رِجل النمرود رضاءً له
стр. 1227
فجازاه اللَّهُ بذلك، وحوَّله كبشاً، لأنه دعا ألَّا يخزيه في أبيه، كذلك أهل مصر تمنّى كلّ واحد منهم أن يكون يوسف عبداً له، فجعلهم الله عبيده.
وأنت يا عبد الله إذا كانت نِيَّتك ومرادك غَيْرَ عصيان الله يعاملك على نيتك
ومرادك فيجعل سيئاتك على الكفار، ويجعلهم فداءً لك عقوبةً لهم، وعلى إبليس الذي كان سبباً في إغوائك، ألا تراه سبحانه يقول لك: إذا قلت أذنبْتُ عَفَوْتُ وَصَفَحْتُ، وإذا قلت اللهم اغْفِرْ لِي يقول لك: قد غَفَرْتُ لكَ وأنا الغفور الرحيم.
(سنكتب ما يقول) :
من قوله: لئن بعثت كما يزعم محمد ليكوننّ لي هناك مال ووَلد، وإنما جعله مستقبلاً، لأنه إنما يظهر الجزاء والعقاب في المستقبل.
(سيكفرونَ بعبَادَتهم ويكونونَ عليهم ضِدًّا) :
الضمير للكفار، وفي عبادتهم للمعبودين، وهذا كقولهم: (ما كنتم إياه تعبدون) .
(سَيَجْعَل لهم الرحمن ودًّ أ) ، هو المحبة والقبول الذي يجعله
اللَه لمن أَطاعه.
وقد صحَّ في الحديث أن الله ينادي: يا أهل السماء، إني أحبّ
فلاناً فأحِبّوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض.
وقال بعضهم: يكتب جبريل له صحبةً فيضعها في الماء المشروب منه.
وقيل: إنها نزلت في علي بن أبي طالب.
والأول أظهر لعمومه، والعيان يشهد بذلك، وهذه أولُ
كرامة يكرِمُ الله بها أولياءه.
(سنعِيدها سيرتَها الأولى) :
يعني أن موسى لا أخذ العصا
عادت كما كانت أَولَ مرة، وإنما أمره بالإلقاء أوَّلاً ليستَأنِس بها، وانتصب
(سيرتها) على أنه ظرف أو مفعول بإسقاط حرف الجر.
(سلك لكمْ فيها سبلاً) .
أي أنهج لكم في الأرض طرقاً تمشون فيها.
وأما قوله تعالى آمراً للنحل: (فاسْلكي سبلَ رَبِّكِ ذلُلاً)
стр. 1228
فقد قدمنا أنَّ الله أمرها بالرجوع.
وقيل بالذهاب، قال أبو حيان: إنْ أريد بالطريق الحسيّ فهو مفعول به، وإن أريد المعنوي فهو ظرف.
(سَحيق) : بعيد.
(سَخرْنَاهَا لكم) :
أي كما أمرناكم بهذا كلِّه سخرناها لكم.
وقال الزمخشري: التقدير مثل التسخير الذي علمتم سخَّرْنَاها لَكم.
(سَبْعَ طرائق) :
سموات، واحدتها طريقة، وسمِّيت بذلك، لأنها بعضها فوق بعض، كمطارقة النعل.
وقيل: يعني الأفلاك، لأنها طرق الكواكب.
(سامِرًا) :
مشتق من السمر، وهو الجلوسُ بالليل للحديث، وكانت قريش تجتمع في الليل بالمسجد يتحدثون بسبِّ رسول اللَه ﷺ .
والمعنى أنهم سامرون بذكره وسبِّه.
و (سامِرًا) مفرداً بمعنى الجمع، وهو منصوب على الحال.
(سَراب) :
هو ما يرى في الفَلوات مِنْ ضوء الشمس في الهَجيرة حتى يظهر كأنه ماء يجري على وَجْه الأرض.
وشبَّه اللهُ به أعمال الكفار في الآخرة بأنها لا تنفعهم، بل يضمحل ثوابها كما يضمحل السراب.
والتمثيل الثاني في قوله: (أو كظلمات) ، يقتضي بطلانَ أعمالهم في الدنيا.
وأنها في غاية الفساد والضلال، كالظلمات التي بعضها فوق بعض.
(سنَا بَرْقِه) :
السنا - بالقصر الضوء، وبالمد المجد والشرف.
(سبَأ) :
قبيلة من العرب، سُمِّيت باسْمِ أبيها الذي تناسلت منه.
وقيل باسم أمها.
وقيل باسم موضعها، والأول أشهر، لأنه ورد في الحديث.
(سرْمَدا) :
دائماً، وفيه تعديد النعم على عبيده، بحيث جعل لهم اختلاف الملَوَان، هذا لراحتهم، وهذا لعنائهم وشغلهم، وخِلْفَةً لمَنْ أراد أن يذَّكرَ أو أرادَ شكوراً.
стр. 1229
(سلَقُوكُم بألسنةٍ حِدَاد) .
أي إذا نصركم اللهُ أيها المؤمنون، فزال الخوفُ رجع المنافقون إلى إذَايَتكم بالسبِّ وتنقَّص الشريعة، وإذا جاء الخوفُ نظروا إليكم ولإخوانكم من شدة خوفهم، (تدُورُ أعينُهم كالذي يغْشَى عليه من الموت) ، وهو عبارة عن المتكلم بكلام مستَكْرَه.
ومعنى (حداد) فصحاء قادرين على رفع الصوت، لأن السلق والصّلق رفع الصوت.
(سابغات) :
كاملات، والضمير يعودُ على الدَّروع التي كان يعملها داود من الحديد، لأنه كان تَحْتَ يده كالعجين يصنَعُ به ما يشاء، وهو
المراد بقوله: (وقَدِّرْ في السَّرْدِ) ، أي قدِّرْها بألاَّ تعمل الحلْقَة
صغيرة فتضعف ولا كبيرة فيصاب لابسها من خلالها.
وقيل: لا تجعل المِسْراد رقيقا ولا غليظاً.
والسرد: الخرز أيضاً.
ويقال للإشْفَى مِسْرد ومِسْرَاد.
(سيَهْدِين) :
هذا من قول إبراهيم بعد خروجه من النار، وأراد أنه ذاهب إلى الله، مهاجر إلى أرض الشام.
وقيل: إنه قال ذلك قبل أن يطْرَح في النار، وأراد أنه ذاهب إلى ربِّه بالموت، لأنه ظن أن النار تحرقه.
و (سيَهْدِين) على القول الأول يعني الهدي إلى صلاح الدين والدنيا.
وعلى القول الثاني إلى الجنة.
وقالت المتصوفة: معناه ذاهب إلى ربِّي بقلبي، أي مقبل
على الله بكليته، تاركٌ لما سواه.
(ساحة البيت) : فناؤه.
والعرب تستعمل هذه اللفظة فيما يرد على الإنسان من محذور.
(سواء) الطريق: الواضح والطريق اللائح.
(سَلَماً لِرَجل) : أي خالص.
وقرئ بألف، والمعنى واحد.
(سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ) .
سماهم بالمخلفين لأنهم تخلَّفوا عن غَزْوة الحُدَيبية، والمراد بالأعراب أهل البوادِي، كمزَينة وجهينة، ومَنْ كان حول المدينة، لأنهم ظنوا أنه لا يرجع ﷺ من
стр. 1230
غَزْوَته تلك، ففضحهم اللهُ في هذه الآية، وأعلم رسوله ﷺ بقولهم واغترارهم قبل رجوعهِ إليهم، فكان كما قال: (شَغَلَتْنَا أموالنا وأهلونا) الآية.
فإن قلت: لم أبرز الضمير في هذه الآية وحذَفه فيما بعدها؟
فالجواب أن المُخْبرَ عنهم من المخلَّفين طلبوا منه ﷺ الاستغفارَ لهم لتخلّفهم عنه، وأفردوه بخطابهم، إذ ليس ذلك من مطلوبهم لغيره، فوردت العبارةُ عن ذلك بإفراد الخطاب، وأعْلَم اللَهُ نبيَّه ﷺ بنِفَاقهم وكَذِبهم في اعتذارهم بقوله: (يقولون بألْسِنَتهم ما ليس في قلوبهم) .
وأما الآية الثانية فليس قولهم: (ذَرُونا نتَبِعكم) ، خطاباً خاصا له ﷺ ، بل له وللمؤمنين، والسياقُ يفصح بذلك، وما أمر به عليه
السلام من مجاوبته في قوله لهم: (لن تتَّبعونا) ، فلم يُرِد هنا
إفراده ﵇ بخطابهم له كما ورد في الأول، وجاء كل على ما يناسبه.
فإن قلت: إن خطابهم له خاصّ كالأول، ولكن خاطبوه مخاطبة التعظيم
بقولهم: (ذَرُونا نَتَّبعكم) ؟
قلت: وعلى فرض هذا فمراعاةُ الألفاظ في النظم أكِيدة جدًّا، وبها إحرازه.
وعلى هذا لا يُلائم هنا الخطاب كيفما هو إلا بصورة ما للجميع.
والله أعلم بالمراد.
(سَكرَة الموت) :
أي غصصه ومشقّاته.
وقد قدمنا الحديثَ أنه أشد من سبعين ضربة بالسيف، ولما حضرته الوفاةُ جعل يدَه ﷺ في إناءَ ماءٍ ومسح بها وجهه وقال: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات، اللهم الرفيق الأعلى.
ولما بلغ روحه سرته قال: يا جبريل، ما أشدَّ مرارةَ الموت، فولَّى جبريل وجهه، فقال: يا جبريل، أكرِهْتَ النظَرَ إلى وجهي، فقال: يا حبيبَ الله، ومَنْ يقدر أن ينظر إليك وأنتَ تُعالج الموت!
هذا نبيك المعصوم قاسى منه ما سمعت، ووعك وعك رجلين كما صح،