جِذع النخلة، فسَّرَه ﵊ بذلك.
وقيل يعني عيسى، فإن السري
الرجل الكريم.
(سوِيًّا) : أي قويما.
(سلامٌ عليكَ) :
إنما سلم إبراهيم سلام موَادعة ومفارقة لا تحيّة، لأن ابتداء الكافر بالسلام لا يجوز، فإذا سلّم عليه الكافر يقول له: وعليكم، أو عليك السِّلام، بكسر السين، وهي الحجارة.
وفي الحديث: إنَّ عائشة قالت ليهودٍ سلموا: وعليكم السام واللَّعْنة.
فقال لها ﵊:
مَهْلاً يا عائشة، فإن اللَهَ رفيق يحبُّ الرفْقَ.
فقالت: أو لم تسمع ما قالوا، قالوا: السام عليكم.
فقال: قد قلت لهم وعليكم.
(سأسْتَغفِر لكَ رَبِّي) :
لما طلب آزَرُ من إبراهيم الاستغفار وعده أنْ يدعوَ له.
قال ابن عطية: معناه سأدعو اللهَ أنْ يهديك، فيغفر لكَ بإيمانك.
وذلك لأن الاستغفارَ للكافر لا يجوز.
وقيل: وعَدَه أن يستغفر له مع كفره، ولعله كان لم يعلم انَّ اللَهَ لا يغفر للكافر حتى أعلمه اللَّهُ بذلك.
ويقَوِّي هذا قوله: (واغْفرْ لأَبي إنه كان من الضالِّين) .
ومثل هذا قول النبي ﷺ لأبي طالب: " لأستغفِرَنَّ لك ما لم أنْهَ عنك ".
وروي أنه لما نزلت: (إن تستَغْفر لهم سبعين مرة فلن يغفرَ اللَّهُ لهم) ، - قال
ﷺ : " لأزيدنَّ على السبعين "، فلما فعل عبد اللَه بن أبي وأصحابه ما فعلوا، وقولهم: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) ، وتوليتهم عن استغفار رسول الله ﷺ لهم شدَّدَ اللَّهُ عليهم بقوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) .
وفي هذا نظر، لأن هذه السورة نزلت في غزوة بني الْمصْطلق قَبْل الآية ِ الأخرى بمدة.
وروي أنه إذا كان يوم القيامة يجعل اللَّهُ آزَر تحت قدم إبراهيم على صورة كبش ملطَّخ بالدم ويُؤْمَرُ إبراهيم بذبحه، لأنه لما حملت أمّه بإبراهيم اشتهى أن يكونَ غلاماً فيذبحه تحت رِجل النمرود رضاءً له
стр. 1227
فجازاه اللَّهُ بذلك، وحوَّله كبشاً، لأنه دعا ألَّا يخزيه في أبيه، كذلك أهل مصر تمنّى كلّ واحد منهم أن يكون يوسف عبداً له، فجعلهم الله عبيده.
وأنت يا عبد الله إذا كانت نِيَّتك ومرادك غَيْرَ عصيان الله يعاملك على نيتك
ومرادك فيجعل سيئاتك على الكفار، ويجعلهم فداءً لك عقوبةً لهم، وعلى إبليس الذي كان سبباً في إغوائك، ألا تراه سبحانه يقول لك: إذا قلت أذنبْتُ عَفَوْتُ وَصَفَحْتُ، وإذا قلت اللهم اغْفِرْ لِي يقول لك: قد غَفَرْتُ لكَ وأنا الغفور الرحيم.
(سنكتب ما يقول) :
من قوله: لئن بعثت كما يزعم محمد ليكوننّ لي هناك مال ووَلد، وإنما جعله مستقبلاً، لأنه إنما يظهر الجزاء والعقاب في المستقبل.
(سيكفرونَ بعبَادَتهم ويكونونَ عليهم ضِدًّا) :
الضمير للكفار، وفي عبادتهم للمعبودين، وهذا كقولهم: (ما كنتم إياه تعبدون) .
(سَيَجْعَل لهم الرحمن ودًّ أ) ، هو المحبة والقبول الذي يجعله
اللَه لمن أَطاعه.
وقد صحَّ في الحديث أن الله ينادي: يا أهل السماء، إني أحبّ
فلاناً فأحِبّوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض.
وقال بعضهم: يكتب جبريل له صحبةً فيضعها في الماء المشروب منه.
وقيل: إنها نزلت في علي بن أبي طالب.
والأول أظهر لعمومه، والعيان يشهد بذلك، وهذه أولُ
كرامة يكرِمُ الله بها أولياءه.
(سنعِيدها سيرتَها الأولى) :
يعني أن موسى لا أخذ العصا
عادت كما كانت أَولَ مرة، وإنما أمره بالإلقاء أوَّلاً ليستَأنِس بها، وانتصب
(سيرتها) على أنه ظرف أو مفعول بإسقاط حرف الجر.
(سلك لكمْ فيها سبلاً) .
أي أنهج لكم في الأرض طرقاً تمشون فيها.
وأما قوله تعالى آمراً للنحل: (فاسْلكي سبلَ رَبِّكِ ذلُلاً)
стр. 1228
فقد قدمنا أنَّ الله أمرها بالرجوع.
وقيل بالذهاب، قال أبو حيان: إنْ أريد بالطريق الحسيّ فهو مفعول به، وإن أريد المعنوي فهو ظرف.
(سَحيق) : بعيد.
(سَخرْنَاهَا لكم) :
أي كما أمرناكم بهذا كلِّه سخرناها لكم.
وقال الزمخشري: التقدير مثل التسخير الذي علمتم سخَّرْنَاها لَكم.
(سَبْعَ طرائق) :
سموات، واحدتها طريقة، وسمِّيت بذلك، لأنها بعضها فوق بعض، كمطارقة النعل.
وقيل: يعني الأفلاك، لأنها طرق الكواكب.
(سامِرًا) :
مشتق من السمر، وهو الجلوسُ بالليل للحديث، وكانت قريش تجتمع في الليل بالمسجد يتحدثون بسبِّ رسول اللَه ﷺ .
والمعنى أنهم سامرون بذكره وسبِّه.
و (سامِرًا) مفرداً بمعنى الجمع، وهو منصوب على الحال.
(سَراب) :
هو ما يرى في الفَلوات مِنْ ضوء الشمس في الهَجيرة حتى يظهر كأنه ماء يجري على وَجْه الأرض.
وشبَّه اللهُ به أعمال الكفار في الآخرة بأنها لا تنفعهم، بل يضمحل ثوابها كما يضمحل السراب.
والتمثيل الثاني في قوله: (أو كظلمات) ، يقتضي بطلانَ أعمالهم في الدنيا.
وأنها في غاية الفساد والضلال، كالظلمات التي بعضها فوق بعض.
(سنَا بَرْقِه) :
السنا - بالقصر الضوء، وبالمد المجد والشرف.
(سبَأ) :
قبيلة من العرب، سُمِّيت باسْمِ أبيها الذي تناسلت منه.
وقيل باسم أمها.
وقيل باسم موضعها، والأول أشهر، لأنه ورد في الحديث.
(سرْمَدا) :
دائماً، وفيه تعديد النعم على عبيده، بحيث جعل لهم اختلاف الملَوَان، هذا لراحتهم، وهذا لعنائهم وشغلهم، وخِلْفَةً لمَنْ أراد أن يذَّكرَ أو أرادَ شكوراً.
стр. 1229
(سلَقُوكُم بألسنةٍ حِدَاد) .
أي إذا نصركم اللهُ أيها المؤمنون، فزال الخوفُ رجع المنافقون إلى إذَايَتكم بالسبِّ وتنقَّص الشريعة، وإذا جاء الخوفُ نظروا إليكم ولإخوانكم من شدة خوفهم، (تدُورُ أعينُهم كالذي يغْشَى عليه من الموت) ، وهو عبارة عن المتكلم بكلام مستَكْرَه.
ومعنى (حداد) فصحاء قادرين على رفع الصوت، لأن السلق والصّلق رفع الصوت.
(سابغات) :
كاملات، والضمير يعودُ على الدَّروع التي كان يعملها داود من الحديد، لأنه كان تَحْتَ يده كالعجين يصنَعُ به ما يشاء، وهو
المراد بقوله: (وقَدِّرْ في السَّرْدِ) ، أي قدِّرْها بألاَّ تعمل الحلْقَة
صغيرة فتضعف ولا كبيرة فيصاب لابسها من خلالها.
وقيل: لا تجعل المِسْراد رقيقا ولا غليظاً.
والسرد: الخرز أيضاً.
ويقال للإشْفَى مِسْرد ومِسْرَاد.
(سيَهْدِين) :
هذا من قول إبراهيم بعد خروجه من النار، وأراد أنه ذاهب إلى الله، مهاجر إلى أرض الشام.
وقيل: إنه قال ذلك قبل أن يطْرَح في النار، وأراد أنه ذاهب إلى ربِّه بالموت، لأنه ظن أن النار تحرقه.
و (سيَهْدِين) على القول الأول يعني الهدي إلى صلاح الدين والدنيا.
وعلى القول الثاني إلى الجنة.
وقالت المتصوفة: معناه ذاهب إلى ربِّي بقلبي، أي مقبل
على الله بكليته، تاركٌ لما سواه.
(ساحة البيت) : فناؤه.
والعرب تستعمل هذه اللفظة فيما يرد على الإنسان من محذور.
(سواء) الطريق: الواضح والطريق اللائح.
(سَلَماً لِرَجل) : أي خالص.
وقرئ بألف، والمعنى واحد.
(سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ) .
سماهم بالمخلفين لأنهم تخلَّفوا عن غَزْوة الحُدَيبية، والمراد بالأعراب أهل البوادِي، كمزَينة وجهينة، ومَنْ كان حول المدينة، لأنهم ظنوا أنه لا يرجع ﷺ من
стр. 1230
غَزْوَته تلك، ففضحهم اللهُ في هذه الآية، وأعلم رسوله ﷺ بقولهم واغترارهم قبل رجوعهِ إليهم، فكان كما قال: (شَغَلَتْنَا أموالنا وأهلونا) الآية.
فإن قلت: لم أبرز الضمير في هذه الآية وحذَفه فيما بعدها؟
فالجواب أن المُخْبرَ عنهم من المخلَّفين طلبوا منه ﷺ الاستغفارَ لهم لتخلّفهم عنه، وأفردوه بخطابهم، إذ ليس ذلك من مطلوبهم لغيره، فوردت العبارةُ عن ذلك بإفراد الخطاب، وأعْلَم اللَهُ نبيَّه ﷺ بنِفَاقهم وكَذِبهم في اعتذارهم بقوله: (يقولون بألْسِنَتهم ما ليس في قلوبهم) .
وأما الآية الثانية فليس قولهم: (ذَرُونا نتَبِعكم) ، خطاباً خاصا له ﷺ ، بل له وللمؤمنين، والسياقُ يفصح بذلك، وما أمر به عليه
السلام من مجاوبته في قوله لهم: (لن تتَّبعونا) ، فلم يُرِد هنا
إفراده ﵇ بخطابهم له كما ورد في الأول، وجاء كل على ما يناسبه.
فإن قلت: إن خطابهم له خاصّ كالأول، ولكن خاطبوه مخاطبة التعظيم
بقولهم: (ذَرُونا نَتَّبعكم) ؟
قلت: وعلى فرض هذا فمراعاةُ الألفاظ في النظم أكِيدة جدًّا، وبها إحرازه.
وعلى هذا لا يُلائم هنا الخطاب كيفما هو إلا بصورة ما للجميع.
والله أعلم بالمراد.
(سَكرَة الموت) :
أي غصصه ومشقّاته.
وقد قدمنا الحديثَ أنه أشد من سبعين ضربة بالسيف، ولما حضرته الوفاةُ جعل يدَه ﷺ في إناءَ ماءٍ ومسح بها وجهه وقال: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات، اللهم الرفيق الأعلى.
ولما بلغ روحه سرته قال: يا جبريل، ما أشدَّ مرارةَ الموت، فولَّى جبريل وجهه، فقال: يا جبريل، أكرِهْتَ النظَرَ إلى وجهي، فقال: يا حبيبَ الله، ومَنْ يقدر أن ينظر إليك وأنتَ تُعالج الموت!
هذا نبيك المعصوم قاسى منه ما سمعت، ووعك وعك رجلين كما صح،
стр. 1231
فكيف بكَ أنها المغرور لا تبكي على نفسك، وتعالج هوَاك لعلّه يرحمك ويسمع أنينك!
(سائق وشَهيد) :
السائق: ملك يسوقه، والشهيدُ يشهَذ عليه.
وهو الأظهر.
وقيل صحائف الأعمال.
وقيل: جَوارح الإنسان، لقوله تعالى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .
(سال، وسأل) ،: بالهمز: طلب الشيء والاستفهام عنه.
وسال بغير همز من المعنيين المذكورين، ومن السيل.
ومنه سأل سائل.
فمن قرأه بالهمز احتمل معنيين:
أحدهما أن يكون بمعنى الدعاء، أي دعا داع بعذاب، وتكون الإشارة إلى قول الكفار: (أَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، وكان الذي قالها النَّضْرُ بن الحارث.
والآخر أن يكون بمعنى الاستخبار، أي سأل سائل عن عذابِ واقع، والباء على هذا بمعنى عن، وتكون الإشارةُ إلى قولهم: (متى هذا الوعْدُ إن كنْتُم صادقين) ، وشبه ذلك.
وأما مَنْ قرأ سال - بغير همز - فيحتمل وجهين:
الأول أن يكون مخفًفاً من المهموز، فيكون فيه المعنيان المذكوران.
والثاني أن يكون مِن سال السيل إذا جرى، ويؤيد ذلك قراءة ابن عباس سال سيل، وتكون الباء على هذا كقولك: ذهبت بزيد.
وإذا كان من السيل احتمل وجهين:
أحدهما أن يكون شبّهَ في شدَّته وسُرْعَة وقوعه بالسيل.
وثانيهما أن يَكون حقيقة.
قال زيد بن ثابت: في جهنم واد يقال له سايل.
فتلَخَّص من هذا أنه في القراءة بالهمز يحتمل وجهين، وفي القراءة بغير همز أربعة معان.
(سقْف مرفوع) :
يعني السماء.
(ساقِطاً يقولوا سَحَابٌ مركوم) :
كانوا قد طلبوا أن ينزَلَ عليهم كسْفاً من السماء، فأخبر اللهُ أنهم لو رأوه ساقطا عليهم لبلغ بهم الطغْيان
стр. 1232
والجهل والعناد أن يقولوا: ليس بكسف، وإنما هو سحاب مركوم، أي كثيف بعضه فوق بعض.
(سامِدُون) :
لاعبون ولاهون.
وقيل: غافلون.
والسامد: الساكت والحَزين الخاشع قَلْبه، فله على هذا خمسة معان.
(سائحات) :
من ساح في الأرض إذا ذهب فيها.
وقيل معناه صائمات، وقد روِي عن النبي ﷺ .
وقيل معناه مهاجرات.
والسائحون من الأصناف الثمانية المذكورة في سورة براءة، هم الذين اختاروا الحقَّ على كل شيء وثبتوا على ذلك، وتواصوا بالحق، وتواصَوْا بالصبر، وهؤلاء يقال لهم الأبدال وأرباب الكمال، وهم سبعة رجال قد تبدَّلتْ عوالمهم وتخلَّصَتْ من الشوائب البشرية جواهِرُهم، فأخذوا بالسياحة في البُلْدان لطلب لقاءِ الرجال، إذ هي كبيعة الخير، وفي الباطن لنيل المقامات والأحوال الواردة من عين الجود بالجلال والكمال والجمال.
وأما الساجدون فهم الذين أقعدت رسومهم، وفَنيت بالمجاهدة نفوسهم وجسومُهم، وهم أرباب الفناء المتجردون عن كل المناقد، تخلّصوا من رقِّ البشرية لتحقّقهم أنه اللطيف الخبير السَّميع البصير.
عاشوا عيشاً تاما كاملاً، فإنَ ترك التدبير للَه عيش، كما أن التدبير نصفُ
العيش، ويقال لهذا الوجه الأوتاد، وهم أربعة رجال، مقام كلّ واحد مقام ركن من الأركان: شرقاً، وغرباً، وجنوبا، وشمالاً، واحداً يتصرف عندهم
لتجريدك عن الكون وثبوتك بالحق.
ومنه قول الشيخ القطب ابن العريف: مَن شهد الخلق للفِعْل لهم فقد فاز، ومن شهدهم لا حياةَ لهم فقد جاز، ومن شهدهم عين العدم فقد وصل، والكلامُ هنا طويل، وعلى هذه الآية الكريمة ُ بُنِي التصوف، وسبيل التعرف، وقد صنَّف فيها من ذاق أهلها وعرفهم تأليفاً عجيباً ورتّبهم ترتيبًا غريباً لا ينبغي لنا أنْ نحومَ حولَ حمَاه، ولا نتعرض لما قد تعاطاه، لأنا لسنا منهم فنستغفر اللَهَ من الكلام معهم، وكان الأولى بنا اشتغالنا عن هذا
بالانتباه مِنْ رَقْدةِ الغَفْلة، وتخليصنا من وَرْطة الفترة، وإيقاظنا من السّكرَة،
стр. 1233
لكن نسأله سبحانه أن يهَبَ لنا نُور التنبيه من ظلمة هذه النفس، فيظهر لنا
بمجيئها وقبيح ذَنْبها، فنقلع في الحال، ونعزم على ألاَّ نعود في الاستقبال.
ونبحث على ما خفي من دسائس النفس، ونستعد للمنازلة في الرَّمْس، ونشمِّر للمعاملة في المحبة، ونطلب ممن نظر في هذا الكتاب بالدعاء إلى العبادة ظاهراً وباطناً فإنما نحن به وله.
(سنَسِمه على الخرْطوم) :
أصل الخرطومٍ أتف السبع، ثم استعير للإنسان استخفافاً به وتقبيحاً له، والمعنى نجعل له سِمَة، وهي العلامة على خرطؤمه.
واختلف في هذه السِّمَة، فقيل: هي الضربة بالسيف يوم بَدْر.
وقيل علامة من نار تجعل على أنْفه في جهنم.
وقيل علامة تُجعل على أنفه يوم القيامة لِيعرف بها، كما يجعلون أهل الدنيا لمواشيهم علامة يعرفونها بها.
(سَلْهم أَيّهم بذلكَ زَعِيم) :
قد قدمنا أنَّ الزعيم الضامن.
ومعناها: سَلْ يا محمد قريشاً أنهم زَعِيمٌ بذلك الأمر.
(يَسْأمُ) : يسأم، أي يمل، ومنه: (وهم لا يسْأمون) ف.
(سبب) :
له خمسة معان: أحدها الحَبْل، وقد تقدم.
والاستعارة من الحبل في المودة والقرابة، ومنه: (وتقطَّعَتْ بهم الأسباب) .
والطريق، ومنه: (فأتْبَع سَبَباً) .
وسبب الأمر: موجبه.
(ساق) :
ما بين القدم إلى الركبة، وأما قوله: (يوم يُكْشَفُ عن ساق) .
فقد قدمنا أن ذلك عبارة عن هَوْل يوم القيامة وشدَّته.
وفي الحديث الصحيح أنه قال: " ينادِي منادٍ يوم القيامة لتتبع كلّ أمة ما كانت تعبد، فيتيع الشمسَ مَن كان يعبد الشمس، ويتبع القمر مَن كان يعبد القمر، ويتبع كلّ أحد ما كان يعبد، ثم تبقى هذه الأمة وغبَّراتٌ من أهل الكتاب معهم منَافِقوهم، فيقال لهم: ما شأنكم، فيقولون: ننتظر ربنا.
قال: فيجيئهم اللَّهُ في غير الصورة التي عرفوه، فيقول: أنا ربُّكم.
فيقولون: نعوذ باللهِ منك.
قال: فيقول: أتعرفونه بعلامة ترونها، فيقولون: نعم، فيكشف لهم عن ساق،
стр. 1234
فيقولون: نعم، أنْتَ ربُّنا، ويخرون للسجود، فيسجد كل مؤمن، وترْفع
أَصلاب المنافقين عَظْماً واحداً فلا يستطيعون سجوداً.
وتأويل الحديث كتأويل الآية.
(سَبحاً طويلاً) :
السَّبْح هنا عبارة عن التصرف في الأشغال.
والمعنى يكفيك النهار في التصرّف في أشغالك، وتفرَّغْ في الليل لعبادة ربك.
وقيل المعنى: إنْ فاتك شيءٌ من صلاة الليل فاخلفه بالنهار، فإنه طويل يسَع فيه ذلك، وقرئت سبخاً، أي بالخاء المعجمة، أي سعة، يقال سبِّخي قطنك، أي وَسِّعيه، والتسبيخ أيضاً التخفيف، يقال: اللهم سبَخْ عنه الحُمَّى: أي خفّفها عنه.
(سأرهِقه) :
أي سأكلفه المشقَّةَ من العذاب في صَعود، وهي العقَبة الصعبة.
(سلَككم في سَقَر) :
ذكر الجواليقي أنها عجمية، ويحتمل أن يكون خطاب المسلمين لأهل النار أو الملائكة، فأجابوهم بقولهم: (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) .
وإنما خصّ التكذيب بيوم الدين تعظيما له، لأنه أكبر جرائمهم.
(سَلْسَبِيلاً) :
اسم أعجمي، ومعناه سلساً منقادًا بجَرْيهِ.
وقيل سهل الانحدار في الحَلق، يقال شراب سلسل وسلسال وسَلْسَبِيل بمعنى
واحد، وزِيدت الباء في التركيب للمبالغة في سلامته، فصارت الكلمة خماسية.
وقيل سل فعل أَمر وسبيلا مفعول به، وهذا في غاية الضعف.
فإن قلت: قد قال في الآية الأولى قبلها: (كان مِزَاجها كافورا) ، فهل يمزجان مع الخمر أم لا؟
والجواب أنه كالكافور في طِيب رائحته، وهو علم لذلك الماء.
واسم الثاني زنْجَبِيل، وقيل اسمها سلسبيل.
وقال بعضهم: سل من الله سلسبيلاً، فيجوز أن
стр. 1235
يكونَ اسمها هذه الجملة! كقولهم: تَأبّط شرًّا، وبرقَ نَحْرُة.
ويجوز أن يكون معنى (تسمَّى) تُذْكَر، تم قال الله: سَلْ سبيلاً، واتصاله في المصحف لا يمنَعُ هذا التأويل لكثرة أمثاله فيه.
(ساهرة) :
قد قدمنا أنها وجه الأرض، وأصلها مسهورة ومسهور فيها، فصُرف من مفعوله إلى فاعله.
كما يقال عيشة راضية أي مرضيّة، ويقال الساهرة أَرض القيامة.
(سَفَرة) :
هم بالنبطية القراء، وبالعربية الملائكة الذين يسفرون بين الله وبين عباده، واحدهم سافر، وهم الملائكة، وقيل الذين يكتبون القرآن في الصحف، وقيل يعني القرَّاء من الناس.
وفي الحديث: "الماهر في القرآن مع السفرة الكرام البررة".
أي أنه يعمل مثْلَ عملهم في كتابة القرآن وتلاوته، أوْ لَهُ من الأجر على القرآن مثل أجورهم.
وقد قدمنا أنه نزل جملة إلى بيت العِزّة في سماء الدنيا، وأن الملائكة
يتدارسونه بينهم لتعظيم شأن هذه الأمة عند الملائكة وتعريفهم عنايةَ الله بهم
ورحمته لهم، ولهذا المعنى أمر سبعين ألفاً من الملائكة بتشييع سورة الأنعام.
(سرائر) :
جمع سريرة، وهي ما أسَّر العبْدُ في قلبه من العقائد والنيات، وما أخفى من الأعمال، وبلاؤها هو تعرفها والاطلاع عليها.
ورُوي عن النبي ﷺ أنَّ السرائر الإيمان والصلاة والزكاة والغسل من الجنابة، وهذه معظَمها، فلذلك خصَّها بالذكر، والعامل في (يوم) قوله: (رَجْعِهِ) ، أي يرْجعه يوم تبْلى السرائر.
واعترض بالفصل بينهما.
وأجيب بقوة المصدر في العمل.
وقيل العامل، قادر، واعترض بتخصيص القدرة بذلك اليوم، وهذا لا يلزم، لأن القدرة وإن كانت مطلقة فقد أخبر الله أَن البعْثَ إنما يقَع في ذلك اليوم.
وقال من أحرز من الاعتراضين في القولين المتقدمين: الفاعل فعل مضمر من المعنى تقديره: يرجعه يوم تبْلى السرائر، وهذا
стр. 1236
كلّه على المعنى صحيح في رَفْعه.
وأما على القول الآخر فالعامل في يوم مضمر
تقديره: اذكر.
(السماء ذات الرَّجْع) :
أي المطر، وسمّاه رَجْعاً بالمصدر، لأنه يرجع كل عام، أو لأنه يرجع إلى الأرض.
وقيل: الرَّجْع السحاب الذي فيه المَطَر.
وقيل: هو مصدر رجوع الشمس والقمر والكواكب من منزلةٍ إلى
منزلة.
(سَعْيَكمْ لَشَتَّى) :
جمع شتيت، ومعناه مختلف، فمنه حسنات ومنه سيئات، وهذا جواب القسم في قوله: (والليل) .
(سجى) :
فيه أربعة أقوال: أدبر، وأقبل، وأظلم، وسكن، أي استقر، واستوى أو سكن فيه الناس والأصواتُ، ومنه: ليلة ساجية، إذا كانت ساكنة الريح، وطَرْفٌ ساج، أي ساكن غير مضطرب النظر.
وهذا أقرب في الاشتقاق، وهو اختيار ابن عطية.
(سبحان) : تنزيه.
وسبَّحت الله، أي نزَّهته عما لا يليق به من الصاحبة والولد والشركاء والأضداد.
(سُحْت) :
يعمُّ كلَّ حرام من رشوة ورِباً وغير ذلك.
(سُلَّما) ، بضم السين وفتح اللام مشددة: هو الذي يصْعَد
فيه، ولما كان ﷺ شديدَ الحِرْصَ على إيمانهم قال الله له: إن استطعت أن تدخل في الأرض أو تصعد إلى السماء لتأتيَهم بآية يؤمنون بها فافعل، وأنْتَ لا تقدر على ذلك، فاستَسْلم لأَمر الله.
(سُقِطَ في أيديهم) .
أي نَدِموا، يقال: سُقِط في يد فلان إذا عجز عما يريد، ووقع فيما يكره.
وضمير الغيبة يعود على الذين عبدوا العجل.
ويحتمل أن يريد الذين لم يغيروا على مَنْ عبده.
стр. 1237
(سوء الحساب) :
مناقشته والاستقصاء في السؤال، وهو عبارة عن مؤَاخذة العَبْد بخطاياه كلّها.
(سُوء الدار) :
يحتمل أن يريد بها في الدنيا والآخرة، وهو تَهكم بهم، لأن ذلك عليهم لا لهم، وكذلك قوله: (وبئس المهاد) ، تهكّم، لأن المِهاد هو ما يُفْرش ويُوطَأ.
(سُكِّرَت أبصارُنا) :
قد قدمنا أن الضمير لكفّار قريش المعاندين المختوم عليهم بالكفر، والمعنى أنهم لو رأوا أعظم آيةٍ لقالوا إنها تخيّل أو سِحر.
وقرئَ بالتشديد والتخفيف، ويحتمل أن يكون مشتقَّا من السكر.
ويكون معناه خدعت أبصارنا، فرأينا الأمر على غير حقيقته، أو من السكر
وهو السدّ فيكون معناه منعت أبصارُنا من النظر.
(سرَادِقها) :
قال الجواليقي: هو معرب، وأصله سرادار.
وهو الدهليز.
وقال غيره: الصواب أنه بالفارسية سرادره، أي ستر الدار.
وسرادق جهنم: حائط من نار، وقيل دخان.
(سنْدس وإِستبرق) :
قال الجواليقي، رقيق الديباج بالفارسية.
وقال الليث: لم يختلف أهل اللغة والمفَسِّرون في أنه معرب.
وقال شيذلة: هو بالهندية.
(سؤْلكَ) ، أي بغيتك.
(سلالة من طين) :
أي ما يَسيل من الشيء ويُستخرج منه، ولذلك قوله بعد هذا: (ثم جعلناه نطْفةً) - لا بد أن يرَاد به ابن آدم، فيكون الضمير على مَنْ ذكر أوّلاً، لكن يفسره سياق الكلام، وإن أراد بالإنسان ابن آدم فيستقيم عَوْد الضمير عليه، ويكون معنى خَلَقَه من سلالَةٍ من طين أنه خلق أصْلَه وهو أبوه آدم.
ويحتمل عندي أن يريد بالجنس الذي يعمّ آدم وذريته، فأجملَ ذِكْرَ الإنسانِ أوّلاً ثم فصَّله بعد ذلك إلى الخلقة المختصة بآدم، وهي من طين، وإلى الخلقة المختصة بذريته وهي النطفة.
стр. 1238
فإن قلت: ما الفرق بين مِنْ ومِنْ؟
فالجواب ما قاله الزمخشري: إن الأولى للابتداء، والثانية للبيان، كقوله: من
الأوثان.
(سوق) :
جمع ساق، أي قايم الزرعُ على سوقه، ومنه: (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ) ، أي التفّت ساقه إلى ساقه الأخرى عند المساق.
وقيل ماتت ساقه فلا تحمله.
(سُعُر) :
جمع سعير في قول أبي عبيدة، ومعناه الجنون، يقال ناقة مسعورة إذا كان بها جنون.
(سور) : المحيط به.
وبالهمز: البقية من الشيء، ومنه قول أم سلمة ﵂: أسئروا لأمكم من هذا الشراب، وقوله: (فضرِب بينهم بسور له بابٌ) ، فمعناه أنه يضْرب بين المؤمنين والمنافقين بسور يفصِل بينهم، وفي هذا السور بابٌ لأهل الجنة يدخلون منه، وقيل: إن هذا السور هو الأعراف، وهو سورٌ بين أهل الجنة والنار.
وقيل: هو الجِدار الشرقي من بيت المقدس، وهذا بعيد.
(سُحْقاً) :
انتصب بفعل مضمر على معنى الدعاء على أصحاب السعير.
ومعناه البعد، ومنه: (مكان سَحِيق) .
(سواع) :
اسم صنم كان يُعبَد في زمان نوح ﵇، وكذلك يَعوق ويَغوث وودّ.
ورُوي أنها أسماء رجال صالحين كانوا في صَدْر الدنيا، فلما ماتوا صَوَّرهم أهل ذلك العصر من حجَارة، وقالوا: ننظر إليها لنتذَكر أعمالهم، فهلك ذلك الجيل، وكَثُر تعظيم مَن بعدهم لتلك الصور حتى عبَدوها مِن دون الله، ثم انتقلت تلك الأصنام بأعيانها.
وقيل: بل الأسماءُ فقط إلى قبائل من العرب، فكان ودّ لكَلْب بِدوْمة الجندل، وكان سوَاع لهذيل، وكان يغوث لمراد، وكان يعوق لهَمْدَان، وكان نَسر لذي الكلاع من حِمْير.
стр. 1239
سُدًى) :
مهملاً، عَبثاً، وهذا توبيخ، ومعناه أيظنّ الإنسان أن يَبقَى بغير حساب ولا جزاء، فهو كقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا) .
والإنسان هنا جنس.
وقيل نزلت في أبي جهل، ولا يبعد أن يكون سببها خاصًّا ومعناها عام.
(سُبَاتاً) : راحة.
وقيل معناه قطعاً للأعمال والتصرّف.
والسبَت القطع.
وقيل معناه موت، لأن النومَ هو الموت الأصغر، ولذلك لا ينام أهل الجنة، والسبات: ما يغيّب العقل والحواسّ حتى يظن الناظر أنه ميت وما هو بميت، وقد دفن بعضهم بهذا الداء لظنّهم موته تم قام من قبره، ورجع لداره بسبب حفرِ نَبّاش عليه لأخْذِه أكفانه، ولذلك يؤخر الميت عن دفنه لئلا يكون من هذا القبيل.
(سُجِّرَت) :
أصله من سجرت التنورَ إذا أحميته، والبحار إذا ملأتها، والمعنى أن البحار تفجر بعضها إلى بعض حتى تعودَ بَحراً واحداً.
وقيل إنها تملأ نارًا لتعذيب أهلها.
وقيل تفرغ ماؤها فتيبس.
والقول الأول والثاني أليق بالأصل.
وقد قدمنا أنَّ البحارَ سبعة لقوله: (والبحر يَمدّه من بعده سبعة أَبحر) :
بحر طبرستان، وبحر كرمان، وبحر عمان، وبحر القلزم، وبحر هندوستان، وبحر الروم، وبحر المغرب.
(سعَرَت) :
أوقدت وأحميت، يزَاد في حرها يوم القيامة على مَا هي عليه الآن، وهذه النار طيبت في الثلج سبعين سنة، ولولا ذلك لم ينتفع بها، فقِسْ حَرّها على ما يزاد فيها يوم القيامة، وإذا تأملت قوله: (ترمي بِشَرَر كالقَصر) ، تَفْهم منه أنها تأكل بعضها بعضاً من شدة غيظها، كما قال تعالى: (تَكَاد تَمَيَّز من الغَيْظ) : فأيُّ جسم يَقْوَى على هذه الأحوال لولا أن الله قَوَّاها، اللهم كن لنا حافظاً منها، فإنه لا طاقَة لنا عليها.
стр. 1240
(سُطِحَتْ) .
أي بُسطت، والمرادُ بذكر هذه الأشياء الاستدلال بقُدْرة الخالق على هذه المخلوقات.
وقد قدمنا أن من العجائب ما قاله بعضُ المفسرين: إن من الأقاليم الستة عندهم ستة أشهر منها نهار وستة ليل خالص، وهذا مذكور في علم الهيئة، فانظره في حرف الميم.
وقال قتادة: الدنيا أربعة عشر ألف فرسخ للسودان، وثمانية آلاف فرسخ للروم، وثلاثة آلاف فرسخ لفارس، وألف فرسخ للعرب، وألف فرسخ لأهل الترك والصين.
وقال بعضهم: الدنيا مسيرة خمسمائة عام، ثلاثمائة قفار، ومائة بِحَار، وثمانون لـ يأجوج ومأجوج، وثمانية عشر للسودان، وعامين للبيض.
وفي الخبر أن عبد الله بن سلام أتى رسولَ الله ﷺ فقال: يا محمد: مِنْ أي شيء خَلَق اللَهُ الأرض؟ قال: مِنْ زَبَد.
قال: فمن أي شيء خلق الزبد؟
قال: من الْمَوْج.
قال: فمن أي شيء خلق الموج؟
قال: خلق من البحر.
قال: فمن أيِّ شيء خلق البحر؟
قال: من الظلمة.
قال: يا محمد، فقرار الأرض من أي شيء؟
قال: بالجبال.
قال: وقرار الجبال بأى شيء؟
قال: بجبل قاف.
قال: وجبل قاف من أي شيء؟
قال: من زمردة خضراء وخضرة السماوات منه.
قال: صدقت، فكم مسيرة علوه؟
قال: خمسمائة سنة.
قال: صدقت فكم مسيره حواليه؟
قال: مسيرة ألف سنة.
قال: صدقت.
فهل وراء جَبل قاف شيء؟
قال: وراءه سبعون أرضاً من المسك.
قال: فما وراءها؟
قال: سبعون أرضا من الذهب.
قال: وما وراءها؟
قال سبعون أرضاً من الحديد.
قال: فهل وراء هذه الأرضين شيء؟
قال ﵇: ومِنْ وراء هذه الأرضين سبعون ألف عالم، في
كل عالم ملائكةٌ لا يَعْلَم عددَهم إلا الله، وهذه الملائكة لا يعلمهم آدم وبنوه
ولا إبليس، وتسبيحهم سبْعُ كلمات: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
قال: صدقت، هل وراء هؤلاء شيء؟
قال: نعم، حية أدارت ذَنبها على هذه العوالم.
قال: صدقت.
ثم قال: أخبرني عن سكان الأرضين.
قال ﵇: في الأرض السابعة
стр. 1241
ملائكة، وفي السادسة إبليس وأعوانُه، وفي الخامسة الشياطين، وفي الرابعة
الحيات، وفي الثالثة العقارب، وفي الثانية الجنّ، وفي الأولى الإنس قال: صدقت.
فهذه الأرضون على أي شيء؟
قال: على الثور.
قال: وكيف صفة الثور؟
قال: له أربعة آلاف رأس ما بين الرأسين مسيرة خمسمائة عام.
قال: صدقتَ.
أخبرني عن الصخرة على أي شيء هي؟
قال: على ظهر الحوت.
قال: والحوت على أي شيء؟
قال: على بحر، والبحر قَعْره مسيرة ألف سنة.
قال: صدقت.
أخبرني عن ماء البحر على أي شيء؟
قال: على الريح.
قال: والريح على أي شيء؟
قال: على الظلمة.
قال: والظلمة على أي شيء؟
قال: على نار جهنم.
قال: صدقت، ونار جهنم على أي شيء؟
قال: على الثرى.
قال: صدقت.
قال: فهل تحت الثرى شيء، قال ﵇: سؤالك هذا خطأ لا يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
فانظر تصديقَ عبد الله حَبْر بني إسرائيل والمسلمين لسيدنا ومولانا محمد ﷺ لوجود ذلك كله في التورأة التي جعل الله فيها تبيان كل شيء وتفصيله.
فإن قلت: أيّ فائدة في التحريض إلى ذكر الإبل وابتدائه بها في الآية، وهي
أدنى من خَلْقِه السماوات والأرض، ومن المعلوم الاستدلال بأعظم المخلوقات
أقوى؟
فالجواب لاعتناء العرب بها، إذ كانت معايشهم في الغالب منها في شُرْب
ألبانها، وهي أكْثَر المواشي في بلادهم، وأيضاً لما في خَلْقها من الاعتبار، لأنها
في خلقتها دالّة على وحدانية خالقها، شاهدةٌ بتدبير منشئها وحكمته، حيث
خلقها للنهوض بالأثقال، وجعلها تَبْرك حيث تحمل عن قرب ويسر ثم تنهض بما حملت، وسخَّرها منقادةً لكل مَنْ يقودها بأزمتها، حتى حُكي أن فأرة قادت ناقةً لا تمَاري ضعيفاً، ولا تمانع صغيراً، وبَرَاها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار.
وعن بعض الحكماء أنه لما حدَّث عن البعير وبديع خلقه، وقد نشأ ببلاد
стр. 1242
الإبل فيها، ففكر ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق وصلة إلى العقدة التي جعل الله في صَدْرِها جامعةً للأعصاب، ومثلها في أعالي ظهورها، كلَّ ذلك زيادة في قواها، وحين أراد بها أن تكونَ سفائن البر صبرها على احتمال العطش حتى أن إضمارها ليرتفع إلى العشر فصاعداً، وجعلها ترعى كل شيء نابتٍ في البراري والمفاوِز مما لا يَرْعاه سائر الحيوان، فهي يسيرة المؤونة، ولذلك قال ﷺ : "الإبل عزّ لأهلها، والغَنم بركة، والخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة".
وكان لشريح القاضي يقول لأصحابه: اخرجوا بنا إلى الكنَاسة حتى نَنْطر
إلى الإبل كيف خلقت.
قال القرافي في فروقه:
اعلم أنَّ النواهي تعتمد الفاسد، كما أنَّ الأوامر تعتمد المصالح، فما حرَّم الله تعالى شيئاً إلا لمفسدة، وما أمر بشيء إلا لمصلحة تحصل مِنْ تناوله.
وقد أجْرى الله تعالى أن الأغذية تنقل الأخلاق لخلق الحيوان المغذى به حتى
يقال: إن العرب لما أكثرَتْ من لحوم الإبل حصل عندها فَرْط الإيثار بأقواتها، لأن ذلك شأن الإبل، فيجوع الجميع من الإبل الأيامَ الكثيرة، ثم يوضع لها ما تأكله مجتمعةً فيضع كل منها فَمَه فيتناول منها حاجَته من غير مدَافعة عن ذلك الحبّ، ولا يطرد مَنْ يأكل معه، ولا تزال الإبل تأكل علفها كذلك بالرفق حتى يفنى جميعاً من غير مدافعة بعضها بعضاً، بل معْرِضة عن ذلك، وعن مقدار ما أكله غيرها ممن يجاوِرها.
وغيرها من الحيوانات تَقْتَتل عند الأغذية على حَوْز الغذاء، وتمنع من يأكلها
معها أن يتناول شيئاً، وذلك مشاهدٌ في السباع والكلاب والأغنام وغيرها.
فانتقل ذلك لخلق الأعراب، فحصل عندهم من الإيثار للضيف ما لم يحصل
عند غيرهم من الأمم، كما أنه حصل عندهم أيضاً الْحِقْد، لأن الجملَ يأخذ
ثأرَه ممن آذاه بعد مدة طويلة، ولا يزول ذلك مِن خاطره حتى يقال: إن أربعاً أكلت أربعاً، فأورثهم أربعاً، أكلت العرب الإبل فأفادتها الكرم والحقد.
стр. 1243
وأكلت السودان القِردة فأفادتها الرقص.
وأكلت الفرنج الخنزير فأفادتها عدم الغيرة.
وأكلت الترك الخيل فأفادتها القساوة.
فإذا تقرر هذا فهذه السباع في غايةِ الظلم وقلَّة الرحمة تأكل الحيوانات من غير اكتراث واهتمام بها، بل تفسد تبيعها وتقطع لحومها، ولا تبالي بما تجده من الألم في تمزيق أعضائها، وتثب على ذلك وثوباً شديداً من غير توقّف لذلك في حاجة ولغير حاجة، وذلك لفَرْط ظلمها، وقلة الرحمة، تأكل الحيوانات من غير اكْتِراث، وذلك متوفّر في سباع الوحش أكثر منه في سباع الطير، فأين الأسد من العُقَاب والصقر، وأين النمر والفَهْد والسبع وغيرها من الحيوانات مِن الحدأ والغربان ونحوها، فلما عظمَت المفسدة والظلم في سِبَاع الوحش حرمت لئلا يتناولها بنو آدم فتصير أخلاقهم كذلك، ولا قَصرت مفسدة سباع الطير عن ذلك فمِن الفقهاء مَنْ نهض عنده ذلك للتحريم دَفْعاً لمفسدة سوءَ الأخلاق.
وإن قلَّت: ومنهم من لم ينهض عنده ذلك للتحريم لخفّة أمره، فاقتصر به على الكراهة.
(سرًّا)
له معان: ضد العلانية.
ومنه (الذين ينْفِقون أموالَهمْ بالليل والنهار سِرًّا وعَلاَنية) .
قال: قال أبو هريرة: نزلت في عليٍّ بن أبي طالب، لأنه تصدّق بِدرْهم في الليل وبدرهم بالنهار وبدرهم سراً وبدرهم علانية.
والنكاح، ومنه: (لا تواعِدوهنَّ سِرًّا) ، أي لا تواعدوهنَّ في العدة خيفةَ أن تتزوَّجوهن بعد العدة، وسر كل شيء خياره.
(سِنَة) .
هي ابتداء النوم، لا تفسد، كقول القائل: في عينه
سنَةٌ وليس بنائم.
فالسنَة في الرأس والنوم في القلب.
(سِنِين) :
جمع سَنَة، وهي عبارة عما أخذ الله بني إسرائيل
من القَحْط والجدب لعلهم يرجعون، فلم يزدهم ذلك إلا طغياناً.
(سيروا، وسيحوا) ، بمعنى واحد، وأمر اللهُ قريشاً بالسير في الأرض للاعتبار بمخلوقات الله، والنظرِ فيمَنْ تقدَّم من
стр. 1244
الهالكين، وقد كانوا أشد منكم قوةً وأكثر جمعاً، وأخذ بعضُ الصوفية من هذا أنَّ مَنْ سافر للاعتبار في مخلوقاته ورؤية نباتِ الأرض وسَهْلها وجبالها وأنهارها فهو أَفضل من الإقامة، وكيف لا وقد قطع علائقَه بمعرفة عيوب نفسه بغربة ابتعاده، ألا ترى رفق الله بالمسافر، فرخص له القَصْر والجمع، والفِطْر في رمضان، ومزيد مدة مسح الخف، والتنفل راكباً، وترك الجمعة، وعدم قضاء المسافة لمضرات زوجة أخذه بالقرعة، واستجابة دعوته، وصحّ أنه ضيفُ الله ما لم يعصه، إلى غير ذلك من فوائد ذكرها أبو حامد في إحيائه.
فإن قلت: قد قال في الأنعام: (ثم انظروا) ، وعطف في غيرها بالفاء فما الفرق بينهما؟
فالجواب أنه لما كانت (ثم) للتراخي، فأمروا باستقراء الديار وتأمّل
الآثار، وفيها كثرة، فيقع ذلك سَيْرٌ بعد سيرٍ وزَمَان بعد زمان.
وقد قدمنا في حرف الفاء أن معنى (ثم انظروا) إباحة السّير للتجارة
وغيرها، فنبّه بـ (ثم) لتباعد ما بين الواجب والمباح.
وأما تحديد السياحة في الأرض بأربعة أشهر فهو الأجل الذي جعل الله
لأمنِهم.
واختلف في وقتها، فقيل هي شوّال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.
لأن السورةَ نزلت حينئذ، وذلك عام تسْعَة.
وقيل: هي عيد الأضحى إلى تمام العشر من ربيع الآخر، لأنهم إنما علموا بذلك حينئذ، وذلكَ أن رسول الله ﷺ بعث تلك السنة أبا بكر الصديق فحجَّ بالناس، ثم بعث بعده عليٌّ بن أبي طالب فقرأ بعده سورة براءة يوم عرفة.
وقيل يوم النحر.
(سيءَ بهم) :
أي أصابه سوء وضَجَر لما ظن أنهم من بني آدم وخاف عليهم من قومه.
(سِجِّيل) :
بالفارسية أوله حجارة وآخره طين، قاله مجاهد، يعني أنها كانت مثل الآجر المطبوخ.
وقيل: هو من سجله إذا أرسله.
стр. 1245
(سقَاية) :
قد قدمنا أنه الصاع الذي كان يشرب به يوسف.
وأما قوله تعالى: (أجعلتم سِقَايةَ الحاجِ وعِمَارة المسجد الحرام)
فسببها أنَّ قوماً من قريش افتخروا بسقاية الحاج وبعمارة المسجد الحرام.
فَبيَّن الله أن الجهاد أفضلُ من ذلك.
ونزلت الآية في عليٍّ والعباس بن عبد المطلب، وطلحة بن شيبة - افتخروا، فقال طلحة: أنا صاحب البيت، وعندي مَفَاتحه.
وقال العباس: أنا صاحبُ السقاية.
وقال علي: لقد أسْلمتُ قبل الناس وهاجرْتُ مع رسول الله ﷺ .
(سجلّ) ، بلغة الحبشة: الرجل عند ابن عباس.
وعند ابن جني الكتاب، قال قوم: هو فارسي معرب.
وأخرج ابنُ أبي حاتم، عن أبي جعفر الباقر، قال: السجل ملك، وكان هاروت وماروتُ من أعوانه.
وأخرج عن ابن عمر، قال السجل ملك.
وأخرج عن السدِّى، قال: ملك موكّل بالصحف.
ومعنى: (يوم تطْوِي السماء كطيِّ السجلِّ للكتب) أن اللهَ يْطوِي السماءَ كما يُطْوَى السجلُّ ليكتب فيه، أو لتصانَ الكتب التي فيه.
وقد ضعَّف بعضهم كونه ملك، ولا أدري ما وَجْه تَضعيفه.
وفيه ضعف.
(سَنَا) :
أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: (سَنَا) بالنبطية الحَسَن.
وقيل بالحبشية.
وفي الحديث سَنَهْ سَنَهْ، أي حسنة بالحبشية.
(سُخْريًّا) ، بضم السين من السخرة بمعنى التحول، وبالكسر من السخر بمعنى الاستهزاء، وقد يقال هزءاً بالضم، وقرئ هنا بالوجهين لاحتمال المعنيين، على أن معنى الاستهزاء هنا أليق، لقوله: (وكنتم منهم تضحكون) ، وفي الزخرف استخدام بعضهم بعضاً أَليق، لقوله: (ورحمة رَبِّكَ خير مما يجمعون) .
стр. 1246
(سِدْرٍ مَخْضود) :
قد قدمنا في حرف الميم أنه النبق الذي قطع شوكه.
(سجِّين) :
اسم علم منقول من صفة على وزن فعّيل للمبالغة.
وقد قيل عظم الله أمره بقوله: (وما أدْرَاك ما سجِّين) ، ثم فسره بقوله بأنه
كتاب مرقوم، أي مسطور بيِّن الكتابة، وهو كتابٌ جامع يكتب فيه أعمالُ
الشياطين والكفار والفجَّار، وهو مشتق من السجن بمعنى الحبس، لأنه سبب
الْحَبْس والتضييق في جهنم، أو لأنه مطروح في مكان والعذاب كالسجن، فقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال في الأرض السفلى.
وروي أنه في بئر هنالك.
وحكى كعب عن التوراة أنه في شجرة سوداء هنالك.
وحكى البِكالي بسند صحيح عن رجل كان بمكة انتهت حاله في العبادة إلى مقام عظيم، ويقصده أصحاب الأموال التي تركها التجار بمكة، ويسافرون، فاتفق أنَّ رجلاً ذا مال جليل أراد السفَر من مكة إلى أرض بعيدة فدلَّ على ذلك الرجل في أن يترك عنده وَدِيعة، ففعل، وسافر، وقدم على الرجل لما حضرته الوفاة فأوصى بكل ما كان عنده لأربابه من الودائع، فتوفي، فأخذ الناس ودائِعَهم سوى ذلك الرجل فإنه لم يوجد له ذِكر، فحار دليل الرجل، فدلَّ على رجل كبير القدر أنْ يخبره بقصته، قال: وكل من أخبره عن المتوفي بشيء كان خيراً، قال: فلما انتهيت إلى الثاني وأخبرته قال لي: يا بني، ما عندي ما أدلك عليه إلا أنك تأتي ليلةَ الجمعة لبئر زمزم آخر الليل وتنَادي فيه: يا فلان بن فلان، فإنْ أجابكَ سَلْه عن مالك فإنه يخبرك كيف اتفق فيه، فإن لم يجِبْك فافعل ذلك سبع ليال من ليالي الجمعة، فإن أجابك فحَسَن، وإلا فأخبرني.
ففعلت، ولم يجبني أحد، فأخبرت الرجلَ بذلك، فقال: يا بني، ما أرى
الرجل إلا من أهل النار، فتسافر إلى أرض حضرموت، وتأتي إلى بئر هنالك
يقال له بئر برهُوت، فتنادي فيه باسم الرجل ليلةَ الأربعاء، فإنه يجيبك ضرورةً فاسأله يخبرك.
стр. 1247
قال: فسرتُ إلى الوضع فناديتُ أول ليلة باسم الرجل، فأجابني، فسألته عن مالي، فأخبرني أنه نسي أنْ يُوصِيَ بمكانه حيث دفنه، قال: ولما أخبرني بمكانه من محلّ سكناه قال لي: بالله عليك إلا ما بلغت رسالة لأختي ببلد كذا من مكان كذا، واسم زَوْجها وابنتها، وأمارات، وقل لها: تجعلني في حِل من كوني فارقْتها من غير طيب نَفْس منها، ووقع بيني وبينها مهاجرة، فتضرَّعْ لها وأرغبها لعل اللَهَ يُنقذني من هذا المقام، فإني عُوقِبْتُ من سبب قطعي لرحمها.
وتمامُ الحكاية أنه وجد مالَه، واستعفي من الأخت لأخيها، وعاد الرجل إلى
مكة، ونادى ليلة الجمعة باسمِ الرجل، فأجابه وجزاه خَيْرًا، وأخبره أنَّ الله قد غفر له.
ومما يؤكّد صحة هذا أن الأرواحَ حيثما ذكر - ما ذكره القرطبي في سورة
قد أفلح: اختلف في مقر الأرواح على أقوال ذكر فيها قولا إن بئر زمزم
خاصّ بالسعداء وبئر برهوت خاص بالأشقياء.
قلت: وقد وردت أحاديث صحيحة بأن الأرواح على أحوال مختلفة، فمنها
ما هو يعلق في ثمر الجنة، ومنها ما هو في قناديل معلقة تحت العرش، ومنها ما
هو في كفالة آدم، ومنها ما هو في كفالة إبراهيم، ومنها ما هو في أفْنِيَة قبورها تردّ على مَنْ يسلِّم عليها، ومنها ما هو لتلقّي أرواح المؤمنين من إخوانهم يسألونهم عنهم، فيقول بعضهم لبعض: دعوه يستريح مِنْ هَمِّ الدنيا وغمومها.
***
(السين) :
حرف يختص بالمضارع ويخلِّصه للاستقبال، ويتنَزل منه منزلةَ
الجزاء فلذا لم تعمل فيه.
وذهب البصريون إلى أن مدةَ الاستقبال معه أضيق منها
مع سوف، وعبارة المعربين فيها حرف تنفيس، ومعناها حرف توسع، لأنها
نقلت المضارعَ من الزمن الضيّق - وهو الحال - إلى الزمن الواسع، وهو
الاستقبال.
وذكر بعضهم أنها قد تأتي للاستمرار لا لِلاسْتِقبال، كقوله: (ستَجِدون
آخرين) .
(سيقول السّفَهَاء) .
стр. 1248
لأن ذلك إنما نزل بعد قولهم: (ما وَلاَّهُمْ) فجاءت السينُ إعلاما
بالاستمرار لا بالاستقبال.
قال ابن هشام: وهذا لا يعرف النحويون، بل الاستمرار مستفاد من المضارع، والسين باقيةٌ على الاستقبال، إذ الاستمرار إنما يكون في المستقبل.
قال: وزعم الزمخشري أنها إذا دخلت على فعل محبوب أو مكروه أفادت أنه واقع لا محالة، ولم أر مَنْ فَهم وَجْه ذلك، ووجهه أنها تُفيد
الوعد بحصول الفعل، فدخولُها على ما يفيد الوعد أو الوعيد مقتض لتوكيده
وتثبيت معناه، وقد أومأ إلى ذلك في سورة البقرة، فقال: (فسيكفيكهم الله وهو السميعُ العليم) - معنى السين أن ذلك كائن لا محالة، وإن تأخر إلى حين.
وصرح به في سورة براءة فقال في قوله: (أولئك سيرحمهم الله) ،: السين مفيدة وجودَ الرَّحْمة لا محالة، وهي تؤكد الوعد، كما تؤَكد الوعيد في قولك: " سأنتقم منك ".
***
(سوف) :
كالسين أو أوسع زماناً منها عند البصريين، لأن كثرةَ الحروف
تدل على كثرة المعنى، ومرادفة عند غيرهم، وتنفرد عن السين بدخول اللام
عليها نحو: (ولَسَوْف يعطِيكَ ربُّك فَتَرْضَى) .
قال أبو حيان:
وإنما امتنع إدخال اللام على السين كراهةَ توالي الحركات في " لَسَيُدَحْرَج " ثم طرد الباقي.
قال ابن بابشاذ: والغالب على سوف استعمالها في الوعيد والتهديد، وعلى السين استعمالها في الوعد، وقد تستعمل سوف والسين في الوعيد.
و (سوَاء) : تكون بمعنى مستَوٍ، فتقصر مع الكسر، نحو: (مكاناً سِوًى)
، وتمد مع الفتح نحو (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ، وبمعنى الوسط فتمدّ مع الفتح نحو: (في سوَاءِ الجحيم) ، وبمعنى التمام نحو: (في أربعة أيام سواءً للسائلين) ، أي تماماً، ويجوز أن يكون منه: (واهدنا إلى سوَاء الصرَاط) ، ولم ترد في القرآن بمعنى غير.
وقيل وردت، وجعل منه في
стр. 1249
البرهان: (فقد ضلَّ سواءَ السبيل) ، وهو وَهْم، وأحسنُ منه
قول الكلبي في قوله تعالى: (ولا أَنتَ مكانا سُوى) - إنها استثنائية، والمستثنى محذوف، أي مكاناً سوى هذا المكان، حكاه الكرماني في
عجائبه، وقال: فيه بُعْد، لأنها لا تستعمل غير مضافة.
***
(ساءَ) :
فعل للذم لا يتصرف.
(سبحان) : مصدر بمعنى التسبيح لازمَ النصب والإضافة إلى مفردٍ ظاهر.
نحو: (سبحان الله) .
(سبحان الذي أسرَى) ، أو مضمر، نحو: (سبحانه أن يكون له ولد) .
(سبحانكَ لا علم لنا) ، وهو مما أُمِيتَ فعله.
وفي العجائب للكرماني: من الغريب ما ذكره المفضّل أنه مصدر سبح إذا
رفع صوته بالدعاء والذكر، وأنشد:
قبح الله له وهوهَ تغلبَ ... كلَّما سَبَح الحجِيجُ وكبروا إهْلالا
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: (سبحان الله) - قال: نزَه الله
نفسه عن السوء.
стр. 1250
(حَرف الشين المعجمَة)
(شُعيب) :
قال ابن إسحاق: وهو ابن ميكاييل، كذا بخط الذهبي في اختصار المستدرك، وقال غيره: ابن ملكاين.
ورأيتُ بخط النووي في تهذيبه ابن ميكيل بن يشجن بن مدين بن إبراهيم الخليل، كان يقال له خطيب الأنبياء، وبُعث إلى أُمَّتين: مدين، وأصحاب الأيْكَه رسولا، وكان كثير الصلاة، وعَمِي في آخر عمره.
وقد قدمنا قَوْلاً بأن مدين وأصحاب لَيْكة واحدة.
قال ابن كثير: ويدل على ذلك أن كلًّا منهما وعظ بوفاءَ الكيل والميزان، فدلّ على أنهما واحد.
واحتج الأول بما أخرجه السُّدِّي وعكرمة، قالا: لم يبْعَث الله نبياً مرتين إلا شعيباً: مرة إلى مدين فأخذهم الله بالصيحةِ، ومرة إلى أصحاب لَيْكَة، فأخذهم الله بعذاب يوم الظلة.
وأخرج ابنُ عساكر في تاريخه، عن عبد الله بن عمرو - مرفوعاً - أن قوم
مدين وأصحاب ليْكة أُمتان بعث الله إليهما شعيباً، قال ابن كثير: وهو غريب.
وفي سرِّ رَفْعِه نظر، قال: ومنهم من زعم أنه بُعث إلى ثلاث أمم، والثالثة أصحاب الرَّس.
(شعر) بالأمر يشعر، أي علمه.
والشعور: العلم من طريق الجسم، ومنه:
(وَمَا يَشْعُرون) ، أي لا يشعرون أنهم يخدعون أنفسهم.
فإن قلت: هل العلم والشعور بمعنى واحد، لأنه يظهر من تكرير قوله: (لا
يشعرون) أنهما بمعنيين؟
стр. 1251
والجواب ما قاله أبو الفضل ابن الخطيب: إنما قال ذلك في قوله تعالى: (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ) ، وفيما قبلها: (ول@كن لا
يشعرون) ، لوجهين:
أحدهما: أن الوفق على أن المؤمنين على الحق، وهم على الحقّ أمر عقلي
نظري، وأما أنَّ النفاق وما فيه من البغي يفْضي إلى الفساد في الأرض
فضروري، جار مجرى المحسوس.
والثاني: أنه لما ذكر السفَه، وهو جهل، كان ذِكْرُ العلم أحسن طبافاً.
والله أعلم.
(شَكور) :
من أسماء الله، لأنه المجازِي للعباد على أعمالهم بجزيل الثواب.
وقيل: الْمُثْني على العباد.
وأما الشكور من عباده فهو المصرِّفُ جوارِحَه فيما أمَر الله به عبادَه من الطاعة، وهو موجب للزيادة كما قدمنا.
وقام ﷺ حتىْ تفطَّرَتْ قدماه، وقال: أفلا أكونُ عبداً شَكوراً، فالشكرُ إذاً طاعة الله في كل نعمة بما هو الأولى مع رؤية مِنَّةِ الله تعالى! والحياء من تتَابع نِعمه واستعظام صغيرها، واعترافه بعجزه عن شكرها، وأنها وشكرها نعمة منه تعالى، وعدم ركونه إلى غير المنعم، وأعظم النعم حسن خلق، لأنه ما ضرّ أبداً كسوء خلق، ويجب العلم بما قَبّحه الشرع وبما حسَّنَه، وكل نِعَمِه فإنها منه تعالى إجماعاً، فالشّكْرُ بما يجب حَتْمٌ، وبما يستحبّ ندب، ولما كانت نِعَم الله تعالى مبذولة لم يشكر الجاهل إلا ما خصّه بقوله الحمد للهِ، ولو عمي مثلاً لتسخَّط
وشكى، ولو عاد بصَره شكر.
(شَرَوْا) :
بمعنى باعوا، كقوله تعالى: (وشَرَوْه بِثَمن بَخْسٍ) .
(شَطْرَ الْمَسْجِدِ الحرام) :
تلقاءه، بلسان الحبشة،
стр. 1252
وكان ﷺ يرفع رَأسه إلى السماء رجاء أن يُؤْمَر بالصلاة إلى الكعبة، لأنها قِبْلَة إبراهيم، أو كان يحِبُّ ذلك من أجل أنَّ اليهود كانوا يقولون: يخالفنا محمد في ديننا ويتبعنا في قبلتنا، فقال لجبريل: وَدِدْتُ أن يُحوِّلَني الله إلى الكعبة، فإنها قِبْلة إبراهيم، فقال جبريل: إنما أنا عَبْد مثلك، وأنتَ كريم على ربك، فاسأل أنْتَ ربَّك، فَعرج جبريل إلى السماء، فأنزل الله الآية، فهي متأخرة تلاوة مقدمة معنى، لأنها رَأس القصة، وأوَّل ما نُسخ من أمور الشرع أمْرُ القبلة.
فإن قلت: ما فائدة تكريرها ثلاث مرات من سورة البقر ة؟
فالجواب أنَّ الأولى لنسخ القبلة، والثانية للسبب، وهو قوله: (وإنَّهُ لَلْحقّ
من ربك) ، والثالثة لعلة، وهو قوله: (لئلا يكونَ للناسِ عليكم حجةٌ) .
وقيل الأولى في مسجد المدينة، والثانية خارج المسجد، والثالثة خارج البلد.
وقيل في الآية خروجان: خروج إلى مكان ترى فيه الكعبة، وخروج إلى مكان لا ترى أيّ الحالتين فيه سواء.
وقيل في الجواب غير هذا حذفناه لطوله.
(شَهيدَيْنِ مِنْ رِجَالكم) :
نَصّ في رفض شهادة الكفار والصبيان والنساء، وأما العبيد فاللفظُ يتناولهم، ولذلك أجاز ابن حنبل شهادَتهم، ومنعها مالكٌ والشافعيّ لنَقص الرِّق، وإنما أمر الله بالإشهاد في البياعات حفْظاً للأموال، فشهادة الرجلين أو رجل وامرأتين جائزة في الأموال لا في غيرها بشرط العدالة، ومعناها اجتنابُ الذنوب الكبائر وتوقّي الصغائر مع المحافظة على المروءة.
وروي أن آدم - صلى الله على نبينا وعليه وسلم - لما رأى ذريته عند خروجها من ظهره، فسأل الله عنهم، فقال له: هم الأنبياء من أولادك، فقال: يا رب، كم أعمارهم، فأخبره بِعُمْر كلِّ واحد، فوجد عمر داود أربعين، فقال: يا رب، قد وهبتُ له من عمري أربعين أخرى، فلما بقي من عمره هذه الأربعون أتَى ملَكُ الْمَوتِ ليقبِضَ رُوحه، فقال: إني لمْ أهب شيْئاً.
стр. 1253
فقال الله له: أمرًا أحدثته بين أولادك، فمَنْ كان عليه حق أنكره، فلذلك
أمره الله بالإشهاد، فقال: (واستَشْهدوا شهيْدَيْنِ مِنْ رِجالكم) .
ولذلك وَكل على كل أحَدٍ من الآدميين مَلَكين شاهدين حتى لا يجدَ
إلى الإنكار سبيلاً.
فانطرْ هذا التَّأنيسَ العظيم لأمة هذا النبي الكريم.
وقيل: إنه كان نور المصطفى في وَجْه آدم ينظر إليه، فقال: يا رب، هل بقي في ظهري من هذا النور شيء، قال: نور أصحابه.
قال: يا رب، اجعله في بقية أصابعي، فجعل نور أبي بكر في الوسْطى، ونور عمر في البنصر، ونور عثمان في الخنصر، ونور عليٍّ في الإبهام (١) ، فكان آدم، ﷺ ، ينظر إلى تلك الأنوار ويعجبُ منها إلى أن أهْبَطه الله من الجنة، ومارَسَ أعمالَ الدنيا، فعادت الأنوارُ إلى ظهره.
وأنْتَ يا عاصي، تمَارِسُ المعاصي والفواحش، ولا تخاف مِنْ زوال نورِ
الإيمان من قَلْبك! ألم تسمع إلى قول ربك: (كلا بَلْ رَانَ على قلوبهم ما كانوا
يكْسِبون) .
فإن قلت: ما بال آدم لم يرد الرجوع إلى الجنة، بل رجع فيما وهب لداود.
وكان قد بكى عليه بعد خروجه منها حتى لو أجْرِيت السفن في دموعه لجرت؟
والجواب أن آدم ﵇ لما ذاق حلاوةَ النعمة في الجنة بكى على فِرَاقها، فلما خرج إلى الدنيا وكلفه الله فيها بالعبادة، لأنها محلُّ تكليف، وذاق حلاوته، اختار ما فيه رضَا الله على حظ النفس.
وقيل: كَرِه الخروجَ من الجنة لطلب الراحة وخوف الموت، لأنَّ الله أخبره أنه لا موت فيها، ولما خرج إلى الدنيا، وعلم بمرارة الموت فيها لم يرِد الخروجَ منها، فإذا أبو بكر المطهر من الذنوب يخاف من هذه الأهوال، فكيف بكَ أيها الغريق لا تخاف من الفراق، وقَطْع حَبْل التلاق.
стр. 1254
(شاوِرهم في الأمر) :
أمَر الله رسولَه بمشاورة أصحابه في الحروب وغيرها لا في أحكام الشريعة.
وقال ابن عباس: وشاوِرْهم في بعض الأمر، وقد كان ﷺ يشاوِرهم في مواطن كثيرة، كيوم بَدْر، ويوم الأحزاب، والطائف، وغير ذلك.
وينبغي للإنسان أن يشاوِرَ في أموره مَنْ يثِق منه بعقل صحيح وودٍّ صريح.
ولا يستغني برأيه، فإن استغنى برأيه زلَّ.
قال ﷺ : " المشاورة تزيد الرجل ذَكاءً ".
وقد ورد في هذا المعنى من الأحاديث والأخبار ما لا نطيل بذكره.
والله الموفق.
(شَجَر بَينَهم) ، أي اختلط.
واختلفوا فيه، ومعنى الآية أنهم لا يؤمنون حتى يَرَضوا بحكم النبي ﷺ ، ونزلت الآية والتي قبلها في المحاكمة بين المنافقين.
فإن قلت: كثيراً ما يذكر المفسرون لنزول الآية أسباباً متعددة فبأي السبب
نأخذ؟
والجواب أن الاعتمادَ في ذلك أن تنظر إلى العبارة الواقعة، فإن عَبَّر أحدهم
بقوله: نزلت في كذا، والآخر نزلت في كذا، وذكر أمراً آخر، فهذا يرَاد به التفسير لا ذِكر سببِ النزول، فلا منافاةَ بيبن قولهما إذا كان اللّفظ يتناولهما، وإن عبَّر واحذ بقوله نزلت في كذا، وصرح الآخر بذكر سببِ خلافه فهو المعتمد.
وقد يكون للآية أسباب، وقد أفرد أسباب النزول بالتَّصنيفَ جماعة ٌ أقدمهم علي ابن المديني شيخ البخاري، وألَّف فيه شيخ الإسلام أبو الفضل بن جعفر كتاباً مات عليه مسوّدة فلم يقف عليه كاملاً.
وقد ألَّفتُ فيه كتاب النقول في أسباب النزول، فقِف عليه لعل قلبكَ يَميل.
(شَنَآنُ قَوْمٍ) ، أي بغضهم وحِقْدهم.
ومعنى الآية: لا يحملنَّكم عَدَاوة قوم على أن تعتَدوا عليهم مِنْ أجْل أنْ يَصدّوكم عن المسجد الحرام.
стр. 1255
ونزلت عام الفتح حين ظفر المسلمون بأهل مكة، فأرادوا أنْ يَسْتَأصِلوهم
بالقتل، لأنهم كانوا قد صدّوهم عن المسجد الحرام عامَ الحدَيبية، فنهاهم اللَه عن قَتْلهم لعلمه بأنهم يؤمنون.
(شَهَادَةُ بَيْنِكم) :
مرفوعٌ بالابتداء، وخبره اثْنَانِ.
التقدير شهادة بينكم شهادة اثنين، أو شهادة " آخران " على أن تكون إذا
بمنزلة حين لا تحتاج جواباً.
ويجوز أن تكون شرطية، وجوابها محذوف يدلُّ عليه ما تقدم قبلها، فإن
المعنى إذا حضر أحدَكم الموتُ فينبغي أن يَشهد.
وسبب نزول الآية أنَّ رجلين خرجا إلى الشام، وخرج معهما رجلٌ آخر
لتجارة، فَمرضَ في الطريق، فكتب كتاباً قَيَّدَ فيه كُلَّ ما معه، وجعله في
متاعه، وأوصى الرجلين أن يؤَدِّيَا رَحْله لورثته، فمات فقدم الرجلان المدينة، ودفَعا رَحْلَه إلى ورثته، فوجدوا فيه كتابه، وفقدوا منها أشياء قد كتبها.
فسألوهما عنها، فقالا: لا ندري، هذا الذي قَبضْناه، فرفعوهما إلى رسول اللَه ﷺ ، فاستحلفهما، فبقي الأمْرُ مدةً، ثم عثر على إناءٍ عظيم من فضة، فقيلَ لمَنْ وجده عنده: مِنْ أين لكَ هذا، فقال: اشتريتُه مِن فلان وفلان - يعني الرجلين، فارتفع الأمرُ في ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأمر رجلين مِنْ أولياء الميت أن يَحْلِفَا، فحلفا واستحقَّاه، فمعنى الآية: إذا حضر الموتُ أحداً في السفَر فليشْهد
عَدْلَين بما معه، فإن وقعت رِيبةٌ في شهادتهما حلفا أنهما ما كذبا، ولا بَدَّلا، فإن عُثِر بعد ذلك على أنها كذَبا أو خانا حلف رجلان من أولياء الميت، وغَرِمَ الشاهدان ما ظهر عليهما.
قال مكي: هذه الآية أ شك لُ آية في القرآن إعراباً ومعنى وحكماً، وتلخيصها
ما ذكرناه.
(شك) :
الشك تَجويز أمرين لا مَزِيَّة لأحدهما على
стр. 1256
الآخر، نحو: شَك الإنسان في الغيم غير المشف أنه سيمطر.
وقيل التردد بين حكمين من غير تغليبِ لأحدهما على الآخر.
(شَعَائر الله) :
ما جعله الله عَلماَ لطاعته، واحدتها شَعِيرة، مثل الجرائم، يقول: لا تحلوه، وكان المشركون يحجّون ويعتمرون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فقيل لهم: لا تغيروا عليهم ولا تصدوهم.
وقيل: هي الْحَرَم، وإحلاله الصيد فيه.
وقيل: هي ما يحرم على الحاج من النساء والصيد وغير ذلك، وإحلاله فِعْله.
(شَاقّوا الله وَرسوله) .
أي حاربوهما وصاروا في شقّ غير شقّ المؤمنين.
(شرِّدْ بهم مَنْ خَلْفَهم) .
أي افعل بهم من النِّقْمة ما يَزْجز غيرهم من القتل والتعذيب.
ويقال: شرِّد بهم: سمّع بهم، بلغة قريش.
(شَهراً) :
قال الجواليقي: ذكر بعضُ أهل اللغة أنه بالسريانية.
(شفَا جُرف) :
طرف حُفْرة.
وشَفَا الوادي والقبر شفيره.
(شغَفَها حبًّا) :
بَلغ شِغَافَ قلبها، وهو غِلافه.
وقيل السويداء منه.
وقيل: الشغاف داء يَصِل إلى القلب يقتل مَنْ تمكَّن منه.
وقولهم فلان مشغوف بحبِّ فلانة إذا ذهب به الحبُّ أقصى الذهب.
(شجرة ملعونة) :
يعني شجرة الزَّقُّوم، وذلك أنَّ قريشاً لما سمعوا أنَّ في جهنم شجرةَ الزقوم سخِروا من ذلك، وقالوا: كيف تكون شجرةٌ في النار، والنار تحرق الشجر، فقال أبو جهل: ما أعْرِف الزَّقُّوم إلا التمر بالزبد، وهذا كلّه استهزاء وتهَكّم بنبينا ومولانا محمد ﷺ ، وإلا فقد علموا
قدْرةَ الله، وكيفَ لا وهمْ يُخْرِجون من الشجر الأخضر نارا ينتفعون بها.
فإن قلت: أين لُعنت شجرة الزقوم في القرآن؟
стр. 1257
والجواب أنَّ المراد - لعنة آكلها.
وقيل: إن اللعنة هنا بمعنى الإبعاد والكراهية.
لأنها في أصل الجحيم.
(شاكِلَتِه) :
ناحيته وطريقته التي تُشَاكله.
ويدلّ على ذلك قوله: (فرَبّكم أعْلَم بمَنْ هُو أهْدَى سبيلاً) .
وقيل شاكِلته طبيعته، وهو من الشكل، يقال: لسْتَ على شكلي وشاكلتي.
(شَطَطًا) :
أي جَوْرا وغلُوًّا، أي لو دعونا من دونه إلهاً لقُلْنا قولاً شَطَطا.
(شَتَّى) ، أي أصنافاً مختلفة.
(شَجَرة الْخُلْد) :
هذا من قول إبليس لآدم وحوَّاء، وعدَهُما بأنَّ مَنْ أكل منها لا يموت.
(شاطئ الْوَادِي) ، أي شَطّه.
(شاخِصَةٌ) :
من الشخوص، وهو إحْدَاد النظر من الخوف، لا تكاد تُبْصر.
(شَجَرةٌ تَخْرجُ في أصْل الجحيم) :
أي تنبت في قَعْر جهنّم، وترتفع أغصانُها إلى دركاتها.
وشَبَّه طَلْعَها برؤُوس الشياطين مبالغة في قبْحه وكراهته، لأنه قد تقرر في نفوس الناس كراهتها، وإن لم يَرَوها، ولذلك
يقولون للقبيح النظر: وجه شيطان.
وقيل رؤوس الشياطين شجرة معروفة باليمن.
وقيل: هو صنف من الحيات.
(شَوْباً مِنْ حَميم) .
أي مزاجاً من حَمِيم حار.
فإن قلت: لم تُعطف هذه الجمل بـ ثم؟
فالجواب مِن وجهين: أحدهما أنه لترتيب تلك الأحوال في الزمان.
стр. 1258
والمعنى أنهم يملأون البطون من شجرة الزقوم، وبعد ذلك يشربون الحميم.
والثاني أنه لترتيب مضاعفة العذاب، فالمعنى أنَّ شربهم للحميم أشد مما ذكر قبله.
(شَكلِه) .
أي مثله ونوعه.
والمعنى أن الله تعالى نوع على أهل النار أنواعاً من العذاب.
(شَرع لكمْ من الدين) : قد قدمنا أن الله تعالى فتح لنا
بالدين الذي هو التوحيد والإيمان برسله وكتبه والدار الآخرة.
(شَرِيعةٍ من الأمر) ، أي ملَّة ودين.
(شطْأه) :
قد قدمنا أنها فراخ السنبلة التي تَنْبت حول الأصول.
ويقال بإسكان الطاء وفتحها دون مدٍّ، وفتحها مع المد، وهي لغات.
(شَدِيدُ القُوَى) :
هو جبريل، وقيل الله تعالى.
والأول أرجح، لقوله: (ذِي قُوَّة عند العرش) .
والقُوَى جمع قُوّة.
(شَوى) :
أطراف الجسد.
وقيل: جلد الرأس.
والمعنى أنَّ النار تنزعها ثم تعاد.
(شراباً طهوراً) .
أي ليس بِنَجس كخمر الدنيا.
وقيل معناه أنه لم تَعْصرهُ الأقدام، وقيل معناه، لا يصير أذى.
(شامخات) ، أي مرتفعات.
ومنه يقال: شمخ بأنْفِه.
(شفَق) :
الحمرة التي تَبْقَى بعد غروب الشمس.
وقال أبو حنيفة: هو البياض.
وقيل: هو النهار كله.
وهذا ضعيف، والأول هو المعروف عند الفقهاء، وأهْل اللغة.
(وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) :
يحتمل الشاهد أن يكون من الشهادة على الأمر، أو يكون من معنى الحضور، وحذف المعمول، وتقديره مشهود عليه، أو مشهود به، أو مشهود فيه.
стр. 1259
وقد اضطرب الناسُ في تفسير الشاهد والمشهود اضطراباً عظيما، ويتلخص
من أقوالهم في الشاهد ستة عشر قولا، يقابِلُها في المشهود اثنان وثلاثون قَولا:
قيل الشاهد هو الله تعالى، لقوله: (وكفى بالله شهيدًا) .
والمشهود على هذا يحتمل ثلاثة أقوال:
أحدها أن يكون الخلق، بمعنى أنه يشهد فيه، أي يحضر للحساب والجزَاء، أو تقع فيه الشهادةُ على الناس.
وقيل إن الشاهد محمد ﷺ لقوله: (ويكون الرسولُ عليكم شهيدًا) .
والمشهود على هذا يحتمل أن يكون أمته، لأنه يشهد عليهم، أو أعمالهم، لأنه يشهد بها، أو يوم القيامة، لأنه يشهد فيه، أي يحْضر، أو تَقَع
فيه الشهادة على الأمة.
وقيل الشاهد أمَّة محمد ﷺ لقوله: (وتكونوا شُهَداءَ على الناس) .
والمشهود على هذا سائر الأمم، لأنهم يشهدون عليهم، أو أعمالهم، أو يوم
القيامة.
وقيل الشاهد عيسى ﵇، والمشهود أمَّتُه، لقوله: (وكُنت عليهم
شهيداً ما دُمْتُ فيهم) .
أو أعمالهم، أو يوم القيامة.
وقيل إن الشاهد جميع الأنبياء، والمشهود أممهم، لأن كل نبيٍّ يشهد على أمته:
أو يشهد بأعمالهم، أو يوم القيامة لأنه يشهد فيه.
وقيل إن الشاهد الملائكة الحفَظة.
والمشهود على هذا أعمال الناس، لأن الملائكة يشهدون بها، أو يوم القيامة، أو صلاة الصبح، لقوله: (إنَّ قرآن الفَجْرِ كان مشهوداً) .
وقيل إن الشاهد جميعُ الناس، لأنهم يشهدون يوم القيامة، لقوله: (وذلك
يوم مشهود) .
وقيل: الشاهد الجوارح، والمشهود عليه أصحابُها، لقوله: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ) .
стр. 1260
أو الأعمال، لأن الجوارح تشهد بها، أو يوم القيامة لأن الشهادة تقع فيه.
وقيل الشاهد الله والملائكة وأولو العلم، لقوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ) .
والمشهود به الوحدانية.
وقيل الشاهد جميع المخلوقات.
والمشهود به وجودُ خالقها، وإثباتُ صفاتها
من الحياة والقدرة وغير ذلك.
وقيل الشاهد النجم، لما ورد في الحديث: " لا صلاةَ بعد العصر حتى يطلعَ
الشاهد، وهو النجم ".
والمشهود على هذا الليلُ والنهار، لأنَّ النجم يشهد بانقضاء
النهار ودخولِ الليل.
وقيل الشاهد الحجَر الأسود.
والمشهود الناس الذين يحجُّون، وقال ﷺ :
" الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عَرفة ".
وذلكَ لأنَّ يوم الجمعة يشهد بالأعمال، ويوم عَرَفة يشهده جميع عظيم من الناس.
وقيل الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم النحر.
وقيل الشاهد يوم التَّرْوِية.
والمشهود يوم عَرفة.
وقيل الشاهد يوم الإثنين.
والمشهود يوم الجمعة.
(شَفْع) :
يعني ثني، وأما قوله تعالى: (والشَّفْع والوتر) ، فقد كثرت فيه الأقاويل.
وفي الحديث أن الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة.
وذلك لأن يوم النحر عاشر، فعدَدُهُ شفْع، ويوم عرفة تاسع، فعدَدُه وَتْر.
وروي عنه ﵇ أنها الصلوات، منها شفْع ووتر.
وقيل الشفع التنفل بالصلاة مَثْنَى مَثْنَى، والوَتْر: الركعة الواحدة المعروفة.
وقيل الشفع: العالَم، والوتر الله، لأنه واحد.
وقيل الشفع آدم وحواء، والوَتْر الله تعالى.
وقيل الشّفع الصفا والمروة، والوَتْر البيت الحرام.
وقيل الشفع أبواب الجنة لأنها ثمانية، والوتر أبواب النار، لأنها سبعة.
وقيل الشفع قِرَان الحج والوتْر إفراده.
стр. 1261
وقيل المراد الأعداد منها شَفْع ووتر، فهذه عشرة أقوال.
وقيل الشفع الصلوات، والوتر المغرب.
وقيل الشفع رجب وشعبان، والوتْر رمضان.
وقيل الشَّفْع صفات الْخَلْق كالعجز والقدْرة، والعلم والجهل، والعزّ والذل.
وقيل الشّفْع ما يتكرر من الفرائض، كالصلاة، والصوم.
والوتر: ما لا يتكرر.
وقرئ الوتر بفتح الواو وكسرها، وهما لغتان.
(شُرَّعًا) :
بضم الشين: ظاهرة قَرِيبة منهم.
يقال شرع منا فلان، إذا دنا، وقِصَّتهم أن الله تعالى أكرم موسى ﵇ بيوم السبت، وأمره أنْ يأمر بني إسرائيل بتعظيمه، ولا يشغلوا بشيء من أحوال الدنيا، وكانت بلدة يقال لها أيْلَة، وكان أهلها صيّادين يصطادون السمك، فأرسل الله تعالى إليهم داود ﵇، وامره ان يمنع الصيادين عن صَيْد السمك في يوم السبت، وأباح لهم في سائر الأيام، فبلَّغَ داود ﵇ رسالةَ ربه، فلم يقبل اليهود، فابتلاهم اللَّهُ تعالى، فكانت تدخل سمكُ جميع الأبحر في بَحْرهم يوم السبت، ولا تدخل في سائر الأيام سمكةٌ قط، فوقع القحط والغلاء، وسقَط الله عليهم الجوع، فاضطروا فحفَروا حياضا وأنهاراً، وأسالوا الماءَ من الأنهار في الحياض يوم السبت، فإذا رأوا امتلاءَ الحياض أَلْقَوْا شباكهم يوم الجمعة بعد العصر، وأخرجوها يوم الأحد، فيأكلون ويبيعون، فنصحهم العلماء والحكماء الزّهاد بالكف عن صيدهم، فلم يمتنعوا.
فلما لم يسمعوا مواعظهم خرجوا مِنْ ديارهم كي لا يُعاقَبوا معهم، فلما أراد الله عقوبتهم بعد إمهالهم سنتين أرسل إليهم رسولا لينصحهم ويعظهم، فلم يتعظوا، فيوماً من الأيام دخل العلماء في البلدة فلم يروا فيها أحداً من الناس، ففتحوا أبوابَ البيوت، ودخلوا فرأوا الذكور والإناث كلّهم قد مسخوا قردة، قال تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ) ، الآية، والإشارة فيه كأن الله تعالى يقول: مَنِ احتال في صيد السمك جزاؤه أنْ أحَوِّل صورته قِرَدة، فكيف بمن احتال في تحليل ما حرَّمْتُ من خَمر ورِبا، أفلا يخاف من تحويل صورته وإن رَفع اللَّهُ مَسْخَ الظاهر ببركة سيدنا ومولانا محمد الطاهر، فإنَّ مَسْخَ البواطن معلوم كما هو مشاهَدٌ في
стр. 1262
الشّرَط والْجَلاَوِزة وشِبْههم، تراهم طولَ يومهم يروعون الناس، ويغضبون في وجوههم، فهؤلاء مُسخوا على صورة الكلاب، ومنهم على صورة الخنازير، وهم أهل القَذَارة والبلادة، وهكذا تَتَبع بنظرك صفةَ كل شخص في خَلْقه تستدلّ بذلك على مسخ قلبه ما هو.
وقد يبقى متحيِّرا لا مَسْخَ في قلبه، إِلا أن قلبه قد مات، وقد أخبر بذلك الصادقُ المصدوق في قوله:
" يأتي على الناس زمان يموت فيه قلْبُ المرء كما يموت بَدَنُه، أو كما قال ﷺ .
لأن القلب إذا لم تبق فيه تلك الحرارةُ الغريزية حتى يَفْقَه مصالِحه فهو ميت، وقد يكون موته حقيقياً. والله أعلم.
والقدرةُ صالحة أن يكون حسيًّا أو معنويا، فإنه إذا لم ينتفع بقلبه في النوع
الذي أرِيد منه، وتوالَتْ عليه الشهواتُ حتى لا يَرَى إلا هي، فذلك مَوْتُه، لأن الفائدة التي في حياة القلب معدومة منه، ولذلك شبه ﷺ الذاكر به بالْحَي، والغافل بالميت، واحتمل أن يكون موته حسيًّا حيث شاء الله كما ييبس عُضْو من أعضاء الشخص مثل يَده أو رِجله أو غيره من الجوارح، وباقي بَدنه صحيح القُدْرة صالح.
وقد ذكر بعضُ شُرًاح البخاري عن بعض مَنْ سمع الحديث: أمَا يخشى الذي
يرفع رَأسه قبل الإمام في الصلاة أن يحوِّل الله رأسه رَأسَ حمار! فاستَهْوَنه، ورفع رأسه امتحاناً بما صحَّ عن الصادق المصدوق، فحوَّل اللهُ رَأسَه رَأسَ حمار، وصار عجباً ينظر إليه.
فإن قلت: قد صح أنه ﷺ أمان من المسخ، فكيف يمسخ هذا، وما معنى الحديث؟
فالجواب: أن معناه تحويل بعض الأجزاء من الإنسان لا مَسْخه كله، وهَبْ
أنه مُسخ كله فهو أمَان في الغالب وفي جميع الأمة، وأما في بعض الأفراد
فممكن والله أعلم.
وإذا تأمَّلْتَ إخبارَ الله لرسوله في أصحاب السبت في مواضع
تَجد ذلك تحريضاً وتأكيداً للنهي عن ارتكاب ما حَرّم الله ورسوله، أوّلها قوله:
стр. 1263
(إنما جُعِل السَّبْتُ على الذين اختلَفُوا فيه) .
(ولقد علمْتُم الذينَ اعتَدَوْا منكم في السَّبت) .
(أو نَلْعَنَهُمْ كما لَعَنَّا أصحابَ السَّبْت) .
(قلْنَا لهم لا تَعْدُوا في السبت) .
(وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ) .
وافترقت بنو إسرائيل ثلاث فرق: فرقة عصت بالصيد يوم السبت، وفرقة
نهت عن ذلك واعتزلت، وفرقة سكتت واعتزلت ولم تَنْهَ ولم تعْص، وإن هذه الفرقة لما رأت مهاجرةَ الناهية وطغيان العاصية قالوا للفرقة الناهية: لم تَعِظُونَ قوماً يُريد اللَهُ أنْ يُهلكهم أو يعذبهم، فقالت الناهية: ننهاهم معذرة إلى الله، ولعلهم يتقون: فهلكت الفِرقةُ العاصية، ونَجَت الناهية، واختلف في الثالثة، هل هلكت لسكوتها أو نجت لاعتزالها وتَرْكها العصيان.
فانظر يا محمدي، كيف يكون حالُك لولا أنَّ الله مَنَّ عليك بني كريم شفع
لك وفيك، كما قال ﷺ :
" حياتي خير لكم ومماتي خير لكم، أمّا حياتي فأسنُّ لكم وأشرع لكم الشرائع، وأما مماتي فإن ذنوبكم تُعْرَضُ عليَّ، فما كان منها سيئاً استغفرتُ الله لكم ".
فأكثِر من الصلاة عليه صلى الله عليه وعلى آله في كل وقت وحين.
(شُقَّة) ، أى طريق ومسافة.
(شُعُوب) .
جمع شَعب بفتح الشين، وهو أعظمِ من القبيلة، وتحته القبيلة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، وهم القرابة الأدْنون، فمُضَر وربيعة وأمثالهما شعوب، وقريش قبيلة، وبنو عبد مناف، وبنو هاشم فخذ - ويقال بإسكان الخاء فَرْقاً بينه وبين الجارحة، وبنو عبد المطلب فصيلة.
وقيل الشعوب في العجم والقبائل في العرب، والأسباط في بني إسرائيل.
(شُوَاظ) :
لهب نار.
وقرئ بكسر الشين، وهما لغتان.
(شُهُب) :
جمع شهاب، وهو كل متوقد مضيء.
стр. 1264
فإن قلت: ما فائدة تكريره في سورة الجن في موضع واحد؟
والجواب: أنه كرره لاختلاف اللفظ، ووصف الحرس بالشديد، وهو مفرد، لأنه يحتمل أن يُريد به الملائكة الحراس أو النجوم الحارسة.
(شيث) : ولد آدم ﵇.
(شيبا) ، وهو في اللغة الأبيض الرأس، وقوله تعالى: (لا شِيَةَ) ، أي لا لون فيها غير الصفرة، وهو من وَشَى، ففاؤه واو محذوفة كعدة.
(شِقَاق) :
عداوة وقصد المخالفة وقد قدمنا أن تنكير العزة والشقاق للدلالة على شدتهما وتفاقم الكفار فيهما.
(شِرْعَة) ، أي شريعة يتبعونها، وقد استدل بها من قال إن شريعة مَنْ قبلنا في الفروع ليست شرعاً لنا.
وقيل الشرعة معناها ابتداء الطريق.
(شِيَعا) :
جمع شيعة، أي متفرقين، كل فرقة تتشيَّع لمذهبها.
وقوله: (في شِيَع الأوَّلين) ، أي أمَم الأولين.
(شِقَ الأنْفس) ، أي مشقَّتها.
(شِرْذِمة) .
أي طائفة من الناس، وفي هذا احتقار لهم، على أنا قدمنا أنهم كانوا ستمائة ألف، ولكن جنود فرعون أكثر منهم بكثير.
(شِرْب) : نصيب.
(شِيعته) :
أعوانه، مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذي يُشعل به النار ويعين الحطب الكبار على اتّقاد النار.
وقيل الشيعة الأتباع من قولهم: شاعك كذا وكذا إذا اتبعك.
(شِعْرَى) :
نجم في السماء، ويسمى كلب الحيار، وهما شِعرْيَان: الغُمَيْصَاء، والْعَبُور.
وقد قدمنا تخصيصهما بالذكر لعبادةِ بعْض العرب لهما.
стр. 1265
(حرف الهاء)
(هارون) :
شقيق موسى ﵉.
وقيل لأمه فقط، حكاهما الكرماني في عجائبه.
كان أطول منه، فصيحاً جدًّا، مات قبل موسى، وكان وُلد قبله بسنة.
وفي بعض أحاديث الإسراء:
" صعدت فيه إلى السماء الخامسة، فإذا أنا بهارون ونصفُ لحيته بيضاء ونصفها أسود، تكاد لحيته تضرب سُرَّته من طولها.
فقلت: يا جبريل، مَنْ هذا، قال: المحب في قومه هارون بن عمران ".
وذكر ابن مسكويه أن معنى هارون بالعبرانية المحب.
وقال ابن عباس: إنما سمي موسى لأنه ألقي بين شجر وماء، فالماء بالقبطية
مُو، والشجر سا.
وفي الصحيح أنه وصفه بآدم طوال.
فإن قلت: ما فائدة لُقْيَاه للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهل كان لقاؤه
لأرواحهم، أو للأجساد مع الأرواح؟
فالجواب أن الله أسرى بأجسادهم ليراهُم ﷺ ، ويؤم بهم، ويتشرفون برؤيته.
ولما رأوا فَضْلَه وتَعْظيمَه في كتبهم طلبوا من الله أنْ يُريهم وجهه الكريم.
ولذا طلب موسى وعيسى أن يكونا من أمته.
(هود) :
له معنيان: بمعنى اليهود، ومنه: (كانوا هُودا) .
وهاد يهود في اللغة إذا تاب.
(والَّذِين هَادُوا) ، أي تهودوا، وصاروا يهوداً، من قوله: (هُدْنَا إليكَ) .
وهود: اسْمُ في قَوْم عاد، كان أشبهَ الناس بآدم.
وقال ابن مسعود: كان