الآيات السابقة، وكالحروف، نحو: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) .
شبه ترتب العداوة والحزن على الالتقاط بترتب غلبة
الغائية عليه، ثم استعير في المشبه اللام الموضوعة للمشبه به.
وتنقسم باعتبار آخر إلى مرشحَة، ومجَرَّدة، ومطلَقة:
فالأولى: وهي أبلغها - أن تقترن بما يلائم المستعار منه، نحو: (أولئكَ الذين
اشتَرَوُا الضلالةَ بالهُدَى فما رَبِحَتْ تجارتُهم) .
استعير الاشتراء للاستبدال والاختيار، ثم قُرن بما يلائمه من الربح والتجارة.
والثانية: أن تقترن بما يلائم المستعار له، نحو: (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) .
استعير اللباس للجوع، ثم قُرن بما يلائم المستعار له
من الإذاقة، ولو أراد الترشيح لقال: فكساها، لكن التجريد أبلغ لما في لفظ
الإذاقة من المبالغة في الألم باطناً.
والثالثة: ألا تقترن بواحد منهما.
وتنقسم باعتبار آخر إلى: تحقيقية، وتخييلية، ومكنية، وتصريحية:
فالأولى: ما تحقق معناها حساً، نحو: (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) .
أو عقلا، نحو: (وأنزَلْنَا إليكم نُوراً) .
أى بياناً واضحاً وحجة دامغة.
(اهْدِنا الصراطَ المستقيم) .
أى الدين الحق، فإن كلاًّ منهما متحقق عقلاً.
والثانية: أن يضمر التشبيه في النفس فلا يصرح بشيء من أركانه سوى
المشبه، ويدل على ذلك التشبيه المضمر في النفس بأن يَثْبت للمشبه أمر مختص بالمشبه به، ويسمى ذلك التشبيه المضمر استعارة بالكناية ومكنياً عنها، لأنه لم يصرح به، بل دل عليه بذكر خواصه.
ويقابله التصريحية.
ويسمى إثبات ذلك الأمر المختص بالمشبه به للمشبه
стр. 212
استعارة تخييلية، لأنه قد استعير للمشبه ذلك الأمر المختص بالمشبه به، وبه يكون كمال المشبه وقوامه في وجه الشبه، لتخيل أن المشبَّه من جنس المشبه به.
ومن أمثلة ذلك: (الذين ينقضُونَ عَهْدَ اللَهِ مِنْ بعْدِ ميثاقِه) .
شبه العهد بالحبل، وأضمر في النفس، فلم يصرح بشيء من أركان التشبيه
سوى العهد المشبه، ودل عليه بإثبات النقيض الذي هو من خواص المشبه به، وهو الحبل.
وكذا ة (واشتعل الرأسُ شَيْبا) .
طوى ذكر المشبه به وهو النار، ودل عليه بلازمه وهو الاشتعال.
(فَأَذَاقَهَا اللَّهُ) .
شبه ما يدرك من أثر الضر والألم بما يدرك من طعم المر فأوقع
عليه الإذاقة.
(ختم اللهُ على قلوبهم) .
شبهها في ألا تقبل الحق بالشيء الموثوق المختوم، ثم أثبت لها الختم.
(جِدَاراً يُريدُ أنْ ينْقَضَّ) .
شبه ميلانه للسقوط بانحراف الحي، فأثبت له الإرادة التي هي
من خواص العقلاء.
ومن التصريحية آية: (مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ) .
(مَنْ بعثَنَا مِنْ مَرْقَدِنا) .
وتنقسم باعتبار آخر إلى وفاقية، بأن يكون اجتماعهما في شيء ممكناً، نحو:
(أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) ، أي ضالاً فهديناه.
استعير الإحياء من جعل الشيء حياً - للهداية التي هي الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب، والإحياء والهداية مما يمكن اجتماعهما في شيء.
وعنادية، وهي ما لا يمكن اجتماعهما في شيء، كاستعارة اسم المعدوم
للموجود لعدم نفعه، واجتماع الوجود والعدم في شيء ممتنع.
ومن العنادية التهكمية والتمليحية، وهما ما استعمل في ضد أو نقيض، نحو: (فبَشِّرْهُم بعذابٍ أليم) ، أي أنذرهم.
استُعيرت البشارة وهي في الإخبار بما يسر للإنذار الذي هو ضده بإدخاله في جنسها على سبيل التهكم والاستهزاء، ونحو: (إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيد) .
عنوا الغوى السفيه تهكماً.
(ذُقْ إنكَ أنْتَ العزيزُ الكريم) .
стр. 213
وتنقسم باعتبار آخر إلى: تمثيلية، وهي أن يكون وجه الشبه فيها منتزعاً من
متعدد، نحو: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) .
شبه استظهار العبد بالله ووثوقه بحمايته والنجاة من المكاره باستمساك الواقع في مَهْوَاةٍ بحبل وثيق مدَلَّى من مكان مرتفع يؤمَن انقطاعه.
تنبيه
قد تكون الاستعارة بلفظين، نحو: (قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ) .
يعني تلك الأواني ليست من الزجاج ولا من الفضة، بل وصفاء
القارورة وبياض الفضة.
(فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) .
فالصب كناية عن الدوام، والسوط عن الإيلام، فالمعنى عذبهم عذاباً دائماً مؤلما.
فائدة
أنكر قوم الاستعارة بناء على إنكارهم المجاز، وقوم إطلاقها في القرآن، لأن
فيها إيهاماً للحاجة، ولأنه لم يرد في ذلك إذْنٌ من الشرع، وعليه القاضي
عبد الوهاب المالكي.
وقال الطرطوسي: إن أطلق المسلمون الاستعارة فيه أطلقناها، وإن امتنعوا امتنعنا، ويكون هذا من قبيل أن الله عالم، والعلم هو العقل، ثم لا نَصِفُه به لعدم التوقيف. انتهى.
فائدة ثانية
تقدم أن التشبيه من أعلى أنواع البلاغة وأشرفها.
واتفق البلغاء على أن الاستعارة أبلغ منه، لأنها مجاز وهو حقيقة، والمجاز أبلغ، فإذاً الاستعارة أعلى مراتب الفصاحة، وكذا الكناية أبلغ من التصريح.
والاستعارة أبلغ من الكناية كما قال في عروس الأفراح: إنه الظاهر، لأنها كالجامعة بين كناية واستعارة، ولأنها مجاز قطعاً.
وفي الكناية خلاف.
وأبلغ أنواع الاستعارة التمثيلية، كما يؤخذ من الكشاف، ويليها المكنية،
стр. 214
صرح به الطيبي لاشتالها على المجاز العقلي.
والترشيحية أبلغ من المجردة والمطلقة.
والتخييلية أبلغ من التحقيقية.
والمراد بالأبلغية إفادة زيادة التأكيد والمبالغة في
كمال التشبيه، لا زيادة في المعنى لا توجد في غير ذلك.
خاتمة
من المهم تحرير الفرق بين الاستعارة والتشبيه المحذوف الأداة، نحو: زيد
أسد، قال الزمخشري في قوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) .
فإن قلت: فهل يسمى ما في الآية استعارة؟
قلت: مختلف فيه.
والمحققون على تسميته تشبيهاً بليغاً لا استعارة، لأن المستعار له مذكور، وهم المنافقون، وإنما تطلق الاستعارة حيث يُطوى ذكر المستعار له، ويجعل الكلام خِلْوا عنه صالحاً لأن يراد المنقول عنه والمنقول له لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام.
ومن ثَمَّ ترى المفْلِقين المهرة يتناسَوْن التشبيه، ويضربون عنه صفحاً.
وعلله السكاكي بأن من شرط الاستعارة إمكانَ حمل الكلام على الحقيقة في
الظاهر وتنَاسي التشبيه، و" زيد أسد" لا يمكن كونه حقيقة، فلا يجوز أن يكون استعارة.
وتابعه صاحب الإيضاح.
وقال في عروس الأفراح: وما قالاه ممنوع، وليس من شرط الاستعارة
صلاحية الكلام لصرفه إلى الحقيقة في الظاهر.
قال: بل لو عكس ذلك، وقال: لا بد من صلاحيته لكان أقرب، لأن الاستعارة مجاز لا بد له من قرينة، فإن لم تكن له قرينة امتنع صرفُه إلى الاستعارة، وصرفناه إلى حقيقته، وإنما نصرفه إلى الاستعارة بقرينة: إما لفظية أو معنوية، نحو: زيد أسد.
فالإخبار به عن زيد قرينة صارفة عن إرادة حقيقته.
قال: والذي نختاره في نحو " زيد أسد " أنه قسمان: تارة يُقصد به التشبيه.
فتكون أداة التشبيه مقدرة، وتارة يقصد به الاستعارة فلا تكون مقدّرة، ويكون الأسد مستعملاً في حقيقته، وذكر " زيد " والإخبار عنه بما لا يصلح له حقيقةً
стр. 215
قرينة - صارفة إلى الاستعارة دالة عليها، فإن قامت قرينة على حذف الأداة
صرنا إليه، وإن لم تكن فنحن بين إضمار واستعارة، والاستعارة أولى، فيصار
إليها.
ومِمّن صرح بهذا الفرق عبد اللطيف البغدادي في قوانين البلاغة، وكذا قال
حازم: الفرق بينهما أن الاستعارة وإن كان فيها معنى التشبيه فتقدير حرف
التشبيه لا يجوز فيها، والتشبيه بغير حرف على خلاف ذلك، لأن تقدير حرف التشبيه واجب فيه.
*******
الوجه الخامس والعشرون من وجوه إعجازه (وقوع الكناية والتعريض)
وقد قدمنا آنفاً أن الكناية أبلغ من التصريح، وها من أنواع البلاغة وأساليبِ
الفصاحة.
وعرّفها أهل البيان بأنها لفظ أريد به لازم معناه.
وقال الطيبي: ترك التصريح بالشيء إلى ما يساويه في اللزوم، فينتقل منه إلى
الملزوم.
وأنكر وقوعها في القرآن من أنكر المجاز فيه بناء على أنها مجاز.
وقد تقدم الخلاف في ذلك.
وللكناية أسباب:
أحدها: التنبيه على عظم القدرة، نحو: (هو الذي خلقكم مِنْ نفْس
واحدة) ، كناية عن آدم.
وثانيها: ترك اللفظ إلى ما هو أجل، نحو: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ) ، فكنى بالنعجة عن المرأة (١) كعادة العرب
في ذلك، لأن ترك التصريح بذكر المرأة أجل منه، ولهذا لم تذكر في القرآن
امرأة باسمها إلا مريم.
قال السهيلي: وإنما ذُكرت مريم باسمها على خلاف عادة
الفصحاء لنكتة، وهي أن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في ملأ.
стр. 216
ولا يبتذلون أسماءهن، بل يكنون عن الزوجة بالفرس والعيال ونحو ذلك، فإذا ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر، فلما قالت النصارى في مريم ما قالوا صرّح الله باسمها، ولو لم يكن تأكيدا للعبودية التي هى صفة لها، وتأكيدا، لأن عيسى لا أب له وإلا لنُسب إليه.
ثالثها: أن يكون الصريح مما يستقبح ذكره، ككناية الله عن الجماع بالملامسة والمباشرة، والإفضاء والرفَث، والدخول، والسر في قوله: (وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا) .
والغشيان في قوله: (فَلَمَّا تَغَشَّاهَا) .
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: المباشرة الجماع، ولكن الله يكني.
وأخرج عنه، قال: إنَّ الله كريم يكني ما شاء، وإن الرفَث هو الجماع.
وكنى عن طلبه بالمراودة في قوله: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ)
وعنه أو عن المعانقة باللباس في قوله: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) ، وبالحرث في قوله: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) .
وكنى عن البول ونحوه بالغائط في قوله: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) .
وأصله المكان المطمئن من الأرض.
وكنى عن قضاء الحاجة بأكل الطعام في قوله في مريم وابنها: (كانا يأكُلاَنِ
الطعام) .
وكنى عن الأستاه بالأدبار في قوله: (يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) .
أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في هذه الآية قال: يعني أستاههم.
ولكن الله يكني ما شاء.
وأورد على ذلك التصريح بالفَرْج في قوله: (والتي أحصنَتْ فَرْجَها)
стр. 217
وأجيب بأن المراد به فرج القميص، والتعبير به من لطيف الكنايات
وأحسنها، أي لم يعلق ثوبها ريبة، فهي طاهرة الثوب، كما يقال نقيُّ الثوب، وعفيف الذيل - كناية عن العفة.
ومنه: (وثِيَابَك فَطَهِّرْ) .
وكيف يظن أن نفخ جبريل وقع في فرجها، وإنما نفخ في جيبِ درْعها.
ونظيره أيضا: (وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ) .
قلت: وعلى هذا ففي الآية كناية عن كناية، ونظيره ما تقدم من مجاز
المجاز.
رابعها: قصد المبالغة والبلاغة، نحو: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) .
كنى عن النساء بأنهنّ ينشّأن في الترفّه والتزيّنَ والشواغل عن النظر في الأمور ودقيق المعاني، ولو أتى بلفظ النساء لم يشعر بذلك، والمراد نفي ذلك عن الملائكة.
وقوله: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) .
كناية عن سعة جوده وكرمه جداً.
خامسها: قصد الاختصار، كالكناية عن ألفاظ متعددة بلفظ " فعل "، نحو:
(لَبِئْسَ ما كانوا يَفْعَلُون) .
(فإنْ لم تَفْعَلوا ولَنْ تَفْعلوا) .
أي فإن لم تأتوا بسورة من مثله.
سادسها: التنبيه على مصيره، نحو: (تَبّتْ يَدَا أبي لَهَب) .
أي جهَنّمي مصيره إلى اللهب.
حَمّالة الحطب في جيدها حبل، أي نَمّامة، مصيرها إلى أن تكون حطبا لجهنم في جيدها غُل.
قال بدر الدين بن مالك في المصباح: إنما يعدل عن الصريح إلى الكناية
لنكتة، كالإيضاح، أو بيان حال الموصوف، أو مقدار حاله، أو القصد إلى
المدح أو الذم، أو الاختصار، أو الستر أو الصيانة، أو التعمية أو الإلغاز، أو التعبير عن الصعب بالسهل، أو عن المعنى القبيح باللفظ الحسن.
واستنبط الزمخشري نوعاً من الكناية غريبا، وهو أن تعمد إلى جملة معناها
على خلاف الظاهر، فتأخذ الخلاصة من غير اعتبار مفرداتها بالحقيقة والمجاز،
стр. 218
فتعبّر بها عن المقصود، كما تقول في نحو: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) .
إنه كناية عن الملك.
فإن الاستواء على السرير لا يكون إلا مع الملك، فجعل كناية عنه.
وكذا قوله: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) ، - كناية عن عظمته وجلاله من غير ذهاب بالقبض واليمين إلى جهتين: حقيقة ومجاز.
تذنيب
من أنواع البديع التي تشبه الكناية الإرداف، وهو أن يريد المتكلم معنى فلا
يعبِّر عنه بلفظه الموضوع له، ولا بدلالة الإشارة، بل بلفظ يرادفه، كقوله
تعالى: (وقُضِيَ الأمْرُ) .
والأصل: وهلك من قضى الله هلاكه، ونجا من قضى الله نجاته، وعدل عن لفظ ذلك إلى الإرداف، لما فيه من الإيجاز والتنبيه على أن هلاك الهالك ونجاة الناجي كان بأمر آمر مطاع، وقضاء من لا يُرد قضاؤه، والأمر يستلزم آمراً، فقضاؤه يدل على قدرة الآمر به وقهره، وأن الخوف من عقابه ورجاء ثوابه يحضّان على طاعة الآمر، ولا يحصل ذلك كله من اللفظ الخاص.
وكذا قوله: (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) .
حقيقة ذلك: جلست، فعدل عن اللفظ الخاص بالمعنى إلى مرادفه، لما في الاستواء من الإشعار بجلوس متمكن لا زيغ فيه ولا ميل، وهذا لا يحصل من لفظ الجلوس.
وكذا: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) .
عفيفات، وعدل عنه للدلالة على أنهن مع العفة لا تطمح أعينهن إلى غير أزواجهن، ولا يشتهين غيرهم.
ولا يؤخذ ذلك من لفظ العفة.
قال بعضهم: والفرق بين الكناية والإرداف أن الكناية انتقال من لازم إلى
ملزوم.
والإرداف من مذكور إلى متروك.
ومن أمثلته أيضاً: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) .
стр. 219
عدل في الجملة الأولى عن قوله "بالسوءى" مع أن فيه مطابقة كالجملة الثانية - إلى بما عملوا، تأدّباً أن يُضاف السوء إلى الله تعالى.
" فصل "
للناس في الفرق بين الكناية والتعريض عبارات متقاربة، فقال الزمخشرى:
الكناية ذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له.
والتعريض أن يذكر شيئاً يدل به على شيء لم يذكره.
وقال ابن الأثير: الكناية ما دل على معنى يجوز حملُه على الحقيقة والمجاز
بوصفٍ جامع بينهما.
والتعريض: اللفظ الدال على معنى لا من جهة الوضع
الحقيقي أو المجازي كقول مَنْ يتوقع صلة: والله إني محتاج، فإنه تعريض
بالطلب، مع أنه لم يوضع له حقيقة ولا مجازاً، وإنما فهم من عُرض اللفظ، أي جانبه.
وقال السبكي في كتاب الإغريض في الفرق بين الكناية والتعريض: الكناية
لفظ استعمل في معناه مراداً منه لازم المعنى، فهو بحسب استعمال اللفظ في المعنى حقيقة، والتجوّز في إرادة إفادة ما لم يوضع له، وقد لا يراد منها المعنى، بل يعبَّر بالملزوم عن اللازم، وهي حينئذ مجاز.
ومن أمثلته: (قُلْ نارُ جَهَنَّم أشد حَرًّا) .
فإنه لم يقصد إفادة ذلك، لأنه معلوم، بل إفادة لازمه وهو أنهم يرِدونها ويجدون حرها إن لم يجاهدوا.
وأما التعريض فهو لفظ استعمل في معناه للتلويح بغيره، نحو: (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) .
نسب الفعل إلى كبير الأصنام المتخذة آلهة، كأنه غضب أن تُعْبَد الصغار معه، تلويحاً لعابديها بأنها لا تصلح أن تكون آلهة لما يعلمون - إذا نظروا بعقولهم - من عجز كبيرها عن ذلك الفعل، والإله لا يكون عاجزًا، فهو حقيقة أبداً
стр. 220
وقال السكاكي: التعريض ما سيق لأجل موصوف غير مذكور، ومنه أن
يخاطَب واحد ويُراد غيره، وسمي به لأنه أمِيل الكلام إلى جانب مشاراً به إلى
آخر، يقال: نظر إليه بعرض وجهه، أي جانبه.
قال الطيبي: وذاك يفعل إما لتنويه جانب الموصوف، ومنه: (ورَفَع بَعْضَهم
درَجاتٍ) ، أي محمداً ﷺ إعلاء لقدره، أي أنه العلم الذي لا يشتبه.
وإما التلطّف به واحترازاً عن المخاشنة، نحو: (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) ،: أي وما لكم لا تعبدون، بدليل قوله: (وإليه ترجعون) .
وكذا قوله: (أأتَّخِذُ مِنْ دُونِه آلهة) .
ووجهُ حسنه إسماع من يقصد خطابه الحقَّ على وجه يمنع غضبه، إذ لم يصرح بنسبته للباطل، والإعانة على قبوله، إذ لم يرد له إلا ما أراد لنفسه.
وإما لاستدراج الخصم إلى الإذعان والتسليم، ومنه: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ) .
خوطب النبي ﷺ وأريد غيره، لاستحالة الشرك عليه
شرعاً.
وإما للذمّ، نحو: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) ، فإنه تعريض
بذم الكفار، وأنهم في حكم البهائم الذين لا يتذكرون.
وإما للإهانة والتوبيخ، نحو: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) .
فإن سؤالها لإهانة قاتلها وتوبيخه.
قال السبكي: التعريض قسمان:
قسم يراد به معناه الحقيقي، ويشار به إلى المعنى الآخر المقصود كما تقدم.
وقسم لا يراد، بل يضرب مثلاً للمعنى الذي هو مقصود التعريض، كقول
إبراهيم: (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) .
*******
стр. 221
الوجه السادس والعشرون من وجوه إعجازه (إعجازه في آية وإطنابه في أخرى)
وهما من أعظم أنواع البلاغة
واختلف، هل بينهما واسطة - وهي المساواة - أوْ لاَ، وهي داخلة في قسم
الإيجاز، فالسكاكي وجماعة على الأول، لكنهم جعلوا المساواة غير محمودة ولا مذمومة، لأنهم فسروها بالمتعارف من كلام أوساط الناس الذين ليسوا في رتبة البلاغة، وفسروا الإيجاز بأداء المقصود بأقل من عبارة المتعارف.
والإطناب أداؤه بأكثر منها لكون المقام حقيقاً بالبسط.
وابن الأثير وجماعة على الثاني، فقالوا: الإيجاز التعبير عن المراد بلفظ غير
زائد.
والإطناب بلفظ أزيد.
وقال القَزْويني: الأقرب أن يُقال إن القبول من طرق التعبير عن المراد تأدية
أصله، إما بلفظ مساو للأصل المراد، أو ناقص عنه واف، أو زائد عليه لفائدة.
والأول المساواة، والثاني الإيجاز، والثالث الإطناب.
واحترز بواف عن الإخلال، وبقوله لفائدة - عن الحشو والتطويل، فعنده ثبوت المساواة واسطة، وأنها من قسم القبول.
فإن قلت: عدمُ ذكرك المساواة في الترجمة لماذا؟ هل هو لرجحان نَفْيِها، أو
عدم قبولها، أو لأمر غير ذلك؟
قلت: لهما، ولأمر ثالث، وهو أن المساواة لا تكاد توجد خصوصاً في
القرآن.
وقد مثّل لها في التلخيص بقوله تعالى: (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) .
وفي الإيضاح بقوله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) .
وتُعقب بأن في الآية الثانية حذف موصوف الذين، وفي الأولى إطناب بلفظ
стр. 222
الشيء، لأن لفظ المكر لا يكون إلا سيئًا، وإيجاز بالحذف إن كان الاستثناء غير مفرغ، أي بأحد، وبالقِصَر في الاستثناء وبكونها حاثَّة على كف الأذى عن جميع الناس، محذرة عن جميع ما يؤدي إليه، وبأن تقديرها يضر بصاحبه مَضَرة بليغة، فأخرج الكلام مخرج الاستعارة التبعية الواقعة على سبيل التمثيلية، لأنَّ يحيق بمعنى يحيط فلا يستعمل إلا في الأجسام.
تنبيه:
الإيجاز والاختصار بمعنى واحد، كما يؤخذ من المفتاح، وصرح به الخطيب.
وقال بعضهم: الاختصار خاص بحذف الجمل فقط، بخلاف الإيجاز.
قال الشيخ بهاء الدين: وليس بشيء.
والإطناب قيل بمعنى الإسهاب، والحق أنه أخص منه، فإن الإسهاب التطويل
لفائدة أو لغير فائدة، كما ذكره التنوخي وغيره.
فصل
الإيجاز قسمان: إيجاز قصر، وإيجاز حذف
فالأول هو الوجيز بلفظه.
قال الشيخ بهاء الدين: الكلام القليل إن كان
بعضا من كلام أطول منه فهو إيجاز حذف، وإن كان كلاماً يعطي معنى أطول
منه فهو إيجاز قصر.
وقال بعضهم: إيجاز القصر هو تكثير المعنى بتقليل اللفظ.
وقال آخر: هو أن يكون اللفظ بالنسبة إلى المعنى أقل من القدر المعهود
عادة.
وسبب حسنه أنه يدل على التمكن في الفصاحة، ولهذا قال ﷺ : أوتِيتُ جوامعَ الكلم.
وقال الطيبي في التبيان: الإيجاز الخالي من الحذف ثلاثة أقسام:
стр. 223
أحدها: إيجاز القصر، وهو أن يُقصر اللفظ على معناه، كقوله تعالى: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) .
جمع في أحرف العنوان والكتاب والحاجة.
وقيل في وصف بليغ: كانت ألفاظه قوالبَ معناه.
قلت: وهذا رأي من يدخِل، المساواة في الإيجاز.
الثاني: إيجاز التقدير، وهو أن يقدر معنى زائداً على المنطوق، ويسمى
بالتضييق أيضاً، وبه سماه بدر الدين بن مالك في الصباح، لأنه نقص من الكلام ما صار لفظه أضيق من قدر معناه، نحو: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ) ، أي خطاياه غُفرت، فهي له لا عليه.
(هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) ، أي الضالين الصائرين بعد الضلال إلى التقوى.
الثالث: الإيجاز الجامع، وهو أن يحتويَ اللفظُ على معان متعددة، نحو: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) .
فإن العدل هو الصراط المستقيم التوسطَ بين طرفي الإفراط والتفريط المؤدي به إلى جميع الواجبات في الاعتقاد والأخلاق والعبودية.
والإحسان هو الإخلاص في واجبات العبودية لتفسيره في الحديث بقوله: أنْ تَعْبدَ اللهَ كأنكَ ترَاه، أي تعبده مخلصاً في نيتك، وواقفاً في الخضوع، آخذاً أهْبَة الحذر إلى ما لا يُحصى، " وإيتاءِ ذي القُرْبى " هو الزيادة على الواجب من النوافل، هذا في الأوامر.
وأما النواهي فـ "بالفحشاء" الإشارة إلى القوة الشهوانية، وبالمنكر إلى الإفراط الحاصل من آثار الغضبية أو كل محرم شرعاً، وبالبغي إلى الاستعلاء الفائق من ألوهيته.
قلت: ولهذا قال ابن مسعود: ما في القرآن آية أجمع للخير والشر من هذه
الآية.
أخرجه في المستدرك.
وروى البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن أنه قرأها ثم وقف فقال: إن الله جمع لكم الخير والشر كله في آية واحدة،
стр. 224
فوالله ما ترك العدلُ والإحسان من طاعة الله شيتاً إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئًا إلا جمعه.
وروي أيضاً عن ابن شهاب في معنى حديث الشيخين: بُعثت بجوامع الكلم، قال: بلغني أن جوامع الكلم أن الله يجمع لكم الأمور الكثيرة التي كانت تُكتب في الكُتُب قبله في الأمر الواحد والأمرين ونحو ذلك.
ومن ذلك قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ) .
فإنها جامعة لمكارم الأخلاق، لأن في أخذ العفو التساهل والتسامح في الحقوق، واللين والرفق في الدعاء إلى الدين.
وفي الأمر بالعرف كفُّ الأذى وغضَّ البصر وما شاكلها من المحرمات.
وفي الإعراض الصبر والحلم والتُّؤدة.
ومن بديع الإيجاز قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) .
فإنه نهاية التنزيه.
وقد تضمنت الرد على نحو أربعين فرقة، كما أفردها
بالتصنيف بهاء الدين بن شداد.
وقوله: (أخرج منها ماءَها ومَرْعَاها) .
دلّ بهاتين الكلمتين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتاً ومتاعا للأنعام من العشب والشجر، والحب والثمر، والعصف والحطب، واللباس والنار والملح، لأن النار من العيدان، والملح من الماء.
وقوله: (لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) .
جمع فيه عيوب الخمر من الصداع، وعدم العقل، وذهاب المال، ونفاد الشراب.
وقوله: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) .
أمر فيها ونَهَى، وأخبر ونادى، ونعت وسمَّى، وأهلك وأبقى، وأسعد وأشقى، وقص من الأنباء ما لو شُرِح ما اندرج في هذه الجملة من بديع اللفظ والبلاغة والإيجاز والبيان لجفت الأقلام.
وقد أفردت بلاغة هذه الآية بالتأليف.
стр. 225
وفي العجائب للكِرْماني: أجمع المعاندون على أن طوق البشر قاصر عن
الإتيان بمثل هذه الآية بعد أن فتَّشوا جميع كلام العرب والعجم فلم يجدوا مثلها في فخامة ألفاظها، وحسن نظمها، وجودة معانيها في تصوير الحال مع الإيجاز من غير إخلال.
وقوله: (يا أيُّها النَّمْلُ ادخُلُوا مَساكِنَكم) .
جمع في هذه اللفظة أحد عشر جنساً من الكلام، نادت وكنَتْ، ونبّهت وسمت، وأمرت وقصَّت، وحذَّرت، وخصَّت وعمَّت، وأشارت وأعذرت.
فالنداء يا.
والكناية أي.
والتنبيه ها.
والتسمية النمل.
والأمر ادخلوا.
والقصص مساكنكم.
والتحذير لا يحطمنَّكم.
والتخصيص سليمان.
والتعميم جنوده.
والإشارة وهم.
والعذر لا يشعرون.
فأدت خمسة حقوق: حق الله، وحق رسوله، وحقها، وحق رعيتها، وحق جنود سليمان.
وقوله: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) .
جمع فيها أصول الكلام: النداء، والعموم، والخصوص، والأمر، والإباحة، والنهي، والخبر.
وقال بعضهم: جمع الله الحكمة في شطر آية: (كلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفوا) .
وقوله: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ) .
قال ابن العربي: هي من أعظم آي القرآن في الفصاحة، إذ فيها أمران ونهيان، وخبران وبشارتان.
وقوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) .
قال ابن أبي الإصبع: المعنى صرِّح بجميع ما أوحي إليك، وبلغ كل ما أمِرت ببيانه، وإن شقَّ بعضُ ذلك على بعض القلوب فانصدعت، والمشابهةُ بينهما فما يوثره التصريح في القلوب، فيظهر أثر ذلك على ظاهر الوجوه من القبض والانبساط، ويلوح عليها من علامات الإنكار أو الاستبشار، كما يظهر على ظاهر الزجاجة المصدوعة، فانظر
стр. 226
إلى جليل هذه الاستعارة، وعظيم إيجازها، وما انطوت عليه من المعاني الكثيرة.
وقد حُكي عن بعض الأعراب أنه لما سمع هذه الآية سجد وقال: سجدت
لفصاحة هذا الكلام.
وقوله تعالى: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ) .
قال بعضهم: جمع بهاتين اللفظتين ما لو اجتمع الْخَلقُ كلهم على وصف ما فيها على التفصيل لم يخرجوا عنه.
وقوله: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) .
قال: معناه كثير، ولفظه يسير، لأن معناه أن الإنسان إذا علم أنه متى قَتل قُتِلَ به كان ذلك داعيا إلى ألا يقْدِم على القتل، فارتفع بالقتل الذي هو القصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعضٍ، وكان ارتفاع القتل حياة لهم.
وقد فُضِّلت هذه الجملة على أوجز ما كان عند العرب في هذا المعنى، وهو
قولهم: القتل أنْفَى للقتل - بعشرين وجهاً أو أكثر.
وقد أشار ابن الأثير إلى إنكار هذا التفضيل، وقال: لا تشبيه بين كلام
الخالق وكلام المخلوق، وإنما العلماء يقدحون أفهامهم فيما يظهر لهم من ذلك.
الأول: أن ما يُناظره من كلامهم، وهو قوله: (الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) أقلّ
حروفاً، فإن حروفها عشرة، وحروف: القتل أنفى للقتل - أربعة عشر.
الثاني: أن نفي القتل لا يستلزم الحياة، والآية ناصَّة على ثبوتها التي هي
الغرض المطلوب منه.
الثالث: أن تنكير حياة تفيد تعظيما، فتدل على أن القصاص في حياة
متطاولة، كقوله: (ولتجدنَّهم أحْرَصَ الناسِ على حياةٍ) .
ولا كذلك المثل، فإن اللام فيه للجنس، ولذا فسروا الحياة فيها بالبقاء.
الرابع: أن الآية مطردة بخلاف المثل، فإنه ليس كل قتل أنفى للقتل، بل
стр. 227
قد يكون أدعى له، وهو القتل ظلماً، وإنما ينفيه قتلٌ خاص، وهو القصاص، ففيه حياة أبداً.
الخامس: أن الآية خالية من تكرار لفظ " القَتْل " الواقع في المثل، والخالي من التكرار أفضل من المشتمل عليه، وإن لم يكن مخلاَّ بالفصاحة.
السادس: أن الآية مستغنية عن تقدير محذوف، بخلاف قولهم، فإن فيه
حذف " من " التي بعد أفعل التفضيل وما بعدها، وحذف قصاصاً مع القتل
الأول وظلماً مع القَتْل الثاني، والتقدير: القتل قصاصاً أنفى للقتل ظلماً من تركه.
السابع: أن في الآية طباقا، لأن القصاص مشعر بضد الحياة، بخلاف القتل.
الثامن: أن الآية اشتملت على فن بديع، وهو جعل أحد الضدين الذي هو
الفَناء والموت محلاًّ ومكاناً لضده الذي هو الحياة، واستقرارُ الحياة في الموت
مبالغة عظيمة، ذكره في الكشاف وعبّر عنه صاحب الإيضاح بأنه جعل القصاص كالمنبع للحياة والمعدن لها بإدخال " في " عليه.
التاسع: أن في المثل توالي أسباب كثيرة خفيفة، وهو السكون بعد الحركة
وذلك مستَكرَه، فإن اللفظ المنطوق به إذا توالت حركاته تمكن اللسان من النطق به، وظهرت فصاحته بخلاف ما إذا تعقب كل حركة سكون، فالحركات تنقطع بالسكنات، نظيره إذا تحركت الدابة أدنى حركة فجثت ثم تحركت فجثت لا يتبين انطلاقها، ولا تتمكن من حركتها على ما تختاره، فهي كالمقيدة.
العاشر: أن المثل كالتناقض من حيث الظاهر، لأن الشيء لا ينفي نفسه.
الحادي عشر: سلامة الآية من تكرير قلقلة القاف الوجب للضغط والشدة، وبُعدها عن غُنَّة النون.
الثاني عشر: اشتمالها على حروف متلائمة، لما فيها من الخروج من القاف إلى الصاد، إذ القاف من حروف الاستعلاء، والصاد من حروف الاستعلاء
والإطباق، بخلاف الخروج من القاف إلى التاء التي هي حرف منخفض، فهو
стр. 228
غير ملائم للقاف، وكذا الخروج من الصاد إلى الحاء أحسنُ من الخروج من اللام إلى الهمزة، لبُعد ما دون طرف اللسان وأقصى الحلق.
الثالث عشر: في النطق بالصاد والحاء والتاء حسن الصوت، ولا كذلك
تكرير القاف والتاء.
الرابع عشر: سلامتها من لفظ القتل المشْعر بالوحشة، بخلاف لفظ الحياة.
فإن الطباع أقْبل له من لفظ القتل.
الخامس عشر: أن لفظ القصاص مُشْعر بالمساواة، فهو منبئ عن العدل.
بخلاف مطلق القتل.
السادس عشر: الآية مبنية على الإثبات والمثَل على النفي، والإثباتُ
أشرف، لأنه أول، والنفي ثان عنه.
السابع عشر: أن المثل لا يكاد يُفْهَم إلا بعد فهم أن القصاص هو الحياة.
وقوله: (ولكم في القصاص حياة) مفهوم من أول وَهْلة.
الثامن عشر: أن في المثل بناء أفعل التفضيل من فعل متعد، والآية سالمة
التاسع عشر: أن أفعل في الغالب تقتضي الاشتراك، فيكون ترك القصاص
نافياً للقتل، ولكن القصاص أكثر نفياً، وليس الأمر كذلك، والآية سالمة من ذلك.
العشرون: أن الآية رادعة عن القتل والجرح معاً لشمول القصاص لها.
والحياة أيضاً في قصاص الأعضاء، لأن قطع العضو ينقص مصلحة الحياة، وقد يسري إلى النفس فيزيلها، ولا كذلك المثل.
ثم في أول الآية: (ولكمْ) .
وفيها لطيفة، وهي بيان العناية بالمؤمنين على الخصوص، وأنهم المراد حياتهم لا غيرهم، لتخصيصهم بالمعنى مع وجوده فيمَنْ سواهم.
стр. 229
تنبيهات
الأول: ذكر قُدامة من أنواع البديع الإشارة، وفَسَّرَها بالإتيان بكلام قليل
ذي معان جمَّة، وهذا هو إيجاز القِصر بعينه، لكن فرق بينهما ابن أبي الإصبع
بأن الإيجاز دلالته مطابقة، ودلالة الإشارة إما تضمين أو التزام، فعُلم منه أن
المراد به ما تقدم في مبحث المنطوق.
الثاني: ذكر القاضي أبو بكر في إعجاز القرآن أن من الإيجاز نوعاً يسمى
التضمين، وهو حصول معنى في لفظ من غير ذكرٍ له باسم أو صفة هي عبارة
عنه، قال: وهو نوعان: أحدها ما يُفهم من البنية، كقولك: معلوم، فإنه
يوجب أنه لا بد من عالم.
والثاني من معنى العبارة، كـ بسم الله الرحمن الرحيم.
فإنه تضمن تعليم الاستفتاح في الأمور باسمه على جهة التعظيم للهِ والتبرك باسمه.
الثالث: ذكر ابن الأثير وصاحب عروس الأفراح وغيرها أن من أنواع
إيجاز القِصَر باب الحصر، سواء كان بإلا أو بإنما أو غيرها من أدواته، لأن
الجملة فيها نابت مناب جملتين.
وباب العطف، لأن حرفه وضع للإغناء عن إعادة العوامل.
وباب النائب عن الفاعل، لأنه دل على الفاعل بإعطائه حكمه.
وعلى المفعول بوضعه.
وباب الضمير، لأنه وضع للاستغناء عن الظاهر اختصاراً.
ولهذا لا يُعْدل إلى المنفصل مكان المتصل.
وباب علمت أنك قائم، لأنه محل لاسم واحد سدَّ مَسَدَّ المفعولين من غير
حذف.
ومنها باب التنازع إذا لم تقدر على رأي الفراء.
ومنها طرح المفعول اختصاراً على جَعْل المتعدي كاللازم، وسيأتي تحريره.
ومنها جميع أدوات الاستفهام والشرط، فإنَّ " كم مالك "، يغني عن قولك:
أهو عشرون أم ثلاثون، وهكذا إلى ما لا يتناهى.
ومنها الألفاظ الملازمة للعموم كأحد.
стр. 230
ومنها لفظ التثنية والجمع، فإنه يغني عن تكرير المفرد، وأقيم الحرفُ فيها
مقامه اختصاراً.
ومما يصلح أن يعد من أنواعه المسمى بالاتساع من أنواع البديع، وهو أن يأتي بكلام يتسع فيه التأويل بحسب ما تحتمله ألفاظه من المعاني، كفواتح السور، ذكره ابن أبي الإصبع.
القسم الثاني من قسمي الإيجاز إيجاز الحذف، وله فوائد .
ذكر أسبابه:
منها: مجرّد الاختصار والاحتراز عن العبث لظهوره.
ومنها: التنبيه على أن الزمان يتقاصر عن الإتيان بالمحذوف، وأن الاشتغال
بذكره يُفضي إلى تفويت المهم، وهذه هي فائدة باب التحذير والإغراء، وقد اجتمعا في قوله: (ناقةَ اللهِ وسُقْيَاها) ، فناقة الله تحذير بتقدير ذَرُوا، وسقياها إغراء بتقدير الزموا.
ومنها: التفخيم والإعظام لما فيه من الإيهام.
قال حازم في " منهاج البلغاء ":
إنما يحسن الحذفُ لقوة الدلالة عليه، أو يقصد به تعديد أشياء، فيكون في
تعدادها طولٌ وسآمة، فيحذف ويكتفى بدلالة الحال وتُتْرك النفس تجول في
الأشياء المكتفى بالحال عن ذكرها.
قال: ولهذا القصد يؤثر في المواضع التي يراد
بها التعجب والتهويل على النفوس.
ومنه قوله في وصف أهل الجنة: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) .
فحذف الجواب إذ كان وصف ما يجدونه ويلقونه عند ذلك لا يتناهى، فجُعِل الحذف دليلاً على ضيق الكلام عن
وصف ما يشاهدونه وتَرْك النفوس تقدر ما شاءته، ولا تبلغ مع ذلك كنه ما
هنالك.
وكذا قوله: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) ، أي لرأيت أمرأ فظيعاً لا تكاد تحيط به العبارة.
ومنها: التخفيف لكثرة دورانه في الكلام، كما في حذف حرف النداء، نحو:
стр. 231
(يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) .
ونون لم يك، والجمع السالم.
ومنه قراءة: (والمقيمي الصلاة) .
وياء: (واللَّيْل إذا يَسْرِ) .
وسأل المؤرَج السدوسي الأخفش عن هذه الآية، فقال: عادة العرب أنها إذا
عدلت بالشيء عن معناه نقصت حروفه، والليل لما كان لا يَسْرِى، وإنما يُسرى فيه، نقص منه حرف، كما قال تعالى: (وما كانت أمّكِ بغيّا) .
الأصل بغية، فلما حوّل عن فاعل نقص منه حرف.
ومنها: كونه لا يصلح إلا له، نحو: (عالم الغَيْبِ والشهادة) ، (فعال لما يُرِيد) .
ومنها: شهرته حتى يكون ذكره وعدمه سواء، قال الزمخشري: وهو نوع من دلالة الحال التي لسانها أنطؤ من لسان المقال، وحمل عليه قراءة حمزة:
(تَسَاءَلونَ بهِ والأرْحَامِ) ، لأن هذا مكان شهر بتكرير الجار، فقامت الشهرة مقام الذكر.
ومنها: صيانته عن ذكره تشريفاً، كقوله: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) .
حذف فيها المبتدأ في ثلاثة مواضع قبل ذكر الرب، أى هو رب.
والله ربكم. والله رب المشرق، لأن موسى استعظم حال فرعون وإقدامه على السؤال فأضمر اسم الله تعظيما وتفخيما.
ومثله في عروس الأفراح: (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) ، أي ذاتك.
ومنها: صيانة اللسان عنه تحقيراً له، نحو: (صم بكم) .
أي هم، أو المنافقون.
ومنها: قصد العموم، نحو: (وإياك نستعين) ، أي على
стр. 232
العبادة وعلى أمورنا كلها.
(والله يَدْعُو إلى دار السّلام) ، أي كل واحد.
ومنها رعاية الفاصلة، نحو: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) .
أى وما قلاك.
ومنها: قصد البيان بعد الإبهام، كما في فعل المشيئة، نحو: (فلَوْ شاء
لهدَاكم) ، أي فلو فاء هدايتكم، فإنه إذا سمع السامع (فلو شاء) تعلّقت نفسه بما شاء، انْبهَم عليه، لا يدرى ما هو.
فلما ذكر الجواب استبان بعد ذلك.
وأكثر ما يقع ذلك بعد أداة شرط، لأن مفعول المشيئة مذكور في جوابها.
وقد يكون مع غيرها استدلالاً بغير الجواب، نحو: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) .
وقد ذكر أهل البيان أن مفعول المشيئة والإرادة لا يذكر إلا إذا كان غريباً
أو عظيما، نحو: (لمن شاء منكم أنْ يَسْتَقِيم) .
(لو أرَدْنا أن نتَّخذ لَهواً) .
وإنما اطرد أو كثر حذدث مفعول المشيئة دون سائر الأفعال، لأنه لا يلزم
من وجود المشيئة وجود المشاء، فالمشيئة المستلزمة لمضمون الجواب لا يمكن أن تكون إلا مشيئة الجواب، ولذلك كانت الإرادة مثلها في اطراد حذف مفعولها.
ذكره الزملكاني والتنوخي في الأقصى القريب، قالوا: إذا حذف بعد (لو)
فهو المذكور في جوابها أبداً.
وأورد في عروس الأفراح: (قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً) .
فإن المعنى لو شاء ربنا إرسال الرسل لأنزل الملائكة، لأن المعنى معين على ذلك.
فائدة
قال الشيخ عبد القاهر: ما من اسم حُذف في الحالة التي ينبغي أن يحذف فيها
إلا وحَذْفه أحسن من ذكره.
стр. 233
وسمى ابن جِنّي الحذف شجاعة العربية، لأنه يشجع على الكلام.
قاعدة
في حذف المفعول اختصارًا واقتصارًا
قال ابن هشام: جرت عادة النحويين أن يقولوا بحذف المفعول اختصاراً
واقتصاراً، ويريدون بالاختصار الحذف لدليل، وبالاقتصار الحذف لغير دليل، ويمثلونه بنحو: (كُلوا واشْرَبوا) ، أي أوقعوا هذيْنِ الفعلين.
والتحقيق أن يقال: يعني كما قال أهل البيان: تارة يتعلق الغرض بالإعلام
بمجرد وقوع الفعل من غير تعيين مَنْ أوقعه ومن أوقع عليه، فيجاء بمصدره
مسنداً إلى فعل كون عام، فيقال حصل حريق أو نهب.
وتارة يتعلق بالإعلام بمجرد إيقاع الفعل للفاعل، فيقتصر عليهما ولا يذكر المفعول ولا ينوى، إذ المنوي كالثابت، ولا يسمى محذوفاً، لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول معه، ومنه: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) .
(هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) .
(وكُلوا واشربوا ولا تسْرِفُوا) .
(وإذا رأيتَ ثَمَّ) .
إذ المعنى ربي الذي يفعل الإحياء والإماتة.
وهل يستوي مَنْ يتصف بالعلم ومن ينتفي عنه
العلم، وأوْقِعوا الأكل والشرب وذَروا الإسر اف.
وإذا حصلت منك رؤية.
ومنه: (ولما ورَد ماءَ مَدْيَن) .
ألا ترى أنه ﵇ رحمهما إذ كانتا على صفة الذياد وقومهما على السقي لا لكون مذودهما غنما ومسقيّهم إبلاً، وكذلك المقصود من " لا نسقي " السقي لا السْقِيّ.
ومن لم يتأمل قدر: يسقون إبلهم، وتذودان غنمهما، ولا نسقي غنما.
وتارة يُقصد إسناد الفعل إلى فاعله وتعليقه بمفعوله، فيذكران، نحو: لا
تَأكُلُوا الربا) ، (ولا تقْرَبوا الزنا) .
وهذا النّوْع الذي إذا لم يذكر محذوفه قيل
стр. 234
محذوف، وقد يكون في اللفظ ما يستدعيه فيحصل الجزم بوجود تقديره، نحو: (أهذا الذي بَعثَ اللهُ رسولا) .
(وكُلاًّ وعدَ اللهُ الحُسْنَى) .
وقد يشتبه الحال في الحذف وعدمه، نحو: (قل ادْعُوا اللهَ أو ادْعُوا الرحمن) .
قد يتوهم أن معناه نادوا فلا حذف، أو سمّوا فالحذف واقع.
ذكر شروطه
هي ثمانية:
أحدها: وجود دليل إما حاليّ، نحو: (قالوا سلاما) .
أي سلمنا سلاماً.
أو مقاليّ، نحو: (وقيل للذين اتَّقَوْا ماذا أنزل ربُّكم قالوا خيراً) .
أى أنزل خيراً.
(قال سلامٌ قومٌ مُنْكَرُون) .
أي سلام عليكم، أنتم قوم منكرون.
ومن الأدلة العقل حيث تستحيل صحة الكلام عقلا إلا بتقدير محذوف.
ثم تارة يدل على أصل الحذف من غير دلالة على تعيينه، بل يستفاد التعيين
من دليل آخر، نحو! (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) .
فإن العقل يدل على أنها ليست المحرمة، لأن التحريم لا يضاف إلى الإحرام، وإنما هو والحل مضافان إلى الأفعال، فعُلم بالعقل حذف شيء.
وأما تعيينه وهو التناول فمستفاد من الشرع، وهو قوله ﷺ : إنما حرم أكلُه لأن العقل لا يدرك محل الحرام ولا الحرمة.
وأما قول صاحب التلخيص إنه من باب دلالة العقل أيضاً فتابَعَ فيه
السكاكي من غير تأمل أنه مبني على أصول المعتزلة.
وتارة يدل العقل أيضاً على التعيين، نحو: (وجاءَ ربك) ، أي أمره، بمعنى عذابه، لأن العقل دل على استحالة مجيء الباري، لأنه من سمات
стр. 235
الحادث، وعلى أن الجائي أمره.
(أوفوا بالعقود) .
(وأوْفُوا بعَهْدِ الله) .
أي بمقتضى العقود وبمقتضى عهد الله، لأن العقد والعهد قولان قد دخلا في الوجود وانقضيا، فلا يتصور فيهما وفاء ولا نَقْض، وإنما الوفاء والنقض بمقتضاهما وما ترتب عليهما من أحكامهما.
وتارة يدل على التعيين العادةُ، نحو: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) .
دلَّ العقل على الحذف، لأن يوسف لا يصح ظرفا للوم، ثم يحتمل أن
يقدر لمتنني في حبه، لقوله: قد شغَفَها حبّاً، أو في مراودته، لقوله: (تُرَاوِد
فَتَاها) .
والعادةُ دلت على الثاني، لأن الحب المفرط لا يلام صاحبه عليه عادة.
لأنه ليس اختيارياً، بخلاف المراودة للقدرة على دفعها.
وتارة يدل عليه التصريح به في موضع آخر، وهو أقواها، نحو: (هل
ينظرون إلا أن يأتيهم الله)
أي أمره، بدليل: أو يأتي أمر ربك.
(وجنّة عرضها السماوات) .
أي كعرض، بدليل التصريح به في آية الحديد.
(رسول من الله) ، أي من عند الله بدليل: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) .
ومن الأدلة على أصل الحذف العادة، بأن يكون العقل غير مانع من إجراء
اللفظ على ظاهره من غير حذف، نحو: (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ) ، أي مكان قتال، والمراد مكاناً صالحاً للقتال، وإنما كان كذلك
لأنهم كانوا أخبر الناس بالقتال، ويتعيرون بأن يتفوهوا بأنهم لا يعرفونه.
فالعادة تمنع أن يريدوا لو نعلم حقيقةَ القتال، فلذلك قدّره مجاهد مكان قتال.
ويدل عليه أنهم أشاروا على النبي ﷺ ألا يخرج من المدينة.
ومنها الشروع في الفعل، نحو: (بسم الله) .
فيقدر ما جعلت التسميةُ مبدأ له، فإن كانت عند الشروع في القراءة قدرت أقرأ، أو الأكل قدرت آكل.
وعلى هذا أهلُ البيان قاطبة، خلافًا لقول النحاة: إنه يقدر ابتدأت، أو ابتدائي كائن بسم الله.
стр. 236
ويدل على صحة الأول التصريح به في قوله: (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) .
وفي الحديث: باسمك اللهم وضعت جَنْي.
ومنها الصناعة النحوية، كقولهم في لا أقسم: التقدير لأنا أقسم، لأن فعل
الحال لا يقسم عليه.
وفي: (تاللهِ تَفْتَأ) : التقدير لا تفتأ، لأنه لو كان الجواب مثبتاً لدخلت اللام والنون كقوله: (وتاللهِ لأكِيدَنّ أصنامَكم) .
وقد توجب الصناعة التقدير وإن كان المعنى غير متوقف عليه، كقولهم في
لا إله إلا الله: إن الخبر محذوف، أي موجود.
وقد أنكره الإمام فخر الدين، وقال: هذا كلام لا يحتاج إلى تقدير.
وتقدير النحاة فاسد، لأن نفي الحقيقة مطلقة أتم من نفيها مقيدة، فإنها إذا
انتفت مطلقة كان ذلك دليلاً على سلب الماهية مع القيد.
وإذا انتفت مقيدة بقيد مخصوص لم يلزم نفيها مع قيد آخر.
ورد بأن تقديرهم موجود يستلزم نفي كل إله غير الله قطعاً، فإن العدم لا
كلام فيه، فهو في الحقيقة نفي للحقيقة مطلقة لا مقيدة.
ثم لا بد من تقدير خبر لاستحالة مبتدأ بلا خبر ظاهر أو مقدر، وإنما يقدر النحويُّ ليعطي القواعد حقَّها وإن كان المعنى مفهوماً.
تنبيه:
قال ابن هشام: إنما يشترط الدليل فما إذا كان المحذوف الجملة بأسرها، أو
أحد ركنيها، أو يفيد معنى فيها هي مبنية عليه، نحو: (تاللهِ تَفْتَأ) ، أما الفضلة فلا يشترط لحذفها وجدان دليل، بل يشترط ألا يكون في
حذفها ضرر معنوي أو صناعي.
قال: ويشترط في الدليل اللفظي أن يكون طبق المحذوف.
ورد قول الفراء في (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ) .
стр. 237
إن التقدير: بل ليحسبنا قادرين، لأن الحسبان المذكور بمعنى الظن، والمقدر بمعنى العلم، إذ التردد في الإعادة كفر، فلا يكون مأمورا به.
قال: والصواب فيها قول سيبويه: إن (قادرين) حال، أي بلى نجمعها
"قادرين" لأن فعل الجمع أقرب من فعل الحسبان، ولأن (بلى) لإيجاب المنفي، وهو فيها فعل الجمع.
الشرط الثاني: ألا يكون المحذوف كالجزء، ومن ثم لم يحذف الفاعل ولا
نائبه، ولا اسم كان وأخواتها.
قال ابن هشام: وأما قول ابن عطية في: (بئس مَثَلُ القوم) .
إن التقدير بئس المثل مثل القوم.
فإن أراد هذا الإعراب، وأن الفاعل لفظ المثل محذوفاً فمردود، وإن أراد تفسير المعنى وأن في بئس ضمير المثل مستتر فسهل.
الثالث: ألا يكون مؤكداً، لأن الحذف مناف للتأكيد، إذ الحذف مبني على
الاختصار والتأكيد مبني على الطول، ومن ثم رد الفارسي على الزجاج في قوله: (إنْ هَذَانِ لساحِرَان) - إن التقدير: إن هذان لهما ساحران.
فقال: الحذف والتوكيد باللام متنافيان.
وأما حذف الشيء لدليل وتوكيده فلا تنافي بينهما، لأن المحذوف لدليل كالثابت.
الرابع: ألا يؤدي حذفه إلى اختصار المختصر، ومن ثم لم يُحذف اسم الفعل
لأنه اختصار للفعل.
الخامس: ألا يكون عاملاً ضعيفاً، فلا يحذف الجار والناصب للفعل والجازم
إلا في مواضع قَوِيت فيها الدلالة، وكثر فيها استعمال تلك العوامل.
السادس: ألا يكون عوضاً عن شيء، ومن ثم قال ابن مالك: إن حرف
النداء ليس عوضاً من أدعو، لإجازة العرب حذفه، ولذا أيضاً لم تحذف التاء من إقامة واستقامة.
وأما: (وإقامَ الصلاة) ، فلا يقاس عليه، ولا خبر كان، لأنه عوض أو كالعوض من مصدرها.
стр. 238
السابع: ألا يؤدي حذفه إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، ولا إلى إعمال
العامل الضعيف مع إمكان إعمال العامل القوي، ومن ثم لم يقس على قراءة:
(وَكُلّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) .
فائدة
اعتبر الأخفش في الحذف التدريج حيث أمكن، ولهذا قال في قوله:
(وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا) .
إن الأصل لا تجزي فيه، فحذف حرف الجر فصار تجزيه، فحذف الضمير فصار تجزي.
وهذه ملاطفة في الصناعة.
ومذهب سيبويه أنهما حذفا معاً.
قال ابن جني: وقول الأخفش في النفس أوفق وآنس من أن يحذف الحرفان معاً في وقت واحد.
قاعدة
الأصل أن يقدر الشيء في مكانه الأصلي، لئلا يخالف الأصل من وجهين:
الحذف، ووضع الشيء في غير محله، فيقدر المفسر في نحو: زيداً رأيته، مقدما عليه.
وجوّز البيانيون تقديره مؤخراً عنه، لإفادة الاختصاص، كما قاله النحاة
إذا منع منه مانع، نحو: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) .
إذ لا يلي أما فعل.
قاعدة
ينبغي تقليل المقدر ما أمكن، لتقل مخالفة الأصل، ومن ثم ضعف قول
الفارسي في: (واللائي لم يحِضْنَ)
إن التقدير فعدتهن ثلاثة أشهر.
والأوْلى أن يقدر كذلك.
قال الشيخ عز الدين: ولا يقدر من المحذوفات إلا أشدها موافقة للغرض
وأفصحها، لأن العرب لا يقدِّرون إلا ما لو لفظوا به لكان أنسب وأحسن
لذلك الكلام، كما يفعلون ذلك في الملفوظ به، نحو:
стр. 239
(جعلَ اللهُ الكعبةَ البيتَ الحرأمَ قِياماً للناس) .
قدَّر أبو علي جعل الله نُصْبَ الكعْبَة.
وقدر غيره حرْمةَ الكعبة وهو أولى، لأن تقدير الحرمة في الهدْي والقلائد والشهر الحرام لا شك في فصاحته، وتقدير النصب فيها بعيد من الفصاحة.
قال: ومهما تردد المحذوف بين الحَسَن والأحسن وجب تقدير الأحسن، لأن الله وصف كتابه بأنه أحسن الحديث، فليكن محذوفه أحسن المحذوفات، كما أن ملفوظه أحسن الملفوظات.
قال: ومتى تردد بين أن يكون مجملاً أو مبيناً فتقدير المبين أحسن، نحو: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ) .
لك أن تقدر " في أمر الحرث " و" في تضمين الحرث "، وهو أولى لتعينه، والأمر مجمل لتردده بين أنواع.
قاعدة
إذا دار الأمر بين كون المحذوف فعلاً والباقي فاعلاً، وكونه مبتدأ والباقي
خبراً، فالثاني أولى، لأن المبتدأ عين الخبر فالمحذوف عين الثابت، فيكون حذفه كلا حذف.
فأما الفعل فإنه غير الفاعل، اللهم إلا أن يعتضد الأول برواية
أخرى في ذلك الموضع، أو بموضع آخر يشبهه، فالأول كقراءة: (يسَبَّح له فيها بالغُدوِّ والآصال) - بفتح الباء.
(كذلك يُوحَى إليك وإلى الذين مِنْ قبلك الله) - بفتح الحاء، فإن التقدير يسبحه رجال، ويوحيه الله، ولا يقدّران مبتدأين حُذف خبرهما لثبوت فاعلية الاسمين في رواية منْ بنى الفعل للفاعل.
والثاني، نحو: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)
فتقدير " خلقهم الله " أولى من " الله خلقهم " لمجيء: خلقهنَّ العزيز العليم.
قاعدة
إذا دار الأمر بين كون المحذوف أولاً أو ثانياً فكونه ثانياً أولى.
ومن ثَمَّ رجح أن المحذوف في نحو: (أتُحَاجّونّي في الله) - نون الوقاية لا نون الرفع.
وفي: (ناراً تَلَظَّى) التاء للتأنيث لا تاء المضارعة.
стр. 240
وفي: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) .
أن المحذوف خبر الثاني لا الأول.
وفي نحو: (الحجّ أشهر) .
أن المحذوف مضاف للثاني أي حج أشهر، لا إلى الأول، أي أشهر الحج.
وقد يجب كونه من الأول، نحو: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) .
وفي قراءة من - رفع ملائكته، لاختصاص الخبر بالثاني، لوروده بصيغة الجمع.
وقد يجب كونه من الثاني، نحو: (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) .
أي بريء أيضاً، لتقدم الخبر على الثاني.
فصل
الحذف على أنواع
أحدها: ما يسمى بالاقتطاع، وهو حذف بعض أحرف الكلمة.
وأنكر ابن الأثير ورود هذا النوع في القرآن.
ورد بأن بعضهم جعل منه فواتح السور على القول بأن كل حرف منها من اسم من أسمائه تعالى كما تقدم.
وادعى بعضُهم أن الباء في قوله: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) ، أول كلمة " بعض " ثم حذف الباقي.
ومنه قراءة بعضهم: " ونادَوْا يا مَالِ"
بالترخيم، ولما سمعها بعض السلف، قال: ما أغْنَى أهلَ النَار عن الترخيم.
وأجاب بعضهم بأنهم لشدة ما هم فيه عجزوا عن إتمام الكلمة.
ويدخل في هذا النوع حذف همزة " أنا " في قوله: (لكنَّا هُوَ اللهُ رَبّي) .
إذ الأصل " لكن أنا "، حذفت همزة أنا تخفيفاً وأدغمت
النون في النون.
ومثله: ما قرىء: ويمسك السماء أن تقع علَّرْض.
بما أنزِلّيك، فمن تعجّل في يومين فلَثْم عليه.
إنها لحْدَى الكُبَر.
стр. 241
النوع الثاني: ما يسمّى بالاكتفاء ، وهو أن يقتضي المقام ذكر شيئين بينهما
تلازم وارتباط، فيكتفى بأحدها عن الآخر لنكتة.
ويختص غالباً بالارتباط العطفي، كقوله تعالى: (سَرَابِيل تَقِيكلم الحرَّ) .
أي والبرد، وخصص الحر بالذكر، لأن الخطاب للعرب وبلادهم حارة والوقاية عندهم من الحر أهم عندهم، لأنه أشد من البرد.
وقيل لأن البرد تقدم ذكر الامتنان بوقايته صريحاً في قوله، (ومِنْ أصوافها وأوْبارِها وأشعارِها أثاثاً) .
وفي قوله: (وجعل لكم مِنَ الْجِبَال أكناناً) .
وفي قوله: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ) .
ومن أمثلة هذا النوع: (بِيَدِك الخير) .
أي والشر، وإنما خص الخير بالذكر، لأنه مطلوب العباد ومرغوبهم، أو لأنه أكثر وجوداً في العالم، أو لأن إضافة الشر إلي الله تعالى ليس من باب الآداب، كما قال ﷺ : والشر ليس إليك.
ومنها: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) .
أي وما تحرك، وخص السكون بالذكر، لأنه أغلب الحالين على المخلوق
من الحيوان والجماد، ولأن كل متحرك يصير إلى السكون.
ومنها: (الذين يُؤْمِنون بالغيب ويُقِيمون الصلاةَ) .
أي والشهادة، لأن الإيمان بكل منهما واجب، وآثر الغيب، لأنه أمدح، ولأنه يستلزم الإيمان بالشهادة من غير عكس.
ومنها: (ورَبُّ المشارق) ، أي والمغارب.
ومنها: (هدًى للمتقين) ، أى وللكافرين، قاله ابن الأنباري.
ويؤيده قوله تعالى: (هُدى للناس) .
ومنها: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ) .
أي ولا والد، بدليل أنه وجب للأخت النصف، وإنما يكون ذلك مع فقد الأب لأنه يسقطها.
النوع الثالث: ما يسمى بالاحتباك ، وهو من ألطف الأنواع وأبدعها،
стр. 242
وقلَّ مَنْ تنبّه له أو نبّه عليه من أهل البلاغة، ولم أره إلا في شرح بديعية الأعمى لرفيقه الأندلسي، وذكره الزركشي في البرهان ولم يسمه هذا الاسم، بل سماه الحذف المقابلي، وأفرده بالتصنيف من أهل العصر العلامة برهان الدين البقاعي الأندلسي في شرح البديعية، قال: من أنواع البديع الاحتباك، وهو نوع عَزِيز، وهو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول، كقوله تعالى: (ومَثَل الذين كفروا كمثل الذي يَنْعِقُ) .
التقدير: ومثل الأنبياء والكفار كمثل الذي ينعق، والذي يُنْعَق
به، فحذف من الأول الأنبياء لدلالة الذي ينعق عليه، ومن الثاني الذي ينعق به لدلالة الذين كفروا عليه.
وقوله: (وأدْخِلْ يَدكَ في جَيْبِك تخرج بيضاء) .
التقدير: تدخل غير بيضاء وأخرجها تخرج بيضاء، فخذف من الأول تدخل غير بيضاء.
ومن الثاني: وأخرجها.
وقال الزركشي: هو أن يجتمع في الكلام متقابلان، فيحذف من كل واحد
منهما مقابله، لدلالة الآخر عليه، كقوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥.
التقدير: إن افتريته فعليَّ إجرامي وأنتم بريء منه، وعليكم إجرامكم وأنا بريء مما تجرمون.
وقوله: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) .
التقدير: ويعذب المنافقين فلا يتوب عليهم، أو يتوب عليهم فلا يعذبهم.
وقوله: (ولا تقربُوهُنَّ حتى يطْهُرْنَ فإذا تطَهَّرْنَ فأتُوهُنَّ) .
أي حتى يَطْهرن من الدم ويَطَّهرن بالماء، فإذا طهرن وتطهَّرن
فأتوهن.
وقوله: (خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا) .
أي عملاً صالحاً بِسَيء وآخر سَيِّئًا بصالح.
قلت: ومن لطيفه: (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ) .
стр. 243
أي فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة تقاتل في سبيل
الطاغوت.
وفي الغرائبِ لِلْكَرْمَاني: في الآية الأولى التقدير: مثل الذين كفَرُوا معك يا
محد كمثل الناعِق مع الغنم، فحذف من كل طرف ما يدل عليه الطرف الآخر.
وله في القرآن نظائر، وهو أبلغ ما يكون من الكلام. انتهى.
ومأخَذُ هذه التسمية من الحبك الذي معناه الشد والإحكام، وتحسين أثر
الصنعة في الثوب، فحبك الثوب سدّ ما بين خيوطه من الثوب وشده وإحكامه بحيث يمنع عنه الخلل مع الحسن والرونق.
وبيان أخذه منه أن مواضع الحذف من الكلام شبهت بالفُرج من الخيوط.
فلما أدركها الناقد البصير بصوغه الماهر في نظمه وحوكه، فوضع الحذوف
موضعه، كان حابكا له، مانعاً من خلل يطرقه، فسد بتقديره ما يحصل به الخلل مع ما أكسبه من الحسن والرونق.
النوع الرابع: ما يسمى بالاختزال ، وهو ما ليس واحدا مما سبق.
وهو أقسام، لأن المحذوف إما كلمة اسم، أو فعل، أو حرف، أو أكثر.
أمثلة حذف الاسم:
حذف المضاف: وهو كثير جداً في القرآن حتى قال ابن جنَيّ: في القرآن منه
زهاء ألف موضع، وقد سردها الشيخ عز الدين في كتابه المجاز على ترتيب السور والآيات، ومنه: (الحجّ أشهر) ، أي حج أشهر، أو أشهر الحج.
(ولكن البِرَّ مَنْ آمَنَ) ، أي ذا البر، أو بر من.
(حرِّمَت عليكم أمّهَاتُكم) النساء: ٢٣) ، أي نكاح أمهاتكم.
(لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) ، أي ضعف عذاب.
(وفي الرِّقَابِ) ، أي وفي تحرير الرقاب.
حذف المضاف إليه: يكثر في ياء المتكلم، نحو: (وَبّ اغْفِرْ لي)
стр. 244
وفي الغايات، نحو: (للَهِ الأمْرُ من قَبْلُ ومن بَعْدُ)
أي من قبل الغلب ومن بعده.
وفي أيّ، وكلّ، وبعض، وجاء في غيرهن كقراءة: (فلا خوف عليهم)
- بضم بلا تنوين، أي فلا خوف شيء عليهم.
حذف المبتدأ: يكثر في جواب الاستفهام، نحو: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١) . أي هي نار.
وبعد فاء الجواب، نحو: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ) ، أي فعمله لنفسه، (ومَنْ أساء فعلَيْها) ، أي فإساءته عليها.
وبعد القول، نحو: (قالوا أساطِيرُ الأوَّلين) .
(قالوا أضغاثُ أحلام) .
وبعد ما الخبر صفة له في المعنى، نحو: (التائِبُون العابدون الحامِدُون) .
ونحو: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) .
ووقع في غير ذلك، نحو: (لا يغرنَّك تقَلّبُ الذين كفروا في البلاد متاعٌ قليل) .
(لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ) ، أي هذا.
(سورةٌ أنْزَلْنَاها) ، أي هذه.
ووجب في النعت المقطوع إلى الرفع حذف الخبر، نحو: (أكُلُهَا دائم
وظلُّها) ، أي دائم.
ويحتمل الأمرين: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) ، أي أجمل، أو فأمري صبر.
(فتحرِيرُ رقَبَةٍ) ، أي عليه، أو فالواجب.
حذف الموصوف: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) ، أي حور قاصرات.
(أن اعْمَلْ سابغَاتٍ) ، أي دروعاً سابغات.
(أيّها المؤمنون) ، أَي القوم المؤمنون.
حذف الصفة: (يَأخذ كلَّ سفينةٍ) ، أي صالحة، بدليل
أنه قرىء كذلك، " وأنْ تعيبها " لا يخرجها عن كونها سفينة.
стр. 245
(الآن جئتَ بالحق) ، أي الواضح، وإلا لكفروا بمفهوم ذلك.
(فلا نُقيم لهم يوْمَ القيامة وَزْنا) ، أي نافعاً.
حذف المعطوف عليه: (أن اضْرِبْ بعصاك البحر فانْفَلَق) ، أي فضرب فانفلق.
وحيث دخلت واو العطف على لام التعليل ففي تخريجه وجهان:
أحدهما: أن يكون تعليلاً معلله محذوف، كقوله: (وليُبْلِيَ المؤمنين منه بلاءً
حسناً) .
فالمعنى وللإحسان إلى المؤمنين فعل ذلك.
والثاني: أنه معطوف على علة أخرى مضمرة لتظهر صحةُ العطف، أي فعل
ذلك ليذيق الكافرين بأسه وليبلي.
حذف المعطوف مع العاطف: (لا يستوي منكم مَنْ أنفقَ من قَبْل الفَتْحِ
وقاتل) ، أي ومن أنفق بعده.
(بِيَدِكَ الخير) ، أي والشر.
حذف الْمُبْدل منه: وخرِّج عليه: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ) .
أي لا تصفه، والكذب بدل من الهاء.
حذف الفاعل: لا يجوز إلا في فاعل المصدر، نحو: (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ) ، أي دعائه الخير.
وجوزه الكسائي مطلقاً لدليِل، وخرج عليه: (إذا بلغت التَّرَاقِي) ، أي الروح.
(حتّى توَارَتْ بالحِجَاب) ، أي الشمس.
حذف المفعول: تقدم أنه كثير في مفعول المشيئة والإرادة، ويرد في غيرها.
نحو: (إنَّ الذين اتخذوا العِجْلَ) ، أي إلهاً.
(كلاَّ سوف تعلمون) ، أي عاقبة أمركم.
حذف الحال: يكثر إذا كان قولاً، نحو: (والملائكة يَدْخلُونَ عليهم مِنْ كل
باب سلام) ، أي قائلين.
стр. 246
حذف المنادى: "ألاَ يَاسجُدُوا". النمل: ١٥، أى يا هؤلاء.
"يا ليت"، أى يا قوم.
حذف العائد: يقع في أربعة أبواب:
الصلة، نحو: (أهذا الذى بعث اللَهُ رَسُولاً) ، أى بعثه.
والصفة، نحو: (واتَّقُوا يوماً لا تجْزِى نفْسٌ عن نَفْس) ، أي فيه.
والخبر، نحو: (وكلاًّ وَعدَ اللهُ الحسنَى) ، أى وعده.
والحال.
حذف مخصوص نعم: نحو: (إنا وجدْنَاه صَابراً نِعْمَ العَبْدُ) .
(فَقَدَرْنَا فنِعْمَ القادِرُون) ، أي نحن.
(ولَنِعْمَ دارُ المتقين) ، أي الجنة.
حذف الوصول: (آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) ، أي والذى أنزل إليكم، لأن الذي أنزل إلينا ليس هو الذى أنزل إلى مَنْ قبلنا.
ولهذا أعيدت ما في قوله: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ) .
أمثلة حذف الفعل:
يطّردُ إذا كان مفسراً، نحو: (وإنْ أحَدٌ من المشركين استجارَكَ)
أالتوبة: ٦، (إذا السماء انشقّت) .
(قل لو أنتم تملكون) .
ويكثر في جواب الاستفهام، نحو: (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا) ، أي أنزل.
وأكْثَر منه حذفُ القَوْل، نحو: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) ، أى يقولان ربنا.
стр. 247
قال أبو علي: حذف القول من حد: حدّث عن البحر ولا حَرَج.
ويأتي في غير ذلك، نحو: (انْتَهو خَيْراً لكم) ، أي وأتوا.
(والذين تبوَّءُوا الدارَ والإيمان) ، أي وألفوا الإيمان واعتقدوه.
(اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) ، أي وليسكن زوجك.
(وامرأته حَمّالَةَ الحطَب) ، أي أذم.
(والْمقِيمينَ الصّلاَةَ) ، أي أمدح.
(وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ) ، أي كان.
(وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ) ، أي يوفوا أعمالهم.
قال ابن جني في المحتسب: أخبرنا أبو على، قال: قال أبو بكر: حذف
الحرف ليس بقياس، لأن الحروف إنما دخلت الكلام لضَرْبِ من الاختصار.
فلو ذهبت تحذفها لكنت مختصراً لها هي أيضاً، واختصار المختصَر إجحاف به.
حذف همزة الاستفهام:
قرأ ابن محيصن.
(سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ) .
وخرّج عليه: (هذا ربّي) في المواضع الثلاثة.
(وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا) ، أي وتلك.
حذف الموصول الحرفي:
قال ابن مالك: لا يجوز إلا في أن، نحو: (ومِنْ آياته يُريكم البَرْقَ) .
وحذف الجارّ يطّرِد مع أنْ وأنَّ، نحو: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ) .
(أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي) .
(أيَعِدكم أنكم) ، أي بأنكم.
وجاء مع غيرها، نحو: (قَدّرْنَاهُ مَنَازِل) ، أي قدرنا له.
(ويبْغونَهَا عِوَجاً) ، أي لها.
(يخوِّفُ أوْلياءَه) ، أي يخوفكم بأوليائه.
(واختار موسى قَوْمَه) ، أي من قومه.
(وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ) ، أي على عُقْدَة النِّكَاحِ.
стр. 248
حذف العاطف: خرج عليه الفارسي: (ولا على الذين إذا ما أتوْكَ لِتَحْمِلَهُم
قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عليه تولَّوْا) ، أي وقلت.
حذف فاء الجواب: خَرّج عليه الأخفش: (إنْ ترَكَ خيراً الوصِيَّةُ للوالدين
والأقْرَبِين) .
حذف حرف النداء كثير: (ها أنتم أولاء) .
(يوسُف أعْرِضْ عن هذا) .
(قال رَبِّ إني وَهَن العَظْمُ مني) .
(فاطرِ السماواتِ والأرض) .
وفي العجائب للكَرْماني: كثر حذف " يا " في القرآن من الرب، تنزيهاً
وتعظيما، لأن في النداء طرفاً من الأمر.
حذف " قد " في الماضي إذا وقع حالاً، نحو: (أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) .
(قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) .
حذف لا النافية: يطرد في جواب القسم إذا كان المنفي مضارعاً، نحو:
(تاللهِ تَفْتأ) ، وورد في غيره، نحو: (وعلى الذين يُطِيقُونَه فِدْيةٌ) .
أي لا يطيقونه.
(وألْقَى في الأرض رَوَاسِيَ أنْ تَمِيدَ بكم) .
أي لئلاَّ تميد.
حذف لام التوطئة: (وإن لم يَنْتَهُوا عمّا يقولُونَ لَيَمَسَّنَّ) .
(وإن أطَعْتُموهم إنكم لمُشْرِكون) .
حذف لام الأمر: خُرّج عليه: (قل لِعَبادِي الذين آمَنُوا يُقيموا الصلاةَ) .
أي ليقيموا.
حذف لام لقد: يحسن مع طول الكلام، نحو: (قد أفْلَح مَنْ زَكّاها) .
حذف نون التوكيد: خرج عليه قراءة: (ألم نشرح) ، بالنصب.
حذف نون الجمع: خرج عليه: (وما هم بضَارِّين به مِنْ أحد) .
стр. 249
حذف التنوين: خرج عليه قراءة: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) . (ولا الليلُ سابِقُ النهارَ) - بالنصب.
حذف حركة الإعراب والبناء، خرج عليه: (فتوبُوا إلى بارِيْكم) ، (ويأمُرْكم) . (وبعُولَتْهُنَّ أحقّ) - بسكون الثلاثة.
وكذا: (أو يَعْفُو الذي بيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح) .
(فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي) .
و (مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا) .
حذف مضافين: (فإنّها مِنْ تَقْوَى القلوبِ) ، أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب.
(فقبَضْتُ قَبْضَةً من أثَر الرَّسُولِ) .
أي من أثر حافر فرس الرسول.
(تَدُور أعينُهم كالَّذِي يُغْشَى عليه) ، أي كدوران عين الذي.
(وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم) ، أي بدل شكر رزقكم.
حذف ثلاثة متضايفات: (فكان قابَ قَوْسَين) ، أي فكان
مقدار مسافة قربه مثل قاب، فحذف ثلاثة من اسم كان وواحد من خبرها.
حذف مفعولي باب ظن: (أيْنَ شُرَكائي الذين كنْتُم تزْعمون) ، أي تزعمونهم شركاء.
حذف الجار مع المجرور: (خلَطُوا عمَلاً صالحاً) ، أي بسَيِّءٍ.
(وآخر سيئاً) ، أي بصالح.
حذف العاطف مع المعطوف: تقدم.
حذف حرف الشرط وفعله، يطَّرد بعد الطلب، نحو: (فاتَّبِعوني يُحْبِبْكُم
الله) ، أي إن اتبعتموني.
(قُلْ لِعِبَادِي الذين آمَنُوا يُقِيمَوا الصلاةَ) ، أي إن قلت لهم يقيموا.
وجعل منه الزمخشري:
(فلن يُخْلِف اللهُ عَهْدَه) ، أي إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف.
وجعل منه أبو حيان: (فَلِمَ تَقْتُلونَ أنبياءَ اللهِ مِن قَبْل) ، أي إن كنتم آمنتم بما أنزل إليكم فلم تقتلون.
стр. 250
حذف جواب الشرط: (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ) ، أي فافعل.
(وإذا قِيل لهم اتّقُوا ما بين أيديكم وما خَلْفكم لعلكم تُرْحَمُون) ، أي أعرضوا، بدليل ما بعده.
(أئِن ذُكَرْتُم) ، أي تطيّرتم.
(ولو جِئْنا بمثْلِه مَدَداً) ، أي لنفد.
(ولو ترى إذ الجرمون تاكِسُو رؤُوسهم) ، أىِ لرأيت أمراً عظيما.
(ولولا فَضْلُ اللهِ عليكم ورحمتُه وأنَّ اللهَ رءوفٌ رَحِيم) ، أي لعذبكم.
(لولا أنْ رَبَطْنَا على قَلْبِها) .، أي لأبدت به.
(وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ) ، أي لسلطكم على أهل مكة.
حذف جملة القسم: (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا) ، أي والله.
حذف جوابه: (والنازعات غَرْقاً) ، أي لتبعثنَّ.
(ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) ، أي إنه لمعْجز.
(ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) ، أي ما الأمر كما زعموا.
حذف جملة مسَبَّبَة عن المذكور، نحو: (لِيُحِقَّ الحقَّ ويُبْطلَ الباطل) ، أي فعل ما فعل.
حذف جُمَل كثيرة: (فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ) ، أي فأرسلوني إلى يوسف لأستعبره الرؤيا، ففعلوا، فأتاه، فقال له: يا يوسف.
خاتمة
تارة لا يُقام شيء مقام المحذوف كما تقدم، وتارة يقام ما يدل عليه، نحو:
(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ) ، فليس الإبلاغ هو الجواب لتقدمه على توليهم، وإنما التقدير: فإن تولوا فلا لوم علي، أي فلا
عذر لكم لأني أبلغتكم.
(وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) .