← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1417

معترك الأقران في إعجاز القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (1 547 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وذكر في الكشاف آخر، وهو أن هارون لما كان أفصح لساناً من موسى نكب فرعون عن خطابه حذراً من لسانه. ومثله: (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) . قال ابن عطية: أفرده بالشقاء لأنه المخاطب أولاً، والمقصود في الكلام. وقيل: لأن الله تعالى جعل الشقاء في معيشة الدنيا في جانب الرجال. وقيل إغضاء عن ذكر المرأة، كما قيل من الكرم سَتْرُ الحرم. السابع عشر: خطاب الاثنين بلفظ الجمع، كقوله: (أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) الثامن عشر: خطاب الجمع بلفظ الاثنين، كما تقدم في " ألْقِيَا ". التاسع عشر: خطاب الجمع بعد الواحد، كقوله: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا) . قال ابن الأنباري: جمع في الفعل الثالث ليدل على أن الأمة داخلون مع النبي ﷺ . ومثله: (يا أيها النبي إذا طلّقْتم النساء) . العشرون: عكسه نحو: (وأقيموا الصلاة) . (وبَشِّر المؤمنين) . الحادي والعشرون: خطاب الاثنين بعد الواحد، نحو: (أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ) . الثاني والعشرون: عكسه، نحو: (فمن رَبُّكما يا موسَى) . الثالث والعشرون: خطاب العَيْن، والمراد به الغير، نحو: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) . الخطاب له ﷺ ، والمرَاد أمته ﷺ ، لأنه كان تقيًّا، وحاشاه ﷺ من طاعة الكفار. ومنه: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) . والمراد بالخطاب التعريض بالكفار. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: لم يشك ﷺ .

стр. 177

ومثله: (واسالْ مَنْ أرسلنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسلنا) . (فلا تكوننَّ من الجاهلين) ، وأنحاء ذلك. الرابع والعشرون: خطاب الغير والمراد به العين، نحو: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ) . الخامس والعشرون: الخطاب العام الذي لم يُقصد به مخاطب معين، نحو: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) . (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) ، (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ) . ولم يُقصد بذلك خطاب معين، بل كل أحد، وأخرج في صورة الخطاب لقصد العموم، يريد أن حالهم تناهت في الظهور بحيث لا يختص بها راءٍ دون راء، بل كل من أمكن منه الرؤية داخلٌ في ذلك الخطاب. السادس والعشرون: خطاب الشخص ثم العدول إلى غيره، نحو: (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ) ، خوطب به النبي ﷺ ، ثم قال للكفار: (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) ، بدليل: (فهَلْ أنتُم مسلمون) . ومنه: (إنّا أرْسَلنَاكَ شاهداً) إلى قوله: (لِتُؤْمِنُوا بالله) الفتح: ٨، ٩. إن قرئ بالفوقية. السابع والعشرون: خطاب التلوين، وهو الالتفات. الثامن والعشرون: خطاب الجمادات خطابَ مَنْ يعقل، نحو: (فقال لَهَا ولِلأرْضِ ائتِيَا طَوْعاً أو كَرْهاً) . التاسع والعشرون: خطاب التهييج، نحو: (وعلى الله فتوكَّلُوا إنْ كنتُم مُؤمنين) . الثلاثون: خطاب التحنّن والاستعطاف، نحو: (يا عبادِىَ الذين أسْرَفوا على أنْفُسِهم) . الحادي والثلاثون: خطاب التحبّب، نحو: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ) .

стр. 178

(يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ) . (يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي) . الثاني والثلاثون: خطاب التعجيز، نحو: (فأتُوا بسورةٍ) . الثالث والثلاثون: خطاب التشريف، وهو كل ما في القرآن مخاطبة بقل. فإنه تشريف منه تعالى لهذه الأمة بأن يخاطبها بغير واسطة لتفوز بشرف المخاطبة. الرابع والثلاثون: خطاب المعدوم، ويصح ذلك تبعاً لموجود، نحو: (يَا بَنِي آدَمَ) ، فإنه خطاب لأهل ذلك الزمان ولكل مَنْ بعدهم. قال ابن القيم: تأمل خطاب القرآن تجد مَلِكًا له الملك كله، وله الحمد كله، أزمّةُ الأمور كلها بيده، ومصدرها منه، ومردها إليه، مستوياً على العرش، لا تخفى عليه خافية من أقطار مملكته، عالما بما في نفوس عباده، مطلعاً على أسرارهم وعلانيتهم، منفرداً بتدبير المملكة، يسمع ويرى، ويعطي ويمنع. ويثيب ويعاقب، ويكرم ويهين، ويخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويقدر ويقضي، ويدبر الأمور، نازلة من عنده دقيقها وجليلها، وصاعدة إليه لا تتحرك ذَرّة إلا بإذنه، ولا تسقط من ورقة إلا بعلمه، فتأمل كيف تجده يثني على نفسه، ويمجد نفسه، ويحمد نفسه، وينصح عباده، ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم، ويرغّبهم فيه، ويحذرهم مما فيه هلاكهم، ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته، ويتحبب إليهم بنعمه عليهم، ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها، ويحذرهم من نقمه، ويذكرهم بما أعد لهم من الكرامة إن أطاعوه، وما أعد لهم من العقوبة إن عصوه، ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه، وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء، ويثني على أوليائه بصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم، ويذم أعداءه بسيء أعمالهم وقبيح صفاتهم، ويضرب الأمثال، وينوِّعُ الأدلة والبراهين، ويجيب عن شُبَه أعدائه أحسن الأجوبة، ويصدق الصادق، ويكذب الكاذب، ويقول الحق، ويهدي السبيل، ويدعو إلى دار السلام، ويذكر أوصافها وحسنها ونعيمها،

стр. 179

ويحذر من دار البوار، ويذكر عذابها وقُبْحها وألمها، ويذكّر عباده فقرهم إليه، ولشدة حاجتهم إليه من كل وجه، وأنهم لا غنى لهم عنه طرفة عين، ويذكرهم غناه عنهم وعن جميع الموجودات، وأنه الغنيّ بنفسه عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه بنفسه، وأنه لا ينال أحد ذرةً من الخير فما فوقها إلا بعدله وحكمته، ونشهد من خطابه عتابه لأحبابه ألطف عتاب، وأنه مع ذلك يقيل عثراتهم، ويغفر زَلّاتهم، ويقبل أعذارهم، ويصلح فسادهم. والمدافع عنهم، والمحامي عنهم، والناصر لهم، والكفيل بمصالحهم، والمنجي لهم من كل كرب، والموفي لهم بوعده، وأنه وليُّهم الذي لا ولي سواه، فهو مولاهم الحق. وينصرهم على عدوهم، فنعم المولى ونعم النصير. وإذا شهدت القلوب من القرآن مَلِكاً عظيما رحيما جليلاً هذا شأنه، فكيف لا تحبه، وتنافس في القرب منه، وتنفق أنفاسها في التودد إليه، ويكون أحب إليها من كل ما سواه، ورضاه أشهى عندها من رضا كل مَنْ سواه، وكيف لا تلهج بذكره، وتصيِّر حُبه والشوق إليه والأنس به هو غذاؤها، وقوتها ودواؤها، بحيث إن فقدت ذلك فسدت وهلكت ولم تنتفع بهياكلها. ******* الوجه الثامن عشر من وجوه إعجازه (ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات) وما لم يكن وما لم يقع فوجد كما ورد على الوجه الذي أخبر، كقوله: (لَتَدْخُلُنَّ المسجِدَ الحرامَ إنْ شاء اللهُ آمِنين) . وقوله: (وهم من بَعْدِ غَلَبِهم سيَغْلِبُون في بِضْعِ سنين) . وقوله: (ليُظْهرَهُ على الدِّين كله) . وقوله: (وعَدَ اللَّهُ الذين آمنوا منكم وعمِلُوا الصالحات) . وقوله: (إذا جاء نَصْرُ اللَهِ والفَتْح) . الخ، فكان جميع هذا كما قال، فَغلبت الروم فارس في بضع سنين، ودخل الناسُ في الإسلام أفواجاً، فما مات ﵇ وفي بلاد العرب كلها موضع لم يدخله

стр. 180

الإسلام، واستخلف المؤمنين في الأرض، ومكن لهم فيها دينهم، وملكهم إياها من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب، كما قال ﵇: زُوِيت لي الأرضُ فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وسيبلغ مُلْك أمتي منها ما زُوي لي منها. وقوله: (قاتِلُوهم يُعَذَبهم الله بأيديكم) . وقوله: (أرسل رسولهُ بالهُدَى) . وقوله: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ) . فكان كل ذلك. وما فيه من كشف أسرار المنافقين واليهود ومقالهم وكذبهم في حلفهم وتقريعهم بذلك، كقوله: (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ) . وقوله: (يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ) . وقوله: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) . ولما نزلت بشَّرَ النبي ﷺ أصحابه بأن الله كفاهم إياهم، وكان المستهزئون ينفّرون الناس عنه ويؤذونه، فهلكوا. وقوله: (واللَه يَعْصِمُك من الناس) ، فكان كذلك على كثرة منْ رام ضرّه وقصد قتله، والأخبار بذلك معروفة معلومة. ******* الوجه التاسع عشر من وجوة إعجازه (إخباره بأحوال القرون السالفة والأمم البائدة، والشرائع الداثرة) مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك، فيورده النبي ﷺ على وجهه، ويأتي به على نصه، فيعترف العالم بذلك بصحته وصدقه. وإن مثله لم ينله بتعليم، وقد علموا أنه ﷺ أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولا اشتغل بمدارسة ولا بمثاقبة، ولم يغب عنهم ولا جهل حاله أحدٌ منهم، وقد كان أهل الكتاب كثيراً ما يسألونه عد عن هذا فينزل عليه من القرآن ما يتلو عليهم منه، كقصص الأنبياء مع قومهم، وبدء الخلق وما في التوراة والإنجيل والزَّبور، وصحف إبراهيم وموسى مما صدّقه فيه العلماء بها ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها، بل أذعنوا لذلك، فمَنْ وفق آمن بما سبق له من خير، ومن شقي فهو معاند حاسد، ومع هذا فلم يُحك عن واحد من اليهود

стр. 181

والنصارى على شدة عداوتهم له وحرصهم على تكذيبه وطول احتجاجه عليهم بما في كتبهم وتقريعهم بما انطوت عليه مصاحفهم، وكثرة سؤالهم له ﵇ وتعنيتهم إياه -، عن أخبار أنبيائهم، وأسار علومهم، ومستودعات سيرهم، وإعلامهم بمكنون شرائعهم، ومضمّنات كتبهم، مثل سؤالهم عن الروح، وذي القرنين، وأصحاب الكهف، وعيسى، وحكم الرجم، وما حَرَّم إسرائيل على نفسه، وما حرم عليهم من الأنعام، ومن طيبات كانت أحلت لهم، فحرمَتْ عليهم ببغيهم. وقوله: (ذَلكَ مَثَلُهم في التّوْرَاة ومَثَلُهم في الإنجيل) . وغير ذلك من أمورهم التي نزل بها القرآن فأجابهم وعرفهم بها أوحي إليه من ذلك - أنه أنكر ذلك أو كذب، بل أكثرهم صرح بصحة نبوءته، وصدق مقاله، واعترف بعناده مع حسدهم إياه، كأهل نَجْرَان، وابن صوريا، وابن أخطب، وغيرهم. ومَنْ باهت في ذلك بعض المباهتة، وادعى أن فيها عندهم لما حكاه مخالفة دُعي إلى دليل، وإقامة حجة، وكشف دعوته، فقيل له: (فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) . إلى قوله: (الظالمون) ، فقرع ووبخ، ودعا إلى إخبار ممكن غير ممتنع، فمن معترف ما جحده، ومتواقح باق على فضيحته من كتابة يده، ولم يؤثر أن واحداً منهم أظهر خلافَ قوله من كتبه، ولا بدأ بدْءاً صحيحاً ولا سقيما من صحفه، قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) . ******* الوجه العشرون من وجوه إعجازه (الروعة التي تلحق قلوبَ سامعيه وأسماعهم عند سماعه) ، والهيْبَة التي تعْتَريهم عند تلاوته لقوة حاله وإبانة خطره، وهي على المكذبين به أعظم حتى كانوا

стр. 182

يستثقلون سماعه، ويزيدهم نفوراً، كما قال تعالى، ويودّون انقطاعه لكراهتهم له، ولذا قال ﵇: إن القرآن صعب مستَصْعَب على من كرهه وهو الحكم. وأما المؤمن فلا تزال روعته به وهيبته إياه مع تلاوته توليه انجذاباً، وتكسبه هشاشة لميل قلبه إليه، وتصديقه به، قال تعالى: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) . وقال تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ) . ويدل على هذا شيء خُصّ به أنه يعتريه من لا يفهم معانيه، ولا يعلم تفاسيره، كما روي عن نصراني أنه مر بقارئ فوقف يبكي، فقيل له: مِمّ بكيت، قال: للشجاعة والنظم. وهذه الروْعة قد اعترف بها جماعة قبل الإسلام وبعده، فمنهم من أسلم لها لأول وهْلة وآمن به، ومنهم من كفر، فحكي في الصحيح عن جُبير بن مطعم، قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب: والطور ... ) فلما بلغ هذه الآية: (أم خُلِقُوا من غَيْرِ شيء أمْ هُمُ الخالقون) ... إلى قوله: (المصيطرون) . كاد قلبي أن يطير. وفي رواية: وذلك أول ما دخل الإيمانُ قلبي. وعن عتبة بن ربيعة، أنه علم النبي ﷺ فيما جاء به من خلاف قومه، فتلا عليهم. (حم فصلت) ... إلى قوله: (صاعقة مثْلَ صاعقةِ عادٍ وثمود) . فأمسك عُتبة بيده على في النبي ﷺ ، وناشده الرحم أن يكف. وفي رواية: فجعل النبي ﷺ يقرأ وعتبة مُصْغ ملْق يديه خلف ظهره معتمداً عليهما حتى انتهى إلى السجدة، فسجد النبي ﷺ ، وقام عتبة لا يدري بما يراجعه، ورجع إلى أهله، ولم يخرج إلى قومه حتى أتوه فاعتذر لهم، وقال: لقد كلمني بكلام والله ما سمعَتْ أذُنَاي بمثله قط، فما دريتُ ما أقول له. وقد حكي عن غير واحد ممن رام معارضته أنه أعترته روعة وهيبة كفَّ بها عن ذلك. فروي أن ابن المقفع طلب ذلك ورامه، وشرع فيه، فمر بصبي يقرأ:

стр. 183

(وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ) . فرجع ومحا ما عمل، وقال: أشهد أن هذا لا يعارض، وما هو من كلام البشر. وكان أفصح أهل وقته. وكان يحيى بن حكيم الغزال بليغَ الأندلس في زمنه، فحكي أنه رام شيئاً من هذا، فنظر في سورة الإخلاص، ليحذو على مثالها وينسج - بزعمه - على منوالها، قال: فاعترتني خشيةٌ ورقَّة حملتني على التوبة والأوبة. وحكي عن بعضهم أنه كان إذا أخذ المصحف بيده يغشى عليه من هيبته. ******* الوجه الحادي والعشرون من وجوه إعجازه (أن سامِعَه لا يمجه وقارئه لا يَملة فتلذ له الأسماع وتشغف له القلوب) فلا تزيده تلاوته إلا حلاوة، ولا ترديده إلا محبة، ولا يزال غضًّا طريًّا، وغيره من الكلام - ولو بلغ في الحسن والبلاغة مبلغه - يمَلّ مع الترديد، ويعادى إذا أعيد، لأن إعادة الحديث على القلب أثقل من الحديد، وكتابنا بحمد الله يستلذّ به في الخلوات، ويؤنس به في الأزمات، وسواه من الكتب لا يوجد فيها ذلك، حتى أحدث لها أصحابها لحوناً وطربا يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراءتها، ولهذا وصف رسول الله ﷺ القرآن بأنه لا يَخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عبره، ولا تَفْنَى عجائبه، ليس بالهزل، لا يشبع منه العلماء، ولا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، هو الذي لم تنْتَه الجن حين سمعته أن قالوا: (إنّا سمعْنَا قرآناً عَجَباً يَهْدِي إلى الرشْدِ فآمَنّا به) . مَنْ قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج، ومن قسم به أقسط، ومن عمل به أجِر، ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم، ومن طلب الهدى من غيره أضله الله، ومن حكم بغيره قصمه الله، هو الذكر الحكيم، والنور المبين، والصراط المستقيم، وحَبْل الله المتين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، ولا يعوج فيقوَّم، ولا يزيغ فيستعتب.

стр. 184

ونحوه عن ابن مسعود، وقال فيه: ولا يختلف ولا يُتَشَانأ، فيه نبأ الأولين والآخرين. وفي الحديث: قال الله لمحمد ﵇: إني مُنَزل عليك توراةً حديثة، تفتَحُ به أعْيُناً عمياً، وأذُنآ صُمًّا، وقلوباً غلفًا، فيها ينابيع العلم، وفهم الحكمة. ******* الوجه الثاني والعشرون من وجوه إعجازه (تيسيره تعالى حفظه وتقريبه على متحفظيه) قال تعالى: (ولقد يسّرْتا القرآنَ للذِّكْر) ، وسائر الأمم لا يحفظ كتبها الواحدُ منهم، فكيف الجمّ على مرور السنين عليهم، والقرآن ميسر حفظه للغلمان في أقرب مدة، حتى إن منهم من حفظه في المنام. وحكي أنه رفع إلى المأمون صبي ابن خمس سنين وهو يحفظ القرآن. قال ابن عطية: يسّر بما فيه من حسن النظم، وشرف المعاني، فله لَوْطة بالقلوب، وامتزاج بالعقول، وهذا مشاهد بالعيان، فلا يحتاج فيه إلى برهان. وأعظم من هذا أن الله يُقْدِرُ بعض خلقِه على خَتْمه في آن واحد مرات كثيرة. قال بعضهم: كنت أستغربه حتى شاهدت بعضهم خَتَمَهُ في دورة الطواف بالبيت الحرام، فحققته مشاهدة. قال الشيخ ولي الله المرجاني: وذلك أن الله أطلق كل شعرة في الجسد لقراءته. والله أعلم. وهذ، أحوال يهبها الله لمن يشاء من عباده. قال أبو عمران: من الناس من أقدره الله على أن يختم القرآن في الليلة الواحدة أربع مرات ثم يغتسل. وكان من الصحابة من يختمه مرة، ومنهم من يختمه مرتين، ومنهم من يختمه ثلاثاً. *******

стр. 185

الوجه الثالث والعشرون من وجوه إعجازه (وقوع الحقائق والمجاز فيه) وقد أنكر قوم وقوع المجاز فيه، وقالوا: إنه أخو الكذب، والقرآنُ منزّه عنه، وإن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت الحقيقة فيستعير، وذلك محال على الله تعالى. وهذه شبهة باطلة، ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شَطْرُ الحسن، فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة، ولو وجب خلو القرآن عن المجاز وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتكنية القصص وغيرها. وقد أفرده بالتصنيف الإمام عز الدين بن عبد السلام، ولخصته مع زيادات كثيرة في كتاب سميته " مجاز الفرسان إلى مجاز القرآن ". وهو قسمان: الأول: المجاز في التركيب، ويسمى مجازَ الإسناد، والمجاز العقلي، وعلاقته الملابسة، وذلك أن يسند الفعل أو شبهه إلى غير ما هو له أصالة لملابسته له، كقوله تعالى: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) .: نسبت الزيادة، وهي فعل الله تعالى، إلى الآيات لكونها سببا لها. (يُذَبِّح أبناءهم) (يا هَامَانُ ابْنِ لي) ، نسب الذبح، وهو فعل الأعوان، إلى فرعون، والبناء وهو فعل العملة، إلى هامان، لكونهما آمرين به. وكذا قوله: (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) . نسب الإحلال إليهم لتسببهم في كفرهم بأمرهم إياهم به. ومنه قوله تعالى: (يَوْماً يجعلُ الوِلْدَان شِيبا) . نسب الفعل إلى الظرف لوقوعه فيه. (عِيشَةٍ راضية) . أي مرضيّة. (فإذا عزم الأمر) : أي عزم عليه، بدليل: (فإذا عزَمْتَ)

стр. 186

وهذا القسم أربعة أنواع: أحدها: ما طرفاه حقيقيان، كالآية المصدّر بها، وكقوله: (وأخرجَتِ الأرضُ أثقالَها) . والثاني: مجازيان، نحو: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) ، أي ما ربحوا فيها. وإطلاق الربح والتجارة هنا مجاز. ثالثها ورابعها: ما أحد طرفيه حقيقي دون الآخر، إما الأول أو الثاني. كقوله: (أم أنْزَلنَا عليهم سُلْطاناً) ، أى برهاناً. (كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) . فإن الدعاء من النار مجاز. وكقوله: (حتى تضَعَ الحرْبُ أوْزَارَها) . (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ) . (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) ، فاسم الأم هاوية مجاز، أى أن الأم كافلة لولدها ملجأ له، كذلك النار للكافرين كافلة ومأوى ومرجع. القسم الثاني: المجاز في المفرد، ويسمى المجاز اللغوي، وهو استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولاً، وأنواعه كثيرة: أحدها، الحذف، وسيأتي مبسوطاً في نوع الإيجاز، فهو به أجدر، خصوصاً إذا قلنا: إنه ليس من أنواع المجاز. الثاني: إطلاق اسم الجزء على الكل، نحو: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) ، أي ذاته. (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) ، أي ذواتكم، إذ الاستقبال يجب بالصدر. (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) ، (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) . عبّر بالوجوه عن جميع الأجساد، لأن التنعم والنصب حاصل لكليهما. (ذلك بما قدَّمَتْ يدَاكَ) . (فَبِما كسبَتْ أيديكم) ، أى قدمتم وكسبتم. نسب ذلك إلى الأيدى، لأن أكثر الأعمال تتناول بها. (قُمِ اللَّيْلَ) ، (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) . (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) . (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ) . أطلق كلاًّ من القراءة

стр. 187

والقيام والركوع والسجود على الصلاة وهو بعضها. (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) ، أي الحرم كله، بدليل أنه لا يذبح فيها. الثالث: إطلاق اسم الكل على الجزء، نحو: (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ) ، أي أناملهم، ونكتة التعبير عنها بالأصابع الإشارةُ إلى إدخالها على غير المعتاد، مبالغة من الفرار، فكأنهم جعلوا فيها الأصابع. (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ) ، أي وجوههم، لأنه لم ير جملتهم. (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) . أطلق الشهر، وهو اسم لثلاثين ليلة، وأراد جزءاً منه، كذا أجاب به الإمام فخر الدين عن استشكال أن الجزء إنما يكون بعد تمام الشرط، والشرط أن يشهد الشهر، وهو اسم لكله حقيقة، فكأنه أمر بالصوم بعد مضي الشهر، وليس كذلك. وقد فسره علي وابن عباس وابن عُمر على أن المعنى من شهد أول الشهر فليصم جميعه، وإن سافر في أثنائه. أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما، وهو أيضاً من هذا النوع، ويصلح أن يكون من نوع الحذف. تنبيه: ألحق بهذين النوعين شيئان: أحدهما: وصف البعض بصفة الكل، كقوله: (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) . والخطأ صفة الكل، وُصف به الناصية. وعكسه: كقوله: (إنّا منكم وَجِلُون) ، والوجل صفة القلب. (ولَمُلِئْتَ مِنْهُم رُعْبا) . والرعب إنما يكون في القلب. والثاني: إطلاق لفظ بعض مرادا به الكل، ذكره أبو عبيدة وخرّج عليه قوله: (وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ) ، أي كله. (وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) .

стр. 188

وتعقب بأنه لا يجب على النبي بيان ما اختلف فيه، بدليل الساعة والروح ونحوهما، وبأن موسى كان وعدهم بعذاب ذكره في الدنيا والآخرة، فقال: يصبكم بعذاب في الدنيا - وهو بعض الوعيد - من غير نفي عذاب الآخرة. ذكره ثعلب. قال الزركشي: ويحتمل أيضاً أن يقال: إن الوعيد مما لا يستنكر ترك جميعه. فكيف بعضه، ويؤيد ما قاله ثعلب قوله: (فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧) . الرابع: إطلاق اسم الخاص على العام، نحو، (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) . الخامس: عكسه، نحو: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) ، أي للمؤمنين، بدليل قوله: (ويستَغْفِرُون للَّذِين آمنوا) . السادس: إطلاق اسم الملزوم على اللازم. السابع: عكسه، نحو: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً) ، أي هل يفعل - أطلق اسم الاستطاعة على الفعل، لأنها لازمة له. الثامن: إطلاق السبب على السبب، نحو: (وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا) . (قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا) ، أي مطراً يتسبب عنه الرزق واللباس. (لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا) ، أي مؤونة من مَهْرٍ ونفقةٍ وما لا بد للمتزوج منه. التاسع: عكسه، وهو نحو: (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ) ، أي القبول والعملَ به، لأنه متسبب عن السمع. تنبيه: من ذلك نسبةُ الفعل إلى سبب السبب، كقوله: (فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) . (كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) ، فإن المخرج في الحقيقة هو الله، وسبب ذلك أكل الشجرة، وسبب الأكل وسوسةُ الشيطان.

стр. 189

العاشر: تسمية الشيء باسم ما كان عليه، نحو: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) ، أي الذين كانوا يتامى، إذ لا يُتمْ بعد البلوغ. (فلاَ تَعْضُلُوهنَّ أنْ يَنْكحْنَ أزواجَهنّ) ، أي الذين كانوا اْزواجهن. (من يأتِ ربَّه مُجْرِماً) . سماه مجرما باعتبار ما كان عليه في الدنيا من الإجرام. الحادي عشر: تسميته باسم ما يؤول إليه، (إني أراني أعْصِرُ خَمْراً) . أي عنباً يؤول إلى الخمرية. (وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) ، أي صائراً إلى الكفر والفجور. (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) . سماه زوجاً لأن العقد يؤول إلى زوجية لأنها لا تنكح في حال كونها زوجاً. (فبشّرْنَاه بغُلام حليم) . (نُبَشِّرُكَ بغلام عَليم) . وصفه في حال البشارة بما يؤول إليه من العلم والحلم. الثاني عشر: إطلاق اسم الحال على المحل، نحو: (فَفِي رَحْمَةِ الله هم فيها خالدون) ، أي في الجنة، لأنها محل الرحمة. (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) ، أي في الليل. (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا) ، أي عيْنك، على قول الحسن. الثالث عشر: عكسه، نحو: (فليَدع نادِيَه) ، أى أهل ناديه، أي مجلسه. ومنه التعبير باليد عن القدرة، نحو: (بِيَدِهِ الملْك) . وبالقلب عن العقل، نحو: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا) ، أي عقول. وبالأفواه عن الألسن، نحو: (وتقولون بأفْوَاهِكم) . وبالقرية عن ساكنيها، نحو: (واسألِ القريةَ) . وقد اجتمع هذا النوع وما قبله في قوله تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) ، فإن أخذَ الزينة غير ممكن، لأنها مصدر، فالمراد محلّها، فأطلق عليه اسم الحال. وأخذها للمسجد نفسه لا يجب، فالمراد به الصلاة، فأطلق اسم المحل على الحال.

стр. 190

الرابع عشر: تسمية الشيء باسم آلته، نحو: (واجعلْ لي لسانَ صِدْق في الآخِرين) ، أى ثناء حسناً، لأن اللسان آلته. (وما أرسلنا مِنْ رسولٍ إلاَّ بِلِسانِ قَوْمه) ، أى بلغة قومه. الخامس عشر: تسمية الشيء باسم ضده، نحو: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، والبشارة حقيقة في الخبر السار. ومنه تسمية الداعي إلى الشيء باسم الصارف عنه، ذكره السكاكي وخرَّج عليه قوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) . يعني ما دعاك إلى ألا تسجد. وسَلِمَ بذلك من دعوى زيادة لا. السادس عشر: إضافة الفعل إلى ما لا يصح منه تشبيهاً، نحو: (جِدَاراً يُريدُ أن يَنقَضَّ) ، وصفَه بالإرادة، وهي من صفات الحي تشبيهاً لميله للوقوع بإرادته. السابع عشر: إطلاق الفعل والمراد مشارفته ومقاربته وإرادته، نحو: (فإذا بَلَغْنَ أجلَهُنَّ فأمْسكوهُنّ) ، أي تاربن بلوغ الأجل، أي انقضاء العدة، لأن الإمساك لا يكون بعده، وهو في قوله: (فبلغْنَ أجلهنّ فلا تَعْضُلُوهنّ) - حقيقة. (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) ، أي فإذا قرب مجيئه. وبه يندفع السؤال المشهور فيها: إنه عند مجيء الأجل لا يتصور تقديم ولا تأخير. (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ) ، أي لو قاربوا أن يتركوا خافوا. لأن الخطاب للأوصياء، وإنما يتوجه إليهم قبل الترك، لأنهم بعده أموات. (إذا قُمْتُم إلى الصّلاَة فاغْسِلوا) ، أي أردتم القيام. (فإذا قرأتَ القرآنَ فاسْتَعِذْ) ، أي أردت القراءة، لتكون الاستعاذة قبلها. (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا) ، أى أردنا إهلاكها، وإلا لم يصح العطف بالفاء. وجعل منه بعضهم قوله: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي) ، أي من يرد الله هدايته، وهو حسن جداً لئلا يتحد الشرط والجزاء.

стр. 191

الثامن عشر: القلب، وهو إما قلب إسناد، نحو: (إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ) ، أى لتَنوء العصبةُ بها. (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) . أي لكل كتاب أجل. (وحرَّمْنَا عليه المراضِعَ من قبْلُ) ، أي حرمناه على المراضع. (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ) ، أي تعرض النار عليهم، لأن المعروض عليه هو الذي له الاختيار. (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) . أي وإن حبه للخير. (وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ) ، أي يريد بك الخير. (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ) ، لأن المتلقي حقيقة هو آدم، كما قرئ بذلك أيضاً. أو قلب عطف، نحو: (ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ) ، أي فانظر ثم تولَّ. (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) .، أي تدلى فدنا، لأنه بالتدلي مال إلى الدنو. أو قلب تشبيه، وسيأتي في نوعه. التاسع عشر: إقامة صيغة مقام أخرى، وتحته أنواع كثيرة: منها: إطلاق المصدر على الفاعل، نحو: (فإنهم عَدُو لي) ، ولهذا أفرده. وعلى المفعول، نحو: (ولا يُحِيطون بشيء من عِلْمِه) ، أي من معلومه. (صُنْعَ اللهِ) ، أي مصنوعه. (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) ، أي مكذوب فيه، لأن الكذب من صفات الأقوال لا الأجسام. ومنه إطلاق البُشرى على المبشّر به، والهوى على المهوي، والقول على القول. ومنها إطلاق الفاعل على المصدر، نحو: (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ) ، أي تكذيب. وإقامة المفعول مقام المصدر، نحو: (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) ، أي الفتنة، على أن الباء غير زائدة. ومنها: إطلاق فاعل على مفعول، نحو: (مَاءٍ دَافِقٍ) ، أي مدفوق.

стр. 192

(لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ) ، أي لا معصوم. (جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا) ، أي مأموناً فيه. وعكسه، نحو: (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا) ، أي آتياً. (حِجَابًا مَسْتُورًا) ، أي ساتراً. وقيل: هو علي بابه، أي مستوراً عن العيون لا يحس به أحد. ومنها: إطلاق فعيل بمعنى مفعول، نحو: (وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥) . ومنها: إطلاق واحد من المثنى والمفرد والجمع على آخر منها. مثال إطلاق المفرد على المثنى، نحو: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) . أي يرضوهما، فأفرد لتلازم الرضاءين. وعلى الجمع (إن الإنسانَ لفي خُسْر) ، أي الأناس، بدليل الاستثناء منه. (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا) ، بدليل: (إِلَّا الْمُصَلِّينَ) . ومثال إطلاق المثنى على المفرد: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ) ، أي ألق. ومنه كل فعل نُسب إلى شيئين، وهو لأحدهما فقط، نحو: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) ، وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح دون العَذْب. ونظيره: (وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَ) ، وإنما تخرج الحلية من الملح. (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا) .، أي في إحداهن. (نَسِيَا حُوتَهما) ، والناسي يوشع. بدليل قوله لموسى: (فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) ، وإنما أضيف النسيان إليهما معاً. لسكوت موسى عنه. (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) . والتعجيل في اليوم الثاني. (عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) . قال الفارسي: أي من إحدى القريتين. وليس منه: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) . وإن المعنى جنة واحدة، خلافاً للفراء. وفي كتاب " ذا القدّ " لابن جنّي: أن منه:

стр. 193

(أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) . وإنما المتخذ إلهاً عيسى دون مريم. ومثال إطلاقه على الجمع: (ثم ارْجع البَصَر كرَّتين) ، أي كرات، لأن البصر لا يحسر إلا بها. وجعل منه بعضهم: (الطلاقُ مرَّتان) . ومثال إطلاق الجمع على المفرد: (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) ، أي ارجعني. وجعل منه ابن فارس: (فناظِرةٌ بِمَ يَرْجع المرسلون) . والرسول واحد، بدليل: ارجع إليهم. وفيه نظر، لأنه يحتمل أنه خاطب رئيسهم، لا سيما وعادة الملوك جارية ألا يرسلوا واحداً. وجعل منه: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ) . (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ) ، أي جبريل. (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا) . والقاتل واحد. ومثال إطلاقه على المثنى: (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) ف. (قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ) . (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) ، أي أخوان. (فقد صَغَتْ قلوبُكما) ، أي قلباكما. (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ) ... إلى قوله: (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) . ومنها إطلاق الماضي على المستقبل لتحقق وقوعه، لمحو: (أتى أمْرُ اللَهِ) ، أي الساعة، بدليل: (فلا تستعجلوه) . (ونُفِخَ في الصّورِ فصعِقَ مَنْ في السماوات ومَنْ في الأرضِ) . (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ) . (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا) . (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ) . وعكسه لإفادة الدوام والاستمرار، فكأنه وقع واستمر، نحو: (أتأمُرون الناسَ بالبِرِّ وتنْسَوْنَ أنفُسَكم) . (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) أي قلت.

стр. 194

(ولقد نعْلَمُ) ، أي علمنا. (قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ) ، أي علم. (فلِمَ تقتلونَ أنبياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ) ، أي قَتلْتُم. وكذا: (فريقاً كذَّبْتُم وفريقاً تقْتُلون) . (ويقول الذين كفروا لسْتَ مُرْسلاً) ، أي قالوا. ومن لواحق ذلك التعبير عن المستقبل باسم الفاعل أو المفعول، لأنه حقيقة في الحال لا في الاستقبال، نحو: (وإنّ الدينَ لواقع) . (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ) . ومنها إطلاق الخبر على الطلب أمراً أو نهياً أو دعاء، مبالغة في الحث عليه. حتى كأنه وقع وأخبر عنه. قال الزمخشري: ورودُ الخبر، والمراد به الأمر أو النهي أبلغ من صريح الأمر أو النهي كأنه سورع فيه إلى الامتثال، وأخبر عنه، نحو: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ) . (والمطققَاتُ يتربَّصن) . (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) - على قراءة الرفع. (وما تُنْفِقون إلا ابتغًاءَ وجْه الله) ، أي لا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله. (لا يمسّه إلا المطَهّرون) . (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) ، أي لا تعبدوا، بدليل قوله: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) . (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ) ، أي اللهم اغفر لهم. وعكسه، نحو: (فليَمْدُدْ له الرْحمنُ مَدًّا) ، أي يمد. (اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ) ، أي ونحن حاملون، بدليل: (وإنهم لكاذِبون) . والكذِبُ إنما يرِدُ على الخبر. (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا) . وقال الكواشي في الآية الأولى: الأمر بمعنى الخبر أبلغ من الخبر، لتضمّنه اللزوم، نحو: إن زرتنا فلنكرمك، يريدون تأكيد إيجاب الإكرام عليهم. وقال ابن عبد السلام: لأن الأمر للإيجاب فأشبه الخبرية لإيجابه (١) .

стр. 195

ومنها: وضع النداء موضع التعجب، نحو: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ) . قال الفراء: معناه يا لها من حسرة. وقال ابن خالويه: هذه من أصعب مسألة في القرآن، لأن الحسرة لا تنادى، وإنما ينادى الأشخاص، لأن فائدته التنبيه، ولكن المعنى على التعجب. ومنها: وضع مجموع القلة موضع الكثرة، نحو: (وهم في الغُرفَاتِ آمِنُون) . وغرف الجنة لا تحصى. (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ) . ورتب الناس في علم الله أكثر من العشرة لا محالة. (يتوفى الأنْفُس) ، (أياماً مَعْدُودات) . ونكتة التقليل في هذه الآية التسهيل على المكلفين. وعكسه، نحو: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) . ومنها: تذكير المؤنث على تأويله بمذكر، نحو: (فمن جاءه موعظةٌ من ربه) ، أي وعظ. (وأحْيَيْنَا به بلدةً مَيْتاً) ، على تأويل البلدة بالمكان. (فلما رأى الشمس بازِغَة قال هذا ربي) ، أى الشمس أو الطالع. (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) . قال الجوهري: ذُكّرت على معنى الاستحسان. وقال الشريف المرتضى قوله: (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) : إن الإشارة للرحمة، وإنما لم يقل " ولتلك " لأن تأنيثها غير حقيقي، ولأنه يجوز أن يكون في تأويل أن يرحم. ومنها: تأنيث المذكر، نحو: (الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١) . أنث الفردوس - وهو مذكر - حملاً على معنى الجنة. (مَنْ جاءَ بالحسنة فله عَشْرُ أمثالها) ، أنث عشراً حيث حذف الهاء مع إضافتها إلى الأمثال وواحدها مذكر، فقيل لإضافة الأمثال إلى مؤنث، وهو ضمير الحسنات، فاكتسب منها التأنيث. وقيل: هو من باب مراعاة المعنى، لأن الأمثال في المعنى مؤنثة، لأن مثل الحسنة حسنة، والتقدير: فله عشر حسنات أمثالها. وسيأتي في آخر الكتاب في القواعد المهمة قاعدة في التذكير والتأنيث.

стр. 196

ومنها: التغليب، وهو إعطاء شيء حكم غيره. وقيل ترجيح أحد المغلوبين على الآخر، وإطلاق لفظه عليهما، إجراء للمختلفين مجرى المتفقين، نحو: (وكانت من الْقَانتين) . (إلا امرأته كانتْ مِن الغابرين) . والأصل من القانتات والغابرات، فعدت الأنثى من الذكر بحكم التغليب. (بل أنتم قومٌ تجْهَلون) ، أتى بتاء الخطاب تغليباً لجانب أنتم على جانب قوم. والقياس أن يؤتى بياء الغيبة، لأنه صفة لقوم، وحسَّن العدول عنه وقوع الموصوف خبراً عن ضمير المخاطبين. (اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ) ، غّلب في الضمير المخاطبين وإن كان (منْ تبعك) يقتضي الغيبة، وحسنّه لأنه لما كان الغائب تبعا للمخاطب في المعصية والعقوبة جُعل تبعاً له في اللفظ أيضاً. وهو من محاسن ارتباط اللفظ بالمعنى. (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) ، غلّب غير العاقل حيث أتى "بما" لكثرته. وفي آية أخرى عبّر بمَنْ، فغلب العاقل لشرفه. (لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) . أدخل شعيب في "لَتَعُودُنَّ" بحكم التغليب، إذ لم يكن في ملتهم أصلا حتى يعود فيها. وكذا قوله: (إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم) . (فسجد الملائكة ُ كلهم أجمعونَ إلا إبليس) . عُدّ منهم بالاستثناء تغليبا لكونه كان بينهم. (يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ) ، أي الشرق والمغرب. قال ابن الشجري: وغلب المشرق لأنه أشهر الجهتين. (مَرجَ البَحْرَيْنِ) ، أي الملح والعذب، والبحر خاص بالملح، فغلّب لكونه أعظم. (ولكل درجاتٌ) ، أي من المؤمنين والكفار، والدرجات للعلو والدركات للسفل، فاستعمل الدرجات في القسمين تغليباً للأشرف. قال في البرهان: وإنما كان التغليب من باب المجاز، لأن اللفظ لم يستعمل فيما وضع له، ألا ترى أن القانتين موضوع للذكور الموصوفين بهذا الوصف، فإطلاقه على الذكور والإناث إطلاق على غير ما وُضع له، وكذا باقي الأمثلة.

стр. 197

ومنها: استعمال حروف الجر في غير معانيها الحقيقية كما تقدم. ومنها: استعمال صيغة أفعل لغير الوجوب وصيغة " لا تفعل" لغير التحريم. وأدوات الاستفهام لغير طلب التصور أو التصديق، وأدوات التمني والترجي والنداء لغيرها، كما سيأتي. ومنها: التضمين، وهو إعطاء الشيء معنى الشىء، ويكون في الحروف والأفعال والأسماء، وسيأتي في حروف الجر. وأما الأفعال فإنه تضمين فعل معنى فعل آخر، ويكون فيه معنى الفعلين معاً، وذلك بأن يأتي الفعل متعدياً بحرفٍ ليس من عادته التعدي به، فيحتاج إلى تأويله أو تأويل الحرف ليصح التعدي به، الأول تضمين الفعل، والثاني تضمين الحرف. واختلفوا أيهما أولى، فقال أهل اللغة وقوم من النحاة: التوسع في الحرف. وقال المحققون: التوسع في الفعل، لأنه في الأفعال أكثر، مثاله: (عَيْناً يشربُ بها عبادُ الله) . فيشرب إنما يتعدى بمن، فتعديتُه بالباء إما على تضمينه معنى يروى ويلتذ، أو بتضمين الباء معنى من. (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) . فالرفث لا يتعدى بإلى إلا على تضمين معنى الإفضاء. (هل لك إلى أنْ تزكّى) . والأصل في، أو تضمين معنى أدعوك. (يقْبَلُ التوبةَ عن عباده) . عُدّيت بعَنْ لتضمينها معنى العفو والصفح. وأما في الأسماء فإنه تضمين اسم معنى اسم لإفادة معنى الاسمين معاً، نحو (حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) ، ضمّن (حَقِيقٌ) معنى حريص، ليفيد أنه محقوق يقول الحق وحريص عليه، وإنما كان التضمين مجازا، لأن اللفظ لم يوضع للحقيقة والمجاز معا، فالجمع بينهما مجاز.

стр. 198

فصل في أنواع مختلف في عدها من المجاز وهي ستة: أحدها: الحذف، فالمشهور أنه من المجاز، وأنكره بعضهم، لأن المجاز استعمال اللفظ في غير موضعه، والحذف ليس كذلك. وقال ابن عطية: حذف المضاف هو عين المجاز ومعظمه، وليس كل حذف مجازاً. وقال الفراء: في الحذف أربعة أقسام: قسم يتوقف عليه صحة اللفظ ومعناه من حيث الإسناد، نحو (واسأل القَرْيَة) ، أي أهلها، إذ لا يصح إسناد السؤال إليها. وقسم يصح بدونه، لكن يتوقف عليه شرعا كقوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) . أي فأفطر فعدة. وقسم يتوقف عليه عادة لا شرعًا، نحو: (اضرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَق) . أي فضربه. وقسم يدل عليه دليل غير شرعي ولا هو عادة، نحو: (فقبضْتُ قبضةً من أثر الرسول) ، دلّ الدليل على أنه إنما قبض قبضة من أثر حافر فرس الرسول. وليس في هذه الأقسام مجاز إلا الأول. وقال الزنجاني في المعيار: إنما يكون مجازًا إذا تغير حكم، فأما إذا لم يتغير كحذف خبر المبتدأ المعطوف على جملة فليس مجازًا، إذ لم يتغير حكم ما بقي من الكلام. وقال القزويني في الإيضاح: من تغيَّر إعراب الكلمة بحذف أو زيادة فهو مجاز، نحو: (واسأل القرية) . (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) .

стр. 199

فإن كان الحذف والزيادة لا يوجب تغيُّر الإعراب، نحو: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ) ، (فَبِمَا رحمةٍ) ، فلا توصف الكلمة بالمجاز. الثاني: التأكيد، زعم قوم أنه مجاز، لأنه لا يفيد إلا ما أفاده الأول. والصحيح أنه حقيقة. قال الطرطوسي في العمدة: ومَنْ سماه مجازاً قلنا له: إذا كان التأكيد بلفظ الأول، نحو: عجل عجل ونحوه، فإن جاز أن يكون الثاني مجازاً جاز في الأول، لأنهما في لفظ واحد، إذا بطل حمل الأول على المجاز بطل حمل الثاني عليه، لأنه مثل الأول. الثالث: التشبيه: زعم قوم أنه مجاز، والصحيح أنه حقيقة. قال الزنجاني في " المعيار ": لأنه معنى من المعاني، وله ألفاظ تدل عليه وضعا فليس فيه نقلُ اللفظ عن موضوعه. وقال عز الدين: إن كان بحرف فهو حقيقة أو بحذف فهو مجاز بناء على أن الحذف من باب المجاز. الرابع: الكناية، وفيها أربعة مذاهب: أحدها: أنها حقيقة. قال ابن عبد السلام: وهو الظاهر، لأنها استعملت فيما وضعت له، وأريد به الدلالة على غيره. الثاني: أنها مجاز. الثالث: أنها لا حقيقة ولا مجاز، وإليه ذهب صاحب التلخيص لمنعه في المجاز أن يراد المعنى الحقيقي مع المجازي وتجويزه ذلك فيها. الرابع: وهو اختيار الشيخ تقي الدين السبكي أنها تنقسم إلى حقيقة ومجاز، فإن استعملْتَ اللفظ في معناه مراداً منه لازم المعنى أيضاً فهو حقيقة، وإن لم يرد المعنى، بل عبّر بالملزوم عن اللازم فهو مجاز لاستعماله في غير ما وُضع له.

стр. 200

والحاصل أن الحقيقة منها أن يُستعمل اللفظ فيما وضع له ليفيد غير ما وضع له، والمجاز منها أن يريد بها غير موضوعها استعمالاً وإفادة. الخامس: التقديم والتأخير: عده قوم من المجاز، لأن تقديم ما رتبته التأخير كالمفعول، وتأخير ما رتبته التقديم كالفاعل - نقْلٌ لكل واحد منهما عن رتبته وحقه. قال في البرهان: والصحيح أنه ليس منه، فإن المجاز نقل ما وضع إلى ما لم يوضع له. السادس: الالتفات، قال الشيخ بهاء الدين السبكي: لم أر مَنْ ذكر هل هو حقيقة أو مجاز. قال: وهو حقيقة حيث لم يكن معه تجريد. فصل فيما يوصف بأنه حقيقة أو مجاز باعتبارين هو الموضوعات الشرعية، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، فإنها حقائق بالنظر إلى الشرع مجازات بالنظر إلى اللغة. فصل في الواسطة بين الحقيقة والمجاز قيل بها في ثلاثة أشياء -: أحدها: اللفظ قبل الاستعمال، وهذا القسم مفقود في القرآن، ويمكن أن يكون منه أوائل السور على القول بأنها للإشارة إلى الحروف التي يتركب منها الكلام. ثانيها: الأعلام. ثالثها: اللفظ المستعمل في المشاكلة، نحو: (ومَكرُوا ومَكر الله) ، (وجَزَاء سيِّئةٍ مِثْلها) . ذكر بعضهم أنها

стр. 201

واسطة بين الحقيقة والمجاز، قال: لأنه لم يوضع فيما استعمل فيه، فليس حقيقة، ولا علاقة معتبرة، فليس مجازًا، كذا في شرح بديعية ابن جابر لرفيقه. قلت: والذي يظهر أنها مجاز، والعلاقة المصاحبة. خاتمة لهم مجاز المجاز، وهو أن يُجْعل المجاز المأخوذ عن الحقيقة بمثابة الحقيقة بالنسبة إلى مجاز آخر، فيتجوّز بالمجاز الأول عن الثاني لعلاقة بينهما، كقوله تعالى: (وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا) ، فإنه مجاز عن مجاز، فإن الْوَطْء تجوز عنه بالسر، لكونه لا يقع غالبا إلا في السر، وتجوز به عن العقد، لأنه مسبب عنه، فالمصحح للمجاز الأول الملازمة والثاني السببية. والمعنى لا تواعدوهن عقد نكاح. وكذا قوله: (ومَنْ يكفر بالإيمانِ فقد حَبِطَ عَمَله) ، فإن قول: (لا إله إلا الله) مجاز عن تصديق القلب بمدلول هذا اللفظ، والعلاقة السببية، لأن توحيد اللسان مسبب عن توحيد الجنان، والتعبير بلا إله إلا الله عن الوحدانية من مجاز التعبير بالقول عن المقول فيه. وجعل منه ابن السيد قوله: (أنزلنا عليكم لِبَاساً) ، فإن المنزل عليهم ليس هو نفس اللباس، بل الماء المنبت للزرع المتخذ منه الغزل المنسوج منه اللباس. ******* الوجه الرابع والعشرون من وجوه إعجازه (تشبيهه واستعاراته وهو من أشرف أنواع البلاغة وأعلاها) قال المبرد في الكامل: لو قال قائل هو أكثر كلام العرب لم يبعد. وقد أفرد تشبيهات القرآن بالتصنيف أبو القاسم بن البندار البغدادي في كتاب سماه " الجمان ". وعرفه جماعة منهم السكاكي بأنه الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى.

стр. 202

وقال ابن أبي الإصبع: هو إخراج الأغمض إلى الأظهر. وقال غيره: هو إلحاق شيء بذي وصف في وصفه. وقال بعضهم: هو أن تثبت للمشبه حكما من أحكام المشبه به. والغرض منه تأنيس النفس بإخراجها من خفيّ إلى جَلِيّ، وإدنائه البعيد من القريب ليفيد بيانا. وقيل: الكشف عن المعنى المقصود مع الاختصار. وأدواته حروف وأسماء وأفعال: فالحروف: الكاف، نحو (كرَمَادٍ) . وكأنّ، نحو: (كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) . والأسماء: مثل، وشبه، ونحوهما مما يشتق من المماثلة والمشابهة. قال الطيبي: ولا تستعمل مثل إلا في حال أو صفة لها شأن وفيها غرابة، نحو: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ) . والأفعال، نحو: (يَحْسَبه الظَّمْآنُ ماءً) . (يُخَيَّلُ إليه من سِحْرِهم أنها تَسْعَى) . قال في التلخيص - تبعاْ للسكاكي: وربما يُذكر فعلٌ يُنْبئ عن التشبيه فيؤتى بالتشبيه القريب، بنحو: علمت زيداً أسداً الدال على التحقيق. وفي البعد بنحو: حسبتُ زيدأ أسداًا لدال على الظن وعدم التحقيق. وخالفه جماعة منهم الطيبي فقالوا في كون هذه الأفعال تنبئ عن التشبيه نوع خفاء. والأظهر أن الفعل ينبئ عن حال التشبيه في القرب والبعد، وأن الأداة محذوفة مقدَّرة لعدم استقامة المعنى بدونه.

стр. 203

ذكر أقسامه ينقسم التشبيه باعتبارات: الأول: باعتبار طرفيه إلى أربعة أقسام، لأنهما إما حسيّان، أو عقليان، أو المشبه به حسي والمشبه عقلي، أو عكسه. مثال الأول: (والقمرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حتى عادَ كالْعُرْجونِ القديم) ، (كأنَّهم أعجازُ نَخْل مُنْقَعِر) . ومثال الثاني: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) . وكذا مثَّل به في البرهان، وكأنه ظن أن التشبيه واقع في القسوة وهو غير ظاهر، بل هو واقع بين القلوب والحجارة، فهو من الأول. ومثال الثالث: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ) . ومثال الرابع لم يقع في القرآن، بل منعه الإمام أصلاً، لأن العقل مستفاد من الحس، فالمحسوس أصل للمعقول، وتشبيهه به يستلزم جعل الأصل فرعاً والفرع أصلاً، وهو غير جائز. وقد اختلف في قوله تعالى: (هُن لِبَاسٌ لكم وأنتُم لِبَاس لهُنَّ) . الثاني: ينقسم باعتبار وجهه إلى مفرد ومركب، والمركب أن ينتزع وجه الشبه من أمور مجموع بعضها إلى بعض، كقوله: (كمثَلِ الحِمَارِ يحملُ أسفاراً) ، فالتشبيه مركب من أحوال الحمار، وهو حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمّل التعب في استصحابه. وقوله: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ ... ) إلى قوله: (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) ، فإنَّ فيه عشر جمل وقع التركيب من مجموعها بحيث لو سقط منها شيء اختل التشبيه، إذ المقصود تشبيه حال الدنيا في سرعة تقضّيها، وانقراض نعيمها، واغترار الناس

стр. 204

بها - بحال ماء نزل من السماء، وأنبت أنواع العشب، وزين بزخرفها وجه الأرض، كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة، حتى إذا طمع أهلها فيها. وظنوا أنها مسلَّمة من الجوائح أتاها بأس الله فجأة، فكأنها لم تكن بالأمس. وقال بعضهم: وجه تشبيه الدنيا بالماء أمران: أحدهما: أن الماء إذا أخذت منه فوق حاجتك تغررت، وإن أخذت قدر الحاجة انتفعت به، فكذلك الدنيا. والثاني: أن الماء إذا أطبقت عليه كفك لتحفظه لم يحصل فيه شيء فكذلك الدنيا. وقوله: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ) . شبه نورهُ الذي يلقيه في قلب المؤمن بمصباح اجتمعت فيه أسباب الإضاءة إما بوضعه في مشكاة - وهي الطاقة التي لا تنفذ، وكونها لا تنفذ لتكون أجمع للبصر. وقد جُعل فيها مصباح في داخل زجاجة تشبه الكوكب الدُّرِّي في صفائها، ودهن المصباح من أصفى الأدهان وأقواها وقوداً، لأنه من زيت شجرة في وسط السراج، لاشرقية ولا غربية، فلا تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار، بل تصيبها الشمس أعدل إصَابة. وهذا مثل ضربه الله للمؤمن، ثم ضرب للكافر مثلين: أحدهما: (كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً) ، والآخر: (كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ) . وهو أيضاً تشبيه مركب. الثالث: ينقسم باعتبار آخر إلى أقسام: أحدها: تشبيه ما تقع عليه الحاسة بما لا تقع، اعتمادا على معرفة النقيض والضد، فإن إدراكهما أبلغ من إدراك الحاسة، كقوله: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) . شبّه بما لا يُشك أنه منكر قبيح لما حصل في نفوس الناس من بشاعة صور الشياطين وإن لم ترها عيانا.

стр. 205

الثاني: عكسه، وهو تشبيه ما لا تقع عليه الحاسة بما تقع عليه، كقوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ) . أخرج ما لا يحس - وهو الإيمان - إلى ما يحس وهو السراب. والمعنى الجامع بطلان التوهم مع شدة الحاجة وعظم الفاقة. الثالث: إخراج ما لا تجري العادة به إلى ما جرت، كقوله تعالى: (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ) . والجامع بينهما الارتفاع في الصورة. الرابع: إخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بها، كقوله: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) . والجامع العظم، وفائدته التشويق إلى الجنة بحسن الصفة وإفراط السعة. الخامس: إخراج ما لا قوة له في الصفة إلى ما له قوة فيها، كقوله تعالى: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) . والجامع فيهما العظم، ولفائدته إبانة القدرة على تسخير الأجسام العظام في ألطف ما يكون من الماء، وما في ذلك من انتفاع الخلق بحمل الأثقال وقطعها الأقطار البعيدة في المسافة القريبة، وما يلازم ذلك من تسخير الرياح للإنسان، فتضمّن ذلك نبأ عظيما من الفخر وتعداد النعم، وعلى هذه الأوجه الخمسة تجرى تشبيهات القرآن. الرابع: ينقسم باعتبار آخر إلى مؤكد، وهو ما حذفت فيه الأداة، نحو: (وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ) ، أي مثل مر السحاب. (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) . (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) . ومرسل، وهو ما لم يحذف، كالآيات السابقة. والمحذوف الأداة أبلغ، لأنه نُزّل فيه الثاني منزلة الأول تجوزا.

стр. 206

قاعدة الأصل دخول أداة التشبيه على المشبَّه به، وقد تدخل على المشبه، إما لقصد المبالغة فيُقلب التشبيه ويجعل المشبه هو الأصل، نحو: (قالوا إنّمَا البَيْعُ مِثْلُ الربا) ، كان الأصل أن يقولوا إنما الربا مثل البيع، لأن الكلام في الربا لا في البيع، فعدلوا عن ذلك وجعلوا الربا أصلا ملحقاً به البيع في الجواز، وأنه الخليق بالحِلِّ. ومنه قوله تعالى: (أفَمَنْ يخْلُقُ كمَنْ لا يخْلُقُ) ، فإن الطْاهر العكس، لأن الخطاب لعبدة الأوثان الذين سموها آلهة تشبيهاً بالله سبحانه، فجعلوا غير الخالق مثل الخالق، فخولف في خطابهم، لأنهم بالغوا في عبادتهم، وغلوا حتى صارت عندهم أصلاً في العبادة، فجاء الرد على وفق ذلك. وإما لوضوح الحال، نحو: (وليس الذَّكَرُ كالأنثَى) . فإن الأصل: وليس الأنثى كالذكر، وإنما عدل عن الأصل، لأن المعنى: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وُهبت. وقيل: لمراعاة الفواصل، لأن قبله: إني وضعتها أنثى. وقد تدخل على غيرهها اعتمادا على فَهْم المخاطب، نحو: (كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) . المراد كونوا أنصار الله حالصين في الانقياد كشأن مخاطبي عيسى إذ قالوا. قاعدة أخرى القاعدة في الذم تشبيه الأعلى بالأدنى، لأن الذم مقام الأدنى. وفي المدح تشبيه الأدنى بالأعلى، لأن الأعلى ظاهِرٌ عليه، فيقال في المدح: حصى كالياقوت. وفي الذم: ياقوت كالزجاج، وكذا في السلب. ومنه، (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ) ، أي في النزول لا في العلو. (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) .

стр. 207

أي في سوء الحال، أى لا نجعلهم كذلك. نعم أورد على ذلك: (مثَلُ نُورِهِ كمِشْكَاةٍ فيها مِصْبَاحٌ) . شبه فيه الأعلى بالأدنى لا في مقام السلب. وأجيب بأنه للتقريب إلى أذهان المخاطبين، إذ الأعلى من نوره مشبه به. فائدة قال ابن أبي الإصبع: لم يقع في القرآن تشبيه شيئين بشيئين ولا أكثر من ذلك، وإنما وقع فيه تشبيه واحد بواحد. زُوِّج المجاز بالتشبيه فتولد بينهما الاستعارة، فهي مجاز علاقته المشابهة. ويقال في تعريفها: اللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي. والأصح أنها مجاز لغوى، لأنها موضوعة للمشبه به لا للمشبه، ولا لأعم منهما، فـ "أسد" في قوله: رأيت أسداً يرمى - موضوع للأسد لا للشجاع، ولا لمعنى أعم منهما، كالحيوان الجريء مثلاً، ليكون إطلاقه عليهما حقيقة كإطلاق الحيوان عليهما. وقيل مجاز عقلي، بمعنى أن التصرف فيها في أمر عقلي لا لغوى، لأنها لا تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به، فكأن استعمالها فيما وُضعت له فتكون حقيقة لغوية، ليس فيها غير نقل الاسم وحده. وليس نقل الاسم المجرد استعارة، لأنه لا بلاغة فيه، بدليل الأعلام المنقولة، فلم يبق إلا أن يكون مجازاً عقلياً. وقال بعضهم: حقيقة الاستعارة أن تستعار الكلمة من شيء معروف بها إلى شيء لم يعرف بها، وحكمة ذلك إظهار الخفي وإيضاح الظاهر الذي ليس بجليّ، أو حصول المبالغة، أو المجموع، مثال إظهار الخفي: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ) .

стр. 208

فإن حقيقته: وإنه في أصل الكتاب، فاستعير لفظ الأم للأصل، لأن الأولاد تنشأ من الأم كما تنشأ الفروع من الأصول. وحكمة ذلك تمثيل ما ليس بمرئي حتى يصير مرئياً، فينتقل السامع من حد السماع إلى حد العيان، وذلك أبلغ في البيان. ومثال إيضاح ما ليس بجلي ليصير جليّاً: (واخْفِضْ لهما جنَاحَ الذّل مِنَ الرحْمَة) ، فإن المراد أمر الولد بالذل لوالديه رحمة، فاستعير للذل أولاً جانب ثم للجانب جناحاً. وتقدير الاستعارة القريبة: واخفض لها جناح الذل، أي اخفض جانبك ذلاَّ. وحكمة الاستعارة في هذا جعل ما ليس بمرئي مرئياً لأجل حسن البيان. ولما كان المراد خفض جانب الولد للوالدين بحيث لا يُبقي الولد من الذل لها والاستكانة ممكناً احتيج في الاستعارة إلى ما هو أبلغ من الأولى، فاستعير لفظ الجناح لما فيه من المعاني التي لا تحصل من خفض الجانب، لأن مَنْ مَال جانبه إلى جانب السفل أدنى ميل صدق عليه أنه خفض جانبه. والمراد خفضٌ يلصق الجنب بالأصل ولا يحصل ذلك إلا بذكر الجناح كالطائر. ومثال المبالغة: (وفَجَّرْنَا الأرضَ عُيوناً) . وحقيقته: وفجرنا عيون الأرض، ولو عبر بذلك لم يكن فيه من المبالغة ما في الأول المشعر بأن الأرض كلها صارت عيوناً. فرع أركان الاستعارة ثلاثة: مستعار، وهو اللفظ المشبه به. ومستعار منه، وهو اللفظ المشبه. ومستعار له، وهو المعنى الجامع. وأقسامها كثيرة باعتبارات، فتنقسم باعتبار الأركان الثلاثة إلى خمسة أقسام: أحدها: استعارة محسوس لمحسوس بوجه محسوس، نحو: (واشْتَعَلَ الرأس شَيْباً) ، فالمستعار منه هو النار، والمستعار له الشيب، والوجه هو

стр. 209

الانبساط ومشابهة ضوء النار لبياض الشيب، وكل ذلك محسوس. وهو أبلغُ مما لو قيل: اشتعل شيب الرأس، لإفادته عموم الشيب لجميع الرأس. ومثله: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) . أصل الموج حركة الماء، فاستعمل في حركتهم على سبيل الاستعارة. والجامع سرعة الاضطراب وتتابعه من الكثرة. (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ) ، استعير خروج النفَس شيئاً فشيئا لخروج النور من المشرق عند انشقاق الفجر قليلا قليلا، بجامع التتابع على طريق التدريج. وكل ذلك محسوس. الثاني: استعار محسوس لمحسوس بوجه عقلي، قال ابن أبي الإصبع: وهي ألطف من الأولى، نحو: (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ) . فالمستعار منه السلخ الذي هو كشط الجلد عن الشاة، والمستعار له كشف الضوء عن مكان الليل، وهما حسيان، والجامع ما يعقل من ترتب أمر على آخر وحصوله عقب حصوله، كترتب ظهور اللحم على الكشط، وظهور الظلمة على كشف الضوء عن مكان الليل. والترتب أمر عقلي. ومثله: (فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) . أصل الحصيد النبات، والجامع الهلاك، وهو أمر عقلي. الثالث: استعارة معقول لمعقول بوجه عقلي. قال ابن أبي الإصبع: وهي ألطف الاستعارات، نحو: (مَنْ بعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا) . المستعار منه الرقاد، أي النوم، والمستعار له الموت، والجامع عدم ظهور الفعل، والكل عقلي. ومثله: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) . والمستعار السكوت، والمستعار منه الساكت، والمستعار له الغضب. الرابع: استعارة محسوس لمعقول بوجه عقلي أيضاً، نحو: (مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ) . استعير المس، وهو حقيقة في الأجسام، وهو محسوس، لمقاساة الشدة، والجامع اللحوق، وها عقليان. (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ) . فالقذف والدمْغ مستعاران، وها محسوسان.

стр. 210

والحق والباطل مستعار لهما، وهما معقولان. (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) . استعير الحبل المحسوس للعهد وهو معقول. (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) . استعير الصدع، وهو كسر الزجاجة، وهو محسوس، للتبليغ وهو معقول. والجامع التأثير وهو أبلغ من بلِّغ، وإن كان بمعناه، لأن تأثير الصدع أبلغ من تأثير التبليغ، فقد لا" يؤثر التبليغ، والصدع يؤثر جزما. (واخفِضْ لهما جناحَ الذل) . قال الراغب: لما كان الذل على ضربين: ضرب يَضَع الإنسان، وضرب يرفعه، وقصد في هذا المكان إلى ما يرفع استعير لفظ الجناح، فكأنه قيل استعمل الذل الذي يرفعك عند الله. وكذا قوله: (الذينَ يَخوضُون في آياتنا) . (فَنَبَذُوه ورَاء ظُهورِهم) . (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ) . (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) . (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) . (فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) . (فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) . (ولا تجعَلْ يَدَك مغلولةً إلى عُنقك) . كلها من استعارة المحسوس للمعقول. والجامع عقلي. الخامس: استعارة معقول لمحسوس، والجامع عقلي أيضاً، نحو: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) . المستعار منه التكبر وهو عقلي، والمستعار له كثرة الماء وهو حسي، والجامع الاستعلاء وهو عقلي أيضاً. ومنه: (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ) . (وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً) . وتنقسم باعتبار اللفظ إلى: أصلية، وهي ما كان اللفظ المستعار فيها اسم جنس كآية: بحبل الله. من الظلمات إلى النور. في كل وَادٍ. وتبعية، وهي ما كان اللفظ فيها غير اسم جنس، كالفعل والمشتقات، كسائر

стр. 211

الآيات السابقة، وكالحروف، نحو: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) . شبه ترتب العداوة والحزن على الالتقاط بترتب غلبة الغائية عليه، ثم استعير في المشبه اللام الموضوعة للمشبه به. وتنقسم باعتبار آخر إلى مرشحَة، ومجَرَّدة، ومطلَقة: فالأولى: وهي أبلغها - أن تقترن بما يلائم المستعار منه، نحو: (أولئكَ الذين اشتَرَوُا الضلالةَ بالهُدَى فما رَبِحَتْ تجارتُهم) . استعير الاشتراء للاستبدال والاختيار، ثم قُرن بما يلائمه من الربح والتجارة. والثانية: أن تقترن بما يلائم المستعار له، نحو: (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) . استعير اللباس للجوع، ثم قُرن بما يلائم المستعار له من الإذاقة، ولو أراد الترشيح لقال: فكساها، لكن التجريد أبلغ لما في لفظ الإذاقة من المبالغة في الألم باطناً. والثالثة: ألا تقترن بواحد منهما. وتنقسم باعتبار آخر إلى: تحقيقية، وتخييلية، ومكنية، وتصريحية: فالأولى: ما تحقق معناها حساً، نحو: (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) . أو عقلا، نحو: (وأنزَلْنَا إليكم نُوراً) . أى بياناً واضحاً وحجة دامغة. (اهْدِنا الصراطَ المستقيم) . أى الدين الحق، فإن كلاًّ منهما متحقق عقلاً. والثانية: أن يضمر التشبيه في النفس فلا يصرح بشيء من أركانه سوى المشبه، ويدل على ذلك التشبيه المضمر في النفس بأن يَثْبت للمشبه أمر مختص بالمشبه به، ويسمى ذلك التشبيه المضمر استعارة بالكناية ومكنياً عنها، لأنه لم يصرح به، بل دل عليه بذكر خواصه. ويقابله التصريحية. ويسمى إثبات ذلك الأمر المختص بالمشبه به للمشبه

стр. 212

استعارة تخييلية، لأنه قد استعير للمشبه ذلك الأمر المختص بالمشبه به، وبه يكون كمال المشبه وقوامه في وجه الشبه، لتخيل أن المشبَّه من جنس المشبه به. ومن أمثلة ذلك: (الذين ينقضُونَ عَهْدَ اللَهِ مِنْ بعْدِ ميثاقِه) . شبه العهد بالحبل، وأضمر في النفس، فلم يصرح بشيء من أركان التشبيه سوى العهد المشبه، ودل عليه بإثبات النقيض الذي هو من خواص المشبه به، وهو الحبل. وكذا ة (واشتعل الرأسُ شَيْبا) . طوى ذكر المشبه به وهو النار، ودل عليه بلازمه وهو الاشتعال. (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ) . شبه ما يدرك من أثر الضر والألم بما يدرك من طعم المر فأوقع عليه الإذاقة. (ختم اللهُ على قلوبهم) . شبهها في ألا تقبل الحق بالشيء الموثوق المختوم، ثم أثبت لها الختم. (جِدَاراً يُريدُ أنْ ينْقَضَّ) . شبه ميلانه للسقوط بانحراف الحي، فأثبت له الإرادة التي هي من خواص العقلاء. ومن التصريحية آية: (مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ) . (مَنْ بعثَنَا مِنْ مَرْقَدِنا) . وتنقسم باعتبار آخر إلى وفاقية، بأن يكون اجتماعهما في شيء ممكناً، نحو: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) ، أي ضالاً فهديناه. استعير الإحياء من جعل الشيء حياً - للهداية التي هي الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب، والإحياء والهداية مما يمكن اجتماعهما في شيء. وعنادية، وهي ما لا يمكن اجتماعهما في شيء، كاستعارة اسم المعدوم للموجود لعدم نفعه، واجتماع الوجود والعدم في شيء ممتنع. ومن العنادية التهكمية والتمليحية، وهما ما استعمل في ضد أو نقيض، نحو: (فبَشِّرْهُم بعذابٍ أليم) ، أي أنذرهم. استُعيرت البشارة وهي في الإخبار بما يسر للإنذار الذي هو ضده بإدخاله في جنسها على سبيل التهكم والاستهزاء، ونحو: (إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيد) . عنوا الغوى السفيه تهكماً. (ذُقْ إنكَ أنْتَ العزيزُ الكريم) .

стр. 213

وتنقسم باعتبار آخر إلى: تمثيلية، وهي أن يكون وجه الشبه فيها منتزعاً من متعدد، نحو: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) . شبه استظهار العبد بالله ووثوقه بحمايته والنجاة من المكاره باستمساك الواقع في مَهْوَاةٍ بحبل وثيق مدَلَّى من مكان مرتفع يؤمَن انقطاعه. تنبيه قد تكون الاستعارة بلفظين، نحو: (قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ) . يعني تلك الأواني ليست من الزجاج ولا من الفضة، بل وصفاء القارورة وبياض الفضة. (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) . فالصب كناية عن الدوام، والسوط عن الإيلام، فالمعنى عذبهم عذاباً دائماً مؤلما. فائدة أنكر قوم الاستعارة بناء على إنكارهم المجاز، وقوم إطلاقها في القرآن، لأن فيها إيهاماً للحاجة، ولأنه لم يرد في ذلك إذْنٌ من الشرع، وعليه القاضي عبد الوهاب المالكي. وقال الطرطوسي: إن أطلق المسلمون الاستعارة فيه أطلقناها، وإن امتنعوا امتنعنا، ويكون هذا من قبيل أن الله عالم، والعلم هو العقل، ثم لا نَصِفُه به لعدم التوقيف. انتهى. فائدة ثانية تقدم أن التشبيه من أعلى أنواع البلاغة وأشرفها. واتفق البلغاء على أن الاستعارة أبلغ منه، لأنها مجاز وهو حقيقة، والمجاز أبلغ، فإذاً الاستعارة أعلى مراتب الفصاحة، وكذا الكناية أبلغ من التصريح. والاستعارة أبلغ من الكناية كما قال في عروس الأفراح: إنه الظاهر، لأنها كالجامعة بين كناية واستعارة، ولأنها مجاز قطعاً. وفي الكناية خلاف. وأبلغ أنواع الاستعارة التمثيلية، كما يؤخذ من الكشاف، ويليها المكنية،

стр. 214

صرح به الطيبي لاشتالها على المجاز العقلي. والترشيحية أبلغ من المجردة والمطلقة. والتخييلية أبلغ من التحقيقية. والمراد بالأبلغية إفادة زيادة التأكيد والمبالغة في كمال التشبيه، لا زيادة في المعنى لا توجد في غير ذلك. خاتمة من المهم تحرير الفرق بين الاستعارة والتشبيه المحذوف الأداة، نحو: زيد أسد، قال الزمخشري في قوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) . فإن قلت: فهل يسمى ما في الآية استعارة؟ قلت: مختلف فيه. والمحققون على تسميته تشبيهاً بليغاً لا استعارة، لأن المستعار له مذكور، وهم المنافقون، وإنما تطلق الاستعارة حيث يُطوى ذكر المستعار له، ويجعل الكلام خِلْوا عنه صالحاً لأن يراد المنقول عنه والمنقول له لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام. ومن ثَمَّ ترى المفْلِقين المهرة يتناسَوْن التشبيه، ويضربون عنه صفحاً. وعلله السكاكي بأن من شرط الاستعارة إمكانَ حمل الكلام على الحقيقة في الظاهر وتنَاسي التشبيه، و" زيد أسد" لا يمكن كونه حقيقة، فلا يجوز أن يكون استعارة. وتابعه صاحب الإيضاح. وقال في عروس الأفراح: وما قالاه ممنوع، وليس من شرط الاستعارة صلاحية الكلام لصرفه إلى الحقيقة في الظاهر. قال: بل لو عكس ذلك، وقال: لا بد من صلاحيته لكان أقرب، لأن الاستعارة مجاز لا بد له من قرينة، فإن لم تكن له قرينة امتنع صرفُه إلى الاستعارة، وصرفناه إلى حقيقته، وإنما نصرفه إلى الاستعارة بقرينة: إما لفظية أو معنوية، نحو: زيد أسد. فالإخبار به عن زيد قرينة صارفة عن إرادة حقيقته. قال: والذي نختاره في نحو " زيد أسد " أنه قسمان: تارة يُقصد به التشبيه. فتكون أداة التشبيه مقدرة، وتارة يقصد به الاستعارة فلا تكون مقدّرة، ويكون الأسد مستعملاً في حقيقته، وذكر " زيد " والإخبار عنه بما لا يصلح له حقيقةً

стр. 215

قرينة - صارفة إلى الاستعارة دالة عليها، فإن قامت قرينة على حذف الأداة صرنا إليه، وإن لم تكن فنحن بين إضمار واستعارة، والاستعارة أولى، فيصار إليها. ومِمّن صرح بهذا الفرق عبد اللطيف البغدادي في قوانين البلاغة، وكذا قال حازم: الفرق بينهما أن الاستعارة وإن كان فيها معنى التشبيه فتقدير حرف التشبيه لا يجوز فيها، والتشبيه بغير حرف على خلاف ذلك، لأن تقدير حرف التشبيه واجب فيه. ******* الوجه الخامس والعشرون من وجوه إعجازه (وقوع الكناية والتعريض) وقد قدمنا آنفاً أن الكناية أبلغ من التصريح، وها من أنواع البلاغة وأساليبِ الفصاحة. وعرّفها أهل البيان بأنها لفظ أريد به لازم معناه. وقال الطيبي: ترك التصريح بالشيء إلى ما يساويه في اللزوم، فينتقل منه إلى الملزوم. وأنكر وقوعها في القرآن من أنكر المجاز فيه بناء على أنها مجاز. وقد تقدم الخلاف في ذلك. وللكناية أسباب: أحدها: التنبيه على عظم القدرة، نحو: (هو الذي خلقكم مِنْ نفْس واحدة) ، كناية عن آدم. وثانيها: ترك اللفظ إلى ما هو أجل، نحو: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ) ، فكنى بالنعجة عن المرأة (١) كعادة العرب في ذلك، لأن ترك التصريح بذكر المرأة أجل منه، ولهذا لم تذكر في القرآن امرأة باسمها إلا مريم. قال السهيلي: وإنما ذُكرت مريم باسمها على خلاف عادة الفصحاء لنكتة، وهي أن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في ملأ.
следующие страницы →