← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1417

معترك الأقران في إعجاز القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (1 547 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

مقابلة السنَة بالنوم في الآية الأولى، فإنهما جميعاً من باب الرقاد المقابَل باليقظة في آية، (وتَحْسَبهم أَيقاظاً وهم رقود) . وهذا مثال الثاني، فإنهما نقيضان. ومثال الثالث مقابلة الشر بالرشد في قوله: (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) . فإنهما خلافان لا نقيضان، فإن نقيض الشر الخير، والرشد الغي. المواربة براء مهملة وباء موحدة: أن يقول المتكلم قولاً يتضمن الإنكار عليه، فإذا حصل الإنكار استحضر بحذْقه وجهاً من الوجوه يتخلص به، إما بتحريف كلمة، أو تصحيفها، أو زيادة أو نقص. قال ابن أبي الإصبع: ومنه قوله تعالى حكاية عن أكبر أولاد يعقوب: (ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ) ، فإنه قُرِئ إن ابنك يسرِّق ولم يسرق، فأتى بالكلام على الصحة بإبدال ضمة من فتحة وتشديد في الراء وكسرها. المراجعة قال ابن أبي الإصبع: هي أن. يحكي المتكلم مراجعةً في القول جرت بينه وبين محاور له بأوجز عبارة، وأعدل سَبك، وأعذب ألفاظ، ومنه قوله تعالى: (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) . جمعت هذه القطعة - وهي بعض آية - ثلاث مراجعات فيها معاني الكلام، من الخبر والاستخبار، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، بالمنطوق والمفهوم. قلت: أحسن من هذا أن يُقال جمعت الخبر والطلب، والإثبات والنفي، والتأكيد والحذف، والبشارة والنذارة، والوعد والوعيد.

стр. 317

النزاهة هي خلوص ألفاظ الهجاء من الفحْش حتى يكون - كما قال أبو عمرو بن العلاء - وقد سئل عن أحسن الهجاء: هو الذي إذا أنشدته العذراء في خدرها لا يقبح عليها. ومنه قوله تعالى: (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) . ثم قال: (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) . فإن ألفاظ ذم هؤلاء الخْبَر عنهم بهذا الخبر أتت منزهة عما يقع في الهجاء من الفحش. وسائر هجاء القرآن كذلك. الإبداع بالباء الموحَّدة: وهو أن يشتمل الكلام على عدة ضروب من البديع. قال ابن أبي الإصبع: ولم أر في الكلام مثل قوله تعالى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) . فإن فيها عشرين ضرباً، وهي سبع عشرة لفظة، وذلك للمناسبة التامة في (ابلعي) و (أقلعي) ، والاستعارة فيهما، والطباق بين الأرض والسماء، والمجاز في قوله: (يَا سَمَاءُ) ، فإن الحقيقة يا مطر السماء، والإشارة في: وغيض الماء، فإنه عبر به عن معان كثيرة، لأن الماء لا يغيض حتى يقلع مطر السماء وتبلع الأرض ما يخرج منها من عيون الماء، فينقص الحاصل على وَجْه الأرض من الماء. والإرداف في: (واستوت) ، والتمثيل في: (وقضي الأمر) . والتعليل، فإنَّ (غِيضَ الْمَاءُ) عِلّة الاستواء. وصحة التقسيم، فإنه استوعب فيه أقسام الماء حالة نقصه، إذ ليس إلا احتباس ماء السماء، والماء النابع من الأرض، وغَيْض الماء الذي على ظهرها. والاحتراس في الدعاء لئلا يتوهَّم أن الغرق لعمومه شمل مَن لا يستحق الهلاك، فإنَ عَدله تعالى يمنع أن يدعو على غير مستحق. وحسن النسق، وائتلاف اللفظ مع المعنى. والإيجاز، فإنه تعالى قص القصة مستوعبة بأخصر عبارة. والتسهيم، لأن أول الآية يدل على آخرها. والتهذيب، لأن مفرداتها موصوفة بصفات الحسن، كل لفظة سهلة مخارج

стр. 318

الحروف، عليها رونق الفصاحة، مع الخلو من البشاعة وعقادة التركيب. وحسن البيان من جهة أن السامع لا يتوقف في فهم معنى الكلام، ولا يشكل عليه شيء منه. والتمكين، لأن الفاصلة مستقرة في محلها، مطمئنة في مكانها، غير قلقة ولا مستدعاة، والانسجام. هذا ما ذكره ابن أبي الإصبع. وفي بديعة الصفيّ منها مائة وخمسون، فتأملها. ******* الوجه الثامن والعشرون من وجوه إعجازه (احتواؤه على الخبر والإنشاء) وأهل البيان قاطبة على انحصار الكلام فيهما، وأنه ليس له قسم ثالث. وادعى قوم انقسامه إلى خبر وطلب وإنشاء، قالوا: لأن الكلام إما أن يحتمل التصديق والتكذيب أم لا: الأول الخبر، والثاني إن اقترن معناه بلفظه فهو الإنشاء، وإن لم يقترن بل تأخر عنه فهو الطلب. والمحققون على دخول الطلب في الإنشاء، وأن معنى " اضْرِبْ " مثلاً - وهو طلب الضرب - مقترن بلفظه. وأما الضرب الذي يوجد بعد ذلك فهو متعلق الطلب لا نفسه. وقد اختلف الناس في حد الخبر، فقيل: لا يحد لعسْره. وقيل: لأنه ضروري، لأن الإنسان يفرق بين الإنشاء والخبر ضرورة، ورجَّحه الإمام في المحصول. والأكثر على حدّه، فقال القاضي أبو بكر والمعتزلة: الخبر الذي يدخله الصدق والكذب، فأورِد عليه خبر الله تعالى، فإنه لا يكون إلاَّ صادقاً. ، أجاب القاضي بأنه يصح دخوله لغة. وقيل: الذي يدخله التصديق والتكذيب، وهو سالم من الإيراد المذكور. وقال أبو الحسن البصري: كلام يفيد بنفسه نسبة، فأورِد عليه نحو: قمْ، فإنه يدخل في الحد، لأن القيام منسوب والطلب منسوب.

стр. 319

وٍ قيل: الكلام المفيد بنفسه إضافةَ أمر من الأمور إلى أمر من الأمور نفياً أو إثباتا. وقيل: القول المقتضي بتصريحه نسبةَ معلوم إلى معلوم بالنفي أو الإثبات. وقال بعض المتأخرين: الإنشاء ما يحصل مدلوله في الخارج بالكلام، والخبر خلافه. وقال مَنْ جعل الأقسام ثلاثة: الكلام إن أفاد بالوضع طلباً فلا يخلو إما أن يطلب ذكر الماهية، أو تحصيلها، أو الكفّ عنها، والأول الاستفهام. والثاني الأمر. والثالث النهي. وإن لم يفِدْ طلباً بالوضع فإن لم يحتمل الصدق والكذب سمِّيَ تنبيهاً وإنشاء، لأنك نبَّهْتَ به على مقصودك، وأَنشأته، أي ابتكرته، من غير أن يكون موجوداً في الخارج، سواء أفاد طلباً لازماً، كالتمنّي والترجّي والنداء والقسم، أم لا، كأنتِ طالق، وإن احتملهما من حيث هو فهو الخبر. فصل القصد بالخبر إفادة المخاطب. وقد يرد بمعنى الأمر، نحو: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ) . (والمطَلَّقاث يَتَرَبّصْنَ) . وبمعنى النهي، نحو: (لا يمَسّه إلا المطَهَّرون) . وبمعنى الدعاء، نحو: (وإياك نَستَعِين) . ومنه: (تَبتْ يَدَا أبي لهَب) ، فإنه دعاء عليه. وكذا: (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) . (غلَّتْ أيديهم ولُعِنوا بما قَالوا) . وجعل منه قوم: (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) . قالوا: هو دعاء عليهم بضيق صدورهم عن قتال أحَد. ونازع ابن العريي في قولهم: إن الخبر يرد بمعنى الأمر أو النهي، فقال في قوله تعالى: (فلا رَفَثَ ولا فسوق) ، - ليس نفياً لوجود الرفث، بل لنفي مشروعيته، فإن الرفث يوجد من بعض الناس، وأخبار الله لا يجوز أن

стр. 320

تقع بخلاف مخبره، وإنما يرجع النفي إلى وجوده مشروعاً لا إلى وجوده محسوساً، كقوله: (والمطَلَّقَات يترتصْنَ) ، ومعناه مشروعاً لا محسوساً. فإنا نجد مطلقات لا يتربصن، فعاد النفي إلى الحكم الشرعي لا إلى الوجود الحسّي. وكذا: (لا يمسهُ إلا المطهَّرون) ، أي لا يمسه أحد منهم شرعاً، فإن وجد المس فعلى خلاف حكم الشرع. قال: وهذه الدقيقة التي فاتت العلماء، فقالوا: إن الخبر يكون بمعنى النهي وما وُجِد ذلك قط، ولا يصح أن يوجد، فإنهما مختلفان حقيقة متباينان وضعاً. انتهى. فرع من أقسامه على الأصح التعجب. قال ابن فارس: وهو تفضيل لشيء على أضرابه. وقال ابن الصائغ: استعظام صفة، خرج بها المتعجَّب منه عن نظائره. وقال الزمخشري: معنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين، لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله. وقال الرّماني: المطلوب في التعجب الإبهام، لأن من شأن الناس أن يتعجبوا مما لم يُعرف سببه، فكلما استبهم السبب كان التعجب أحسن. قال: وأصل التعجب إنما هو للمعنى الخفي سببه. والصيغة الدالة عليه تسمى تعجباً مجازاً، قال: ومن أجل الإبهام لم تعمل " نعم " إلا في الجنس من أجل التفخيم، ليقع التفسير على نحو التفخيم بالإضمار قبل الذكر. تم قد وضعوا للتعجب صيغاً من لفظه، وهي ما أفعل، وأفعل به، وصيغاً من غير لفظه، نحو (كَبر) ، كقوله تعالى: (كَبُرَتْ كلمةً تخرجُ من أفواههم) . (كبر مَقْتاً عند الله) . (كيف تكفرونَ بالله) .

стр. 321

قاعدة قال المحققون: إذا ورد التعجب من الله صرِف إلى المخاطب، كقوله تعالى: (فما أَصْبَرَهم على النار) ، أي هؤلاء يجب أن يتعجب منهم. وإنما لا يوصف تعالى بالتعجب، لأنه استعظام يصحبه الجهل، وهو تعالى منزه عن ذلك، ولهذا تُعَبِّر جماعة بالتعجيب بدله، أي أنه تعجيب من الله للمخاطبين. ونظير هذا مجيء الدعاء والترجي منه تعالى، إنما هو بالنظر إلى ما تفهمه العرب، أي هؤلاء مما يجب أن يقال لهم: عندكم هذا. ولهذا قال سيبويه في قوله تعالى: (لعله يتذكّر أو يَخْشَى) . المعنى اذهبا على رجائكما وطمعكما. وفي قوله: (وَيْلٌ للمطفّفين) . (ويْلٌ يومئذٍ للمكذِّبين) . لا نقول هذا دعاء، لأن الكلام بذلك قبيح، ولكن العرب إنما تكلموا بكلامهم، وجاء القرآن على لغتهم وعلى ما يعنونه، فكأنه قيل لهم: "ويل للمطففين "، أي هؤلاء ممن وجب هذا القول لهم، لأن هذا الكلام إنما يقال لصاحب الشر والهلَكة، فقيل: هؤلاء ممن دخل في الهلكة. فرع من أقسام الخبر الوعد والوعيد، نحو: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) . (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧) . وفي كلام ابن قتيبة ما يوهم أنه إنشاء. فرع من أقسام الخبر النفي، بل هو شطر الكلام كله. والفرق بينه وبين الجَحْد أن النافي إن كان صادقاَ سمّي كلامه نفياً، ولا يسمى جحداً. وإن كان كاذباً سمي نفياً وجحداً أيضاً، فكل جحد نفي، وليس كل نفي جحداً. ذكره أبو جعفر النحاس وابن الشجَري وغيرهما.

стр. 322

مثال النفي: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ) . ومثال الجَحْد نفي فرعون وقومه آيات موسى، قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) . وأدوات النفي: لا، ولات، وليس، وما، وإنْ، ولم، ولمَّا، وستأتي في حروف المعجم. ونورد هنا فائدة زائدة، قال الخُوَيّي: أصل أدوات النفي لا، وما، لأن النفي إما في الماضي وإما في المستقبل، والاستقبال أكثر من الماضي أبدًا، ولا أخفّ من ما، فوضعوا الأخف للأكثر. ثم إن النفي في الماضي إما أن يكون نفيًا واحدًا مستمرا، أو نفياً فيه أحكام متعددة، وكذلك النفي في المستقبل، فصار النفي على أربعة أقسام. واختاروا له أربع كلمات: ما، ولم، ولن، ولا، فأما إن ولمّا فليسا بأصلين، فما ولا في الماضي والمستقبل متقابلان. ولم كأنه مأخوذ من لا وما، لأن لم نفي للاستقبال لفظا والمضِيّ معنى، فأخذ اللام من لا التي هي لنفي المستقبل والميم من " ما "التي هي لنفي الماضي، وجمع بينهما إشارة إلى أن في "لم " إشارة إلى المستقبل والماضي، وقدم اللام على اليم إشارة إلى أن " لا " هي أصل النفي، ولهذا يُنفى بها في أثناء الكلام، فيقال لم يفعل زيد ولا عمرو. أما لما فتركيب بعد تركيب، كأنه قال: لم وما لتوكيد معنى النفي في الماضي. وتفيد الاستقبال أيضاً، ولهذا تفيد لما الاستمرار. تنبيهات الأول: زعم بعضهم أن شرط صحة النفي عن الشيء صحة اتصافِ النفي عنه بذلك الشيء، وهو مردود بقوله: (وما ربّك بغافل عما يعملون) . (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) . (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) ، ونظائره.

стр. 323

والصواب أن انتفاء الشيء عن الشيء قد يكون لكونه لا يمكن منه عقلا. وقد يكون لكونه لا يقع منه مع إمكانه. الثاني: نفي الذاتِ الموصوفة قد يكون نفيًا للصفة دون الذات، وقد يكون نفياً للذات أيضاً. من الأول: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ) . أي بل هم جسد يأكلونه. ومن الثاني: (لا يسألونَ النَّاسَ إلحافاً) . أي لا سؤال لهم أصلاً، فلا يحصل منهم إلحاف. (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) . أي لا شفيع لهم أصلاً. (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) . أي لا شافعين لهم تنفعهم شفاعتهم، بدليل: (فما لنا من شافعِين) . ويسمى هذا النوع عند أهل البديع نفي الشيء بإيجابه. وعبارة ابن رشيق في تفسيره: أن يكون الكلام ظاهره إيجاب الشيء وباطنه نفيه، بأن ينفي ما هو من سببه، كوصفه، وهو المنفي في الباطن. وعبارة غيره: أن تنفي الشيء مقيداً والمراد نفيه مطلقاً مبالغة في النفي وتأكيداً له. ومنه: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ) ، فإن الإله مع الله لا يكون إلا عن غير برهان. (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ) ، فإن قَتْلهم لا يكون إلا بغير حق. (رفَع السماواتِ بغير عَمَدٍ ترونها) . فإنها لا عمد لها أصلاً. الثالث: قد ينفي الشيء أصلاً لعدم كمال وصفه، أو انتفاء ثمرته، كقوله في صفة أهل النار: (لا يموت فيها ولا يحيىَ) . فنفى عنه الموت، لأنه ليس بموت صريح، ونفى عنه الحياة لأنها ليست بحياة طيبة ولا نافعة. (وتَرَاهم ينْظُرون إليكَ وهم لا يُبْصرون) . فإن المعزلة احتجّوا بها على نفي الرؤية، فإن النظر في قوله: (إلى رَبِّها نَاظِرة) ، لا يستلزم الإبصار.

стр. 324

وردّ بأن المعنى أنها تنظر إليه بإقبالها عليه، وليست تبصر شيئا. (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) . فإنه وصفهم أولاً بالعلم على سبيل التوكيد القَسَمِي، تم نفاه آخراً عنهم لعدم جريهم على موجب العلم، قاله السكاكي. الرابع: المجاز. قالوا: يصح نفيه بخلاف الحقيقة. وأشكل على ذلك: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) . فإن المنفي فيه الحقيقة. وأجيب بأن المراد بالرمي هنا المرتَّب عليه، وهو وصوله إلى الكفار، فالوارد عليه النفي هنا مجاز لا حقيقة، والتقدير: وما رميت خلقاً إذ رميت كسباً. أو ما رميت انتهاء إذ رميت ابتداءً. الخامس: نفي الاستطاعة قد يراد به نفي القدرة والإمكان، وقد يراد به نفي الامتناع، وقد يراد به الوقوع بمشقَّة وكلفة. من الأول: (فلا يستطيعون تَوْصِيَةً) . (فلا يستطيعون ردَّها) . (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) . ومن الثاني: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) . على القراءتين، أي هل يفعل، أو هل تجيبنا إلى أن نسأل، فقد علموا أنَ الله قادر على الإنزال، وأن عيسى قادر على السؤال. ومن الثالث: (إنك لن تَسْتَطِيع مَعِي صَبْرا) . قاعدة نفى العام يدل على نفي الخاص، وثبوتُه لا يدل على ثبوته، وثبوث الخاص يدل على ثبوت العام، ونفيه لايدل على نفيه. ولا شك أن زيادة المفهوم من اللفظ توجب الالتذاذ به، فلذلك كان نفي العام أحسنَ من نفي الخاص، وإثبات الخاص أحسن من إثبات العام. فالأول كقوله:

стр. 325

(فلمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذهب اللَّهُ بِنورِهم) ، ولم يقل بضوئهم بعد قوله: أضاءت، لأن النور أعم من الضوء، إذ يقال على القليل والكثير، وإنما يقال الضوء على النور الكثير. ولذلك قال: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا) . ففي الضوء دلالةٌ على النور، فهو أخص منه، فعدمه يوجب عدم الضوء بخلاف العكس. والقصدُ إزالة النور منه أصلاً، ولذلك قال عَقِبَه: (وتركهم في ظلمات لا يُبْصِرون) . ومنه: (لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ) ، ولم يقل ضلال، كما قالوا: (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠) . لأنها أعم منه، فكان أبلغ في نفي الضلال. وعبَّر عن هذا بأن نَفْيَ الواحد يلزم منه نفي الجنس ألبتَّة، وبأن نفي الأدنى يلزم منه نفي الأعلى. والثاني كقوله: (وجَنَّةٍ عَرْضها السماوات والأرضُ) . - ولم يقل طولها، لأن العرض أخصّ، إذ كلّ ما له عَرْض فله طول ولا ينعكس. ونظير هذه القاعدة أن نفي المبالغة في الفعل لا يستلزم نفي أصل الفعل. وقد أشكل على هذا آيتان: قوله تعالى: (وما رَبُّكَ بظلاَّمٍ للعَبِيد) . وقوله: (وما كان ربك نَسِيًّا) . م وأجيب عن الآية الأولى بأجوبة: أحدها: أن ظلاّماً، وإن كان لِلْكثرة، جيء به في مقابلة العبيد الذي هو جَمْع كثرة، ويرشّحه أنه تعالى قال: (عَلَّامُ الْغُيُوبِ) ، فقابل صيغة فعَّال بالجمع. وقال في آية أخرى: (عَالِم الغَيْبِ) - فقابل صيغة فاعل الدال على أصل الفعل بالواحد. الثاني: أنه نفَى الظلم الكثير، فينتفي القليلُ ضرورة، لأن الذي يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم، فإذا ترك الكثير مع زيادة نَفْعه فلأن يترك القليل أولى. الثالث: أنه على النسبة، أي بذي ظلم. حكاه ابنُ مالك عن المحققين.

стр. 326

الرابع: أنه أتى بمعنى فاعل لا كثرة فيه. الخامس: أن أقلَّ القليل لو ورد منه تعالى لكان كثيراً، كما يقال: زَلّة العالم كبيرة. السادس: أنه أراد ليس بظالم، ليس بظالم، تأكيدا للنفي، فعبّر عن ذلك بقوله: ليس بظلام. السابع: أنه أراد جواباً لمن قال: ظلاَّم، والتكرار إذا ورد جواباً لكلامٍ خاصّ لم يكن له مفهوم. الثامن: أن صيغة المبالغة وغيرها من صفات الله سواء في الإثبات، فجرى النفي على ذلك. التاسع: أنه قصد التعريض بأن ثَمَّ ظلاّماً للعَبِيد مِنْ وُلاَة الْجَوْر. ويجاب عن الثانية بهذه الأجوبة، وبعاشر - وهو مناسبة رؤوس الآيات. فائدة قال صاحب الياقوتة: قال ثعلب والمبرد: العرب إذا جاءت بين الكلامين بجَحْدَيْن كان الكلام إخباراً، نحو: (وما جعَلْنَاهمْ جَسداً لا يأكلونَ الطَّعَامَ) . المعنى إنا جعلناهم جسداً يأكلون الطعام. وإذا كان الجحد في أول الكلام كان جَحْدا حقيقياً، نحو: ما زيد بخارج. وإذا كان في أول الكلام جَحدان كان أحدهما زائداً، وعليه: (فِيمَا إنْ مكنّاكم فيه) ، في أحد الأقوال. فصل من أقسام الإنشاء الاستفهام، وهو طلب الْفَهم، وهو بمعنى الاستخبار. وقيل الاستخبار ما سيق أولاً ولم يفهم حقَّ الفهم، فإذا سألت عنه ثانياً كان استفهاماً، حكاه ابن فارس في فقه اللغة.

стр. 327

وأدواته: الهمز ة، وهل، وما، ومَنْ، وأيّ، وكم، وكيف، وأين، وأنّى، ومتى، وأيّان، وستأتي في حروف المعجم. قال ابن مالك في المصباح: وما عدا الهمزة نائب عنها، ولكونه طلب ارتسام صورة ما في الخارج في الذهن لزم أن يكون حقيقة من شاكّ مصدق بإمكان الإعلام، فإن غير الشاكّ إذا استفهم يلزم عليه تحصيلُ الحاصل، وإذا لم يصدق بإمكان الإعلام انتفت عنه فائدة الاستفهام. قال بعض الأئمة: وما جاء في القرآن على لفظ الاستفهام فإنما يقع في خطاب الله تعالى على معنى أن المخاطَبَ عنده علم ذلك الإثبات أو النفي حاصل. وقد تُستعمل صيغة الاستفهام في غيره مجازاً. وألّف في ذلك العلامة شمس الدين بن الصائغ كتاباً سماه " روض الأفهام في أقسام الاستفهام ". قال فيه: قد توسّعَتِ العرب فأخرجت الاستفهام عن حقيقته لمعان أو أشْرَبَتْة تلك المعاني. ولا يختص التجوُّز في ذلك بالهمزة خلافاً للصفّار. الأول: الإنكار، والمعنى فيه على النفي، وما بعده منفي، ولذلك تصحبه " إلا "، كقوله: (فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥) . (وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) . وعطف عليه المنفي كقوله: (فمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضلَّ اللَّهُ وما لهم مِنْ ناصِرين) ، أي لا يهدي. ومنه: (أَنؤْمِن لك واتّبعك الأرْذَلون) . (أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْن مِثلنا) . أي لا نؤمن. (أمْ لَهُ البناتُ ولكمُ البَنُون) . (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) . أي لا يكون هذا. (أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ) ، أي ما شهدوا ذلك. وكثيراً ما يصحبه التكذيب، وهو في الماضي بمعنى لم يكن، وفي المستقبل بمعنى لا يكون، نحو: (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ) . أي لم يفعل ذلك. (أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨) . أي لا يكون هذا الإلزام.

стр. 328

الثاني: التوبيخ، وجعله بعضهم من قبيل الإنكار، إلا أن الأول إنكار إبطال، وهذا الإنكار توبيخ. والمعنى أن ما بعده واقع جدير بأن يُنفى، فالنفي هنا قصديّ، والإثبات قصدي، عكس ما تقدم. ويعبر عن ذلك بالتقريع أيضاً، نحو: (أفعصَيْتَ أمْرِي) . (أتَعْبُدونَ ما تنْحِتُون) . (أتَدْغونَ بَعْلاً وتَذَرُون أحسنَ الخالقين) . وأكثر ما يقع التوبيخ في أمر ثابت وبِّخَ على فعله، كما يقع على ترك فعل ينبغي أن يقع، كقوله: (أوَلمْ نعَمِّرْكم ما يَتَذكّر فيه مَنْ تَذَكَّر) . (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) . الثالث: التقرير، وهو حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقر عنده. قال ابن جني: ولا يستعمل ذلك بهل، كما يستعمل بغيرها من أدوات الاستفهام. وقال الكندي: ذهب كثير من العلماء في قوله: (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ) إلى أنَّ (هل) تشارك الهمزة في معنى التقرير والتوبيخ، إلا أني رأيت أبا عليٍّ أنكر ذلك، وهو معذور، فإن ذلك من قبيل الإنكار. ونقل أبو حيان عن سيبويه أن استفهام التقرير لا يكون بهل، إنما يستعمل في الهمزة. ثم نقل عن بعضهم أن (هل) تأتي تقريراً كما في قوله: (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) . والكلام مع التقرير موجب، ولذلك يعطف عليه صريح الموجب، ويعطف على صريح الموجب. فالأول: كقوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) . (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) . (أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) . والثاني: (أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا) ، على ما قرره الجرجاني من جعلها مثل: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) .

стр. 329

وحقيقة استفهام التقرير أنه استفهام إنكار. والإنكار تفْيٌ، وقد دخل على النفي، ونفي النفي إثبات. ومن أمثلته: (ألَيْسَ الله بكافٍ عَبْدَه) . (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) . وجعل منه الزمخشري: (ألم تعلم أنَّ اللهَ على كل شيء قدير) . الرابع: التعجب أو التعجيب، نحو: (كيف تَكْفرونَ باللَّهِ) . (مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ) . وقد اجتمع هذا القِسْم وسابقاه في قوله: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ) . قال الزمخشري: الهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجيب من حالهم. ويحتمل التعجبَ والاستفهام الحقيقي: (ما وَلاَّهم عن قِبْلَتِهمْ) . الخامس: العتاب، كقوله: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) . قال ابن مسعود: ما كان بين إسلامهم وبين أن عوتبوا بهذه الآية إلا أربع سنين. أخرجه الحاكم. ومن ألطف ما عاتب الله به خَيْرَ خلقه بقوله: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) ، ولم يتأدّب الزمخشريُّ بأدب الله في هذه الآية على عادته في سوء أدبه. السادس: التذكير. وفيه نوع اختصار، كقوله: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ) . (ألم أَقلْ لكم إني أعلم غَيْبَ السماواتِ والأرضِ) . (هل علمْتم ما فعلْتم بيوسف وأخيه) . السابع: الافتخار، نحو: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ) . الثامن: التفخيم، نحو: (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) .

стр. 330

التاسع: التهويل والتخويف، نحو: (الحاقّة ما الحاقة) . (القارعةُ ما القارِعة) . العاشر: عكسه، وهو التسهيل والتخفيف، نحو: (وماذَا عليهم لو آمَنُوا) . الحادي عشر: التهديد والوعيد، نحو: (ألم نُهْلِكِ الأوّلين) . الثاني عشر: التكثير، نحو: (فكأيِّن مِنْ قَرْيةٍ أهلكناها) . الثالث عشر: التسوية، وهو الاستفهام الداخل على جملة يصح حلول الصدر محلها، نحو: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) . الرابع عشر: الأمر، نحو: (أأسْلَمْتُم) ، أي أسلموا. (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) ، أي انتهوا. (أتصبرون) ، أي اصْبِروا. الخامس عشر: التنبيه، وهو من أقسام الأمر، نحو: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) ، أي انظر. (ألم تَرَ أن الله أنزل من السماء ماء فتُصْبِحُ الأرْضُ مخْضَرَّة) . ذكره صاحب الكشاف عن سيبويه، ولذلك رفع الفعل في جوابه. وجعل منه قوم: (فأين تذهبون) ، للتنبيه على الضلال، وكذا: (ومَنْ يَرْغَبُ عن ملّة إبراهيم إلاَّ مَنْ سفِهَ نَفْسَه) . السادس عشر: الترغيب، نحو: (مَنْ ذا الّذِي يُقْرِضُ اللَهَ قَرْضاً حَسَناً) . (هل أدلكم على تجارةٍ تنْجِيكم) . السابع عشر: النهي، نحو: (أتَخْشَوْنَهُم فاللَهُ أحقّ أن تَخْشوه) . بدليل قوله ة (فلا تخْشَوا الناسَ واخْشَونِ) . (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) ، أي لا تغتر به.

стр. 331

الثامن عشر: الدعاء، وهو كالنهي، إلا أنه من الأدنى إلى الأعلى، نحو: (أتهْلِكنَا بما فعل السّفَهَاءُ منّا) ، أي لا تهلكنا. التاسع عشر: الاسترشاد، نحو: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا) . العشرون: التمني، نحو: (فهل لنا مِنْ شفَعاء) . الحادي والعشرون: الاستبطاء، نحو: (متى نَصْرُ الله) . الثاني والعشرون: العرض، نحو: (ألا تحِبّونَ أن يَغْفِرَ الله لكم) . الثالث والعشرون: التحضيض، نحو: (ألا تقَاتلون قَوْماً نَكَثوا أيْمَانَهم) . الرابع والعشرون: التجاهل، نحو: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا) . الخامس والعشرون: التعظيم، نحو: (مَنْ ذا الّذِي يَشْفَعُ عنده إلا بإذنه) . السادس والعشرون: التحقير، نحو: (أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ) . (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) . ويحتمله وما قبله قراءة: (مَنْ فِرْعَوْن) . السابع والعشرون: الاكتفاء، نحو: (أليْسَ في جهَنَّم مَثْوًى للمتَكبِّرِين) . الثامن والعشرون: الاستبعاد، نحو: (أنَّى لهم الذِّكْرَى) . التاسع والعشرون: الإيناس، نحو ة (وما تلْكَ ييَمِينكَ يا موسى) .

стр. 332

الثلاثون: التهكم والاستهزاء، نحو: (أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ) . (أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) . الحادي والثلاثون: التأكيد لما سبق من معنى أداة الاستفهام قبله، كقوله: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) . قال الموفق عبد اللطيف البغدادي: أي مَنْ حقّ عليه كلمة العذاب فإنك لا تنْقِذه فَمنْ للشرط، والفاء جواب الشرط، والهمزة في أفأنت معادة مؤكَّدة لطول الكلام. وهذا نوع من أنواعها. قال الزمخشري: الهمزة الثانية هي الأولى كررت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد. الثاني والثلاثون: الإخبار، نحو: (أفِي قلُوبهم مَرَضٌ أم ارْتَابُوا) . (هل أتى على الإنسان) . تنبيهات الأول: هل يقال إن معنى الاستفهام في هذه الأشياء موجود وانضم إليه معنى آخر، أو تجرّد عن الاستفهام بالكلية. قال في عروس الأفراح: محل نظر. والذي يظهر الأول. قال: ويساعده قول التنوخي في الأقصى القريب: إن لعل تكون للاستفهام مع بقاء الترجّي. قال: ومما يرجحه أن الاستبطاء في قولك: كم أدعوك؟ معناه أن الدعاء وصل إلى حد لا أعلم عدده، فأنا أطلب أن أعلم عدده، والعادة تقضي بأن الشخص إنما يستفهم عن عدد ما صدر منه إذا كثُر فلم يعلمه، وفي طلب فَهْم عدده ما يُشعر بالاستبطاء. وأما التعجب فالاستفهام معه مستمر، فمن تعجَّب من شيء فهو بلسان الحال سائل عن سببه، وكأنه يقول: أي شيء عرض لي في حال عدم رؤية الهدهد، وقد صرح في الكشاف ببقاء الاستفهام في هذه الآية.

стр. 333

وأما التنبيه على الضلال فالاستفهام فيه حقيقي، لأن المعنى أين تذهب. أخبرني إلى أي مكان تذهب، فإني لا أعرف ذلك. وغاية الضلال لا يُشْعَر بها إلى أين تنتهي. وأما التقرير فإن قلنا: المراد به الحكم بثبوته فهو خبر بأنّ المذكور عَقِب الأداة واقع، أو طلب إقرار المخاطب به مع كون السائل يعلم، فهو استفهام يقرر المخاطَب، أي يطلب منه أن يكون مقرًّا به، وفي كلام أهل الفن ما يقتضي الاحتمالين. والثاني أظهر. وفي الإيضاح تصريح به ولا بِدْعَ في صدور الاستفهام، ممن يعلم المستفهم منه، لأنه طلب الفهم، إما طلب فَهْم المستفهم أو وقوع فهم لمن لم يفهم كائنا من كان. وبهذا تنحلُّ إشكالات كثيرة في مواقع الاستفهام ويظهر بالتأمل بقاء معنى الاستفهام مع كل أمر من الأمور المذكورة. انتهى ملخصاً. الثاني: القاعدة أن المبهم يجب أن يَليَ الهمزة. وأشكل عليها قوله تعالى: (أَفأَصفَاكمْ رَبُّكمْ بِالْبَنِين) . فإن الذي يليها هنا الإصفاء بالبنين، وليس هو المنكر، وإنما المنكر قولهم: إنه اتخذ من الملائكة إناثا. وأجيب بأن لفظ الإصفاء يشعر بزعم أن البنات لغيرهم، أو بأن المراد مجموع الجملتين، وينحلُّ منهما كلام واحد. والتقدير أجمع بين الإصفاء بالبنين واتخاذ البنات. وأشكل منه قوله تعالى: (أتأمرونَ الناسَ بالبِرّ وَتنْسَوْنَ أنفسكم) . ووجْهُ الإشكال أنه لا جائز أن يكون المنكر أمر الناس بالبر فقط، كما تقتضيه القاعدة المذكورة، لأن أمر البر ليس مما ينكر، ولا نسيان النفس فقط، لأنه يصير ذكْر أمر الناس بالبر لا مدخل له، ولا مجموع الأمرين، لأنه يلزم أن تكون العبادة جزء المنكر، ولا نسيان النفس بشرط الأمر، لأن النسيان منكر مطلقاً، ولا يكون نسيان النفس حال الأمر أشدَّ منه حال عدم الأمر، لأن المعصية لا تزداد بشاعتها بانضمامها للطاعة، لأن جمهور العلماء على أن الأمر

стр. 334

بالبِرّ واجب، وإن كان الإنسان ناسياً لنفسه وأمره لغيره بالبر كيف يضاعف معصية نسيان النفس، ولا يأتي الخير بالشر. قال في عروس الأفراح: ويجاب بأن فعل المعصية مع النهي عنها أفحش. لأ بها تجعل حال الإنسان كالتناقض، وتجعل القول كالمخالف للفعل، ولذلك كانت المعصية مع العلم أفحش منها مع الجهل. قال: ولكن الجواب على أن الطاعة الصرفة كيف تضاعف المعصية المقارنة لها مع جنسها، فيه دقَّة. فصل من أقسام الإنشَاء الأمْرُ وهو طلب فعل غير كفّ، وصيغته افعَلْ وليِفْعل. وهي حقيقة في الإيجاب، نحو: (أقيموا الصلاة) (فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) . وترد مجازاً لمعان أخر، منها: الندب: نحو: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) . والإباحة، نحو: (فكاتِبوهم) . نصّ الشافعيّ على أن الأمر فيه للإباحة. ومنه: (وإذا حلَلْتمْ فاصطَادوا) . والدعاء من السافل للعالي، نحو: (رَبِّ اغْفِرْ لي) . والتهديد، نحو: (اعْمَلُوا ما شِئْتم) ، إذ ليس المرادُ الأمر بكل عمل شاءوا. والإهانة، نحو: (ذقْ إنكَ أنْتَ العزير الكريم) . والتسخير، أي التذليل، نحو: (كونوا قِردةً) . وعبَّر به عن نَقْلهم من حالة إلى حالة إذلالاً لهم، فهو أخص من الإهانة. والتعجيز، نحو: (فأتُوا بسورة منْ مِثْله) . إذ ليس المراد طلب ذلك منهم، بل إظهار عجزهم.

стр. 335

والامتنان، نحو: (كلوا مِنْ ثَمَرِه إذا أثمر) . ا والعجب، نحو: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ) . والتسوية، نحو: (فاصْبِروا أو لا تصْبِروا) . والإرشاد، نحو: (وأشْهدوا إذا تبايعْتم) . والاحتقار، نحو، (ألقوا ما أنتم مُلْقُون) . والإنذار، نحو: (قل تمتَّعوا) . والإكرام، نحو: (ادخلُوها بسلام) . والتكوين - وهو أعم من التسخير، نحو: (كن فيَكون) . والإنعام، أي تذكير النعمة، نحو: (كلُوا ممّا رزقكم الله) . والتكذيب، نحو: (قل فأتوا بالتّوْرَاةِ فاتْلُوهَا) . (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا) . والمشورة، نحو: (فانْطرْ ماذا تَرَى) . والاعتبار، نحو: (انطروا إلى ثَمَره إذا أثمر) . والتعجب، نحو: (أسْمِعْ بهم وأبْصِر) . ذكره السكاكي في استعمال الإنشاء بمعنى الخبر. فصل ومن أقسامه النهي وهو طلب الكف عن فِعْل. وصيغته " لا تَفْعَل "، وهي حقيقة في التحريم. وترد مجازاً لمعان، منها: الكراهة: نحو: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) .

стр. 336

والدعاء، نحو: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) . والإرشاد، نحو: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) . والتسوية، نحو: (فاصْبِروا او لا تَصْبِروا) . والاحتقار والتقليل، نحو: (ولا تَمدَّنّ عينَيْكَ) . أي فهو قليل حقير. وبيان العاقبة، نحو: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) . أي عاقبة الجهاد الحياة لا الموت. واليَأس، نحو: (لا تَعتَذِروا اليومَ) . والإهانة، نحو: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) . فصل ومن أقسامه التمني وهو طلب حصول شيء على سبيل المحبة، ولا يشترط إمكان التمنَّى بخلاف المترجَّى، لكن نُوزع في تسمية تَمَنِّي المحال طلباً، بأن ما لا يتوقَّع كيف يُطلب. قال في عروس الأفراح: فالأحسن ما ذكره الإمام وأتباعه من أن التمني والترجي والنداء والقسم ليس فيها طلب، بل هو تنبيه. ولا بِدْع في تسميته إنشاء. انتهى. وقد بالغ قوم فجعلوا التمنَي من أقسام الخبر، وأن معناه النفي، والزمخشري ممن جزم بخلافه، تم استشكل دخول التكذيب في جوابه في قوله: (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) ... إلى قوله: (وإنَّهم لكاذِبون) . وأجاب بتضمّنه معنى العِدة فتعلق به التكذيب.

стр. 337

وقال غيره: التمني لا يصح فيه الكذب، وإنما الكذب في التمنَّى الذي يترجح عند صاحبه وقوعه، فهو إذاً وارد على ذلك الاعتقاد الذي هو ظن، وهو خبر صحيح. قال: وليس المعنى في قوله: (وإنهم لكاذبون) أن ما تمتوا ليس بواقع، لأنه ورد في معرض الذم لهم، وليس في ذلك التمنى ذم، بل التكذيب. ورد على إخبارهم عن أنفسهم أنهم لا يكذبون وأنهم يؤمنون. وحرف التمني الموضوع له (ليت) ، نحو: (يا ليتنا نُرَدُّ) . (يا ليْتَ قَوْمي يعْلَمون) . (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)) . وقد يتمنّى بهل حيث يُعْلَم فَقْدُهُ، نحو: (فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا) . أَو بـ لَو، نحو: (فلو أنَّ لنا كَرّة فنكون) . ولذا نصِب الفعل في جوابها. وقد يُتَمنّى بـ لعل في البعيد، فيعطي حكم ليت في نَصْبِ الجواب: نحو: (لَعَلِّي أبلُغُ الأسبابَ أسبابَ السماوات فأطَّلِعَ. ومن أقسامه الترجّي نقل القَرافي في " الفُروق " الإجماع على أنه إنشاء، وفرّق بينه وبين التمني بأنه في الممكن، والتمني فيه وفي المستحيل، وبأن الترجي في القريب، والتمني في البعيد، وبأن الترجي في المتوقَّع والتمني في غيره، وبأن التمني في المعشوق للنفس، والترجي في غيره. وسمعت شيخنا الكافيجي يقول: الفرق بين التمني وبين العَرْض هو الفرق بينه وبين الترجي.

стр. 338

وحرف الترجي: لعل، وعسى، وقد ترِد مجازا لتوقع محذور، ويسمى الإشفاق، نحو: (لعل الساعةَ قَرِيب) . فصل ومن أقسامه النداء وهو طلب إقبال المدعوّ على الداعي بحرفٍ نائب مناب أدعو، ويصحب في الأكثر الأمر والنهي. والغالب تقدمه، نحو: (يا أيُّها الناسُ اعبدوا ربَّكم) . (يا عِبَادِ فاتّقون) . (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) . (ويا قَوْم استَغْفروا ربّكم) . (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) . وقد يتأخّر، نحو: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) . وقد يصحب الجملة الخبرية فتعقبها جملة الأمر، نحو (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ) . الحج: ٧٣. (يا قَوْم هذه ناقةُ اللهِ لكم آيةً فذَرُوها) . وقد لا تعقبها، نحو: (يا عباَدِ لا خَوْفٌ عليكم) . (يا أيها الناس أنْتُم الفُقَرَاء) . ف (يا أبت هذا تأوِيلُ رُؤياي) . وقد تصحبه الاستفهامية، نحو: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ) . (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) . (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ) . وقد ترد صورة النداء لغيره مجازًا، كالإغراء والتحذير، وقد اجتمعا في قوله: (ناقةَ اللهِ وسقْيَاها) . ا والاختصاص، كقوله: (رحمةُ اللهِ وبركاتهُ عليكم أهْلَ البيت) .

стр. 339

والتنبيه، كقوله: (أَلاَّ يسجدوا) . والتعجب، نحو: (يا حسرة على العبادِ) . والتحسّر، كقوله: (يا ليتني كنْتُ ترَابا) . قاعدة أصل النداء بـ يا أن يكون للبعيد حقيقة أو حكماً، وقد ينادى بها القريب لنكتة، منها إظهار الحرص في وقوعه على إقبال المدعوّ، نحو: (يا موسى أَقْبِل ولا تَخَفْ) . ومنها كون الخطاب المتلوّ معتنًى به، كقوله: (يا أيها الناسُ اعبُدوا ربَّكم) . ومنها قصد تعظيم شأن المدعوّ، نحو: (يا ربِّ) . وقد قال تعالى: (فإنّي قَرِيب) . ومنها قصد انحطاطه، كقول فرعون: (وإني لأظنّك يا موسى مَسْحُورا) . فائدة قال الزمخشري وغيره: كرر في القرآن النداء ب " يا أيها " دون غيره، لأن فيه أوجهاً من التأكيد، وأسباباً من المبالغة. منها ما في " يا " من التأكيد والتنبيه وما في " ها " من التنبيه، وما في التدرج من الإبهام في " أي " إلى التوضيح، والمقام يناسب المبالغة والتأكيد، " لأن " كل ما نادى الله عباده من أوامره ونواهيه، وعِظَاته وزوَاجره، ووعْدِه ووعيده، ومن اقتصاص أخبار الأمم الماضية، وغير ذلك مما أنطق الله به كتابه أمور عظام وخطوبٌ جسام، ومعان واجب عليهم أن يتيقَّظوا لها، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها وهم غافلون، فاقتضى الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ.

стр. 340

فصل ومن أقسامه القَسَم نقل القَرَافي الإجماع على أنه إنشاء، وفائدته تأكيد الجملة الخبرية وتحقيقها عند السامع. ومن أقسامه الشرط. ******* الوجه التاسع والعشرون من وجوه إعجازه (إقسامه تعالى في مواضع لإقامة الحجة وتأكيدها) وقد أفرده ابن القيم في مجلد سماه " التبيان ". فإن قلت: ما معنى القسم منه تعالى، فإنه إن كان لأجل المؤمن فالمؤمن مصدِّق بمجرد الإخبار من غير قسم، وإن كان لأجل الكافر فلا يفيده. وأجيب بأن القرآن نزل بلغة العرب، ومن عادتها القسم إذا أرادت أن تؤكد أمراً، حتى جعلوا مثل: (والله يشهَد إنَّ المنافقين لكَاذِبون) . - قَسماً، وإن كان فيه إخبار بشهادة، لأنه لما جاء توكيداً للخبر سمي قسماً. قال أبو القاسم القشَيْري: وذلك لأن الحكم يفصَل باثنين، إما بالشهادة. وإما بالقَسَم، فذكر تعالى في كتابه النوعين، حتى لا تبقى لهم حجة، فقال: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ) . وقال: (قل إي ورَبّي إنه لَحَقُّ) . وعن بعض الأعراب أنه لما سمع قوله تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ) . صاح وقال: من الذي أغضب الجليل حتى ألجأه إلى اليمين. ولا يكون القسم إلا باسم معظّم. وقد أقسم اللَّهُ تعالى بنفسه في القرآن في

стр. 341

سبعة مواضع: الآية المذكورة، بقوله: (قلْ إي ورَبّي) . (قل بلى ورَبي لتبْعَثنَّ) . (فَوَرَبِّك لنحشرَنّهمْ والشياطِينَ) . (فَوَرَبِّكَ لنسأَلَنَّهم أجمعين) . (فلا ورَبِّك لا يؤْمِنون) . (فلا اقسم بربِّ المشارِقِ والمغارب) . والباقي كله قَسَم بمخلوقاته، كقوله: (والتين والزيتون) . (والصافّات) . (والليل) . (والشمس) . (والضَّحى) . (فلا أقسم بالخنس) . فإن قيل: كيف أقسم بما يَخْلُق، وقد ورد النهي عن القسم بغير الله؟ قلت: أجيب عنه بأجوبة: أحدها: أنه على حذف مضاف، أي ورب التَين، ورب الشمس، وكذا الباقي. الثاني: أن العرب كانت تعظم هذه الأشياء وتقْسم بها، فنزل القرآن على ما يعرفون. الثالث: أن الأقسام إنما تكون بما يعظمه المقسم أو محبه، وهو فوقه، والله تعالى ليس شيء فوقه. فأقسم تارة بنفسه، وتارة بمصنوعاته، لأنها تدل على أنه بارئ صانع. قال ابن أبي الإصبع - في أسرار الفواتح: القَسم بالمصنوعات يستلزم القسم بالصانع، لأن ذكر المفعول يستلزم ذكر الفاعل، إذ يستحيل وجود مفعول من غير فاعل. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن، قال: إن الله يقسم بما شاء من خلقه، وليس لأحد أن يُقسم إلا بالله. وقال العلماء: أقسم الله تعالى بالنبي ﷺ في قوله: (لَعَمْرُكَ) ، ليعرف الناس عظمتَه عند الله ومكانته لديه. أخرج ابن مَرْدويه عن ابن عباس، قال: ما خلق الله ولا ذرأ ولا برأ نفساً

стр. 342

أكرم عليه من محمد ﷺ ، ولا سمعت الله أقسم بحياة مخلوق غيره، قال: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) . وقال أبو القاسم القشيري: القسم بالشيء لا يخرج عن وجهين: إما لفضيلة، أو لمنفعة، فالفضيلة كقوله: (وطور سِينِينَ، وهذا البَلَد الأمين) والمنفعة. نحو: (والتين والزيتون) . وقال غيره: أقسم تعالى بثلاثة أشياء: بذاته كالآيات السابقة، وبفِعْله نحو: (والسماء وما بَنَاهَا، والأرْضِ وما طَحَاها، ونفس وما سوّاهَا) . وبمفعوله نحو: (والنجْم إذا هوى) . (والطور. وكتابٍ مسطور) . والقسم إما ظاهر كالآيات السابقة. وإما مضمر، وهو قسمان: قَسَم دلّت عليه اللام نحو: (لتبْلَوُنَّ في أموالكم وأنفسكم) . وقسم دل عليه المعنى، نحو: (وإنْ منكم إلاَ وَارِدها) . تقديره: والله. وقال أبو علي الفارسي: الألفاظ الجارية مجرى القسم قسمان: أحدهما ما تكون كغيرها من الألفاظ التي ليست بقَسم، فلا تجاب بجوابه. كقوله: (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) . (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ) . البقرة: ٦٣. (فيَحْلِفون له كما يَحْلِفون لكم) . وهذا ونحوه يجوز أن يكون قسماً، وأن يكون حالاً لخلوّه من الجواب. والثاني ما يتلقى بجواب القَسَم في قوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) . (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ) . وقال غيره: أكثر الأقسام في القرآن المحذوفة الفعل لا تكون إلا بالواو. فإذا ذكرت الباء أتي بالفعل، كقوله: (وأقسموا بالله جَهْدَ أيمانهم) . (يحلِفُونَ بالله) . ولا تجد الباء مع حذف الفعل.

стр. 343

ومِن ثَمَّ كان خطأ مَنْ جعل قسماً باللَه: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) . (ادع لنا ربكَ بما عهِد عِنْدَك) . (بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) . وقال ابن القيّم: اعلم أنه سبحانه يقسم بأمور على أمور، وإنما يقسم بنفسه المقدسة الموصوفة بصفاته أو بآياته المستلزمة لذاته وصفاته، وإقسامُه ببعض المخلوقات دليل على أنه من عظيم آياته. فالقَسَم إما على جملة خبرية، وهو الغالب، كقوله: (فَوَرَبِّ السماء والأرض إنَّه لَحق) . وإما على جملة طلبية، كقوله: (فوَرَبِّك لَنَسْألنَّهمْ أجمعين) . مع أن هذا القسم قد يراد به تحقيق المقسم عليه، فيكون من باب الخبر، وقد يراد به تحقيق المقسم، فالقسم عليه يُراد بالقسم توكيده وتحقيقه، فلا بد أن يكون مما نحن فيه، وذلك كالأمور الغائبة الخفيّة، إذا أقسم على ثبوتها. فأما الأمور المشهودة الظاهرة، كالشمس، والليل، والنهار، والسماء، والأرض - فهذه يقسم بها ولا يُقْسَم عليها. وما أقسم عليه الرب فهو من آياته، فيجوز أن يكون مقسَماً به، ولا ينعكس. وهو سبحانه يذكر جواب القسم تارة وهو الغالب، ويحذفه أخرى كما يحذف جواب " لو " كثيراً للعلم. ولما كان القسم يكثر في الكلام اختصر، فصار فعل القسم يحذف ويكتفى بالباء، تم عوّض من الباء الواو في الأسماء الظاهرة، والتاء في اسم الله، كقوله: (وتاللهِ لأَكيدَنَّ أصْنَامَكم) . قال: ثم هو سبحانه يقسم على أصول الإيمان التي يجب على الخلق صرفتها، وتارة يقسم على التوحيد، وتارة يُقسم على أن القرآن حق، وتارة على أن الرسول حق، وتارة على الجزاء والوعد والوعيد، وتارة على حال الإنسان. فالأول كقوله: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) ... إلى قوله: (إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) .

стр. 344

والثاني كقوله: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) والثالث كقوله: (يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) . (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) . والرابع كقوله: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦) . (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) . والخامس كقوله: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) . (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) . (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) . (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) . (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) . قال: وأكثر ما يُحْذف الجواب إذا كان في نفس المقْسم به دلالة على القسم عليه، فإن المقصود يحصل بذكره، فيكون حذْف المقسم عليه أبلغ وأوجز. كقوله: (ص، والقرآن ذي الذِّكر) ، فإن في المقْسَم به من تعظيم القرآن ووصفه بأنه ذو الذكر المتضمن لتذكير العباد ما يحتاجون إليه، والشرف والقدر - ما يدل على المقسم عليه، وهو كونه حقاً من عند الله غير مفْتَرًى كما يقوله الكافرون، ولهذا قال كثيرون: إن تقدير الجواب: إن القرآن لحقّ، وهذا مطَّرد في كل ما شأنه ذلك، كقوله: (ق، والقرآن المجيد) . وقوله: (لا أقسم بيوم القيامة) ، فإنه يتضمن إثبات المعاد. وقوله: (والفجر ... ) الآيات، فإنها أزمان تتضمن أفعالاً عظيمة من المناسك وشعائر الحج التي هي عبودية محضة لله، وذلٌّ وخضوعٌ لعظمته، وفي ذلك تعظيم ما جاء به محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام. قال: ومن لطائف القسم قوله: (والضحى. والليل إذا سجَى) . أقسم تعالى على إنعامه على رسوله وإكرامه له، وذلك متضمِّن لتصديقه له، فهو

стр. 345

قسم على صحة نبوءته، وعلى جزائه في الآخرة، فهو قسم على النبوءة والمعَاد. وأقسم بآيتين عظيمتين من آياته. وتأمّل مطابقة هذا القسم وهو نور الضحى الذي هو يوافي بعد ظلام الليل للمقسَم - عليه، وهو نور الوَحْي الذي وافاه بعد احتباسه عنه، حتى قال أعداؤه: ودع محمدًا ربُّه، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه. ******* الوجه الثلاثون من وجوه إعجازه (اشتماله على جميع أنواع البراهين والأدلة) وما من برهان ودلالة وتقسيم وتحديد يبْنَى من كليات العلومات المعقلية والسمعية إلا وكتاب الله قد نطق به، لكن أورده على عادة العرب دون دقائق طرق المتكلمين، لأمرين: أحدهها: بسبب ما قاله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) . والثاني: أن المائل إلى دقيق المحاجَّة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجليل من الكلام، فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون لم ينحط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأَقلّون، ولم يكن ملْغِزاً، فأخرج تعالى مخاطباته في محاجة خَلْقه في أجلى صورة، ليفهم العامة من جليلها ما يقنعهم ويلزمهم الحجة، وتَفْهَم الخواص من أثنائها ما يربي على ما أدركه فهم الخطباء. وقد أفرد جدل القرآن بالتصنيف نجم الدين الطوفي. قال ابن أبي الإصبع: زعم الجاحظ أن المذهب الكلامي لا يوجد منه شيء في القرآن، وهو مشحون به، وتعريفه أنه احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجةٍ تقطع المعاندة فيه على طريقة أرباب الكلام. ومنه نوع منطقي تستنتج منه النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة، فإن الإسلاميين من أهل هذا العلم ذكروا أنَّ من أول سورة الحج إلى قوله: (وأنَّ اللَهَ يبعث مَنْ في القبور) - خمس نتائج تستنتج من عشر مقدمات:

стр. 346

قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) ، لأنه قد ثبت عندنا بالخبر المتواتر أنه تعالى أخبر بزلزلة الساعة معظماً لها، وذلك مقطوع بصحته، لأنه خبر أخبر به مَنْ ثبت صِدقه عمن ثبتت قدرته، منقول إلينا بالتواتر، فهو حق، ولا يخبر بالحق عما سيكون إلا الحق، فهو الولي. وأخبر تعالى أنه يحي الموتى، لأنه أخبر عن أهوال الساعة بما أخبر، وحصول فائدة هذا الخبر موقوفة على إحياء الموتى ليشاهدوا تلك الأهوال التي يعلمها الله مِنْ أجلهم. وقد ثبت أنه قادر على كل شيء، ومن الأشياء إحياء الموتى، فهو يحي الموتى. وأخبر تعالى أنه على كل شيء قدير، لأنه أخبر أنه من يتبع الشياطين، ومن يجادل في الله بغير علم - يذِقْه من عذاب السعير، ولا يقدر على ذلك إلا من هو على كل شيء قدير، فهوعلى كل شيء قدير. وأخبر أن الساعة آتيةٌ لا رَيْبَ فيها، لأنه أخبر بالخبر الصادق أنه خلق الإنسان من تراب إلى قوله: (لكيْلاَ يَعْلَمَ مِن بعد علم شيئاً) . وضرب لذلك مثلاً بالأرض الهامدة التي ينزل عليها الماء فتهتزّ وتَرْبو، وتنْبِت من كل زَوْج بَهِيج. ومن خَلق الإنسان على ما أخبر به فأوجده بالخلق ثم أعدمه بالموت، ثم يعيده بالبعث، وأوجد الأرض بعد العدم فأحياها بالخلق ثم أماتها بالمَحْل، تم أحياها بالخصب، وصدق خَبَره في ذلك كله بدلالة الواقع المشاهد على التوقع الغائب، حتى انقلب الخبر عيانا - صدق خبره في الإتيان بالساعة، ولا يأتي بالساعة إلا من يبعث مَنْ في القبور، لأنها عبارة عن مدة تقوم فيها الأموات للمجازاة، فهي آتية لا ريب فيها، وهو سبحانه يَبْعَث مَنْ في القبور. وقال غيره: استدل سبحانه على المعاد الجسماني بضروب: أحدها: قياس الإعادة على الابتداء، قال: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) . (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) . (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ) .

стр. 347

ثانيها: قياس الإعادة على خلق السماوات والأرض بطريق الأولى، قال: (أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر) . ثالثها: قياس الإعادة على إحياء الأرض بعد موتها بالمطر والنبات. رابعها: قياس الإعادة على إخراج النار من الشجر الأخضر. وقد روى الحاكم وغيره أن أبي بن خلف جاء بعَظْمٍ ففَتَّه، فقال: أَفَيحِيي اللهُ هذا بعد ما بليَ ورَمَّ، فأنزل الله: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) . فاستدل سبحانه بردِّ النشأة الأخرى إلى الأولى والجمع بينهما بعلة الحدوث. ثم زاد في الحجاج بقوله: (الذي جعل لكم من الشّجَر الأخضر ناراً) . وهذه في غاية البيان في رد الشيء إلى نظيره، والجمع بينهما من حيث تبديل الأعراض عليها. خامسها: في قوله: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا) . وتقريرها أن اختلاف المختلفين في الحق لا يوجب انقلابَ الحق في نفسه، وإنما تختلف الطرق الموصلة إليه، والحقُّ في نفسه واحد، فلما ثبت أن ها هنا حقيقة موجودة لا محالة، وكان لا سبيل لنا في حياتنا إلى الوقوف عليها وقوفاً يوجب الائتلاف ويرفع عنا الاختلاف، إذ كان الاختلاف مركوزا في فِطَرِنا، وكان لا يمكن ارتفاعه وزواله إلا بارتفاع هذه الجِبِلّة، ونقلها إلى صورة غيرها - صح ضرورة أن لنا حياة أخرى غير هذه الحياة، فيها يرتفع الاختلاف والعناد، وهذه هي الحالة التي وعد الله بالمصير إليها، فقال: (ونَزَعْنَا ما في صدورِهم مِنْ غِلّ إخوانا) . فقد صار الخلاف الموجود، كما ترى، أوضح دليل على كَوْن البعث الذي ينكره المنكرون، كذا قرره ابن السيّد. ومن ذلك الاستدلال على أنَّ صانع العالم واحد، بدلالة التمانع المشار إليها في قوله: (لو كان فيهما آلهة إلاَّ الله لفَسَدَتا) . لأنه لو كان للعالم صانعان لكان لا يجري تدبيرهما على نظام، ولا يتسق على إحكام، ولكان

стр. 348

العَجْز يلحقهما أو أحدهما، وذلك لأنه لو أراد أحدهما إحياء جسم وأراد الآخر إماتته فإما أن تنفذ إرادتهما فيتناقض، لاستحالة تجزيء الفعل إن فرض الاتفاق، أو لامتناع اجتماع الضدين إن فرض الاختلاف، وإما ألا تنفذ إرادتهما فيؤدي إلى عجزهما، أو لا تنفذ إرادة أحدهما فيؤدي إلى عَجْزه، والإله لا يكون عاجزاً. فصل من الأنواع المصطلح عليها في علم الجدل السّبْر والتقسيم. ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ) . فإن الكفار لما حَرَّموا ذكورَ الأنعام تارة وإناثها أخرى رد تعالى ذلك عليهم بطريق السَّبْر والتقسيم، فقال: إن الخلق لله، خلق من كل زَوْج مما ذكر ذكرأ وانثى، فمِمَّ جاء تحريم ما ذكرتم، وما علته، لا يخلو إما أن يكون من جهة الذكورة أو الأنوثة، أو اشتمال الرحم الشامل لهما، أو لا يدرى له علة، وهو التعبّدي، بأنْ أخذ ذلك عن الله، والأخذ عن الله إما بوحْي، أو إرسال رسول، أو سماع كلامه ومشاهدة تلقّي ذلك عنه، وهو في معنى قوله: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا) .. فهذه وجوه التحريم لا تخرج عن وَجْهٍ منها: والأول: يلزم عليه أن تكون جميع المذكور حراماً. والثاني: يلزم عليه أن تكون جميع الإناث حراماً. والثالث: يلزم عليه تحريم الصنفين معاً، فبطل ما فعلوه من تحريم بعضٍ في حالة وبعضٍ في حالة، لأن العلة، على ما ذكر، تقتضي إطلاق التحريم، والأخذ عن الله بلا واسطة باطل ولم يدَّعوه، وبواسطة رسول كذلك، لأنه لم يأت إليهم رسولٌ قبل النبي ﷺ . وإذا بطل جميع ذلك ثبت المدَّعَى، وهو أن ما قالوه افتراء على الله وضلال.

стр. 349

ومنها القول بالموجب، قال ابن أبي الإصبع: وحقيقته ردّ كلام الْخصم من فحوى كلامه. وقال غيره: هو قسمان: أحدهما: أن تقع صفةٌ في كلام الغير كناية عن شيء أثبت له حُكم، فيثبتها لغير ذلك الشيء، كقوله تعالى: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) . فالأعزّ وقعت في كلام المنافقين كناية عن فريقهم، والأذل كناية عن فريق المؤمنين، وأثبت المنافقون لفريقهم إخراجَ المؤمنين من المدينة، فأثبت الله في الرد عليهم صفةَ العزة لغير فريقهم، وهو اللَّهُ ورسوله والمؤمنون، وكأنه قيل: صحيح ذلك ليخرجنَّ الأعز منها الأذل، لكن هم الأذل المخْرَج، والله ورسوله الأعز المُخْرِج. والثاني: حَمْل لفظٍ واقع في كلام الغير على خلاف مراده مما يحتمله، بذكد متعلَّقه، ولم أر مَنْ أورد له مثالاً من القرآن. وقد ظفرت بآية منه، وهي قوله تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ) . ومنها التسليم، وهو أن يفرض الْمُحال إما منفيًّا أو مشروطاً بحرف الامتناع، ليكون المذكور ممتنعَ الوقوع لامتناع وقوع شرطه، ثم يسلَّم وقوع ذلك تسليما جَدَلياً، ويدل على عدم فائدة ذلك على تقدير وقوعه، كقوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) . المعنى ليس مع الله من إله، ولو سلِّم أن مع الله إلهاً لزم من ذلك التسليم ذهاب كل إله من الاثنين بما خلق، وعلوّ بعضهم على بعض، فلا يتم في العالم أمر، ولا ينفذ حكم، ولا تنتظم أحواله. والواقع خلاف ذلك، ففَرض إلهين فصاعداً محال، لا يلزم عليه من المحال. ومنها الإسْجَال، وهو الإتيان بألفاظ تسجِّل على المخاطب وقوعَ ما خوطب به، نحو قوله تعالى: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ) .

стр. 350

(رَبّنا وأَدْخلهم جنَّاتِ عَدْن التي وعَدْتَهمْ) . فإن في ذلك إسجالاً بالإيتاء والإدخال، حيث وصِفا بالوعد من الله الذي لا يخْلِف وَعْدَه. ومنها الانتقال، وهو أن ينتقل المستدلّ إلى استدلال غير الذي كان آخذاً فيه، لكَوْن الخصم لم يفهم وَجْهَ الدلالة من الأول، كما جاء في مناظرة الخليل الجبار لما قال له: (رَبِّي الذي يُحْيى ويميت) ، فقال الجبار: أنا أحيي وأميت، ثم دعا بمَنْ وجب عليه القَتْل فأعتقه، ومن لا يجب عليه القتل فقتله، فعلم الخليل أنه لم يفهم معنى الإحياء والإماتة، أو علم بذلك وغالط بهذا الفعل، فانتقل ﵇ إلى استدلال لا يجد له الجبار وجهاً يتخلص به منه، فقال: (إنّ اللَهَ يَأتي بالشَّمْسِ من الْمَشْرِق فأتِ بها من المغرب) . فانقطع الجبار وبهِت، ولم يمكنه أن يقول: أنا الآتي بها من المشرق، لأن من هو أسنّ منه يكذبه. ومنها المناقضة، وهي تعليق أمر على مستحيل إشارة إلى استحالة وقوعه. كقوله تعالى: (وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) . ومنها مجاراة الخصم ليَعثُرَ، بأن يسلم بعض مقدماته حيث يراد تبكيته وإلزامه، كقوله تعالى: (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا) . فقوله: (إن نحن إلا بَشر مثلكم) فيه اعتراف الرسل بكونهم مقصورين على البشرية، فكأنهم سلموا انتفاءَ الرسالة عنهم، وليس مراداً، بل هو من مجاراة الخصم ليعثر، فكأنهم قالوا: ما ادّعيتم مِن كوننا بَشَراً حقّ لا ننكره، ولكن هذا لا ينافي أن يَمُنَّ الله علينا بالرسالة. ******* الوجه الحادي والثلاثون من وجوه إعجازه (ضَرْب الأمثَالِ فيهِ ظاهرة ومضْمَرة) وقد أفرده بالتصنيف الإمام أبو الحسن الماوردي رحمه الله تعالى. قال تعالى: (ولقد صَرَّفْنَا للناس في هذا القرآن مِنْ كلِّ مثَلٍ) . وقال: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣) .

стр. 351

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إن القرآن نزل على خمسة أوجه: حلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فاعملوا بالحلال، واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال. قال الماوردي: من أعظم علم القرآن علم أمثاله، والناس في غفلة عنه لاشتغالهم بالأمثال وإغفالهم الممثلات، والمثل بلا ممثل كالفرس بلا لجام، والناقة بلا زمام. وقال غيره: وقد قال الشافعي: مما يجب على المجتهد معرفته من علوم القرآن معرفةُ ما ضُرِب فيه من الأمثال الدوالّ على طاعته، البينة لاجتناب معصيته. وقال الشيخ عز الدين: إنما ضَرَب الله الأمثال في القرآن تذكيراً ووعظاً، فما اشتمل منها على تفاوت في ثواب أو على إحباط عمل، أو على مدح أو ذم أو نحوه - فإنه يدل على الأحكام. وقال غيره: ضَرْبُ الأمثال في القرآن يستفاد منه أمور كثيرة: التذكير. والوعظ، والحث والزجر، والاعتبار والتقرير، وتقريب المراد للعقل، وتصويره بصورة المحسوس، فإن الأمثال تصوَر المعاني بصورة الأشخاص، لأنها أثبت في الأذهان لاستعانة الذهن فيها بالحواس. ومن ثمَّ كان الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجليِّ، والغائب بالمشاهد. وتأتي أمثال القرآن مشتملةً على بيان تفاوت الأجر، وعلى المدح والذم، وعلى الثواب والعقاب، وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره، وعلى تحقيق أمرٍ أو إبطاله، قال تعالى: (وضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمثال) ، فامتَنَّ علينا بذلك، لما تضمنت من الفوائد. قال الزركشي في البرهان: ومن حكمته تعليم البيان، وهو من خصائص هذه الشريعة. وقال الزمخشري: التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعاني، وإدناء التوهّم من المشاهد، فإن كان المتمثل له عظيماً كان المتمثل به مثله، وإن كان صغيراً كان المتمثل به كذلك.

стр. 352

وقال الأصبهاني: لضَرْب العرب الأمثال، واستحضار العلماء المثالَ والنظائر، شيء ليس بالخفيّ في إبراز خفيّات الدقائق، ورَفْع الأستار عن الحقائق، تريك به المتخيل في صورة المتحقّق، والمتوهّم في معرض المتيقّن، والغائب كأنه مشاهد، وفي ضَرْب الأمثال تبكيتٌ للخَصْمِ الشديد الخصومة، وقمع لسَوْرَةِ الجامح الأبيّ، فإنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثر وصف الشيء في نفسه، ولذلك أكَثْرَ الله تعالى في كتابه وفي سائر كتبه الأمثال، ومن سور الإنجيل سورةٌ تسمى سورة الأمثال. وفشَتْ في كلام النبي ﷺ وفي كلام الأنبياء والحكماء. أمثال القرآن، قسمان: ظاهر مصرّح به، وكامِن لا ذِكْر للمثَل فيه، فمن أمثلة الأول: (مَثَلُهم كَمَثَلِ الذي استَوقَد ناراً) . ضرب الله فيها للمنافقين مثلين، مثلاً بالنار، ومثلاً بالمطر. أخرج ابن أبي حاتم وغيره، من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين، كانوا يعتزون بالإسلام فيناكحهم المسلمون، ويوارثونهم، ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله العز، كما سُلب صاحب النار ضوءه. (وتركهم في ظلمات) يقول: في عذاب. أو كصَيِّبٍ - وهو المطر - ضرب مثله في القرآن. فيه ظلماتٌ - يقول ابتلاء، ورَعْد وبرق، وتخويف. يكاد البرق يخطف أبصارهم، يقول: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين. كلما أضاء لهم مشوا فيه، يقول: كلما أصاب المنافقون في الإسلام عِزَا اطمأنّوا، فإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر. كقوله: (ومِنَ الناس مَنْ يعبُدُ اللهَ على حَرْف) . ومنها قوله تعالى: (أَنزل مِنَ السماءِ ماءً فسالَتْ أَوْدِية بِقَدَرِها) .

стр. 353

أخرج ابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس، قال: هذا مَثَلٌ ضربه الله احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأمَّا الزَّبد فيذهب جفَاء وهو الشك، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، وهو اليقين، كما يجْعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خَبَثه في النار، كذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك. وأخرج عن عطاء، قال: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر. وأخرج عن قتادة قال: هذه ثلاثة أمثال ضربها الله في مثَل واحد، يقول: كما اضمحل هذا الزَّبد فصار جفاء لا ينتفع به ولا ترْجى بركته، كذلك يضمحل الباطل عن أهله، وكما مكث هذا الماء في الأرض فأمْرَعَتْ ونمت بركَته، وأخرجت نباتها، وكذلك الذهب والفضة حين أدخل النار، وذهب خبثه، كذلك يبقى الحق لأهله. وكما اضمحل خبث هذا الذهب والفضة حين أدخل النار كذلك يضمحل الباطل عن أهله. ومنها قوله تعالى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ) . أخرج ابن أبي حاتم، من طريق علي، عن ابن عباس، قال: هذا مثل ضربه الله للمؤمن. يقول: هو طيب وعملة طيب، كما أن البلد الطيب ثمرها طيب. والذي خبث ضرِب مثلاً للكافر، كالبلد السبخة المالحة، والكافر هو الخبيث وعمله خبيث. ومنها قوله تعالى! (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ) . أخرج البخاري، عن ابن عباس، قال: قال عمر بن الخطاب يوماً لأصحاب النبي ﷺ : فيمن تَرَوْن نزلت هذه الآية: (أيَودّ أحدكم) ، قالوا: الله ورسوله أعلم. فغضب عمر فقال: قولوا نعم أو لا نعم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء. فقال: يا بن أخي، قل ولا تحقر نفسك. قال ابن عباس: ضرِبَتْ مثَلا لعمل.

стр. 354

قال عمر: أي عمل، قال ابن عباس: لعملِ رَجل غنيّ يعمل بطاعة الله. ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله. وأما الكامنة فقال الماوردي: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن مضارب بن إبراهيم يقول: سمعت أبي يقول: سألت الحسين بن الفضل، فقلت: إنك تخرج أمثال العرب والعجم من القرآن، فهل تجد في كتاب الله: " خَيْرُ الأمور أوساطها "، قال: نعم. في أربعة مواضع: قوله: (لا فَارِضٌ ولا بِكْر عَوانٌ بيْنَ ذلك) . وقوله: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) . وقوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) . وقوله: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) . قلت: فهل تجد في كتاب الله: "مَن جهل شيئاً عاداه "، قال: نعم، في موضعين: (بل كذَّبوا بما لم يحِيطُوا بعلْمِه) . (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) . قلت: فهل تجد في كتاب الله: " احذَرْ شَرَّ من أحسنْتَ إليه "، قال: نعم: (وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) . قلت: فهل تجد في كتاب الله: " ليس الخبر كالعيان "، قال: في قوله: (قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) . قلت: فهل تجد: " في الحركات البركات "، قال: في قوله: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) . قلت: فهل تجد: " كما تَدِين تدَان "، قال: في قوله تعالى: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) . قلت: فهل تجد فيه قولهم: " حين تَقْلِي تدري "، قال: (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) .

стр. 355

قلت: فهل تجد فيه: " لا يلدغ المؤمِن من جحْر مرّتين "، قال: (قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ) . قلت: فهل تجد فيه: "من أعان ظالما سلّط عليه "، قال: (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤) . قلت: فهل تجد فيه قولهم: " لا تلد الحية إلا الحيَّة"، قال: (ولا يَلِدوا إلا فاجراً كَفّارا) . قلت: فهل تجد فيه قولهم: " للحيطان آذان "، قال: (وفيكم سمَّاعونَ لهم) . قلت: فهل تجد فيه قولهم: " الجاهل مرزوق والعالم محروم "، قال: (قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا) . قلت: فهل تجد فيه: " الحلال لا يأتيك إلا قوتاً، والحرام يأتيك جُزَافاً ". قال: (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ) . فائدة عقد جعفر بن محمد شمس الخلافة في كتاب "الآداب " باباً في ألفاظ من القرآن جارية مَجرى المثل، وهذا هو النوع البديعي المسمَّى بإرسال المثل، وأورد من ذلك قوله سبحانه: (ليس لها مِنْ دونِ اللهِ كاشفَةٌ) . (لَنْ تنالوا البرَّ حتى تُنفقوا مما تحِبّون) . (الآن حَصْحَصَ الحقُّ) . (وضرب لنا مثَلاً ونَسِيَ خَلْقَه) . (ذلكَ بما قَدّمَتْ يَدَاك) .
следующие страницы →