← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1417

معترك الأقران في إعجاز القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (1 547 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والحكيم هو الذي يضع الشيء في محله. وقد يخفى وجهُ الحكمة على بعض الضعفاء في بعض الأفعال فيتوهَّمُ أنه خارجِ عنها، وليس كذلك، فكان في الوصف بالحكيم احتراس حكيم حسن، وإنْ تغْفِرْ لهم مع استحقاقهم العذاب فلا يعترض عليك أحد في ذلك، والحكمةُ فما فعلته. ونظير ذلك في سورة التوبة قوله: (أولئك سيرحَمُهمُ الله إنَّ الله عزيز حكيم) . وفي سورة الممتحنة: (واغفر لنَا رَبّنَا إنّك أنْتَ العزيزُ الحكيم) . وفي النور: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠) . فإن باديَ الرأي يقتضي تواب رحيم، لأن الرحمة مناسبة للتوبة، لكن عبّر به إشارة إلى فائدة مشروعية اللعان وحكمته، وهي الستر عن هذه الفاحشة العظيمة. ومن خفيِّ ذلك أيضاً قوله تعالى في سورة البقرة: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) . وفي آل عِمْران: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) . فإن المتبادر إلى الذهن في آية البقرة الخَتْمُ بالقدرة، وفي آل عمران الختم بالعلم. والجواب أن آية البقرة لما تضمنت الإخبار عن خلق الأرض وما فيها على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم، وخلق السماوات خلقاً مستوياً محكماً من غير تفاوت، والخالقُ على الوصف المذكور يجب أن يكون عالماً بما فعله كلياً وجزئياً، جملاً ومفصّلاً - ناسب ختمها بصفة العلم. وآية آل عمران لما كانت في سياق الوعيد على موالاة الكفار، وكان التعبير بالعلم فيها كناية عن المجازاة بالثواب والعقاب ناسب ختمها بصفة القدرة. ومن ذلك قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤) . فالختم بالحلم والمغفرة عقب

стр. 37

تسابيح الأشياء غيْرُ ظاهر في بادي الرأي، وذكر في حكمته أنه لما كانت الأشياء كلها تسبح ولا عصيان في حقها وأنتم تعصون ختم بها مراعاةً للمقدر في الآية وهو العصيان، كما جاء في الحديث: لولا بهائم رُتّع، وشيوخٌ ركع، وأطفال رُضّع لَصُبَّ عليكم البلاء صبّا. وقيل: التقدير: حليما عن تفريط المسبحين غفوراً لذنوبهم. وقيل: حليما عن المخاطبين الذين لا يفقهون التسبيح بإهمالهم النظر في الآيات والعبر ليعرفوا بالتأمل فما أودع في مخلوقاته مما يوجب تنزيهه. التنبيه الثالث: من الفواصل ما لا نظير له في القرآن، كقوله عقب الغض في سورة النور: (إنَّ الله خَبيرٌ بما يَصْنَعُون) . وقوله عقب الأمر بالدعاء والاستجابة: (لعلهم يَرْشُدُون) . وفيه تعريض بليلة القدر حيث ذكر ذلك عقب ذكر رمضان، أي لعلهم يرشدون إلى معرفتها. وأما التصدير فهو أن تكون تلك اللفظة بعينها تقدمت في أول الآية، ويسمى أيضأ رد العجز على الصدر. وقال ابن المعتز هو ثلاثة أقسام: الأول: أن يوافق آخرُ الفاصلة آخر كلمة في الصدر، نحو: (أنزله بعلمه والملائكة ُ يشهدون وكفى بالله شهيدا) . النساء: ٦٦. والثاني: أن يوافق أول كلمة منه، نحو: (وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) . (قال إني لِعملكمْ مِنَ القَالِين) الشعراء: ١٦٨. الثالث: أن يوافق بعض كلماته، نحو: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) . (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) . (قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ ... إلى قوله: (وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) .

стр. 38

وأما التوشيح فهو أن يكون في أول الكلام ما يستلزم القافية. والفرق بينه وبين التصدير أن هذا دلالته معنوية، وذلك لفظية، كقوله تعالى: (إنّ اللهَ اصْطَفَى آدم ... ) . آل عمران: ٣٣، الآية، فإن اصطفى يدلُّ على أن الفاصلة العالمين لا باللّفظ، لأن " العالمين " غير لفظ " اصطفى "، ولكن بالمعنى، لأنه يعلم أن من لوازم اصطفاء شيء أن يكون مختاراً على جنسه، وجنس هؤلاء المصطفين "العالمين". وكقوله: (وآيةٌ لَهُمُ الليلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَار ... ) الآية. قال ابن أبي الإصبع: فإن من كان حافظاً لهذه السورة متَفَطِّناً إلى أن مقاطع آيها النون المردفة، وسمع في صدر الآية انسلاخ النهار من الليل علم أن الفاصلة " مظلمون "، لأن من انسلخ النهار عن ليله أظلم، أي دخل في الظلمة، ولذلك سمي توشيحا، لأن الكلام لما دل أوله على آخره نزّل المعنى منزلة الوشاح، ونُزل أول الكلام وآخره منزلة العاتق والكشْح اللذين يجول. عليهما الوشاح. وقسم البديعيون السجع ومثله الفواصل إلى أقسام: مطرَّف، ومتَواز، ومتوازن، ومرصّع، ومتماثل. فالمطرف: أن تختلف الفاصلتان في الوزن ويتفقا في حروف السجع، نحو: (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) . والمتوازي: أن يتفقا وزنا وتقفية، ولم يكن ما في الأولى مقابلاً لما في الثانية في الوزن والتقفية، نحو: (فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) . والتوازن: أن يتفقا في الوزن دون التقفية، نحو: (وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) . والمرصع: أن يتفقا وزناً وتقفية، ويكون ما في الأولى مقابلاً لما في الثانية وذلك، نحو: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦) . (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) .

стр. 39

والمتماثل: أن يتساويا في الوزن دون التقفية، ويكون أفراد الأولى مقابلة لما في الثانية، فهو بالنسبة إلى المرصّع كالمتوازن بالنسبة إلى المتوازي، نحو: (وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) . فالكتاب والصراط متوازنان، وكذا المستبين والمستقيم، واختلفا في الحرف الأخير. (فصل) بقي نوعان بديعيان متعلقان بالفواصل: أحدهما التشريع، وسماه ابن أبي الإصبع التوأم، وأصله أن يبني الشاعر بيته على وزنين من أوزان العروض، فإذا سقط منهما جزء أو جزآن صار الباقي بيتاً من وزن آخر، ثم زعم قوم اختصاصه وقال آخرون: بل يكون في النثر بأن يبني على سجعتين لو اقتصر على الأولى منهما كان الكلام تاماً مفيداً، وإن ألحقت به السجعة الثانية كان في التمام والإفادة على حاله مع زيادة معنى ما زاد في اللفظ. قال ابن أبي الإصبع: وقد جاء من هذا الباب معظم سورة الرحمن، فإن آياتها لو اقتصر فيها على أولى الفاصلتين دون (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) لكان الكلام تاماً مفيداً، وقد كمل بالثانية، فأفاد معنى زائداً من التقرير والتوبيخ. قلت: التمثيلُ غير مطابق، والأولى بأن يمثل بالآيات التي في أثنائها ما يصلح أن يكون فاصلة، كقوله: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢) . الثاني: الالتزام، ويسمى لزوم ما لا يلزم، وهو أن يُلتزم في الشعر أو النثر حرفٌ أو حرفان فصاعداً قبل شرط الروي بشرط عدم الكلفة، مثال التزام حرف: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) . التزم الهاء قبل الراء ومثله: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) . الآي التزم

стр. 40

فيها الراء قبل الكاف. (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) . التزم فيها النون المشددة قبل السين. (وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) . ومثال التزام حرفين: (وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) . (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) . (بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) . ومثال التزام ثلاثة أحرف: (تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) . تنبيهات الأول: قال أهل البديع: أحسن السجع ما تساوت قرائنه، نحو: (فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) . ويليه ما طالت قرينته الثانية نحو: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) . والثالثة نحو: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) . وقال ابن الأثير: الأحسن في الثانية المساواة، وإلا فأطول قليلاً، وفي الثالثة أن تكون أطول. وقال الخفاجي: لا يجوز أن تكون الثانية أقصر من الأولى. الثاني: قالوا: أحسن السجع ما كان قصيراً، لدلالته على قوة المنشىء، وأقله كلمتان نحو: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) . و (الْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) . (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) . و (الْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) .

стр. 41

والطويل - ما زاد على العشرة كغالب الآيات، وما بينهما متوسط كآيات سورة القمر الثالث: قال الزمخشري في كشافه القديم: لا تحسن المحافظةُ على الفواصل لمجردها إلا مع بقاء المعاني على سردها على المنهج الذي يقتضيه حسن النظم والقوافي، فأما أن تهمل المعاني ويُهتمّ بتحسين اللفظ وحده، غير منظور فيه إلى مؤداه، فليس من قبيل البلاغة، وبني على ذلك أنَّ التقديم في: (وبالآخرة هم يُوقِنون) - ليس لمجرد الفاصلة، بل لرعاية الاختصاص. الرابع: مبنى الفواصل على الوقف، ولهذا ساغ مقابلة المرفوع بالمجرور، وبالعكس، كقوله: (إنا خلقناهم مِنْ طِين لاَزِب) ، مع قوله: (عَذَابٌ وَاصِبٌ) ، و (شَهَابٌ ثاقبٌ) ، وقوله: (بماءٍ منْهَمِر) ، مع قوله: (قَدْ قُدِرَ) (سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) . وقوله: (وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) ، مع قوله: (وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) . الخامس: كثر في القرآن ختم الفواصل بحروف المد واللين وإلحاق النون. وحكمته وجود التمكن مع التطريب بذلك، كما قال سيبويه: إنهم إذا ترنموا يلحقون الألف والياء والنون، لأنهم أرادوا مد الصوت، ويتركون ذلك إذا لم يترنموا، وجاء القرآن على أسهل موقف وأعظم مقطع. السادس: حروف الفواصل إما متماثلة، وإما متقاربة، فالأول مثل: (وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) . والثاني مثل: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) . (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) . قال الإمام فخر الدين وغيره: إن فواصل القرآن لا تخرج عن هذين

стр. 42

القسمين، بل تنحصر في المتماثلة والمتقاربة، قال: وبهذا يترجح مذهب الشافعي على مذهب أبي حنيفة في عد الفاتحة سبع آيات من البسملة وجعل صراط الذين ... إلى آخرها آية، فإن مَنْ جعل آخر الآية: (أنعمت عليهم) مردود بأنه لا يشابه فواصل سائر آيات السورة لا بالمماثلة ولا بالمقاربة، ورعاية المتشابه في الفواصل لازمة. السابع: كثر في الفواصل التضمين والإيطاء، لأنهما ليسا بعيبين في النثر وإن كانا عيبين في النظم. فالتَّضمين أن يكون ما بعد الفاصلة متعلقاً بها، كقوله تعالى: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨) . والإيطاء تكرر الفاصلة بلفظها، كقوله تعالى: في الإسراء: (هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) . وختم بذلك الآيتين بعدها. ******* الوجه الرابع من وجوه إعجازه . مناسبة آياته وسوره وارتباط بعضها ببعض، حتى تكون كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني، منتظمة المباني. وقد ألف عماؤنا في أسرارها تواليف كثيرة منهم العلامة أبو جعفر بن الزبير شيخ أبي حيان في كتاب سمَّاه " البرهان " في مناسبة ترتيب سور القرآن. ومن أهل العصر الشيخ برهان الدين البقاعي في كتاب سمَّاه نظم الدرر في تناسب الآي والسور. وكتابي الذي صنفته في أسرار التنزيل كافل بذلك، جامع لمناسبات السور والآيات مع ما تضمَّنه مرتباً من جميع وجوه الإعجاز وأساليب البلاغة، وقد لخصت منه مناسبات السور خاصة في جزء لطيف سميته تناسق الدرر في تناسب السور. وعلم المناسبة علم شريف قلّ اعتناء المفسرين به لدقته، وممن أكثر منه الإمام فخر الدين، وقال في تفسيره: أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط. وأول من سبق إلى هذا العلم الشيخ أبو بكر النيسابوري، وكان كثير العلم في

стр. 43

الشريعة والأدب وكان يقول على الكرسي إذا قرئت عليه الآية: لم جُعلت هذه الآية إلى جنب هذه، وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة، وكان يزري على علماء بغداد، لعدم علمهم بالمناسبة. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: المناسبة علم حسن، لكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متّحد مرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يقع فيه ارتباط. ومَنْ ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك يصان عن مثله حسن الحديث، فضلاً عن أحسنه، فإن القرآن نزل في نَيّف وعشرين سنة في أحكام مختلفة، شرعت لأسباب مختلفة، وما كان كذلك لا يتأتى ربْطُ بعضه ببعض. وقال الشيخ ولي الدين الملوي: قد وَهِمَ من قال: لا يطلب للآية الكريمة مناسبة، لأنها على حسب الوقائع المتفرقة. وفصلُ الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلاً، وعلى حسب الحكمة ترتيباً، وتأصيلاً، فالصحف على وفق اللوح المحفوظ مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف، كما أنزل جملة إلى بيت العزة. ومن المعجز البين أسلوبه، ونظمه الباهر، والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شيء عن كونها تكملة لما قبلها أو مستقلة، ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها، ففي ذلك علم جم. وهكذا في السور يطلب وجْه اتصالها بما قبلها وما سيقت له. وقال الإمام الرازي في سورة البقرة: ومَنْ تفكر في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه فهو أيضاً معجز بسبب ترتيبه ونظم آياته، ولعل الذين قالوا إنه معجز بسبب أسلوبه أرادوا ذلك، إلا أني رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف، غير منتبهين لهذه الأسرار، وليس الأمر في هذا الباب إلا كما قيل: والنجم تستصغر الأبصارُ صورتَه ... والذنْبُ للطرف لا لِلنَّجْمِ في الصغَر المناسبة في اللغة المشاكلة والمقاربة، ومرجعها في الآيات ونحوها إلى معنى رابط بينهما عام أو خاص، عقلي أو حسي أو خيالي، أو غير ذلك من أنواع

стр. 44

علاقات التلازم الذهنيّ، كالسبب والمسبب، والعلة والمعلول، والنظيرين والضدين ونحوه. وفائدته جعل أجزاء الكلام بعضها آخذاً بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط، ويصير التأليف حالته حال البناء المحكم التلائم الأجزاء فنقول: ذكر الآية بعد الأخرى إما أن يكون ظاهر الارتباط لتعلق الكلام بعضه ببعض وعدم تمامه في الأولى، فواضح، وكذلك إذا كانت الثانية للأولى على وجه التأكيد أو التفسير أو الاعتراض أو البدل، وهذا القسم لا كلام فيه. وإما ألا يظهر الارتباط، بل يظهر أن كل جملة مستقلة عن الأخرى، وأنها خلاف النوع المبدوء به، فإما أن تكون معطوفة على الأولى بحرف من حروف العطف المشركة في الحكم، أو لا. فإن كانت معطوفة فلا بد أن يكون بينهما جهة جامعة على ما سبق تقسيمه، كقوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا) . وقوله: (وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) . للتضاد بين القبض والبصط، والولوج والخروج، والنزول والعروج، وشبه التضاد بين السماء والأرض. ومما العلاقة فيه التضاد ذكر الرحمة بعد ذكر العذاب، والرغبة بعد الرهبة. وقد جرت عادة القرآن العظيم إذا ذكر أحكاماً ذكر بعدها وعداً أو وعيدا. لتكون باعثاً على العمل بما سبق، ثم يذكر آيات توحيد وتنزيه، ليعلم عِظَم الآمر الناهي. وتأمَّلْ سورة البقرة والنساء والمائدة تجده كذلك. وإن لم تكن معطوفة فلا بد من دعامة تؤْذن باتصال الكلام، وهي قرائن معنوية تؤذن بالربط. وله أسباب: أحدها: التنظير، فإن إلحاق النَّظير بالنَّظير من شأن العقلاء،

стр. 45

كقوله: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ) - عَقِب قوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ) ، فإنه تعالى أمر رسوله أن يمضيَ لأمره في الغنائم على كُرْهٍ من أصحابه، كما مضى لأمره في خروجه من بيته لطلب العِير أو القتال وهم له كارهون، والقصدُ أن كراهتهم لما فعله من قسم الغنائم ككراهتهم للخروج. وقد تَبَين في الخروج الخير من النصر والظفر والغنيمة وعزّ الإسلام. فكذا يكون فيما فعله في القسمة، فليطيعوا ما أمروا ويتركوا هَوَى أنفسهم. الثاني: المضادة، كقوله في سورة البقرة: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ) . فإن أول السورة كان حديثاً عن القرآن، وأن من شأنه الهدايةَ للقوم الموصوفين بالإيمان. فلما أكمل وصف المؤمنين عقب بحديث الكافرين، فبينهما جامع وهميّ بالتضاد من هذا الوجه، وحكمته التشويق والثبوت على الأول، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء. فإن قيل: هذا جامع بعيد، لأن كونه حديثاً عن المؤمنين بالعَرَض لا بالذات، والمقصود بالذات الذي هو مساق الكلام إنما هو الحديث عن القرآن، لأنه مفتتح القول. قيل: لا يشترط في الجامع ذلك، بل يكفي التعلق على أي وجه كان، ويكفي في وجه الربط ما ذكرنا، لأن القصد تأكيد أمر القرآن، والعمل به، والحثّ على الإيمان، ولهذا لما فرغ من ذلك قال: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) . - فرجع إلى الأول. الثالث: الاستطراد: كقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ) . قال الزمخشري: هذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقب ذكر بدوّ السَّوْءات، وخَصْف الورق عليها، إظهاراً للمنة فيما خلق من اللباس، ولما في العراء وكشف العورة من المهانة والفضيحة، وإشعاراً بأن الستر باب عظيم من أبواب التقى.

стр. 46

وقد خرجت على الاستطراد قوله تعالى: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) ، فإن أول الكلام ذكر فيه الرد على النصارى الزاعمين بنوّة المسيح، ثم استطراد الرد على العرب الزاعمين بنوة الملائكة. ويقرب من الاستطراد حتى لا يكادان يفترقان حسن التخلص، وهو أن ينتقل مما ابتدأ به الكلام إلى المقصود على وجه سهل يختلسه اختلاساً دقيق المعنى، بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع عليه الثاني لشدة الالتئام بينهما. وقد غلط أبو العلاء بن غانم في قوله: لم يقَعْ منه في القرآن شيء لما فيه من التكلف، وقال: إن القرآن إنما وقع رداً كل الاقتضاب الذي هو طريق العرب من الانتقال إلى غير ملائم. وليس كما قال، ففيه من التخلصات العجيبة ما يحيّر العقول. وانظر إلى سورة الأعراف كيف ذكر فيها الأنبياء والقرون الماضية والأمم السالفة، ثم ذكر موسى إلى أن قص حكاية السبعين رجلا ودعائه لهم ولسائر أمته بقوله: (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ) . وجوابه تعالى عنه، ثم تخلص بمناقب سيد المرسلين بعد تخلصه بقوله لأمته: (قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) ، من صفاتهم كيت وكيت، وهم الذين يتبعون الرسول النبي الأمي، وأخذ في صفاته الكريمة وفضائله. وفي سورة الشعراء حكى قول إبراهيم: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) . فتخلص منه إلى وصف المعاد بقوله: (ييَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) . وفي سورة الكهف حكى سدّ " ذو القرنين " بقوله: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ) ، فتخلَّص منه إلى وصف حالهم بعد ذكر الذى

стр. 47

هو من أشراط الساعة ثم النفخ في الصور، وذكر الحَشْر، ووصف حال الكفار والمؤمنين. وقال بعضهم: الفرق بين التخلص والاستطراد أنك في التخلص تركت ما كنتَ فيه بالكلية، وأقبلت على ما تخلصت إليه. وفي الاستطراد تمر بذكر الأمر الذي استطردت إليه مروراً كالبرق الخاطف ثم تتركه إلى ما كنت فيه، كأنك لم تقصده، وإنما عرض عروضاً. قال: وبهذا يظهر أن ما في سورة الأعراف والشعراء من باب الاستطراد لا التخلص، لعَوْدِه في الأعراف إلى قصة موسى بقوله: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ) . وفي الشعراء إلى ذكر الأنبياء والأمم. ويقرب من حسن التخلص الانتقال من حديث إلى آخر تنشيطاً للسامع مفصولاً بهذا كقوله في سورة ص - بعد ذكر الأنبياء: (هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) . قال: هذا القرآن نوع من الذكر لَمّا انتهى ذكر الأنبياء، وهو نوع من التنزيل، أراد أن يذكر نوعاً آخر وهو ذكر الجنة وأهلها، تم لما فرغ قال: (هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) . فذكر النار وأهلها. قال ابن الأثير: هذا في هذا المقام من الفصل هو أحسن من الوصل، وهي علاقة وكيدة بين الخروج من كلام إلى آخر. ويقرب منه أيضاً حسن الطلب. قال الزنجاني والطيبي: وهو أن يخرج إلى الغرض بعد تقدمة الوسيلة، كقولك: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) . قال الطيبي: وما اجتمع فيه حسن التخلص والمطلب معا قوله تعالى - حكاية عن إبراهيم: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي) ... إلى قوله (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) .

стр. 48

قاعدة لبعض المتأخرين: الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبة الآيات في جميع القرآن هو أنك تنظر الغرض الذي سيقت له السورة، وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض من المقدمات، وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرْب والبعْد من المطلوب، وتنظر عند انجرار الكلام في مقدمات إلى ما تستتبعه من استشراف، نَفْس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له التي تقتضي البلاغة شفاء الغليل بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها، فهذا هو الأمر الكلي المعين على حكم الربط بين جيع أجزاء القرآن، فإذا فعلْتَه بيَّن لك وجه النظم مفصلاً بين كل آية وآية في كل سورة وسورة. تنبيه: من الآيات ما أشكلت مناسبتها لما قبلها، من ذلك قوله تعالى في سورة القيامة: (لا تحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ به ... ) . القيامة: ١٦، الآيات، فإن وجه مناسبتها لأول السورة وآخرها عسير جداً، فإن السورة كلها في أحوال القيامة، حتى زعم بعض الرافضة أنه سقط من السورة شيء، وحتى زعم القَفّال فيما حكاه الفخر الرازي إلى أنها نزلت في الإنسان المذكور قبل، في قوله: (يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) .. قال: يعرض عليه كتابه، فإذا أخذ في القراءة تلجلج خوفاً، فأسرع في القراءة، فيقال له: لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا أن نجمع عملك وأن نقرأ عليك، فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالإقرار بأنك فعلت، ثم إن علينا بيانَ أمرِ الإنسان وما يتعلق بعقوبته. وهذا يخالف ما ثبت في الصحيح أنها نزلت في تحريك النبي ﷺ لسانَه حالة نزول الوحي. وقد ذكر الأئمة لها مناسبات: منها: أنه تعالى لما ذكر القيامة، وكان من شأن من يقصّر عن العمل لها حبّ العاجلة، وكان من أصل الدين أن المبادرة إلى

стр. 49

أفعال الخير مطلوبة، فنبه على أنه قد يعترِض على هذا المطلوب ما هو أجل منه، وهو الإصغاء إلى الوحي وتفهم ما يراد منه، والتشاغل بالحفظ قد يصدّ عن ذلك، فأمر بألا يُبادر إلى التحفظ، لأن تحفيظه مضمون على ربه، وليصغي إلى ما يرد عليه إلى أن يقضى، فيتّبع ما اشتمل عليه. ثم لما انقضت الجملةُ المعترضة رجع الكلام إلى ما يتعلق بالإنسان المبدأ بذكره، ومن هو من جنسه، فقال: (كلا) . القيامة، ٢٠، وهي كلمة رَدعْ، كأنه قال: بل أنتم يا بني آدم لكونكم خلقتم من عَجَل تعجلون في كل شيء، ومن ثم تحبون العاجلة. ومنها أن عادة القرآن إذا ذكر الكلام المشتمل على عمل العبد حيث يعرض يوم القيامة أردفه بذكر الكتاب المشتمل على الأحكام الدينية في الدنيا التي تنشأ عنها المحاسبة عملاً وتركاً، كما قال في الكهف: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ) ... ، إلى أن قال: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) . وقال في طه: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) . إلى أن قال: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) . ومنها أن أول سورة القيامة لما نزل إلى: (ولَوْ ألْقَى مَعَاذِيره) القيامة: ١٥، صادف أنه اعمط في تلك الحالة بادر إلى تحفظ الذي نزل، وتحرك به لسانه من عجلته خشيةً من تفلته، فنزل: لا تحرك به لسانك ... إلى قوله: ثم إن علينا بيانه، ثم عاد الكلام إلى تكملة ما ابتدىء به. قال الفخر الرازي: ونحوه ما لو ألقى المدرس على الطالب مسألة فتشاغل الطالب بشيء عرض له، فقال له: ألق إليّ بالك، وتفهم ما أقول. ثم كمل المسألة، فمن لا يعرف السبب يقول: ليس هذا الكلام مناسباً للمسألة بخلاف مَنْ عرف ذلك. ومنها أن " النفس" لما تقدم ذكرها في أول السورة عدل إلى ذكر نفس

стр. 50

المصطفى، كأنه قال: هذا شأن النفوس، وأنت يا محمد نفسك أشرف النفوس، فلتأخذْ بأكمل الأحوال. ومن ذلك قوله تعالى: (يسألونك عن الأهِلَّةِ) . فقد قيل: أي رابط بين أحكام الأهلّة وبين حكم إتيان البيوت من أبوابها؟ وأجيب بأنه من باب الاستطراد، لما ذكر أنها مواقيت للحج، وكان هذا من أفعالهم في الحج - كما ثبت في سبب نزولها - ذكر معه من باب الزيادة في الجواب على ما في السؤال على حد: سئل عن ماء البحر، فقال: هو الطَّهُورُ ماؤُه الحِلّ مَيْتَته. ومن ذلك قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) . فقد يقال: ما وجه اتصاله بما قبله، وهو قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) . فقال الشيخ أبو محمد الجويني في تفسيره: سمعت أبا الحسن الدهان يقول: وجه اتصاله هو أن تخريب بيت المقدس قد سبق، أي فلا يَجْرِمَنَّكم ذلك واستقبلوه، فإن لله المشرق والمغرب. فصل من هذا النوع مناسبة السور. وقد أفردت فيه جزءاً لطيفاً سميته مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع. وانظر إلى سورة القصص كيف بدئت بأمر موسى ونصرته، وقوله: (فلَنْ أكُونَ ظَهيراً لِلْمُجْرِمين) القصص: ١٧. وخروجه من وطنه. وختمت بأمر النبي ﷺ بألا يكون ظهيراً للكافرين، وتسليته عن إخراجه من مكة، ووعده بالعود إليها، لقوله في أول السورة: (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ) القصص: ٧. قال الزمخشري: وقد جعل الله فاتحة سورة المؤمنون: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) . وأورد في خاتمتها: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) . فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة.

стр. 51

وذكر الكَرْمَاني في العجائب مثله، وقال في سورة ص: بدأها بالذكر وختمها بقوله: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) . وفي سورة ن بدأها بقوله: (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) . وختمها بقوله: (وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) . ومنه مناسبة فاتحة السورة لخاتمة التي قبلها، حتى إن منها ما يظهر تعلقها به لفظاً، عما في: (فجعلهم كعَصْفٍ مَأكول) . (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) . فقد قال الأخفش: اتصالها به من باب قوله: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) . وقال الكواشي في تفسير المائدة: لما ختم سورة النساء أمراً بالتوحيد والعدل بين العباد أكد ذلك بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) . وقال غيره: إذا اعتبرت افتتاح كل سورة وجدته في غاية المناسبة لما ختم به السورة قبلها، ثم هو يخفى تارة ويظهر أخرى، كافتتاح سورة الأنعام بالحمد، فإنه مناسب لختام المائدة من فصل القضاء، كما قال تعالى: (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥) . وكافتتاح سورة فاطر بالحمد أيضاً، فإنه مناسب لختام ما قبلها من قوله تعالى: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ) . كما قال تعالى: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥) . وكافتتاح سورة الحديد بالتسبيح، فإنه مناسب لختام سورة الواقعة بالأمر به. وكافتتاح سورة البقرة بقوله تعالى: (الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ) . فإنه إشارة إلى الصراط في قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) . كأنهم لما سألوا الهداية إلى الصراط قيل لهم: ذلك الصراط المستقيم الذي سألتم الهداية إليه هو الكتاب.

стр. 52

وهذا معنى حسن يظهر فيه ارتباط سورة البقرة بالفاتحة. ومن لطائف سورة الكوثر أنها كالمقابلة التي قبلها، لأن السابقة وصف الله المنافق فيها بأربعة أمور: البخل، وترك الصلاة، والرياء فيها، ومنع الزكاة، فذكر فيها في مقابلة البخل: إنا أعطيناك الكوثر، أي الخير الكثير. وفي مقابلة ترك الصلاة فصلِّ، أي فَدمْ عليها. وفي مقابلة الرياء لربك أي لرضاه لا للناس. وفي مقابلة منع الماعون وانْحَر، وأراد به التصدق بلحم الأضاحي. وقال بعضهم: لترتيب وضع السور في الصحف أسباب تُطْلِعُ على أنه توقيفي صادر عن حكيم: أحدها: بحسب الحروف، كما في الخواتيم. الثاني: لموافقة أول السورة لآخر ما قبلها، كآخر الحمد في المعنى وأول البقرة. الثالث: للوزان في اللفظ، كآخر " تبّت" وأول " الإخلاص ". الرابع: لمشابهة جملة السورة لجملة أخرى كالضحى و" ألم نشرح ". قال بعض الأئمة: وسورة الفاتحة تضمنت الإقرار بالرّبوبية والالتجاء إليه في دين الإسلام، والصيانة عن دين اليهودية والنصرانية. وسورة البقرة تضمنت قواعد الدين. وآل عمران تكملة المقصود، فالبقرة بمنزلة إقامة الدين على الحكم، وآل عمران بمنزلة الجواب عن شبهات الخصوم، ولهذا ورد فيه ذكر المتشابه لما تمسك به النصارى. وأوجب الحج في آل عمران. وأما في البقرة فذكر أنه مشروع وأمر بإتمامه بعد الشروع فيه، وكان خطاب النصارى في آل عمران أكثر، كما أن خطاب اليهود في البقرة أكثر، لأن التوراة أصل والإنجيل فرع لها، والنبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة دعا اليهود وجاهدهم، وكان جهاده للنصارى في آخر الأمر، كما كان دعاؤه لأهل الشرك قبل أهل الكتاب، ولهذا كانت السور الكلية فيها الدين الذي اتفق عليه الأنبياء، فخوطب به جميعُ الناس، والسور المدنية فيها خطاب من أقر بالأنبياء من أهل الكتاب والمؤمنين، فخوطبوا بأهل الكتاب، يا بني إسرائيل، يا أيها الذين آمنوا.

стр. 53

وأما سورة النساء فتضمنت أحكام الأسباب التي بيْنَ الناس، وهي نوعان: مخلوقة لله تعالى، ومقدرة لهم، كالنسب والصهر، ولهذا افتتحت بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) . ثم قال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ. فانظر هذه المناسبة العجيبة بالافتتاح وبراعة الاستهلال، حيث تضمنت الآية المفتتح بها نظير السورة في أحكامه من نكاح النساء ومحرماته، والمواريث المتعلقة بالأرحام، وإن ابتداء هذا الأمر كان بخلق آدم ثم بخلق زوجه منه، ثم بثّ منهما رجالاً كثيرا ونساء في غاية الكثرة. وأما المائدة فقد تضمنت بيان تمام الشرائع، وتكملات الدين، والوفاء بعهود الرسول، وما أخذ على الأمة، وبهما تم الدين، فهي سورة التكميل، لأن فيها تحريم الصيد على المحرم الذي هو من تمام الإحرام، وتحريم الخمر الذي هو من تمام حفظ العقل والدين، وعقوبة المعتدين من السراق والمحاربين الذي هو من تمام حفظ الدماء والأموال، وإحلال الطيبات الذي هو من تمام عبادة الله، ولهذا ذكر فيها ما يختص بشريعة محمد ﷺ ، كالوضوء، والتيمم، والحكم بالقرآن على كل ذي دين، ولهذا أكثر فيها من لفظ الإتمام والإكمال، وذكر فيها أن من ارتد عَوضَ الله بخير منه، ولا يزال هذا الدين كاملاً، ولهذا ورد فيها أنها آخر ما نزل، لما فيها من إشارات الختم والتمام. وهذا الترتيب بين هذه السور الأربع المدنيات من أحسن الترتيب. وقال أبو جعفر بن الزبير: حكى الخطابي أن الصحابة لما اجتمعوا على جمع القرآن، ووضعوا سورة " القَدْر " عقِبَ " العَلَق "، استدلوا بذلك على أن المراد بذلك الكناية في قوله: (إنا أنزلناه في ليلةِ القَدْرِ) الإشارة إلى قوله اقْرَأ. قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهذا بديع جداً.

стр. 54

قال في البرهان: ومن ذلك افتتاح السور بالحروف المقطعة واختصاص كل واحدة بما بدئت به، حتى لم تكن ترد آلم في موضع آلر ولا حم في موضع طس. قال: وذلك أن كل سورة بدئت بحرف منها، فإن أكثر كلماتها وحروفها مماثل له، فحق لكل سورة منها ألا يناسبها غير الوارد فيها، فلو وضع " ق " موضع " ن "، لم يمكن، لعدم التناسب الواجب مراعاته في كلام الله. وسورة " ق " بدئت به لما تكرر فيها من الكلمات بلفظ القاف، من ذلك القرآن، والخلق، وتكرير القول، ومراجعته مراراً، والقرب من ابن آدم، وتلقي الملكين، وقول العتيد والرقيب، والسابق، والإلقاء في جهنم، والتقدم بالوعد، وذكر المتقين، والقلب، والقرون، والتنقيب في البلاد، وتشقق الأرض، وحقوق الوعيد، وغير ذلك. وقد تكررت الراء في سورة يونس من الكلام الواقع فيها إلى مائتي كلمة أو أكثر، فلهذا افتتحت بالراء. واشتملت سورة " ص " على خصومات متعددة، فأولها خصومة النبي ﷺ مع الكفار وقولهم: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا) . ثم اختصام الخَصْميْن مع داود، ثم تخاصم أهل النار، ثم اختصام المَلَأِ الأعْلَى، ثم تخاصم إبليس في شأن آدم، ثم في شأن بنيه وإغوائهم. والم جمعت الخارج الثلاثة الحلق واللسان والشفتين على ترتيبها، وذلك إشارة إلى البداية التي هي بدء الخلق والنهاية التي هي المعاد والتوسط الذي هو المعاش من التشريع بالأوامر والنواهي. وكل سورة افتتحت بها فهي مشتملة على الأمور الثلاثة. وسورة الأعراف زيد فيها الصاد على الم لما فيها من شرح القصص: قصة آدم فمن بعده من الأنبياء، ولما فيها من ذكر: (فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ) ، ولهذا قال بعضهم: معنى الص: ألم نشرح لك صدرك.

стр. 55

وَزِيد في الرعد لأجل قوله: (رَفَعَ السَّمَاوَاتِ) ، ولأجل ذكر الرعد والبرق وغيرهما. واعلم أن عادة القرآن العظيم في ذكر هذه الحروف أن يذكر بعدها ما يتعلق بالقرآن، كقوله تعالى: (الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ) . (نَزَّل عليكَ الكتابَ) . (المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ) . (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) . (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) . (طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) . (يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) . (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) . (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) . (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) . إلا في ثلاث سور: العنكبوت، والرّوم، ون، ليس فيها ما يتعلق به، وقد ذكرتُ حكمة ذلك في أسرار التنزيل. وقال الحرالي: في معنى حديث: أنزل القرآن على سبعة أحرف: زاجر. وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. اعلم أن القرآن نزل عند انتهاء الخلق، وكمال كل الأمر بَدْءاً، فكان التخلق به جامعاً لانتهاء كل خلق، وكمال كل أمر، فكذلك هو قيم الكون، وهو الجامع الكامل، ولذلك كان خاتماً وكتابه كذلك. وبدأ المعاد من حين ظهوره، فاستوفى هذه الجوامع الثلاث التي قد خلت في الأولين بداياتها، وتممت عنده غاياتها، بعثت لأتَمِّمَ مكارم الأخلاق، وهي صلاح الدين والمعاد التي جمعها قوله ﷺ : اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمةُ أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي. وفي كل صلاح إقدام وإحجام، فتصير الجوامع الثلاثة ستة هي حروف القرآن الستة، ثم وهب حرفاً جامعاً شائعاً فردا لا زوج له، فتمت سبعة. فأدنى تلك الحروف هو صلاح الدنيا، فلها حرفان: حرف الحرام الذي لا تصلح النفس والبدن إلا بالتطهر منه، لبعده عن تقويمها. والثاني حرف الحلال

стр. 56

الذي تصلح النفس والبدن عليه لوافقته تقويمها، أصل هذين الحرفين في التوراة، وتمامهما في القرآن. ويلي ذلك حَرْفَا صلاح المعاد: أحدهما حرف الزجر والنهي الذي لا تصلح الآخرة إلا بالتطهر منه لبعده عن حسناها، والثاني حرف الأمر الذي لا تصلح الآخرة إلا عليه لتقاضيه لحسناها، وأصل هذين الحرفين في الإنجيل وتمامهما في القرآن. ويلي ذلك حرفا صلاح الدين: أحدها حرف المحكم الذي بان للعبد فيه خطابُ ربه، والثاني حرف المتشابه الذي لا يتبين للعبد فيه خطاب ربه من جهة قصور عقله عن إدراكه، فالحروف الخمسة للاستعمال، وهذا الحرف السادس للوقوف والاعتراف بالعجز، وأصل هذين الحرفين في الكتب المتقدمة كلهما، وتمامهما في القرآن. ويختص القرآن بالحرف السابع، وهو حرف المثل المبين للمثل الأعلى. ولما كان هذا الحرف هو الحمد افتتح الله به القرآن، وجمع فيه جوامع الحروف السبعة التي بثها في القرآن، فالآية الأولى تشتمل على حرف الحمد الشائع، والثانية تشتمل على حَرْفَي الحلال والحرام اللذين أقامت الرحمانية بها الدنيا والرحيمية الآخرة. والثالثة تشتمل على أمر الملك القيم على حرفي الأمر والنهي اللذين يبدو أمرها في الدين. والرابعة تشتمل على حرفي الحكم في قوله: إيّاك نَعْبُد، والمتشابه في قوله: وإياك نستعين. ولما افتتح أم القرآن بالسابع الجامع الموهوب ابتدئت البقرة بالسادس المعجوز عنه، وهو المتشابه. انتهى كلام الحرالي. والمقصود منه هو الأخير. على أني أقول: المناسبة في ابتداء البقرة بـ "الم" أحسن مما قال، وهو أنه لما ابتدئت الفاتحة بالحرف المحكم الظاهر لكل أحد الذي لا يُعْذَر أحد في فهمه - ابتدئت البقرة بمقابله، وهو الحرف المتشابه البعيد التأويل أو المستحيلة. ومن هذا النوع مناسبة أسماء السور لمقاصدها. وفي العجائب للكَرْماني: إنما سُميت السور السبع " حم " على الاشتراك في

стр. 57

الاسم لما بينهنَّ من التَّشَاكُل الذي اختصت به، وهو أن كل واحدة منها استفتحت بالكتاب أو صِفَة الكتاب، مع تفاوت المقادير في الطول، والقِصَر، وتشاكل الكلام في النظام. ******* الوجه الخامس من وجوه إعجَازه افتتاح السور وخواتمها وهو من أحسن البلاغة عند البيانيين. وهو أنْ يتأتقَ فىِ أول الكلام، لأنه أول ما يقرع السمع، فإن كان محرراً قِبَل السامع قَبِلَ الكلام ووعاه، وإلا أعرض عنه، وإن كان في نهاية الحسن، فينبغي أن يُؤتى فيه بأعذب اللفظ وأرقّه، وأجزله وأسلسه، وأحسنه نظماً وسبكاً، وأصحه معنى وأوضحه، وأخلاه من التعقيد والتقديم والتأخير الملْبِس، أو الذي لا يناسب. قالوا: وقد أتت فواتح جميع السور على أحسن الوجوه وأكملها، كالتحميدات، وحروف النداء، والهجاء، وغير ذلك. ومن الابتداء الحسن نوع أخص منه يسمى براعة الاستهلال، وهو أن يشتمل أول الكلام على ما يناسب الحال المتلكم فيه، ويشير إلى ما سبق الكلام لأجله، والعَلَم الأسنى في ذلك سورة الفاتحة التي هي مطلع القرآن! فإنها مشتملة على جميع مقاصده، لأنه افتتح فيها فنبه في الفاتحة على جميع مقاصد القرآن. وهذا هو الغاية فىِ براعة الاستهلال، مع ما اشتملت عليه من الألفاظ الحسنة، والمقاطع المستحسنة وأنواع البلاغة. وخواتم السور مثل الفواتح فىِ الحسن، فلهذا جاءت متضمنة للمعاني البديعة، مع إيذان السامع بانتهاء الكلام، حتى لا يبقى معه للنفوس تشوّق إلى ما يذكر بعد، لأنها بين أدعية ووصايا، وفرائض، وتحميد وتهليل ومواعظ، ووعد ووعيد، إلى غير ذلك، كتفصيل جملة المطلوب في خاتمة الفاتحة، إذ المطلوب الأعلى الإيمان المحفوظ من المعاصي السبّبة لغَضَبِ الله والضلال، ففصّل جملة

стр. 58

ذلك بقوله: الذين أنعمت عليهم. والمراد المؤمنون، ولذلك أطلق الإنعام ولم يقيده ليتناول كلَّ إنعام، لأنَّ مَنْ أنعم الله عليه بنعمة الإيمان فقد أنعم عليه بكل نعمة، لأنها مسببة لجميع النعم، ثم وصفهم بقوله: غير المغضوب عليهم ولا الضالِّين. يعني أنهم جعوا بين النعم المطلقة - وهي نعمة الإيمان - وبين السلامة من غضب الله والضلال المتسبّبَيْن عن معاصيه وتعدي حدوده، وكالدعاء الذي اشتملت عليه الآيتان من آخر سورة البقرة، وكالوصايا التي ختمتنها سورة آل عمران، والفرائض التي ختمت بها سورة النساء، وحَسُنَ الخَتْم بها لما فيها من أحكام الموت الذي هو آخر كل امرئ حي، والآخر ما نزل من الأحكام وكالتبجيل والتعظيم الذقي خُتِمَتْ به المائدة. وكالوعد والوعيد الذي ختمت به الأنعام. وكالتحريض على العبادة بوصف حال الملائكة الذي ختمت به الأعراف. وكالحض على الجهاد وصلة الأرحام الذي ختمت به الأنفال. وكوصف الرسول ومدحه والتهليل الذي ختمت به براءة. وتسليته ﵇ التي ختم بها سورة يونس. ومثلها خاتمة هود. ووصف القرآن ومدحه الذي ختم به يوسف. والرد على من كذّب يوسف والرد على من كذب الرسول الذي ختم به الرعد. ومن أوضح ما آذن بالختام خاتمة إبراهيم: (هذا بلاغ للناس) . ومثلها خاتمة الأحقاف، وكذلك خاتمة الحجر: (واعْبُدْ رَبَّكَ حتى يَأتيكَ اليَقين) ، وهو مُفَسّر بالموت، وهو في غاية البراعة. وانظر إلى سورة الزّلْزَلة كيف بدئت بأحوال القيامة، وختمت بقوله: (فَمَنْ يعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْراً يرَه) . وانظر إلى براعة آخر آية نزلت، وهي قوله: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) ، وما فيه من الإشعار بالآخرية المستلزمة للوفاة. وكذا آخر سورة نزلت، وهي سورة النَّصْرِ، فيها الإشعار بالوفاة، كما قال ابن عباس، كأنه قال له: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) . فذلك علامة أجَلك. (فسبِّحْ بحمده رَبِّكَ واستَغْفِرْه إنه كان تواباً) ، ووافقه عمر على ذلك.

стр. 59

فإن قلت: ما الحكمة في ختم هذا القرآن العظيم بالمعوّذتين؟ والجواب ما قاله ابن جرير في تفسيره عن شيخه ابن الزبير: لثلاثة أمور: الأول: لما كان القرآن العظيم من أعظم نعم الله على عباده، والنعم مظنّة الحسد، فختم بما يطفىء الحسد من الاستعاذة بالله. الثاني: إنما ختم بهما لأن رسول الله ﷺ قال فيهما: أنْزِلَتْ عليَّ آيات لم أرَ مِثْلَهن قط، كما قال في فاتحة الكتاب: لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها، فافتتح القرآن بسورة لم ينزل مثلها، واختتم بسورتين لم ير مثلهما، ليجمع حسن الافتتاح والاختتام. ألا ترى أن الخطَب والقصائد وغير ذلك من أنواع الكلام إنما يُنظر فيها إلى حسن افتتاحها واختتامها. الثالث: أنه لما أمر القارىء أن يفتتح قراءته بالتعوذ من الشيطان الرجيم ختم القرآن بالمعوذتين لتحصُلَ الاستعاذة بالله عند أول القراءة وعند آخر ما يقرأ من القرآن، فتكون الاستعاذة اشتملت على طرفي الابتداء والانتهاء، ليكون القاريء محفوظاً بحفظ الله الذي استعاذ به من أول الأمر إلى آخره. قال البيهقي في شعب الإيمان: أخبرنا أبو القاسم بن حبيب، حدثنا محمد بن صالح بن هانيء، حدثنا الحسين بن الفضل، حدثنا عفان بن مسلم، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن، قال: أنزل الله مائة وأربعة كتب أودع علومه منها أربعة: التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، ثم أودع علم التوراة والإنجيل والزبور في الفرقان، ثم أودع علوم القرآن في المفصل، ثم أودع المفصل فاتحة الكتاب، فمن علم تفسيرها كان كمن علم جميع الكتب المنزلة. وقد وُجّه ذلك بأن العلوم التي احتوى عليها القرآن وقامت بها الأديان أربعة: علم الأصول، ومداره على معرفة الله وصفاته، وإليه الإشارة برب العالمين الرحمن الرحيم. ومعرفة النبوات، وإليه الإشارة بالذين أنعمت عليهم.

стр. 60

ومعرفة المعاد، وإليه الإشارة بـ مالِكِ يوْم الدين. وعلم العبادات، وإليه الإشارة بـ إيّاكَ نَعْبد. وعلم السلوك، وهو حَمْلَ النفس على الآداب الشرعية، والانقياد لرب البرية، وإليه الإشارة بإياك نستعين، اهْدِنا الصِّرَاط المستقيم. وعلم القصص، وهو الاطلاع على أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية، ليعلم المطلع على ذلك سعادة من أطاع الله وشقاوة من عصاه، وإليه الإشارة بقوله: صراط الذين أنعمت عليهم غَيْر المغضوب عليهم ولا الضالين. فنَبَّه في الفاتحة على جميع مقاصد القرآن، وهذا هو الغاية في براعة الاستهلال - مع ما اشتملت عليه من الألفاظ الحسنة والمقاطع المستحسنة وأنواع البلاغة. وكذلك أول سورة اقْرَأ لكونها أول ما نزل من القرآن، فإن فيها الأمر بالقراءة والبداءة فيها باسم الله، وفيها الإشارة إلى علم الأحكام، وفيها ما يتعلق بتوحيد الرب، وإثبات ذاته وصفاته، من صفات ذات وصفة فعل، وفي هذا الإشارة إلى أصول الدين. وفيها ما يتعلق بالأخبار من قوله: (عَلّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يعْلَمْ) . ولهذا قيل: إنها جديرة أن تُسمى عنوان القرآن، لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارة وجيزة في أوله. والكلام في هذا الوجه عريض، أفرده بالتأليف ابن أبي الإصبع في كتاب سماه " الخواطر السوانح في أسرار الفواتح "، وهأنا ألخص هنا ما ذكره مع زوائد من غيره، طالبا ممن نظر فيه دعوة خالصة في وقت استجابةٍ أن ينفعنا بهذا القرآن العظيم بجاه نبيه عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم: اعلم أن الله تعالى افتتح القرآن بعثصرة أنواع من الكلام لا يخرج شيء من السور عنها: الأول: الثناء عليه تعالى، والثناء قسمان: إثبات لصفات المدح، ونفي وتنزيه عن صفات النقص. فالأول التحميد في خمس سور، و (تبارك) في سورتين. والثاني: التسبيح في سبع سور. قال الكِرْماني في متشابه القرآن: التسبيح كلمة استأثر الله بها، فبدأ بالمصدر

стр. 61

في بني إسرائيل، لأنه الأصل، ثم بالماضي في الحديد والحشر، لأنه أسبق الزمانين، ثم بالضارع في الجمعة والتَّغَائن، ثم بالأمر في الأعلى، استيعابا لهذه الكلمة من جميع جهاتها. الثاني: حروف التهجي في تسع وعشرين سورة، وسيأتي الكلام عليها في وجه تشابهه، ومضى في وجه مناسبة سوره. الثالث: النداء في عشر سور، خمس بنداء الرسول ﷺ : الأحزاب، والطلاق، والتحريم، والمزَّمّل، والمدَّثّر. وخمس بنداء الأمة: النساء، والمائدة، والحج، والحجرات، والممتحنة. الرابع: الجمل الخبرية، نحو: (يسألونك عن الأنفال) . (برَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسولِه) . (أتى أمْر اللهِ) . (اقترب للناسِ حِسابهم) . (قد أفلح المؤمنون) . (سورَةٌ أنزلناها) . (تَنْزِيل الكتَاب) . (الذين كفَروا) . (إنَّا فَتَحْنَا) . (اقْتَرَبَتِ الساعة) . (الرحمن علَّم القرآن) . (قد سَمِع) (الحاقَّةُ) . (سأل سائل) . (إنا أرسلنا نوحاً) . (لا أقْسم) في موضعين القيامة، والبلد. (عبس) . (إنا أنزلناه) . (لم يكن) (القارعة) . (ألهاكم) . (إنا أعطيناك) . فتلك ثلاثٌ وعشرون سورة. الخامس: القَسَم في خمس عشرة سورة أقسم فيها بالملائكة وهي: والصافّات. وسورتان بالأفلاك: البروج، والطارق. وست سور بلوازمها: في النجم أقسم بالثريا. والفجر بمبدأ النهار. والشمس بآية النهار. والليل بشطر الزمان. والضحى بشطر النهار. والعصر بالشطر الآخر، أو بجملة الزمان. وسورتان بالهواء الذي هو أحد العناصر: والذاريات، والمرسلات. وسورة بالتربة التي هي منها أيضاً، وهي الطور. وسورة بالنَّبَاتِ وهي: والتين. وسورة بالحيوان الناطق، وهي: والنازعات. وسورة بالبهائم، وهي: والعاديات.

стр. 62

السادس: الشرط في سبع سور: الواقعة. والمنافقون. والتكوير. والانفطار. والانشقاق. والزّلْزَلَة. والنَّصْر. السابع: الأمر في ست سور: (قل أوحى) . (اقرأ) (قل يا أيها الكافرون) والإخلاص. والمعوِّذتين. الثامن: الاستفهام في ست: (هل أتى) . (عَمَّ يتساءلون) . (هل أتاك) (ألم نشرح) . (ألم تر) . (أرأيت) التاسع: الدعاء في ثلاث: (وَيْلٌ لِلْمُطَففِين) . (وَيْلٌ لِكلّ همزة) . (تَبَّتْ يَدَا) . العاشر: التعليل في: (لإيلَافِ فريش) . هكذا جمع أبو شامة، قال وما ذكرناه في قسم الدعاء يجوز أن يذكر مع الخبر، وكذا الثناء كله خبر إلا سبّح فإنه يدخل في قسم الأمر، وسبحان يحتمل الأمر والخبر، ثم نظم ذلك في بيتين: أثنى على نَفْسِهِ سبحانه بثبو ... ت الحمد والسلب لَمَّا استفتح السّوَرَا والأمرُ شرط النِّدا التعليل والقَسَم ال ... عما حروف التهجِّي استفهمِ الْخَبَرا وسئل الشيخ الإمام تاج الدين السبكي عن الحكمة في افتتاح سورة الإسراء بالتسبيح، والكهف بالتحميد. فأجاب بأن التسبيح حيث جاء مقدم على التحميد، نحو: فسبح بحمد ربك. سبحان الله والحمد لله. وأجاب ابن الزَّمْلكاني بأن سورة سبحان لما اشتملت على الإسراء الذي كذّب المشركون به النبي ﷺ ، وتكذيبه تكذيبٌ لله تعالى - أتى بسبحان لتنزيه الله عما نُسب إليه ولنَبِيِّه من الكذب. وسورة الكهف لما أنزلت بعد سؤال المشركين عن قصة أصحاب الكهف وتأخير الوحي نزلت مبيّنَةً أنَّ الله تعالى لم يقطع نعمته عن نبيه ولا عن المؤمنين، بل أتم عليهم النعمة بإنزال الكتاب، فناسب افتتاحها بالحمد على هذه النعمة. وفي تفسير الحوفي: افتتحت الفاتحة بقوله: الحمد للهِ رب العالين، فوصف بأنه

стр. 63

مالك جميع المخلوقين. وفي الأنعام والكهف وسبأ وفاطر لم يوصَف بذلك، بل بفرد من أفراد صفاته وهو خلقُ السماوات والأرض، والظلمات والنور في الأنعام، وإنزال الكتاب في الكهف، ومالك ما في السماوات وما في الأرض في سبأ، وخلقهما في فاطر، لأن الفاتحةَ أمّ القرآن ومطلعه، فناسب الإتيان فيها بأبلغ الصفات وأعمها وأشملها. قال الأستاذ ابن الزبير: وأما مناسبة الوصف الوارد في سورة الأنعام فمن حيث ما وقع فيها من الإشارة إلى مَنْ عبد الأنوار، وأعاد سبحانه ذكر ما فيه الدلالة البينة على بُطلان مذهب مَنْ عَبد النَّيِّرات أو شيئاً منها في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الآية. فقال: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا) . ثم قال ﵇ على جهة الفَرْض وإقامة الحجة على قومه: " هذا رَبّي " فلما أفل قال: لا أحِبُّ الآفلين. ثم قال في الشمس والقمر مستدلاّ بتغيُّرهما وتقلبهما في الطلوع والغروب على أنهما حادثين مربوبين مسخرين طالعين لموجدِهما المنَزّه عن سمات التغير والحدوث، فقال ﵇ عند ذلك لقومه: (إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) . فأخبر عن حاله قبل هذا الاعتبار وبعده. قال تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا) . وفي طيّ قوله: وما كان من المشركين تنزيهه عن عبادة النيرات وغيرها مما سواه تعالى، وبانَ من هذا كله ما افتتحت به السورة من انفراده تعالى بخلق السماوات والأرض، والظلمات والنور، فوضح التلازمُ والتناسب. وأما سورة الكهف فإنها لما انطوت على التعريف بقصة أهل الكهف، ولقاء موسى ﵇ والخضر، وما كان من أمرهما، وذكر الرجل الطّواف وبلوغه مطلع الشمس ومغربها، وبنيانه سدَّ يَأجُوج ومأجوج، وكل هذا إخبار بما لا مجال للعقل فيه، ولا تُعْرَف حقيقته إلا بالوحي والإنباء بالصدق الذي لا عِوَج فيه ولا امْتِراءَ ولا زيْغ - ناسب ذكر افتتاح السورة المعرّفة بذلك بالوحي

стр. 64

المقطوع به قوله تعالى: (الحمد لله الذي أنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتَابَ ولم يجعل له عِوجاً) . والتناسب في هذا أوضح من أن يتوقف فيه. وأما سورة سبأ فلما تضمنت ما منح سبحانه داود ﵇ من تسخير الجبال والطير والريح وإلانةِ الحديد ناسب ما به افتتحت السورة من أن الكل ملكه وخلقه، فهو المسخّر لها والتصرف في الكل بما شاء، فقال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ) . وهذا أوضح التناسب. وأما سورة الملائكة فمناسبة وصفِه تعالى باختراع السماوات والأرض لما ذكره من خلق عامّ في السماوات من الملائكة وجعلهم رسلاً أولي أجنحة، وإمساكه السماوات والأرض أنْ تَزولا - أبْين شيء وأوْضَحه، وليس شيء من هذه الأوصاف العليّة بمناسب لغير موضعه لمناسبته موضعه الوارد منه. فقد بان مجيء كلّ منها في موضعه ملائماً لما اتصل به. والله أعلم. قال الكَرْمَاني في العجائب: إن قيل كيف جاء يسألون أربع مرات بغير واو. (يسألونك عن الأهِلَّةِ) . (يسألونك ماذا ينْفِقُون) . (يسألونك عن الشَّهْرِ الحَرَام) . (يسألونك عن الخمر) . ثم جاء ثلاث مراتٍ بالواو: (ويسألونك ماذا يُنْفقون) (ويسألونك عن اليَتَامَى) . (ويسألونك عن المحِيض) . قلنا: لأن سؤالهم عن الحوادث الأوَل وقع متفرقاً، وعن الحوادث الأخَر وقع في وقت واحد، فجيء بحرف الجمع دلالة على ذلك. فإن قيل: كيف جَاء: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) ، وعادة القرآن مجيء قل في الجواب بلا فاء؟ أجاب الكرماني بأن التقدير لو سئلت عنها فَقُلْ.

стр. 65

فإن قيل: كيف جاء: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) ، وعادة السؤال يجيء جوابه في القرآن بِقُلْ. قلنا: حُذِفت للإشارة إلى أن العبد في حالة الدعاء في أشرف المقامات، ولا واسطة بينه وبين مولاه. ورد في القرآن سورتان، أولهما يا أنها الناس في نصفه الأول، وهي تشتمل على شرح البدأ، والتي في النصف الثاني على شرح المعاد. ******* الوجه السادس من وجوه إعجازه (مُشْتَبِهات آياته) وذلك أن القصة الواحدة ترد في سوَرٍ شتَّى وفواصل مختلفة بأن يأتي في موضع واحد مقدماً وفي آخر مؤخراً، كقوله في البقرة: (وادخُلُوا البَابَ سُجَّداً وقولُوا حِطَّة) . البقرة: ٥٨. وفي الأعراف: (وقولوا حِطّة وادْخُلُوا البابَ سُجّداً) . الأعراف: ١٦١. وفي البقرة: (وما أهِل بهِ لغَيْرِ اللهِ) وسائر القرآن: (وما أهِلّ لغَيْرِ الله به) . وفي موضع بزيادةٍ وفي موضع بدونها، نحو: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ) . وفي يس: (وَسَوَاء) . يس: ١٠، وفي البقرة: (ويَكونَ الدِّينُ للَهِ) البقرة: ١٦٣. وفي الأنفال: (كُلّه لله) الأنفال: ٣٩. وفي موضع معرفاً وفي آخر منكراً. أو مفرداً وفي آخر جمعاً. أو بحرف وفي آخر بحرف آخر. أو مدغماً أو مفككاً. وهذا النوع يتداخل مع نوع المناسبات. وقد أفرده بالتصنيف جماعة أولهم فيما أحسب الكسائي، ونظمه السخاوي، وألف في توجيهه الكرماني كتابه "البرهان في متشابه القرآن". وأحسن منه درة التنزيل وغرة التأويل" لأبي عبد الله الرازي (١) . وأحسن منها كلها "ملاك التأويل في متشابه التنزيل" لأبي جعفر بن الزبير. وللقاضي بدر الدين بن جماعة في ذلك كتاب لطيف سماه "كشف المعاني عن متشابه المثاني". وفي كتابي أسرار التنزيل المسمى

стр. 66

قطف الأزهار في كشف الأسرار من ذلك الجمّ الغفير، لَكنَّا "نُشِير هنا إلى توجيه أمثلة منها تتميما للفائدة: قوله في البقرة: (هُدًى للمتَّقين) البقرة: ٢) ، لأنه لما ذكر هنا جموع الإيمان ناسب المتقين، ولما ذكر في لقمان الرحمة ناسبه: هدى ورحمةً للمحسنين. وإنما ذكر في البقرة: (وكُلاَ) . البقرة: ٣٥، بالواو، وفي الأعراف: (فَكُلاَ) . الأعراف: ١٩، - بالفاء، لأن المراد بالسكنى في البقرة الإقامة. وفي الأعراف اتخاذ المسكن، فلما ناسب القول إليه تعالى: (وقُلْنَا يَا آدَم) البقرة: ٣٥، ناسب زيادة الإكرام بالواو الدالة على الجمع بين السكنى والأكل، ولذا قال فيه رغداً، وقال: حيث شئتما، لأنه أعلم. وأتى في الأعراف: يا آدم، فأتى بالفاء الدالة على ترتيب الأكل على السكنى المأمور باتخاذها، لأن الأكل بعد الاتخاذ، ومن حيث لا يعطي عموم " حيث شئتما ". قوله في البقرة: (ولا يُقْبَل منها شَفَاعَةٌ) ، وقال بعد ذلك: (ولا يقْبَلُ منها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُهَا شفاعةٌ) ، ففيه تقديم وتأخير، والتعبير بقبول الشفاعة تارة وبالنفي أخرى، وذكر في حكمته أن الضمير في منها راجع في الأولى إلى النفس الأولى، وفي الثانية إلى النفس الثانية، فبيّن في الأولى أن النفس الشافعة الجازية عن غيرها لا تُقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عَدْل، وقدمت الشفاعة لأن الشافع يقدم الشفاعة على بَذْل العدل عنها. وبيّن في الثانية أن النفس المطلوبة بجُرمها لا يقبل منها عدل عن نفسها، ولا تنفعها شفاعة شافع فيها، وقدم العدل لأن الحاجة إلى الشفاعة إنما تكون عند رده، ولذلك قال في الأولى: لا يقبل منها شفاعة، وفي الثانية: ولا تنفعها شفاعة، لأن الشفاعة إنما تقبل من الشافع، وإنما تنفع المشفوع له. قوله تعالى في البقرة: (يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ) . وفي إبراهيم: (وَيُذَبِّحُونَ) ، بالواو، لأن الأولى من كلامه تعالى لهم فلم يعدد

стр. 67

عليهم المحن تكريما في الخطاب. والثانية من كلام موسى فعددها في الأعراف: (يُقَتّلون) ، وهو من بديع الألفاظ المسمى بالتفنن. قوله تعالى: (وإذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذه القَرْية) ، وفي آية الأعراف اختلاف ألفاظ، ونكتته أن آية البقرة في معرض ذكر النعم عليهم حيث قال: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) . فناسب نسبة القول إليه تعالى، وناسب قوله رغداً، لأن النعم به أتم، وناسب تقديم: وادخلوا الباب سجداً، وناسب خطايا، لأنه جمع كثرة، وناسب الواو في: وسنزيد الحسنين لدلالتها على الجمع بينهما، وناسب الفاء في فكلوا، لأن الأكل قريب من الدخول. وآية الأعراف افتتحت بما به توبيخهم، وهو قوله: (اجعَلْ لنا إلهاً كما لَهُمْ آلهة) . الأعراف: ١٣٨. ثم اتخاذهم العجل، فناسب ذلك: وإذا قيل لهم، وناسب ترك " رَغَدا " والسكنى تجامع الأكل فقال: وكلوا، وناسب تقديم مغفرة الخطايا، وترك الواو في سنزيد. ولما كان في الأعراف تبعيض الهادين بقوله: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ) ، ناسب تبعيض الظالمين بقوله: الذين ظلموا منهم، ولم يتقدم في البقرة إشارة إلى سلامة غير الذين ظلموا لتصريحه بالإنزال على المتصفين بالظلم. والإرسال أشد وقعاً من الإنزال، فناسب سياق ذكر النعمة البقرة ذلك، وختم آية البقرة بـ يفسقون. ولا يلزم منه الظلم، والظلم يلزم منه الفسق، فناسب كل لفظ منها سياقه. كذا في البقرة " فانفجرت " وفي الأعراف: انبجست، لأن الانفجار أبلغ في كثرة الماء، فناسب ذكر النعم التعبير به. قوله تعالى في البقرة: (وقالوا لَنْ تَمَسّنَا إلا أيّاماً معدودةً) وفي آل عمران (معدودات) . قال ابن جماعة: لأن قائلي ذلك فرقتان من اليهود: إحداهما قالت إنما نُعذب بالنار سبعة أيام عدد أيام الدنيا. والأخرى قالت: إنما نُعذب أربعين يوماً، عدة

стр. 68

أيام عبادة آبائهم العجل، فآية البقرة تحتمل قَصْدَ الفرقة الثانية حيث عبر بجمع الكثرة، وآل عمران الفرقة الأولى حيث أتى بجمع القلة. وقال أبو عبد الله الرازي: إنه من باب التفنن. قوله في البقرة: (إنَّ هُدَى اللهِ هو الهدَى) . وفي آل عمران: (إنّ الهدَى هُدَى الله) ، لأن الهدى في البقرة المراد به تحويل القبلة، وفي آل عمران المراد به الدّين، لتقدم قوله: " لِمَنْ تَبعَ دِينَكم"، ومعناهُ دين الإسلام. قوله تعالى في البقرة: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) . وفي إبراهيم عرّفه، لأن الأول دعا به قبل مصيره بلدا عند ترك هاجر وإسماعيل به وهو واد، فدعا بأن يصير بلدا. والثاني دعا به بعد عوده وسكنى جرْهم به ومصيره بلداً فدعا بأمنه. وقيل: لأن النكرة إذا تكررت صارت معرفة. وقيل تقديره في البقرة: هذا البلد بلداً آمناً، فخذف البلد اكتفاء بالإشارة، فتكون الآيتان سواء، وهذا يقتضي أنه دعا بهذا الدعاء مرتين. والظاهر أنه مرة حكى لفظه فيها على وجهين. قوله تعالى: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) البقرة: ١٢٠، فجعل الذي مكان قوله فما بعد: (ما) ، وزاد (من) البقرة: ١٤٥، والرعد ٣٧، لأن العلم في الآية الأولى علم بالكمال الذي ليس وراءه علم، لأن معناه بعد الذي جاءك من العلم بالله وصفاته، فكان لفظ الذي أليق به من لفظ " ما "، لأنه في التعريف أبلغ وفي الوصف أقعد، لأن " الذي " تعرّفه صلته ولا يتنكر قط، ويتقدمه أسماء الإشارة، نحو قوله: (أمَّن هذا الذي هُوَ جُنْدٌ لكم) ، (أمَّن هذا الذي يرْزُقكم) . فيكتنفه بيانان: الإشارة والصلة ويلزمه الألف واللام، ويثنى ويجمع، وليس لـ " ما " شيء من ذلك، لأنه يتنكر مرة ويتعرَّفُ اخرى، ولا يقع وصفاً لأسماء الإشارة، ولا يدخله الألف واللام، ولا يثنَّى ولا يجمع.

стр. 69

وخص الثاني بما لأن المعنى من بعد ما جاءك من العلم بأن قبلة الله هي الكعبة، وذلك قليل من كثير من العلم. وزيد معه " من " التي هي لابتداء الغاية، لأن تقديره من الوقت الذي جاءك العلم فيه بالكعبة، لأن القبلة الأولى نُسخت بهذه الآيات، وليس الأول موقتاً بوقت. وقال في سورة الرعد: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) ، فعبّر بما، ولم يزد من هنا لأن العلم ها هنا هو الحكم العرفي، أي القرآن، فكان بعضاً من الأول ولم يزد من لأنه غير موقت. وقريب من معنى القبلة ما في آل عمران: (مِنْ بَعْدِ ما جاءكَ من العلم) . قوله تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ) ، وفي آل عمران: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا) . لأن الأولى خطاب للمسلمين، والثانية خطاب للنبي ﷺ في قوله: (قُلْ آمنّا بالله) ، و"إلى" ينتهى به من كل جهة، و"على" لا ينتهى به إلا من جهة واحدة وهي العلو. والفرقان يأتي المسلمين من كل جهة يأتي مبلغه إياهم. وإنما أتى النبي ﷺ من جهة العلو خاصة، فناسب قوله (علينا) ، ولهذا أكثر ما جاء في جهة النبي ﷺ بعلَى، وأكثر ما جاء في جهة الأمة بإلى. قوله تعالى في البقرة: (وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ) . وحذف ما في آل عمران لأنه تقدم فيها ذكر ذلك: قوله تعالى: (لَمَا آتيْتُكم) . قوله: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) . إنما كرر هذه الآيات ثلاث مرات، لأن الأولى لنسخ القبلة، والثانية للسبب، وهو قوله: وإنه للْحَق مِنْ ربك. والثالثة للعلة وهي قوله: (لئلا يكونَ للناس عليكم حُجّة) . وقيل الأولى في مسجد المدينة، والثانية خارج المسجد، والثالثة خارج البلد.

стр. 70

وقيل في الآية خروجان: خروج إلى مكان ترى فيه الكعبة، وخروج إلى مكان لا ترى أي الحالتين فيه سواء. قوله تعالى: (إلا الذينَ تَابوا وأصْلَحُوا) . البقرة: ١٦٠. إنما لم يزد هنا (من بعد ذلك) كما في غيرها. لأن قبله من بعد ما بيناه للناس في الكتاب، فلو أعاده لالْتَبَسَ. قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) ، لأنه ذكر في البقرة الاتباع مَنْفِيّا بما هو دون العلم لتكون كل دعوى منفيا بما يُلائمه. ولما ذكر في المائدة، ادعاءهم النهاية بلفظ "حَسْبُنا" نفى ذلك بالعلم الذي هو أبلغ درجة من العقل، ولهذا جاز وصفه تعالى بالعلم، ولم يجز وصفه بالعقل، ولكن لما كان دعواهم في المائدة أبلغ لقولهم: (حَسْبُنَا ما وَجَدْنَا) ، وكذلك في سورة لقمان، لأن وجدت يتعدى مرة إلى مفعول واحد، تقول: وجدت الضالة، ومرة إلى مفعولين: وجدت زيداً جالساً، فأتى في آية البقرة بألفيت، لأنه يتعدى إلى مفعولين، تقول ألفيت زيدا قائما، وأتى في المائدة بما هو أعلم. قوله تعالى: (ومَا اهِلَّ يهِ لِغَيْرِ الله) البقرة: ١٧٣. فقدم ضمير المجرور في البقرة، وأخَّره في المائدة، والأنعام، والنحل، لأن تقديم الباء الأصل بأنه يجري مجرى الألف والتشديد في التعدي، فكان كحرف من الفعل، وكان الموضع الأول أوْلى بما هو الأصل، ليعم ما يقتضيه اللفظ. وأما ما عدا هذه السورة فأخّر به لأنه قدم ما هو المستنكر وهو الذبح لغير الله، وتقدم ما هو بالغرض أولى، ولهذا جاز تقديم المفعول على الفاعل، والحال على ذي الحال، والظرف على العامل فيه، إذا كان أكثر الغرض في الإخبار، وزاد في هذه السورة: فلا إثم عليه، وفي السور الثلاث تضميناً، لأن قوله: " غفور رحيم " يدل على أنه لا إثم عليه. وإنما ختم في الأنعام بذكر الرب، لأنه تكرر فيها مرات. فكان لفظ الرب بها أليق. قوله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فلا تقْرَبُوها) . البقرة: ١٨٧. وقال بعد

стр. 71

ذلك: (فلا تَعْتَدوها) ، لأن الأولى وردت بعد نواهٍ، فناسب النهي عن قربانها، والثانية بعد أوامر، فناسب النهي عن تعديها وتجاوزها بأن يوقف عندها. قوله تعالى: (نَزّلَ عَلَيْكَ الكتَاب) آل عمران: ٣. وقال: (وأنزل التوراةَ والإنْجِيل) آل عمران: ٣) ، لأن الكتاب أنزل منجماً، فناسب الإتيان بنزل الدالة على التكرير، بخلافهما فإنهما أنزلا دفعة واحدة. قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ) . وفي الإسراء: (خَشْيَةَ إمْلاَق) ، لأن الأولى خطاب للفقراء المقلين، أي لا تقتلوهم من فقركم، نحن نرزقكم ما يزول به إملاقُكم، ثم قال: وإياهم. والثانية خطاب للأغنياء، أي خشية فقر يحصل لكم بسببهم، ولهذا حسن: نحن نرزقهم وإياكم. قوله تعالى: (فاستَعِذْ باللهِ إنهُ سَمِيعٌ عَلِيم) الأعراف: ٢٠٠. وفي فُصّلت: (السميع العليم) فصلت: ٣٦) ، لأنها نزلت ثانيا فحسن التعريف، أي هو السميع العليم الذي تقدم ذكره عند نزوغ الشيطان. قوله تعالى: (المنافقون والمنافقاتُ بعضُهم مِنْ بَعْض) . وقال في المؤمنين: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) ، وفي الكفار: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) ، لأن المنافقين ليسوا متناصرين على دين معين وشريعة ظاهرة، وكان بعضهم يهوداً وبعضهم مشركين، فقال: من بعض، أي في الشك والنفاق. وكان المؤمنون متناصرين على دين الإسلام. وكذلك الكفار المعلنون بالكفر كلهم أعوان بعضهم ومجتمعون على التناصر بخلاف المنافقين، كما قال تعالى: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) . فهذه أمثلة يستضاء بها، ويأتي منها كثير في وجه التقديم والتأخير، وتقدم في نوع الفواصل، وهذا بحر لا ساحل له، فلنرجع إلى المقصود. *******

стр. 72

الوجه السَّابع من وجوه إعجَازه (ووود مشكله حتى يوهم التعارض بين الآيات) وكلامه تعالى منزة عن ذلك، بل فيه إعجاز للكلام كما صنف في الحديث. وبيان ذلك الجمع بين الأحاديث المتعارضة، وقد تكلم في ذلك ابن عباس. وحكي عنه التوقف في بعضها. قال عبد الرزاق في تفسيره: أخبرنا معمر عن رجل عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن خبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أرأيت أشياء تختلف عليَّ من القرآن؟ فقال ابن عباس: ما هو، أشك، قال: ليس بشك، ولكنه اختلاف. قال: هات ما اختلف عليك من ذلك. قال: أسمع الله يقول: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) . وقال: (ولا يكتمون اللهَ حديثاً) . النساء: ٤٢، فقد كتَمُوا. وأسمعه يقول: (فَلاَ أنْسَابَ بينهم يومئذٍ ولا يتَسَاءَلُون) المؤمنون: ١٠١. ثم قال: (وأقْبَلَ بعضُهم على بعض يتساءلون) الصافات: ٢٧. والطور: ٢٥. وقال: (أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) ، حتى بلغ: (طائِعين) ، ثم قال في الآية الأخرى: (أم السماء بنَاها) . ثم قال: (والأرض بعد ذلك دَحَاها) . وأسمعه يقول: (كان الله) ، ما شأنه يقول: (وكان الله) ؟ فقال ابن عباس: أما قوله: ثم لم تكن فتنتهم فإنهم لما رأوا العذاب يوم القيامة، وأن الله يغفر لأهل الإسلام ويغفر الذنوب ولا يغفر شركا، ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره، جحده المشركون رجاء أن يغفر لهم، فقالوا: والله ربنا ما كُنَّا مشركين. فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تُسَوَّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً.

стр. 73

وأما قوله: فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون - فإنه إذا نفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب بينهم عند ذلك، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأما قوله: "خلق الأرض في يومين" فإن الأرضَ خُلقت قبل السماء، وكانت السماء دخانا فسواهنّ سغ سموات في يومين بعد خلق الأرض. وأما قوله: "والأرض بعد ذلك دحاها": يقول: جعل فيها جبالا، وجعل فيها أنهاراً، وجعل فيها أشجارا، وجعل فيها بحارا. وأما قوله: كان الله فإن الله كان ولم يزل كذلك، وهو كذلك عزيز حكيم عليم قدير، ثم لم يزل كذلك، فما اختلف عليك من القرآن فهو يشبه ما ذكرْتُ لك، وإن الله لم ينزل شيئاً إلا وقد أصاب به الذي أراد، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وأخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، وأصله في الصحيح. قال ابن حجر في شرحه: حاصل ما فيه السؤال عن أربعة مواضع: الأول: نفي المسألة يوم القيامة وإثباتها. الثاني: كتمان المشركين حالهم وإفشاؤه. الثالث: خلق السماء والأرض أيهما تقدم. الرابع: الإتيان بحرف " كان " الدالة على المضي مع أن الصفة لازمة. وحاصل جواب ابن عباس عن الأول أن نفي المساءلة فيما قبل النفخة الثانية وإثبانها فما بعد ذلك. وعن الثاني أنهم يكتمون بألسنتهم فتنطق أيديهم وأرجلهم. وعن الثالث أنه بدأ خلق الأرض في يومين غير مدحوّة، ثم خلق السماوات، فسوّاهن في يومين، ثم دحا الأرض بعد ذلك وجعل فيها الرواسي وغيرها في يومين، فتلك أربعة أيام للأرض.

стр. 74

وعن الرابع: بأن " كان " وإن كانت للمضي لكنها لا تستلزم الانقطاع، بل المراد أنه لم يزل كذلك. فأما الأول فقد جاء فيه تفسير آخر: إن نفي المساءلة عند تشاغلهم بالصعق والمحاسبة والجواز على الصراط، وإثباتها فما عدا ذلك، وهو منقول عن السدي. أخرجه ابن جرير من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس أن نفي المساءلة عند النفخة الأولى، وإثباتها بعد النفخة الثانية. وقد تأول ابن مسعود نفي المساءلة على معنى آخر، وهو طلب بعضهم من بعض العفو، فأخرج ابن جرير من طريق زادان، قال: أتيت ابن مسعود فقال: يؤخذ بيد العبد يوم القيامة فينادى هذا فلان ابن فلان، فمن كان له حق قِبلَه فليأت. قال: فتودُّ المرأة يومئذ أن يكون لها حق على أبيها أو ابنها أو أخيها أو زوجها، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون. ومن طريق آخر قال: لا يسأل يومئذ أحد بنسب شيئاً، ولا يتساءلون به ولا يمتّ برحم. وأما الثاني فقد ورد بأبسط منه فيما أخرجه ابن جرير عن الضحاك بن مُزَاحم: أن نافع ابن الأزرق أتى ابن عباس فقال: قول الله: ولا يكتمون الله حديثاً، وقوله: واللَه ربنا ما كُنَّا مشركين. فقال: إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت لهم: آتي ابن عباس ألْقِي عليه متشابه القرآن، فأخبِرْهُم أن الله إذا جمع الناس يوم القيامة قال المشركون: إن اللهَ لا يَقْبَل إلا مِمَّنْ وحَّدَه، فيسألهم فيقولون: واللَه ربنا ما كُنَّا مشركين. قال: فيختم على أفواههم ويستنطق جوارحهم. ويؤيده ما أخرجه مسم من حديث أبي هريرة في أثناء حديث، وفيه: ثم يلقى الثالث فيقول: يا رب، آمنت بك وبكتابك ورسولك، ويثْني ما استطاع. فيقول: الآن نبعث عليك شاهداً، فيقول في نفسه: من الذي يشهد عليّ! فيختم على فيه وتنطق جوارحه.

стр. 75

وأما الثالث ففيه أجوبة أخر، منها: أن ثم بمعنى الواو، فلا إيراد. وقيل: المراد ترتيب الخبر لا المخبر به، كقوله: (ثم كان من الذين آمنوا) . وقيل على بابها، ولكي لتفاوت ما بين الخلقتين لا للتراخي في الزمان. وقيل خلق بمعنى قَدَّر. وأما الرابع وجواب ابن عباس عنه فيحتمل كلامه أنه أراد سَمّى نفسه غفوراً رحيما، وهذه التسميةُ مضَتْ، لأن التعلق انقضى. وأما الصفتان فلا تزالان كذلك لا تنقطعان، لأنه إذا أراد المغفرة أو الرحمة في الحال أو الاستقبال وقع مراده، قاله الشمس الكرماني، قال: ويحتمل أن يكون ابن عباس أجاب بجوابين: أحدهما أن التسمية هي التي كانت وانقضت، والصفة لا نهاية لها، والآخر أن معنى كان للدوام، فإنه لا يزال كذلك، ويحتمل أن يحمل السؤال على مسلكين والجواب على دفعهما، كأن يقال هذا اللفظ يُشعرِ بأنه في الزمان الماضي كان غفورا رحيما مع أنه لم يكن هناك من يغفر له أو يرحم، وبأنه ليس في الحال كذلك لما يشعر به لفظ " كان ". والجواب عن الأول بأنه كان في الماضي تسمّى به. وعن الثاني بأن " كان " تعطي معنى الدوام. وقد قال النحاة: كان لثبوت خبرها ماضياً دائماً أو منقطعا. وقد أخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس أن يهودياً قال: إنكم تزعمون أن الله كان عزيزا حكيماً، فكيف هو اليوم، فقال: إنه كان في نفسه عزيزاً حكيماً. موضع آخر توقف فيه ابن عباس: قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل عن أيوب. عن ابن أبي مُلَيْكة، قال: سأل رجل ابن عباس عن (يَوْم كانَ مِقْدَاره ألف سنة) . وقوله: (يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) . فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه، والله أعلم بهما.
следующие страницы →