ذلك: (فلا تَعْتَدوها) ، لأن الأولى وردت بعد نواهٍ، فناسب
النهي عن قربانها، والثانية بعد أوامر، فناسب النهي عن تعديها وتجاوزها بأن
يوقف عندها.
قوله تعالى: (نَزّلَ عَلَيْكَ الكتَاب) آل عمران: ٣.
وقال: (وأنزل التوراةَ والإنْجِيل) آل عمران: ٣) ، لأن الكتاب أنزل منجماً، فناسب الإتيان بنزل الدالة على التكرير، بخلافهما فإنهما أنزلا دفعة واحدة.
قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ) .
وفي الإسراء: (خَشْيَةَ إمْلاَق) ، لأن الأولى خطاب للفقراء المقلين، أي لا تقتلوهم من فقركم، نحن نرزقكم ما يزول به إملاقُكم، ثم قال: وإياهم.
والثانية خطاب للأغنياء، أي خشية فقر يحصل لكم بسببهم، ولهذا
حسن: نحن نرزقهم وإياكم.
قوله تعالى: (فاستَعِذْ باللهِ إنهُ سَمِيعٌ عَلِيم) الأعراف: ٢٠٠.
وفي فُصّلت: (السميع العليم) فصلت: ٣٦) ، لأنها نزلت ثانيا فحسن التعريف، أي هو السميع العليم الذي تقدم ذكره عند نزوغ الشيطان.
قوله تعالى: (المنافقون والمنافقاتُ بعضُهم مِنْ بَعْض) .
وقال في المؤمنين: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) ، وفي الكفار: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) ، لأن المنافقين ليسوا
متناصرين على دين معين وشريعة ظاهرة، وكان بعضهم يهوداً وبعضهم
مشركين، فقال: من بعض، أي في الشك والنفاق.
وكان المؤمنون متناصرين على دين الإسلام.
وكذلك الكفار المعلنون بالكفر كلهم أعوان بعضهم
ومجتمعون على التناصر بخلاف المنافقين، كما قال تعالى: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) .
فهذه أمثلة يستضاء بها، ويأتي منها كثير في وجه التقديم والتأخير، وتقدم في
نوع الفواصل، وهذا بحر لا ساحل له، فلنرجع إلى المقصود.
*******
стр. 72
الوجه السَّابع من وجوه إعجَازه (ووود مشكله حتى يوهم التعارض بين الآيات)
وكلامه تعالى منزة عن ذلك، بل فيه إعجاز للكلام كما صنف في الحديث.
وبيان ذلك الجمع بين الأحاديث المتعارضة، وقد تكلم في ذلك ابن عباس.
وحكي عنه التوقف في بعضها.
قال عبد الرزاق في تفسيره: أخبرنا معمر عن رجل عن المنهال بن عمرو عن
سعيد بن خبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أرأيت أشياء تختلف عليَّ من القرآن؟ فقال ابن عباس: ما هو، أشك، قال: ليس بشك، ولكنه اختلاف.
قال: هات ما اختلف عليك من ذلك.
قال: أسمع الله يقول: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) .
وقال: (ولا يكتمون اللهَ حديثاً) . النساء: ٤٢، فقد كتَمُوا.
وأسمعه يقول: (فَلاَ أنْسَابَ بينهم يومئذٍ ولا يتَسَاءَلُون) المؤمنون: ١٠١.
ثم قال: (وأقْبَلَ بعضُهم على بعض يتساءلون) الصافات: ٢٧.
والطور: ٢٥.
وقال: (أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) ، حتى بلغ: (طائِعين) ، ثم قال في الآية الأخرى: (أم السماء بنَاها) .
ثم قال: (والأرض بعد ذلك دَحَاها) .
وأسمعه يقول: (كان الله) ، ما شأنه يقول: (وكان الله) ؟
فقال ابن عباس: أما قوله: ثم لم تكن فتنتهم فإنهم لما رأوا العذاب يوم
القيامة، وأن الله يغفر لأهل الإسلام ويغفر الذنوب ولا يغفر شركا، ولا
يتعاظمه ذنب أن يغفره، جحده المشركون رجاء أن يغفر لهم، فقالوا: والله ربنا ما كُنَّا مشركين.
فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا
يعملون، فعند ذلك يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تُسَوَّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً.
стр. 73
وأما قوله: فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون - فإنه إذا نفخ في الصور
فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب بينهم عند ذلك، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون.
وأما قوله: "خلق الأرض في يومين" فإن الأرضَ خُلقت قبل السماء، وكانت
السماء دخانا فسواهنّ سغ سموات في يومين بعد خلق الأرض.
وأما قوله: "والأرض بعد ذلك دحاها": يقول: جعل فيها جبالا، وجعل فيها أنهاراً، وجعل فيها أشجارا، وجعل فيها بحارا.
وأما قوله: كان الله فإن الله كان ولم يزل كذلك، وهو كذلك عزيز حكيم
عليم قدير، ثم لم يزل كذلك، فما اختلف عليك من القرآن فهو يشبه ما ذكرْتُ لك، وإن الله لم ينزل شيئاً إلا وقد أصاب به الذي أراد، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وأخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، وأصله في الصحيح.
قال ابن حجر في شرحه: حاصل ما فيه السؤال عن أربعة مواضع:
الأول: نفي المسألة يوم القيامة وإثباتها.
الثاني: كتمان المشركين حالهم وإفشاؤه.
الثالث: خلق السماء والأرض أيهما تقدم.
الرابع: الإتيان بحرف " كان " الدالة على المضي مع أن الصفة لازمة.
وحاصل جواب ابن عباس عن الأول أن نفي المساءلة فيما قبل النفخة الثانية
وإثبانها فما بعد ذلك.
وعن الثاني أنهم يكتمون بألسنتهم فتنطق أيديهم وأرجلهم.
وعن الثالث أنه بدأ خلق الأرض في يومين غير مدحوّة، ثم خلق السماوات، فسوّاهن في يومين، ثم دحا الأرض بعد ذلك وجعل فيها الرواسي وغيرها في
يومين، فتلك أربعة أيام للأرض.
стр. 74
وعن الرابع: بأن " كان " وإن كانت للمضي لكنها لا تستلزم الانقطاع، بل
المراد أنه لم يزل كذلك.
فأما الأول فقد جاء فيه تفسير آخر: إن نفي المساءلة عند تشاغلهم بالصعق
والمحاسبة والجواز على الصراط، وإثباتها فما عدا ذلك، وهو منقول عن السدي.
أخرجه ابن جرير من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس أن نفي المساءلة عند
النفخة الأولى، وإثباتها بعد النفخة الثانية.
وقد تأول ابن مسعود نفي المساءلة على معنى آخر، وهو طلب بعضهم من بعض العفو، فأخرج ابن جرير من طريق زادان، قال: أتيت ابن مسعود فقال: يؤخذ بيد العبد يوم القيامة فينادى هذا فلان ابن فلان، فمن كان له حق قِبلَه فليأت.
قال: فتودُّ المرأة يومئذ أن يكون لها حق على أبيها أو ابنها أو أخيها أو زوجها، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون.
ومن طريق آخر قال: لا يسأل يومئذ أحد بنسب شيئاً، ولا يتساءلون به ولا
يمتّ برحم.
وأما الثاني فقد ورد بأبسط منه فيما أخرجه ابن جرير عن الضحاك بن
مُزَاحم: أن نافع ابن الأزرق أتى ابن عباس فقال: قول الله: ولا يكتمون الله
حديثاً، وقوله: واللَه ربنا ما كُنَّا مشركين.
فقال: إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت لهم: آتي ابن عباس ألْقِي عليه متشابه القرآن، فأخبِرْهُم أن الله إذا جمع الناس يوم القيامة قال المشركون: إن اللهَ لا يَقْبَل إلا مِمَّنْ وحَّدَه، فيسألهم فيقولون: واللَه ربنا ما كُنَّا مشركين.
قال: فيختم على أفواههم ويستنطق جوارحهم.
ويؤيده ما أخرجه مسم من حديث أبي هريرة في أثناء حديث، وفيه: ثم يلقى
الثالث فيقول: يا رب، آمنت بك وبكتابك ورسولك، ويثْني ما استطاع.
فيقول: الآن نبعث عليك شاهداً، فيقول في نفسه: من الذي يشهد عليّ! فيختم على فيه وتنطق جوارحه.
стр. 75
وأما الثالث ففيه أجوبة أخر، منها: أن ثم بمعنى الواو، فلا إيراد.
وقيل: المراد ترتيب الخبر لا المخبر به، كقوله: (ثم كان من الذين آمنوا) . وقيل على بابها، ولكي لتفاوت ما بين الخلقتين لا للتراخي في الزمان.
وقيل خلق بمعنى قَدَّر.
وأما الرابع وجواب ابن عباس عنه فيحتمل كلامه أنه أراد سَمّى نفسه
غفوراً رحيما، وهذه التسميةُ مضَتْ، لأن التعلق انقضى.
وأما الصفتان فلا تزالان كذلك لا تنقطعان، لأنه إذا أراد المغفرة أو الرحمة في الحال أو الاستقبال وقع مراده، قاله الشمس الكرماني، قال: ويحتمل أن يكون ابن عباس أجاب بجوابين:
أحدهما أن التسمية هي التي كانت وانقضت، والصفة لا نهاية
لها، والآخر أن معنى كان للدوام، فإنه لا يزال كذلك، ويحتمل أن يحمل
السؤال على مسلكين والجواب على دفعهما، كأن يقال هذا اللفظ يُشعرِ بأنه في الزمان الماضي كان غفورا رحيما مع أنه لم يكن هناك من يغفر له أو يرحم، وبأنه ليس في الحال كذلك لما يشعر به لفظ " كان ".
والجواب عن الأول بأنه كان في الماضي تسمّى به.
وعن الثاني بأن " كان " تعطي معنى الدوام.
وقد قال النحاة: كان لثبوت خبرها ماضياً دائماً أو منقطعا.
وقد أخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس أن يهودياً قال: إنكم
تزعمون أن الله كان عزيزا حكيماً، فكيف هو اليوم، فقال: إنه كان في نفسه عزيزاً حكيماً.
موضع آخر توقف فيه ابن عباس: قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل عن أيوب.
عن ابن أبي مُلَيْكة، قال: سأل رجل ابن عباس عن (يَوْم كانَ مِقْدَاره ألف
سنة) .
وقوله: (يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) .
فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه، والله أعلم بهما.
стр. 76
وأخرجه ابن أبي حاتم من هذا الوجه، وزاد: ما أدري ما هما، وأكره أن
أقول فيهما ما لا أعلم.
قال ابن أبي مليكة: فضرب الدهر حتى دخلت على سعيد بن المسيب فَسُئل
عن ذلك فلم يدر ما يقول.
فقلت: ألاَ أخْبِرك بما حضرت عن ابن عباس.
فأخبرته.
فقال ابن المسيب للسائل: هذا ابن عباس قد اتَّقَى أنْ يقول فيها، وهو
أعلمُ مني.
وروي عن ابن عباس أيضاً أن يوم الألف هو مقدار سَيْرِ الأمرِ وعروجه
إليه، ويوم الألف في سورة الحج أحد الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات.
ويوم الخمسين ألفاً هو يوم القيامة، فأخرج ابن أبي حاتم من طريق سماك عن
عكرمة عن ابن عباس أن رجلاً قال له: حدثني ما هؤلاء الآيات: في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.
(وإن يَوماً عند ربك كألْفِ سنة) . الحج: ٤٧.
فقال: يوم القيامة حساب الخمسين ألف سنة.
والسماوات في ستة أيام كل يوم يكون ألف سنة.
(يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ) .
قال ذلك مقدار السير.
وذهب بعضهم إلى أن المراد بهما يوم القيامة، وأنه باعتبار حال المؤمن
والكافر، بدليل قوله: يوم عسير على الكافرين غير يسير.
فصل
قال الزركشي في "البرهان": للاختلاف أسباب:
أحدها: وقوع الخبر به على أحوال مختلفة وتطورات شتى، كقوله في خلق
آدم مرة: (مِنْ ترَاب) آل عمران: ٥٩) ، ومرةً: (مِنْ حَمَأ مَسْنون)
الحجر: ٢٦) ، ومرة: (مِنْ طِين لازِبِ) الصافات: ١١) ، ومرة -: (مِنْ
صَلْصَال كالفَخَّار) . الرحمن: ١٤) ، فهَذه ألفاظ مختلفة ومعانيها في أحوال
مختلفة، ً لأن الصلصال غير الحمأ والحمأ غير التراب، إلا أن مرجعها كلها إلى جوهر وهو التراب، ومن التراب تدرجت هذه الأحوال.
стр. 77
وكقوله: (فإذا هي ثعْبَانٌ) ، في موضع.
وفي موضع: (تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ) ، والجان الصغيرُ من الححَّاتِ، والثعبان الكبير منها، وذلك لأن خَلْقَهَا خلقُ الثعبان العظيم، واهتزازها وحركتها وخفتها كاهتزاز الجان وحركته وخفّته.
الثاني: لاختلاف الموضوع، كقوله: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) .
وقوله: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) .
- مع قوله: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) .
قال الحليمي: فتحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل.
والثانية على ما يستلزمه الإقرار بالنبوءات من شرائع الدين وفروعه.
وحمله غيره على اختلاف الأماكن، لأن في القيامة مواقف كثيرة، ففي موضع: يسألون، وفي موضع آخر: لا يسألون.
وقيل: إن السؤال المثبت سؤال تبكيت وتوبيخ والمنفي
سؤال المعذرة وبيان الحجة.
وكقوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) ، مع قوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) .
قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي: الآية الأولى على التوحيد، بدليل قوله بعدها: (ولا تموتنَ إلا وأَنْتمْ مسلمون) .
والثانية على الأعمال.
وقيل: بل الثانية ناسخة للأولى.
وكقوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) .
مع قوله: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) .
فالأولى تفهم إمكان العدل، والثانية تنفيه.
والجواب أن الأولى في توفية الحقوق.
والثانية في الميل القلبي، وليس في قدرة البشر.
وكقوله: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) ، مع قوله:
стр. 78
(أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا) .
فالأولى في الأمر الشرعي، والثانية في الأمر الكوني بمعنى القضاء والتقدير.
الثالث: لاختلافهما في جهتي الفعل، كقوله: (فَلَمْ تَقْتلوهم ولكنَّ اللهَ
قتَلَهم وما رَمَيْتَ إذ رميت ولكنَّ اللهَ رمى) .
فأضاف الفعل إليهم والرمي إليه ﷺ على جهة الكسب والمباشرة، ونفاه عنهم وعنه باعتبار التأثير.
الرابع: لاختلافهما في الحقيقة والمجاز، كقوله: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى) .
أي سكارى من الأهوال مجازاً، لَا منَ الشراب حقيقة.
الخامس: بوجهين واعتبارين، كقوله: (فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) .
مع قوله: (خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ) .
قال قطْرب: فبصرك اليوم، أي عِلْمك ومعرفتك بها قوية.
من قوله: بَصرَ بكذا أي علم، وليس المراد رؤية العين.
قال الفارسي: ويدل على ذلك قوله: (فكشَفْنَا عنكَ غطاءك) .
وكقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ) .
مع قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) .
فقد يظنّ أن الوجل خلاف الطمأنينة.
وجوابه أن الطمأنينة تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد.
والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى فتوجل القلوب لذلك، وقد جمع بينهما في قوله: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) .
وممّا استشكلوه قوله تعالى: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥) .
стр. 79
فإنه يدل على حصر المانع من الإيمان في أحد هذين الشيئين.
وقال في آية أخرى: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) .
فهذا حصر آخر في غيرهما.
وأجاب ابن عبد السلام بأن معنى الآية: وما منع الناس أن يؤمنوا إلا إرادة
أن تأتيهم سنة الأولين من الخسف أو غيره، أو يأتيهم العذاب قبلاً في الآخرة.
فأخبر أنه أراد أن يصيبهم أحد الأمرين.
ولا شك أن إرادة الله مانعة من وقوع ما ينافي المراد، فهذا حصر في السبب الحقيقي، لأن الله هو المانع في الحقيقة.
ومعنى الآية الثانية: وما منع الناس أن يؤمنوا إلا استغراب بعثه بشرا رسولاً، لأن قولهم ليس مانعاً من الإيمان، لأنه لا يصلح لذلك، وهو يدل على
الاستغراب بالتزام، وهو المناسب للمانعية، واستغرابهم ليس مانعاً حقيقيا، بل عادياً، لجواز وجود الإيمان معه بخلاف عادة الله، فهذا حصر في المانع العادي، والأول حصر في المانع الحقيقي، فلا تنافي ... انتهى.
ومما استشكل قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) .
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ) .
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ) .
إلى غير ذلك من الآيات.
ووجهه أن المراد هنا بالاستفهام النفي، والمعنى لا أحد أظلم، فيكون خبراً.
وإذا كان خبراً وأخِذت الآيات على ظاهرها أدى إلى التناقض.
وأجيب بأوجه: منها تخصيص كل موضع بمعنى صلته، أي لا أحد من
المانعين أظلم ممن منع مساجد الله.
ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله.
وكذا باقيها، وإذا تخصص بالصِّلات زال التناقض.
ومنها: أن التخصيص بالنسبة إلى السبق لَمّا لم يسبق أحد إلى مثله حكم
عليهم بأنهم أظلم ممن جاء بعدهم سِالكاً طريقهم، وهذا يؤول معناه إلى ما قبله، لأن المراد السبق إلى المانعية والافترائية.
стр. 80
ومنها - وادعى أبو حيان أنه الصواب: أن نفي الأظلمية لا يستدعي نفي
الظالمية، لأن نفي المقيد لا يدل على نفي المطلق، وإذا لم يدل على نفي الظالمية لم يلزم التناقض، لأن فيها إثبات التسمية في الأظلمية، ثم لم يكن أحد وصف بذلك يزيد على الآخر، لأنهم يتساوون في الأظلمية، وصار المعنى لا أحد أظلم ممن افترى، وممن منع ونحوها، ولا إشكال في تساوي هؤلاء في الأظلمية، ولا يدل على أن أحد هؤلاء أظلم من الآخر، كما إذا قلت لا أحد أفقه منهم ... انتهى.
وحاصل الجواب أن نفي التفضيل لا يلزم منه نفي المساواة.
وقال بعض المتأخرين: هذا استفهام مقصود به التهويل والتفظيع من غير
قصد إثبات الأظلمية للمذكور حقيقة، ولا نفيها عن غيره.
وقال الخطابي: سمعت ابن أبي هريرة يحكي عن أبي العباس بن سريج، قال:
سأل رجل بعض العلماء عن قوله: (لا أقسم بهذا البلد) .
فأخبر أنه لا يقسم به، ثم أقسم به في قوله: (وهذا البلد الأمين) التين: ٣) ، فقال: أيّهما أحبّ إليك أجيبك ثم أقطعك، أو أقطعك ثم أجيبك، فقال: أقطعني ثم أجبْني.
فقال له: اعلم أن هذا القرآن نزل على رسول الله ﷺ بحضرة رجال وبين ظهراني قوم، وكانوا أحرص الخلق على أن يجدوا فيه مَغْمَزا وعليه مطْعناً، فلو كان هذا عندهم مناقضة لتعلقوا به وأسرعوا بالرد عليه، ولكن القوم علموا وجهلت، فلم ينكروا منه ما أنكرت، ثم قال له: إن العرب قد تدخل لا في أثناء كلامها وتلغي معناها وأنشد فيه أبياتاً.
ومما استشكلوه أيضاً قوله تعالى في سورة سبحان: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) .
وفي سورة فصلت: (وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١) .
ومن لوازم الإياس نفي مطلق الدعاء، وأثبته في سورة فصلت.
стр. 81
وقد رام بعض المتأخرين الجمع بينهما في تأليف بديع) ، مقتضاه أن الدعاء
العريض في أول الأمر والإياس في ثاني الحال.
تنبيه:
قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني، إذا تعارضت الآي وتعذر فيها الترتيب
والجمع طلب التاريخ، وترك المتقدم بالمتأخر، ويكون ذلك نسخا.
وإن لم يعمل، وكان الإجماع على العمل بإحدى الآيتين علم بإجماعهم أن الناسخ ما أجمعوا على العمل بها.
قال: ولا يوجد في القرآن آيتان متعارضتان تخلوان عن هذين الوصفين.
قال غيره: وتعارض القراءتين بمنزلة تعارض الآيتين، نحو: (وَأَرْجُلَكُمْ)
، بالنصب والجر، ولهذا جمع بينهما بحمل النصب على الغسل، والجر
على مسح الخف.
وقال الصيرفي: جماع الاختلاف والتناقض أن كل كلام صحّ أن يضاف
بعض ما وقع الاسم عليه إلى وجه من الوجوه فليس فيه تناقض، وإنما التناقض في اللفظ ما ضاده من كل جهة، ولا يوجد في الكتاب والسنة شيء من ذلك أبدا، وإنما يوجد فيه النسخ في وقتين.
وقال القاضي أبو بكَر: لا يجوز تعارض آي القرآن والآثار.
وما يوجبه العقل.
فلذلك لم يجعل قوله: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) .
معارضا لقوله: (وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا) ، (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ) .
لقيام الدليل العقلي أنه لا خالق له غير الله، فتعين تأويل ما عارضه.
فيؤوّل تخلقون على تكذبون، وتخلق على تصور.
وذكر الكرماني عند قوله تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) .
стр. 82
الاختلاف على وجهين:
اختلاف تناقض، وهو ما يدعو فيه أحد الشيئين إلى خلاف الآخر، وهذا هو الممتنع على القرآن.
واختلاف تلازم، وهو ما يوافق الجانبين، كاختلاف وجوه القراءات واختلاف مقادير السور والآيات، واختلاف الأحكام من الناسخ والمنسوخ، والأمر والنهي، والوعد والوعيد.
*******
الوجه الثامن من وجوه إعجازه (وقوع ناسخه ومنسوخه)
وهو مما خصت به هذه الأمة لِحكَم، منها التيسير.
وقد أجمع المسلمون على جوازه! وأنكره اليهود ظنًّا منهم أنه بداء كالذي يرى الرأي ثم يبدو له أنه باطل، لأنه بيان مدة الحكم، كالإحياء بعد الإماتة وعكسه، والمرض بعد الصحة، وعكسه، والفقر بعد الغنى وعكسه، وذلك لا يكون بَدَاءً، فكذا الأمر والنهي.
واختلف العلماء فقيل: لا ينسخ القرآن إلا بقرآن، لقوله تعالى (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) .
قالوا: ولا يكون مثلَ القرآن وخيراً منه إلا قرآن.
وقيل: بل ينسخ القرآن بالسنة، لأنها أيضاً من عند الله، قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) .
وجعل منه آية الوصية الآتية.
والثالث إذا كانت السنة بأمر الله من طريق الوحي نَسخت، وإن كانت
باجتهاد فلا.
حكاه ابن حبيب النيسابوري في كتابه التفسير.
وقال الشافعي: حيث وقع نسخ القرآن بسنة فمعها قرآن عاضد لها، وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن فمعه سنة عاضدة له، ليتبين توافق القرآن والسنة.
وقد بسطت هذه المسألة في شرح منظومة جمع الجوامع في الأصول.
وقد أفرد بالتصنيف في هذا الفن خلائق لا تحصى، منهم: أبو عبيد القاسم
ابن سلام
стр. 83
، وأبو داود السجستاني، وأبو جعفر النحاس، وابن الأنباري، ومكي.
وابن العربي، وآخرون.
لكن في هذا النوع مسائل:
الأولى: يَرِد النسخ بمعنى الإزالة، ومنه قوله: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ) .
وبمعنى التبديل، ومنه: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ) .
وبمعنى التحويل، كتناسخ المواريث، بمعنى تحويل الميراث من واحد إلى
واحد.
وبمعنى النقل من موضع إلى موضع، ومنه نسخت الكتاب: إذا نقلت ما فيه
حاكياً للفظه وخطه.
قال مكي: وهذا الوجه لا يصح أن يكون في القرآن.
وأنكر على النحاس إجازته ذلك محتجّاً بأن الناسخ فيه لا يأتي بلفظ المنسوخ.
وأنه إنما يأتي بلفظ آخر.
وقال السعيدي: يشهد لما قاله النحاس قوله: (إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كنتُم
تَعْمَلُون) الجاثية: ٢٩.
وقال: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) .
ومعلوم أن ما نزل من الوحي نجوماً جميعه في أم الكتاب، وهو اللوح
المحفوظ، كما قال تعالى: (فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) .
الثانية: لا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي، ولو بلفظ الخبر، أما الخبر الذي
ليس بمعنى الطلب فلا يدخله النسخ، ومنه الوعد والوعيد.
وإذا عرفت ذلك عرفت فساد صُنْع من أدخل في كتاب النسخ كثيراً من آيات الإخبار والوعد والوعيد.
стр. 84
الثالث: النسخ أقسام:
أحدها: نسخ المأمور به قبل امتثاله، وهو النسخ على الحقيقة، كآية النجوى.
الثاني: ما نُسخ مما كان شرعاً لمن قبلنا كآية شرع القصاص والدية.
أو كان أمر به أمراً جملياً، كنسخ التوجه إلى بيت القدس بالكعبة، وصوم عاشوراء برمضان، وإنما يسمى هذا نسخاً تجوزا.
الثالث: ما أمِرَ به لسبب ثم يزول السبب، كالأمر - حين القلة والضعف -
بالصبر والصلح، ثم نسخ بإيجاب القتال، وهذا في الحقيقة ليس نسخاً، بل من قسم المنْسَأ، كما قال تعالى: (أو نُنْسِها) ، فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون.
وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبه
يضعف ما لَهجَ به كثيرون من أن الآيات في ذلك منسوخة بآية السيف، وليس كذلك، بل هي من المنسأ، بمعنى أن كل أمر ورَدَ يجب امتثاله في وقت ما لعلة تقتضي ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله.
وقال مكي: ذكر جماعة أن ما ورد من الخطاب مُشعراً بالتوقيت والغاية مثل
قوله في البقرة: (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ)
محكم غير منسوخ، لأنه يؤجّل بأجل، والمؤجل بأجل لا نسخ فيه
الرابعة: قال بعضهم: سور القرآن باعتبار الناسخ والمنسوخ أقسام: قسم ليس فيه ناسخ ولا منسوخ، وهي ثلاث وأربعون سورة: الفاتحة، ويوسف، ويس، والحجرات، والرحمن، والحديد، والصف، والجمعة، والتحريم، والملك، والحاقة، ونوح، والجن، والمرسلات، وعم، والنازعات، والانفطار، وثلاث بعدها، والفجر وما بعدها إلى آخر القرآن، إلا التين والعصر والكافرون.
وقسم فيه الناسخ والمنسوخ، وهو خمس وعشرون: البقرة، وثلاث بعدها،
стр. 85
والحج، والنور، وتالياها، والأحزاب، وسبأ، والمؤمن، والشورى، والذاريات، والطور، والواقعة، والمجادلة، والمزمل، والمدثر، وكوّرت، والعصر.
وقسم فيه الناسخ فقط، وهو ستة: الفتح، والحشر، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، والأعلى.
وقسم فيه المنسوخ فقط، وهو الأربعون الباقية، كذا قال.
وفيه نظر يُعرف مما يأتي.
الخامسة: قال مكي: الناسخ أقسام: فرضٌ نَسَخَ فَرْضاً، ولا يجوز العمل
بالأول، كنسخ الحبس للزَّوَاني بالحد.
وفرض نسخ فرضاً، ويجوز العمل بالأول كآية المصابرة.
وفرض نسخ ندباً، كالقتال، كان ندباً ثم صار فرضا.
وندب نسخ فرضاً، كالقيام نسِخَ بالقراءة في قوله: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) .
السادسة: النسخ في القرآن على ثلاثة أضرب: أحدها ما نسخ تلاوته وحكمه معاً، قالت عائشة: كان فما أنزل عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهي فما يقرأ من القرآن.
ورواه الشيخان.
وقد تكلموا في قولها: وهي مما يقرأ من القرآن، فإن ظاهره بقاء التلاوة، وليس كذلك.
وأجيب بأن المراد قارب الوفاة، وأن التلاوة نسخت أيضاً، ولم يبلغ ذلك
كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله ﷺ فتوفي وبعض الناس يقرؤها.
قال أبو موسى الأشري: نزلت ثم رفعت.
وقال مكي: وهذا المثال فيه المنسوخ غير المتلوّ، والناسخ أيضاً غير متلوّ، ولا أعلم له نظيراً.
الضرب الثاني: ما نسخ حكمه دون تلاوته، وهذا الضرب هو الذي فيه
стр. 86
الكتب المؤلفة، وهو على الحقيقة قليل جداً، وإنْ أكثر الناس من تعديد الآيات فيه، فإن المحققين منهم كالقاضي أبي بكر بن العربي ميز ذلك وأتقنه.
والذي أقوله: إن الذي أورده المكثرون أقسام:
قسم ليس من النسخ في شيء، ولا من التخصيص، ولا له علاقة بهما بوجه
من الوجوه، وذلك مثل قوله تعالى: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) .
(أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ) .
ونحو ذلك، قالوا: إنه منسوخ بآية الزكاة، وليس كذلك، بل هو باق.
أما الأولى فإنها خبر في معرض الثناء عليهم
بالإنفاق، وذلك يصلح أن يفسر بالزكاة وبالإنفاق على الأهل وبالإنفاق في
الأمور المندوبة، كالإعانة والضيافة، وليس في الآية ما يدل على أنها نفقة واجبة غير الزكاة.
والآية الثانية تصح كلها على الزكاة، وقد فسرت بذلك.
وكذا قوله: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨.
قيل: إنها مما نسخ بآية السيف، وليس كذلك، لأنه تعالى أحكم الحاكمين أبدا، لا يقبل هذا الكلام النسخ، وإن كان معناه الأمر بالتفويض وترك المعاقبة.
وقوله في البقرة: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) .
عده بعضهم من المنسوخ بآية السيف.
وقد غلطه ابن الحَصَّار بأن الآية حكاية عما أخذه على بني
إسرائيل من الميثاق، فهو خبر، فلا نسخ فيه.
فقس على ذلك.
وقسم هو من قسم المخصوص لا من قسم المنسوخ.
وقد اعتنى ابن العربي بتجريده، فأجاد، كقوله: (إنَّ الإنسان لفي خسْر.
إلا الذين آمَنوا)
(وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) .
(إلا الذين آمنوا) . الشعراء: ٢٢٤، ٢٢٧.
(فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) .
وغير ذلك من الآيات التي خصت باستثناء أو غاية.
وقد أخطأ من أدخلها في المنسوخ،
стр. 87
ومنه قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) .
قيل نسخ بقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) .
وإنما هو مخصوص به.
وقسم رَفع ما كان عليه من الأمر في الجاهلية أو في شرائع من قبلنا، أو في
أول الإسلام ولم ينزل في القرآن، كإبطال نكاح نساء الآباء، ومشروعية
القصاص، والدية، وحصر الطلاق في الثالث.
وهذا إدخاله في قسم الناسخ قريب، ولكن عدم إدخاله أقرب، وهو الذي رجّحه مكي وغيره، ووجهوه بأن ذلك لوْ عدّ في الناسخ لعد جميع القرآن منه، إذ كله أو أكثره رافع لما كان عليه الكفار وأهل الكتاب.
وقالوا: وإنما حق الناسخ والمنسوخ أن تكون آية نسخت آية ... انتهى.
نعم النوع الآخر منه - وهو رافع ما كان في أول الإسلام - إدخاله أوجب من القسمين قبله.
إذا علمت ذلك فقد خرج من الآيات التي أوردها المكثرون من الجمّ الغفير
مع آيات الصلح والعفو إن قلنا إن آية السيف لم ينسخها، وبقي ما يصلح لذلك عدد يسير.
وقد أفردته بأدلته في تأليف لطيف، وها أنا أورده هنا محرراً:
من البقرة قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ) .
قيل منسوخة بآية الميراث، وقيل بحديث: لا وصية لوارث.
وقيل بالإجماع، حكاه ابن العربي.
قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) .
قيل منسوخة بقوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) .
وقيل محكمة و" لا " مقَدّرَة.
قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) .
ناسخة لقوله: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) ،
стр. 88
لأن مقتضاها الموافقة فما كان عليهم من تحريم الأكل والوطء بعد النوم.
ذكره ابن العربي، وحكى قولاً آخر أنه نسخٌ لما كان بالسنة.
قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ) .
منسوخة بقوله: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) .
أخرجه ابن جرير عن عطاء ابن ميسرة.
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) .
إلى قوله: (متاعاً إلى الحَوْلِ) .
منسوخة بآية: (أربعة أشْهُر وعَشْراً) .
والوصيةُ منسوخة بالميراث.
والسكنى ثابتة عند قوم منسوخة عند آخرين بحديث: ولا سكنَى.
قوله تعالى: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) .
منسوخة بقوله بعده: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) .
ومن آل عمران قوله تعالى: (اتَقُوا الله حقَّ تُقَاته) .
قيل إنه منسوخ بقوله: (فاتَقُوا اللَهَ ما استَطَعْتُمْ) .
وقيل: لا، بل هو محكم، وليس فيها آية يصح فيها دعوى النسخ غير هذه الآية.
ومن النساء قوله تعالى: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) .
منسوخة بقوله: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) .
قوله تعالى: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ) .
منسوخة. وقيل: لا، ولكن تهاون الناس في العمل بها.
قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ) .
منسوخة بآية النور.
ومن المائدة قوله تعالى: (وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) .
منسوخة بإباحة القتال فيه.
فهذه إحدى وعشرون آية منسوخة على خلافٍ في بعضها لا يصح دعوى
النسخ في غيرها.
والأصح في آية الاستئذان والقسمة الإحكام، فصارت تسع عشرة.
ويضم إليها قوله تعالى: (فأيْنَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) البقرة: ١٦٥.
على رأي ابن عباس أنها منسوخة بقوله: (فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ السجدِ الحرام) .
فتتم عشرين.
وقد نظمتها فقلت:
قد أكثر الناسُ في المنسوخ من عدد ... وأدخلوا فيه آياً ليْسَ تنحصِرُ
وهاك تحرير آي لا مزيدَ لها ... عشرينَ حرَّرَها الحُذّاقُ والكُبَرُ
آي التوجّه حيث المرء كان وأن ... يُوصي لأهليه عند الموت محتَضر
وحرمة الأكل بعد النوم مع رفَث ... وفدية لمُطيق الصوم مشتهر
وحقّ تقواه فما صحّ في أثر ... وفي الحرام قتالٌ للألي كفروا
والاعتداد بحَوْل مَعْ وصيتها ... وأن يدَان حديثُ النفس والفكر
والحلف والحبس للزاني وترك ألي ... كُفر، وإشهادهم والصبر والنّفَر
ومنع عقدٍ لزان أو لزانيةٍ ... وما على المصطفى في العقد محتظر
ودفع مهر لمن جاءَتْ وآية نجـ ... واه كذاك قيامُ الليل مُسْتَطِرُ
وزيد آية الاستئذان من ملكت ... وآية القسمة الفضلى لمن حَضَرُوا
فإن قلت: ما الحكمة في رفع الحكم وإبقاء التلاوة، فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن الفرقان كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به فيُتلى لكونه كتاب الله، فيثاب عليه، فتركت التلاوة لهذه الحكمة.
والثاني: أن النسخ غالباً يكون للتخفيف.
فأبقيت التلاوة تذكيراً للرحمة ورفع الشقة.
وأما ما ورد في القرآن ناسخاً لما كان عليه الجاهلية، أو كان في
شرع من قبلنا، أو في أول الإسلام، فهو أيضاً قليل العدد، كنسخ استقبال بيت المقدس بآية القبلة، وصوم عاشوراء بصوم رمضان، في أشياء أخر حررتها في كتابي المشار إليه.
стр. 91
قال بعضهم: ليس في القرآن ناسخ إلا والمنسويخ قبله في الترتيب إلا آيتين:
آية العِدَّة في البقرة، وقوله: (لا يَحِلّ لكَ النساء) ، كما تقدم.
وزاد بعضهم ثالثة، وهي آية الحشر في الفيء على رأي من قال إنها منسوخة
بآية الأنفال: (واعْلَموا أنما غَنِمْتم مِنْ شَيْء) .
وزاد قوم رابعة، وهي قوله: (خُذِ العَفْوَ) . الأعراف: ١٩٨، - يعني
الفضْل من أموالهم على رأي من قال إنها منسوخة بآية الزكاة.
وقال ابن العربي: كل ما في القرآن من الصفح عن الكفار والتولي والإعراض
والكف عنهم فهو منسوخ بآية السيف، وهي: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) .
نسخت مائة وأربعاً وعشرين آية، ثم نسخ آخرها أولها.
وقال أيضاً: من عجيب المنسوخ قوله تعالى: (خذِ العَفْوَ) .
فإن أولها وآخرها - وهو: وأعرض عن الجاهلين - منسوخ، ووسطه
محكم، وهو: وأمر با لعرْف.
وقال: من عجيبه أيضاً آية أولها منسوخ وآخرها ناسخ، ولا نظير لها، وهي
قوله: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) المائدة: ١٠٥.
- يعني بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا ناسخ لقوله: (عليكم
أنفسكم) المائدة: ١٠٥.
وقال السعدي: لم يمكث منسوخٌ مدة أكثر من قوله تعالى: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) .
مكثت ست عشرة سنة حتى نسخها أول الفتح عام الحديبية.
وذكر هبة الله بن سلامة الضرير أنه قال في قوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) .
أن المنسوخ من هذه
стр. 92
الجملة وأسيراً، والمراد بذلك أسير المشركين، فقريء عليه الكتاب وابنته تسمع، فلما انتهى إلى هذا الموضع قالت له: أخطأت يا أبت.
قال: وكيف، قالت: أجمع المسلمون على أن الأسير يطعَم ولا يقتل جوعا.
فقال: صدقت.
وقال شَيْذَلة في البرهان: يجوز نسخ الناسخ فيصير منسوخاً، كقوله: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) .
نسخها قوله: (فاقْتُلُوا المشركين) .
ثم نسخ هذه بقوله: (حتى يعْطُوا الْجِزْيَةَ) .
كذا قال، وفيه نظر من وجهين:
أحدهما ما تقدمت الإشارة إليه.
والآخر أن قوله: (حتى يعْطُوا الْجِزْيَةَ)
- مخصِّص للآية لا ناسخ، نعم يمثل له بآخر سورة المزمل، فإنه ناسخ لأولها
منسوخ بفرض الصلوات الخمس.
وقوله: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) ، ناسخ لآية الكفّ، منسوخ بآية العُذْر.
وأخرج أبو عبيد عن الحسن وأبي ميسرة، قالا: ليس في المائدة منسوخ.
ويشكل بما في المستدرك عن ابن عباس أن قوله: (فاحْكمْ بينهم أو أعْرِضْ
عنهم) المائدة: ٤٢، - منسوخ بقوله: (وأنِ احكم بينهم بما أنزل الله) .
وأخرج أبو عبيد وغيره، عن ابن عباس، قال: أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة.
وأخرج أبو داود في ناسخه من وجه آخر عنه، قال: أول آية نسخت من
القرآن القبلة، ثم الصيام الأول.
قال مكي: وعلى هذا فلم يقع في المكي ناسخ.
قال: وقد ذكر أنه وقع فيه في آيات، منه قوله تعالى في سورة غافر: (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) . غافر: ٧.
فإنه ناسخ لقوله تعالى: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) الشورى: هـ.
стр. 93
قلت: أحسن من هذا نسخ قيام الليل في أول سورة المزمل بآخرها، أو بإيجاب الصلوات الخمس، وذلك بمكة اتفاقاً.
تنبيه:
قال ابن الحصّار: إنما يرجع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله ﷺ أو عن صحابي يقول: آيةُ كذا نسخت كذا.
وقال: قد يحكم به عند وجود التعارض المقطوع به مع علم التأويل، ليعلم
المتقدم والمتأخر.
قال: ولا يعتمد في النسخ قول عوام المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين من
غير نقل صريح ولا معارضة بينة، لأن النسخ يتضمن رفع حكم وإثبات حكم تقرر في عهده ﷺ ، فالمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأي والاجتهاد.
قال: والناس في هذا بين طرفي نقيض، فمن قائل: لا يقْبَلُ في النسخ أخبار
آحاد العدول، ومن متساهل يكتفي فيه بقول مفسر أو مجتهد.
والصواب خلاف قولهما.
الضرب الثالث: ما نسخ تلاوته دون حكمه.
وقد أورد بعضهم فيه سؤالاً.
وهو: ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم، وهلاّ أبقيت التلاوة ليجتمع
العمل بحكمها وثواب تلاوتها؟.
وأجاب صاحب الفنون بأن ذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في
المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع
به، فيسرعون بأيسر شيء، كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والنائم أدنى طريق الوحي.
وأمثلة هذا الضرب كثيرة، قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن
أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا يقولَنَّ أحدكم قد أخذت القرآن كله
стр. 94
وما يدريه ما كله، قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقل قد أخذت منه ما
ظهر.
قال: حدثنا ابن أبي مريم، عن أبي لهيعة، عن أبي الأسود، عن عُروة بن
الزبير، عن عائشة، قالت: كانت سورة الأحزاب تُقرأ في زمان النبي ﷺ مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر إلا على ما هو الآن (١) .
وقال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن المبارك بن الفضالة، عن عاصم بن أبي
النجود، عن زِرّ بن حبيش، قال: قال لي أبَيّ بن كعب: كأيّن تعد سورة
الأحزاب، اثنتين وسبعين آية، أو ثلاثاً وسبعين آية، قال: إن كانت لتعدل
سورة البقرة، وإن كُنَّا لنقرأ فيها آية الرجم.
قلت: وما آية الرجم، قال: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجوهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم.
وقال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد
ابن أبي هلال، عن مروان بن عثمان، عن أبي امامة بن سهل - أن خالته قالت: لقد أقرأنا رسول الله ﷺ آية الرجم: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجوهما ألبتة بما قضيا من اللذة.
وقال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي حميد، عن حميدة بنت
أبي يونس، قالت: قرأ عليَّ أبي وهو ابن ثمانين سنة في مصحف عائشة: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما.
وعلى الذين يصلون الصفوف الأول - قالت قبل أن يغيّر عثمان المصاحف.
وقال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي واقد الليثي، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أوحي إليه أتيناه فعلّمنا مما أوحي إليه.
قال: فجئت ذات يوم فقال: إن الله يقول إنا أنزلنا
المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو أن لابن آدم واديا لأحب أن يكون إليه
الثاني، ولو كان له الثاني لأحبّ أن يكون له الثالث، ولا يملأ جوفَ ابن آدم
إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.
стр. 95
وأخرج الحاكم في المستدرك، عن أبيّ بن كعب، قال: قال لي رسول الله
ﷺ : إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقرأ: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، ومن بقيتها: لو أن ابن آدم سأل وادياً من مال فأعطيه سأل ثانياً، وإن سأل ثانيا سأل ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وإن ذات الدين عند الله الحنيفية السمحة غير اليهودية ولا النصرانية، ومن يعمل خيراً فلن يكفره.
وقال أبو عبيد: حدثنا حجاج عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي
حرب، عن أبي الأسود، عن أبي موسى الأشعري قال: نزلت سورة نحو براءة، ثم رفعت، وخفظ منها: إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خَلاق لهم، ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي موسى الأشعري، قال: كُنَّا نقرأ سورة نشبِّهها بإحدى المسبِّحات، فأنسيناها، غير أنى حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم، فتسألونَ عنها يَوْمَ القيامة.
قال أبو عبيد: حدثنا حجاج عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عدي بن
عدي، قال: قال عمر: كُنَّا نقرأ لا ترغبون عن آبائكم فإنه كفر بكم، ثم قال لزيد بن ثابت: كذلك، قال: نعم.
قال: وحدثنا - ابن أبي مريم، عن نافع بن عمر الجمحي، حدثنا ابن أبي
مليكة، عن المِسْوَر بن مَخْرمة، قال: قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ألم تجد فيما أنزل علينا: أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة، فإنا لا نجدها، قال: أسقطت فيما أسقط من القرآن.
وقال: حدثنا ابن أبي مريم، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن عمرو المُعَافِري، عن
أبي سفيان الكَلاعي - أن مسلمة بن مخَلّد الأنصاري، قال لهم ذات يوم:
أخبروني بآيتين من القرآن لم يكتبا في المصحف، فلم يخبروه وعندهم أبو الكنود
стр. 96
سعد بن مالك، فقال مسلمة، إن الذين آمنوا وهاجَروا وجاهَدُوا في سبيلِ اللهِ بأموالهم وأنفسهم، ألا فأبْشِروا أنتم أيها المفلحون.
والذين آووْهم ونصَرُوهم وجادَلوا عنهم القوم الذين غَضِب اللَهُ عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفِيَ لهم من قرَّةِ أعْين جزاءً بما كانوا يعْمَلون.
وأخرج الطبراني في الكبير، عن ابن عمر، قال: قرأ رجلان سورة أقرأهما
رسول الله ﷺ ، فكانا يقرآن بها، فقاما ذات ليلة يصليان، فلم يقدرا منها على حرف، فأصبحا غادِيَيْنِ على رسول الله ﷺ ، فذكرا ذلك له، فقال: إنها مما نسخ فالهوا عنها.
وفي الصحيحين عن أنس في قصة أصحاب بئر معونة الذين قتلوا: وقنت
رسول الله ﷺ يدعو على قاتليهم.
قال أنس: ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رُفع:
أنْ بلّغوا عنّا قَوْمَنا أن قد لقينا ربَّنا فَرَضِيَ عنَّا وأرْضَانَا.
وفي المستدرك عن حذيفة، قال: ما تقرأون ربعها - يعني براءة.
قال أبو الحسين بن المنادي في كتابه الناسخ والمنسوخ: ومما رفع رسمة من
القرآن ولم يرفع حفظه من القلوب سورة القنوت في الوتر، وتسمى سورة الخلع والحفد.
تنبيه:
حكى القاضي أبو بكر في الانتصار عن قوم، إنكار هذا الضرب، لأن
الأخبار فيه أخبار آحاد، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لاحجة فيها.
وقال أبو بكر الرازي: نسخ الرسم والتلاوة إنما يكون بأن ينسيهم الله إياه.
ويرفعه من أوهامهم، ويأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكَتْبه في الصحف.
فيندرس على الأيام كسائر كتب الله القديمة التي ذكرها في كتابه في قوله: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩) .
стр. 97
ولا يعرف اليوم منها شيء، ثم لا يخلو ذلك من أن يكون في زمان النبي ﷺ ، حتى إذا توفي لا يكون مَتْلُوّاً من القرآن، أو يموت وهو متلو موجود بالرسم، ثم ينسيه الله الناس ويرفعه من أذهانهم.
وغير جائز نسخ شيء من القرآن بعد وفاة النبي ﷺ .
انتهى.
وقال في البرهان في قول عمر: لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله
لكتبتها - يعني آية الرجم، ظاهره أن كتابتها جائزة، وإنما منعه قول الناس.
والجائز في نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه، وإذا كانت جائزة لزم أن تكون
ثابتة، لأن هذا شأن المكتوب.
وقد يقال: لو كانت التلاوة باقية لبادر عمر ولم يعَرِّج على مقالة الناس، لأن
مقال الناس لا يصلح مانعاً.
وبالجملة فهذه الملازمة مشكلة، ولعله كان يعتقد أنه خبر واحد، والقرآن لا
يثبت به وإن ثبت لا يحكم.
ومن هنا أنكر ابن ظَفَر في " الينبوع " عدَّ هذا مما نسخ تلاوته، قال: لأن خبر الواحد لا يثبت به القرآن.
قال: وإنما هذا من المنسأ لا النسخ، وهما مما يلتبسان، والفرق بينهما أن
المنْسَأَ لَفْظُه قد يعلم حكمه. انتهى.
وقوله: لعله كان يعتقد أنه خبر واحد مردود، فقد صح أنه تلقاها من النبي
ﷺ ، فأخرج الحاكم من طريق كثير بن الصَّلْت، قال: كان زيد بن ثابت وسعيد بن العاصي يكتبان المصحف، فمرّا على هذه الآية فقال زيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا زنيا الشيخ والشيخة، فارجوهما ألبتّة.
فقال عمر: لما نزلت أتيت النبي ﷺ فقلت: أكتبا، فكأنه كَرِهَ ذلك.
فقال عمر: ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد، وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رُجِمَ.
قال ابن حجر في شرح البخاري: فيستفاد من هذا الحديث السبب في نسخ
تلاوتها لكون العمل على غير الظاهر من عمومها.
قلت: وخطر لي في ذلك نكتة حسنة، وهو أن سببه التخفيف على الأمة
стр. 98
بعدم اشتهار تلاوتها وكتابتها في المصحف وإن كان حكمها باقياً، لأنه أثقل
الأحكام وأشدها، وأغلظ الحدود، وفيه الإشارة إلى ندب الستر.
وأخرج النسائي أن مروان بن الحكم قال لزيد بن ثابت: ألا تكتبها في
المصحف، قال: لا، ألا ترى أن الشابين الثَّيِّبَيْن يرجمان، وقد ذكرنا ذلك، فقال عمر: وأنا أكفيكم، فقال: يا رسول الله، أكتبني آية الرجم.
قال: لا أستطيع.
قوله: أكتبني، أي ائْذَنْ لي في كتابتها، ومكنّي من ذلك.
وأخرج ابن الضرَيْس في فضائل القرآن، عن يعلى بن حكيم، عن زيد بن
أسلم، أن عمر خطب الناس، فقال: لا تشكوا في الرجم، فإنه حق، وقد هممت أن أكتبه في المصحف، فسألت أبيّ بن كعب، فقال: ألست أتيتني وأنا أستقرئها رسول الله ﷺ ، فدفعت في صدري وقلت تستقرىء آية الرجم وهم يَتَسَافَدون تسافُدَ الحمر.
قال ابن حجر: وفيه إشارة إلى بيان السبب في رفع تلاوتها، وهو الاختلاف.
تنبيه:
قال الأئمة: لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ
والمنسوخ، وجميع هذه الأوجه، مع علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول.
قال علي ﵁ لقاض: أتعرف الناسخ من المنسوخ، قال: لا.
قال: هلكت وأهلكت.
قال الخوَيِّي: علم التفسير علم غير يسير، أما عسره فظاهر من وجوه، أظهرها أنه كلام متكلم لم يصل الناس إلى مراده بالسماع منه، ولا إمكان الوصول إليه، بخلاف الأمثال والأشعار ونحوها، فإن الإنسان يمكن علمه منه إذا تكلم بأن يسمع منه.
وأما القرآن فتفسيره على وجه القطع لا يُعلم إلا بأن يسمع من الرسول
ﷺ ، وذلك متعذر إلا في آيات قلائل، فالعلم بالمراد مستنبط بأمارات ودلائل.
والحكمة فيه أن الله أراد أن يتفكر عباده في كتابه فلم يأمر نبيّه بالتنصيص
على المراد في جميع آياته.
стр. 99
وقد كان الصحابة يتحاشون عن تفسير القرآن بالرأي، ويتوقّفون عن أشياء
لم يبلغهم فيها شيء من النبي ﷺ .
وقد ظهر لي تفصيلٌ حسن أخذته مما رواه ابن جرير عن ابن عباس، موقوفاً من طريق، مرفوعاً من أخرى:
التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعرفه
أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله، فما كان عن
الصحابة مما هو من الوجهين الأولين فليس بمرفوع، لأنهم أخذوه من معرفتهم
بلسان العرب، وما كان من الوجه الثالث فهو مرفوع إذ لم يكونوا يقولون في القرآن بالرأي.
وأخرج ابن أبي حاتم وغيره من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله:
(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ) .
قال: المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله.
وأخرج ابن مردويه من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس -
مرفوعاً: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ.
قال: القرآن.
قال ابن عباس: يعني تفسيره فإنه قد قرأه البَرُّ والفاجر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن مرة، قال: ما مررت بآية لا أعرفها إلا
أحزنتْني، لأني سمعت الله يقول: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣) .
قال ابن عباس: الذي يقرأ القرآن ولا يحسن تفسيره كالأعرابي يهذّ الشِّعْرَ
هذًّا.
وأخرج أبو عبيد، عن الحسن، قال: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم
فِيْمَ أنْزلت، وما أراد بها.
وأخرج ابن الأنباري عن أبي بكر الصديق، قال: لأنْ أعرب آية من القرآن
أحب إليّ من أن أحفظ آية.
стр. 100
وأخرج أيضاً عن عبد الله بن بُريدة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: لو أعلم أني إذا سافرت أربعين ليلة أعربت آية من كتاب الله لفعلت.
وأخرج أيضاً من طريق الشعبي، قال: قال عمر: من قرأ القرآن وأعربه كان له عند الله أجر شهيد.
قلت: معنى هذه الآثار عندي إرادة البيان والتعبير، لأن إطلاق الإعراب
على الحكم النحوي اصطلاح حادث، ولأنه كان في سليقتهم لا يحتاجون إلى
تعليمه، ثم رأيت ابن النقيب جنح إلى ما ذكرته وقال بجواز أن يكون المراد
الإعراب الصناعي، وفيه بعْدٌ.
وقد يستدل له بما أخرجه السّلَفي في الطيوريات من حديث ابن عمر -
مرفوعاً: أعربوا القرآن يدلكم على تأويله.
وقد أجمعوا على أن التفسير من فروض الكفاية، وأجَلُّ العلوم الشرعية.
قال الأصبهاني: أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن، بيان ذلك
أن شرف الصنعة إما لشرف موضوعها مثل الصياغة، فإنها أشرف من الدباغة، لأن موضوع الصياغة الذهب والفضة، وهما أشرف من موضوع الدباغة الذي هو جلد الميْتَة.
وإما بشرف غرضها، مثل صناعة الطب، فإنها أشرف من صناعة
الكِنَاسة، لأن غرض الطب إفادة الصحة، وغرض الكناسة تنظيف المستراح.
وإما بشدة الحاجة إليها، كالفقه، فإن الحاجة إليه أشد من الحاجة إلى الطب، إذ ما من واقعة في الكون من أحد من الخلق إلا وهي مفتقرة إلى الفقه، لأن به انتظام صلاح أحوال الدنيا والدين، بخلاف الطب فإنه يحتاج إليه بعضُ الناس في بعض الأوقات.
إذ عُرِف ذلك فصناعة التفسير قد حازت الشرف من الجهات الثلاثة، أما
من جهة الموضوع فلأن موضوعه كلام الله تعالى الذي هو ينبوع كل حكمة.
ومَعْدِنُ كل فضيلة، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه.
стр. 101
وأما من جهة الغرض فلأن الغرض منه هو الاعتصام بالعروة الوثقى، والوصول إلى السعادة الحقيقية التي لا تفنى.
وأما من جهة شدة الحاجة فلأن كل كمال ديني أو دنيويّ عاجلي أو آجلي
مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية، وهي متوقفة على العلم بكتاب الله.
والكلام هنا عريض تكفّل بجمعه أئمتنا ﵃.
وإنما ذكرتُ في هذا المجموع بعض ما يحتاج إليه بعد تقرير قاعدة، وهي
أن كل من وَضَع من البشر كتاباً فإنما وضعه ليُفْهَمَ بذاته من غير شرح، وإنما
احتيج إلى الشرُوح لأمور ثلاثة:
أحدها: كمال فضيلة كلام المصنف، فإنه لقوته العلمية يجمع المعاني الدقيقة
في اللفظ الوجيز، فربما عَسُرَ فَهْمُ مراده، فقصد بالشرح ظهور تلك المعاني
الخفية، ومن هاهنا كان شرح بعض الأئمة تصنيفه أدل على المراد من شرح
غيره.
وثانيها: إغفاله بعض تتمّات المسائل، أو شروط لها، اعتماداً على وضوحها، أو لأنها من علم آخر، فيحتاج الشارح لبيان المحذوف ومراتبها.
وثالثها: احتمال اللفظ لمعان، كما في المجاز، والاشتراك، ودلالة الالتزام، فيحتاج الشارحُ لبيان غرض المصنف وترجيحه.
وقد يقع في التصانيف ما لا يخلو عنه بَشَر من السهو والغلط، أو تكرار
الشيء، أو حذف المهم، أو غير ذلك، فيحتاج الشارح للتنبيه على ذلك.
وإذا تقرر هذا فنقول: إن القرآن إنما نزل بلسان عربي في زمان أفصح
العرب، وكانوا يعلمون ظاهره، وأحكامه، أما دقائق باطنه فإنما كان يظهر لهم بعد البحث والنظر مع سؤالهم النبي ﷺ في الأكثر، كسؤالهم لما نزل: (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) الأنعام: ٨٢) ، فقالوا: وأينَا لم يظلم نفسه، ففسره النبي ﷺ بالشرْك، واستدل عليه بقوله: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) .
стр. 102
وكسؤال عائشة عن الحساب اليسير، فقال: ذلك العرض.
وكقصة عدي بن حاتم في الخيط الأسود والأبيض، وغير ذلك مما سألوا عن
آحاد منه، ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه وزيادة على ذلك مما لم
يحتاجوا إليه من أحكام الظواهر، لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلم، فنحن أشد الناس احتياجا إلى التفسير.
ومعلوم أن تفسير بعضه يكون من قبيل بسط الألفاظ وكشف معانيها.
وبعضه من قبيل ترجيح بعض الاحتمالات على بعض.
فإن قلت: قد قلتم إنه يقع النسخ إلى غير بدل.
وقد قال تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) .
وهذا إخبار لا يدخله خلف.
فالجواب ما قاله ابن الحصار: كل ما ثبت الآن من القرآن ولم ينسخ فهو بدل
مما نُسخت تلاوته، فكل ما نسخه الله من القرآن مما لا نعلمه الآن فقد أبدله الله مما علمناه وتواتر إلينا لفطه ومعناه.
*******
الوجه التاسع من وجوه إعجازه (انقسامه إلى محكم ومتشابه)
فهو محكم لا يتطرق النقصُ إليه والاختلاف، ويشبه بعضُه بعضاً في الحق
والصدق والإعجاز.
وقد اختلف علماؤنا في التعبير عن المحكم والمتشابه على أقوال كثيرة، وألفوا
فيه تواليف منيرة، وقصدنا في هذه النبذة اختصار ما فيها.
فقيل: الحكم ما عرف المراد منه، إما بالظهور وإما بالتأويل.
والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه، كقيام الساعة، وخروج الدجال، ويأجوج ومأجوج، والحروف المقطعة في أوائل السور.
وقال الماوردي: المحكم ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً.
والمتشابه بخلافه.
стр. 103
وقيل المحكم ما كان معقول المعنى، والمتشابه بخلافه كأعداد الصلوات واختصاص الصيام برمضان دون شعبان.
وقيل: المحكم ما استقل بنفسه، والمتشابه: ما لا يستقل بنفسه إلا بردّه إلى غيره.
وأخرج الحاكم وغيره عن ابن عباس قال: الثلاث آيات من آخر سورة الأنعام محكمات:: (قل تَعَالَوْا) ، والآيتان بعدها.
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس في قوله تعالى: (فيه آيات
محْكَمَات) .
قال: من هاهنا: (قل تَعَالَوْا) إلى ثلاث آيات.
من هاهنا: (وقضى ربك ألاَّ تعبدوا إلاّ إياه) ، إلى ثلاث آيات بعدها.
قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن عكرمة وقتادة وغيرهما أن المحكم الذي
يعمل به، والمتشابه الذي يؤمن به ولا يعمل به.
واختلف أيضاً هل المتشابه مما يمكن الاطلاع على علمه أو لا يعلمه إلا الله
على قولين، منشؤهما الاختلاف في قوله تعالى: (والرَّاسِخُونَ في العلم يقولون) ، هل هو معطوف ويقولون حال، أو مبتدأ خبره يقولون
والواو للاستئناف.
وعلى الأول طائفة يسيرة، منهم مجاهد وهو رَاوِيهِ عن ابن
عباس: فأخرج ابن المنذر من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) - قال: أنا ممن يعلمُ تأويله.
وأخرج عبيد بن حميد عن مجاهد في قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) - قال: يعلمون تأويله ... ويقولون آمنّا له.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: الراسخون في العلم يعلمون تأويله.
ولو لم يعلموا تأويله لم يعلموا ناسخه من منسوخه، ولا حلاله من حرامه، ولا محكمه من متشابهه.
واختار هذا القول النووي، فقال في شرح مسم: إنه الأصح، لأنه يَبْعُدُ أن
يخاطب الله عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته.
стр. 104
وقال ابن الحاجب: إنه الظاهر.
وأما الأكثرون من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم خصوصاً أهل السنة فذهبوا إلى الثاني، وهو أصح الروايات عن ابن عباس.
قال ابن السمعاني: لم يذهب إلى القول الأول إلا شرذمة قليلة.
واختاره الغنيمي.
قال: وقد كان يعتقد مذهب أهل السنة، لكنه سقط في هذه المسألة.
قال: ولا غَرْو فإن لكل جَوَاد كبوة، ولكل عالم هفوة.
قلت: ويدلّ لصحة مذهب الأكثرين ما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره
والحاكم في مستدركه عن ابن عباس - أنه كان يقرأ: وما يعلم تأويله إلا
الله.
ويقول الراسخون في العلم آمنّا به، فهذا يدل على أن الواو للاستئناف، لأن هذه الرواية وإن لم تثبتْ بها القراءة فأقل درجاتها أن تكون خبرا بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن، فيقدم كلامه في ذلك على مَنْ دونه.
ويؤيد ذلك أن الآية دلت على ذم متّبِعي المتشابه، ووصفهم بالزَّيْغِ وابتغاء
الفتنة، وعلى مدح الذين فوّضوا العلم إلى الله وسلموا إليه، كما مدح الله المؤمنين بالغيب.
وحكى الفَرَّاء أن في قراءة أبي بن كعب أيضاً: ويقول الراسخون.
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق الأعمش، قال في قراءة ابن
مسعود: وإنْ تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به.
وأخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: (هو الذي أنزل عليكَ الكتاب ... إلى قوله: (أولو الألباب) ، قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمّى الله فاحذرهم.
وأخرج الطبراني في الكبير عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا أخاف على أمَّتي إلاّ ثلاث خِلاَل: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيَقْتَتِلوا.
وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله، وما يعلم تأويله إلا
الله ... الحديث.
стр. 105
وأخرج ابن مَرْدَويه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن
رسول الله ﷺ قال: إن القرآن لم ينزل ليكذّب بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه فآمنوا به.
وأخرج الحاكم، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ ، قال: كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فأحِلّوا حلاله وحرِّموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نُهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: (آمنّا به كلّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العَوْفيِّ، عن ابن عباس، قال: نُؤمن
بالمحكم، وندين به، ونؤمن بالمتشابه، ولا ندين به، وهو من عند الله كله.
وأخرج أيضاً عن عائشة، قالت: كان رسوخهم في العلم أن آمنوا بمتشابهه ولا يعلمونه.
وأخرج الدارمي في مسنده، عن سليمان بن يسار - أن رجلا يقال له صَبِيغ
قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر - وقد أعد له عراجين النخل، فقال: من أنت، قال: أنا عبد الله صبيغ، فأخذ عمر عرجوناً من تلك العراجين فضربه حتى أدمى رأسه.
وفي رواية عنده: فضربه بالجريد حتى ترك ظهره دَبِراً، ثم تركه حتى برأ، فدعا به ليعود، فقال: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً، فأذن له إلى أرضه.
وكتب إلى أبي موسى الأشعري ألا يجالسه أحد من المسلمين.
وأخرج الدارمي، عن عمر بن الخطاب - أنه قال: إنه سيأتيكم ناس
يجادلونكم بمشتبهات القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله.
стр. 106
فهذه الآثار تدل على أن المتشابه مما لا يعلمه إلا الله، وأن الخوض فيه
مذموم، وسيأتي قريباً زيادة على ذلك.
قال الطيبي: المراد بالمحكم ما اتضح معناه، والمتشابه خلافه، لأن اللفظ الذي يقبل معنى إما أن يحتمل غيره أوْ لا.
والثاني النص.
والأول إما أن يكون دلالته على ذلك الغير أرجح أم لا، والأول هو الظاهر.
والثاني إما أن يكون مساويه أم لا.
والأول هو المجمل والثاني المؤول.
فالمشترك هو النص، والظاهر هو المحكم، والمشترك من المجمل، والمؤول هو المتشابه.
ويؤيد هذا التقسيم أنه تعالى أوقع المحكم موضع المتشابه، فالواجب أن يفسَّر
الحكم بما يقابله، ويعضد ذلك أسلوب الآية، وهو الجمع مع التقسيم، لأنه تعالى فرق ما جمع في معنى الكتاب بأن قال: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) ، وأراد أن يضيف إلى كل منهما ما يشاء، فقال أولاً: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ... إلى أن قال: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) .
وكان يمكن أن يقال: وأما الذين في قلوبهم استقامة فيتبعون المحكم، لكنه
وضع موضع ذلك: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) ، لإتيان لفظ الرسوخ، لأنه لا يحصل إلا بعد التتبع العام والاجتهاد البليغ، فإذا استقام القلب
على طرق الرشاد، ورسخ القدم في العلم أفصح صاحبه النطق بالقول الحق.
وكفى بدعاء الراسخين في العلم: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) .
شاهداً على أن الراسخين في العلم مقابل لقوله: (الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) .
وفيه إشارة إلى أن الوقف على قوله: (إِلَّا اللَّهُ) تام، وإلى أن علم بعض
المتشابه مختص بالله تعالى، وأنه من حاول معرفته هو الذي أشار إليه في الحديث بقوله: " فاحْذَروهم ".
وقال بعضهم: العقل مبتلى باعتقاد حقيقة المتشابه، كابتلاء البدن بأداء
العبادة، وكمن صنف كتاباً أجملَ فيه أحياناً فيكون موضع خضوع المتعلم
لأستاذه، وكالملك يتخذ علامة يمتاز بها من يطلعه على سره.
стр. 107
وقيل: لو لم يبتل العقل الذي هو أشرف البدن لاستمر العالم في أبهة العلم على التمرد، فبذلك يستأنس إلى التذلل بعز العبودية، والتشاغل به هو موضع خضوع العقول لبارئها استسلاما واعترافاً بقصورها.
وفي ختم الآية بقوله تعالى: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) ، تعريض بالزائغين، ومدح للراسخين - يعني من لم يتذكر ويتعظ ويخالف هواه فليس من ذوي العقول، ومن ثم قال الراسخون: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ... )
إلى آخر الآية، فخضعوا لبارئهم لاستنزال العلم اللَّدني بعد أن استغاثوا به من الزيغ النفساني.
وقال الخطابي: المتشابه على ضربين: أحدها ما إذا رد إلى الحكم واعتُبر به
عرف معناه.
والآخر ما لا سبيل إلى الوقوف على حقيقته، وهو الذي يتبعه أهل
الزيغ فيظنون تأويله، ولا يبلغون كُنْهَه، فيرتابون به فيفْتَتِنون.
وقال ابن الحصار: قسّمَ اللهُ آيات القرآن إلى محكم ومتشابه، وأخبر عن
المحكمات أنها أم الكتاب، لأنه إليها تردّ المتشابهات، وهي التي تُعتمد في فهم
مراد الله من خلقه، أي في كل ما تعبّدهم به من معرفته وتصديق رسله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.
وبهذا الاعتبار كانت أمهات.
ثم أخبر عن الذين في قلوبهم زيغ أنهم هم الذين يتبعون ما تشابه منه.
ومعنى ذلك أن من لم يكن على يقين من المحكمات، وفي قلبه شك واسترابة
كانت راحته في تتبع المشكلات المتشابهات، ومراد الشارع منا التقدم إلى فهم المحكمات، وتقديم الأمهات، حتى إذا حصل اليقين، ورسخ العلم لم تبال بما أشكل عليك.
ومراد هذا الذي في قلبه زيغ التتبع إلى المشكلات، وفهم المتشابه قبل فهم
الأمهات، وهو عكس المعقول والمعتاد والشروع، ومثَلُ هؤلاء من المشركين
الذين يقترحون على رسلهم آيات غير الآيات التي جاءو بها، ويظنون أنهم لو
جاءتهم آياتٌ أخر آمنوا عندها جهلاً منهم، وما علموا أن الإيمان بإذن الله
تعالى. انتهى.
стр. 108
وقال الراغب في مفردات القرآن: الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة
أضرب: محكم على الإطلاق.
ومتشابه على الإطلاق.
ومحكم من وجه ومتشابه من وجه.
فالمتشابه بالجملة ثلاثة أضرب:
متشابه من جهة اللفظ فقط، ومن جهة المعنى فقط، ومن جهتهما.
فالأول ضربان: أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة، إما من جهة الغرابة.
نحو: اللازب وينزفون.
أو الاشتراك كاليد والعين.
وثانيهما يرجع إلى جملة الكلام المركب، وذلك ثلاثة أضرب:
ضرب لاختصار الكلام، نحو: (وإن خِفْتمْ ألاَّ تقْسِطُوا في اليَتَامَى
فانْكِحوا مَا طَابَ لكمْ مِنَ النساء) .
وضَرْبٌ لبَسْطه، نحو: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) .
لأنه لو قيل: ليس مثله شيء كان أظهر للسامع.
وضرب لنظم الكلام، نحو: (أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا) .
تقديره: أنزل على عَبْدِه الكتاب قَيِّماً، ولم يجعل له عوجاً.
والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى، وأوصاف القيامة، فإن تلك
الصفات لا تتصور لنا إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه، أو ليس
من جنسه.
والمتشابه من جهتها خمسة أضرب:
الأول - من جهة الكمية، كالعموم والخصوص، نحو: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) .
والثاني - من جهة الكيفية، كالوجوب والندب، نحو: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) .
стр. 109
والثالث - من جهة الزمان، كالناسخ والمنسوخ، نحو: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) .
والرابع - من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها، نحو: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا) ، (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) .
فإن مَنْ لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه تفسير هذه الآية.
والخامس - من جهة الشروط التي يصح بها الفعل ويفسد، كشروط الصلاة
والنكاح.
قال: وهذه الجملة إذا تصورت علم أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير
المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم.
ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب:
ضرب لا سبيل إلى الوقوف عليه، كوقت الساعة، وخروج الدابة، ونحو
ذلك.
وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته، كالألفاظ الغريبة، والأحكام الغلقة.
وضرب متردد بين الأمرين يختص بصرفته بعض الراسخين في العلم، ويَخفَى
على مَنْ دونهم، وهو المشار إليه بقوله ﷺ لابن عباس: اللهم فقِّهْهُ في الدين، وعلمه التأويل.
وإذا عرفت هذه الجملة عرفت أن الوقوف على قوله: (وما يَعْلَم تأويلَه إلا
اللهُ) ، ووصله بقوله: (والراسخون في العِلْمِ) - جائزان، وأن لكل واحد منهما وجهاً حسبما دل عليه التفصيل المتقدم. انتهى.
وقال الإمام فخر الدين: صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من
دليل منفصل، وهو إما لفظي وإما عقلي.
والأول لا يمكن اعتباره في المسائل الأصولية، لأنه لا يكون قاطعا، لأنه موقوف على انتفاء الاحتمالات العشرة
стр. 110
المعروفة، وانتفاؤها مظنون، والموقوف على المظنون مظنون، والظني لا يكتفى به في الأصول.
وأما العقلي فإنه يفيد صرف اللفظ عن ظاهره لكون الظاهر محالاً.
وأما إثبات المعنى المراد فلا يمكن بالعقل، لأن طريق ذلك ترجيح مجاز على مجاز وتأويل على تأويل، وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدليل اللفظي، والدليل اللفظي في الترجيح ضعيف لا يفيد إلا الظن، والظن لا يعوَّل عليه في المسائل الأصولية القطعية فلهذا اختار الأئمة المحققون من السلف والخلف - بعد إقامة الدليل القاطع على أن حمل اللفظ على ظاهره محال - تركَ الخوض في تفسير التأويل. انتهى.
وحسبك بهذا الكلام من الإمام.
فصل
من المتشابه آيات الصفات.
ولابن اللبان فيها تصنيف مفرد، نحو: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) .
(كلّ شيء هالك إلا وجْهَه) .
(يَدُ اللهِ فَوْقَ أيديهم) ، ونحوها.
وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها، وتفويض
معناها المراد إلى الله تعالى، ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها.
أخرج أبو القاسم اللّالكَائي من طريق في السنة، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة في قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ، قال: الكيف غير
معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به من الإيمان والجحود به كفر.
وأخرج أيضاً عن محمد بن الحسن، قال: اتفق الققهاء كلهم من الشرق إلى
الغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه.
وقال الترمذي في الكلام على حديث الرؤية: المذهب في هذا عند أهل العلم
من الأئمة - مثل سفيان الثوري، ومالك، وابن المبارك، وابن عيينة، ووَكيع،