← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1417

معترك الأقران في إعجاز القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (1 547 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

فإن الجماعة حاضرة في الحرب، فالتحيُّز إليها جائز باتفاق، واختلف في التحيُّز إلى الإمام والمدينة والجماعة إذا لم يكن شيء من ذلك حاضرا. وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: أنا فِئَة لكل مسلم، وهذا إباحة لذلك. والفرار من الزحف من الكبائر في أي عصر كان إلاَّ أن يكون الكفار أكثر من مِثْلي المسلمين. (متَحَرِّفاً) : بالنصب على الاستثناء، من قوله: (مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ) . وقال الزمخشري: انتصب على الحال، ومعناه الكرّ بعْد الفَرّ، ليُري عدوّه أنه منهزم ثم يعطف، وذلك من الخداع في الحرب. وفي الحديث: الحرب خدعة. وقد وقع للصحابة من هذا ما تكفل أصحابُ السير بنقله. (مُخْزِي الكافرين) : يعني مُهْلِكهم في الدنيا بالسيف، وفي الآخرة بالنار. (مُؤْتَفِكات) : يعني مدائن قوم لوط، وائتفكت بهم يعني انقلبت. (مُرْجَوْن) : بالهمز وتركه، وهما لغتان، ومعناه التأخير. قيل هم الثلاثة الذين خلّفوا قبل أن يتوبَ الله عليهم. وقيل: هم الذين بنَوا مسجد الضرار. (مُعَذِّرُون) : هم المعتذرون. ثم أدغمت التاء في الذال، ونقلت حركتها إلى العين. واختلف هل كانوا في اعتذارهم صادقين أو كاذبين، وقيل: هم المقصّرون. من عَذَر في الأمر إذا قصر فيه، ولم يجد، فوزنه على هذا المفعلون. وروي على هذا أنها نزلت في قوم من غِفَار، والاعتذار يكون بحق ويكون بباطل. ومُعَذّرون الذين اعذروا، أي أتوا بعُذْر صحيح.

стр. 877

(مَجْراها ومرْساها) : مشتقان من الجري والإرساء، وهو الثبوت، أو من وقوف السفينة. ويمكن أن يكونا ظرفين للزمان أو المكان، أو مصدرَيْن. ويحتمل الإعراب وجهين: أحدهما أن يكون بسم الله في موضع الحال من الضمير في اركبوا، والتقدير اركبوا متبركين ببسم الله، أو قائلين بسم الله، فيكون مجراها ومرساها على هذا ظرفين للزمان، بمعنى وقت إجرائها وإرسائها، أو ظرفين للم كان ويكون العامل فيه ما في قولك بسم الله مِنْ معنى الفعل، ويكون قوله بسم الله متصلاً مع ما قَبْله، والجملة كلام واحد. والوجه الثاني أن يكون كلامين، فيوقف على اركبوا فيها، ويكون بسم الله في موضع خبر، ومجراها ومرساها مبتدأ بمعنى المصدر، أي إجراؤها وإرساؤها، ويكون بسم الله على هذا مستأنفاً غَيْرَ متّصل بما قبله، ولكنه من كلام نوح، حسبما ورد أنَّ نوحاً كان إذا أراد أن يجري السفينة قال: بسم الله، فتجري. وإذا أراد وقوفها قال بسم الله فتَقف. وفي الآية إشارة إلى أن يكون العبد في جميع تصرفاته مشتغلاً بمولاه، ولذلك قال الصوفية: أنت سفينة الوجود، وسفينة نوح ﵇ كان إجراؤها وإرساؤها كما أخبر الحقُّ سبحانه في كتابه بسم الله مجراها ومرساها، وقد أرشدت الشريعة المحمدية أن يكون جميع تحركك وسكونك بذكر الله تعالى. فتفتتح عند نوْمِكَ بسم الله، وعند أكلك وشُربك وخروجك من منزلك ودخولك فيه، ولباس ثوبك وتجريده كذلك، وعند استفتاح كلامك، وعند نكاحك وسفرك وإيابك إلى أهلك، وعند قيامك وقعودك، فإن كنت في حالك محمديّاً رسَتْ سفينتك على جُودِيِّ السلامة، وإن تخلفت عنه لم يكن لك عاصمٌ من أمْرِ الله، وغرقْتَ في طوفان المهالك، وإن لم تشعر أنك هالك فتيقّظ من سَكْرَة هواك تجد روحك في قارورة شهواتك غارقاً في فَضْلة معاصيك.

стр. 878

ذُكِرَ أن ابنَ نوح ﵇ حين تخلّف عن ركوب السفينةِ اتخذ قارورة قَدْر ما تحمله، وصعد على الجبل، فلما بلغه الماء دخل فيها، وأغلقها على نفسه، وأرسل عليه إدرار البول حتى مات غريقاً فيه (١) ، فاكسرها بحجر عزيمة التوبة، وناد بلسان حالك ومقالك: يا منقذ الغرقاء، ويا منجي الهلْكَى، أنقذني، فإني ذاهب، لعل حنين صوتك يشفع فيك، أمَّنْ يجيب المضطَرَّ إذا دَعَاه. (متَّكئاً) : بسكون التاء وتنوين الكاف هو الأترج بلغة الحبشة. قاله ابن أبي حاتم: وبفتح التاء ما يُتَّكأ عليه، وإعطاؤها السكاكين للنساء يدلّ على أن الطعام كان مما يقْطع بالسكاكين كالأترج. وقيل كان لحما. وقيل: أَعْتَدَتْ لهن فراشا يتَّكئْنَ عليه. (مُزْجَاةٍ) : أي قليلة، بلسان العجم. وقيل ناقصة. وقيل: إنَّ بضاعتهم كانت عروضاً، فلذلك قالوا هذا حياء منه، وطلبوا منه الصدقة، ودعوا له، وقالوا: إن الله يجزي المتصدّقين، وسمُّوا الزيادة صدقة. وهذا يقتضي أن الصدقة كانت حلالاً لهم قبل نبينا ومولانا محمد ﷺ . وقيل: تصدق علينا بردّ أخينا إلينا، فلما شكوا له رَقَّ لحالهم وعرَّفهم حينئذٍ بنفسه، فتشبَّهْ بهم واسْتَحِ من مولاك بنَقْص بضاعتك، لعله يمدك، لأن الجفاء يذهب بالصفاء، كيف يصل روح التوحيد والمعرفة الوافية إلى القلوب الجافية الخاطئة القاسية!. فإن قلت: ما منعهم من قولهم: إن الله يجزيك على صدقتك، بل عرضوا له؟ فالجواب أنهم كانوا يعتقدون كفْرَه، لأنهم لم يعرفوه، فلو قالوا: إن الله يجزيك بصدقتك كذبوا، لأن الله لا يجزي الكافر. فقالوا لفظاً يوهم أنهم أرادوه ولم يريدوه. (مُعقِّبَاتٌ) : قد قدمنا أنهم جماعات الملائكة، وسمّوا

стр. 879

بذلك لأنهم يعقب بعضهم بعضاً، ومنه الحديث: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار. وأما قوله تعالى: (لا معَقِّب لِحكمه) فمعناه الذي يكر على الشيء فيبطله، يقال: عقب الحاكم على حكم مَنْ قبله إذا حكم بعد حكمه بغيره. (مصْرِخكم) : مغيثكم. واختلف: هل هذا من قول الشيطان في القيامة أو في النار. (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣) . الضمير للظالمين. والمعنى أنهم يسرعون يرفعون رؤوسهم ويخفضونها من شدة ما يرون من الهول. والهواء المراد به هنا الريح، يعني أنَّ أفئدتهم كالهواء، إشارة إلى ذهابها وعدم انتفاعهم بها. ويحتمل أن يراد العقل، ولا سيما إذا قلنا إن محلّه القلب، وهو أن عقولهم تذهب وتصير كالهواء، لأنهم يذهلون لشدة ما ينالهم. وهذا تشبيه. والبيانيون يجعلونه استعارة، لأنهم يقولون: زيد كالأسد تشبيه، وزيد أسد استعارة، ورأيت أسداً يكر ويفر في الحرب فيه خلاف عندهم، وكذلك زيد مثل الأسد. (مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) : يعني الوعد بالنصر على الكفار. فإن قلت: لم قدم المفعول الثاني على الأول؟ فالجواب أنه قدم الوَعْدَ ليعْلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً على الإطلاق، ثم قال (رسلَه) ، ليعلم أنه إذا لم يخلف وعد أحد من الناس فكيف يخلف وعد رسله وخيرةَ خلقه، فقدَّم الوعد أولاً لقَصْدِ الإطلاق، ثم ذكر الرسل لقصد التخصيص. (مقَرَّنين في الأصفاد) : يعني المجرمين مربوطين في الأغلال، وهذا كقوله تعالى: (في سِلْسِلةٍ ذَرْعُها سبعون ذِرَاعاً) .

стр. 880

وقوله: (مقرنين دعوا هنالك ثبورا) . أي يا ثبوراه، كقول القائل: يا حسرتي، يا أسفي. (متَوسِّمين) : حقيقة التوسم النظرُ إلى السمة، وهي العلامة التي يعرف بها المرء، ومعناها الفراسة، قال ﷺ : "اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله". (مُخْلَصِين) : المخلَص: هو الذي يغويه إبليس بالتزيّن، ولا يسمع منه، أو يزين له ولا يغويه. فإن قلت: هل التزيّن والإغواء بمعنى واحد؟ فالجواب أنَّ الإغواء يستلزم الفعل، والتزين لا يستلزمه، فقوله تعالى: (إلاَّ عبادك منهم المخْلَصين) ، مسبّب عن الإغواء، لا عن التزين. فالمخلَصين يزين لهم ولا يغويهم، ولا يقدر عليهم بوجه. (مقِيم) : أي ثابت يراه الناس. والضميرُ للمدينة المهلكة التي أخذتها الصيحة. (مُشرِقين) : أي داخلون في الشروق، وهو وقت بزوغ الشمس. (مُبِين) : أي واضح. وضمير التثنية في (إنهما) . قيل لمدينة قوم لوط أو قوم شعيب، (فالإمامُ) على هذا الطريق. وقيل للوط ولشعيب، أي أنهما على طريق من الشرع واضح. (مستهْزِئين) : كانوا خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن الطلاطلة. كانوا يستهزئون برسول الله ﷺ ، فكفى الله نبيَّه أمرهم، وأهلكهم بمكة. وقيل: كأبي جهل وأصحابه، أهلكهم الله ببدر. ويحتمل الجميع. (مُنْكِرَة) . نعت للقلوب، يعني أنهم أنكروا وحدانية الله،

стр. 881

واستكبروا عنها. والفاء للتسبيب، وليس هو من باب ذكر اللازم عقب الملزوم. وإنما هو من باب ذكر الشيء عقب نقيضه، لأنَّ لازم كونه إلهاً واحدا التصديق لا الإنكار والكفر. وظاهر كلام الزمخشري أنَّ الوحدانية ثابتة بالعَقْل، لأنه قال: قد ثبت بما تقدَّم إبطال أن تكون الإلهية لغيره، فكان من نتيجة ثبات الوحدانية ووضوح دليلها استمرارهم على شركهم. وظاهر كلام ابن عطية أنها ثابتة بالسمع، لأنه قال: لمَا تقدم وصفُ الأصنام جاء الخبر الحقّ بالوحدانية، وهذه مخاطبةٌ لجميع الناس معلمة بأن الله متَّحد وحدة تامة، لا يحتاج لكمالها إلى منضاف إليها. والصحيح أنها مستفادة منهما معاً. ابن عرفة: القضية على ثلاثة أقسام: عقلية، كقولك الواحد نصف الاثنين، والجوهر متحيّز أو مفتقر إلى العَرَض. وشرعية، كقولك: الميت يبعث. ومركبة منهما، كقولك: الله سميع بصير. واختلفوا في قولك: الله إله واحد، فذهب الفَخْر إلى صحة إثباته بالسمع. ونقل ابن التِّلْمساني في شرح المعالم الدينية عن بعضهم أنه لا يصح إثباتُه بالسمع. وقال في شرح المعالم الفقهية: إنَّ ما تتوقّف دلالةُ المعجزة عليه لا يصحُّ إثباتُه بالسمع، كوجود الإله، لئلا يلزم عليه الدور. وما لا يتوقف عليه يصح إثباتُه بالسمع، ككونه واحدا، ذكره في أول الباب السابع في الإجماع. وعندي أنَّ الآية تدل على صحة إثبات الوحدانية بالسمع والعقل، لقوله: (فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ) ، كأنه يقول: فالمكذبون بالآخرة قلوبهم منكرة، ولو كانت لا تتوقف على السمع لقال: فالصُّمّ العمي، أو

стр. 882

فالمتصاممون قلوبهم منكرة، فذِكْره عقَيب الإيمان يشعر بعِليتِه له، فهو دليل على أنهم سمعوا فلم يؤمنوا بالآخرة، ولو لم يكن معلّقاً على الإيمان لما ذكره بعده. (مفْرَطون) : بكسر الراء والتخفيف من الإفراط، أي متجاوزون الحدَّ في المعاصي. وبفتح الراء والتخفيف، من الفَرْط، أي يعجلون إلى النار. وبكسر الراء والتشديد من التفريط. (مُنْكَر) : هو أعمُّ من الفحشاء، لأنه يعمُّ جميع المعاصي. (ملِئْتَ منهم رُعباً) : الضمير لأصحاب الكهف، وضمير الخطاب لنبينا ومولانا محمد ﷺ ، يعني أنك يا محمد لا تستطيع النظر إليهم لما ألبستهم من الهيبة، فإذا كان القويّ الجأش لا يستطيع النظر إليهم فكيف يَدَّعي غيره رؤيتهم. (ملْتَحَدا) : أي ملجأ تميل إليه فتجعله حرزاً. (مُهْل) : هو بلسان أهل المغرب. وقيل بلغة البربر: درْدِىّ الزّيْتِ إذا انتهى حرّه، وروي هذا عن رسول الله ﷺ . وقيل: هو ما أذيب من الرصاص وشبهه. (مُرْتَفقا) : هو شيء يرْتَفق به. وقيل يُرتفق عليه من الارتفاق، بمعنى الاتّكاء. (مُنْقَلَبا) : أي مرجعاً، وهذا قول المؤمن لأخيه الكافر. أي إن كان هذا على سبيل الفرض والتقدير كما يزعم أخي لأجدن في الآخرة خيرا من جنّتي في الدنيا. وقرئ خير منهما بضمير الاثنين للجنتين، وبضم الواحدة للجنة. (مقْتَدِراً) : من أسماء الله، ومعناه مَنْ له القُدرة والقوةُ والعظمة والكبرياء، وإنما يوصف بذلك تعظيما، فكلّ مقدور معلوم، وليس كل معلوم مقدوراً، لأن المحالات كلها معلومة للقديم سبحانه، وليست بمقدورة له،

стр. 883

لأنه لا يُوصف بالقدرة على خَلْق نفسه، ولا على خلق كلامه، أو شيء من جهاته الذاتية، ولا على الجمع بين الضدّين، وجعل الشخص في مكانين في وقت واحد، ولا على أن يجعل العالم بأسره في بَيْضة كما يعتقده الجاهل. فإن قلت: مقدوراته أكثر أم معلوماته؟ فالجواب أن إطلاق هذا السؤال خطأ، لأنه إن أراد السائلُ مقدوراته التي لم توجد مع معلوماته التي لم توجد لم تصح المفاضلة بينهما، لأن ما ليس بشيء لا يقال إنه أكثر مما ليس بشيء، وإن أراد بذلك مقدوراته الموجودة مع معلوماته أكثر، لأن ذاته وصفاته معلومة له، وليست بمقدورة له، بل كانت مقدورة له، وهكذا الموجودات في حال وجودها في الحال من الحدوث معلومة له، وليست بمقدورة له، بل كانت مقدورات له في حال الحدوث. والله أعلم. (موَاقِعوها) : الضمير للمشركين وشركائهم، وضمير التأنيث عائد على النار، ويعني أنهم يظنّون أنهم يقعون فيها، والظنَّ هنا بمعنى اليقين. (مَهْلِكهم مَوْعِدا) : بضم الميم وفتح اللام: اسم مصدر من أهلك. (مفْسِدون في الأرض) : يعني بالقَتْل والظلم وسائر وجوه الشر. وقيل: كانوا يأكلون بني آدم. والضمير يعود على يأجوج ومأجوج، وهما قبيلتان من بني آدم في خلقتهم تَشْوِيه في الطول والقصر وطول الأذنين. (مُثْلَى) : حُسْنَى، تأنيث أمثل. (مُحْدَث) : بفتح الدال، يعني أن هذا القرآن مجدَّد النزول، لأنه قديم متعلق بالذات القديمة، لم يقرأ ولم يسمع، فلما خلق الله الْخَلْق وأوجدهم كتَبَه في اللوح المحفوظ أو في ألواح على ما روي، ونزل به جبريل إلى بَيْتِ العزّة، كما قدمنا، فصار يتجدّد بالنزول به على نبينا ومولانا محمد ﷺ ، فصار مقروءاً متلُوّاً مكتوباً مسموعاً، وذلك لا يوجب تغيُّر حاله، كما أن مولانا

стр. 884

جلّ وعلا لم يكن في الأزَل معبودا ولا مسجوداً له ولا مذكوراً، فخلق الخلق ليعبدوه ويوحّدوه ويذكروه، فصار لهم معلوما ومعبوداً. (مشْفِقْون) : خائفون. والضمير عائد على الملائكة الذين لا يَعْصون الله ما أمرهم، فهؤلاء ملائكة مطَهَّرون مشفقون من العقوبة. وأنت أيها المتلطخ لا تشفق مع عصيانك، وهو كل يوم يناديك: عَبْدِي - أرسلتُ إليكَ رسائلَ المواعظ تناديك: ارجع إلَيّ، الملائكة صفو بلا كدر. والشياطين كدر بلا صفو، وأنت مجمع البحرين، فمتى غلب صَفْو عقلك على كدر شهوتك أخدمتك حملةَ العرش بمدحة ويستغفرون للذين آمنوا، يا مودعاً بدائع البدائع، الأكوان ألواح، وأنت الكاتب، وشجرة وأنتَ الثمر، وقوالب وأنت المعنى، ونافجة وأنْتَ المسك، ودفتر وأنت الخطوط، يا عجباً لك كيف أعجبك دخان الشهوات عن أسرار المشاهدات، اشتغلْتَ بجمع الفاني عن التلذّذ بخدمتنا، وشرهت عليها شره الكلب للجيفة، ولم تشفق من عتابنا، أما سمِعْتَ أهْلَ الجنة يقولون: (إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) . فكيف تطمع أن تكون من أهلها وأنتَ غير مشْفِق من عذابنا. اللهم ارحمنا إذا صِرْنَا إليك، والطف بنا يوم الوقوف بين يديك، فإنَّ قلوبنَا قد ماتَتْ عن طاعتك، وأعيننا قد جمدت مِنْ خَشْيَتك، وآذاننا صمّت عن سماع موعظتك، وعُقِل العقْل عن التفكر في آياتك، وخرس اللسان عن شكر نعمتك، وقُيدت الأقدام عن الإقدام إلى حضرتك، فنحن كالذي استهوته الشياطين، فلا تؤاخذنا بذنوبنا، وعامِلْنا بفضلك وكرامتك بجاه أكرم الخلق عندك، وخيرتك صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم. (مضْغَة) : قطعة لحم. (مخلَّقة) : تامة الخلقة. (وغير مخلَّقة) ، غير التامة، كالسقط. وقيل الخلّقة الْمسَوَّاة السالمة من النقصان.

стр. 885

(مُعْتَرَّ) : المتعرض بغير سؤال، ووَزْنه مفتعل، يقال: اعتررت القوم، إذا تعرضت لهم. والمعنى أطعموا مَنْ سأل ومن لم سأل ممَّن تعرض بلسان حاله. أو أطعموا من تعفّف عن السؤال بالكلية، ومن تعرض للعطاء. (المُخْبِتِين) : الخاشعين، وقيل المتواضعين. وقيل نزلت أبي بكر وغمر وعثمان وعليّ. وكذلك قوله بعد ذلك: (وبَشِّر المحسنين) واللفظ فيها أعمّ من ذلك (معَاجِزين) : مسابقين ومعجزين: فائتين، ويقال مثبطين. (مخْضَرَّة) .، أي تصير الأرض خضراء بالمطر. وقيل: إنها لا تصبح الأرض مخضرة إلا بمكة والبلاد الحارّة، وفهم بعضُهم إنه أراد به صبيحة ليلة المطر، وأما على معنى تصير فذلك عامّ في كل بلد. والفاء للعطف، وليست بجوابٍ، ولو كانت جواباً لقوله: ألم تر - لنصبت الفعلَ، وكان المعنى نَفْي خضرتها، وذلك خلاف المقصود، وإنما قال بنفي المضارع ليفيد بقاءها كذلك مدة. (معْرِضون) : أي لا يستمعون إلى لغو الكلام، ولا يدخلون فيه. وأنواعه كثيرة نحو العشرين نوعا ويحتمل أَنْ يريدَ أنهم لا يتكلمون به، ولكن إعراضهم عن سماعه يقتضي ذلك من باب أولى وأحْرَى. (مذْعِنين) ، أي منقادين مطيعين لقَصْد الوصول إلى حقوقهم. وسبب نزولها أنَّ رجلا من المنافقين كانت بينه وبين يهودي خصومةٌ، فدعاه اليهودي إلى رسول الله ﷺ ، فأعرض عنه ودعاه إلى كعب بن الأشرف.

стр. 886

(متَبَرجاتٍ) : أي مظهرات للزينة، فأباح الله للنساء وَضعَ الثياب بشرط أَلاَّ يقصدن إظهار زِينةٍ. وقيل متبرجات متكشفات الشعور. (مستَقَرًّا) : إقامة. (مشْرِقين) : قد قدمنا أنه وقت طلوع الشمس. وقيل معناه هنا نحو المشرق. وانتصابة على الحال. (مدْرَكون) : لما خاف قوم موسى من إدراك فرعون لهم قالوا هذا. (مسَحَّرِين) : معلّلين بالطعام والشراب، أي أنك بشر مثلنا. (مجرمين) : يحتمل أن يريد به كفار قريش أو المتقدمين. (منْظَرون) : تَمنَّوْا أن يؤَخَّروا حين لم ينفعهم التمني. (مخْسِرِين) ، أي ناقصين الكيل والوزن. (مبْصِرَةَ) : واضحة الدلالة. وإسناد الإبصار لآيات موسى مجاز، وهو في الحقيقة لتأملها. (مرْسِلَةٌ إليهم بهديَّةٍ) : هذا من كلام بلقيس تأكيداً للمعنى الذي أرادَتْه حين قالت لقومها، إني مجربة هذا الرجل بهديّة من نفائس الأموال، فإن كان ملكاً دنيويّاً أرْضَاه المال، وإن كان نبيئا لم يرْضِه المال. وإنما يرضيه دخولنا في دينه. وقد أكثر الناس في وصف هذه الهدية، تركناه لطوله، فانظر هذا اللطف والسياسة من نبي الله سليمان في دعاية بلقيس إلى الإيمان، فقدّم لها أولاً الكتاب،

стр. 887

وقدم فيه اسمه على اسم الله، لأنه واسطة بينه وبين الله، ولما كان الأنبياءُ في البشرية من جبلّة المرْسَل إليهم، وجِنْسهم في الظاهر، واصطفاهم الله. بعلمه وحكمته، كانوا أكثر فَهْماً وإدراكاً. ولذلك قال لمن أتى بهديّة بلقيس: (فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ) ، فلما رأت ذلك منه خافت وفزِعت وأسلمت مع سليمان. فإن قلت: كيف خفي على سليمان مكانها، وكانت المسافة بين محله وبين بلدها قريبةً، وهي مسيرة ثلاث بين صنعاء ومَأرِب؟ فالجواب أن اللهَ أخفى ذلك عنه لمصلحةٍ رآها، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب. فإن قلت: كيف قال الهدهد: (وأوتِيَتْ من كل شيء) - مع قول سليمان: (وأوتينا من كل شيء) ، كأنه سوّى بينهما؟ والجواب فَرْق ما بينهما أنَّ سليمان قال ذلك من المعجزات والنبوءة وأسباب الدين وأسباب الدنيا، فهذا العطف على شكر مولاه وعطف الهدهد على الملك، ولم يرد إلا ما أعطيته بلقيس من أسباب الدنيا اللائقة بحالها، فبَيْن الكلامَيْنِ بَوْنٌ بعيد. (ممَرَّد) : أملس، ومنه الشجرة الْمَرْدَاء، والأمْرَد الذي لا ثَعْر على وجهه. (محْضَرِين) : أي للنار. (منِيبينَ إليه) : منصوب على الحال، من قولك: (فَأقِمْ وَجْهك) ، لأن الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد هو وأمّته، فلذلك جمعهم في قوله: (منِيبين) . وقيل هو حال من قوله: (فَطَر الناسَ) ، وهذا بعيد.

стр. 888

(معَوِّقِين) ، أي يمنعونْ الناسَ من الجهاد، ويعوقونهم بأقوالهم وأفعالهم. ويقال عاقه عن الأمر، وعَوّقه وعَقَاه. (مُقْمَحُون) : يقال قَمَحَ البعير إذا رفع رأسه، وأقْمَحَه غَيْره إذا فعل به ذلك. والمعنى أنهم لما اشتدت الأغلال حتى وصلت إلى أذقانهم اضطرت رؤوسهم إلى الارتفاع. وقيل: مُقْمَحون ممنوعون من كلّ خير. (مظلِمُون) : داخلون في الظلام. (مدْبِرين) : أى تركوا إبراهيم إعراضاً منهم، وخرجوا إلى عيدهم. وقيل: إنه أراد بالسقم الطاعون، وهو داء يُعْدِي، فخافوا منه وتباعدوا عنه مخافة العدوى. (مسْتَسْلِمون) : أي معطون بأيد يهم. (مشْتركون) ، أي في النار. (مُحْسِنين) : جمع محسن، ووصف به إبراهيم لما ابتلاه فوجده مجِدًّا في طاعته. فإن قلت: لم قال في حقه كذلك دون قوله (إنَّا) وقال في غيره إنا كذلك؟ فالجواب أنه تقدم في قصة إبراهيم نفسها (إنّا كذلك) ، فأغنى عن تكرار (إنا) هنا. ْ (مدْحَضِين) . أي مغلوب في القرعة والحجة. وسبب مقارعته أنه لما ركب السفينة وقفت ولم تَجْرِ، فقالوا: إنما وقفت من حادثٍ حدث، فنَقْتَرع لنرى على مَنْ تخرج القرعة فنطرحه، فاقترعوا، فخرجت القرْعة على يونس، فطرحوه في البحر، فأوحى الله إلى حوت من حيتانه: اذهب فالتقمه، ولئن خدشْتَ له لحماً، أو كسرت له عظماً لأعذّبنك عذاباً لم أعذبْه

стр. 889

أحداً من العالمين، فالتقَمته ومشَتْ به البحار كلَّها تفخر على أبناء جنسها، حتى نبذَتْه بالعراء وهو سقيم بعد أربعين يوماً. وروِيَ أن الحوت صام أربعين يوماً. وأنتَ يا محمدي، أكرمك الله بالقرآن، وفضّلك بالإيمان، ولا تمتنع عن الآثام، ولا تفخر على أبناء جنسك. ولما خسف اللهُ بقارون، واستغاثت الأرضُ، وقالت: اللهم كما أريتنا عدوّاً من أعدائك فأرِنا حبيبا من أحبابك لنتسلّى برؤية الحبيب. وكذلك بيت المقدس لما خَرَّبه بخْت نَصّر استغاث بالله، فأراه الله نبينا ﷺ ليلة الإسراء، وهذه هي الحكمة في إسْرائه من بيت المقدس. ولما أوحى اللَّهُ إلى البحر أنْ ينفلِقَ لفرعون حتى يدخلَ فيه استغاث، فدخل فيه موسى أمامَه. وكذلك النار لما علمت أنها دارُ أعدائه سألتْه أن يريها أحبّاءه، فأدْخل المؤمنين النار لتتسلَّى برؤية الأحبّاء عن رؤية الأعْداء، قال تعالى: (وإنْ منكم إلاّ وَاردهَا) . والمقصود بورودهم إجابة دعوة النار لا الإحراق. قال تعالى: (ثم نُنَجِّي الذين اتقَوْا ونَذَرُ الظالمين فيها جِثِيّا) . واعلم أنَّ الله تعالى ابتلى تسعة من الأنبياء فوجدوا تسعة أشياء: ابتلى آدمَ بوسوسة الشيطان فوجد التوبة، وإبراهيم بالنار فوجد الخلّة، وإسماعيل بالذبح فوجد الفداء، ويعقوب بالشدَّةِ والقَحْط فوجد الفرج، والملك، ويوسف بالسجن فوجد الصديقية، وأيوب بالبلاء فوجد الصبر، ويونس بالحوت فوجد النجاة، ونبينا محمدا ﷺ باليتْم فوجد العزّة، قال تعالى: (فكان قَابَ قَوْسَيْنِ أو أدنى) . وسليمان ابتلاه الله بزوال الملك فوجد الإنابة. وسبب زوال ملكه أنه نظر إليه فابتلاه اللهُ بإلقاء الجسد على كرسيه وإلى مَلَئِه وقوّته فابتلاه بآصف، وإلى سياسته فابتلاه بالهدهد، فقال: (أحطْت بما لم تحِطْ به)

стр. 890

وإلى جنوده فابتلاه بنملة قالت له تنظر إلى جنودك ولو عرضْت عليك جنودي سنةً لم يفرغوا (١) ، فإياك والنظر إلى غيره سبحانه، فتبتلى، لأنَّ من عادته سبحانه أنَّ من أحبّ شيئاً ابتلي بفراقه، فإن رجع إلى الله ردَّه اللَه عليه، كسليمان لما رجع إلى اللهِ ردَّ اللَّهُ عليه ملْكه. وموسى لما رجع إلى الله ردَّ الله عليه عصاه، فقال له: خذْها ولا تخَفْ. وَيعقوب قال: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) جمع الله شَمْلَه به، وإبراهيم لما رجع إلى الله في ذَبْح ولده فداه الله بِذبْح عظيم. وتأمَّلْ هذا اللطفَ منه سبحانه حيث لم يرِدْ مواجهة خليله بقَتْلِ ولده بالوحي، فأراه في المنام، وكذلك الحق سبحانه يقول: ما تردّدت في شيء كترددي في قَبْضِ روح المؤمن، هو يكره الموت وأنا أحبّ لقياه. (مُلِيم) ، من اللوم، وهو التعيير، وذلك أنه فعل ما يلام عليه في خروجه من قومه بغير إذن رَبِّه، فحبسه في بطن الحوت حتى طهره، وأخرجه بتسبيحة واحدة، وكذلك المؤمن يَحْبِسه في النار حتى يطهره من غير ألَمٍ يناله فيها لأن له عقدَ الوصلة، كأيوب حلف أن يضرب زوجته مائةَ سوط، فأمره اللَّهُ أن يأخذ بيده ضِغْثاً - وهو ملء كفٍّ من الحشيش كى لا تتأذّى امرأته بالضرب. فإن قلت: كيف يجمع بين هذا وبين قوله: (فلولا أنه كان مِنَ المسبِّحين) - فإنها تقتضي أنه لولا التسبيح لَلَبِث، فاللبث منْتَفٍ لوجود التسبيح، وهذه تقتضي لولا تداركه النعمة لنبذ، وهو مذموم، فهو يقتضي - انتفاء النبذ، وانتفاء النبذ هو اللّبْث، وهذه تقتضي ثبوت اللبث لا انتفاء اللبث، والأولى تقتضي انتفاء اللبث وكون اللبث مثبتا مَنْفِيّاً محال، أو يقال الأولى تقتضي ثبوت النبذ والثانية انتفاؤه؟ وأجاب بعض الفضلاء بأنّ لو الأولى في قوّة لولا التسبيح لثبت اللبث. والثانية في قوة لو انتفت النعمة لنبذ، ولما كان الواقع مِنْ مراد الله تعالى أنَّ

стр. 891

التسبيح ثابت كان انتفاؤه محالاً، والواقع أيضاً أن النعمة ثابتة فانتفاؤُها محال، ولما كان ملزوم الشرطين محالاً لا جرم ترتب عليه محال، ونظّروه بقوله تعالى: (ولَوْ أنْزَلْنَا مَلَكاً لقُضِي الأمْر) ، أي لاَستُؤصِلوا، (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) . وهذه تقتضي عدم الهلاك، وإن أنزل الملك، ولما كان جَعْل الملك على الوجه الذي طلبوه رسولاً محالاً لما سبق في عِلْمه لا جرمَ ترتَب عليه المحال، والحقّ الواضح الذي لا تكلف فيه أن الآية الثانية إنما نفت النبذ المقيَّد بكونه مذموماً، والنَّفْيُ المقيد لا يستلزم نفي المطلق، فلا يلزم نفي النبذ على وَجْه الإكرام، وبه ينبغي الجواب عن آيتي الأنعام، فإن الإهلاك الذي كنى عنه بقضاء الأمر إنما رُتّب على إنزال الملك على صورته لا على صورة الرجل، واللبس عليهم، والذي يستلزم بقاءَهم هو إنزاله على صفةِ الرجل، أو يقال نلبس عليهم الأمر، ثم نهلك. (مغْتَسل) ، وغسول: الماء الذي يغْتَسل به، والموضع الذي يغتسل فيه أيضاً. وروي أنَّ أيوب ضرب الأرضَ مرتين فنبع له عينان، فاغتسل من أحدهما، وشرب من الأخرى. (مقْتَحِمٌ) : أي داخل في زحَام وشدَة، وهذا من كلام خزَنَةِ النار، خاطبوا به رؤساة الكفار الذين دخَلوا النار أولاً، ثم دخل بعدهم أتباعهم، وهم الفَوْج المشار إليه. ْوقيل هو من كلام أهل النار بعضهم لبعض. والأولُ أظهر. (متَشَاكِسون) : أي متنازعون متظالمون. وقيل متشاحّون. وأصله من قولك: رجل شَكِس، إذا كان ضيّق الصدر. ومعنى ضرب هذا المثل بيان حال مَنْ يشرك بالله ومن يوحّده، فشبّه الشرك بمملوك بين جماعة من الشركاءَ يتنازعون فيه، والملوك بينهم في أسوأ حال، وشبَّه مَنْ يوحّد الله كمملوك لرجل واحد.

стр. 892

(مسْرِفين) : الضمير لقريش. فإن قلت: كيف قال: (إنْ كنْتم) ، على الشرط بحرف إن التي معناها الشكّ، ومعلوم أنهم كانوا مسرفين؟ والجواب أنَّ في ذلك إشارةً إلى توبيخهم على الإسراف وتجهيلهم في ارتكابه، فكأنه شيء لا يقع من عاقل، فلذلك وضع حرف التوقع في موضع الواقع. (مقْرِنين) ، أي مطيعين وغالبين، من قولك: فلان قِرْنُ فلان، إذا كان مِثْلَه في الشدة. (مقْتَدُون) : مُتّبعون، والمعنى أنهم ليس لهم حجةٌ، وإنما يقلّدون آباءهم. فإن قلت: ما الفرقُ بين الآية الأولى في قوله: (مهْتَدون) ، وفي هذه: (مُقْتدون) ؟ فالجواب أنه لما تقدم في الآية الأولى قولُ كفّار العرب السامعين القرآن من رسول الله ﷺ وادعاؤهم أن آباءهم كانوا مهتدين فنحن مهتدون، ولهذا قال: (قال أوَلَوْ جِئتُكم بأهْدَى مِمّا وَجَدْتُم عليه آباءَكم) الزخرف: ٢٤، يعني أَتَتَّبعون آباءكم، ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم، قالوا: إنا ثابتون على دين آبائنا لا ننفكّ عنه، وإن جئتنا بما هو أهدى. وخصَّ الآية بعدها بالاقتداء لأنها حكاية عمن كان قبلهم من الكفار، ادّعوا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء، فاقتضت كلّ آية ما ختمت به. (مُرْسَلِين) : من إرسال الرسل ﵈. وقيل: من إرسال الرحمة. والأول أظهر. (مًنْشَرِين) : معناه مُحْيين.

стр. 893

(مَقَامٍ أمِين) ، بضم الميم من الإقامة بالموضع، وبفتحها موضع قيام. والمراد به الجنة. (مرْتَقِبون) : منتظرون هلالكَ يا محمد، فارتقب أنْتَ نَصْرَنا، وفيه وعدٌ ووعيدٌ لهم. (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) : الحلق والتقصير مِنْ سنَّة الحجّ والعمرة، والحلق أفضل من التقصير للحديث. رحم الله المحلقين ثلاثاً والمقصرين. (مصيْطِرون) : أي أرباب غالبون. وقيل المصيطر المسلّط القاهر، ومنه: (لَسْتَ عليهم بمصَيْطِر) . (منْتَهى) : أي آخر. والمعنى أنَّ جميعَ العلوم تنتهي إلى الله، ثم يقف العلماء عند ذلك. أو إلى الله المصير. وفي الحديث "لا فكرة في الرب". (مؤْتَفِكة) : هي مدينة قوم لوط. ومعنى (أهْوَى) ، طرحها من علوّ إلى سفل، فجعلها تهوي. ومنه: (فأمّه هَاوِية) . (مسْتَمِرّ) : أي دائم. وقيل ذاهب يزول عن قريب. وقيل معناه شديد، وهو على هذا من المِرّة بمعنى القوة. (مسْتَقِرّ) ، أي كل شيء لا بد له من غاية، فالحقّ يحق والباطل يبطل. (مزْدَجَر) : اسم مصدر بمعنى ازدجار، أو اسم موضع بمعنى أنه مظنّة أنْ يزدجر، والمراد بها قصص القرآن وبراهينه ومواعظه. (منْهَمر) ، أي كثير، كان الله يقول مكر قَوْم نوح وأرادوا قَتْله وإخراج نوح من بينهم، ومكَرْنا نحن بخروجهم مِنْ وجه الأرض، ففتحنا

стр. 894

أبواب السماء بماءٍ منهمر، فقلنا: يا سماء أمطري، ويا أرض انشقّي، ويا طوفان أهلك، ويا كافر، اهلك بأهلك. (مدَّكر) : تحضيض على الادّكار، فيه ملاطفة جميلة من الله لعباده. ووزْن مدَّكر مفتعل، وأصله مدتكر، ثم أبدل من التاء دال، وادغم فيه الدال. فإن قلت: ما فائدة تكرير هذه الآية، وقوله: (فذوقوا عذابي ونذر) . فالجواب أنه كرره ليُنَبّه السامعَ عند كل قصة فيعتبر بها، إذ كلّ قصة من القصص عبرةٌ وموعظة، فختم كلَّ واحدة بما يوقِظُ السامع من الوعيد في قوله: (فكيف كان عذابي ونذر) . ومن الملاطفة في قوله: (ولقد يَسَّرْنَا القرآن للذكر فهل من مدَّكِر) . (مُنْقَعِر) ، أي منقطع، ويشبَّه اللَّهُ قَوْمَ عادٍ بذلك لما بَغَوْا وتمرَّدوا، وقالوا لهود: لا نلتفت إلى قولك، ولا نخاف من تهديدك، فإن كنت صادقاً فأنزل علينا عذابا. قال: (قد وقع عليكم من ربكم رِجْس وغَضَب) ، فمنع الله عنهم المطر ثلاثَ سنين حتى هلكت المواشي والدواب، فقال لهم هود: (استَغْفِروا رَبَّكم ثم توبوا إليه) . فقالوا: لا نَتوبُ، ولكن نرسل رجالاً إلى مكة َ للاستسقاء، لأنهم كانوا يعظّمونها، ويطلبون بها حوائجهم، فبعثوا منهم ستَّةً وآمن منهم رجلان، وقالا: إلهنا إنك تهلك قَوْمَ هود، ولسنا منهم، فاستجِبْ دعاءنا، واقْضِ حاجتنا، فسمعا صوتاً: سَلْ تعْط. فقال أحدهما: إلهي إني أسأل عمرَ سبْع نسور، فسمع صوتا: أعْطِيت ذلك، فبقي أربعةٌ من الكفار، وكان اسم واحد منهم قيدا، فقالوا له: ادع أنْتَ، فدعا، وقال: اللهم إني لم أجئ لمريض أداويه، ولا لأجْلِ أسيرٍ فأفْديه، اللهم فاسْقِ عاداً كما كنْتَ تسقيهم، فهاجت ثلاث سحائب حمراً وبيضاً وسوداً، فسمع صوتاً: اخْتَرْ أيّها شئت. فقال: قد اخترت السوداء، فسمع صوتاً يقول: قد اختَرْتَ رَعَّادا لايبْقَى مِنَ

стр. 895

الرَّعاد أحداً لا والدا ولا ولداً. فأمر الله تعالى ملك الريح أن يرسل من الصَّرْصَر مقدار حلقه. قال وَهْب بن منَبّه اليماني: تحت الأرض السفلى، كما يقال لها العقيم، تعصفُ يوم القيامة، فتقلع الجبالَ من أماكنها، وترفع الأرض وتزَحْزِحها، وتشقّ الأرض، قال تعالى: (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً) ، وسبعة آلاف موكّلون بهذا الريح، فأمر الله الملك الموكّل به أن يرسل جزءا من هذا الريح إلى قوم عاد، فقال: إلهي، كم أرسل، قال: مقدار منخر ثور. قال: إلهي كثير، فأمر الله أن يرسل مقدار حلقة خاتم، فقال: إلهي كثير، لا تدَع شيئاً في الأرض إلا أهلكته (١) . فأمر الله أن يرسل مقدار سَمِّ الخِيَاط، فلما جاءتهم السحاب قالوا: (هذا عارِض ممْطِرنا) . فقال لهم هود: (بل هوَ ما استَعْجلَتْم به رِيح فيها عذابٌ أليم) . فجاءتهم الريح، فخرج منهم سبعمائة، وصعدوا في الجبل، أخذ كلّ واحد منهم بيد صاحبه وذيله طامعين في النجاة، فلما اشتد الريح صاحوا وركضوا في الجبل، فساخ إلى ركبتهم، فلما حان العذاب أظلمت السماء، ورعدت، فنزلت ريح، فهدم جميع أبنيتهم ورفعها في الهواء، فجعلها مثل الدقيق المطحون، فصار رَمْلاً، وهذه الرمال التي على وجه الأرض من ذلك، ثم رفع قومَ هود إلى الهواء وضربهم على الأرض، فصاروا كأنهم أعجاز نَخْلٍ خاوية. وروي أن هوداً جمع المسلمين، وخَطّ حولهم خطًّا، فكانت الريح تأتي إلى ذلك الخط، وترجع كما قال تعالى: (تَنْزعُ الناسَ) . والإشارة بذلك إلى أنَّ الريحَ إذا هبت يوم القيامة على نار جهنم تصير النارُ تحت أقدام أمته خامدة، ويعطون صحائفهم، واحد بيمينه والآخر وراء ظهره. (محْتظِر) ، أي محترق متفتت، كأنه صاحب الغنم الذي يجمع الحشيش في الحظيرة لغنمه أو للسكنى، وشبَّه الله ثموداً لما هلكوا بما يتفتّت في الحظيرة من الأوراق وغيرها.

стр. 896

وأما المحْتَضَر في قوله: (كلُّ شِرْبِ محْتَضَر) فمعناه محضور مشهود، وذلك أن الله جعل للناقة يوماً ولقوم صالح يوماً يشربون فيه الماءَ فلا يتعدونه، فاحتاجوا في يوم ورودِ الناقة إلى الماء، وطلبوا ماءً فلم يجدوه، فقال قدَارُ: لا بدَّ مِنْ قَتل هذه الناقة. فقالوا جميعا: هذا صواب، فأخذ سيفاً، وخرج فاختفى في شِعْبِ جَبَل، وكان وقت رجوع الناقة من الماء، فلما دنت منه حمل عليها وقتلها، ثم قصد إلى ولدها فمد الولد إلى الجبل فانشقَّ بقدرة اللَه ودخل فيه. (مسْتَطَر) ، أىِ مكتوب، وهو من السطر، تقول سطرت واستطرت، وهو بمعنى واحد. (منْشتآت) : يعني السفن، وإنما سمّيت بذلك لأن الناس ينشئونها. وقرئ بكسر الشين بمعنى أنها تنشئ السير أو تنْشئ الموج. (مدْهَامَّتَان) : أي تضربان إلى السواد من شدة الخضرة. وضمير التثنية يعود على العينين الجاريتين. (متَّكِئين) ، من التوكؤ على شيء. (مخَلَّدون) ، الذين لا يموتون. وقيل الْمقْرطون بالخلدات وهي ضرب من الأقراط، والأول أظهر. (متَقَابِلين) ، أي وجوه بعضهم إلى بعض. (مغْرَمون) ، أي معذّبون، لأنَّ الغرام هو أشدّ العذاب. ومنه: (إنَّ عذابَها كان غَراماً) ، يعني لو جعل الله زَرْعكم حطاماً لقلتم ذلك. ويحتمل أن يكون من الغرم، أي مثْقَلون بما غرمناكم من النفقة. (مُزْن) : هي السحاب.

стр. 897

(مقْوِين) : قد قدّمنا أنهم الذين لا زاد لهم. والْمُقْوِي أيضا الكثير المال، لأنه من الأضداد. (مدْهِنون) : يعني متهاونون، وأصله من المداهنة، وهي لِينُ الجانبِ والموافقة بالظاهر لا بالباطن. وقال ابن عباس: معناه مكذبون، وهذا خطاب للكفار، ومنه قوله: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) . ْ (مقَرّبين) : المراد بهم السابقون المذكورون في أول سورة الواقعة في قوله: (والسابقون السابقون) . (مسْتَخْلَفين) : يعني في الإنفاق في سبيل الله وطاعته. رُوِي أنها نزلت في الإنفاق في غَزْوة تَبوك، وعلى هذا روي أن قوله: (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) . نزلت في عثمان بن عفان ﵁، فإنه جهَّز جيش العسْرة. ولفظ الآية مع ذلك عام، وحكمها باق لجميع الناس. وقوله: (مسْتَخْلَفين فيه) - يعني أنَّ الأموالَ التي بأيديكم إنما هي أموال الله، لأنه خلقها، ولكنه متَّعكم بها، وجعلكم خلفاء في التصرف فيها، فأنتم فيها بمنزلة الوكلاء، فلا تمنعوها من الإنفاق فيما أمركم مالكها أن تنفقوها فيه. ويحتمل أَنه جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم، فورثتم عنهم الأموال. فأنفقوها قبل أن تخلّفوها لمن بعدكم، كما خلّفها لكم مَنْ كان قبلكم. والمقصود على كل وجه التحريض على الإنفاق، والتزهيد في الدنيا. قال في قوت القلوب: وقد مثّل بعض الحكماء ابْنَ آدم بدود القزِّ، لا يزال ينسج على نفسه بجهله حتى لا يكون له مَخْلص، ويقتل نفسه، ويصير القزُّ لغيره، وربما قتلوه إذا فرغ من نسجه، لأن المقز يلتفّ عليه فيروم الخروج منه فيشمس، وربما غمز بالأيدي حتى يموت، لئلا يقطع القز، ويخرج القزّ

стр. 898

صحيحاً، فهذه صورة لمكسب الجاهل الذي يترك أهله وماله، فينعم ورثته بما يَشْقَى به، فإنْ أطاعوا به كان أجره لهم وحسابه عليه. وإنْ عصوا به كان شريكَهم في المعصية، لأنه أكسبهم إياها به، فلا يدري أي الحسرتين عليه أعظم: إذهابه عمره لغيره، أو نظره إلى ماله في ميزان غيره، وأشار إلى ذلك أبو الفتوح السّني: ألم تر أن المرءَ طول حياته ... معنًّى بأمْر لا يزال يعَالِجه كذلك دود القَزّ ينسج دائماً ... ويهلك غمّاً وسْط ما هو ناسجه وقال آخر: يُفْنِي الحريصُ بجمْعِ المال مدتَه ... وللحوادث ما يبقى وما يَدعُ كدودة القز ما تبنيه يهْلِكها ... وغيره بالذي تبنيه ينتفِعُ وبالجملة فإن اللَهَ أعطاكَ أربعة أشياء: أولها اللسان، وكلّفك منه الذِّكْر له. والقولَ الحسن لخَلْقه، قال تعالى: (اذكروا الله) . (وقولوا للناسِ حُسْناً) . والقلب وكلفك منه محبةَ اللَهِ ومحبة المؤمنين، قال تعالى: (والذين آمَنوا أشَدّ حبّاً للَهِ) ، أي من الصنم. وقال تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا) . فإن قلت: من أين يُعرف أن المؤمن يحبّ الله أكثر من الكافر، والكافر يقتل نَفْسه لمعبوده، والمؤمن لا يفعل ذلك؟ فالجواب أنَّ الكافر إذا أصابته شدّةٌ تبرّأ من معبوده، قال تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) . وقال: (أغَيْرَ اللهِ تَدْعون) . والمؤمن لا يعرض عن الله بالشدائد والمحن، قال تعالى: (ولنَبْلوَنكم) . والكافر يتبرّا من معبوده يوم القيامة، قال تعالى: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ) . (وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) . والمؤمن لا يتبرأ من معبوده. ومحبة الكافر بعد الرؤية، ومحبة المؤمن قبل الرؤية. ومحبة الكافر من جانب واحد

стр. 899

وهو من نفسه ليس لمعبوده منه محبّة، ومحبة المؤمنين من الجانبين، لقوله: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) . والكافر أظهر المحبةَ لمعبوده بقربان نفسه، والمؤمن كتم في نفسه، بل نهاه معبوده عن قَتْلها، قال تعالى: (ولا تَقْتلوا أنْفُسكم إنَّ اللهَ كان بِكُمْ رَحيما) . وكيف يقتل نفسه وهي ماله، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) . وأيضاً لو قتل المؤمن نفسه لأجل معبوده - لأن له عنده خطراً عظيما - قال بعض العارفين رفع الله القسمة بينه وبين العارفين، فكان للعارف اثنان: المعرفة والشهادة، ذكرهما لنفسه في قوله تعالى: (شَهد الله) ... الآية. وقوله: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) ، ولله اثنان العزة والطاعة، قال تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) . وقوله: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) . فإن قلت: ما علامة حقيقة المحبة؟ فالجواب ما قاله بعض: ألاَّ ينظر إلى ما دونه، كما قال الأصمعي: كنْتُ مارّاً في البادية، فاستقبلتني جارية كأنها علَم أو فلْقَة قَمَر، فنظرت إليها فقالت: لِمَ نَظَرْتَ إليّ، قلت: كلِّي بكلِّك مشغول فقالت: إنْ كان كما قلْت فكلِّي لكُلِّك مبذول، ولكن وراءك أحسن مني، فنظرت إلى خَلْفِي فلطمتني لطمة كادت تذْهب بصري، فقلت: ما هذا، قالت: ظننتُ أنك عارف، فلما نظرتَ إليّ رأيتك عاشقاً، والآن لست بعارف ولا عاشق، ثم ولَّتْ عني وهي تقول: حبّك في القفار شدَّدني ... ثمرات من الحبّ أوّاه خَوْف القطيعة أزعجني ... فآهٍ من الخوف ثم آه وفي بعض الكتب: كذب من ادَّعى محبَّتي ثم يجد لذة الطعام والشراب. كذب من ادعى محبَّتي فإذا جنَّ الليل نام عني. كذب من ادَّعى محبتي ثم خطر بباله غيري. وأعطاك اللَّهُ المال، وطلب منك القَرْض والصدقة، وطلب من نفسك العبادة والمعونة لخلقه، قال تعالى: (وتَعَاوَنوا على البِرِّ والتقوى) . (الْمصَّدّقين والْمصَّدِّقات) : بتشديد الصاد، من الصدقة،

стр. 900

وأصله التصدقين، وكذلك قرأ أبيّ بن كعب. وقرئ بالتخفيف من التصديق، أي صدَّقوا الرسول ﵊. (مهْتَد) : من الاهتداء الذي هو ضد الضلال. (متكَبِّر) : من أسماء الله، وهو الذي له التكبُّر حقاً. والمتكبر ضد المتواضع، فلا ينبغي الاتصاف بأوصاف الله، ولذلك يقول الله تعالى: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني في واحدة منهما أدخلْتُه النار". (مُهَاجِرَاتٍ) : كل مَنْ هاجر من النساء إلى النبي ﷺ . أمره الله بعدم ردّ مَنْ هاجر من المؤمنات منهن، وكانت المرأة التي هاجرت حينئذ أميمة بنت بشر، امرأة حسان بن الدحداحة. وقيل سُبيعة الأسْلمية، ولما خرجت جاء زوجها، فقال: يا محمد، رُدّها علينا، فإن ذلك في الشرط لنا عليك، فنزلت الآية. فامتحنها رسول الله ﷺ فلم يردها، وأعطى مَهْرَها لزوجها. وقيل: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط، هربت من زوجها إلى المسلمين. واختلف في الرجال: هل حكمهم في ذلك كالنساء فلا تجوز المهادنة على رد مَنْ أسلم منهم أو تجوز حتى الآن، على قولين. والأظهر الجواز، لأنه إنما نسخ ذلك في النساء. (مُزَّمِّل) : وزنه متفعل، فأصله متزمل ثم سكنت التاء وأدغمت في الزاي. وقد قدمنا أنه من أسمائه ﵇، ناداه الله به. قال السهيلي: وفي ندائه به فائدتان: أحدهما الملاطفة، فإنَ العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب نادوه باسم مشتقّ من حالته التي هو عليها، كقول النبي ﷺ لعليّ: قُم أبا تراب.

стр. 901

والثانية التنبيه لكل متزمل راقد بالليل ليتنبَّه إلى ذِكْر الله، لأن الاسم المشتق من الفعل يشتركُ فيه المخاطب وكل من اتصف بتلك الصفة. وفي معنى تسميته ﷺ بهذا الاسم ثلاثةُ أقوال: أحدها: أنه كان في وقت نزول الآية متزمّلاً في كساء أو لحاف، والمتزمُّل: الالتفاف في الثياب بِضَمّ وتشمير، هذا قول عائشة والجمهور. الثاني: أنه كان قد تزمَّل في ثيابه للصلاة. الثالث: أنه المتزمل للنبوءة، أي المتشمر المجد في أمرها. والأول هو الصحيح، لما ورد أنه لما جاءه الملك وهو في غارِ حِرَاء في ابتداء الوحي ورجع إلى خديجة ترعد فرائصه، فقال زَملُوني زَملُوني، فنزلت: يا أيها المدثر. وعلى هذا نزلت: (يا أيها المزمل) ، فالمتزمُّل على هذا تزمُّله من أجل الرعب الذي أصابه أول ما جاءه جبريل. وقال الزمخشري: كان نائماً بالليل متزملاً في قطيفة، فنودي (يا أيها المزمل) ليهجر إليه الحالة التي كان عليها من التزمّل في القطيفة، لأنه سبب للنوم الثقيل المانع من قيام الليل. وهذا القول بعيد غَيْرُ سديد. (مُنْفَطِر به) : أي ممتلئة به بلسان الحبشة، قاله ابن عباس. والانفطار في اللغة الانشقاق. والضمير المجرور يعود على اليوم الذي تنفطر السماء بشدة هَوْله. ويحتمل أن يعود على الله، أي تنفطر بأمره وقُدْرته. والأول أظهر. فإن قلت: ما فائدة مجيء منفطر بالتذكير والسماء مؤنثة؟ فالجواب تأنيثها غير حقيقي، أو على الإضافة، تقديره ذات انفطار، أو لأنه أراد السقف. (مدَّثر) : من أسمائه ﵊، وتسميته بذلك كتسميته بالمزَّمِّل، ومعناه الذي تدثَّر في كساء أو رداء.

стр. 902

قال السّهَيلي: في ندائه بالمدثر ما في ندائه بالمزمل. وثالثة وهي أن العرب يقولون: النذير العريان للنذير الذي يكون في غاية الجدّ والتشمير، والمتدثر بالثياب ضدّ هذا، فكأنه تنبيه على ما يجب من التشمير. وقيل: إن هذه أول سورة نزلت من القرآن. والصحيح: (اقرَأ باسْمِ رَبِّك) . (مسْتَنْفرَة) : بفتح الفاء: التي استنفرها الفزع، وبالكسر ، بمعنى النافرة. وشبه الكفار بالحمر النافرة في جهلهم ونفورهم عن الإسلام. ويعني حمير الوحش. (منَشَّرة) ، أي منشرة غير مطويّة، كما كتبت لم تطْو بعد. وذلك أنهم قالوا لرسول الله ﷺ : لن نَتَّبِعك حتى تأتي كل واحد منّا بكتاب من السماء فيه: مِنْ رَبّ العالمين إلى فلان بن فلان - تأمر باتّباعك. (ملْكا كَبِيرا) : يعني كثرة ما أعطاهم اللَّهُ حتى أن أدنى أهلِ الجنة منزلة مَنْ له مثل الدنيا وعشرة أمثاله معه حسبما ورد في الحديث. وقيل: إن الملائكة تسلّم عليهم، وتستأذن عليهم، فهم بذلك كالملوك. (منْذِر مَنْ يَخْشَاها) ، أي إنما بعِثْتَ يا محمد لتنْذِر بها. وليس عليك الإخبار بوقتها، وخصّ الإنذار بمن يخشاها لأنه هو الذي ينفعه الإنذار. (مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) : أي مضيئة من السرور، وهو من قولك: أسفر الصبح إذا أضاء. (مطفِّفين) : التطفيف في اللغة هو البَخْس والنَّقْص، فسره بذلك الزمخشري، واختاره ابن عطية. وقيل: هو تجاوز الحدّ في زيادة أو نقصان. واختاره ابن الغرس، وهو أظهر، لأن المراد به بخْس حقوق الناس في المكيال والميزان بأن يزيد الإنسان على حقه، أو ينقص من حق غيره.

стр. 903

وسبب نزول السورة أنه كان بالمدينة رجل يقال لهْ أبو جُهينة له مكيالان. يأخذ بالأوْفَى، ويعْطي بالأنقص، فالسورةُ على هذا مدنية. وقيل: إنها مكية، لذكر أساطير الأولين. وقيل نزل بعضها بمكة وأنزل أمْرُ التطفيف بالمدينة، إذ كانوا أشد الناس فساداً في هذا المعنى فأصلحهم الله. (مؤْصَدة) : مغلقة مطبقة، يقال: أوصدت الباب إذا أغلقته. وفيه لغتان الهمز وترك الهمز. (ممَدَّدة) : العَمَد: جمع عمود، وهو عند سيبويه اسم جمع وقرئ بضمتين، والعمود هو المستطيل من حديد أو خشب، والممددة: الطويلة. وفي المعنى قولان: أحدهما: أنَّ أبواب جهنم أغلقت عليهم ثم مدّت على أبوابها عمد تشديدا في الإغلاق والثقاف، كما تثقف أبواب البيوت بالعمد، وهو على هذا متعلق بـ موصدة. والآخر: أنهم موثقون مغللون في العمد، فالمجرور على هذا في موضع خبر مبتدأ مضمر، تقديره هم موثقون في عُمُدٍ. (منْفَكّين) : زائلين. والمعنى أن جميع الكفار لم يكونوا منفكّين حتى تأتيهم البينة، وتقوم عليهم الحجة ببعث رسول الله ﷺ . ومعنى منفكين منفصلين. ثم اختلف في هذا الانفصال على أربعة أقوال: أحدها: أنَّ المعنى لم يكونوا منفصلين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة، لتقوم عليهم الحجة. الثاني: لم يكونوا منفصلين عن معرفة نبوءة نبيّنا ومولانا محمد ﷺ حتى بعثه الله. الثالث: اختاره ابن عطية، وهو: لم يكونوا منفصلين عن نظر الله وقُدْرته حتى يبعث الله إليهم رسولاً يقيم عليهم الحجة.

стр. 904

الرابع: وهو الأظهر عندي: أن المعنى لم يكونوا لينفصلوا عن الدنيا حتى بعث الله لهم محمداً، فقامت عليهم الحجّة، لأنهم لو انفصلت الدنيا دونَ بَعْثه لقالوا: ربنا لو أبى سلت إلينا رسولا، فلما بعثه الله لم يبق لهم عُذْر ولا حجة، فمعنى مُنْفكين على هذا كقولك لا تبرح ولا تزول حتى يكون كذا وكذا. (ميثاق) : قد قدمنا أنه العهد حيثما وقع والوثق، مفعال من الوثيقة. (من بعده) : الضمير لموسى، أي من بعد غيبته في مناجاته على الطور. (ملّةَ أبِيكم إبراهيم) : انتصب ملّة بفعل مضمر تقديره: أعني بالدين ملَّة إبراهيم، أو التزموا ملَّة إبراهيم. وقال الفراء: انتصب على تقدير حذف الكاف، كأنه قال كملَّة. وقال الزمخشري: انتصب بمضمون ما تقدم، كأنه قال: وسّع عليكم توسعة ملَّةِ أبيكم إبراهيم، ثم حذف المضاف. فإن قلت: لم يكن إبراهيم أباً للمسلمين كلهم. فالجواب أنه أبو رسول الله ﷺ ، وكان أبأ لأمته، لأن أمة الرسول في حكم أولاده. وأيضاً فإن قريشاً وأكثر العرب من ذرية إبراهيم، وهم أكثَرُ الأمة. فاعتبرهم دون غيرهم. وقد قدمنا في هذا الحرف أنَّ الله نسب هذه الأمةَ لإبراهيم، لأنه ﷺ يشفع فيهم، والوالد يستحيي من زلّة ولده، ولم ينسبهم - لآدم، لأنه عاملهم بما لم يُعامل به آدم عند ذنوبهم. ألا تراهم يرتكبون كلَّ ساعةْ المخالفة، وهو يسترهم ويرزقهم ويعافيهم، وإن نادَوْه لَبَّاهُمْ، وإن استغفروه غفرِ لهم، وأعظَم من ذلك أنه نسبهم إلى الوفاء في قوله تعالى: (وإبراهيمَ الّذي وَفَّى) . (إنَّ إبراهيمَ لَحليمٌ أوّاهٌ مُنِيب) . وكما أحْيا اللهُ علي يديه الطيور، وأظفره بعدوّه النمرود، ولم تصل النار إلى جسده، بل أحرق قيوده

стр. 905

كذلك يحي الله قلوب هذه الأمة المحمدية إذا ندموا على المخالفة، ويظفرهم بعدوهم إبليس في القيامة ويبرد عليهم النار، فلا يذوقون فيها الماء، كما صح أنهم يموتون فيها إماتة ... الحديث بطوله في صحيح مسلم. فهنيئاً لكم يا أمة محمد على ما خوَّلكم له من النعم لحرمة نبيكم، اللهم اجعلنا من أمته، واحْشرْنا في زمْرَتِه لا مبدِّلين ولا مغَيِّرين. (مِسْكين) : مفعيل من السكون، وهو الذي سكنه الفقر. أي قلل حركته، وهو أحوَج من الفقير. وقال الأصمعي: بل المسكين أحسن حالاً من الفقير، لأن الله يقول: (أمَّا السفينة فكانت لِمَساكِين) ، فأخبر أنَّ المسكين له سفينةٌ من سفن البحر، وهي تساوى قيمةً كبيرة. والصحيح الأول، لأن الله قال في أصحاب السفينة: مَساكين، على وجه الإشفاق عليهم، لكونهم يغصبون فيها، أو لكونهم في لجج البحر، ولا سيما على قراءة مَسَّاكين - بتشديد السين، أي يمسكون السفينة. (مِحْرَاب) : قد قدمنا أنه مقدم المجلس وأشرفه، والمحراب أيضاً: الغرفة، وجمعه محاريب. وأما قوله: (كلما دخلَ عليها زكريا المحرابَ) فالمراد به موضع عبادتها. (مِثْقَال ذَرَّة) : أي وزنها، وهي النملة الصغيرة، وذلك تمثيل بالقليل تنبيه على الكثير. (مِنْهَاجاً) : أي ديناً، وفي هذا دليل على أن الله أمر بالدين القيم لجميع العالم. وأما الأحكام والفروع فقد قدمنا أن ذلك مختلف. (مِدْراراً) : بناء تكثير من الدر. يقال دَرّ المطر واللبن وغيره. وفي الآية دليلٌ على أنَّ التوبةَ والاستغفار سببٌ لنزول المطر.

стр. 906

(مِنْ قَبْلُ كانوا يَعْمَلُون السَّيِّئَاتِ) : أي من قبل إتيان الرسل كانت عادةُ قوم لوط إتيان الفواحش في الرجال. (مِنْ وراءَ إسحاقَ يَعْقوب) : أي من بعده، وهو ولده. وقيل الوراء ولد الولد. ويعقوب بالرفع وبالفتح معطوف على إسحاق. (مِن الزَّاهدين) : أي في قيمة يوسف، لأنهم علموا أنه حر، أو بقيمته. وقيل: إن يوسف نظر إلى أسفل الجبّ، فرأى صورة وجهه في الماء فاستحسنه، فخطر بباله: لو كنْتُ مملوكاً لكنت عزيزا، وعزّ لي ثمني. فبعث الله إليه السيارة، وسلّط عليه إخوته حتى باعوه بثمن بَخْس، وأراه أنَّ قيمته بجمال الباطن لا بجمال الظاهر (١) . فلما وصل أسفل الجب، وجاءته السيّارة واشتروه لأن إخوته دبَّروا قتله، ولم يقدروا، وأرادوا بُعْده، واللَه غالب على أمره، فصيَّره ملكاً. وأنْتَ يا محمدي دبَّر لك إبليس القطع والهجران، والله يدبِّر لك العفو والغفران، ويصيّرك ملكاً كريماً. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: يا رب، الأمم الماضية خسفْتَ بهم، وأمطَرْت عليهم الحجارة، ومسختهم قِرَدة وخنازير، فماذا تصنع بأمتي، فقال: يا محمد، أصبُّ على أمتك الرحمة من أعنان السماء، وأبدل سيئاتهم حسنات، ولو أني أحب العتاب ما حاسبْتُ أمَّتك. فلما أراد الانصراف من عنده قال: إلهي، لكل راجع من سفرة تُحفة، فما تحْفة أمتي، قال: رحمتي لهم ما عاشوا، وبُشْراي لهم إذا ماتوا، وفُسحتي لهم إذا قبروا، وكرامتي لهم إذا بعثوا، وحُبِّي لهم إذا حضروا، ورؤيتي لهم إذا زاروا. وفي الحديث: إن الشيطان ينادي يوم القيامة أين أحبَّائي وأهل طاعتي من أمَّة محد، فينادي الجبار ﷻ : كذبت يا لعِين، أنت للنار وهم للجبَّار. (مِنْ أهلها) .: الضمير لامرأة العزيز، يعني أن الصبي الذي

стр. 907

شهد ليوسف كان من أهلها، لأنه أوثق للحجة وأحسن في براءة يوسف. وهذا الصبي هو أحد الأربعة الذين تكلّموا في المهد، وبَرَّؤْوا أصحابَهم مما رموهم به. افَتَرى الله شهد لكَ بالإيمان وخاطبك به في القرآن، أفتراه يضيّعك بعد شهادته لك. فإن قلت: هل سمعتْ زليخا هذه الشهادة من الصبي؟ فالجواب أنها لم تسمعه لاستيلاء الشهوة عليها، فأصمَّ سمعها وبصرها. ولذلك قال ﷺ : حبّك الشيء يُعمي ويُصم. (مِنَ المحْسنين) : هذا من قول الفتيان ليوسف، يعني إنَّا رأيناك من المحسنين إلى أهل السجن في عيادة مرضاهم، وتعبير رؤياهم، وقضاء حوائجهم، فالإحسان أورث يوسف محبةَ أهل السجن فيه. وأنتَ يا محمدي أولى بمحبة الله لكَ ورحمته، ونصرته ونفي الخوف عنه إن كنت محسناً، قال تعالى: (ما عَلَى المحسِنين مِنْ سَبِيل) . (إنَّ اللهَ مع الذين اتقَوْا) . (مِنْ بعْدِ ما رَأوا الآياتِ) : أي الدالة على براءته. والضمير يعود على الملك وزليخا، وإنما عرضت به للسجن والعذاب، لأنه أيسر الأشياء، وكانت ترجوه إنْ بَقِي. فكذلك عرض مولانا لنا أيسر الأمرين الفضل والعدل، فإن عاملناه بالعقل والعدل عاملنا بالفضل، لأن له في الأمور التي يبديها ويخرجها أمرين، ألا ترى إلى قصة يوسف ﵇ كيف مضى عليه حينٌ من الدهر، وهو مشتغل ببلواه، وغيره مشتغل به وبهواه، حتى إن أباه بكى على فراقه وإخوته بكوا حسداً له، وبكى يوسف على ما ابْتلي به في صغر سنه وغربته، وبكت امرأة العزيز على محبته، فلما كشف الله الغطاء، وأظهر بدائع لطفه تغيَّرت الأحوال فصار بكاء يعقوب وحزنه على خواتم الأمور فرحاً، فحكى الله عنه قوله: (يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ) .

стр. 908

وأما الإخوة فإنهم رجعوا إلى الاستغفار، وقالوا: (يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كُنَّا خاطئين) . وأما يوسف ﵇ فقال: (توفَّني مسلما وألْحِقني بالصالحين) . وأما زليخا فإنها قالت: (الآن حَصْحَصَ الحقُّ) . فكيف تحزن يا محمدي على فَوْتِ الدنيا، وأنت ترى أحوالها وزوَالها واضمحلالها، وتدّعي أنك تَطْلُبُ الحقّ، هيهات!. (من السِّجْن) : إنما لم يقل من الجب، لوجهين: أحدهما في ذكر الجب خزي إخوته وتعريفهم بما فعلوا، فترك ذِكْرَه توقيرًا لهم. والآخر أنه خرج من الجبِّ إلى الرقّ، ومن السجن إلى الملك، فالنعمة به أكثر. هذا يوسف لم يرد تعيير إخوته، والمؤمن الذي أطاع مولاه أفتراه يذكره بذنوبه؟! ، كلاّ والله لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه. وقد قدمنا أن الكرامات التي كانت للنبي ﵇ كانت لأمَّته. (من البَدْوِ) : أي من البادية، وكانوا أصحاب إبل وغنم، فعدّ في النعم مجيئهم إلى الحاضرة، فيفهم من مقارنة خروجه من السجن ومجيئهم من البادية شؤمها، ولذا قال ﷺ : مَنْ بَدَا جَفَا، وذلك لتركهم الجمعة، وقلّة الإقامة بالدين، هذا في زمان أهل الخير والدين، وأما في هذا الزمان فالبادية أكثر إخلاصاً مع الله لقلّة حبهم في الدنيا، والتصنّع لأهلها، وليس الخبر كالعيان، والمشاهد لا يحتاج لبرهان. (مِنَ الملْك) : من للتبعيض، لأنه لم يعطه الله إلا بعض ملك مصر. (مِنْ أنْبَاءِ الغَيْب) : احتجاج على صحة نبوءة نبينا ومولانا محمد ﷺ لإخباره بالغيوب.

стр. 909

(مِحَال) : مشتق من الحيلة، فالميم زائدة، ووزنُه مفعل. وقيل معناه شديد المكر، مِنْ قولك محل بالرجل إذا مكر به، فالميم على هذا أصلية، ووزنه فعال. ويقال الحال من قولهم محل فلان بفلان إذا سعى به إلى السلطان، وعرَّضه للهلاك. (مِنْ كُلّ شَيء مَوْزُون) : أي مقدَّر بقَصْدٍ وإرادة، فالوزن على هذا مستعار. وقيل المراد ما يوزن حقيقة، كالأطعمة والذهب. والأول أحسن وأعمُّ. (المعلوم) : اليوم الذي طلب إبليس أن يُنْظَر إليه هو يوم القيامة، والوقت المعلوم الذي أنظر إليه هو يوم النّفخ في الصور النفخة الأولى حين يموت مَنْ في السماوات ومَنْ في الأرض. وكان سؤال إبليس الإنظار إلى يوم القيامة جهلا منه أو مغالطة، إذ سأل ما لا سبيل إليه، لأنه لو أعطي ما سأل لم يمت أبداً لأنه لا يموت أحد بعد البعث، فلما سأل ما لا سبيل إليه أعرض الله عنه وأعطاه الإنظار إلى النفخة الأولى. (مِنْ بَعْدِها لغَفورٌ رَحيم) ، أي بعد الأفعال المذكورة، وهي الهجرة والجهاد والصبر. (مِنْ دُوني وَكِيلاً) : أي ربّاً تَكلُون إليه أمركم. (مِنْ لَدني عذْرا) : أي قد عذرت إلى معتذر عندي. وفي الحديث: كانت الأولى من موسى نسيانا. (مِنْ كلِّ شيء سبَباً) : أي فهما وعلماً يُتَوصل بهما إلى معرفة الأشياء. والسبب: ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو غير ذلك. (مِتُّ قَبْل هَذا) : إنما تمنَّتْ مريم الموتَ خوفاً من إنكار قومها، وظنهم بها الشرَّ، ووقوعهم في ذَمِّها. وتمني الموت جائز في مثل هذا.

стр. 910

وليس هذا من تمني الموت لضرر نزل بالبدن، فإنه منهي عنه للحديث: "لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي". وحكي أنه لما اشتد بها الموت قالت هذا. فإن قلت: ها هي آمنة أمّ مولانا محمد ﷺ لم تَجِدْ ألماً حين ولادته، ومريم وجدت الألم؟ والجواب أن الله أجرى العادة في هذه الدار أنه على قدر الفرح يكون التَّرَح، ومريم قَرَّ اللهُ عينها بعيسى، وشاهدت معجزاته، وظهور أمره، فاشتدَّ عليها الأمْرُ، وأمُّ سيد الأولين والآخرين لم يكن لها منه حظّ، ولم تشاهده، فرفع الله عنها الألم. وقيل العطاء مقسوم على قَدْر البلاء. ألا ترى إلى نوح لما يئس من إيمان قومه ولم يفرح بهم وآذَوْه استجاب اللهُ له فيهم، ونبيُّنا علم إيمان أمّته، واتِّباع شريعته، فاحتمل أذاهم، ولم يدع على قومه، فقال: اللهم اغْفِرْ لقَوْمي فإنهم لا يعلمون. فإن قلت: قد دعا عليهم بقوله: اللهم أعنِّي عليهم بسَبْع كسبع يوسف. وقال لما صب عليه سَلَى الجَزور: اللهم عليك بقريْش؟ والجواب أنه دعا عليهم، لأنه غَضِب لله، إذ عادته ﷺ الصفح ما لم تهتك حُرْمته، فيغضب للهِ، وكان حينئذ في الصلاة فدعا عليهم لذلك. وأيضأ فإنه علم ﷺ عدم إيمان المدعوّ عليه، كما صح. وأما دعاؤه بالاستعانة عليهم بالجدب فللطمع في إيمانهم، كقوم يونس. فتأمل يا محمديّ عنايةَ الله فيك في أزله، فلا تجزع من البلايا والرزايا، فإنما هي تطهيرات. ومقاساة البلية مقسومة على حسب الكرامة، فكما أعد لك من النعيم المقيم ما لا عين رأتْ ابتلاك على حسب ما أعدّ لك. يقول تعالى: "عبدي رفعت البلاء عن الملائكة فهم مخفَّفون من الهموم، ولا لهم همّ الرزق، ولا شدة الجوع، ولا ألم المرض، ولا خوف العواقب، لأن الجنةَ غير معدودة لهم. وقد قدرت البلايا والمِحَن والشدائد والهموم، وخوف زوال الإيمان عليك،

стр. 911

لأن الجنة معدودة لك، والرؤية موعودة لأجلك، ومقاساة البلية مقسومة على حسب القطيعة. (مِنْ غَيْرِ سوءٍ) : يعني من غير بَرَص ولا عاهة، وذلك لحكم: منها أنه لما أتعب يده حين لطم فرعون في حال صباه أكرم الله يده بأن جعلها بيضاء. وكذلك الخليل أتعب يده بكَسْرِ الأصنام فأكرمه الله بإحياء الطيور على يديه. وكذلك النبي ﷺ أتعب يده بِرَمْي التراب في وجوه الكفار فأكرمه الله بانشقاق القمر بإشارته، ونبع الماء من بين أصابعه. فالمؤمن الذي يكرم يده بمدها في الطاعة أفتراه لا يكرمها الله بأخْذ كتابه وتزيينه بأساور من فضة. وإذا أتعب رجله بالمشي إلى الجماعة يكرمه بخمود النار تحت قدميه، فتقول له: جُزْ يا مؤمن، قد أطفأ نورك لهبي. وكذلك إذا أتعب قلبه في ردّ وساوس الشيطان يكرمه الله تعالى بنور معرفته ومحبّته. ولما أكرم تعالى يد موسى بنور النبوة لم تحترق، ولو احترقت لم تكن معجزة. وكذلك إسماعيل لما كان نور المصطفى في وجهه ﷺ لم يعمل فيه السكين، وأكرمه الله بنور الحبيب الكريم، وفداه بالذبح العظيم، وحرم عليه العذاب الأليم. وكذلك العبد إذ أكرمه الله بنور المعرفة والإيمان نَجّاه من النيران وحرم عليه القَطْع والهجران. ولما كانت يده حجة على فرعون حفظها الله من النار كي لا تبطل حجّته. كذلك المعرفة حجَّتك على الكافرين، فسَلْه أن يحفظ حجتك من الزوال. ومنها أنَّ الله تعالى أراه مِنَّته وهيبته فحفظ يده من النار كي يرى منته. وأحرق لسانه بالجمرة كي يرى هَيْبته، كذلك قصة امرأة عمران قالت:

стр. 912

(رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) ، فولدت أنثى كي لا تصلح لتمام الخدمة التي أضمرت في نفسها، لترى هيبته بذلك، فتقبّلها ربها بنقصانها لترى منته. كذلك قصة الخليل لما قُيّد ورُمي في النار احترق قَيْدُه ولم تحترق يده، ليرى هيبته ثم يرى منَّته، كذلك العبد يوقعه اللهُ في المعصية ثم يحفظ قَلْبَه من الشرك والنكرة لينظر العبد إلى المعصية، فيرى هيبته، ثم ينظر الى معرفته فيرى مِنّته. ويبقى مع مولاه في رؤية المنة ورؤية الهيبة. ومنها أنه أخذ الجمرة بإلهام الله وإذن الملك، ووضعها في فمه باختيار نفسه دونَ أمْرِ ربه، فاحترق لسانه، وكذلك العبد يعصي بنفسه، واختيار هواه، ثم يخاف رَبّه ويندم بقلبه فتذوب نفسُه، فيأمر ربّه بإدخاله النار، ويحفظ قلبه من ألم الهجران. (مِسَاسَ) : هذا من كلام موسى للسامري، عاقبه بأن منع الناس من مخالطته ومجالسته ومواكلته ومكالمته، وجعل له مع ذلك أن يقولَ طول حياته: لا مِسَاس، أي لا مماس ولا إذاية. وروي أنه كان إذا مسّه أحد أصابته الحمّى له وللذي مسه، فصار هو يَبْعُد عن الناس، وصار الناس يبعدون عنه، وهذه كانت عقوبته. والصحيح أنه تاب فقَبِلَ اللهُ توبته (١) . وروي أن موسى همَّ بالدعاء عليه، فنهاه الله عن ذلك، فقال: لم يا رب؟ فقال: لسخائه (٢) . (مِشْكاة) : كوَّة غير نافذة بلغة الحبشة، قاله مجاهد، وإنما وصفها بذلك لأن المصباح فيها شديد الإضاءة. وقيل: المشكاة الذي يكون المصباح على رأسه. والأول أصح وأشهر. (مِسْك) : ذكر الثعالبي أنه فارسي، وهو دَمٌ مجتمع في عنق الظبي الذي تبع آدم يبكي عليه، فأكرمه الله بالمسك.

стр. 913

وأنت يا عبد الله إن تتبعتَ أمره يكرمك بالجنة التي فيها أنواع اللذات والطيبات من الروائح، وتشرب من مائه، ختامه مسك. (مِصباح) : هو الفتيل بناره. والمعنى أنه قنديل من زجاج، لأن الضوء فيه أزهر، لأنه جسم شفاف. والمعنى أن صفة نور الله في وضوحه كصفة مشكاة فيها مصباح على أعظم ما يتصوّره البشر من الإضاءة، وإنما شبهه بالمشكاة، وإن كان نور الله أعظم، لأن ذلك غاية ما يدركه الناس من الأنوار. (مِنْسَأته) ، أي عصاته بلغة الحبشة، وقرئت بالهمز وبغير همز. وقصَّتُها أنَّ سليمان ﵇ دخل قبةً من قوارير، وقام يصلّي متكئاً على عصاه، فقبض الله رُوحه، وهو متكئ عليها، فبقي كذلك سنَةً لم يعلم أحَدٌ بموته حتى سلّط الله عليها دابّة الأرض وهي السوسة. واختصرنا كثيراً مما نقله الناس لعدم صحته. وحِكمَةُ ذلك أن الجن كانت - تدَّعي عِلْمَ الغيب، فتخبر الناس، فرد الله ذلك القول بقوله تعالى: (تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) . فعِلْمُ الغيب لا يطَّلِع عليه إلا الله، ومَنْ يُرد اللهُ أن يعلمه من نبي أو صديق. ورضي الله عن السيد الذي دخل على بعض الملوك فوجده مهموما، فقال: مالك، فقال: رأيتُ ملك الموت، فاختبرته عما بقي من أجلي، فأشار لي بأصابعه الخمس، فلا أدري أخمس ساعات أو أيام أو جمعات أو أشهر أو سنين، فقال له: أشار لك إلى أنَّ الخمس التي انفرد الله بعلمها في قوله تعالى: (إنَّ اللهَ عنده عِلْمُ الساعة ... ) الآية. فإذا كان ملك الموت الموكل بقبض الأرواح لا يعلم أجَلَ شخص حتى يُؤْمر بقبض روحه فكيف يطّلع الغير على الغيوب؟!

стр. 914

ولهذا أبطل العل ما ء ما يدعونه أهل البطالة من الاطلاع على الغيوب. ويستدلّون عليه بأمارات باطلة. (مِيعَاد يوْم) : يعني يوم القيامة أو نزول العذاب بهم في الدنيا، وهو الذي سألوا عنه على وجه الاستخفاف. (مِرَّةٍ) : أي ذو قوة، أو ذو هيئة حسنة. والأول هو الصحيح في اللغة. وقيل: مرة أي محكم الفَتْل. (مِرْصاد، أو مَرْصَد) : طريق وانتظار، أي تنتظر الكفَّار ليدخلوها. وقيل معناه طريقا للمؤمنين يجُوزُون عليها إلى الجنة، لأن الصراط منصوب على مَتْن جهنم. وأما قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) ، فهو عبارة على أنه تعالى حاضر بعلمه في كل مكان وكلّ زمان، ورقيب على كل إنسان، وأنه لا يفُوته أحد من الجبابرة والكفار. وفي ذلك تهديد لكفّار قريش وغيرهم. وقد كتب بعضُ الفضلاء لمن هدده: فيا للعجب ذبابة تطنّ في أذن الفيل أم بعوضة تعدّ في التماثيل؟ وستندم على ما حدّثَتْك نفسك من أماني كاذبة. وخيالات غير صائبة، فإن الجواهر لا تزول بالأعراض، كما أن الأرواح لا تعنّى بالأمراض، فسبحان الله! كم بين قوي وضعيف، ودنيء وشريف! فإن عُدْنا إلى الظواهر المحسوسات، وعَدَلْنا عن البواطن المعقولات، قلنا أُسْوَة برسول الله ﷺ ، حيث قال: "ما أوذِي نبي بمثل ما أوذيت، فكانت العاقبة لله ولرسوله وللمؤمنين". فإذا وقفت على كتابنا هذا فكن من أمرنا بالمرصاد واتْلُ أوَّلَ النحل وآخر (ص) . *** (ما) : اسمية وحرفية، فالاسمية تَرِدُ موصولة بمعنى الذي نحو: (ما عِنْدَك يَنْفَدُ وما عِنْد الله باق) . ويستوي فيها الذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع.

стр. 915

والغالب استعمالها فيما لا يعلم، وقد تستعمل في العالم، نحو: (والسماء وما تنَاهَا) . (ولا أنتم عابِدون ما أعْبد) ، أي الله. ويجوز في ضميرها مراعاة اللفظ، واجتمعا في قوله: (ويَعْبدونَ من دون اللَه ما لا يَمْلِك لهم رِزْقاً من السماوات) . وهذه معربة بخلاف الباقي. واستفهامية بمعنى أي شيء، ويُسأل بها عن أعيان ما لا يعقل وأجناسه وصفاته، وأجناس العلماء وأنواعهم وصفاتهم، نحو: ما هي. ما لَوْنها. ما ولاّهم. (مَا تِلْك بيمينكَ يا موسى) . (وما الرحمن) . ولا يسأل بها عن أعيان أولي العلم، خلافاً لمن أجازه. وأما قول فرعون: (وما ربّ العالمين) ، فإنما قاله جَهْلاً، ولهذا أجابه موسى بالصفات. ويجب حذف ألفها إذا جُرَّت، وإبقاء الفتحة دليلاً عليها، فَرْقاً بينها وبين الموصول، نحو: (عَمّ يتساءلون) . (فيمَ أنْتَ من ذِكْرَاها) ، (لم تقوئون ما لا تفعلون) . (بم يرجع المرسلون) . وشرطية نحو: (ما نَنْسَخْ من آية أو ننْسها) . (وما تفْعَلوا من خير يعلمه الله) . (فما استقَاموا لكم فاسْتَقِيموا لهم) . وهذه منصوبة بالفعل بعدها. وتعجبية نحو: (ما أصبرهم على النار) . (قتِل الإنسان ما أكفره) . ولا ثالث لهما في القرآن إلا في قراءة سعيد بن جبير: "ما أَغرك بربك الكريم". ومحلّها في رفع الابتداء وما بعدها خبر، وهي نكرة تامة. ونكزة موصوفة، نحو: (بعوضة فما فَوقها) .
следующие страницы →