← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1417

معترك الأقران في إعجاز القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (1 547 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

شيء بإذن الله يهْدِ الله قلْبَه للتسليم والرضا بقضاء الله، وهذا حسن، إلاَّ أنّ العمومَ أحسن مضه. (ما استَطَعْتم) : (ما) ظرفية، وهذا ناسخ لقوله: (اتقوا اللهَ حَقَ تُقَاته) . وروي أنه لما نزلت هذه الآية شقّ ذلك على الناس حتى نزل: (ما استطعتم) . وقيل: لا نسخ بينهما، لأن (حق تقاته) معناه فيما استطعتم، إذ لا يمكن أن يفعل أحدٌ إلاَّ ما يستطيع. فهذه الآية على هذا مُبَيِّنَة لتلك، وتحرَّز بالاستطاعة من الإكراه والنسيان، وما يؤاخذ به العبيد. (مَنْ يُوقَ شحَّ نَفْسِه) : هو بخْلها وطمعها، فمن وقِيها وُقِي شرَّ الدنيا والآخرة. وقيل: إنها نزلت في الطلاق. ومعناها من يتَّقِ الله فليطلق طلقة واحدة حسبما تقتضيه السنَّة. (يجعل له مَخْرَجاً) ، بجواز الرجعة متى ندم على الطلاق. وفي هذا المعنى روي عن ابن عباس أنه قال لمن طلَّق ثلاثاً: إنك لم تتَّق اللهِ فبانت منك امرأتك، ولا أرى لك مخرجاً، أي لا رَجعة لك. والصحيح أنها على العموم، وأنَّ من يتَّق الله في أفعاله وأقواله يجعل له مخرجاً، فيدخل في ذلك الطلاق وغيره. وروي أنها نزلت في عَوْف بن مالك الأشجعي، وذلك أنه أُسِر ولده وضيّق عليه رزقه، فشكَا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأمره بالتقوى، فلم يلبث إلا يسيراً وانطلق ولده ووسّع الله عليه رزقه. وروي عنه ﷺ أنه قال - حين قرأ هذه الآية: مَخْرَجاً من شبهات الدنيا، وغمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة. وقال ﷺ إني لأعلم آوية لو أخذ الناس بها لكفتهم: ومن يَتّقِ الله ... ) الآية. فإن قلت: إن الله تعالى تكفّل بأرزاق العباد على الجملة، فما فائدة قوله: (ويَرْزقْه من حيث لا يَحْتَسِب) . فالجواب أن الرزق مضمون لكل حيّ طولَ عمره، وهو الغذاء الذي به تقوم

стр. 842

الحياة، قال تعالى: (ومَا مِنْ دَابّةٍ في الأرض إلا على الله رِزْقها) . وأما رزق المتقين فوعْدُ الله لهم أن يأتيهم بسهولة من غير تَعب، كما قال ﷺ : "تكفّل اللَّهُ لطالب العلم برزقه". وفي حديث آخر: "استنزلوا الرزق بالصدق". مصداقه قوله تعالى: (ولو أنَّ أهْلَ الكتاب آمَنوا واتّقَوا لكفَّرْنا عنهم سيئاتهم) . فبيَّن لك سبحانه أنهم لو عملوا بما في التوراة والإنجيل لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، أي لَوَسَّعْنا عليهم أرزاقنا، وأغدقنا عليهم إنفاقَنا، لكنهم لم يفعلوا ما نحبّ، فلذلك لم نفعل ما يحبون. وانظر كيف تكفّل الله سبحانه بالرزق لعباده تعريفا بوداده، ولم يكن ذلك واجباً عليه، بل أوجبه على نفسه إيجاب كرم وتفضّل، كأنه يقول: أيها العبد ليست كفالتي ورزقي خاصّاً بك، بل كلّ دابة في الأرض أنا كافِلها ورازقها، وموصِّل إليها قوتَها، فاعلَمْ بذلك سعةَ كفالتي، وغناء ربوبيّتي، وأنَّ شيئاً لا يخرج عن إحاطتي ورعايتي، فثِقْ بي كفيلاً، واتخذني وكيلاً، فإذا رأيتَ ذكري لأصناف الحيوان، ورعايتي إياها، وقيامي بحسن الكفالة لها وأنت أشرف هذا النوع، فأنت أولى بأن تكون لكفالتي واثقاً، ولفضلي رامقاً، ألا تراني قلت: (ولقد كرَّمْنَا بَني آدَم) ، أي على سائر أجناس الحيوان إذ دعونِاهم إلى خدمتنا، ووعدناهم دخول جنتنا، وخطبناهم إلى حضرتنا، ومما يوضَح لك كرامة الآدمي على غيره من المكونات أن المكونات مخلوقات من أجله، وهو مخلوق من أجل حضرة الله، فإذا علمت أن الأكوان مخلوقة من أجلك إمّا انتفاعا وإما اعتباراً، وهو نفع أيضاً، فينبغي لك أن تعلم أن الله سبحانه إذا رزق مَنْ هو مخلوق من أجلك كيف لا يكون لك رازقاً، فاستَحْييِ منه أن تكون بعدما كساك حُلّةَ الإيمان، وزَيّنَك بزينة العرفان، أن تستَوْلِيَ عليك الغفلة والنسيان، حتى تميل إلى الأكوان، أو تطلب من غيره وجوهَ امتنان. وقد قال تعالى: (يا أيها الذين آمَنوا أوْفوا بالعقود) . ومن العقود التي عاقدْتَه عليها ألا ترفع حوائجك إلا إليه ولا تتوكل إلا عليه، ولازِم

стр. 843

إقرارك له بالربوبية يوم (أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) فرضيت به ربّاً واحدا رازقاً، فكيف توَحده هنالك وتجهله ها هنا، وقد تواتر عليك إحسانه، وغمرك فضله وامتنانه. فإن قلت: ما فائدة تكرير ذِكْر التقوى في هذه السورة في مواطن ثلاث؟ فالجواب أن أوامرها دارت على الأمر بالمحافظة على إيقاع الطلاق إذا دعت إليه الضرورة في وَقْتِه لاستقبال العدة حتى لا يقع الضرار بالمطلقة في تطويل عِدّتها، والأمر بإحصاء العدة والمحافظة عليها، وأن تخرج المعتدة من بيتها حيث وقع عليها الطلاق، والأمر بإنفاذ ما يقع الاعتماد عليه من إمساك أو مفارقة، ومن حسن الصحبة وجميل العشرة: إن اعتمد الإمساك، أو بالإمتاع أو التلطف رَعْياً لما تقدم من الصحبة إن عَوَّل على المفارقة فلرَعْي هذه الأوامر أكّد سبحانه بالتزام التقوى فيما ذكر، فتأمله جارياً على أوضح تناسب. (ما أحَلَّ الله لَكَ) . الخطاب للنبي ﷺ ، نهاه الله أن يطلبَ رضا أزواجه بتحريم ما أحل الله له من تحريمه للجارية، ابتغاء رِضَا حَفْصة. وهذا يدل على أنها نزلت في تحريم الجارية. وأما تحريمه للعَسل فلم يقصد به رِضَا أزواجه، وإنما تركه لرائحته، وكان يكره أن توجد منه رائحة كريهة. (ما يُؤْمَرون) : وصف للملائكة بأنهم لا يعصون، وتأكيد لعدم عصيانهم. وقيل: إن معنى (لا يعصون) ، امتثال الأمر، (ويفعلون ما يؤمرون) جدّهم ونشاطهم فيما يؤمرون به من عذاب الناس. (ما تَرَى في خَلْقِ الرَّحْمن) : بيان وتكميل لما قَبْله. والخطاب بقوله: (ما تَرى) و (وارْجع البَصر) ، وما بعده للنبي ﷺ ، أو لكل مخاطب ليعتبر. (مَنَاكِبها) : قال ابن عباس: هي الجبال. وقيل الجوانب والنواحي. وقيل الطرق.

стр. 844

والمعنى تعديد النعمة في تسهيل المشي على الأرض، فاستعار لها الذّلَّ والمناكب تشبيهاً بالدّوَابّ (مَنْ يمْشِي مكِبًّا على وَجْهه) . توقيف على الحالتين أيهما أَهدى. والمراد بها توبيخ الكفار، وفي معناها قولان: أحدهما أن المشْيَ استعارة في سلوك طريق الهُدَى والضلال في الدنيا. والآخر أنه حقيقة في المشي في الآخرة، لأن الكافر يحْمَل إلى جهنم على وجهه. فأما على القول الأول فقيل: إن الذي يمشي مكبًّا أبو جهل، والذي يمشي سَوِيّاً سيدنا ومولانا محمد ﷺ ، وقيل حمزة. وقيل هي على العموم في كل مؤمن وكافر. وقد تمشي هذهْ الأقوال أيضاً على القول الثاني. والمكِبّ هو الذي يقع على وجهه، يقال أكبَّ الرجل وكبَّه غيره، فالمتعدي دون همزة، والقاصر بالهمزة بخلاف سائر الأفعال. (ماؤُكم غَوراً) : مصدر وُصف به بمعنى غائرا، أي ذاهباً في الأرض، وهذا احتجاج على المشركين. والمعنى إنْ غار ماؤكم الذي تشربون منه هل يأتيكم إله غير الله بماءٍ معِين. واختلف هل وزنه فعيل أو مفعول. وقوله: (وكأس من مَعِين) ، أي من خمر تجري من العيون. (ما أنْتَ بنعمةِ رَبكَ بمَجْنون) : هذا جواب القسم، وهو خطاب لنبينا ومولانا محمد ﷺ ، معناه نفي ما نسبه الكفار له من الجنون. وبنعمة ربك - اعتراض بين (ما) وخبرها، كما تقول: أنْت - بحمد الله - فاضل. والجار والمجرور في موضع الحال. وقال الزمخشري: إن العامل فيه بمجنون. (مَشَّاءٍ بنَمِيم) ، أي كثير المشي بالنميمة، يقال نميم ونميمة بمعنى واحد. قال ﷺ : "لا يدخل الجنة نَمّام منّاع للخير". أي شحيح، لأن الخير

стр. 845

هنا هو المال. وقيل معناه منّاع من الخير، أي يمنع الناس من الإسلام والعمل الصالح. (ما لكم كيف تحكمون) . (ما) مبتدأ و (لكم) خبره، وتَمَّ الكلام هنا، فينبغي أن يوقف عليه. وفي الآية توبيخ للكفار، أي كيف تحكمون بأهوائكم، وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم. (مَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ) : مفعول معه، أو معطوف، وفيه تهديد للمكذبين بالقرآن. (مَذْموم) : هذا جواب لولا، والنفي هو الذم لا نبذه بالعراء، فإنه قال في الصافات: (فَنَبَذْنَاه بالعَرَاءَ وهو سَقِيم) ، فالمعنى لولا رحمة الله لنبِذَ بالعَرَاء وهو مذموم، لكنّه نبذ وهو غير مذموم. (ما هو إلا ذِكْرٌ للعالَمِين) : الضمير يعود على القرآن، يعني أنه موعظة وتذكير للخلق. (ما الحاقّة) : (ما) استفهامية يراد بها التعظيم، وهي مبتدأ وخبرها ما بعده، والجملة خبر الحاقّة. وكان الأصل الحاقة ما هي، ثم وضع الظاهر موضع المضمر زيادة في التعظيم والتهويل، وكذلك (ما أدْرَاك ما الحاقّة) ، لفظه الاستفهام، والمراد به التهويل والتعظيم. (مَنْ قَبْلَه) : أي قبل فرعون من الأمم الكافرة، وأقربهم إليه قوم شعيب. والظاهر أنهم هم المراد، لأن عاداً وثمود قد ذكرا، وقوم لوط هم " المؤتفكات "، وقوم نوح قد أشير إليهم في قوله: (لما طَغَا الماءُ) . وقرئ " قِبَله " - بكسر القاف وفَتْح الباء، ومعناه جنده وأتباعه. (مَفْتون) : قيل إن المفتون المجنون، ويحتمل غير ذلك مِنْ معاني الفتنة. واختلف في الباء التي في قوله (بأيكم) ، قيل زائدة، وقيل هي غير زائدة.

стр. 846

والمعنى بأيكم الفتنة، فأوقع المفتون موقع الفتنة، كقولهم: ما لَهُ معقول. أي عقل. وقيل إنها بمعنى في، والمعنى في أيّ فريق منكم المفتون. واستحسن ابن عطية هذا. (مَنْ دَخل بَيْتِيَ) : يعني المسجد. وقيل السفينة. وقيل شريعته، سماها بيتاً استعارة، وهذا بعيد. وقيل داره، وهذا أرجح لأنه الحقيقة. (مَنْ يَسْتَمِع الآنَ يَجِدْ له) : قد قدمنا أنَّ رمي الجن بالنجوم إنما حدث بعد مبعثه ﷺ ، واختار ابنُ عطية والزمخشري أنه قبل المبعث قليلاً. تم زاد بعد المبعث، وكثر حتى منع الجن من استراق السمع بالكلية، ودليلهما قوله ﷺ لأصحابه - وقد رأى كوكبا انقضَّ: ما كنتم تقولون للجاهلية لهذا؟ قالوا: كُنَّا نقول مَلكَ ملك، أو مات ملك. فقال ﷺ : " ليس الأمر كذلك ". ثم وصف استراق الجن السمع. وقد ذكر شعراء الجاهلية في ذلك أشعارهم. (ماءً غَدَقا) : أي كثيراً، وهو استعارة في توسيع الرزق، يعني أنهم لو استقاموا على الكفر لوسَّع الله عليهم، إملاء لهم واستدراجاً. ويؤيّد هذا قوله: (لنَفْتِنَهم فيه) . والصحيح أن الطريقة هي الإسلام وطاعة الله. والضمير في استقاموا يحتمل أن يكون للمسلمين أو للكافرين المذكورين في قوله: (وأما القاسِطُون) ، أو لجميع الجن الذين استمعوا القرآن، أو لجميع الخلق. (مَنْ يَعْصِ اللهَ ورسوله) : الآية في الكفار، وحملَها المعتزلة على عصاة المؤمنين، لأن مذهبهم خلودهم في النار، وعلى أنها في الكفار وجهان: أحدهما: أنها مكية، والسور المكية إنما الكلام فيها مع الكفار. والآخر: دلالةُ ما قبلها وما بعدها على أنَّ المرادَ بها الكفار، وجمع (خالدين) ، على معنى مَنْ يَعْصِ، لأنه في معنى الجمع. (مساجِدَ) : واحدها مَسْجَد - بفتح الجيم، وهذا بعيد.

стр. 847

وأراد هنا المساجد على الإطلاق، وهي بيوت عبادة الله. وروي أنَّ الآية نزلت بسبب تقلّب قريش على الكعبة. وقيل أراد الأعضاء السبعة التي يسجدُ عليها. ومعناها لما كانت المساجد لله فكيف تعبدون فيها غَيْرَ الله، وكذلك الأعضاء ملكها واختراعها عندي، فكيف تصرفونها في غير ما طَلبْت منكم. (ما يوعَدون) : الضمير للكفّار، يعني أنهم يكفرون ويتظاهرون عليه، حتى إذا رأوا ما يوعدون. (مَنْ شاء اتَّخَذَ إلى رَبِّه سَبِيلاً) : أي سبيل التقرب إلى الله، ومعنى الكلام حضّ على ذلك وترغيب فيه. (ما تَيَسَّرَ من القرآن) : أي إن لم تقدروا على قيام الليل كلّه فقوموا بعضَه، واقْرأوا في صلاتكم بالليل ما تيسر من القرآن، وهذا الأمر للندب. وقال ابن عطية: هو للإباحة عند الجمهور. وقال قوم - منهم الحسن وابن سيرين: هو فرض لا بد منه، ولو أقل ما يمكن، حتى قال بعضهم: من صَلَّى الوتر فقد امتثل هذا الأمر. وقيل: كان فرضاً، ثم نسخ بالصلوات الخمس. وقال بعضهم: هو فرض على أهْل القرآن دون غيرهم. (مالاً مَمْدوداً) : اختلف في مقداره، فقيل ألف دينار. وقيل عشرة آلاف. وقيل يعني الأرض، لأنها مدت. (مَهَّدْتُ له تَمْهيدا) : الضمير يعود على الوليد بن المغيرة. ومعناها بسطت له في الدنيا بالمال والعزة وطيب العيش. (ما جَعَلْنَا عِدَّتَهمْ إلاَّ فِتْنَةً للذين كَفَروا) : أي جعلناهم تسعة عشر ليفتتن الكفَّار بذلك ويطمعوا أن يغلبوهم، كما قال أبو جهل: أيعجز عشرة منكم في واحد منهم. (ماذَا ارَادَ الله بهذَا مَثَلاً) : استبعاد منهم أن يكون هذا من عند الله.

стр. 848

(ما يَعْلَم جنودَ رَبِّكَ إلا هو) : يحتمل القصد بهذا وجهين: أحدهما: وصف جنودِ اللَهِ بالكثرة، أي هم من كثرتهم لا يعلمهم إلا الله. والآخر: رَفْعُ اعتراض الكفار على التسعة عشر، أي لا يعلم أعدادَ جنود اللَه إلا هو، لأن منهم عدداً قليلاً، ومنهم - عددا كثيراً، حسبما أراد الله. (ما هِيَ إلاَّ ذِكْرَى للبَشر) : الضمير لجهنم، أو للآيات المتقدمة. (ما سلَككمْ في سَقَر) . أي ما أدخلكم النار، وهذا خطاب للمجرمين، يحتمل أن خاطبهم به المسلمون. وسقر: أحدْ طبقات جهنم السبعة. وقد صحّ أنَّ من كان في الطبق الأول تناديه الملائكة ُ: (ويْلٌ يومئذ للمكذبين) . وتنادي مَنْ كان في الثاني: (فويل للمصلّين الذين هم عن صلاتهم ساهون) . وفي الثالث: (ويْلٌ لكل هُمَزةٍ لمَزة) . وفي الرابع: (فويلٌ لهم مما كسَبتْ أيديهم) . وفي الخامس: (وويْلٌ للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة) . وفي السادس: (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله) . وفي السابع: (ويل للمطَفِّفين الذين إذا اكْتَالُوا على الناس يستَوْفون) . (مَنْ شاءَ ذَكره) : فاعل شاء ضمير يعودُ على من، وفي ذلك حضٌّ وترغيب. وقيل الفاعل هو الله، ثم قيّد فعل العبد بمشيئة الله. فإن قلت: ما وَجْهُ مخالفة هذه الآية لسورة عبَس، وسورة الإنسان؟ فالجواب أن ضمير التذكير هنا لما تقدم من الكلام أو للقرآن بجملته. والذكّر به عظة أو موعظة، وهو أيضاً وعظ وتنبيه، فتارة تُرَاعِي العرب في مثل هذا جهة التذكير، وتارة تراعي جهة التأنيث، فتَحْمِل الضمير على ما تدعيه من تذكير أو تأنيث. فإن قلت: كيف طابق قوله: ما سلَككم - وهو سؤال للمجرمين -

стр. 849

قولَه: (يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) . وهو سؤال عنهم، وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءل المجرمون ما سلككم؟ قلت: ما سلككم ليس ببيان التساؤل عنهم، وإنما هي حكاية قول المسؤولين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين، فيقولون: قلنا لهم: ما سلككم في سقَر؟ قالوا: لم نك من المصلّين، إلا أن الكلام جيء به على الحذف والاختصار، كما هو نهج التنزيل في غرابة نَظْمه. (مَعَاذِيرَه) : في معناه قولان: أحدهما: أنَّ المعاذِيرَ الأعذار، أي الإنسان يشهد على نفسه بأعماله، ولو اعتذر عن قبائحها. والآخر: أنَّ المعاذير الستور، أي الإنسان يشهد على نفسه يوم القيامة ولو أسدل الستور على نفسه في الدنيا حين يفعل القبائح. (مَعَاشاً) : أي يُطلب فيه المعيشة، فهو على حذف مضاف تقديره ذا معاش. وقال الزمخشري: معناه يعاش فيه، فجعله بمعنى الحياة في مقابلة السيئات التي بمعنى الموت. (مَفَازا) : أي موضعَ فَوْز، يعني الجنة. (ما قَدَّمَتْ يَدَاه) : يعني يرى كل أحد ما عمل من خير أو شر. (ماءَها ومَرْعَاها) : نسب الماء والمرعى إلى الأرض، لأنهما يخرجان منها. فإن قيل: لِمَ قال: (أخرج) بغير عطف العاطف؟ فالجواب أنَّ هذه الجملة في موضع الحال، أو تفسير لما قبلها، قاله الزمخشري.

стр. 850

(مَتَاعاً لكم ولأنْعَامِكم) : تقديره فَعل ذلك كلَّه متاعاً لكم ولأنعامكم، لأن بني آدم والأنعام ينتفعون بكلّ ما ذُكر. (ما عَلَيْكَ ألاَّ يزَّكَّى) : أي لا حرج عليك إذا يتزكى هذا الغنيّ. (مَنْ جاءَكَ يَسْعَى) : معناه ئسرع في مشيه مِنْ حِرْصه على طلب الخير: هو عبد الله بن أمِّ مكتوم. (مَنْ شاءَ ذَكَرَه) : تأمّل إلى تأنيثه الضمير في قوله: (إنها) ، وتذكيره هنا على معنى الوعظ أو الذكر أو القرآن. (مَرْفُوعةٍ مُطَهَّرَةٍ) : إن كانت الصحف المصاحف فمعناه كذلك أو مرفوعة في السماء، ومطهّرة: منزهة عن أيدي الشياطين. (ما أكْفَره) : تعجّب من شدة كُفْره مع أنه كان يجب عليه خلاف ذلك. (مَوْءُودَةُ: هي البنت التي كان بعض العرب يدفنها حيّة من كراهيته لها، ومن غيرته عليها، فتسأله يوم القيامة: بأي ذَنْبٍ قتلت، على وجه التوبيخ لقاتلها. وقرأ ابن عباس سألت - بفتح الهمزة والسين - بأي ذنب قَتلْتُ - بفتح القاف وسكون اللام وضم التاء. واستدل ابن عباس بهذه الآية على أنَّ أولاد المشركين في الجنة، لأنَّ الله ينتصر لهم ممن ظلمهم. (ما أحْضَرَتْ) : عبارة عن الحسنات والسيئات. (ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ) : أي في حياتها، وأخرت مما تركته بعد موتها من سنّة سنّتها أو وصية أوْصَتْ بها. (ما غَرَّكَ يرَبّك الكريم) : هذا توبيخ وعتاب، معناه أي شيء غرّك بربكَ حتى كفرت به، أو عصيته، أو غفلت عنه، فدخل في الخطاب الكفّارُ، وعصاة المؤمنين، ومن يغفل عن الله في كل الأحيان.

стр. 851

وروي أنه ﷺ قرأ: (ما غَرَّك بربك الكريم) ، فقال: غره جهله. وقال عمر: غرّة حمقه. وقرأ: إنه كان ظلوما جهولاً. وقيل: غَرّه الشيطان المسلَّط عليه. وقيل: غره طمَعُه في عَفْو الله عنه. ولا تعارض بين هذه الأقوال، لأن كلَّ واحد منها مما يَغُرُّ الإنسان، إلا أنّ بعضها يَغُرُّ قوما وبعضُها يغُرُّ قوما آخرين. فإن قيل: ما مناسبةُ وصْفِه بالكريم للتوبيخ على الغرور؟ فالجواب أن الكريم ينبغي أن يُعْبَد ويطاع، شكراً لإحسانه، ومقابلةً لكرمه. ومَنْ لم يفعل فقد كفر النعمة، وأضاع الشكر الواجب. وقيل: إنه يخاطب العبد بالكرم تلقيناً للمؤمن في تذكره بكرمه، فيقول: غَرَّني حلمك وكرمك، ونقمةً للكافر في تعديد النعمة عليه في الدنيا، واستعانته بها على مخالفته. (مَرْقوم) : أي مكتوب، بلسان العبرانية، وارتفع في الموضعين على أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره هو كتاب. وقال ابن عطية: كتاب مرقوم خبر إن، والظرف مُلْغى، وهو تكلف يفسد به المعنى. وقد روي في الأثر - ما يفسر الآية، وهو أن الملائكةَ تصعد بصحيفة فيها عمَل العبد، فإن رضيه الله قال: اجعلوه في علّيين، وإن لم يرضه قال: اجعلوه في سجّين. (مختُوم) : قد فسره الله بأنّ ختامه مسك. (مَرُّوا بِهمْ يتغَامَزُون) : أي يغمز بعضهم إلى بعض، ويشير بِعَيْنه. والضمير في (مرُّوا) يحتمل أن يكون للمؤمنين أو للكفار، والضمير في (يتغامَرونَ) للكفار لا غير. (ما أُرْسلُوا عَلَيْهمْ حافِظِين) : أي ما أرسل للكفار

стр. 852

حافظين على المؤمنين، يحفظون أعمالهم، ويشهدون رشْدَهم أو ضلالهم، فكأنه قال: كلامهم في المؤمنين فُضُول منهم. (مَنْ أوتي كتابَه وراءَ ظَهْرِه) : يعني الكافر. وروي أن هاتين الآيتين نزلتا في أبي سلمة بن عبد الأسد، وكان من فضلاء المؤمنين، وفي أخيه أسود، وكان من عُتَاةِ الكافرين، ولفظها أعمُّ من ذلك. فإن قيل: كيف قال في الكافر هنا إنه يؤتَى كتابه وراء ظهره، وقال في الحاقة بشماله؟ فالجواب من وجهين: أحدهما أن يديه تكونان مغلولتين إلى عنقه، وتجعل شماله وراء ظهره، فيأخذ بها كتابه. وقيل: تدخل يده اليسرى في صدره، وتخرج من ظهره، فيأخذ بها كتابه. (ما لهم لا يُؤمنون) : الضمير لكفّار قريش، يعني أيّ شيء يمنعهم عن الإيمان. (ما نَقَمُوا منهم) . أي ما أنكر الكفَّار على المؤمنين إلا أنهم آمنوا بالله. وهذا لا ينبغي أنْ يُنْكر. وهذا كقوله: - (وما نقَمُوا إلاَّ أنْ أغْنَاهم اللَهُ ورسولُه) ، أي ما عابوا إلا الغِنَى الذي كان حقّه أنْ يشكروا عليه، وذلك في الجُلاَس، أو في عبد الله بن أبيّ. فإن قلت: لم قال: أن يؤمنوا - بلفظ المضارع، ولم يقل آمنوا بلفظ الماضي، لأن القصة قد وقعت؟ فالجواب أن التعذيب إنما كان على دوامهم على الإيمان، ولو كفروا في المستقبل لم يعذّبوهم، فلذلك ذكره بلفظ المستقبل، فكأنه قال: إلا أنْ يدوموا على الإيمان. (ماء دَافِق) : من الدفق، بمعنى الدّفع، فقيل معناه مدفوق

стр. 853

وصاحبه هو الدافق في الحقيقة، فقال سيبويه: هو على النسب، أي ذو دفق. وقال ابن عطية: يصحّ أن يكون الماء دافقاً، لأن بعضه يدفق بعضاً، ومقصود الآية إثبات الحشر، فأمر الإنسان أن ينظر أصْلَ خلقته، ليعلم أن الذي خلقه مِنْ ماءٍ دافق قادر على أنْ يعيده. ووَجْه اتصال هذا الكلام بما قبله أنه لما أخبر أن على كلّ نفس حافظاً يحفظ أعمالها أعقبه بالتنبيه على الحشر، حيث تُجازَى كل نفس بأعمالها. (مَا لَه مِنْ قوَّةٍ ولا نَاصِر) : الضمير للإنسان، ولما كان دَفْع المكاره في الدنيا إمّا بقوة الإنسان أو بنصرة غيره له أخبر الله أنه يعدمهما يوم القيامة. (ما شاءَ الله) : فيه وجهان: أحدهما: أن معناه لا تَنْسى إلا ما شاء الله أن تنساه، كقوله: (أَوْ نُنْسِهَا) . والآخر: أنه لا تنسى شيئا، ولكن قال: إلاَّ ما يشاء الله - تعظيما لله بإسناد الأمر إليه، كقوله: (خالدين فيها إلا ما شاء الله) ، على بعض الأقوال. وعَبَّر الزمخشري عن هذا بأنه من استعمال التقليل في معنى النفي، والأول أظهر، فإن النسيان جائز على النبي ﷺ ، فيما أراد الله أن يرفعه من القرآن أو فيما قضى الله أن ينساه، ثم يذكره. ومن هذا قولُ النبي ﷺ حين سمع قراءة عباد بن بشر ﵀: لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أُنسيتها. (موضوعة) : معَدة بشرابها. (مَبْثوئة) : متفرقة، وذلك عبارة عن كثرتها. وقيل مبسوطة. (مالاً لُبَداً) : أي كثيراً. وقرئ بضم اللام وكسرها، وهو جمع لبدة - بالضم والكسر، بمعنى الكثرة. ونزلت الآية عند قوم في الوليد بن المغيرة، فإنه أنفق أموالاً في إنفاق أمر به رسول الله ﷺ .

стр. 854

وقيل في الحارث بن عامر بن نوفل، وكان قد أسلم وأنفق في الصدقات والكفَّارات، فقال: لقد أنفقْتُ مالي مذ تبعت محمدا. (ما أدْرَاكَ ما العَقَبة) : تعظيم للعَقَبة، ثم فسرها بفكّ الرقبة، وهو تفسير لاقْتَحم. وفك الرقبة هو عِتْقها، قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أعتق رقبةً مؤمنة أعتق الله بكل عضْوٍ منها عضواً من النار". (مَسْغَبَة) : مجاعة. يقال سغب الرجل إذا جاع. (مَقْرَبة) : قرابة. (مَتْرَبة) : فَقْر. (مَرْحَمة) : أي وصّى بعضهم بعضاً برحمة المساكين وغيرهم. وقيل الرحمة كلّ ما يؤدّي إلى رحمة الله. (مَيْمنة) : جهة اليمين. (مَشْأَمة) : جهة الشمال. وروي أن الميمنة عن يمين العرش. ويحتمل أن يكونا من اليُمْن والشؤم. (ما بَنَاها) : (ما) هاهنا، وفي قوله: (وما طَحَاها) (وما سوّاها) - موصولة بمعنى (مَنْ) . والمراد الله تعالى. وقيل إنها مصدرية. كأنه قال: والسماء وبنيانها. وضعَّفَ الزمخشري هذا بقوله: فألهمها، فإن المراد الله تعالى باتفاق، فهذا القولُ يؤدِّي إلى فساد النظم، وضَعّف بعضهم كونها موصولة بتقديم ذكر المخلوقات على الخالق. فإن قيل: لم عدل عن (مَنْ) إلى (ما) في قول مَنْ جعلها موصولة؟ فالجواب أنه فعل ذلك لإرادة الوصْفيّة، كأنه قال: والقادر الذي بَنَاها. فإن قلت: لم نكر النفس؟ فالجواب مِن وجهين: أحدهما: أنه أراد الجنس، كقوله: علمت نَفْسٌ ما أحضرت.

стр. 855

والآخر: أنه أراد نفس آدم. والأول هو المختار. (ما خلق الذَّكَرَ والأنْثَى) . (ما) بمعنى (مَنْ) . والمراد بها الله تعالى، وعَدَلَ عن (مَنْ) لقَصْدِ الوصف، كأنه قال: والقادر الذي خلق الذكَر والأنثى. (مَنْ أعْطَى واتَّقَى) . أي أعطى ماله في الزكاة والصدقة، وشِبْه ذلك، أو أعطى حقوق الله من طاعته في جميع الأشياء واتقَى اللَه. وعَبَّر بعضهم عن تصديقه بالحسنى بلا إله إلا الله، أو بالمثوبة. (الحسنى) : هي الجنة. وقيل يعني الأجر والثواب على الإطلاق. وقيل: يعني الخلف على الْمنفِق. (مَنْ بخلَ واسْتَغْنَى وكذَّب بالْحسْنَى) : أي بخل بماله أو بطاعة الله على الإطلاق، فيحتمل الوجهين، لأنه في مقابلة أعطى، كما أن استغنى في مقابلة اتّقى، وكذّب بالحسنى في مقابلة صدَّقَ بالحسنى، ونيسره للعسرى في مقابلة نيسره لليسرى. ومعنى استغنى استغنى عن الله، فلم يطِعْه، أو استغنى بالدنيا عن الآخرة. ونزلت آية المدح في أبي بكر الصديق، لأنه أنفق مالَه في سبيل الله، وكان يشتري مَنْ أسلم من العبيد ويَعْتقهم. وقيل: نزلت في أبي الدحداح، وهذا ضعيف، وإنما أسلم أبو الدّحْدَاح بالمدينة. وقيل: إن آية الذم نزلت في أبي سفيان بن حَرْب، وهذا ضعيف لقوله: (سنيَسِّره للعسرى) ، وقد أسلم أبو سفيان بعد ذلك. (ما وَدَّعَك رَبُّك وما قَلَى) : بتشديد الدال من الوداع. وقرئ بتخفيفها، بمعنى ما تركك. والوداع مبالغة في الترك. وقد قدمنا في مواضع أن معنى (قلى) أي أبغض.

стр. 856

وسببُ نزول هذه الآية إبطاء جبريل بالوَحْي عن رسول الله ﷺ ، حتى قيل: إن محمداً قَلاَه ربه. (ما أَدْرَاكَ ما لَيْلة القَدْرِ) : هذا تعظيم لها، وحق لها أن تعظَّم، وهي من خصائص هذه الأمة، وهي تنتقل في العام كلّه. وفي الحديث: "التمسوها في العَشْر الأوَاخر من رمضان". وعند ابن عباس أنها ليلة سبع وعشرين، وأخذ ذلك من كلمات هذه السورة إلى قوله: (هي) القدر. وقيل: إذا وافق إفراد العشر الأواخر من رمضان ليلة الجمعة فهي ليلة القدر. والصحيح أنهاَ من المخفيات السبع، وهي الولي في خلقه، والاسم الأعظم في الأسماء، وغضبه في معصيته، ورضاه في طاعته، وساعة الجمعة في اليوم كلّه، والصلاة الوسطى في الصلوات. كلّ ذلك حرصاً على اتباع الأوامر واجتناب النواهي. (ما تَفَرَّقَ الذين أُوتوا الكتابَ إلاَّ مِنْ بَعْدِما جاءَتْهم البيِّنَة) . أي ما اختلفوا في نبوءة نبينا ومولانا محمد ﷺ إلاَّ مِنْ بعد ما علموا أنه حق. ويحتمل أنْ يريد تفرّقَهم في دينهم، كقوله: (ولقد آتينا موسى الكتاب فاخْتُلِف فيه) . وإنما خصّ الذين أُوتوا الكتاب بالذكر هنا بعد ذكرهم مع غيرهم في أول السورة، لأنهم كانوا يعلمون صحةَ نبوءةِ نبينا ومولانا محمد ﷺ بما يجدون في كتبهم من ذكره. (ما أمِرُوا) : معناه ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بعبادة الله، ولكنهم حرّفوا وبدّلوا. ويحتمل أن يكون المعنى ما أمروا في القرآن إلا بعبادة الله، فلأي شيء ينكرونه ويكفرون به. (مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّة خَيْراً يرَهْ) : المثقال: هو الوزن. والذرة: النملة الصغيرة. والرؤية هنا ليست برؤية بصر، وإنما هي عبارة عن الجزاء. وذكر الله مثقال الذرة تنبيهاً على ما هو أكثر منه من طريق الأولى، كأنه قال: مَنْ يعمَلْ قليلاً أو كئيراً. وهذه الآية هي في المؤمنين،

стр. 857

لأن الكافر لا يجازَى في الآخرة على حسناته، إذ لم تقبل منه. واستدل أهل السنة بهذه الآية على أنه لا يخلد مؤمن في النار، لأنه لو خلّد لَمْ يَرَ ثَوَاباً على إيمانه، وعلى ما عمل من الحسنات. وروي عن عائشة أنها تصدقت بحبّة عِنب، فقيل لها في ذلك، فقالت: كم فيها من مثقال ذرة. وسمع رجل هذه الآية عند النبي ﷺ فقال: " حسبي، لا أبالي ألاَّ أَسمع غيرها ". (مَنْ يَعْمَل مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شرًّا يَرَه) : هذا على عمومه في حق الكفار. وأما المؤمنون فلا يجزون بذنوبهم إلا بستّة شروط: وهي أن تكون ذنوبهم كبار. وأن يموتوا قبل التوبة منها. وألا تكون لهم حسنات أرجح في الميزان منها. وألاّ يشفع فيهم. وألاّ يكونوا ممن استحق المغفرة بعمل كأهلِ بَدْر، للحديث: لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال: "اعملوا ما شئْتم فقد غفرتُ لكم". وألاّ يعفو الله عنهم، فإن المؤمن العاصي في مشيئة الله إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له. (ما في القبور. وحصِّلَ ما في الصّدُور) : عبارة عن البعث، وجَمْع ما في الصحف. وأظهر محَصّلا، ومُيز خيره من شرّه. (مَنْ ثَقلَتْ موازِينُه) : هو جمع ميزان، أو جمع موزون. وميزان الأعمال يوم القيامة له لسانٌ وكفَّتان وعمود، وتوزَن فيه الأعمال. والخفة والثقل متعلقة بأجسام، إما صحف الأعمال أو ما شاء الله. وقالت المعتزلة: الميزان عبارة عن العدل في الجزاء. فإن قلت: يفهم من قوله: (ونَضَع الموازين) - أنها جماعة لكل أحد ميزان، فإن كان فلا إشكال، وإن كان واحداً فما معنى الجمع؟ فالجواب أنه صحّ أنه ميزان واحد، وإنما جمع لما فيه من كفَّتين ولسان وعمود.

стр. 858

قال الغزالي والقرطبي: ولا يكون الميزان في حق كل أحد، فالسبعون ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب لا يأخذون صحفاً، ولا يرفع لهم ميزان. وروي الترمذي - وحسّنه - حديث: "يُصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق، ويُنشْر عليه تسعة وتسعون سجلاّ، كلّ سجل مثل مَدِّ البصر، ثم يقول: أتنكر مِنْ هذا شيئاً، أظلمك كتبتي الحافظون، فيقول: لا، يا رب، فيقول: ألكَ عذْر، فيقول: لا، يا رب. فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنك لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. فيقول: احضر وزنك. فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فيقال: إنك لا تُظلم، فتوضع السجلاتُ في كفّة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء". فانظر يا أخي عظيم فضل الإقرار، وقبْح الإنكار فيمن أنكر أفعاله، حتى تشهدَ عليه جوَارِحه، اللهم إنا مقِرّون بأنا مطيعون عدوَّك إبليس الذي أبْلَسْته من عدم طاعته لأبينا آدم، ولا حيلة لنا بالفرار مع غوايته إلا بتوفيقك، فثبّتْنَا على عصيانه هنا ويوم الوقوف بين يديك، فإنك تعلم أنَّا لا نعصيك لجهلنا بمعصيتك، ولا نتعرض لعقوبتك، وإنما جهلنا قَدْرَك، فمن ينقذنا من عقوبتك إن عاقبتنا، ومَنْ يوصلنا لرحمتك إن قطعتنا؟ وبحبل من نعتصِم إن طردتنا وأخجلتنا من الوقوف بين يديك، إذ ليس لنا حجة تجاهد عنا في رحمتك التي أعدَدْتها لعصاة عبادة، وقد بلَغنا عنك أنك تقول لعبد من عبادك: فأي الأمرين أحبّ إليك أن أجزيك بعملك أو بنعمتي عليك، فيقول: يا رب، أنت تعلم أني لم أعصك. فتقول: خذوا عبدي بنعمةٍ من نعمي، فما تبقى له حسنة إلا استفرغتها تلك النعمة. فيقول: يا رب، بنعمتك ورحمتك، هذا حال من لم يعصك يتعلق برحمتك، فكيف حال مَنْ لا يجد في صحيفته حسنةً، لكن جودك يعمّ المفاليس. قال بعض المحبين: رأيت أبي يزيد بعد موته فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه، وقال: بأي عمل قدمت إلى حضرتي، وبأي وسيلة

стр. 859

توسلْتَ إلى رحمتي، فكلما ذكرتُ شيئاً في طاعته قابلني بجزء من نعمته، حتى اضمحلّت أعمالي، وفنيت أقوالي، وعظمت حَيْرتي، واشتدت كرْبتي، فقلت: يا رب، جئتك بك إليك، فنادتني الملائكة من سائر جهات العرش: الآن وصلت. هذا حال أبي يزيد الذي ترك ما يريد لما يريد، فكيف حال مَنْ خالف أمرَ مولاه في كل ما يريد. وقال بعضهم: رأيتُ سفيان الثوري بعد موته في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه، فرأيت ذلَّ العبودية، وعِزَّةَ الربوبية، فليتني لم أبرح. ثم أمر بي إلى الجنة. فأقبلت أمشي بين أنهارها وأشجارها لا أسمع حِسّاً ولا أرى شخصاً، فإذا النداء: يا سفيان. قلت: لبيك! لبيك! فقال: هل كنت إلاّ عبدا في الدنيا تؤثرنا على مَنْ سِوَانا، فقلت: أنت أعلم يا ربّ. فلم أزَلْ أمشي حتى استوحشتني الحورُ العين. فإن قلت: ما معنى هذا الوقوف وهذا الحساب هنا، وإنما يكون في الدار الآخرة؟ فالجواب: هذا هو العرض الذي يُعرض فيه العبد على ربه بعد مفارقة جسده، وحينئذ يبدو له منزله، وما أعدّ الله له، يشهد لذلك الحديث لعائشة: "ذلك العرض، ومَنْ نوقش الحساب عُذّب". والكلام هنا طويل، ليس هذا محل بسطه. (مَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا) : هذا من كلام الجن الذين أتوا إلى رسول الله ﷺ . قال ابن مسعود: كنّا مع النبي ﷺ ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشِّعَاب، فقلنا: استطير واغتيل، فبتنا بِشَرِّ ليلة باتها قوم، فقلنا له: يا رسول الله، ما الذي أصابك، فقال: أتاني جاءٍ من الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن، فقال: انطلقوا بنا، فإذا آثار نيرانهم، وسألوا الزاد فقال: لكم

стр. 860

كل عظم ذكر اسم الله عليه يقَع في أيديكم أوْفَر ما يكون لحماً، وكلّ بَعْر علفٌ لدوابكم. ثم قال ﷺ : " فلا تستجمروا بها، فإنها طعام إخوانكم من الجن ". فإن قلت: يُفهم من هذه الآية، ومن قوله تعالى: (يُجِرْكم من عذابٍ أليم) - أنه لا ثواب للجن غير النجاة من العذاب؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أن الثواب مسكوت عنه. والثاني: أن ذلك من قول الجن. ويجوز أن يكونوا لم يطّلعوا إلا على ذلك، وخفي عليهم ما أعدَّ الله لهم من الثواب، ولذلك قيل: إن من الجن مقرَّبين وأبراراً، كما أن من الإنس كذلك. واختلف هل يكونون مع ال مؤمن ين في الجنة ويرون ربنا كالمؤمنين، فالصحيح أنهم رَبض الجنة. والرؤية خاصة بالإنس. (مَاعون) : قيل الزكاة. وقيل المال بلغة قريش. وقيل الماء. وقيل: كلّ ما يتعاطاه الناس بينهم، كالآنية، والفأس، والدَّلْو، والمقص. وقد سئل ﷺ : ما الشيء الذي لا يحل منعه، فقال: الماء والنار والملح. وفي بعض الطرق: الإبرة والخميرة. (مَسَد) .: هو الليف. وقيل: المسد الْحَبْل الْمُحْكم فَتْلاً من أي شيء كان، تقول: مسدتُ الحبل، إذا أحكمت فَتْله. وامرأة ممسودة، إذا كانت ملتفّة الْخَلق ليس في خَلْقها اضطراب. (مَنون) : له معنيان: الموت والدهر. ومنه قول قريش في رسول الله ﷺ : " إنما هو شاعر نتربَّص به رَيْبَ المنون "، فيهلك كما هلك مَنْ كان قبله من الشعراء، كزهير، والنابغة. (مؤمن) : مصدق، والله تعالى مؤمن، أي مصدق ما وعد به، ويكون من الأمان، أي لا يأمن إلا من أمَّنه الله. وقول إخوة يوسف: (وما أنْتَ بِمؤْمِن لنا) ، أي مصدق لمقالنا.

стр. 861

(مفْلحون) ، أي باقون، والفلاح الظفر أيضاً، ثم قيل لكل من عقل وحزم وتكاملت فيه خلالُ الخير قد أفلح. (مصلحون) : يحتمل أن يكون جحوداً للكفر، لقولهم: آمنّا، أَو اعتقاداً أنهم على صلاح. (مستهزئون) : ساخرون، فجاوبهم الله بأنه يستهزئ بهم، أي يمْلِي لهم، بدليل قوله: (ويَمُدّهم) . وقيل: يفعل بهم في الآخرة ما يظهر لهم أنه استهزاء بهم، كقوله في الحديد: (ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا) . وقيل: إنما سمي استهزاء بهم تسمية للعقوبة باسم الذنب، كقوله: (ومكَرُوا ومَكر الله) ، وإنما جاء (مستهزئون) ، بجملة اسمية مبالغة وتأكيداً، بخلاف قولهم: (آمَنَّا) فإنه جاء بالفعل لضعف إيمانهم. (مَشَوْا فيه) : إن عاد الضمير إلى أصحاب المطر فالمعنى أنهم يمشون بضوء البرق إذا لاح لهم. وإن رجع إلى المتقين فالمعنى أنهم يلوحُ لهم من الحق ما يقربون به من الإيمان. فإن قيل: لم قال مع الإضاءة: كلّما - ومع الإظلام: إذا؟ فالجواب أنهم لما كانوا حراصاً على المشي ذكر معه كلما، لأنها تقتضي التكرار والكثرة. (مُتَشَابهاً) : يحتمل أن يشبه ثَمَرَ الدنيا في جنْسه. وقيل: يشبه بعضه بعضاً في المنظر، ويختلف في المطعم. وأما قوله: (كِتَابا متشابهاً) فمعناه يصدق بعضه بعضاً، لا اختلاف فيه ولا تناقض) ، كما قدمنا. (مطهّرة) . أي من الحيض والبول والغائط، فهنّ مطهرات خَلْقاً وخلقاً، محبّبات ومحبات، مسلَّمات من العلل والعيوب.

стр. 862

(مزَحْزِحِهِ) : أي مبعده. (مخْلِضون) : الإخلاص في العمل: ألاَّ يُطلب به غير الله. وفي هذه الآية استدلال باستعمال النية في الأعمال. وبهذا أمر الله أهْلَ المِلل كلها، قال تعالى: (وما أمِروا إلاَّ ليَعْبدوا اللهَ مخْلِصين له الدِّين) ، لأن الإخلاص مطلوب في التوحيد وفي الأعمال، وضدّ الإخلاص في التوحيد هو الشرك الجليّ، وضد الإخلاَص في الأعمال هو الشِّرك الخفي، وهو الرياء، قال ﷺ : "الرياء هو الشرك الأصغر". وفي الحديث القدسي: "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ". واعلم أنَّ الأعمال على ثلاثة أنواع: مأمورات، ومنهيات، ومباحات. فأما المأمورات فالإخلاص فيها عبارةٌ عن خلوص النية لوجه الله، بحيث لا يَشوبها نية أخرى، فإن "كانت كذلك فالعمل خالص مقبول، وإن كانت النية لغير وَجْهِ أللَه مِنْ طلب منفعة دنيوية، أو مدح، أو غير ذلك، فالعملُ رِياء مَحْض مردود. وإن كانت النية مشتركة ففي ذلك تفصيل فيه نظر واحتمال. وأما المنهيات فإنْ تركها دون نِيّة خرج عن عهدتها ولم يكن له أجْر في تركها. وإن تركها بنية وجه الله حصل له الخروج عن عهدتها مع الأجر. وأما الْمبَاحات كالأكل والجماع وغير ذلك فإن فعلها بغير نيّة لم يكن له أَجر، وإن فعلها بنية وَجْهِ الله كان له فيها أجر، فإن كان مباح يمكن أن يصير قُرْبة إذا قصد به وجْه الله مثل أن يقصد بالأول القوة على العبادة، ويقصد بالجماع التعفّف عن الحرام. (مصيبة) ، ومصابة ومصوبة: الأمر المكروه يحلُّ بالإنسان في نفسه أو ماله أو ولده. (مسَوَّمَة) .: راعية، من قولك: سام الفرس وغيره إذا جال في المسارح.

стр. 863

وقيل: الْمعْلَمة في وجوهها، فهو من السما بمعنى العلامة. وقيل: الْمُعَدَّة للجهاد، وقد قدمنا أنَّ المسوَّمة في حجارة قَوْمِ لوط المكتوب عليها أسماء أصْحَابها. (مُحَرَّرًا) : أي عتيقاً مِنْ كلّ شغل إلاَّ خدمة المسجد. وقائل هذه المقالة حنّة - بالنون - امرأة عمران، وهي أم مريم. (مصَدِّقاً بكلمةٍ من الله) : أي مصدّقاً بعيسى ﵇، مؤمناً به. وسمّي عيسى كلمة الله، لأنه لم يوجد إلا بكلمةِ الله وَحْدَها. وهي قوله: كنْ، لا بسببٍ آخر، وهو الولد كسائر بني آدم. (ممْتَرين) : شاكين. (موتوا بغَيْظكم) : تقريع وإغاظة. وقيل دعاء. (مسَوَّمِين) - بفتح الواو وكسرها، أي معلَمين، أو معْلمين خيلهم أو أنفسهم. وكانت سما الملائكة يوم بَدْر عمائم بيضاء، إلا جبريل فإنه كانت عمامته صفراء. وقيل: كانوا بعمائم صفر. وكانت خيلهم مجزوزة الأذناب. وقيل: كانوا على خيل بُلق. (ما جعله اللَّهُ إلا بشْرَى) : الضمير عائد على إنزال الملائكة والإمداد بهم. (مضَاعَفة) : كانوا يزيدون في الرّبا عاماً بعد عام. (مؤَجَّلاً) ، نصب على المصدر، لأن المعنى كتب الموت كتاباً. وقال ابن عطية: نصب على التمييز (متَوَكّلين) : التوكل هو الاعتماد على الله في تحصيل المنافع أو حِفْظها بعد حصولها، وفي رَفْع المضرة، ورَفعها بعد وقوعها، وهو من أَعْلَى المقامات، لوجهين: أحدهما قوله تعالى: (إن الله يحِبُّ الْمتَوَكلين) . والآخر المكان الذي في قوله تعالى: (ومَنْ يَتَوكَلْ على الله فهو حَسْبهُ) .

стр. 864

وقد يكون واجباً لقوله: (وعلى الله فَتَوَكَّلوا إن كنْتم مؤمنين) ، فجعله شرطاً في الإيمان ولظاهر قوله: (وعلى الله فلْيَتَوَكَّل المؤمنون) ، فإن الأمر محمول على الوجوب. واعلم أنَّ الناس في التوكل على ثلاث مراتب: الأولى: أن يعتمد العبد على ربه، كاعتماد الإنسان على وَكيله المأمون عنده الذي لا يشكّ في نصيحته له وقيامه بمصالحه. والثانية: أن يكون العبد مع ربه كالطفل مع أمه، فإنه لا يعرف سواها ولا يلجأ إلا إليها. وَالثالثة: أن يكون العبد مع ربه كالميّت بين يدي الغاسل، قد أسلم إليه نفسه بالكليّة، فَصاحِب الدرجة الأولى له حظّ من النظر لنفسه، بخلاف صاحب الثانية، وصاحب الثانية له حظ من المراد والاختيار، بخلاف صاحب الثالثة. وهذه الدرجات مبنيةٌ على التوحيد الخالص، فهي تَقوَى بقوَّته، وتضعف بضعفه. فإن قلت: هل يشترط في التوكل تَرْك الأسباب أم لا؟ فالجواب أَن الأسبابَ على ثلاثة أقسام: أحدها: سبب معلوم قطعاً قد أجراه الله، فهذا لا يجوز تَرْكه، كالأكل لدَفْعِ الجوع، واللباس لدفع البرد. ولا يجوز ترك ما يؤْذِي النفس ولا استعمال إذايتها، وقد سئل الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام عمن ترك الأكل حتى أضعف النفس عن الصلاة والنكاح، وترك الواجبات. فأجاب بأنه لا يجوز استعمال ما يخلّ بالواجبات. والثاني: سبب مظنون، كالتجارة وطلب المعايش وشِبْه ذلك، فهذا لا يقدح فِعْله في التوكل، بل يجب استعماله، وهو أفضل من العبادة، لأن طلب الحلال فريضةٌ على كل مسلم. وفي الحديث: "مَنْ بات تعباً من الحلال بات مغفوراً له" (١) .

стр. 865

والاشتغال بالْكَسب لإغناء النفس أفضل من العبادة واحتياجها، ولهذا قال ﷺ في رجل قالوا له فيه: ما أطول عبادةَ فلان! فقال: مِنْ أين قوته، قالوا: مِنْ عندنا يا رسول الله. قال: أنتم أعبد منه. وحكاية الثلاثة نفر المعتكفين في المسجد، وإخراج عمر أحدهم لكونه كان يسأَل الناس معلومة. ولمّا بنى إبراهيم ﵇ البيتَ صلى في كل ركْن منه ألف ركعة. فأوحى الله إليه: رَغِيف في بطن جَوْعان أفضل عندي من عبادتك هذه (١) . وفي الحديث إن الله يحبّ المؤمن المحترف، فوصفه بالإيمان، إذ التوكل من أعمال القلب لا من أعمال اليد. ويجوز تَركه لمن قوي على ذلك. والثالث سبب موهوم بعيد، وهذا يقدح فعله في التوكل ثم إن فوق التوكل التفويض، وهو الاستسلام لأمر الله بالكلّية، فإن التوكل له مرادٌ واختيارٌ. وهو يطلب مراده باعتماده على ربه. وأما المفوّض فليس له مراد ولا اختيار، بل أسند الاختيار إلى الله، فهو أكمل أدَباً مع الله. (منَادِياً) : هو النبي ﷺ يدْعو إلى الله، فمن أجابه دخل داره وأطعمه من مائدته، ومن لم يجِبْه لم يدخلها ولم يأكل من مائدته. (محْصَنَات) : الإحصان يَرِد على أوجه: العفَّة: (والذين يَرْمون الْفحْصَنَات) . والمراد بهن ذوات الأزواج. والتزوج: (فإِذا أحْصِنَّ فإن أتَيْن بفاحشةٍ) . والحرية: (نصف ما على المحصنات مِن العذاب) ، فاقتضت الآية حدَّ اِلأمَة إذا زَنتْ بعد أن تزوتجت. ويؤخذ حدّ غير المتزوجة من السنّة، وهو مثل المتزوجة، وهذا على قراءة "أَحْصِنَّ" بضم الهمزة وكسر الصاد. وقرئ بفتحهما، ومعناه أسلمن. وقيل: تزوَّجْنَ. (مسَافِحات) : أي غير زانيات، لأن السفاح هو الزنى، وهو منصوب على الحال، والعامل فيه (فانكحوهن) .

стр. 866

مختالاً) : اسم فاعل، وزْنُه مفتعل من الخيلاء، وهي الكبر والإعجاب. (مُلكاً عَظِيما) : الضمير يعود على آل إبراهيم، وهم: يوسف وداود، وسليمان. (مُقِيتا) ، قيل قديراً. وقيل حفيظاً. وقيل الذي يقيت الحيوان، أي يرزقهم القُوت. (مؤْمِنَةٍ) : نعت للرقبَة المعتوقة، ولذلك أجمع العلماء عليه هنا واختلَفوا في رقَبة الظّهار وكفَّارة اليمين كما قدمنا. (متَعمِّداً) : أي يقصد الفِعْلَ قصداً عازماً، فأمّا إن قصد التحليل فهو كافر، وأما إنْ قَصد الفعْلَ مع اعتقاده التحريم فهو عاصٍ في المشيئة عند الأشعرية. واختلف في القاتل عَمْداً إذا تاب هل تقبل توبَتُه أم لا، وكذلك اختلفوا إذا اقتُصّ منه هل يسقط عنه العقاب في الآخرة أم لا، والصحيح السقوط لقوله ﷺ : " مَنْ أَصاب ذَنْباً فعوقب به في الدنيا فهو له كفّارة". وبذلك قال جمهور العلماء. (متَشابِهَات) : قد قدمنا حكم المتشابه في القرآن، وأنه على ثلاثة أضرب: منه ما تعلّق به أهل الزَّيْغِ من خارجي القِبلة، نحو قوله سبحانه: (فوَرَبِّك لنَسْألنَّهم أجمعين) . مع قوله تعالى في الآية الأخرى: (فيومئذٍ لا يُسأل عن ذَنْبِه إنْسٌ ولا جَانٌّ) . ومنه ما تعلّق به أهل البِدْعة مِنْ أهل القِبْلَة من أصول المسائل الفقهية، نحو قوله سبحانه: (لا تدْرِكه الأبصارُ) ، مع قوله تعالى: (وجوهٌ يومئذ ناضِرة) . ونحو قوله سبحانه: (وإذ تَخْلقُ مِنَ الطِّين كهيئة الطَّير) ، وقوله: (وتخلقون إفْكاً)

стр. 867

مع قوله تعالى: (هل مِنْ خَالق غَيْر اللهِ يرزقكم) . وقوله تعالى: (والله خلقكم وما تَعْمَلون) . الثالث ما تعلق به المخالف من مسائل الفروع في الأحكام الفقهية، نحو قوله سبحانه: (وثِيَابَك فَطهِّرْ) ، حيث احتجوا به في إزالة النجاسة بكل مائع غير الماء مع قوله: (وأنْزَلْنَا من السماء ماءً طَهوراً) . وقوله: (وينزلُ عليكم من السماء ماءً ليطهِّركم به) . (مسْتَضْعَفين في الأرض) : اعتذار عن التوبيخ الذي وبختهم الملائكة، أي لم تقدروا على الهجرة. وأما قوله: (والمستَضْعَفين من الرجال والنساء والوِلْدَان) ، فهم الذين حبَسهم مشركو قريش بمكة ليَفْتِنوهم عن الإسلام. (مرَاغَما) ، أي موضعاً ومتحوّلاً يرغم عدوه بالذهاب إليه. (محِلِّي الصَّيْد) : نصب على الحال من الضمير في (لكم) . (منْخَنِقة) : هي التي تخنق بحَبْل وشبهه. (متَجانِفٍ لإثْمٍ) : هو بمعنى غير باغ ولا عاد. (مكلِّبِين) : أي معلمين للكلاب الاصصياد. وقيل معناه أصحاب كلاب، وهو منصوب على الحال من ضمير الفاعل في (عَلَّمْتم) . ويقتضي قوله: علمتم ومكلِّبِين - أنه لا يجوز الصيد إلا بجارح معلم، لقوله: (ما علمتم من الجوارح مكلِّبين) ، على القول الأول، ولتأكيده ذلك بقوله: (تعلمونهن) . (متَرَدِّية) : هي التي تردت من جبل أو حائط أو بئر وفاتت ولم تدرك ذكاتها. (مقَدَّسَة) : مطهرة، يعني أرض بيت المقدس. وقيل الطور. وقيل دمشق.

стр. 868

(مُهَيْمِناً) : ابن عباس. قيل: شاهدا. وقيل مؤتمناً. (مقيم) : أي دائم حيثما وقع. (مصَدِّقاً لما بَيْنَ يَديْه) : يعي التوراة، لأنها قبله، والقرآن مصدّقٌ للتوراة والإنجيل، ومصدقاً عطف على موضع قبله: ْ فيه هدًى ونور، لأنه في موضع الحال. (مقْتَصِدةٌ) : أي معتدلة، ويراد به مَنْ أسلم منهم، كعبد اللَه بن سلام، وقيل: من لم يعاد الأنبياء المتقدمين. (منْتَهون) : توقيف يتضمَّن الزَّجْرَ والوعيد، ولذلك قال عمر: انتهينا، انتهينا. (مسَمًّى عِنده) : إنما جعله عنده، لأنه استأثر بعلمه. (مبْلِسون) : أي متحيِّرون ساكتون، قد انقطعت حجتهم، لأنهم تركوا الاتّعاظ بما ذكّروا به من الشدائد، وفتح عليهم أبواب الرزق والنعيم، ليشكروا عليها فلم يشكروا، فأخذهم الله. (مُخْرِج الميِّتِ من الحيِّ) : معطوف على (فالق) . وفيه إشارة إلى إخراج الحب اليابس من النبات والشجر. وقال ابن عباس وغيره: بل ذلك كله إشارةٌ إلى إخراج الإنسان الحي من النطفة الميتة، وإخراج الْنطفة الميتة من الإنسان الحي، وكذلك سائر الحيوان. فإنَ قلت: ما وَجْة إتيان هذه الآية بلفظ الأمم، بخلاف آل عمران والروم؟ فالجواب لأنَّ بناءها على آية بُنيت على اسم الفاعل، وإن كان خبراً، وهو قوله تعالى: (إنّ الله فالِق الْحَبِّ والنوَى) ، ثم أعقب ذلك بقوله: (فَالق الإصباح وجاعل الليل سكنا) ، فلما اكْتَنَفت الآية اسما فاعلين جِيىءَ فيها باسم الفاعل، ليناسب ذلك، فعطف: (ومُخْرِج) على (فالق) ، إذ هو معطوف على ما عطف عليه، فهو معطوف عليه، ثم جيء

стр. 869

بعد باسم فاعل، وهو قوله: (فالق الإصباح) ، فتناسب هذا، ولم يقع في غيرها من السور مثل هذا، فلذلك لم يعدل إلى اسم الفاعل. واللَه أعلم. فإن قلت: فما بال قوله: (يخرج الحي من الميت) في هذا الموضع ورد بالفعل وقد اكتنفه قوله: (فالق الحب والنوى) . ومخرج الميت من الحي، وهما اسما فاعلين؟ والجواب عن ذلك ما قاله الزمخشري: لأنَّ فَلْق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنْسِ إخراج الحي من الميت، لأن الناس في حكم الحيوان. ألا ترى قوله: (يُحْيي الأرض بعد موتها) . وذكر هذا عقب قوله: (ومخرج الميت من الحي) لأنه معطوف على قوله (فالق الحب والنَوَى) كما تقدم، وهذا من حسناته. (مشتَبِها وغَيْرَ مُتشتابه) : يحتمل أن يكون الاشتباهُ في الأوراق أو في الثمر، ويتباين في الطعم، ويحتمل أن يكون الاشتباه في الطعم وتتباين في النظر. وهذه الأحوال موجودة بالاعتبار في أنواع الثمرات. وأمر اللَهُ بالنظر إلى أول ما يخرج ضَعِيفاً لا منفعة فيه، ثم ينقل من حال إلى حال حتى يتميّع أو ينضج أي يطيب. فإن قلت: هل لقوله هنا: (مُشْتَبِهاً) معنى غير معنى الآية في قوله: (متَشابهاً) ؟ فالجواب: لا فرق بينهما إلا ما لا يعَدُّ فارقاً، إذ الافتعال والتفاعل متقاربان، أصولُهما الشين والباء والهاء، من قولك: أشبه هذا هذا إذا قاربه. ومثاله ورد في هذه الآية على أخفّ التباين، وفي الثانية على أثقلهما رَعْياً للترتيب المتقرر، وقد مرَّ نحو هذا في قوله تعالى: (فمن تَبعَ هُدَايَ) . وقوله في طه: (فمن اتبّعَ هداي) . وأما سِر خَتْم كل واحدة بما يليق بها فلسنا نطيلُ بذكره، ولو تكلمت على سر كل آية وما يليق بها لطال بنا الكتاب، وحارت بالتأمل فيه الألباب، نفعنا الله بهذا القرآن العظيم دِيناً ودُنيا.

стр. 870

(مسْتَقَرّ ومستَوْدعَ) : يعني الولد في صلب الأب، وفي رحم الأم. وقيل: الاستقرار فوق الأرض والاستيداع تحتها، لكن من كسر القاف فهو اسم فاعل (ومستودع) اسم مفعول، والتقدير فمستقر ومستودع، ومَن فتحها فهو اسم مكان أو مصدر ومستودع مثله، والتقدير على هذا لكم مستقر ومستودع. (متَرَاكِبا) : يعني السنبل أو الرمان، لأن بعضه على بعض. (محَرَّمٌ على أزواجنا) : إنما ذكر محرم حملا على لفظ ما، وكانوا يقولون في أجنة البَحِيرة والسائبة ما وُلد منها حيّاً فهو للرجال خاصة، ولا يأكل منها النساءُ، وما ولد منها ميّتا اشترك فيه الرجال والنساء. (مخْتَلِفاً أكلُه) : في اللون والطعم والرائحة والحجم. وفي ذلك دليل على أن الخالق مختار مريد. (مقَرَّبِين) : عطف على معنى " نَعَمْ "، كأنه قال: نعطيكم أجراً ونقربكم. واختلف في عدد السحرة اختلافاً متبايناً، مِنْ سبعين رجلاً إلى سبعين ألفاً. وكلّ ذلك لا أصْل له في صحة النقل. (مُلْقِين) : في تعبيرهم بهذه الجملة الاسمية إشارة إلى أنهم أهل الإلقاء المتمكنون فيه. وتأمَّل إلى تعبيرهم عن إلقاء موسى في قولهم: (إما أنْ تلْقِيَ) - بالفعل، وكيف لا يحقرون أمْرَ موسى وقد كان معهم من أسباب السحر سبعون وِقْراً، فلما رأى موسى ما عندهم أوجس في نفسه خيفه، فأوحى الله إليه لا تخف إنكَ أنْت الأعلى. وكذلك المؤمن في حال النَّزْع يرى ملك الموت يقبض روحه، ويرى إبليس يقصد إيمانه فيخاف ويحزن، فينزل الله الملائكة يبشّرونه بقولهم: (لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) . يا محمدي، هذه الآية الشريفة التي أنزلها الله تعالى على نبيك، فلك فيها من

стр. 871

البشارة ما لا تحصيه العبارة. وقد قيل فيها من الأقوال في الاستقامة والبشارة نحو الخمسين قولاً، وقد قال هذه الكلمة المشرفة أربعة نفر، أولهم فرعون قالها اضطرارا، فأخذه الله نَكَال الآخرة والأولى. وقالها المنافق استكباراً فأورثته الدَّرْكَ الأسفل. وقالها قوم يونس افتقاراً فأورثتهم الأمان. وقالها العارف افتخاراً فأورثته البِشارة والأمن من الخوف. وأعظم من ذلك نزولُ الملائكة عليه، فسبحان مَنْ شرف هذه الأمة الكريمة بخدمة الملائكة لهم، منهم من يستغفر لهم، ومنهم من يحفظ أرزاقهم وأنفسهم، ومنهم من يسوقُ إليهم الرياحَ والأمطار، ومنهم من يقبض أرواحَ الأبرار والفجار. فإن قلت: هل الخوف والحزن بمعنى؟ فالجواب أن الناسَ اختلفوا في الخوف والخزْن على ثلاثين قولاً أو أكثر فقال جعفر الصادق: لاتخافوا مِنْ عَزْلِ الولاية، ولا تحزنوا من كثرة الجناية، وأبشروا بفضل العناية. وقيل: لا تخافوا من الجحيم، ولا تحزنوا من فَوْتِ النعيم، وأبشروا برؤية الكريم. وقيل: لا تخافوا خَوْفَ الكفار، ولا تحزنوا حْنَ الفجّار، وأبشروا بثواب الأبرار. وقيل: لا تخافوا من كثرة العصيان، ولا تحزنوا من قلة الإحسان، وأبشروا بلقاء الرحمن. وقيل: لا تخافوا من العيوب، ولا تحزنوا من الذنوب، وأبشروا بالمطلوب. وقيل: لا تخافوا من العقاب، ولا تحزنوا من الحساب، وأبْشِروا بحسن المآب. وقيل: لا تخافوا من الشقاوة، ولا تحزنوا من القيامة، وأبشروا بحفْظِ الأمانة.

стр. 872

وقيل: لا تخافوا يا أهل الفريضة. ولا تحزنوا يا أهْل السنة، وأبشروا يا أهل النافلة. وقيل: الخوف لأولياء الله، والحزن لعباد الله، والبشارة لمن أطاع الله. وقيل: لا تخافوا يا أهل الصلاة، ولا تحزنوا يا أهل الزكاة، وأبشروا يا أهل الإيمان. وقيل: لا تخافوا يا طالبي الدنيا، ولا تحزنوا يا طالبي العقْبى، وأبشروا يا طالبي المولى. وِقيل: لا تخافوا أيّها المذنبون، ولا تحزنوا أيها المطيعون، وأبشروا أيها المشتاقون. وقيل: لا تخافوا من السؤال، ولا تحزنوا من الحال، وأبشروا بالوصال. وقيل: لا تخافوا يا أهل الملالة، ولا تحزنوا يا أهل الندامة، وأبشروا يا أهل الكرامة. وقيل: لا تخافوا أيها المريدون، ولا تحزنوا أيها الصديقون، وأبشروا أيها المتقون. وقيل غير ذلك من الأقاويل، كلّها لمن قال: (رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) . فإن قلت: شرط مع هذه الكلمة الاستقامة وأنى لنَيْلها؟ فالجواب أن " ثُمّ " على ثلاثة أوجه: للتقديم، (ثم لنَحْن أعْلَم بالَّذين همْ أوْلى بها صِلِيّا) . وللتقرير، (ثم كان من الذين آمَنُوا) . وللترديف، وقَد قدَّمْنَاها في حرف الثاء. وأما الاستقامة فأقرب ما قيل فيها: استقاموا على طريق الهداية والسنّة، ولا يقدح الميل عنها ومخالفتها مَنِ استغفر وأناب، رزقنا الله التوبة والإنابة.

стр. 873

(مُنْقَلِبون) : هذا من قول السَّحَرة، وذلك أن الله تعالى قال له: يا موسى: إنَّ السحرة ألقوا حبالهم وعصيَّهم فرأيت منهم السحر العظيم، فألْق عصاك حتى تنظر إلى قُدْرة الرب الكريم، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مُبين ، فتلقّف سحْرَ السحرة كله، فقصد نحو الكفَّار فاتحاً فَاهُ، فنفر الكفَّار من كل جانب، ومات منهم ما لا يُحْصَى عددهم، ثم قصد نحو سرير فرعون، فلما دنا منه صاح فرعون ونادى: أغِثْني يا موسى، فأخذ موسى عصاه، فعادت إلى حالتها الأولى، فلما رآها السحرة خرّوا سجّداً، وكشف الله لهم حجاب الأرض، فرأوا الثرى، ورفعوا رؤوسهم فنظروا إلى العرش (١) فاشتاقوا للقاء الله، فقالوا: آمَنَّا بربَ العالمين، ربّ موسى وهارون. فقال لهم فرعون: (آمَنْتُم به قبل أنْ آذَنَ لكم) . فقالوا: لا ضَيْرَ يا فرعون، إنك لا تقطع إلا الأيدي والأرجل، ولا تقطع المحبة والمعرفة من قلوبنا. والنكتة فيه أنَّ السحرة كانوا مع الكفر والخيانة، وأقسموا بعزّة فرعون. وقصدوا المعارضة مع معجزة الرسول، فلما سجدوا سجدةً واحدة مع هذه الكبائر، رفع الله لهم حجابَ الأرض والسماوات، وأكرمهم بالإيمان. وأنت يا محمدي إذا سجدْتَ له سبعين سنة أو أكثر، وقصَدْتَ بيتَ الله بالتوبة والندامة، وطهَّرت نفسك من الحدث والخيانة أفَتَرَاكَ تحصر ما أعدّ لك من الكرامة، كلا وعزته ليكشفن لك عن ذاته حتى تتمتّع بقُرْبه في جواره. (مبِين) : نعت لثعبان، وقد قدمنا أنه صار كالجبل العظيم، ففي هذه الآية سماه ثعباناً، وفي أخرى حيّة، وفي أخرى جانٌّ، وفي أخرى عصا، كلّ ذلك تعظيما لها، وكيف لا وقد أهلكت سبعين ألف وِقْر من السحر، وسمَّى كلمة التوحيد بسبعين اسما، ولذلك أهلكت سبعين سنّة بالكفر. هذه العصا معجزة موسى بكلمة التوحيد التي هي كلمةُ المولى. اللهم إنا نستودعكها فأحْيِنا عليها، وأَمِتْنا عليها، وثبِّتْنا عند الحاجة إليها بجاه كلامك ونبيك ﷺ .

стр. 874

تنبيه: جميع الرسل جاءت بهذه الكلمة المشرفة دون سائر الطاعات، وأول مَنْ شهد بها اللَّهُ وملائكته ثم الرسل، قال تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ) . ثم أمرك بها في قوله: (فإن تَولَوْا فقولوا اشْهَدوا بأنَّا مسْلِمون) ، ولا يبقى في الجنة غيرها والقرآن، والحمد للَه، والحب للهِ، فعليك أيها الأخ بحفْظِها، ولا تدنِّسها بالمعاصي، وإن قُدِّرَتْ عليك فامْحها بتوبة، كالثوب تغسله كلما تدنس، وإن لم تتب وتوسخ فيوم زينة الحشر ما تلبس، وحَرّض عليها من أحببته أو تعلق بك. فإن قلت: لأي شيء ذكر الشهادة على نفسه، مع أن الشهادة من النفس لا تقبل؟ فالجواب أنَّ الله لما نجا نبيه محمداً بالرسالة، وأمرهم بتوحيد الله، فقال: قولوا لا إله إلا الله تفْلحوا، فقالوا: مَنْ يشهد أنكَ رسول الله، قال لهم: أي شيء أكبر شهادة، فقالوا: الله أكبر شهادة، فأنزل الله الآية. ومعناها شهد شهادةً فرضيَها، وأمر الخَلْقَ بها بعد شهادته لنفسه في أزَلِه. ففيها رجاء لهذه الأمة، وذلك أنه مدح أهل الطاعة على اختلاف أحوالهم من التائبين والعابدين، وغيرهم، يرَجّي من لم يكن له عَمَل غير الشهادة، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) . إلى قوله: (لكلِمات رْبي) . وهي شهادة أن لا إله إلا الله. فإن قلت: لم ذكر النفي قبل الإثبات؟ والجواب: لإكمال المدحة، لأن قول الرجل: لا عالم في البلد إلا فلان أمدح من قولك: فلان عالم في البلد.

стр. 875

وأيضاً فالنجاة من النار أوْلى من دخول الجنة، فأمر الله أوّلاً بما ينجّي من النار، وهي البراءة من عبادة الأصنام، ثم بالتوحيد الذي يدخل الجنة. وأيضاً فنَفْي الإلهية عن الأصنام إثباث الألوهية للَه، وليس في إثبات الإلهية لله نفى الإلهية عن الأصنام، لأن العاقل لا يكون بغير التولّي إلى معبوده، فإذا نفى الإلهية عن الأصنام ثبت تولِّيه إلى الله، وإذا أثبت الإلهية للهِ فليس يتبرأ عن الأصنام، لأنه ربما يكون لواحد معبودان، فما أشرف هذه الكلمة المشرفة إن وُفِّقت إليها، وأماتَك الله عليها، ألا تراها تسعة عشر حرفاً على عدد الزبانية، وكلماتها سبعة علي عدد أبواب جهنم. ولما كان النهار نصفان والليل نصفان كانت الأنصاف أربعة، ليكون مَنْ قالها في اليوم والليلة مغفوراً له ذنوب ما عمل فيهما. (متَبَّرٌ ما همْ فيه) : من التَّبَار، وهو الهلاَك. والضمير عائد على القوَم الذين قالوا لموسى: اجعَلْ لنا إلهاً نعبده كما يَعْبد هؤلاء أصنامَهم، فقال لهم: أتريدون أن تهلكوا كما هلك هؤلاء. (مبْصِرون) : هو من بصيرة القلب، يعني إذا مسهم طائف من الشيطان تذكّروا عقابَ الله، أو رجاء ثوابه، أو مراقبته أو الحياء منه، أو عداوة الشيطان والاستعاذة منه، والنظر والاعتبار، وغير ذلك. (ممِدّكم بألْفٍ من الملائكة ِ مرْدِفين) ، أي مكثركم. ومن قرأه بفتح الدال فهو اسم مفعولِ، ومن قرأه بالكسر فهو اسم فاعل. وصحَّ معنى القراءتين، لأنَّ الملائكة المنزَلين ردف بعضهم بعضاً، فمنهم تابعون ومتبوعون، يقال: ردفته وأردفته: إذا جئت بعده. (موهِن كَيْدِ الكافرِين) : من الوهن وهو الضعف. وقرئ بالتشديد والتخفيف، ومعناهما واحد. (مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ) ، أي منحازاً إلى جماعة ٍ من المسلمين،

стр. 876

فإن الجماعة حاضرة في الحرب، فالتحيُّز إليها جائز باتفاق، واختلف في التحيُّز إلى الإمام والمدينة والجماعة إذا لم يكن شيء من ذلك حاضرا. وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: أنا فِئَة لكل مسلم، وهذا إباحة لذلك. والفرار من الزحف من الكبائر في أي عصر كان إلاَّ أن يكون الكفار أكثر من مِثْلي المسلمين. (متَحَرِّفاً) : بالنصب على الاستثناء، من قوله: (مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ) . وقال الزمخشري: انتصب على الحال، ومعناه الكرّ بعْد الفَرّ، ليُري عدوّه أنه منهزم ثم يعطف، وذلك من الخداع في الحرب. وفي الحديث: الحرب خدعة. وقد وقع للصحابة من هذا ما تكفل أصحابُ السير بنقله. (مُخْزِي الكافرين) : يعني مُهْلِكهم في الدنيا بالسيف، وفي الآخرة بالنار. (مُؤْتَفِكات) : يعني مدائن قوم لوط، وائتفكت بهم يعني انقلبت. (مُرْجَوْن) : بالهمز وتركه، وهما لغتان، ومعناه التأخير. قيل هم الثلاثة الذين خلّفوا قبل أن يتوبَ الله عليهم. وقيل: هم الذين بنَوا مسجد الضرار. (مُعَذِّرُون) : هم المعتذرون. ثم أدغمت التاء في الذال، ونقلت حركتها إلى العين. واختلف هل كانوا في اعتذارهم صادقين أو كاذبين، وقيل: هم المقصّرون. من عَذَر في الأمر إذا قصر فيه، ولم يجد، فوزنه على هذا المفعلون. وروي على هذا أنها نزلت في قوم من غِفَار، والاعتذار يكون بحق ويكون بباطل. ومُعَذّرون الذين اعذروا، أي أتوا بعُذْر صحيح.

стр. 877

(مَجْراها ومرْساها) : مشتقان من الجري والإرساء، وهو الثبوت، أو من وقوف السفينة. ويمكن أن يكونا ظرفين للزمان أو المكان، أو مصدرَيْن. ويحتمل الإعراب وجهين: أحدهما أن يكون بسم الله في موضع الحال من الضمير في اركبوا، والتقدير اركبوا متبركين ببسم الله، أو قائلين بسم الله، فيكون مجراها ومرساها على هذا ظرفين للزمان، بمعنى وقت إجرائها وإرسائها، أو ظرفين للم كان ويكون العامل فيه ما في قولك بسم الله مِنْ معنى الفعل، ويكون قوله بسم الله متصلاً مع ما قَبْله، والجملة كلام واحد. والوجه الثاني أن يكون كلامين، فيوقف على اركبوا فيها، ويكون بسم الله في موضع خبر، ومجراها ومرساها مبتدأ بمعنى المصدر، أي إجراؤها وإرساؤها، ويكون بسم الله على هذا مستأنفاً غَيْرَ متّصل بما قبله، ولكنه من كلام نوح، حسبما ورد أنَّ نوحاً كان إذا أراد أن يجري السفينة قال: بسم الله، فتجري. وإذا أراد وقوفها قال بسم الله فتَقف. وفي الآية إشارة إلى أن يكون العبد في جميع تصرفاته مشتغلاً بمولاه، ولذلك قال الصوفية: أنت سفينة الوجود، وسفينة نوح ﵇ كان إجراؤها وإرساؤها كما أخبر الحقُّ سبحانه في كتابه بسم الله مجراها ومرساها، وقد أرشدت الشريعة المحمدية أن يكون جميع تحركك وسكونك بذكر الله تعالى. فتفتتح عند نوْمِكَ بسم الله، وعند أكلك وشُربك وخروجك من منزلك ودخولك فيه، ولباس ثوبك وتجريده كذلك، وعند استفتاح كلامك، وعند نكاحك وسفرك وإيابك إلى أهلك، وعند قيامك وقعودك، فإن كنت في حالك محمديّاً رسَتْ سفينتك على جُودِيِّ السلامة، وإن تخلفت عنه لم يكن لك عاصمٌ من أمْرِ الله، وغرقْتَ في طوفان المهالك، وإن لم تشعر أنك هالك فتيقّظ من سَكْرَة هواك تجد روحك في قارورة شهواتك غارقاً في فَضْلة معاصيك.

стр. 878

ذُكِرَ أن ابنَ نوح ﵇ حين تخلّف عن ركوب السفينةِ اتخذ قارورة قَدْر ما تحمله، وصعد على الجبل، فلما بلغه الماء دخل فيها، وأغلقها على نفسه، وأرسل عليه إدرار البول حتى مات غريقاً فيه (١) ، فاكسرها بحجر عزيمة التوبة، وناد بلسان حالك ومقالك: يا منقذ الغرقاء، ويا منجي الهلْكَى، أنقذني، فإني ذاهب، لعل حنين صوتك يشفع فيك، أمَّنْ يجيب المضطَرَّ إذا دَعَاه. (متَّكئاً) : بسكون التاء وتنوين الكاف هو الأترج بلغة الحبشة. قاله ابن أبي حاتم: وبفتح التاء ما يُتَّكأ عليه، وإعطاؤها السكاكين للنساء يدلّ على أن الطعام كان مما يقْطع بالسكاكين كالأترج. وقيل كان لحما. وقيل: أَعْتَدَتْ لهن فراشا يتَّكئْنَ عليه. (مُزْجَاةٍ) : أي قليلة، بلسان العجم. وقيل ناقصة. وقيل: إنَّ بضاعتهم كانت عروضاً، فلذلك قالوا هذا حياء منه، وطلبوا منه الصدقة، ودعوا له، وقالوا: إن الله يجزي المتصدّقين، وسمُّوا الزيادة صدقة. وهذا يقتضي أن الصدقة كانت حلالاً لهم قبل نبينا ومولانا محمد ﷺ . وقيل: تصدق علينا بردّ أخينا إلينا، فلما شكوا له رَقَّ لحالهم وعرَّفهم حينئذٍ بنفسه، فتشبَّهْ بهم واسْتَحِ من مولاك بنَقْص بضاعتك، لعله يمدك، لأن الجفاء يذهب بالصفاء، كيف يصل روح التوحيد والمعرفة الوافية إلى القلوب الجافية الخاطئة القاسية!. فإن قلت: ما منعهم من قولهم: إن الله يجزيك على صدقتك، بل عرضوا له؟ فالجواب أنهم كانوا يعتقدون كفْرَه، لأنهم لم يعرفوه، فلو قالوا: إن الله يجزيك بصدقتك كذبوا، لأن الله لا يجزي الكافر. فقالوا لفظاً يوهم أنهم أرادوه ولم يريدوه. (مُعقِّبَاتٌ) : قد قدمنا أنهم جماعات الملائكة، وسمّوا

стр. 879

بذلك لأنهم يعقب بعضهم بعضاً، ومنه الحديث: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار. وأما قوله تعالى: (لا معَقِّب لِحكمه) فمعناه الذي يكر على الشيء فيبطله، يقال: عقب الحاكم على حكم مَنْ قبله إذا حكم بعد حكمه بغيره. (مصْرِخكم) : مغيثكم. واختلف: هل هذا من قول الشيطان في القيامة أو في النار. (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣) . الضمير للظالمين. والمعنى أنهم يسرعون يرفعون رؤوسهم ويخفضونها من شدة ما يرون من الهول. والهواء المراد به هنا الريح، يعني أنَّ أفئدتهم كالهواء، إشارة إلى ذهابها وعدم انتفاعهم بها. ويحتمل أن يراد العقل، ولا سيما إذا قلنا إن محلّه القلب، وهو أن عقولهم تذهب وتصير كالهواء، لأنهم يذهلون لشدة ما ينالهم. وهذا تشبيه. والبيانيون يجعلونه استعارة، لأنهم يقولون: زيد كالأسد تشبيه، وزيد أسد استعارة، ورأيت أسداً يكر ويفر في الحرب فيه خلاف عندهم، وكذلك زيد مثل الأسد. (مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) : يعني الوعد بالنصر على الكفار. فإن قلت: لم قدم المفعول الثاني على الأول؟ فالجواب أنه قدم الوَعْدَ ليعْلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً على الإطلاق، ثم قال (رسلَه) ، ليعلم أنه إذا لم يخلف وعد أحد من الناس فكيف يخلف وعد رسله وخيرةَ خلقه، فقدَّم الوعد أولاً لقَصْدِ الإطلاق، ثم ذكر الرسل لقصد التخصيص. (مقَرَّنين في الأصفاد) : يعني المجرمين مربوطين في الأغلال، وهذا كقوله تعالى: (في سِلْسِلةٍ ذَرْعُها سبعون ذِرَاعاً) .

стр. 880

وقوله: (مقرنين دعوا هنالك ثبورا) . أي يا ثبوراه، كقول القائل: يا حسرتي، يا أسفي. (متَوسِّمين) : حقيقة التوسم النظرُ إلى السمة، وهي العلامة التي يعرف بها المرء، ومعناها الفراسة، قال ﷺ : "اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله". (مُخْلَصِين) : المخلَص: هو الذي يغويه إبليس بالتزيّن، ولا يسمع منه، أو يزين له ولا يغويه. فإن قلت: هل التزيّن والإغواء بمعنى واحد؟ فالجواب أنَّ الإغواء يستلزم الفعل، والتزين لا يستلزمه، فقوله تعالى: (إلاَّ عبادك منهم المخْلَصين) ، مسبّب عن الإغواء، لا عن التزين. فالمخلَصين يزين لهم ولا يغويهم، ولا يقدر عليهم بوجه. (مقِيم) : أي ثابت يراه الناس. والضميرُ للمدينة المهلكة التي أخذتها الصيحة. (مُشرِقين) : أي داخلون في الشروق، وهو وقت بزوغ الشمس. (مُبِين) : أي واضح. وضمير التثنية في (إنهما) . قيل لمدينة قوم لوط أو قوم شعيب، (فالإمامُ) على هذا الطريق. وقيل للوط ولشعيب، أي أنهما على طريق من الشرع واضح. (مستهْزِئين) : كانوا خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن الطلاطلة. كانوا يستهزئون برسول الله ﷺ ، فكفى الله نبيَّه أمرهم، وأهلكهم بمكة. وقيل: كأبي جهل وأصحابه، أهلكهم الله ببدر. ويحتمل الجميع. (مُنْكِرَة) . نعت للقلوب، يعني أنهم أنكروا وحدانية الله،
следующие страницы →