← Тараджим

Тараджим · id 14197

نيل الابتهاج بتطريز الديباج

أحمد بابا التنبكتي

Полный текст (625 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

نيل الابتهاج بتطريز الديباج تأليف أحمد بابا التنبكتي (٩٦٣ هـ - ١٠٣٦ هـ) عناية وتقديم الدكتور عبد الحميد عبد الله الهرامة

стр. 2

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف الطبعة الثانية ٢٠٠٠ إفرنجي الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى دار الكتاب هاتف: ٦/ ٤/ ٤٨٠٦٥٦٣، فاكس: ٤٨٠٦٤٨٣ ص ب: ٨٤٥٥٧ البريد المركزي - طرابلس

стр. 3

نيل الابتهاج بتطريز الديباج

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الثانية تكتسي هذه الطبعة من نيل الابتهاج طابع الاستعجال لأنها جاءت استجابة لطلب محدد الوقت من إخوة أفاضل في جمهورية مالي الشقيقة، وهم يرون في هذا الكتاب مصدرا من مصادر تاريخهم الثقافي والاجتماعي المهمة، وهو كذلك فعلا، لهم ولجميع المتساكنين على جانبي الصحراء الكبرى. وعلى الرغم من ذلك الاستعجال فإن هذه النشرة قد صححت كثيرًا من الأخطاء التي وجدت في النشرة الأولى، بل في غيرها من الطبعات السابقة، فقد أدت طباعة النص سابقًا اعتمادًا على أصل وحيد، وخروج النص في بلد آخر دون مراجعة وتصحيح المشرف، إلى وقوع أخطاء في أسماء الأعلام، والنصوص الشعرية على وجه الخصوص، وكان ذلك سببًا في ظهور تلك النشرة خِلْوًا من فهارس القوافي والألقاب، وهي مفتاح مهم لمادة الكتاب تيسرت إضافته في هذه الطبعة، بحمد اللَّه. ولقد عوضنا عن عدم توفر نسخ المخطوط بالرجوع التي ست نسخ من كتاب "كفاية المحتاج" وهو مختصر "نيل الابتهاج" تم جلبها من: مالي، والنيجر والمغرب، بالإضافة التي نسختين من ليبيا، ونسخة من "نيل الابتهاج" نفسه، ونسخة من "وجه الابتهاج" الذي كان يُظَنُّ بأنه نسخة أخرى من "نيل الابتهاج"، وهو يحتوي على اضافات واختصارات تجعله أشبه ما يكون بكتاب

стр. 5

آخر لولا الاشتراك الكبير بين الكتابين، واعتماد ثانيهما في كتابته على الأول، شأن اعتماد الكفاية على النيل. وقد أشرت إلى هذه المصادر في التصحيحات العجلي التي أجريتها على هذه الطبعة، برموز أثبتها فيما بعد، دون أن أسمي ما قمت به تحقيقا علميا، لأن ذلك يستدعي وجود المتوفر من نسخ المخطوط وهو ما لم يتيسر لي في هذه النشرة. الرموز المستخدمة: نيل الابتهاج - نسخة الخزانة الحسنية رقم ٢١٩٣. . . . . . . ح وجه الابتهاج - بتذييل الديباج. . . . . . . وكفاية المحتاج - نسخة مركز جهاد الليبيين: ١١٩٤. . . . . أ كفاية المحتاج - نسخة أخرى في المركز برقم ١١٩٥. . . . . ب كفاية المحتاج - نسخة معهد البحوث بالنيجر. . . . . هـ كفاية المحتاج - نسخة الخزانة الكتانية بالخزانة العامة بالمغرب. . . . . ج كفاية المحتاج - نسخة الخزانة الملكية بالمغرب. . . . . د كفاية المحتاج - نسخة مركز أحمد بابا التنبكتي بمالي. . . . . ز وأنتهز هذه الفرصة لشكر الذين أسهموا في التعجيل بإصدار هذه الطبعة، وأخص منهم بالذكر (دار الكتاب) التي تفضل صاحبها الصديق الدكتور عارف على النايض بتحمل تكاليف النشر، راجيًا له ولداره الفتية كلَّ التوفيق في إصدار الكتب النفيسة خدمة للعلم والتراث الإسلامي والحاضر الثقافي. واللَّه ولي التوفيق عبد الحميد عبد اللَّه الهرَّامة طرابلس: في ٣/ ٣ / ١٩٩٣

стр. 6

شكر وتقدير أذكر بالشكر والعرفان كلَّ الذين أسدوا لهذا العمل أياديَ كريمةً عجلت في إخراجه في طبعته الأولى. وليسمحوا لي أن أخص بالذكر منهم الأخ الأستاذ المهندس: الصديق بشير نصر الذي أدين له بالفضل لمعاناته في المراجعة، ولما أسداه من ملاحظات قيمة وآراء صائبة. فجزاهم اللَّه جميعًا خير الجزاء على حسن تعاونهم وكريم فضلهم.

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الأولى الحمد للَّه المتفضل على عباده بالتوفيق، الميسر لهم سبل التقدم بنور العلم وهدي المعرفة. . . أما بعد. . . فلا تخفى أهمية كتب التراجم في كونها تسجيلًا لحياة الأفراد الممتازين على اختلاف ميادين بروزهم، ودرجات تفوقهم، حين تعتبر كتب التاريخ العام تسجيلًا لأطوار الدول، وحياة الملوك. ولذا فلن تجد في الثانية ما تجده في الأولى من اهتمام بحياة الشعوب في تفاصيلها الدقيقة، وجوانبها المتنوعة، كبيان معارفهم، ووصف عاداتهم ومعتقداتهم، وربما خرافاتهم أيضًا. وهي مع ذلك لا تهمل الأحداث التاريخية في عصر المترجم لهم وان أوردتها في إشارات عجلى وإيماءات سريعة، قد تكون غاية في الأهمية للمؤرخ العام. وكتاب "نيل الابتهاج" مما يصدق عليه اعتباره ضمن كتب التراجم، لأنه يترجم فعلًا لفئة من الناس تجمعها صفة الاهتمام بالدراسات الدينية والعربية، وتتميز تراجمه بدقة الوصف وامتاعه، مع قدرة فائقة على إيراد التفاصيل تتمثل بخاصة في تراجم من عاصرهم المؤلف وأطال عشرتهم.

стр. 8

والكتاب مع ذلك لرجل من افريقيا الغربية، أسهم بقسط وفير في ربط وشائج بلاده مع الأقطار الإسلامية بصفة عامة والبلاد الافريقية الشمالية على وجه الخصوص، وقد وجد فيه طلاب كلية الدعوة الإسلامية -وأغلبهم من افريقيا- عددًا من الأمور العلمية، ومستغلقات المسائل التي يواجهها الباحث حين مباشرته لتحقيق المخطوطات، أو عند كتابته للبحوث العلمية الأخرى، ولقوا نصيبًا مما يلاقيه ذلك الباحث من العناء، وجرّبوا بعض ما يجرب من الحلول. ولما كان هذا الكتاب ذا أهمية بالغة في بابه لتعلقه بتاريخنا الثقافي والاجتماعي، ونظرًا لنفاد طبعاته القديمة غير المحققة رأت كلية الدعوة الإسلامية أن تقدمه إلى الباحثين، وأن تطلعهم من خلاله على جانب من جهود طلابها في دراساتهم التطبيقية، شعورًا منها بأهمية هذا الجانب، في إكمال الغاية من العملية التعليمية. وإذا كان هذا الوقف يدعو إلى الشكر فإن هذه الكلية جديرة به، يشاركهِا في الفضل أولئك الطلاب الذين عكفوا على العناية بهذا الكتاب شهورًا طويلة، ترجموا خلالها لأعلامه كلها، وخرّجوا كثيرًا من نصوصه، وعرفوا ببلدانه. غير أن العمل بتلك الصورة -مع دلالته على الجهود المبذولة وفائدته في الدراسة التطبيقية- كان عبئًا في مرحلة الراجعة ومرحلة الطباعة ولذا رأينا عدم إثقال النص الأصلي بالتعليقات والشروح والتعريفات الإضافية، والاكتفاء بالإشارة إلى بعض المصادر لزيد التعريف بالمترجم لهم دون غيرهم، آملين أن يستكمل تحقيق الكتاب، وتستوفى العناية به في فرصة أخرى إن شاء اللَّه. وقد يقرأ الكتاب من يرى في بعض صفحاته ما يخالف وجهة نظره، وبخاصة عند تراجم المتصوفة، فيسيء إلى قيمة الكتاب غير عابيء بما تضمنه من معارف نفيسة، وأخبار نادرة، اختص بها دون غيره من المصادر، ولذا

стр. 9

فالكتاب مقدّم لمن يعرف قيمته في صورته الإجمالية، وينصف كاتبه باعتباره أحد البارزين في هذا الميدان. وهو فوق ذلك جانب من تاريخنا الثقافي بأضوائه وظلاله، نقدمه للدارسين من أجل بحث النسيج الكون لثقافتنا العامة بمفهومها الواسع، من عادات وتقاليد وآداب وقيم، ومعتقدات. ولا يخفى ما في الكتاب من شطحات صوفية مخالفة لمنطق العقل وظاهر الشريعة، ومبالغات أخرى ليس من بقائها بدٌ لأنها من محتويات النص الأصلي، ولم نر ضرورة للتعليق عليها منفردة في مواضعها، فأثبتنا هنا إشارة عامة، يدركها عند المطالعة القارئ العابر، بله الناقد الحصيف. ومما قد يؤخذ على المؤلف، ولا يمكن تتبعه داخل الكتاب تصرفه في الاقتباسات تصرفًا ظاهرًا ينحو فيه غالبًا منحى الاختصار، وقد يهدف إلى تغيير الأسلوب أو تصويب العبارة، ويكون في النادر مخلًا بالمعنى مسيئًا إلى الخبر المنقول. على أن الكتاب ذو أهمية قصوى في نواح بعينها من اهتمامات الباحثين العاصرين، فهو جدير بمراجعة المهتمين بطرق التدريس وتطورها والمعتنين بالتاريخ العام شمال وغرب افريقيا الأندلس والراصدين لطبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية في هذه المناطق. هذا، فضلًا عن عنايته بالحياة العقلية في فترات مجهولة من تاريخنا، وتركيزه على ما اعتراها من تأثيرات علمية أو صوفية أو أدبية، وما انتابها من هزات بفعل الانقلاب الحضاري الكبير الذي حل بها بعد القرن الثامن الهجري. نرجو أن يجد فيه كل هؤلاء المهتمن غايتهم واللَّه المستعان على الكمال.

стр. 10

تعريف بالمؤلف * - هو أبو العباس أحمد بابا بن أحمد بن أحمد بن عمر بن محمد بن أقيت بن عمر بن علي بن يحيى بن كدالة بن مكي بن نيق بن لف بن يحيى بن تشت بن تنفر بن حيراي بن النجر بن أبي بكر بن عمر الصنهاجي الماسني السوداني التكروري التنكبتي (١). ولد ونشأ في تنبكتو عام ٩٦٣ هـ (١٥٥٦ م) في اسرة من بني أقيت المسوفيين المعروفين بانتسابهم إلى العلم، وحظوة أغلبهم بمكانة اجتماعية عالية

стр. 11

بين سكان الإقليم لاشتغالهم بالقضاء والتعليم واعتبارهم من أهل الفتيا والشورى والوجاهة (١). تلقى التنبكتي تعليمه في البيئة السودانية التكرورية على يد والده (٢) الذي أخذ عنه الحديث سماعًا، والمنطق وكان مما درس عليه الصحيحان وكتاب الشفاء للقاضي عياض وغيرها. وأخذ النحو عن عمه أبي بكر بن أقيت (٣) وقرأ على القاضي العاقب بن الشيخ أبي الثناء محمود بن عمر (٤) وأجازه، كما أجازه من مكة الشيخ يحيى بن محمد الحطاب (٥) وأجازه الشيخ محمد بن محمد المعروف بمحمد خادم الغلاني (٦) على أن أبرز أساتذته وأكثرهم تأثيرًا في حياته شيخه محمد بغيغ (٧) الذى لازمه سنتين قرأ عليه فيهما علوم التفسير والحديث والفقه والأصول والعربية والبيان والتصوف والتنجيم والمنطق والعروض وغيره من كتب تعد أمهات في بابها يزيد عددها عن أربعة وعشرين كتابًا ذكرها مفصلة ضمن ترجمته الواردة في كتابه كفاية المحتاج (٨) وفيها وصف بطبيعة دراسته على شيخه كقوله: "فقرأت عليه بلفظي. . . قراءة بحث وتحقيق وتحرير". وقوله: "وختمت عليه الموطأ قراعة تفهم". وقوله: "سمعت بقراءته هو. . . وبقراءة

стр. 12

غيري. . ." وذكر أنه باحثه في المشكلات وراجعه في المهمات ثم قال: "وبالجملة فهو شيخي وأستاذي ما انتفعت بأحد انتفاعي به وبكتبه". محنه: عاش التنبكتي حتى أواخر العقد الثالث من عمره في أسرة تتمتع بالرئاسة والجاه، ثم حلّت به محن شداد (١) طبعت حياته الباقية بطابع الحزن كما يبدو من قراءة سيرته ومؤلفاته. ففي السابعة والعشرين من عمره فقد والده وهو أستاذه الأول، وفي التاسعة والثلاثين حاصر القائد المغربي محمد بن زرقون عشيرته بني أقيت فيما يسميه المؤلف بالكائنة العظمى (٢) لما لحقهم فيها من التنكيل والعذاب إذ سيقوا موثقين بالقيود إلى مراكش، حيث أودعوا السجن من أول رمضان عام ١٠٠٢ حتى يوم الأحد الحادي عشر من رمضان سنة ١٠٠٤ هـ وفي الطريق إليها سقط الشيخ عن ظهر الجمل فكسرت ساقه، وفقد في هذه المحنة ستمائة وألف مجلد من كتبه (٣) وفي ذروة هذه المحن أصيبت عشيرته بوباء الطاعون فمات معظم أفرادها فيما يروي المؤرخون (٤) وفي هذه الفترة العصيبة فقد من أقاربه الأدنين ابنه محمدًا (٥) وعمه عبد اللَّه بن محمود بن أقيت (٦). إن هذه المحن تفسر ضيق أحمد بابا بمراكش حتى قال عند مغادرتها: "لا ردّني اللَّه إلى هذا المعاد، ولا رجعني إلى هذه البلاد" (٧). وهو ما يؤكد أن

стр. 13

إقامته في مراكش بعد إطلاق سراحه ما كانت باختياره كما جاء في رواية ابن شنب وبروفنسال بدائرة المعارف الإسلامية في طبعتها الأولى والثانية (١) بل كانت إقامة قسرية كما قال السلاوي فيما نصه: "ولم يزل بمراكش إلى أن مات المنصور، لأنه ما سرحهم حتى شرط عليهم السكنى بمراكش، ولما توفي أذن ابنه زيدان لآل أقيت في الرجوع إلى بلادهم (٢) ". وعلى الرغم من شدة المحن التي ابتلي بها الكاتب في هذه السنوات المراكشية كانت تلك من أغنى فترات حياته عطاء وشهرة. ففيها ختم بعض كتبه سنة ١٠٠٤ هـ (٣) وأكمل أشهرها وهو "نيل الابتهاج" سنة ١٠٠٥ هـ (٤)، واختصره في "كفاية المحتاج" الذي تعود إحدى نسخه الكاملة إلى صفر من سنة ١٠١٢ هـ (٥) هذا فضلًا عن جلوسه للتدريس بعد خروجه من السجن وازدحام الطلاب من حوله ودوران الفتيا عليه لفظًا وكتابة، بحيث لا تتوجه غالبًا إلا إليه (٦) وأشار في "النيل" إلى أن اللَّه قد جبر عليه فعادت له بعض كتبه بعد دخوله لمراكش (٧). عودته ووفاته: عاد التنبكتي إلى بلاده اثر وفاة السلطان المنصور الذهبي وبعد أن أذن ابنه التولي بعده في رحيل آل أقيت عن مراكش وقد حدد موعد عودتهم في دائرة المعارف الإسلامية بسنة ١٠١٤ هـ. وفي كتاب الأعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام ما يؤكد هذا التحديد (٨) غير أن الأحداث التاريخية تشير

стр. 14

إلى أن سيطرة زيدان بن المنصور على مراكش لم تتم حتى سنة ١٠١٥ هـ، حيث دخلها في أواخر هذه السنة (١) فليتأمل. وفي تنبكتو قضى المؤلف العشرين سنة الأخيرة من حياته في التعليم حيث انتقل إلى الرفيق الأعلى يوم الخميس السادس من شعبان سنة ١٠٣٦ هـ/ ١٦٢٧ م (٢). وفي رواية أخرى أن وفاته كانت سنة ١٠٣٢ هـ (٣). بيئته الثقافية: شهد عصر التنبكتي في بيئته التكرورية والمغربية اهتمامًا خاصًّا بالعلوم الشرعية، وعناية بالغة بجمع الكتب، ففي تنبكتو مكان ميلاد أحمد بابا وموطن تعليمه نجد إقبالًا عظيمًا على جمع المخطوطات، يفهم من قوله في كفاية المحتاج: "وأنا أقل عشيرتي كتبًا نهب لي ألف وستمائة مجلد" (٤). ومهما يكن في قوله من مبالغة أو مطابقة فإن في وصف افريقيا للوزان المتوفى سنة ٩٥٧ هـ ما يؤازره، حيث جاء فيه عن تنبكتو ما نصه: "إن المخطوطات الكثيرة من بلاد (المغاربة) كانت تباع وتدر على أصحابها أرباحًا تفوق أرباح سائر البضائع (٥) فإذا عرفنا أن عشيرة المؤلف من وجوه البلاد وعلمائها وقضاتها ترجح صدق ما ذكره المؤلف عن كثرة كتبهم. قال السلاوي: "وتوارثوا رئاسة العلم مدة طويلة تقرب من مائتي سنة وكانوا من أهل اليسار والسؤدد والدين" (٦). فالمظنون إذن أن تكون أنفس وأغلب الكتب

стр. 15

التي أشار إليها الوزان المتوفى قبل ولادة المترجم له بست سنوات، قد استقرت في خزائنهم. وفي البيئة المغربية صادفت وجود الرجل هناك فترة مزدهرة من حياة الدولة السعدية، إذ تزامن وجوده مع عصر المنصور الذهبي ٩٨٦ هـ - ١٠١٢ هـ وهو العصر الذي حظي من المنصور بدعم خاص للجهود العلمية، وتنافس العلماء أثناءه في التأليف، حتى ألفت برسم خزانته مئات الكتب وألفت عن حياته كتب منها: "المنتقى المقصور" لابن القاضي، و"المدود والمقصور" لابن عيسى، و"مناهل الصفا" للفشتالي (١). وقد جاء التنبكتي إلى هذه البيئة وعمره يناهز الأربعين سنة فأسهم فيها بالتأليف والتعليم والإفتاء كما تقدم، وكان أستاذًا لجماعة من علمائها المشاهير من أمثال ابن القاضي صاحب "جذوة الاقتباس" (٢) ومحمد بن يعقوب صاحب فهرسة أشاد فيها بفهم التنبكتي وحسن تصنيفه (٣)، وأحمد المقري صاحب روضة الآس (٤) والقاضي أبو النعيم الغساني والمفتي الشيخ الرجراجي وغيرهم وهم كثر. مؤلفاته: أكثر التنبكتي من التأليف حتى قال تلميذه محمد بن يعقوب: "كان أخونا أحمد بابا. . . مطبوعًا على التأليف" (٥) وكانت مؤلفاته موزعة بين الفقه والتراجم

стр. 16

"والنحو والحديث والتصوف وغيرها، في كتب ورسائل تزيد عن الأربعين حتى مستهل صفر عام ١٠١٢ هـ على ما أورده التنبكتي نفسه في كفاية المحتاج. ومن هذه المؤلفات: ١ - المقصد في الشرح على مختصر خليل. ٢ - حاشية منن الجليل على مهمات تحرير الشيخ خليل. ٣ - نيل الابتهاج بتطريز الديباج. ٤ - كفاية المحتاج لمعرفة من ليس في الديباج. ٥ - النكت الوفية بشرح الألفية. ٦ - التحديث والتأنيس في الاحتجاج بابن ادريس. ٧ - اختصار شرح المقدمة الصغرى. ٨ - تنبيه الواقف على تحرير نية الحالف. ٩ - جلب النعمة ودفع النقمة بمجانبة الظلمة أولي الظلمة. ١٠ - ترتيب جامع المعيار للونشريسي. ١١ - نيل الأمل في تفضيل النية على العمل. ١٢ - اللآلي السندسية، مختصر عن المواهب القدسية لمحمد الملالي. ١٣ - غاية الأمل في تفضيل النية على العمل (٢). ١٤ - غاية الإجادة في مساواة الفاعل للمبتدأ في شرط الإفادة. ١٥ - تعليق على مواضع من خليل ومواضع من ابن الحاجب. ١٦ - مسائل متضمنة فنونًا في صورة أسئلة. ١٧ - فتح المحيي في مسألة حي. ١٨ - المسك الأنم إلى معرفة هلم. ١٩ - منور الحالك في شرح بيتي ابن مالك. ٢٠ - المطلب والمأرب في أعظم أسماء الرب. ٢١ - جزء في تكفير الكبائر بالأعمال الصالحة.

стр. 17

٢٢ - نشر العبر. ٢٣ - خمائل الزهر. ٢٤ - الدر النضر، وهذه الكتب الثلاثة ذات الأرقام (٢٢ - ٢٣ - ٢٤) في الصلاة على النبي ﷺ . ٢٥ - رسائل نثرية مودعة في المكتبة الجزائرية. ٢٦ - فوائد النكاح على مختصر كتاب الوشاح للسيوطي. ٢٧ - معراج الصعود، أشار إليه السلاوي في الاستقصا (١). ٢٨ - استطراد الظرفاء، ذكره مؤلف "بذل الناصحة" وأشار إلى أنه أخفاه إلى أن سافر إلى بلده (٢). ٢٩ - تحفة الفضلاء ببعض فضائل العلماء، منه نسخة في الخزانة العامة بالرباط، وثلاث نسخ في الخزانة الملكية (٣). ٣٠ - مرآة التعريف بفضل العلم الشريف (٤).

стр. 18

تعريف بالكتاب سمي هذا الكتاب بأسماء مختلفة حسب ورودها في عناوين النسخ الباقية منه حتى الآن، ففي إحداها كان عنوانه "نيل الابتهاج في التذييل على الديباج" وفي نسخة ثانية "وجه الابتهاج في الذيل على الديباج" (*) وفي الثالثة "نيل الابتهاج بتطريز الديباج". ويقع الكتاب في عدد من الصفحات يختلف باختلاف النسخ المخطوطة التي تتراوح ما بين ٩٠ و ٢٨٦ ورقة، ويشير الناسخ في خاتمة بعضها إلى تمام كتابها بدرب عبيد اللَّه من مدينة مراكش في ١٧ من جمادى الأولى سنة ١٠٠٥ هـ (١). وقد وضع كتاب "نيل الابتهاج" ليكون ذيلا على كتاب "الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب". لابن فرحون المدني المتوفى سنة ٧٩٩ هـ. وبذلك كان مشاركًا له في موضوعه، موفيًا ما نقص من مادته ومضيفًا عليه من جاء بعده من أعيان الفقهاء حتى عصر المؤلف. أما سبب تأليفه فيوضحه أحمد بابا بقوله: "لما كان علم التاريخ ومعرفة

стр. 19

الأئمة. . . من الأمور العلية، ويعتني به كل ذي همة ذكية. . . اعتنى به الأئمة قديمًا وحديثًا. وذكر جماعة من العلماء الذين سبقوه في موضوع كتابه حتى انتهى إلى ابن فرحون وكتابه، ثم قال: فما زالت نفسي تحدثني من قديم الزمان وفي كثير من ساعات الأوان باستدراكي عليه ببعض ما فاته أو جاء بعده من الأئمة الأعيان" (١). وخصص جانبًا من آخر كتابه لمصادره (٢) وذكر منها في "كفاية المحتاج" أربعين مرجعًا بعضها لم يعرف سبيله إلى النشر ومنها ما لم يعثر عليه حتى كتابة هذه الأوراق، وأبرز مؤلفي مصادره ابن الأبار والتادلي وابن الزبير والتجيبي وابن فرحون والمقري والحضرمي وابن الخطيب وابن خلدون وأبو زكريا السراج وابن الأحمر والمنتوري وابن مرزوق الحفيد والسيوطي، مع مؤلفي الرحلات الغربية من أمثال القلصاري والعبدري والقسنطيني والقتوري ومنهم جامعو الفهارس والكناشات، ومؤلفو الكتب الفقهية. واعتمد بالإضافة إلى هذه المصادر المكتوبة على مصادر شفهية ممن عاصرهم من الشيوخ، كما اعتمد على صلاته الواسعة ببعض من ترجم لهم من معاصريه. وقد أشاد جماعة من الكتاب بأحمد بابا التنبكتي وكتابه وأشاروا إلى أنه كان ثقة فيما يرويه عنِ معاصريه (٣) وأخذ عليه بعضهم نقله عن غيره دون إشارة إلى المصدر أحيانًا، فقد استنتج عبد الجليل التميمي في مقال له عن "نيل الابتهاج" أن المعلومات الببليوغرافية المتعلقة بالقرن العاشر وأوائل الحادي عشر الهجرى تكاد تكون سليمة وصحيحة وموثوق بها، بخلاف ما أورده حول أعلام القرون الأولى من الرصيد المكتبي (٤) وقال: "إن الكتاب يعتبر أساسًا سجلًا للأعلام الأندلسيين والتونسيين والمغاربة والجزائريين والطرابلسيين" واعتبر بروفنسال هذا الكتاب من أهم المصادر المغربية المتعلقة

стр. 20

بالتراجم وقال: "إن أحمد بابا التنبكتي جدير بأن يسجل اسمه ضمن المؤرخين غير المباشرين للمغرب أواخر القرن السادس عشر الميلادي" (١). وجاء في دائرة المعارف الإسلامية أن كتاب النيل هذا من المصادر العمدة في استعراضه المراجع التي تحدثت عن الغرب وأعلامه حتى القرن السادس عشر الميلادي (٢). أما السملالي فقد اتهم المؤلف بأنه يختصر كلام صاحب الجذوة ولا ينسبه إليه في تراجم المتأخرين. وقال: "إنه قد يزيد في بعض المواضع عما في الجذوة" (٣). ويؤكد محمد الهيلة في تعريفه بالإمام البرزلي أن التنبكتي اكتفى بنقل ما كتبه ابن مريم ونسب لنفسه ما نقله عنه، ثم أورد مقارنة بين نص ابن مريم التالي: "قلت: ذكر بعض أصحابنا وفاته سنة ٨٤٢ هـ وكذا رأيته مقيدًا في بعض المواضع". وبين قول أحمد بابا. قلت: "ورأيت في بعض التقاييد أن وفاته سنة ٨٤٢ هـ (٤) ولا تثبت المقارنة كما نرى تهمة النقل الحَرْفِي غير الموثّق. وأشار كاتب آخر إلى أن التنبكتي قد نقل من كتاب الفهرس لابن منجور ما يتعلق بعمر الوزان (٥)، وقد نبه أحمد بابا نفسه أنه أفاد من فهارس الشيوخ ولم ينكر الأخذ من فهرس ابن منجور. طُبع نيل الابتهاج عدة طبعات غير محققة أكثرها على حاشية الديباج فمن طبعاته تلك طبعة فاس سنة ١٣١٧ هـ والقاهرة سنة ١٣٢٩ هـ وطبعة العاهد سنة ١٣٣٥ هـ. أما اختصارات وذيول هذا الكتاب فقد بدأها المؤلف نفسه باختصاره

стр. 21

المسمى "كفاية المحتاج لمعرفة من ليس في الديباج" وقدمه بقوله: "وبعد فهذا جزء اختصرته من الذيل الذي ذيلت به كتاب الديباج المُذهب في معرفة أعيان المذهب". وأضاف أنه اقتصر فيه على مشاهير الأئمة وأولي التصانيف دون غيرهم غالبًا فبدأ بترجمة الأحمدين وتبع الترتيب الهجائي الذي سار عليه في الأصل، ثم ختمه بترجمتين لم يذكرا في ذلك الأصل، ثم عَرَّف بنفسه وذكر مصادر كتابه (١). وفي عصر المؤلف كُتب مختصر آخر لمصنف مجهول لا زالت منه نسخة في الخزانة العامة بالرباط (٢) وهناك نسختان من مختصر صغير منه لمصنف مجهول أيضًا مودعتان في الخزانة الملكية بالمغرب (٣) ويعد كتاب اليواقيت الثمينة في أعيان مذهب عالم المدينة لمحمد بن بشير بن ظافر المدني توفي ١٩٠٩ م. ذيلًا على نيل الابتهاج (٤). وكما حظي نيل الابتهاج بذيول ومختصرات وجد مختصره كفاية المحتاج من يعمل على تذييله وتكميله، فقد ألف محمد بن الطيب القادري الحسني كتابًا بعنوان "الاكليل والتاج" في تذييل كفاية المحتاج لمعرفة من ليس في الديباج يقع في مائة ورقة تمت كتابتها في ربيع الثاني سنة ١٢١٧ هـ (٥).

стр. 22

نيل الابتهاج بتطريز الديباج

стр. 23

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد للَّه المنفرد (١) بالبقاء، الحاكم على سواه بالفناء، المختص بالإحاطة والإحصاء. والصلاة والسلام على سيدنا محمد المرسل بالحنيفية الغراء، وعلى آله وصحبه أنجم الاقتداء، وبدور الاهتداء، وحافظي الشريعة بعدهم مصابيح الاقتداء، ما كرّ ظلام بالليل، وبالنهار ضياء. وبعد. . . فيقول الفقير لرحمة ربه القدير، أحمد بن أحمد بن أحمد بن عمر بن محمد أقيت عرف ببابا التكروري ثم التنبكتي المالكي -وفقه اللَّه لرضاه، وأناله حلاوة تقواه-: لما كان علم التاريخ ومعرفة الأئمة من علماء الملة، من الأمور العلية، يعتني به كل ذي همة زكية، إذ هم نقلة الدين وحملة الشريعة المحمدية، وبه يتميز الصالح من الطالح، والمسخوط من المقبول، ويعرف ذو العدل منهم ومن هو مجهول، فيعطي كل ذي حق حقه، كما ورد به أمر من الرسول، اعتنى الأئمة قديمًا وحديثًا بالوضع فيها على أنحاء متفاوتة، وأضرب متباينة، فبعضهم عرف المحدِّثين والرواة جرحًا وعدالة، وبعضهم عرف أهل الفقه ومن لهم فيه مقالة، أو انتسب إلى حملته وانتحى له، وكان ممن سعى في ذلك من أهل مذهبنا المالكية سعيًا حثيثًا، وجمع فيه ما تفرق عند غيره قديمًا

стр. 24

وحديثًا، الإمام الكامل، الجليل الفاضل، أبو الفضل عياض (١)، ملأ اللَّه تعالى ثراه من رحماه أزاهير رياض. ثم تابعه جماعة اختصروا من مداركه بعض ما تيسر كابن حماد (٢) وابن رشيق وابن علوان (٣)، وغيرهم من فضلاء الأعيان. ثم جاء الإمام العلامة الحافظ القدوة أبو إسحاق إبراهيم بن فرحون المدني، أدخل اللَّه على رمسه الريح الهني، فقطف من كلامه بعض ما ذكر، واستدرك عليه جماعة ممن عنه تأخر، فرتبه على حروف المعجم، وبين فيه بعض من قد يخفى أو يبهم، فهو وإن لم يوف من ذلك مطلوب الغرض، فلقد قام ببعض الحق المفترض. فما زالت نفسي تحدثني من قديم الزمان، وفي كثير من ساعات الأوان، باستدراكي عليه ببعض ما فاته أو جاء بعده من الأئمة الأعيان، فقيّدت فيه بحسب الإمكان، حين كنت ببلد بعيدة عن نيل المقصد من ذلك، لبعدها عن مدن العلم وكتب هذا الشأن، فقصر بي الحال مع عدم مساعدة الزمان، لما بلينا به من حوادث الوقت وفتنة تشغل عن كل فرض، وترمي بشرر كالقصر في الطول والعرض. هذا مع أن المجتهد في هذا الغرض مقصر، والطيل مختصر؛ إذ ما يذكر! أقل من معشار ما يغفل، وما ينقل لا نسبة بينه وبين ما يجهل، فبحار المدارك مسجورة، وغايات الإحسان على الإنسان مهجورة، وحسبك في صعوبة الحال إنا لم نجد أحدًا تعرض لجمع ذلك بعد ابن فرحون، أو تصدّى لذلك في جدّ أو مجون، إلا رجلًا واحدًا من أهل العصر، ذكر في مجموع نحو ثلاثمائة رجل، بيّض لتراجم منهم لم يجد لمعرفتهم سبيلًا، ولا ذكر من حالهم كثيرًا ولا

стр. 25

قليلًا، مع أنه من أهل مصر والقاهرة، وله حظ من الرياسة الظاهرة، وعنده من الكتب، على ما قيل، ما لا يحصى، لما ناله من السعادة الباهرة، وقِدْمًا قيل "نعم العون على العلم الرياسة"، فما الظن بمن في طرف من آخر المعمور، خال عن العلم وأدواته، خادع نفسه بسراب التمني والغرور؟ ولولا فضل المولى ذي الفضل والإحسان، الذي يفتح على من يشاء من عباده بما شاء من أنواع الامتنان، ما جمعت في هذه الكراريس ما تيسر لي من ذلك ممن ليس في ديباج ابن فرحون مذكورة، وزدت في بعض تراجم من ذكره ما ترك من أوصافه المشكورة، فجاء -بحمد اللَّه تعالى- فوق ما أردت، وزائدًا على ما نويت وقصدت، وسميته بـ (نيل الابتهاج، بتطريز الديباج)، جعله اللَّه تعالى خالصًا لكريم وجهه، وموجب الفوز لديه بفضله. مقدمة: قال بعضهم نقلًا عن "أبي شامة" (١) قال "أبو مصعب الزبيدي": ما رأيت أحدًا أعلم بأيام العرب، بل بأيام الناس من الشافعي. ويروى عنه. أنه أقام على تعلم أيام الناس والأدب عشرين سنة، وقال ما أردت بذلك إلا الاستعانة على القلب، وفي كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ ، من أخبار الأمم السالفة ما فيه عبر لذوي البصائر. قال تعالى -وهو أصدق القائلين-: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة هود، الآية ١٢٠)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ (سورة القمر، الآية ٤، ٥). وحدّث النبي ﷺ بحديث أم زرع وغيره لما جرى في الجاهلية والإسلام، والأحاديث الإسرائيلية، وحكى عجائب الإسراء والمعراج، وقال: "حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج". وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن

стр. 26

سمرة "لا يقوم ﷺ من مصلاه الذي صلى فيه الصبح حتى تطلع، وكانوا يتحدثون ويأخذون في أمر الجاهلية ويضحكون ويتبسمون". وفي أبي داود من حديث ابن عمر كان ﷺ يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح (*) وقال: والجاهل بالتاريخ راكب عمياء، وخابط خبط عشواء، ينسب إلى من تقدم أخبار من تأخر، ويعكس ذلك ولا يتدبر. ولقد رأيت مجلسًا جمع ثلاثة عشر مدرسًا، ومنهم قاضي قضاة ذلك الزمان، وغيره من الأعيان، فجرى بينهم وأنا أسمع ذكر من تحرم عليه الصدقة، وهم ذوو القربى المذكورون في القرآن، فقالوا: هم بنو عبد المطلب وأن عبد المطلب هو هاشم، فما أحقهم بلوم كل لائم! إذ هو أصل من أصول الشريعة أهملوه، وباب من أبواب العلم أغفلوه اهـ. وقال من فوائد التاريخ واقعة رئيس الرؤساء مع اليهودي الذي أظهر كتابًا فيه أن رسول اللَّه ﷺ أمر بإسقاط الجزية عن أهل خيبر وفيه شهادة الصحابة منهم علي بن أبي طالب ﵁ فحمل الكتاب إلى رئيس الرؤساء، ووقع الناس في حيرة عظيمة من شأنه، فعرض على الحافظ أبي بكر الخطيب (١) فتأمله وقال: هذا مزور فقيل: من أين ذلك؟ فقال: فيه شهادة معاوية، وهو أسلم عام الفتح، وفح خيبر سنة سبع، وشهادة سعد بن معاذ، وسعد مات يوم بني قريظة قبل فتح خيبر، ففرج بذلك عن الناس غمًا- اهـ. قال الجلال السيوطي بعد نقله ما تقدم: وقال الولي العراقي (٢): قد وقع الاستدلال بالتاريخ في الكتاب العزيز، قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ

стр. 27

تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (سورة آل عمران، الآية ٦٥). فاستدل على بطلان دعوى اليهود في إبراهيم أنه يهودي، ودعوى النصارى أنه نصراني بقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾. وهذا من لطائف الاستدلالات ومقايسها. وقال الصلاح الصفدي: قد يفيد التاريخ حزمًا وعزمًا وموعظة وعلمًا وهمة تذهب همًا، وبيانًا يزيل وهنًا وهمًا ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (سورة هود، الآية ١٢٠) ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (سورة يوسف، الآية ١١١). وقال التاج السبكي في (معيد النعم ومبيد التقم): المؤرخون على شفا جرف هار لأنهم يتسلطون على أعراض الناس، وربما مس أناسًا تعصبًا أو جهلًا أو اعتمادًا على نقل من لا يوثق به أو غيرها من الأسباب، فعلى المؤرخ أن يتقي اللَّه. قال الشيخ الوالد، يعني السبكي الكبير: الرأي لا يُقبَلُ مدح أو ذم من المؤرخين إلا بشروط: أن يكون صادقًا، وأن يعتمد اللفظ دون المعنى، وأن يكون عارفًا بحال من يترجمه علمًا ودينًا وغيرهما من صفاته، وهو عزيز جدًّا، وأن يكون حسن العبارة، عارفًا بمدلولات الألفاظ، حسن التصور حتى يتصور في حال ترجمته حال ذلك الشخص، ويعبر عنه بما لا يزيد ولا ينقص من حاله، وأن لا يغلبه الهوى فيطنب في مدح من يحبه أو يقصر في غيره -انتهى. وقال الصفدي أيضًا: يبدأ في التراجم باللقب ثم بالكنية ثم بالاسم، وبالنسبة إلى البلاد ثم إلى الأصل ثم إلى المذهب في الفروع، ثم إلى الاعتقاد، ثم إلى العلم والصناعة والخلافة والسلطنة والوزارة والقضاء والإمرة والمشيخة. قلت: ولعله أخذ البداعة باللقب قبل الاسم من قوله تعالى: ﴿الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وإلا فالذي عند النحاة أن الغالب تأخير اللقب عن الاسم والكنية عند الاجتماع، واللَّه أعلم.

стр. 28

فائدة: وبعد تحصيل هذه المقدمة نرجع إلى المقصود مبدئًا بصاحب الأصل الذي ذيلنا عليه، وهو ابن فرحون كما اقتضاه حسن الاتفاق، ثم ترتب الأسامي بعده على ترتيبهم في الزمن والوفاة غالبًا، إذ ترتيبهم على مقدارهم في العلم والجلالة غير ممكن، وباللَّه نستعين.

стр. 29

حرف الهمزة ١ - إبراهيم بن (*) علي بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن فرحون (١). اليعمري الأُيَّاني (*) ثم الجياني الأصل المدني المولد، كان من صدور المدرسين ومن أهل التحقيق، جامعًا للفضائل، فريد وقته، يعرف ببرهان الدين، من أهل بيت علم أبوه وعمه وجده. نشأ في الاشتغال بالعلم فتدرب بعمه أبي محمد بن فرحون عالمًا بالفقه والنحو والأصول والفرائض والوثائق وعلم القضاء وعالمًا بالرجال وطبقاتهم، مشاركًا في الأسانيد، واسع العلم فصيح القلم ذا بيان، كريمٍ الأخلاق حلو المنظر، بعيدًا من التصنع والرياء، من أَرقِّ أهل زمانه طبعًا وألطفهم عبارة، كثير الأوراد والتلاوة، يحيي آخر الليل بهما إلى أن توفي، جميل الهيئة بهي المنظر معتدل القامة، يلازم الطيلسان على العمامة ولا يلبس الثياب المصقولة، يلازم بيته، قليل الاجتماع بالناس، رحل إلى مصر عدة مرات وإلى القدس ودمشق سنة اثنين وتسعين وسبعمائة، تولى القضاء بالمدينة في ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعين فسار فيها سيرة حسنة، ولم تأخذه في اللَّه لومة لائم، وأظهر مذهب مالك بها بعد خموله،

стр. 30

فهابته الرعية وانتصف من الظالم، ثم حصل له فالج في شقه الأيسر فأبطل حركته ثم مات. سمع الحديث على والده وعمه والشيخ أبي عبد اللَّه المطري الموطأ والصحيحين وسنن أبي داود وابن ماجه وغيرها، والشرف الأهبوطي قاضي المدينة وخطيبها الموطأ والبخاري وجامع الأصول والملخص وتآليف الطرطوشي، والشرف الأسواني الشفاء وصحيح مسلم ودلائل النبوّة، والبدري الأقشهري والجمال الدمنهوري وابن جابر الهراوي والشيخ محمد بن عرفة نزيل الحرمين، واجتمع أيضًا بولده العلامة محمد بن محمد بن عرفة في حجة سنة اثنتين وتسعين، وعنده نزل لما جاء للمدينة فعرض عليه مصنفاته، فأشار عليه ابن عرفة بإفراد مقدمة شرحه على ابن الحاجب عن الشرح لينتفع بها على حدتها، فأجاز له جميع مسموعاته ومروياته وتصانيفه، وأجاز له أيضا جميع من تقدم ما يجوز لهم وعندهم. ومن تآليفه شرح مختصر ابن الحاجب سماه "تسهيل المهمات في شرح جامع الأمهات" كتاب مفيد غاية، جمع فيه كلام ابن عبد السلام وابن راشد وابن هارون وخليل وغيرهم من الشراح، مع التنبيه على مواضع من كلامهم وزوائد من غيرهم مما لا غنى عنه، في ثمانية أسفار، و"تبصرة الأحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام"، لم يسبق لمثله، وفيها من الفوائد ما لا يخفى و"الديباج المذهب في أعيان المذهب" فيه نيف وثلاثون وستمائة نفس، جمعه من نحو عشرين كتابًا، و"درر الغواص في محاضرة الخواص" لم يسبق لمثله، ألفه ألغازًا في الفقه، مرتبًا على الأبواب و"كشف النقاب الحاجب من مصطلح ابن الحاجب" مقدمة من عرفها سهل عليه مشكلات الكتاب و"إرشاد السالك إلى أفعال المناسك" فيه تنبيهات عزيزة و"المنتخب في مفردات ابن البيطار" في الطب في الأدوية المفردة، ومما لا يكمل "بروق الأنوار" في سماع الدعوى، واختصار تنقيح القرافي سماه "إقليد الأصول" وصل الى الناسخ، وكتاب في الحسبة، وتآليفه في غاية الإفادة لاتساع علمه.

стр. 31

عاش لم يملك دارًا ولا نخلًا، إنما يسكن بالكراء ويأكل بالسلف والدَّيْن مع كثرة عياله، مات عن دَيْن كثير عليه توفي عاشر ذي الحجة سنة تسع وتسعين وسبعمائة. هكذا لخصت هذه الترجمة من خط جدي الفقيه الحاج أحمد بن عمر ﵀ ومن خطه أيضًا اليعمري -بفتح الياء التحتية والعين الساكنة والميم المفتوحة والراء الهملة- نسبة ليعمر بن مالك بن يهثم من ذرية ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، والأيَّاني -بضم الهمزة وشد التحتية بعدها ألف ونون- اهـ (*). قلت: وأم القاضي برهان الدين شريفة وكذا أم أبيه، ذكره الإمام عمه أبو محمد بن فرحون في تاريخ المدينة. ٢ - إبراهيم بن عبد الرحمن بن خلف القيسي، عرف بابن نشا (١) (**) اختصر شرح الشهاب لابن الوحشي والعقد لابن عبد ربه، أخذ عن الصدفي وغالب بن عطية وأبي الحسن بن المياقشي وأبي محمد بن السيد وابن سبعين. كان من أهل الفقه والأدب والتاريخ والغريب له نظم ونثر، وكان حيًّا سنة خمس وخمسين وخمسمائة، صح من صلة ابن الزبير. زاد ابن الحضرمي في فهرسته: وتوفي في حدود السبعين وخمسمائة عن نحو ثمانين سنة. ٣ - إبراهيم بن خلف بن محمد بن حبيب بن عبد اللَّه بن عمرو بن فرقد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي عبيدة بن وهب وهو من ذرية عقبة بن نافع الفهري صاحب رسول اللَّه ﷺ مسكنه بإشبيلية وكنيته أبو إسحاق (٢).

стр. 32

سمع من أبي محمد بن عتاب وأبي عبد اللَّه بن حمدين، وأبي الحسن بن بقي وأبي عبد اللَّه بن الحاج، وأبي عمر ميمون بن يس، وأخذ عنه الصحيحين وكان يعلو فيهما، وله أيضًا رواية عن أبي الحسن سليمان بن أبي زيد، وأبي بكر بن عبد العزيز وأبي عبد اللَّه بن أبي الخصال، غلب عليه الأدب وعلم الفرائض، وله في ذلك أرجوزة رويت عنه، وولي القضاء بموضعه وتوفي سنة نيف وسبعين وخمسمائة، ومولده بعد ثمان وثمانين وأربعمائة، ذكر هذا ابن الآبار. ابن فرقد الاشبيلي (١)، قال ابن الخطيب في "الإحاطة في تاريخ غرناطة" كان متفننًا في معارف، محدثًا راويًا عدلًا فقيهًا حافظًا، شاعرًا كاتبًا بارعًا، حسق الأخلاق، وطيء الأكناف جميل المشاركة، كتب بخطه كثيرًا من الكتب، من أصح الناس كتبًا وأتقنهم ضبطًا وتقييدًا، لا تكاد تلقى خللًا فيما صححه، رؤوفًا شديد الحنان على الضعفاء واليتامى، صلبًا في ذات اللَّه تعالى، يعقد الشروط محتسبًا لا يقبل عليها ثوابًا. تلا بالسبع على أبي عمران موسى بن أبي موسى، وحدّث عن ابن بقي وأبي محمد بن عتاب، وتفقه بابن الحاج وابن حميد، وأجازه أبو الاصبغ بن مناصف وابن قزمان وابن طريف، وأخذ عنه جماعة. ألف برنامجًا مقنعًا في شيوخه وكيفية أخذه عنهم، ورجزًا في الفرائض مشهورًا، ورسائل كثيرة وغيرها، ومولده سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، وتوفي ثامن عشر المحرم عام اثنين وسبعين وخمسمائة. ٤ - إبراهيم بن أحمد بن الخطيب (٢). الفقيه الجليل النبيل الفاضل المتفنن أبو إسحاق، من أفاضل الحذاق ومن له الذهن الثاقب على الإطلاق، وله علم بالفقه وأصوله وأصول الدين، والنحو والمنطق والحكمة والتصوف، أنبه الطلبة مليح النظم أحسن الناس

стр. 33

تقييدًا. استخلف قبل أن يستكمل الأربعين، وقبل أن يظهر خزائن علمه من "عنوان الدراية في علماء بجاية" للشيخ القاضي أبي العباس أحمد الغبريني والد المفتي أبي القاسم. ٥ - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم السلمي أبو إسحاق البلفيقي الأندلسي (١). من أفاضل الأولياء، قال القاضي أبن عبد الملك في ذيله: كان أبو إسحاق هذا من كبار العلماء العاملين الزهاد المحققين، نشأ على الاجتهاد والانقطاع إلى اللَّه تعالى، لا يتحرك إلا بقلب حاضر ولسان ذاكر، حركاته على أقسام الشريعة، ومن كراماته أن صبيًا كان يشكو ألم الحصا فجيء به لطبيب يعالجه، وكان الطبيب لا يثبت كرامات الأولياء ويستهزئ بهم، فأتي بالصبي عند الشيخ وحمله معه إلى الطبيب، فقال له على جهة السخرية والازدراء: يا شيخ تداوي هذا الصبي؟ فتفرس ما أضمره وتغّير وجهه فاستدعى الصبيّ وأمرّ يده على صدره والأخرى على قلبه وحرّك شفتيه ورفع ثياب الصبي ونفخ تحته ثلاثًا، وقبض بعنف وقوة على دبر الصبي، فتجمع وقذف خمس حصيات في حجم الحمص مخضوبة بالدم، وسكن الألم عنه حينئذ، ثم قال الشيخ للطبيب وصاحبه: ما حملكما على إنكار مثل هذا؟ فتنصلا وخرجا على أسوأ حال. ولما عظم ذكره وارتفع قدره ببلده (المرية) وأقبل عليه الخلق سعى به بعض الفقهاء لسلطان مراكش المنتصر أنه قد انضم إليه كثير يخاف منه، فكتب لعاملها: أن ابعث إليّ أبا إسحاق مكرمًا فقال له العامل: وجه عليك السلطان، فقام أصحابه وجمع عظيم وقالوا: اجلس ولا عليك من أحد، فقال لهم: لا تجوز مخالفة السلطان، وإني أرجو أن أموت غريبًا، فركب البحر ونزل العدوة، فلما دخل على المنتصر هابه هيبة عظيمة وأجلّه وندم على ما كان منه وسأله الدعاء، وانصرف على غاية الإكرام ثم مرض وتوفي عام ستة عشر

стр. 34

وستمائة عن ثلاث وستين سنة، واحتفل الناس بجنازته احتفالًا عظيمًا حضرها الأمراء وغيرهم وقسموا نعشه، ثم أنصف اللَّه من سعى به فماتوا على أسوأ حال بقتل وصلب، سنة اللَّه في عباده. ٦ - إبراهيم بن يخلف بن عبد السلام التنسي المطماطي (١). انتهت إليه رياسة التدريس والفتوى في أقطار المغرب كلها، ترد عليه أسئلة من تلمسان وبلاد افريقيا كلها، شرح التلقن لعبد الوهاب في عشرة أسفار فضاع الشرح في حصار تلمسان، وما زال السلطان يغمر اسن يخطبه للورود على تلمسان فيمتنع بل يرد زائرًا ويقيم أشهرًا وينصرف إلى تنس. ثم لما كان شأن مغراوة رحل لتلمسان فطلب منه الفقهاء والسلطان القيام بها، فأجابهم فاستوطنها ودرّس بها وانتفع به خلق لا يحصون، وإليه الرحلة شرقًا وغربًا، وكان من أولياء اللَّه الجامعين بين علمي الباطن والظاهر، ومن تلاميذه الشيخ أبو عبد اللَّه بن الحاج صاحب المدخل وله كرامات كثيرة منها: ما حدَّث به ابن القطان عنه أنه قال: لما دخلت إلى مكة وطفت بالبيت ذكرت قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (سورة آل عمران، الآية ٩٧) فقلت في نفسي تعارضت الأقوال واختلفوا في معنى الأمن، فصرت أكرر وأقول: آمنًا آمنًا من ماذا؟ فسمعت صوتًا خلف ظهري آمنًا من النار يا إبراهيم ثلاث مرات أو مرتين. قال ابن الحاج: ورحم اللَّه شيخنا أبا إسحاق التنسي من ورعه أنَّا مضينا معه في قرى مصر فأصابنا عطش شديد فأدركنا بعض تلاميذه بلبن مشوب بسكر فامتنع من شربه فقلت له: كيف يا سيدي تتركه وأنت في غاية الحاجة إليه؟ فقال: خفت أن يكون فعله جزاء القراءة عليّ فتركته لذلك خوفًا أن ينقص من أجري، وردّ له الإناء- اهـ. لقي في رحلته أعلامًا بمصر والشام وروى عن ابن كحيلي وناصر الدين المشذالي، وقرأ بتونس على جماعة وبالقاهرة (المحصول) على الشمس

стр. 35

الأصبهاني، والمنطق والجدل على القرافي، وحضر على السيف الحنفي (الإرشاد) للعميري حتى ختمه ولم يتكلم بكلمة، فلما أعادوا قراءته فأول ما قرر به السيف الحنفي كلام المصنف. قال الشيخ أبو إسحاق: عندي تقريركم لهذا الموضع بغير هذا، فطلب منه تقريره فقرره ثم أحضر لهم غدًا تقييدًا قيده على الشيخ في المرة الأولى فأمر الشيخ بقراءته، فقرئ عليه حتى ختم واستحسنه كلّ من حضر، وهو الشرح الآن الموجود بين الناس ينسبه بعضهم للسيف، وتوفي ﵀ بتلمسان -كذا وجدت هذه الترجمة في بعض المجاميع. قلت: وذكره الشيخ أبو عبد اللَّه العبدري الحاجي في رحلته فقال: كان الشيخ أبو إسحاق التنسي وأخوه فقيهين مشاركين في العلم مع مروءة تامة ودين متين، وأبو إسحاق أسنّهما وأسناهما وهو ذو صلاح وخير، وكان شيخنا الزين بن المنير -حفظه اللَّه- يثني عليه خيرًا كثيرًا. وسألني عن الغرب فذكرت له قلة رغبة أهله في العلم فقال لي بلاد فيها مثل أبي إسحاق التنسي ما خلت من العلم، ولقيتهما بمصر وكان أبو الحسن لم يحج فحج معنا، فلقيت منه خيرًا فاضلًا. لازم شيخنا أبا الفتح بن دقيق العيد بمصر مدة وأخذ عنه كثيرًا- اهـ ملخصًا (١). ٧ - إبراهيم بن عبد الكريم أبو إسحاق . كان فقيهًا مدرسًا بمكناسة الزيتون، يقرر أقوال الأئمة وكلام الناس والمختصرين ويعلم الصبيان، توفي بعد سبعة عشر وسبعمائة. ٨ - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبي العاص التنوخي الأندلسي أبو إسحاق (٢). علامة الأولياء بالأندلس في وقته، المجمع على فضله وزهده وعلو

стр. 36

رتبته. قال ابن الخطيب في الإحاطة: كان هذا الفاضل إمامًا في القرآن مبرزًا في تجويده مفسرًا زاهدًا في الفانية، رحيمًا بالمساكين جوادًا حتى بقوته، صادعًا بالحق كثير البكاء والخشوع، ألقي عليه من القبول ومحبة الخلق والتعظيم ما لا عهد بمثله، بلغ فيه مبلغًا عظيمًا حتى كان أحب إلى الناس من أنفسهم يترامون عليه في طريقه ويتمسحون بثيابه ويزاحم المساكين على بابه، عودهم طلاقة الوجه وحسن الخلق والمواساة ولو بالقوت، وربما فرق عليهم عجين خبزه إذا أعجلوه عن طبخه. له أخبار عجيبة في ذلك. ومن كراماته ما حدَّث به بعض الثقات أنه لما ولي خطابة جامع غرناطة دعا يومًا ناظر الحبس فقال له: انظر هذه الثريا التي في قبلة المسجد واختبرها فإن نفسي تحدثني أن الخشب الذي قد تعلقت به قد اختل، فجمع الناظر البنائين وكشفوا عنها فوجدها قد اندقت وكادت أن تسقط. وكان إذا أثنى عليه بمحضره يقول: اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما لا يقولون. ولد في حدود سبعة وستمائة وتوفي عام سبعة وعشرين وسبعمائة. وقال في عائد الصلة: كان نسيج وحده حياء وصدقة وتخلقًا ومشاركة، نزل بسبتة عام أحد وسبعين وستمائة لما استولى العدو على طريف، فقرأ بها واستفاد، ثم دخل غرناطة وأقرأ بها فنون العلم بعد وفاة ابن الزبير، وجمع بين القراءة وتدريس الفقه والعربية والتفسير، ثبتًا محققًا لما ينقل، ألقي له من المحبة والقبول والتعظيم ما لم يعهد. ٩ - إبراهيم بن عبد اللَّه بن زيد بن أبي الخير اليزناسني (١). الفقيه العالم الصالح أحد أعيان أصحاب الشيخ أبي الحسن الرزويلي، كان مفتيًا بفاس، قال تلميذه الرعيني في برنامجه: "كان رجلًا فاضلًا متناصفًا حافظًا مفتيًا قاضيًا لحوائج المسلمين ساعيًا في مصالحهم" اهـ. وكان حيًا بعد الأربعين وسبعمائة وله فتاوى كثيرة منقولة في العيار للونشريسي، وله حفيد جليل سميه إبراهيم بن محمد، سيأتي.

стр. 37

١٠ - إبراهيم بن حكم الكناني السلوي (١). شهر بأبيه أبو إسحاق. قال تلميذه أبو عبد اللَّه المقري في مشيخته: هو شيخنا مشكاة الأنوار يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، ورد على تلمسان بعد العشرين والسبعمائة، ثم لم يزل بها إلى أن قتل يوم دخلت علي بني عبد الوادي في ثامن عشرين من رمضان عام سبعة وثلاثين. قال المقري: نظرت يومًا معه في تكملة بدر الدين بن مالك لشرح التسهيل لأبيه، ففضلت عليه كلام أبيه ونازعني الأستاذ، فقلت: عهود من الآبا توارثها الأبنا فما رأيت بأسرع من أن قال: بنوا مجدها لكن بنوها لهم أبنا فبهتُ من العجب. لطيفة: سأل الشيخ الأديب أبو الحسن بن فرحون المدني شيخنا ابن حكم: هل تجد في التنزيل فاءات مرتبة كترتيبها في هذا البيت؟: رأى فحبَّ فدامَ الوصلُ فامتنعتْ ... فَسَامَ صَبْرا فَأعيْا نَيْلُهُ فَقَضى ففكر ساعة ثم قال: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ﴾ (سورة القلم، الآية ١٩) إلى آخرها، فمنعت له البناء في "فتنادوا" فقال لابن فرحون: فهل عندك غيرها؟ فقال نعم ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (سورة الشمس، الآية ١٣)، فمنع له بناء الأخيرة لقراءة الواو، فقلت له: امنع ولا تسند فيقال لك أن المعاني قد تختلف باختلاف الحروف، وإن كان السند لا يسع الكلام عليه، وأكثر ما وجدت الفاء تنتهي في كلامهم إلى هذا العدد سواء بهذا الشرط وبدونه كقول نوح: ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ (سورة يونس، الآية ٧١) - اهـ. بنقل ابن الخطيب في تاريخ غرناطة.

стр. 38

١١ - إبراهيم بن محمد القيسي الصفاقسي (١). الإمام العلامة برهان الدين، صاحب (الإعراب) عرّف به ابن فرحون في الأصل أعني الديباج، وذكر أنه أخذ عن عبد العزيز الدروالي وأنه ألّف (إعراب القرآن) وتوفي عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة، هذا ما عنده. قال الحافظ ابن حجر: ولد في حدود سنة سبع وتسعين وستمائة، وسمع ببجاية من شيخها ناصر الدين، ثم أخذ عن أبي حيان بالقاهرة، وقدم دمشق فسمع من المزني وزينب بنت الكمال، وخلق ومهر في الفضائل ومات ثامن عشر ذي القعدة سنة اثنين وأربعين، انتهى. وقال الخطيب ابن مرزوق الجد: من شيوخي إبراهيم الصفاقسي نزيل القاهرة وأحد أئمتها، أحمل عنه مصنفاته، سمعت من لفظه كتابه الذي أعرب فيه وأغرب في إعراب القرآن وتحدث فيه مع شيخنا أبي حيان في أبحاثه وقرأت عليه بعض تآليفه في نوازل لفروع سئل عنها، منها: (الروض الأريج في مسألة الصهريج) سئل عن أرض ابتيعت فوُجد فيها صهريج مغطى هل يكون كواحد الأحجار أم لا؟ وأبدع فيها وخالف كثيرًا من المالكية، وعمل على مذهبه فيها، والجزء الذي ألفه في إسماع المؤذنين خلف الإمام وغيرها. وقرأت عليه أكثر تقييده على ابن الحاجب الفرعي وتركته لم يكمله، وتلخيص المفتاح لشيخنا وشيخه القزويني- اهـ. بنقل الشيخ عبد الرحمن الثعالبي في فهرسته. قال الشيخ أبو عبد اللَّه بن غازي في كتابه (المطلب الكلي في محادثة الإمام القلي): ولقد كان شيخنا شيخ الجماعة الإمام الأستاذ أبو عبد اللَّه الكبير يثني كثيرًا على فهم الصفاقسي ويراه مصيبًا في أكثر تعقباته وانتقاداته لأبي حيان، وقد كان له أخ نبيل شاركه في تصنيف كتابه المجيد المذكور، كما نبّه عليه صاحب المغني حيث نكث عليهما في إعراب (زُبرا) في غير محله تبعًا لأبي حيان- اهـ.

стр. 39

قلت: الذي في المغني بعد اعتراضه على أبي حيان نصه، وتبعه على هذا الوهم رجلان لخصا من تفسيره إعرابًا- اهـ. وذكر الشيخ أبو عبد اللَّه الرصاع التونسي في كلامه على آيات المغني أن الطلبة كثيرًا ما يسألون عن ثاني الرجلين المذكورين وأنه سأل عنه بعض شيوخه فلم يجبه- اهـ. قلت: أما ما ذكره ابن غازي من أن ثاني الرجلين هو أخوه يعني الشمس الصفاقسي فكأنه اغتّر في ذلك بما وقع في الديباج لأنه قال "ومن تصانيفهما إعراب القرآن جرّداه من البحر المحيط" انتهى. وليس ذلك بمعتمد، وقد تقدم من كلام ابن مرزوق وتلميذه، ومن كلام الحافظ ابن حجر أن برهان الدين هو مؤلف الإعراب وإنما ثاني الرجلين الذي عناه ابن هشام الإمام العلامة شهاب الدين أحمد بن عبد الدائم الحلبي المصري الشافعي الشهير بالسمين أحد أكابر أصحاب أبي حيان، وتأليفه في إعراب القرآن في أربعة أسفار كبار لخصه من تفسير أبي حيان وزاده أشياء سماه (المصون) أكثر فيه من مناقشة أبي حيان، كتاب نفيس إلى الغاية أبسط من إعراب الصفاقسي وأفيد، وأوسع منه، فالرجلان اللذان عنى ابن هشام هما الصفاقسي والسمين، وكذلك رأيت اسمهما مقيدًا على نسخة عتيقة من المغني بخط عتيق، واللَّه أعلم. ثم قال الشيخ ابن غازي، وقد كاد يجمع الثقلان على قوة عارضة أثير الدين أبي حيان وتبرزه في العلوم، وخصوصًا علم اللسان، فقد حاز فيه قصب السباق ورهان الميدان، ولا يلتفت لقول صاحب المغني: "لم يكن يحسن اللسان ": ومن ذا الذي تُرضي سجاياه كلُّها ... كفى المرءُ نبلًا أن تعدَّ معايبُهْ وقال آخر (١): أتيت أخيرًا في النحاة وإنني ... لأعبر سبقًا في وجوه الأوائل ولما حج الأستاذ الأكبر أبو عبد اللَّه ابن آجروم الفاسي استجاز أبا حيان فأجازه، وكان ممن أدرج في إجازته تعريفًا لأهل الغرب وقال: إن فتى يقال له إبراهيم الصفاقسي لا يحسن النظر في العربية وإنما يحسن شيئًا من فقه مذهب

стр. 40

مالك قد تسور على ديواني (البحر المحيط) فسلخ ما فيه من الإعراب بغير إذني وقوّلني فيه ما لم أقل، فإني بريء منه، أو ما هذا معناه. ومع هذا فقد أعطاه الغرب الأذن الصماء وأكبوا على تصنيف الصفاقسي: والناسُ أكيسُ من أن يمدحوا رَجُلًا ... (ما لم يروا عنده) آثار إحسانِ (١) - اهـ كلام ابن غازي. قلت: وسيأتي في ترجمة الشيخ منديل ابن الأستاذ ابن آجرّوم أنه الذي وتعت له الواقعة مع أبي حيان، وهو أشبه واللَّه أعلم. وقال البدر الدماميني: أخبرني بعض الثقات أن الأخوين الصفاقسيين كان أحدهما حافظًا لفروع المالكية، والآخر متفننًا لأصول الفقه واللسانية، فكانا إذا حضرا في مجلس يجتمع فيه فقيه كامل فاتفقا أن حضرا بتونس في مجلس ابن عبد الرفيع قاضي الجماعة، فسألهما عن مسألة فأجابا عنها بنقل ذكراه عن البيان لابن رشد، وتكلما عليها بكلام استحسنه الحاضرون، فلما خرجا من الجلس سئل القاضي ابن عبد الرفيع عنهما فقال: ليسا بفقيهين فسئل لم ذلك؟ فقال: ما أجابا به وإن كان صحيحًا إلا أنهما اعتمدا في النقل على غير المدونة في فرع مذكور فيها، ومرتكب هذا لا يعد عند المالكية فقيهًا، لأن المدونة أجل كتب المذهب من إملاء ابن القاسم أجل تلامذة مالك- اهـ. قلت: وهذا لا يضرّهما إلا إذا كان كتابهما المدونة، وما ذكره الدماميني من أن أحدهما حافظ. . الخ فيه تحامل بالنسبة لصاحب الترجمة. أما محله من الفقه فتقدم من كلام ابن مرزوق وغيره ما فيه الكفاية، وله شرح عظيم على ابن الحاجب، وأما علم الأصول فنقل أبو العباس البسيلي عن شيخه ابن عرفة أنه قال: إن برهان الدين الصفاقسي عالم بعلم الأصول، وناهيك بشهادة ابن عرفة في ذلك. وأما معرفته بعلوم اللسان فكتاب الإعراب له كاف في بيان درجته. وأما أخوه شمس الدين فذكر ابن فرحون في الأصل أنه كان عالمًا فاضلًا متفننًا، واللَّه أعلم.
следующие страницы →