← Тараджим

Тараджим · id 14197

نيل الابتهاج بتطريز الديباج

أحمد بابا التنبكتي

Полный текст (625 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

رتبته. قال ابن الخطيب في الإحاطة: كان هذا الفاضل إمامًا في القرآن مبرزًا في تجويده مفسرًا زاهدًا في الفانية، رحيمًا بالمساكين جوادًا حتى بقوته، صادعًا بالحق كثير البكاء والخشوع، ألقي عليه من القبول ومحبة الخلق والتعظيم ما لا عهد بمثله، بلغ فيه مبلغًا عظيمًا حتى كان أحب إلى الناس من أنفسهم يترامون عليه في طريقه ويتمسحون بثيابه ويزاحم المساكين على بابه، عودهم طلاقة الوجه وحسن الخلق والمواساة ولو بالقوت، وربما فرق عليهم عجين خبزه إذا أعجلوه عن طبخه. له أخبار عجيبة في ذلك. ومن كراماته ما حدَّث به بعض الثقات أنه لما ولي خطابة جامع غرناطة دعا يومًا ناظر الحبس فقال له: انظر هذه الثريا التي في قبلة المسجد واختبرها فإن نفسي تحدثني أن الخشب الذي قد تعلقت به قد اختل، فجمع الناظر البنائين وكشفوا عنها فوجدها قد اندقت وكادت أن تسقط. وكان إذا أثنى عليه بمحضره يقول: اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما لا يقولون. ولد في حدود سبعة وستمائة وتوفي عام سبعة وعشرين وسبعمائة. وقال في عائد الصلة: كان نسيج وحده حياء وصدقة وتخلقًا ومشاركة، نزل بسبتة عام أحد وسبعين وستمائة لما استولى العدو على طريف، فقرأ بها واستفاد، ثم دخل غرناطة وأقرأ بها فنون العلم بعد وفاة ابن الزبير، وجمع بين القراءة وتدريس الفقه والعربية والتفسير، ثبتًا محققًا لما ينقل، ألقي له من المحبة والقبول والتعظيم ما لم يعهد. ٩ - إبراهيم بن عبد اللَّه بن زيد بن أبي الخير اليزناسني (١). الفقيه العالم الصالح أحد أعيان أصحاب الشيخ أبي الحسن الرزويلي، كان مفتيًا بفاس، قال تلميذه الرعيني في برنامجه: "كان رجلًا فاضلًا متناصفًا حافظًا مفتيًا قاضيًا لحوائج المسلمين ساعيًا في مصالحهم" اهـ. وكان حيًا بعد الأربعين وسبعمائة وله فتاوى كثيرة منقولة في العيار للونشريسي، وله حفيد جليل سميه إبراهيم بن محمد، سيأتي.

стр. 37

١٠ - إبراهيم بن حكم الكناني السلوي (١). شهر بأبيه أبو إسحاق. قال تلميذه أبو عبد اللَّه المقري في مشيخته: هو شيخنا مشكاة الأنوار يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، ورد على تلمسان بعد العشرين والسبعمائة، ثم لم يزل بها إلى أن قتل يوم دخلت علي بني عبد الوادي في ثامن عشرين من رمضان عام سبعة وثلاثين. قال المقري: نظرت يومًا معه في تكملة بدر الدين بن مالك لشرح التسهيل لأبيه، ففضلت عليه كلام أبيه ونازعني الأستاذ، فقلت: عهود من الآبا توارثها الأبنا فما رأيت بأسرع من أن قال: بنوا مجدها لكن بنوها لهم أبنا فبهتُ من العجب. لطيفة: سأل الشيخ الأديب أبو الحسن بن فرحون المدني شيخنا ابن حكم: هل تجد في التنزيل فاءات مرتبة كترتيبها في هذا البيت؟: رأى فحبَّ فدامَ الوصلُ فامتنعتْ ... فَسَامَ صَبْرا فَأعيْا نَيْلُهُ فَقَضى ففكر ساعة ثم قال: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ﴾ (سورة القلم، الآية ١٩) إلى آخرها، فمنعت له البناء في "فتنادوا" فقال لابن فرحون: فهل عندك غيرها؟ فقال نعم ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (سورة الشمس، الآية ١٣)، فمنع له بناء الأخيرة لقراءة الواو، فقلت له: امنع ولا تسند فيقال لك أن المعاني قد تختلف باختلاف الحروف، وإن كان السند لا يسع الكلام عليه، وأكثر ما وجدت الفاء تنتهي في كلامهم إلى هذا العدد سواء بهذا الشرط وبدونه كقول نوح: ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ (سورة يونس، الآية ٧١) - اهـ. بنقل ابن الخطيب في تاريخ غرناطة.

стр. 38

١١ - إبراهيم بن محمد القيسي الصفاقسي (١). الإمام العلامة برهان الدين، صاحب (الإعراب) عرّف به ابن فرحون في الأصل أعني الديباج، وذكر أنه أخذ عن عبد العزيز الدروالي وأنه ألّف (إعراب القرآن) وتوفي عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة، هذا ما عنده. قال الحافظ ابن حجر: ولد في حدود سنة سبع وتسعين وستمائة، وسمع ببجاية من شيخها ناصر الدين، ثم أخذ عن أبي حيان بالقاهرة، وقدم دمشق فسمع من المزني وزينب بنت الكمال، وخلق ومهر في الفضائل ومات ثامن عشر ذي القعدة سنة اثنين وأربعين، انتهى. وقال الخطيب ابن مرزوق الجد: من شيوخي إبراهيم الصفاقسي نزيل القاهرة وأحد أئمتها، أحمل عنه مصنفاته، سمعت من لفظه كتابه الذي أعرب فيه وأغرب في إعراب القرآن وتحدث فيه مع شيخنا أبي حيان في أبحاثه وقرأت عليه بعض تآليفه في نوازل لفروع سئل عنها، منها: (الروض الأريج في مسألة الصهريج) سئل عن أرض ابتيعت فوُجد فيها صهريج مغطى هل يكون كواحد الأحجار أم لا؟ وأبدع فيها وخالف كثيرًا من المالكية، وعمل على مذهبه فيها، والجزء الذي ألفه في إسماع المؤذنين خلف الإمام وغيرها. وقرأت عليه أكثر تقييده على ابن الحاجب الفرعي وتركته لم يكمله، وتلخيص المفتاح لشيخنا وشيخه القزويني- اهـ. بنقل الشيخ عبد الرحمن الثعالبي في فهرسته. قال الشيخ أبو عبد اللَّه بن غازي في كتابه (المطلب الكلي في محادثة الإمام القلي): ولقد كان شيخنا شيخ الجماعة الإمام الأستاذ أبو عبد اللَّه الكبير يثني كثيرًا على فهم الصفاقسي ويراه مصيبًا في أكثر تعقباته وانتقاداته لأبي حيان، وقد كان له أخ نبيل شاركه في تصنيف كتابه المجيد المذكور، كما نبّه عليه صاحب المغني حيث نكث عليهما في إعراب (زُبرا) في غير محله تبعًا لأبي حيان- اهـ.

стр. 39

قلت: الذي في المغني بعد اعتراضه على أبي حيان نصه، وتبعه على هذا الوهم رجلان لخصا من تفسيره إعرابًا- اهـ. وذكر الشيخ أبو عبد اللَّه الرصاع التونسي في كلامه على آيات المغني أن الطلبة كثيرًا ما يسألون عن ثاني الرجلين المذكورين وأنه سأل عنه بعض شيوخه فلم يجبه- اهـ. قلت: أما ما ذكره ابن غازي من أن ثاني الرجلين هو أخوه يعني الشمس الصفاقسي فكأنه اغتّر في ذلك بما وقع في الديباج لأنه قال "ومن تصانيفهما إعراب القرآن جرّداه من البحر المحيط" انتهى. وليس ذلك بمعتمد، وقد تقدم من كلام ابن مرزوق وتلميذه، ومن كلام الحافظ ابن حجر أن برهان الدين هو مؤلف الإعراب وإنما ثاني الرجلين الذي عناه ابن هشام الإمام العلامة شهاب الدين أحمد بن عبد الدائم الحلبي المصري الشافعي الشهير بالسمين أحد أكابر أصحاب أبي حيان، وتأليفه في إعراب القرآن في أربعة أسفار كبار لخصه من تفسير أبي حيان وزاده أشياء سماه (المصون) أكثر فيه من مناقشة أبي حيان، كتاب نفيس إلى الغاية أبسط من إعراب الصفاقسي وأفيد، وأوسع منه، فالرجلان اللذان عنى ابن هشام هما الصفاقسي والسمين، وكذلك رأيت اسمهما مقيدًا على نسخة عتيقة من المغني بخط عتيق، واللَّه أعلم. ثم قال الشيخ ابن غازي، وقد كاد يجمع الثقلان على قوة عارضة أثير الدين أبي حيان وتبرزه في العلوم، وخصوصًا علم اللسان، فقد حاز فيه قصب السباق ورهان الميدان، ولا يلتفت لقول صاحب المغني: "لم يكن يحسن اللسان ": ومن ذا الذي تُرضي سجاياه كلُّها ... كفى المرءُ نبلًا أن تعدَّ معايبُهْ وقال آخر (١): أتيت أخيرًا في النحاة وإنني ... لأعبر سبقًا في وجوه الأوائل ولما حج الأستاذ الأكبر أبو عبد اللَّه ابن آجروم الفاسي استجاز أبا حيان فأجازه، وكان ممن أدرج في إجازته تعريفًا لأهل الغرب وقال: إن فتى يقال له إبراهيم الصفاقسي لا يحسن النظر في العربية وإنما يحسن شيئًا من فقه مذهب

стр. 40

مالك قد تسور على ديواني (البحر المحيط) فسلخ ما فيه من الإعراب بغير إذني وقوّلني فيه ما لم أقل، فإني بريء منه، أو ما هذا معناه. ومع هذا فقد أعطاه الغرب الأذن الصماء وأكبوا على تصنيف الصفاقسي: والناسُ أكيسُ من أن يمدحوا رَجُلًا ... (ما لم يروا عنده) آثار إحسانِ (١) - اهـ كلام ابن غازي. قلت: وسيأتي في ترجمة الشيخ منديل ابن الأستاذ ابن آجرّوم أنه الذي وتعت له الواقعة مع أبي حيان، وهو أشبه واللَّه أعلم. وقال البدر الدماميني: أخبرني بعض الثقات أن الأخوين الصفاقسيين كان أحدهما حافظًا لفروع المالكية، والآخر متفننًا لأصول الفقه واللسانية، فكانا إذا حضرا في مجلس يجتمع فيه فقيه كامل فاتفقا أن حضرا بتونس في مجلس ابن عبد الرفيع قاضي الجماعة، فسألهما عن مسألة فأجابا عنها بنقل ذكراه عن البيان لابن رشد، وتكلما عليها بكلام استحسنه الحاضرون، فلما خرجا من الجلس سئل القاضي ابن عبد الرفيع عنهما فقال: ليسا بفقيهين فسئل لم ذلك؟ فقال: ما أجابا به وإن كان صحيحًا إلا أنهما اعتمدا في النقل على غير المدونة في فرع مذكور فيها، ومرتكب هذا لا يعد عند المالكية فقيهًا، لأن المدونة أجل كتب المذهب من إملاء ابن القاسم أجل تلامذة مالك- اهـ. قلت: وهذا لا يضرّهما إلا إذا كان كتابهما المدونة، وما ذكره الدماميني من أن أحدهما حافظ. . الخ فيه تحامل بالنسبة لصاحب الترجمة. أما محله من الفقه فتقدم من كلام ابن مرزوق وغيره ما فيه الكفاية، وله شرح عظيم على ابن الحاجب، وأما علم الأصول فنقل أبو العباس البسيلي عن شيخه ابن عرفة أنه قال: إن برهان الدين الصفاقسي عالم بعلم الأصول، وناهيك بشهادة ابن عرفة في ذلك. وأما معرفته بعلوم اللسان فكتاب الإعراب له كاف في بيان درجته. وأما أخوه شمس الدين فذكر ابن فرحون في الأصل أنه كان عالمًا فاضلًا متفننًا، واللَّه أعلم.

стр. 41

فائدة: حيث قال الشيخ خليل في التوضيح: قال بعض من تكلم على الموضع فمراده البرهان الصفاقسي صاحب الترجمة، على ما قيل، فاعلمه. ١٢ - إبراهيم بن يحيى بن محمد بن أحمد بن زكريا بن عيسى بن زكريا الأنصاري المرسي ثم الغرناطي (١). قال الشيخ أبو عبد اللَّه الحضرمي: صاحبنا الفقيه الكاتب البارع الحسيب الفاضل ذو الحظ الفائق والرواء الفائق القاضي المعظم العدل النزيه الصالح الأصيل أبو إسحاق، روى عن والده القاضي أبي بكر يحيى. كان فاضلًا نحويًا لامعًا خيرًا، على طريقة حسنة من خير وعفة وطهارة الجانب، حسن اللقاء رقيق القلب، مشفقًا عطوفًا محبًا في الصالحين مهتمًا بأخبارهم، جيد الحظ وافر العقل عظيم الأمانة صموتًا، ذا سلف شهير وبيت معمور برياسة وعلم وقضاء وولي القضاء وأخذ عن جماعة وتوفي بغرناطة عاشر جمادى الثانية عام أحد وخمسين وسبعمائة، ومولده عام سبعة وثمانين وستمائة. ١٣ - إبراهيم بن علي المصري (٢). الإمام أبو إسحاق برهان الدين ابن الإمام القدوة نور الدين أبي الحسن المالكي، قال خالد البلوي: هو نائب أثير الدين أبي حيان في التدريس، وعرفني أبو حيان جلالة قدره ورسوخ قدمه في العلم وطهارته، ثم شاهدت منه إمام العصر وواحد الزمان، فقيهًا عالمًا من فقهاء القاهرة، وصدرًا متقدمًا في علمائهم، عالمًا بالعربية والغريب والنادر بالشاهد، عالمًا بالخبر والأثر، تام العناية بالفقه والسنة، فصيح اللسان حسن البيان، صحيح اللفظ واضح المعاني، ناصع البراعة جيد اليراعة، شاعرًا مطبوعًا، وما ظنك بخليفة أبي حيان ومن لم يقعد في موضعه فيه إلا فلان وفلان- اهـ ملخصًا.

стр. 42

١٤ - إبراهيم بن عبد اللَّه بن إبراهيم بن موسى بن إبراهيم بن عبد العزيز بن إسحاق بن قاسم النميري الغرناطي أبو إسحاق يعرف بابن الحاج (١). قال الحضرمي: صاحبنا الفقيه الجليل الكاتب البارع الأديب البليغ الناظم الناثر المتفنن القاضي الأعدل الماجد الحسيب، تولى القضاء بأحواز الحضرة- اهـ. وقال الشيخ خالد البلوي في رحلته: صاحبنا الفقيه الجليل الكاتب البارع الماجد الأكمل ابن الوزير الكبير، ذو المعالي العلية والفنون العلمية والحكم الأدبية والآداب الحكمية، والكرم المفضل والفضائل الكريمة، والبلاغة التي لها على البلغاء مزية المزيد ومزيد المزية، مع الحسب الأصيل والكفاية في طلب العلم والتحصيل، والمعارف التي تحلى بها جيد الزمان على الجملة والتفصيل، شهادة يثبتها قول عمر ﵁ للذي زكى رجلين أكنت معهما في سفر؟ لأني عاشرته ذاهبًا إلى الشرق وآيبًا- اهـ. قال ابن الخطيب في الإحاطة: نشأ على عفاف وطهارة، ونظم الشعر وبلغ الغاية في جودة الخط، وحاضر الأبيات وارتسم في الإنشاء، مع حسن صمت وجودة أدب وخط، وفي أثناء ذلك يقيد ولا يفتي، مع تجول العناية ملج الرعاية. شرق عام سبعة وثلاثين وحج وتطوف وقيد واستكثر ودون رحلة، ناهيك بها طرفة، ثم قفل واستقرّ ببجاية مضطلعًا بالكتابة، ثم اتصل بأبي الحسن المريني، ثم كرّ للشرق فحج ورجع وانقطع بتربة أبي مدين بعباد، مؤثر الخمول وعكوف باب اللَّه تعالى، ثم أجبره السلطان أبو عنان على الخدمة، ولحق بالأندلس بعد موته، وتلقى ببر وجراية وتنويه وعناية، واستعمل في

стр. 43

سفارة الملوك، وولي القضاء في الأحكام الشرعية، فهو صدر من صدور القطر وأعيانه، يرخص في لبس الحرير وخضاب السواد. له تآليف منها جزء في بيان الاسم الأعظم كثير الفائدة، وكتاب اللباس والصحبة جمع فيه طرق المتصوفة المدعى أنه لم يجتمع مثله، وجزء في الفرائض على الطريقة البديعة التي ظهرت بالشرق، ورجز في الجدل، وآخر في الأحكام الشرعية سماه الفصول المقضية في الأحكام المنتخبة، وله نظم ونثر كثير. ومولده بغرناطة عام ثلاثة عشر وسبعمائة وامتحن بالأسر عام ثمانية وستين في ربيع الأخير، ثم فك آخر ذلك الشهر. قلت: وممن أخذ عنه القاضي أبو بكر بن عاصم صاحب تحفة الحكام. ١٥ - إبراهيم بن محمد بن أبي بكر الأخناوي (١). كان شافعيًّا ثم تحول مالكيًا كعمه، ولي الحسبة ونظر الخزانة، وناب في الحكم، ثم تولاه استقلالًا سنة ثلاث وستين وسبعمائة إلى أن مات، وكان مهيبًا صارمًا، قوّالًا بالحق، قائمًا بنص الشرع، رادعًا للمفسدين، نافذ الكلمة عظيم الحرمة، مفصلًا مصممًا، لا يقبل رسالة ولا شفاعة، بل يصدع بالحق ولا يقضي على باطل، ولا يولي إلا مستحقًا، وكان مع ذلك كثير الحلم والستر على من لم يجاهر، وكان مسعودًا في مباشرته، تعرض له جماعة في منصبه فانتصف منهم ونكل بعضهم وهرب بعضهم فما عاد للبلاد إلا بعد موته. له في كل قلب رهبة ولكل أحد إليه رهبة، كثير الأفاضل على مذهبه، صح من "رفع الاصر عن قضاة مصر" للإمام ابن حجر من (أعيان الأعيان) للسيوطي، زاد فيه له مختصر، توفي في رجب سنة سبع وسبعين وسبعمائة. ١٦ - إبراهيم بن عبد الحق الحسناوي التونسي (٢). قال الشيخ إسماعيل بن الأحمر في فهرسته: شيخنا الفقيه المتفّنن الكاتب

стр. 44

الشاعر المكثر المعمر ابن الفقيه أبي محمد، أخذ عن الفقيه المحدث الحافظ الراوية المغربي أبي العباس بن موسى البطروني، وتوفي بفاس سنة خمس وسبعين وسبعمائة. ١٧ - إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي أبو إسحاق الشهير بالشاطبي (١). الإمام العلامة المحقق القدوة الحافظ الجليل المجتهد، كان أصوليًا مفسرًا فقيهًا، محدثًا لغويًا بيانيًا نظارًا، ثبتًا ورعًا صالحًا زاهدًا سنيًا، إمامًا مطلقًا، بحاثًا مدققًا جدليًا، بارعًا في العلوم، من أفراد العلماء المحققين الأثبات وأكابر الأئمة المتفننين الثقات، له القدم الراسخ والإمامة العظمى في الفنون فقهًا وأصولًا وتفسيرًا وحديثًا وعربية وغيرها، مع التحري والتحقيق. له استنباطات جليلة ودقائق منيفة وفوائد لطيفة وأبحاث شريفة وقواعد محررة محققة، على قدم راسخ من الصلاح والعفة والتحري والورع، حريصًا على اتباع السنة، مجانبًا للبدع والشبهة، ساعيًا في ذلك مع تثبت تام، منحرف عن كل ما ينحو للبدع وأهلها، وقع له في ذلك أمور مع جماعة من شيوخه وغيرهم في مسائل، وله تآليف جليلة مشتملة على أبحاث نفيسة وانتقادات وتحقيقات شريفة. قال الإمام الحفيد ابن مرزوق في حقه: إنه الشيخ الأستاذ الفقيه الإمام المحقق العلامة الصالح أبو إسحاق، انتهى. وناهيك بهذه التحلية من مثل هذا الإمام، وإنما يعرف الفضل لأهله أهله. أخذ العربية وغيرها عن أئمة منهم: الإمام المفتوح عليه في فَنِّها ما لا مطمع فيه لسواه بحثًا وحفظًا وتوجيهًا ابن الفخار البيري، لازمه إلى أن مات، والإمام الشريف رئيس العلوم اللسانية أبو القاسم السبتي شارح مقصورة حازم، والإمام المحقق أعلم أهل وقته الشريف أبو عبد اللَّه

стр. 45

التلمساني، والإمام علامة وقته بإجماع أبو عبد اللَّه المقري، وقطب الدائرة شيخ الشيوخ الجلة الإمام الشهير أبو سعيد بن لب، والإمام الجليل الرحلة الخطيب أبو جعفر الشقوري، وممن اجتمع معه واستفاد منه العالم الحافظ الفقيه أبو العباس القباب والمفتي المحدِّث أبو عبد اللَّه الحفار وغيرهم. اجتهد وبرع وفاق الأكابر والتحق بكبار الأئمة في العلوم وبالغ في التحقيق، وتكلم مع كثير من الأئمة في مشكلات المسائل من شيوخه وغيرهم كالقباب وقاضي الجماعة الفشتالي والإمام ابن عرفة والولي الكبير أبي عبد اللَّه بن عباد، وجرى له معهم أبحاث ومراجعات أجلت عن ظهوره فيها وقوة عارضته وإمامته، منها: مسألة مراعاة الخلاف في المذهب. له فيها بحث عظيم مع الإمامين القباب وابن عرفة، وله أبحاث جليلة في التصوف وغيره، وبالجملة فقدره في العلوم فوق ما يذكر، وتحليته في التحقيق فوق ما يشهر. ألَّف تآليف نفيسة اشتملت على تحريرات للقواعد وتحقيقات لمهمات الفوائد، منها شرحه الجليل على الخلاصة في النحو في أسفار أربعة كبار لم يؤلف عليها مثله بحثًا وتحقيقًا، فيما أعلم، وكتاب "الموافقات" في أصول الفقه كتاب جليل القدر لا نظير له يدل على إمامته، وبعد شأوه في العلوم سيما علم الأصول. قال الإمام الحفيد ابن مرزوق: "كتاب الموافقات المذكور من أقبل الكتب"- اهـ. وهو في سفرين. وتأليف نفيس في الحوادث، والبدع في سفر، في غاية الإجادة، وكتاب المجالس شرح فيه كتاب البيوع من صحيح البخاري، فيه من الفوائد والتحقيقات ما لا يعلمه إلا اللَّه، وكتاب الإفادات والإنشادات في كراسين فيه طرف وتحف ومُلح أدبيات وإنشادات، وله أيضًا كتاب عنوان الاتفاق في علم الاشتقاق، وكتاب أصول النحو، وقد ذكرهما معًا في شرح الألفية. ورأيت في موضع آخر أنه أتلف الأول في حياته وأن الثاني أُتلف أيضًا، وله غيرها وفتاوى كثيرة، ومن شعره لما ابتلي بالبدع: بُليتُ يا قومُ والبلوى منوعةٌ ... بمن أداريهِ حتى كادَ يرديني دفعُ المضرةِ لا جلبٌ لمصلحةٍ ... فحسبي اللَّه في عقلي وفي ديني

стр. 46

أنشدهما تلميذه الإمام يحيى بن عاصم له مشافهة. ومن نظمه في مدح (الشفاء) لما أرسل شيخه الخطيب ابن مرزوق للأندلس يطلب من علمائها نظم قصائد تتضمن مدح الشفاء ليجعلها في طالعة شرحه عليه، فقال صاحب الترجمة في ذلك ما نصه: يا من سما لمراقي المجدِ مقصدُهُ ... فنفسُهُ بنفيس العلم قد كَلِفَتْ هذي رياض بروق العلم مخبرها ... هي الشفا لنفوس الخلق إن دنفت يجني بها زهر التقديم أو ثمر التـ ... ـعظيم والفوز للأيدي التي اقتطفت أبدت لنا من سناها كل واضحة ... حسانة دونها الأطماع قد وقفت وشيد العقد أركان مؤكدة ... بها على متن أهل الشرع قد وقعت قوت القلوب وميزان العقود متى ... حادت عن الحجة الكبرى أو انحرفت ويا أبا الفضل حزت الفضل في غرض ... به أقرت لك الأعلام واعترفت وكنت بحر علوم ضلَّ ساحله ... منه استمدت عيون العلم واغترفت زارته من جنباتِ القدسِ ناسمةٌ ... فحرَّكتْ منه مدحَ الفكرِ حينَ وفتْ حتى اذا طُفئت أرجاؤه قَذَفت ... لنا بدُرَّتِها الحسناءِ وانصرفتْ إنَّ العِنَايَةَ لَا يَحْظَى بِنَائِلِهَا ... حَرِيصُهَا بَلْ عَلى التَّخْصِيصِ قَدْ وِقفَتْ قال الإمام محمد بن العباس التلمساني هذه الأبيات من أحسن ما قيل فيه. أخذ عنه جماعة من الأئمة كالإمامين العلامتين: أبي يحيى بن عاصم الشهير، وأخيه القاضي المؤلف أبي بكر بن عاصم، والشيخ أبي عبد اللَّه البياني وغيرهم. توفي يوم الثلاثاء الثامن من شعبان سنة تسعين وسبعمائة، ولم أقف على مولده، ﵀. فائدة: وكان صاحب الترجمة ممن يرى جواز ضرب الخراج على الناس عند ضعفهم وحاجتهم لضعف بيت المال عن القيام بمصالح الناس، كما وقع للشيخ المالقي في كتاب الورع قال: توظيف الخراج على المسلمين من المصالح

стр. 47

المرسلة، ولا شك عندنا في جوازه وظهور مصلحته في بلاد الأندلس في زماننا الآن لكثرة الحاجة لما يأخذه العدو من المسلمين سوى ما يحتاج إليه الناس وضعف بيت المال الآن عنه، فهذا يقطع بجوازه الآن في الأندلس، وإنما النظر في القدر المحتاج إليه من ذلك، وذلك موكول إلى الإمام. ثم قال أثناء كلامه: ولعلك تقول كما قال القائل لمن أجاز شرب العصير بعد كثرة طبخه وصار ربًا أحللتها واللَّه يا عمر يعني هذا القائل أحللت الخمر بالاستجرار إلى نقص الطبخ حتى تحل الخمر بمقالك، فإني أقول كما قال عمر ﵁: واللَّه لا أحل شيئًا حرمه اللَّه ولا أحّرم شيئًا أحله اللَّه، وإن الحق أحق أن يتبع، ومن يتعدَّ حدود اللَّه فقد ظلم نفسه. وكان خراج بناء السور في بعض مواضع الأندلس في زمانه موظفًا على أهل الموضع فسئل عنه إمام الوقت في الفتيا بالأندلس الأستاذ الشهير أبو سعيد بن لب فأفتى أنه لا يجوز ولا يسوغ، وأفتى صاحب الترجمة بسوغه، مستندًا فيه إلى المصلحة المرسلة، معتمدًا في ذلك إلى قيام المصلحة التي إن لم يقم بها الناس فيعطونها من عندهم ضاعت. وقد تكلم على المسألة الإمام الغزالي في كتابه فاستوفى، ووقع لابن الفراء في ذلك مع سلطان وقته وفقهائها كلام مشهور لا نطيل به. وكتب جوابًا لبعض أصحابه في دفع الوسواس العارض في الطهارة وغيرها: وصلني كتابكم فيما به الوسواس، فهذا أمر عظيم في نفسه، وأنفع شيء فيه المشافهة، وأقرب ما أجد الآن أن تنظروا من إخوانكم من تدلون عليه وترضون دينه، ويعمل بصلب الفقه ولا يكون فيه وسوسة فتجعلونه إمامكم، على شرط أن لا تخالفوه، وإن اعتقدتم أن الفقه عندكم بخلافه، فإذا فعلتموه رجوت لكم النفع وأن تواظبوا على قول: "اللهم اجعل لي نفسًا مطمئنة تؤمن بلقائك، وتقنع بعطائك، وترضى بقضائك، وتخشاك حق خشيتك، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم" فإنه نافع للوسواس، كما رأيته في بعض المنقولات. وكان يقول: لا يحصل الوثوق والتحقيق بشأن الرواية في الأكيال المنقولة

стр. 48

بالأسانيد، واختبرت ذلك فوجدت الأكيال مختلفة متباينة الاختلاف وهي ذوات روايات، فالكيل الشرعي تقريبًا منقول عن شيوخ المذهب (يدركه أحد) (١) حفنة من البر أو غيره بكلتا اليدين مجتمعتين من ذوي يدين متوسطتين بين الصغر والكبر، فالصاع منها أربع حفنات، جربته فوجدته صحيحًا، فهذا الذي ينبغي أن يعول عليه لأنه مبني على أصل التقريب الشرعي، والتدقيقات في الأمور غير مطلوبة شرعًا لأنها تنطّع وتكلّف، فهذا ما عندي. ومن كلامه أما من تعسف وطلب المحتملات والغلبة بالمشكلات وأعرض عن الواضحات فيخاف عليه التشبه بمن ذمه اللَّه في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ (سورة آل عمران، الآية ٧). وكان لا يأخذ الفقه إلا من كتب الأقدمين، ولا يرى لأحد أن ينظر في هذه الكتب المتأخرة، كما قرره في مقدمة كتابه الموافقات، وترد عليه الكتب في ذلك من بعض أصحابه فوقع له: وأما ما ذكرتم من عدم اعتمادي على التآليف المتأخرة، فليس ذلك مني محض رأي، ولكن اعتمدته بحسب الخبرة عند النظر في كتب المتقدمين مع المتأخرين، وأعني بالمتأخرين كابن بشير وابن شاس وابن الحاجب ومن بعدهم، ولأن بعض من لقيته من العلماء بالفقه أوصاني بالتحامي عن كتب المتأخرين وأتى بعبارة خشنة ولكنها محض النصيحة، والتساهل في النقل عن كل كتاب جاء لا يحتمله دين اللَّه، ومثله ما إذا عمل الناس يقول ضعيف. ونقل عن بعض الأصحاب لا تجوز مخالفته، وذلك مشعر بالتساهل جدًا، ونص ذلك لا يوجد لأحد من العلماء، فيما أعلم. والعبارة الخشنة التي أشار إليها كان ينقلها عن صاحبه أبي العباس القباب أنه كان يقول في ابن بشير وابن شاس أفسدوا الفقه. وكان يقول: شأني عم الاعتماد على التقاليد المتأخرة، إما للجهل بمؤلفها أو لتأخر أزمنتهم جدًا، فلذلك لا أعرف كثيرًا منها ولا اقتنيته، وعمد في كتب الأقدمين المشاهير، ولنقتصر على هذا القدر من بعض فوائد.

стр. 49

١٨ - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن عبد اللَّه اليزناسني قاضي الجماعة بفاس (١). تقدم جدُّه، كان إمامًا حافظًا علامة بارعًا في الفقه نظّارًا، أثنى عليه الإمام ابن مرزوق الحفيد فقال: إنه من مفاخر قطره، وصفه بعضهم بالفقيه المفتي المدرس المحقق العلامة الصدر العلم الشهير. ووصفه في المعيار بالفقيه الأعدل الأنزه القدوة الأوحد ابن الفقيه الجليل الأصيل الماجد الوجيه النزيه العلم الصدر ابن الفقيه ابن المدرس المفتي المحقق القدوة العلم الفذ الصالح الزاهد الخاشع الولي العارف المجاب الدعوة المبرور أبي سالم- اهـ. وله فتاوى كثيرة ناظر فيها وحقق، ذكر جملة في المعيار، وتوفي يوم الخميس ثامن عشر رجب عام أربعة وتسعين وسبعمائة، ذكره أبو العباس الونشريسي في وفياته (٢). ١٩ - إبراهيم بن محمد المدني (٣). ذكره ابن الزبير في كتابه (المقصد الواجب) ووصفه بالرجل الصالح المجاب الدعوة، شرح مختصر ابن الحاجب في ثمان مجلدات، وله تأليف في اصطلاحات ابن الحاجب منثور، احتوى على عشرين فصلًا، وقال: وقد وقفت عليه. توفي أول القرن التاسع- اهـ -بنقل الشيخ بدر الدين القرافي المصري من شيوخ العصر. قلت: وعندي أن هذا المترجم به هو برهان الدين ابن فرحون صاحب الديباج المتقدم لا رجل آخر فتحققه، واللَّه أعلم. ٢٠ - إبراهيم بن عبد الرحمن ابن الإمام التلمساني نزيل فاس (٤). الفقيه الحافظ الحجة المشارك المتفنن ابن شيخ الإسلام الإمام العلامة

стр. 50

المجتهد أبي زيد ابن الإمام. له علوم جمة وفتاوى، ونقل عنه المازوني ثم الونشريسي في نوازلهما، وتوفي بفاس ودفن بباب الجيزيين سنة سبع وتسعين، قاله الونشريسي في وفياته. قلت: وهو والد العلامة أبي الفضل ابن الإمام الآتي في المحمدين. ٢١ - إبراهيم بن عبد اللَّه بن عمر الصنهاجي القاضي (١). تفقه على البدر الغماري، وكان يحفظ الموطأ، وولي قضاء دمشق غير مرة أولها سنة ثمانن وسبعمائة، فلما جاء التوقيع ولم يقبل، وصمم على عدم الباشرة وامتنع من لبس الخلعة، فلم يزالوا به حتى قبل فولي في ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وسبعمائة فباشر ثلاث سنين ومات في ربيع الأخير فجأة بعد أن خرج من الحمام، وقد ناهز ثمانين وهو صحيح البنية حسن الوجه كث اللحية، كان فاضلًا في علوم، ولد سنة عشر وسبعمائة وتوفي سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، صح من الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر، ﵀. ٢٢ - إبراهيم بن موسى المصمودي التلمساني (٢). الشيخ العالم الصالح الولي الزاهد أبو إسحاق، أحد شيوخ الإمام ابن مرزوق الحفيد، أفرد ترجمته بتأليف، قال الشيخ أبو عبد اللَّه بن صعد التلمساني في كتابه (النجم الثاقب): كان هذا الولي أحد من أُوتي الولاية صبيًا، وحل من رياسة العلم والزهد مكانًا عليًّا، عرّف به شيخ شيوخنا الإمام ابن مرزوق في جزء قال فيه: "ومن شيوخي الذين انتفعت بهم الإمام العالم العلامة المحقق المدرس رئيس الصالحين والزاهدين في وقته، ذو الكرامات المأثورة والديانة المشهورة الولي بإجماع، المجاب الدعوة إبراهيم المصمودي من صنهاجة المغرب قرب مكناسة، بها ولد ونشأ ثم طلب العلم، وأخذ بفاس عن جماعة من الأكابر كالإمام حامل راية الفقهاء في وقته موسى

стр. 51

العبدوسي، والإمام الشهير محمد الأبلي، وقرأ كثيرًا على الإمام شريف العلماء أبي عبد اللَّه الشريف التلمساني، ثم انتقل بعد وفاته للمدرسة التاشفينية فقرأ بها على العلامة خاتمة قضاة العدل بتلمسان سعيد العقباني ثم لبوبته المعروفة. وما زال مقبلًا على العلم والعبادة والاجتهاد في الجاهدة، آخذًا بالغاية القصوى، وَرَعًا وزُهْدًا وإيثارًا، مثابرًا على البر، متّبعًا طريق السلف، أحبّ الناس لمذاكرة العلم، لا يسمع بكبير في علم أو منفرد بفن إلا اجتمع به وذاكره، أعلم أهل وقته بالسير وأخبار السلف والصالحين والعلماء كافة من متقدمين ومتأخرين، كفاه اللَّه ما أهمه كما ضمن لمن انقطع لخدمته، وله كرامات كثيرة. وحدثني كبير أصحابه الشيخ أبو عبد اللَّه بن جميل أنه عرض له شيء منعه من اتباع المشهور في مسألة واضطر لفعله، فبحث حتى وجد جوازه لابن حبيب وأصبغ فقلدهما، قال: ثم مضيت لزيارة أمي وسقط عليّ حجر آلمني شديدًا واعتقدت أنه عقوبتي لمخالفة المشهور وتقليد غيره، وما علم بذلك أحد ثم زرت الشيخ وأنا متألم فقال لي: ما لك يا فلان؟ قلت له ذنوبي، فقال لي فورًا: أما من قلد أصبغ وابن حبيب فلا ذنوب عليه، وهذا من أكبر الكرامات. وحدثني بعض صالحي أصحابه قال: كنت جالسًا معه في بيته ليس معنا أحد وهو يقرأ القرآن ويشير بقضيب في يده إلى محل الوقف ضاربًا، على عادة أشياخ التجويد، فقلت في نفسي: لِمَ يفعل هذا؟ أتراه يقرأ عليه أحد من الجن؟ فما تم المخاطر حتى قال لي: يا محمد كان بعض الشيوخ يجود عليه الجن القرآن، وذكر لي عن غير واحد ممن يُهدي طعامًا من لبن أو غيره وربما رده عليهم، فيتفقدون أنفسهم فيجدون موجب الرد من شبهة من ضجر أهل البيت أو غيره. وحدثني غير واحد أنه كان خارج البلد في وقت لا يدرك الباب عادة إلا وقد غلقت، ثم يرونه في البلد- اهـ.

стр. 52

قال ابن صعد عن جده أبي الفضل: إن الشيخ أبيض اللون طويل لا يلبس سوى الكساء الجيدة يعري رأسه أكثر الأوقات. وذكر جماعة من الفضلاء أنه في ملازمته للجبل إذا وجد نوار الربيع أمعن النظر في أنواعه وألوانه وصنعته فيغلبه الحال ويتواجد ويتبختر ويقرأ حينئذ ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ (سورة لقمان، الآية ١١). وقال عن جده: إنه توفى عام خمسة وثمانمائة وحضر جنازته السلطان ماشيًا على قدميه- اهـ. وذكر الونشريسي في وفياته أن وفاته سنة أربع وثمانمائة- اهـ. ٢٣ - إبراهيم بن علي بن محمد بن هلال الريعي التونسي التريكي (١). أخذ عنه القاضي عبد القادر المكي بمكة الفقه وأصوله وأذن له في التدريس في حدود الثلاثين وثمانمائة، قاله الحافظ السخاوي في تاريخ أهل المائة التاسعة. وقلت: نقلت عن السخاوي في هذا الجزء وشيخه ابن حجر في الدرر بواسطة البدر القرافي أو بواسطة الإمام السيوطي في الثاني. ٢٤ - إبراهيم بن فائد بن موسى بن هلال الزواوي القسنطيني، شارح مختصر خليل (٢). قال السخاوي: ولد في جبل جرجر سنة ست وتسعين وسبعمائة، وأخذ الفقه عن أبي الحسن علي بن عثمان- اهـ. قلت: يعني المانجلاتي فقيه بجاية الآتي في حرف العين إن شاء اللَّه تعالى، قال: ثم رحل لتونس فأخذ الفقه أيضًا والمنطق عن الأبي، والفقه والتفسير عن القاضي أبي عبد اللَّه القلشاني، والفقه وحده عن يعقوب الزغبي، والأصول عن عبد الواحد الغرياني. ثم رحل لجبال بجاية، فأخذ العربية عن عبد العالي بن فراج، ثم دخل قسنطينة فقطنها وأخذ الأصلين والمنطق عن حافظ الذهب أبي زيد عبد الرحمن الملقب بالباز، والمعاني والبيان

стр. 53

عن أبي عبد اللَّه القيسي، والأصلين والمنطق والمعاني والبيان مع الفقه، وغالب العلوم المتداولة عن أبي عبد اللَّه بن مرزوق عالم المغرب لما قدم عليهم قسنطينة فأقام بها ثمانية أشهر. ولم ينفك عن الاشتغال والاشغال حتى برع في جميع الفنون لاسيما الفقه، وعمل تفسيرًا، وشرح ألفية ابن مالك، وتلخيص المفتاح في مجلد، وشرح مختصر خليل في ثماني مجلدات وسماه (تسهيل السبيل لمقتطف أزهار روض الخليل) وشرحًا آخر كمل في مجلدين سماه (فيض النيل)، وحج مرارًا وجاور، وتوفي في سنة سبع وخمسين وثمانمائة- اهـ. قلت: وقد وقفت على السفر الثالث من شرحه المسمى (تسهيل السبيل) من القسمة الخ. . . حسن من جهة النقول يستوفيها، يعتمد فيها على ابن عبد السلام والتوضيح وابن عرفة وغيرهم، وفي آخره جامع كبير محتو على فوائد لخصها من البيان لابن رشد وغيره. ورأيت في خزانة جامع الشرفاء بمراكش السفر الأولي من شرح آخر له على خليل قدر الثلث إلى الجهاد سماه (تحفة المشتاق في شرح مختصر خليل بن إسحاق) مجلد ضخم. ٢٥ - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن محمد البدوي الأنصاري الأندلسي (١). من علمائها الأجلة، معاصر لأبي القاسم من سراج وطبقته في المائة التاسعة، أخذ عنه العلامة أبو عبد اللَّه بن الأزرق، وقال فيه شيخنا الأستاذ القاضي أبو إسحاق: ولم أقف على ترجمته. ثم رأيت في أسانيد الشيخ أحمد ابن داود أن شيخه أبا القاسم بن أبي الطاهر الخطيب أخذ عن صاحب الترجمة وأخذ عن الأستاذ أبي عبد اللَّه محمد بن محمد القعنيبي الكفيف، عرف بابن الأزرق عن الأستاذ أبي محمد قاسم الشروطي. ٢٦ - إبراهيم بن محمد بن فتوح العقيلي الأندلسي (٢). الغرناطي مفتيها وعالمها يعرف بابن فتوح. قال السخاوي: فمن لازمه

стр. 54

في الفقه والنحو والأصلين والمنطق أبو عبد اللَّه بن الأزرق، بحيث كان جلُّ انتفاعه به، وقال: إنه مات بغرناطة سنة سبع وستين وثمانمائة- اهـ. وقال عصريُّه الإمام أبو يحيى بن عاصم بن أبي بكر بن عاصم: "كان صاحبنا أبو إسحاق عالما متفننًا محققًا نظارًا وأستاذًا، فوائد تدريسه لجين ونضار، كلًا بل جواهر ويواقيت ومناسك من السعادة مواقيت، بحسب الطالب الموثوق بفهمه، المعروف للتحصيل مواقع سهمه أن يلازم حلقة تعليمه، وأن يشد يد المنة بما يلقن من محصول تفهيمه، فاكسير الإفادة إنما حصله الواصلون من جابر صنعته، وكيمياء السعادة إنما تلقفها الظافرون في نضرة روضه المخضل وينعته- اهـ". قال ابن الأزرق: فهذا ما وصف به هذا الرئيس الجليل العلم، إمام التحقيق وعلم أعلامه- اهـ. وقال القلصادي في رحلته: لازمت بغرناطة شيخ علماء الأندلس في وقته سيدي أبا إسحاق بن فتوح (١)، كانت له مشاركة في العلوم مع تحقيقها، خصه اللَّه تعالى بفكر نقاد وذهن منقاد فانتفع به الجهابذة والنقاد، تخرج على يديه أكثر طلحة الأندلس الأعيان، وطالت مدة اقرائه للعلوم، فألحق الأصاغر بالأكابر. كان اعتناؤه بالأصلين والمنطق والعاني والبيان، له تحقيق بالتفسير والحديث، عالمًا بالعربية، حافظًا اللغة والأدب والشعر وغيرها، ثاقب الذهن لا يعسر عليه ما ينتحله من العلم إذا سُئل عن معنى حديث أو مشكل بيت، ولا يذكره من كتب اللغة، فلابد أن يحمله على وجه يصح في العربية، ثم إذا بحث عنه في كتب اللغة وجد كما قال. لم أر مثله في نوعه غير شيخنا ابن عقاب الجزامي التونسي، ولم يكن في وقت إدراكي له يعتني بالعربية ولا بالتأليف وإنما كتب على الأسطرلاب،

стр. 55

ونظم رجز الصفيحة الشكازية في أول عمره، ونظره في العربية ما يقرأ عليه، ولا يتكلف في قراءة علم ولا البحث فيه، ولا يحسن تعليم المبتدئ وكان يقر بذلك، ويثقل عليه الكتب على الفتيا والكلام فيها، وإذا عرض له كتب لإنسان يأمرني أو غيري بكتب ذلك. وكان خطه جيدًا، نسخ كثيرًا في علوم شتى سيما المعقول، وخطه رقيق ندم عليه آخر عمره، كتب ابن عرفة في سفرين، وفي الثاني مختصر الحوفي، وقال لو وجدت كاغدًا رقيقًا على اختياري لكتبته في سفر واحد. وله نفس زكية وهمة عالية، لا يعتني بالدنيا ولا أهلها، ولا يحرص على كسب مال ولا رئاسة، وكان اقراؤه بالمدرسة، وهي أنوه مواضع التدريس بغرناطة، تقدم فيها باستحقاق بلا طلب، وكذا تقديمه بالجامع الأعظم. وتُعدي عليه فيها وقتًا وظُلم فوكل أمره لربه، ولم ينتصر لنفسه، وكانت أحواله مرضية إلى أن مات، حضرت عليه قراءة كفب متعددة في علوم شتى، وقرأت عليه مقالات أبي رضوان في المنطق، والشمسية، ورجز ابن سينا، وبعض رجزه في الطب، ومختصر ابن رشد في الأصول، وجمع الجوامع، وكراسة الجزولي، والتسهيل لابن مالك، وشامل بهرام، ومعظم خليل، وقرأت كتاب سيبويه فختمناه سنة ثمان وخمسين، ثم الكشاف وختمناه سنة ست وستين، ثم ابتدأنا خليلًا ثم تركناه لميله لقراءة التفسير والحديث والتصوف، فقرأنا الجواهر والأربعين للغزالي، وتوفى ليلة الثلاثاء سادس ذي الحجة عام سبعة وستين وثمانمائة، وحضر جنازته السلطان فمن دونه، وقد نيف على الثمانين سنة. . . الخ. وممن أخذ عنه العلامة أبو عبد اللَّه الراعي، شارح الألفية، وذكر عنه أنه كان كثير الاعتناء بكتاب سيبويه، وله فتاوى ذكر منها في المعيار جملة. ٢٧ - إبراهيم بن محمد بن علي التازي، نزيل وهران الشيخ أبو سالم (١). وأبو إسحاق الإمام العالم العلامة الناظم البليغ الورع الزاهد الولي

стр. 56

الصالح العارف القطب، صاحب الكرامات والأحوال البديعة والقصائد الرائقة الأنيقة. قال أبو عبد اللَّه بن صعد في النجم الثاقب: كان سيدي إبراهيم من الأولياء الزاهدين والعبّاد الصالحين، إمامًا في علوم القرآن، مقدّمًا في علم اللسان، حافظًا للحديث، بصيرًا بالفقه وأصوله، من أهل المعرفة التامة بأصول الدين، إمامًا من أئمة المسلمين. وقفت على كثير من تقاييده في الفقه والأصول وعلم الحديث بخطه الرائق. من أهل الحفظ العظيم، معروفًا بجودة النظر والفهم الثاقب، جامعًا لمحاسن العلماء، ممتعًا بآداب الأولياء، لا نظير له في كمال العقل، ومتانة الحكم، والتمكن في المعارف، وبلوغ الدرجة العليا في حسن الخلق وجميل العشرة، والمعرفة بأقدار الناس والقيام بحقوقهم، وحسبك من جلالته وسعادته أن المثل ضرب بعقله وحلمه، واشتهر في الآفاق ذكر فضله وعلمه حتى الآن، إذا بالغ أحد في وصف رجل قال: كأنه سيدي إبراهيم التازي، وإذا امتلأ أحدهم غيظًا قال: لو كنت في منزلة سيدي إبراهيم التازي ما صبرىت لهذا، لما كان يتحمله من إذاية الخلق، والصبر على المكاره، واصطناع المعروف للناس، والمداراة، فهو أحد من أظهره اللَّه لهداية خلقه، وأقامه داعيًا لبسط كراماته، مجللًا برداء المحبة والمهابة، مع ما له من القبول في قلوب الخاصة والعامة، فدعاهم إلى اللَّه ببصيرة، وأرشدهم لعبوديته بعقائد التوحيد ووظائف الأذكار. كان أحسن الناس صوتًا، وأنداهم قراءة، آية في فصاحة اللسان والتجويد، ذكر أنه أيام مجاورته إذا قرأ البخاري أو غيره انحشر الناس إليه لحسن قراءته وجودته، وصلى الأشفاع هناك في رمضان بالناس لحسن تلاوته وطلاوة حلاوته. وأصله من بني لنت قبيلة من بربر تازا، وشهر بالتازي لولادته بها، وقرأ بها القرآن على العالم الصالح الولي العارف أبي زكريا يحيى الوازعي، وكان هذا الشيخ يعتني به على صغر سنه، ويقول لأقرانه: هذا سيدكم وصالحكم. وما زال على حاله الحسنة، ونشأته الصالحة، وهديه القويم، إلى أن رحل

стр. 57

للشرق، وعلماؤه على ساق، وعُرفت صدّيقيته هناك، واشتهر ذكره، وكان رفيقه في وجهته للبلاد المشرقية نظيره في العلم والدين الولي الصالح الزاهد الناصح أحمد الماجري-اهـ -كلام ابن صعد ملخصًا. قلت: ولما حج لبس الخرقة من شرف الدين الداعي، ولبسها من الشيخ صالح بن محمد الزواوي بسنده إلى أبي مدين، وأخذ عنه حديث المشابكة، وتبرك بالشيخ الولي الصالح أبي عبد اللَّه محمد بن عمر الهواري، وتلمذ له فنال بركته. وكان عالمًا زاهدًا متصوفًا له كرامات، ومكاشفات كثيرة، وقصائد في مدحه ﷺ . أخذ عنه جماعة من الأئمة كالحافظ التنسي، والإمام السنوسي وأخيه سيدي علي التالوتي، والإمام أحمد زروق وغيرهم، قال القلصادي في فهرسته (١): أقمت بوهران مع الشيخ المبارك سيدي إبراهيم التازي خليفة الهواري في وقته، كان له اعتناء بكلام شيخه، ومن حكمه "العالم لا تعاده، والجاهل لا تصافه، والأحمق لا تؤاخه- اهـ.". قال ابن صعد: وأخذ بمكة عن علامة علمائها وكبير محدثيها قاضي القضاة المالكية سيدي الشريف تقي الدين محمد بن أحمد الحسني الفاسي، قرأ عليه كثيرًا من الحديث والرقائق وأجازه، وبالمدينة على جماعة كإمام الأئمة أبي الفتح بن أبي بكر القرشي وغيره. وكان كلامه في طريق التصوف ومقام العرفان لا يقوم بمعناه إلا من تمكنت معرفته، وقويت عارضته، وذاق من طعم الحب ما توفرت به مادته. وأخذ بتونس عن شيخ الإسلام الحافظ العلامة عبد اللَّه العبدوسي، وبتلمسان عن علامة وقته، خاتمة العلماء محمد بن مرزوق وأجازاه معًا، وزار بوهران شيخ المشايخ جنيد أقرانه وحكيم زمانه الهواري- اهـ. قلت: قوله: عبد اللَّه العبدوسي لعل صوابه أبو القاسم عبد العزيز العبدوسي، فهو نزيل تونس في ذلك الوقت، وأما عبد اللَّه العبدوسي فهو ولد

стр. 58

أخيه، لم أعرف له رحلة لتونس، ولا ذكره أحد، وإنما كان بفاس وبها توفى، واللَّه أعلم. وتوفي سيدي إبراهيم تاسع شعبان سنة ست وستين وثمانمائة -رحمه اللَّه تعالى ونفعنا به- هكذا ذكره غير واحد. ومن شعره قوله ﵁: أَمَا آنَ ارْعوَاؤكَ عَنْ شَنَارِ ... كَفَى بِالشَّيبِ زَجْرًا عَنْ عوار أبَعْدَ الأربعينَ ترومُ هزلًا ... "وهلْ بعد العشيةِ من عَرَارِ" فَخَلِّ حظوظَ نفسكَ والهَ عَنْهَا ... وعنْ ذكرِ المنازلِ والديارِ وعدِّ عن الرَّبَابِ وعن سُعَادٍ ... وزينبَ والمعارفِ والعقارِ فما الدنيا وزخرفها بشيءٍ ... ومعا أيامُهَا إلا عَوارِ وليس بعاقلٍ من يصطفيها ... أتشري الفوزَ ويحكَ بالتَّبَارِ فَتُبْ واخلعْ عِذارَكَ في هوى مَنْ ... لَهُ دارُ النَّعيمِ ودارُ نارِ جمالُ اللَّه أكمل كلِّ حسنٍ ... فللهِ الكمالُ ولا ممارِ وحبُّ اللَّه أشرفُ كلِّ أنسٍ ... فلا تَنْسَ التَّخَلُّقَ بالوقارِ وذكر اللَّه مَرْهَمُ كل جُرْحٍ ... وأنفعُ من زلالٍ للأوارِ ولا موجودَ إلا اللَّه حقًا ... فدعْ عنكَ التَعلُّقَ بالشّفَارِ وله من قصيدة: يا صاحِ من رُزِقَ التُّقى وَقَلَا الدُّنَا ... نَالَ الكرامةَ والسعادةَ والغِنَى فاصرفْ هوى دنياكَ واصرف حَبْلَها ... دارِ البَلايَا والرزايا والعَنَا وودادُهَا رأسُ الخطايَا كلِّها ... ملعونةٌ طوبى لمن عنها انثنى لا تغتررْ بغرورِها فمتاعُها ... عرضٌ معدٌّ للزَّوال وللفَنا لعبٌ ولهوٌ زينةٌ وتفاخرٌ ... لا تخدعنْكَ جنانُها مرّ الجنى خداعةٌ غدارةٌ نكارةٌ ... ما بلَّغتْ لخليلِها قطُّ المنى اليوم عندَك جاهُهَا وحطامُهَا ... وغدًا تراهُ بكفِّ غيرك مقتنى فاقبلْ نصيحةَ مخلصٍ واعملْ بها ... يدنيكَ من رضوانِ ربِّك ذي الغنى يُدخلك جناتِ النعيمِ بفضلِهِ ... دارِ المقامةِ والمسرةِ والهَنَا

стр. 59

وله أيضًا من قصيدة أخرى: وغنمُ مريدٍ في انقيادٍ لكاملٍ ... له خبرةٌ بالوقتِ والعلمِ والحالِ حوى السِّرِّ والإكسيرَ والكيميا لمنْ ... أرادَ وصولًا أو بَغَى نيلَ آمالِ وقد عدم الناسُ الشيوخَ بقطرنا ... وآخرهمْ شيخي وموضعُ إجلالِ وقد قال لي لم يبقَ شيخٌ بغربنا ... وذا منذ أعوام خلونَ وأحوالِ يشيرُ إلى أهلِ الكمالِ كمثله ... عليه من اللَّه الرِّضا ما تلا قال وله أيضًا من قصيدة أخرى: حسامي ومنهاجي القويمُ وشرعتي ... ومنجيَّ في الدارين من كلِّ فتنةِ محبةُ ربِّ العالمين وذكرُهُ ... على كلِّ أحياني بقلبي ولهجتي وأفضلُ أعمالِ الفتى ذكرُ ربه ... فكنْ ذاكرًا يذكرك باري البريةِ وما من حسام للمريدين غيرُهُ ... وكمْ حسموا ظهرًا لزار وباهت وكم بددوا شملا لِذِي جُرْأةٍ وَكَمْ ... أبادوا عدوًا مَسَّهُمْ بمضرةِ وكم دافعَ اللَّه الكريمُ بذكرهم ... عن الخلق من مكروهةٍ ومبيرةِ وأفضلُ ذكرٍ دعوةُ الحقِّ فلتكنْ ... بها لهجًا في كلِّ وقتٍ وحالةِ فكثرةُ ذكرِ الشَّيءِ آيةُ حُبِّهِ ... وحسبُ الفتى تشريفُهُ بالمحبةِ وله أيضًا من أخرى، ﵀: وَخِيْرَةُ الخَلْقِ مَنْ مِنْ أجْلِهِ خُلِقُوا ... محمدٌ خيرُ محمودٍ ومن حمدا من خصَّه بلِواءِ الحمدِ حامدُهُ ... وبالمقام القياميّ الذي حمدا ويوم حشرِ الورى للفصلِ يرشدُهُ ... إلى محامدَ لم يرشدْ لها أحدا وكثرةُ الحمدِ من أوصافِ أمته ... في اليُسر والعُسر في الكتبِ العلا وجد صلَّى الحميدُ على المحمودِ أحمدَ ما ... بالحمدِ أفصحَ حمّادٌ وما سجدا للَّه عبدٌ شكورٌ حامدٌ وعلى ... قرباهُ والصحبُ أعلا الأمةِ الحمدا وله أيضًا -قدس سره- من أخرى: أبَتْ مهجتي إلا الولوعَ بما تهوى ... فدعْ عنك لومي والنُّفُوسَ وما تَغْوى (١)

стр. 60

هوانُ الهوى عزٌّ وعذبٌ أجاجُهُ ... وعَلْقَمُهُ أحلى من المنٍّ والسَّلوى وتعذيبُهُ للصبِّ عينُ نعيمِهِ ... وسعيُ اللواحي في السُّلوِّ من العدوى ومن لم يَجُدْ النفسِ في حبِّ حبِّهِ ... فلوعتُهُ إفكٌ وصبوتُهُ دَعْوى وليسَ بِحُرٍّ مَنْ تَعبَّدَهُ الهوى ... لِلَهْوِ الدَّنا فاخترْ لنفسكَ ما تهوى فما الحبُّ إلا حبُّ ذي الطَّولِ والغنى ... وأملاكِهِ والأنبيا وأولي التَّقْوى وخيرَةُ رُسُلِ اللَّه أفضلُ خلقِهِ ... محمدٌ الهادي الى جنَّةِ المأوى وله أيضًا -قدس اللَّه روحه- من أخرى: روحي وراحةُ روحي ثم ريحاني ... وجنتي من شرورِ الإنسِ والجانِ ومأمنى وأماني من سعيرِ لظى ... ذكرُ المهيمنِ في سرٍّ وإعلان ومدحُ أَحمدَ أحمى العالمين حِمًى ... [وذو] المقامِ الذي مَا قَامَهُ ثانِ إلى أن قال: هو السِّراجُ هو المَنْجي لمعتصمٍ .... هو المعاذُ وملجأ الخائفِ الجاني يا رحمة اللَّه إني خائفٌ وجلٌ ... يا نعمةَ اللَّه إني مفلسٌ عاني إلى غيرها من قصائده الكثيرة. وقد ذكرت كثيرًا من أحواله في غير هذا الموضع، بل عرّف به الشيخ ابن صعد في نحو كراسين من النجم الثاقب. ٢٨ - إبراهيم بن أحمد القاضي برهان الدين الأبوذري الأزهري المصري (١). حفظ القرآن والعمدة ومختصر ابن الحاجب الفرعي، والرسالة وألفية ابن مالك، وغيرها. لازم الزين عبادة في الفقه وغيره، كالشهاب الصنهاجي، وأبي القاسم النويري فيه وفي العربية وغيرهما، وأخذ أيضًا عن الشهاب الأبدي، وأبي الفضل الشذالي، وحفر درس البساطي واستنابه، وكذا استنابه من بعده وصار من أعيان النواب، وحج مرارًا. ولد ثاني عشر ربيع الأول سنة ست وثمانمائة ومات في سنة تسع وخمسين وثمانمائة.

стр. 61

٢٩ - إبراهيم بن محمد بن أحمد الزفري (١). ولد في الحرم سنة تسع عشر وثمانمائة، تفقه بالزين طاهر (والجب) (٢) بالطويلية من صحراء مصر، وشرح الرسالة في مجلد، وابن الحاجب الفرعي، بها خمس، وعلق من الفوائد غير ذلك، ولم يزل على طريقته حتي مات بها سادس رمضان سنة سبع وسبعين وثمانمائة، صح من السخاوي. ٣٠ - إبراهيم بن قاسم بن سعد بن محمد العقباني التلمساني (٣). قاضي الجماعة بها أبو سالم الإمام العلامة الحافظ ابن شيخ الإسلام، مفتي الأمة أبي الفضل قاسم، أخذ ﵀ عن والده وغيره من علماء تلمسان، وحصّل وبرع وألّف وأفتى وتولى القضاء بعد عزل ابن أخيه العلامة محمد بن أحمد بن قاسم الآتي. قال الشيخ أحمد زروق: وكان أبو سالم هذا فقيهًا تولى القضاء بتلمسان وكان شكورًا، انتهى. ونقل عنه المازوني في نوازله. وممن أخذ عنه العلامة أحمد الونشريسي، وأثنى عليه، ونقل عنه في كتبه، وذكر عنه بها تعليقه على ابن الحاجب أنه كان هو وأبوه الإمام قاسم يشدد النكير على ابن العربي في قوله بجواز إرسال الريح في المسجد. توفي سنة ثمانين وثمانمائة، ذكره الونشريسى في وفياته وغيره، مولده سنة ثمانين وثمانمائة، واللَّه أعلم. ٣١ - إبراهيم بن محمد بن محمد بن عمر بن يوسف بن جميل اللقاني، المغربي الأصل (٤). قاضي القضاة بمصر برهان الدين، سمع الحديث على الزركشي، وحفظ

стр. 62

مختصر خليل، وألفية ابن مالك، وتفقه بالزين طاهر ولازمه حتى كان جلّ انتفاعه به، والزين عبادة، وأحمد البجائي المغربي، وأبي القاسم النويري، وتصدى للتدريس والإفتاء، واستقر في قضاء المدينة سادس صفر سنة سبع وسبعين وثمانمائة. وكان له قومات شديدة وعزمات سديدة، وكانت له اليد البيضاء في المجلسين المعقودين بسبب هدم الكنيسة، ولعدم مداراته فرح السلطان وقدم بعد ذلك. وصار بآخرة الأمر عليه المدار، أفتى وقضى واستمر على طريقته في لزوم بيته إلى أن توفي ليلة الثلاثاء عاشر المحرم سنة ست وتسعين وثمانمائة وشهد السلطان جنازته، وولد في صفر سنة سبع عشرة وثمانمائة- اهـ -من الضوء اللامع للسخاوي. ٣٢ - إبراهيم بن محمد الخدري (١). شيخ تونس وعلمائها، مولده قبل القرن، كذا في أعيان الأعيان للسيوطي. وقال الشيخ أحمد زروق في في كناشته: "كان إبراهيم الخدري فقيهًا صالحًا مفتي تونس وكبيرها (٢). وقال السخاوي: إنه الأخضري وأن نسبته إلى الخدري تصحيف، قال: أخذ بتونس عن أبي عبد اللَّه القلشاني، وعن ولده عمر، وعن قاسم العقباني حين اجتيازه بهم، ولم يكن عندهم أجل منه، وكان يصفه بالاجتهاد المطلق، ولكن لا يفتي إلا بمذهب مالك، وأما في خاصة نفسه فلا يعمل إلا بما يراه، وتقدم في الفقه والأصلين والعربية والمنطق. ومات سنة تسع وسبعين وثمانمائة، وقد قارب الثمانين. ٣٣ - إبراهيم بن هلال الفلالي السجلماسي (٣). مفتيها وعالمها الفقيه العالم الحافظ الصالح، أخذ عن الفقيه ابن آملال

стр. 63

والإمام القوري مفتي فاس وغيرهما، وألف تآليف منها كتاب (المناسك) وتعليق على مختصر خليل ولم يكمل، ولشرح على البخاري اختصر فيه ابن حجر، وله فتاوى مشهورة، توفي، على ما قيل، سنة ثلاث وتسعمائة عن ست وثمانين سنة، وكان آية في النظم والنثر ونوازل الفقه، وأنجب ولده عبد العزيز، وكان رجلًا صالحًا توفي بعده سنة عشر. ٣٤ - إبراهيم بن عمر بن شعيب الدميري (١). قاضي القضاة بمصر برهان الدين، أخذ الفقه عن نور الدين التنسي، ثم عن السنهوري، والعربية عن البدر بن أبي السعادات البلقيني، وعبد الحق السنباطي، والمنطق عن العلاء الحصني، وولد، تقريبًا، سنة أربعين وثمانمائة، كذا عن السخاوي. وقال تلميذه الداودي: وكان كثير التلاوة للقرآن، مع التواضع ولين الجانب ومحبة الصالحين، ولي قضاء المالكية فصار أحسن الناس سيرة، توفي في رمضان سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وكانت ولايته القضاء في ربيع الأخير سنة ست وتسعمائة بعد موت القاضي عبد الغني بن تقي. ٣٥ - إبراهيم بن المصمودي (٢). الفقيه الفرضي الحيسوبي، متقدم في الفرائض والحساب، تصدّر لهما بفاس، وأخذ عنه جماعة منهم عبد الحق المصمودي وغيره، وتوفي سنة اثنتي أو ثلاث عشرة وتسعمائة، هكذا بخط صاحبنا محمد بن يعقوب الأديب المؤرخ -رحمه اللَّه تعالى.

стр. 64

" ترجمة الأحمديين " ٣٦ - أحمد بن محمد بن عطاء اللَّه الصنهاجي الأندلسي أبو العباس (١). عرف بابن العريف أحد الأولياء المتسمين بالعلم والعمل والزهد، كان من الفقهاء والمحدّثين والقرّاء المجودين، ثم غلب عليه الزهد والورع والإيثار، فأصبح من أعلام المتصوفة ورجال الكمال. قال ابن بشكوال: كان متناهيًا في الفضل والدين منقطعًا إلى الخير، يقصده العبّاد والزهاد ويألفونه، بينه وبين القاضي عياض مكاتبات حسنة. وله كرامات ودعوات مستجابة، من أهل الجد والاجتهاد وملازمة الأذكار وصحبة العبّاد والزهاد، فحسده قاضي المرية بن الأسود فكتب فيه للخليفة علي بن تاشفين وخوفه من حاله فكتب لعاملها: أن ابعث إلينا ابن العريف، فجعله في القارب في البحر لسبته، فأشار القاضي على العامل بقيده، فأرسل رسوله فقيّده وهو في البحر، فقال ابن العريف: روّعنا روعه اللَّه، فلقيه العدو في البحر فأسروه، فلما وصل لسبته وافاه رسول السلطان بالأمان وحلّ قيده وتسريحه، فقال: كنت لا أريد معرفة السلطان وقد عرفني فلا بد من رؤيته فوصل لمراكش فأقبل عليه السلطان وعظمه وأكرمه، وسأله عن حوائجه فقال: لا حاجة في إلا أن تخليني أذهب حيث شئت، فأذن له. فلما خاب سعي القاضي ابن الأسود في مراده تحيل عليه بأن سمّه في باذنجان فمات منه بمراكش سنة ست وثلاثين وخمسمائة. واحتفل الناس بجنازته، وندم السلطان على ما كان منه وبحث عن أصله ونسبه، فأنهى إليه من حيلة القاضي ابن الأسود أنه غربه وقتله، فحلف لأفعلنّ به مثل ذلك، فغرّب وسمّ، كذلك صح من النجم الثاقب.

стр. 65

٣٧ - أحمد بن عبد الصمد بن أبي عبيدة محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحق الخزرجي القرطبي (١). نزل بجاية وقد سكن غرناطة مرة، يكنى أبا جعفر، روى عن أبي جعفر البطروجي وابن العربي وشريح وابن ورد وابن أبي الخصال وغيرهم. اعتنى بالحديث وروايته وكف بصره أخيرًا. له تأليف في كلامه ﷺ سماه (آفاق الشموس وأعلاق النفوس) وآخر سماه (مقامع الصلبان). روى عنه أبو القاسم بن بقي وأبو سليمان بن حوط اللَّه، وتوفي بفاس سنة اثنين وثمانين وخمسمائة، مولده سنة تسع عشرة وخمسمائة، ذكره ابن الأبار. ٣٨ - أحمد بن جعفر الخزرجي أبو العباس السبتي (٢). الولي الزاهد العالم العارف باللَّه القطب ذو الكرامات الشهيرة والمناقب الكثيرة والأحوال الباهرة والفضائل الظاهرة، نزيل مراكش وبها توفي، وقبره معروف مزار مزاحم عليه مجرب الإجابة، زرته مرارًا لا تحصى وجربت بركته غير مرّة. أخذ عن الشيخ أبي عبد اللَّه الفخار تلميذ القاضي عياض. قال لسان الدين ابن الخطيت السلماني: كان السبتي مقصودًا في حياته، مستغاثًا به في الأزمات، وحاله من أعظم الآيات الخارقة للعادة. ومبني أمره على أفعال العالم عن الجود، وكونه علة في تأثير الوجود، له في ذلك أخبار ذائعة وأمثال باهرة، ولما توفي ظهر هذا الأثر على تربته، وتشبث بلحده، وانسحب على مكانه عادة حياته، ووقع الإجماع على تسليم هذه الدعوى، وتخطى الناس من مباشرة قبره بالصدقة إلى بعثها له من أماكنهم على بعد المدى، وانقطاع المكان

стр. 66

الأقصى، تحملها أجنحة نياتهم فتهوى إليه بمقاصدهم من كل فج عميق، فيجدون الثمرة المعروفة والكرامة المشهورة! وقال ابن الزيات: كان أبو العباس قد أعطى بسطة في اللسان وقدرة على الكلام لا يناظره أحد إلا أفحمه، ولا يسأله إلا أجابه، كأن القرآن والحجج على طرف لسانه حاضرة، يأخذ بمجامع القلوب ويسحر العامة والخاصة ببيانه، يأتيه المنكرون للإنكار، فما ينصرفون إلا مسلّمين منقادين، وشأنه كله من عجائب الزمان. وحدثني مشايخنا أنهم سمعوه يقول: أنا القطب. وحدثني أبو الحسن الصنهاجي، من خواص خدّامه، قال: خرجت معه مرة لصهريج غابة الرمان يوم عرفة، فجلسنا هناك وصلينا فقال لي: إنما سمي هذا اليوم يوم عرفة لانتشار الرحمة فيه لمن تعرف إليه بالطاعة. وقد فاتنا عرفة فتعال نمثل بهذا المكان، نعمل كما يعملون، ولعل اللَّه يتغمدنا برحمته معهم، فعمل مكانًا دائرًا بالعين الكعبة، ومحل عنصر الماء الحجر وموضعًا آخر في مقام إبراهيم، فطاف بالعين أسبوعًا وأنا أطوف بطوافه، وكثير على العنصر في كل طوافة، وصلى في مثل المقام ركعتين تامتين، وأطال في سجود الثانية، ثم استند إلى الشجرة ثم قال: يا علي اذكر كل حاجة لك من حوائج الدنيا تقضى فإن اللَّه وعد في هذا اليوم من تعرف له أن تقضي حوائجه، فقلت: ما أريد إلا التوفيق. فقال لي: ما خرجت معك إلى المدينة حتى وفقت، فسألته عن حال بدايته، وبم تنفعل له الأشياء ويستجاب له الدعاء، ولم صار يأمر بالصدقة والإيثار من شكا إليه حالًا أو تعذر عليه مطلوب في هذه الدار؟ فقال لي: ما آمر الناس إلا بما ينتفعون به، لأني لما قرأت القرآن وقعدت بين يدي الشيخ أبي عبد اللَّه الفخار ونظرت في كتب الأحكام، وبلغ سني عشرين سنة تدبرت قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ وقلت: إني مطلوب به، فبحثت عن الآية، فوقفت على أنها نزلت حين آخى ﷺ بين الأنصار والمهاجرين، فسألوه أن يعلمهم حكم المؤاخاة، فأمرهم بالشاطرة ففهمت أن العدل المأمور به في الآية هو المشاطرة.

стр. 67

ثم تأمّلت حديث تفترق أمتي على ثلاث وسبعين، وأنه ﷺ لما آخى بين الصحابة وذكر له الأنصار أنهم شاطروا المهاجرين ذكر ذلك الحديث أثره، فقلت: إن الذي هو عليه وأصحابه الإيثار والمشاطرة، فعقدت مع اللَّه نية أن لا يأتيني بشيء إلا شاطرت فيه الفقراء، فبقيت عليه عشرين سنة، فأثمر في حكم المخاطر، فلا يحكم خاطري بشيء إلا صدق. فلما أكملت أربعين سنة تدبرت الآية، فإذا العدل هو الشطر، والإحسان زائد عليه، فعقدت نية أن لا يأتيني قليل ولا كثير إلا أعطيت ثلثيه للَّه فعملت عليه عشرين سنة فأثمر في الحكم بالولاية والعزل فأولي من شئت وأعزل من شئت. ثم نظرت بعد في أول ما فرضه على عباده في مقام الإحسان فوجدته شكر النعمة، بدليل إخرل الفطرة على المولود قبل أن يفهم، ووجدت أصناف من يعطي الصدقة الواجبة سبعة، وسبعة أخر صرفها فيها للإحسان والزيادة، وذلك أن لنفسك عليك حقًا ولزوجك حقًا وللرحم حقًا وللضيف حقًا ولليتيم حقًا، وذكر صنفين آخرين، فانتقلت لهذه الدرجة وعقدت معه تعالى عقدًا في إمساك سبعة حق النفس والزوجة، وصرف الخمسة الأسباع لمستحقيها، فأقمت عليه أربعة عشر عامًا فأثمر في الحكم في السماء فإذا قلت يا رب قال لي لبيك، ثم قال لي: نهايتي بتمام عمري بعد ستة أعوام تكملة عشرين عامًا. قال الصنهاجي: فأرّخت ذلك اليوم فلمّا مات وحضرت جنازته تذكرت التاريخ وحققت العدد، فنقصت من الستة الأعوام ثلاثة أيام، فيحتمل كونه من الشهور الناقصة. قال أبو بكر بن مساعد: جاء بعض السلاطين إلى أبي العباس وهو راكب فقال له: إلى متي تحيّرنا ولا تصرّح لنا عن الطريق؟ فقال له: هو الإحسان، فقال له: بيّن لي، فقال له: كل ما أردت أن يفعله اللَّه معك فافعل مع عبيده. وقال له أبو الحسن الجنان: أما ترى ما فيه الناس من القحط والغلاء؟ فقال له: إنما حبس المطر عليهم لبخلهم، فلو تصدقوا لمطروا

стр. 68

فقل لأصحابك الفلاحين تصدّقوا بمثل ما أنفقتم تمطروا، فقال له: لا يصدقني أحد، ولكن مرني في نفسي فقال له: تصدق أنت بمثل ما أنفقت. فقال له: إذا أمطرت أخرجت من ثمن الغلة مثل ما أنفقت، فقال له: إن اللَّه تعالى لا يعامل بالدين ولكن استسلف، فاحتال وتصدق بها كما أمره، قال: فخرجت إلى البحيرة التي عمرتها، والشمس شديدة الحر، فآيست من المطر، وقد أشرف جميع غرسي على الهلاك، فبقيت ساعة فإذا سحابة أمطرت البحيرة ورويت وظننت أن الدنيا كلها مطرف، فخرجت فإذا هو لم يتجاوزها- اهـ. وحكايته في مثل هذا كثير. قال الشيخ العارف أبو الحجاج يوسف التادلي في كتاب (التشوف إلى رجال التصوف): وكان أبو العباس جميل الصورة، أبيض اللون، حسن الثياب، فصيح اللسان، مقتدرًا على الكلام، حليمًا صبورًا، يحسن إلى من يؤذيه ويحلم على من يسفه عليه، رحيمًا عطوفًا محسنًا إلى اليتامى والأرامل، يجلس حيث أمكنه الجلوس، ويحضّ على الصدقة ويذكر في فضلها آيات وأحاديث، ويأخذها ويفرقها، ويرد أصول الشرع إليها، ويفسرها بها، فيقول معنى قول المصلي: اللَّه أكبر، أي من أن نضن عليه بشيء، فمن رأى شيئًا من متاع الدنيا في نفسه أكبر فلم يحرم ولا كبر، ومعنى رفع اليدين في التكبير تخليت من كل شيء لا قليلًا ولا كثيرًا، وهكذا يتكلم في جميع العبادات، ويقول: سرّ الصوم أن تجوع، فإذا جعت تذكرت الجائع وما يقاسيه من نار الجوع، فتصدق عليه، فمن صام ولم ينعطف على الجائع فكأنه لم يصم، إلى غيره، من كلامه في مثل هذا. وإذا أتاه امرؤ في أمر يقول: تصدق تصب ما تريد. وأخباره في ذلك عجيبة كثيرة. قال التادي: وحدثني ولده الفقيه أبو عبد اللَّه عن أبيه في بدء أمره أنه قال: كنت صغيرًا أسمع كلام الناس في التوكل، ففكرت في حقيقته، فرأيت أنه لا يصلح إلا بترك شيء، ولم يكن عندي يد فتركت الأسباب، وطرحت العلائق، ولم تتعلق نفسي بمخلوق، فخرجت سائحًا متوكلًا وسرت نهاري كله، فأجهدني الجوع والتعب، وكنت نشأت في رفاهية عيش، وما مشيت قط

стр. 69

على قدمي، فبلغت قرية فيها مسجد فتوضأت ودخلته، فصليت المغرب والعشاء، وخرج الناس، وقمت لأصلي فلم أقدر من شدة الجوع والتألم بالمشي، فصليت ركعتين، وجلست أقرأ القرآن إلى أن مضى جزء من الليل، فإذا قارع يقرع دارًا بعنف، فأجابه صاحب الدار، فقال: أرأيت بقرتي؟ فقال: لا. فقال: إنها ضلت وقد أكثر عجلها من الحنين، فطلبها فلم يجدها في القرية، فقال أحدهم: لعلها في المسجد ففتحوا بابه ووجدوني، فقال صاحب البقرة: أظنك ما أكلت شيئًا، فجاءني بكسرة خبز وقدح لبن، ثم ليأتيني بالمال فوجد بقرته في وسط الدار، فقال: خرجت بقصد البقرة وما كان خروجي إلا لهذا الفتى الجائع في المسجد، فجاء وطلب مني أن أمشي معه لمنزله فأبيت. وكان ﵀ في أول أمره يسكن الفندق، ويعلم الحساب والنحو، ويأخذ الأجرة عليه وينفقها على الطلبة الغرباء، ويمشي في الأسواق يذكّر الناس ويضربهم على ترك الصلاة، ويأتي بالطعام على رأسه، وبات ليلة عند الطلبة، فارتفعت أصواتهم بالمذاكرة، فإذا بالحرس قرعوا باب الفندق، فقام إليهم القيّم بخدمته، فقالوا له: أما تعلمون أن من رفع صوته بالليل يقتل؟ ثم وقف اثنان من الحرس على باب الفندق ليحملونا بعد الفجر للقتل، وجاء القيم فأخبرنا فخفنا خوفًا عظيمًا، وتيقنا الهلاك، فأخذ أبو العباس في الضحك ولا يبالي، ثم خلا بنفسه ساعة عند السحر، ثم قال لنا: لا خوف عليكم قد استوهبتكم من اللَّه، وهذان الحارسيان يقتلان غدًا إن شاء اللَّه تعالى، فقيل له الجزاء عندنا من الأفعال من الخير والشر، وهما لم يفعلا ما يوجب قتلهما، بل جزاؤهما أن يروعاكما روعانًا، فقال: العلماء ورثة الأنبياء، وترويعكم عظيم لا يقابل منهم إلا بالقتل، فما زلنا نعارضه فيه حتى قال: عقوبتنا أن يضرب كلّ مائة سوط، ثم اجتاز عبد اللَّه الخراز صاحب الوقت بالجامع الأعظم فوجد تابوته مفتوحًا، والحرسيان على قرب منها، فلم يشك أنهما حلاه، فحملا إلى رحبة القصر قبل الفجر، فقال لنا أبو العباس: احضروا على ضربهما كما أرادا قتلكم، فتبعناهما وحضرنا حتى ضرب كل واحد مائة سوط.

стр. 70

وكراماته لا تحصى، وكان يقول: أصل الخير في الدنيا والآخرة الإحسان، وأصل الشر فيها البخل، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الآية. وقال عن إبليس: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية. وقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ وقال: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا﴾ الآية، وقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية، وقال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ الآية. وقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ﴾ الآية، فهي أمانة الرزق فأعطت السماء ما فيها من الماء وهو المطر، والأرض ما فيها من المياه النازلة من الجبال، وكذا الجبال، وأنبتت الأرض وأبت إمساكها، فخزن الإنسان جميعها عنده ومنع المساكين ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. وفي الحديث "هم الأقلون ورب الكعبة إلا من قال هكذا وهكذا" الحديث. ولما أراد اللَّه هلاك فرعون وقومه ودعا عليهم موسى بالبخل فقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ﴾ إلى قوله: ﴿دَعْوَتُكُمَا﴾. وكان آخر عمره ﵁ كثيرًا ما يقرأ هذه الآية ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ إلى قوله: ﴿سَوْفَ يُرَى﴾، ويقول: من قال: إن اللَّه لا يجازي على الصدقات فقد وافق اليهود في الفرية على اللَّه تعالى لأنهم قالوا: "يد اللَّه مغلولة غلت أيديهم" أي لا يجازي على الصدقات، قال تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي يجازي عليها كيف يشاء. ويقول في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ إنما كويت هذه المواضع لأن الغني يعرض عن المسكين بوجهه، ثم بجنبيه، ثم بظهره، فعوقبت هذه المواضع بكيِّ النار لإعراضه عنه. ومنازعه ﵀ في أمثال هذا كثيرة- اهـ -ملخصًا من التشوف للتادلي. قال ابن الزيات: وحدثني أبو الحسن الصنهاجي وغيره: أن رجلًا غنيًا يعرف بابن السكان دار عليه الزمان وافتقر، فحدّث أنه جاء لأبي العباس وعليه ثوب خلق تظهر منه عورته، فشكا إليه حالته، قال: فأخذ بيدي إلى أن خرج معي من باب تاغزوت، فجاء إلى مطهرة هناك فدخل فيها وتجرد من أثوابه وناداني وقال لي: خذ الثياب فأخذتها، وكان بعد العصر فأردت أن أدري ما يكون من أمره، فصعدت إلى حائط هناك إلى قرب الغروب، فإذا

стр. 71

بفتى خرج من الباب على دابة معه رزمة ثياب، فلما رأيته نزلت إليه، وقال: أين الفقيه أبو العباس؟ فقلت: ها هو في الساقية عريان، فقال لي: امسك الدابة، فسمعت الفقيه يقول له: أين تلك الثياب؟ فأخذها منه وخرج، فلما رآني قال لي: ما لك هنا؟ قلت: يا سيدي خفت عليك فلم أقدر على الانصراف ونتركك، فقال لي: أفترى الذي فعلت ما فعلت يتركني؟ ثم سأل الفتى عن سبب وصوله إليه، فذكر له أن إحدى الكرائم أمرته أن يحمل إليه تلك الثياب وقالت له: لا تدفعها إلا للفقيه ولا يلبسها إلا هو، فهذه قصة صحيحة مشهورة- اهـ. قال ابن الخطيب السماني: روضته بباب تاغزوت بمراكش غير حافلة البناء، ربما يتبرع متبرع باحتفالها فلا تساعده الأقدار، وزرتها فشاهدت داخلها أشياخًا من أهل التعفف والتصوف يسارقون خفي النظر إلى مساقط رحمات اللَّه عليها، لكثرة زائريها، فيلج ذو الحاجة بابها خالعًا نعليه مستحضرًا آنيته، ويقعد بإزاء القبر قعدة لذلك، ومن عجز عن النقدين تصدق بالطعام ونحوه، فإذا خف الزائر آخر النهار عمد القائم على التربة إلى ما أودع في تلك الأواني فقسمه على المحاويج الحافّين بها، ويحصون كل عشية ويعمهم الرزق المودع فيها، وإن قصر عنهم كملوه بها غده. قال: وترافع خدام الروضة لقاضي البلد وتخاصموا في أمر ذلك الرزق المودع هناك، فسألهم القاضي عن خراج اليوم فقالوا: يحصل هذه الأيام بها اليوم الواحد ثمانمائة مثقال ذهب عين، وربما وصل في بعض الأيام ألف دينار فما فوق، فروضة هذا الولي ديوان اللَّه بالمغرب لا يحيى دخله ولا تحصى جباياته، فالتبر يسيل واللجن يفيض، وذو الحاجة كالطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا، يختص برحمته من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم. قال: وأنا ممن جرب المنقول عن القبر فاطّرد القياس وتزيف الشبهة، وتعرفت من بدء زياراته ما تحققت به من بركته، وشهد على برهان دعوته- اهـ. قلت: وإلى الآن ما زال الحال على ما كان عليه بها روضته من ازدحام الخلق عليها، وقضاء حوائجهم ولكن قل ذلك العطاء لفساد الزمان، وتقاصر

стр. 72

أهله وبخلهم، ومع ذلك فما زالت بركته تعم قاصديه، من الفقراء والقاصدين، فلله الحمد. وقد زرته ما يزيد على نحو خمسمائة مرة، وبت هناك ما ينيف على ثلاثين ليلة، وشاهدت بركته في الأمور، فلله الحمد على ما يسر. وقال الشيخ ابن الخطيب القسنطيني في رحلته: حضرت عند الحاج الورع الزاهد أبي العباس أحمد بن عاشر بسلا، وقد سأله أحد الفقراء عن كرامة الأولياء، فقال له: لا تنقطع الكرامة بالموت انظر إلى السبتي، يشير للشيني الفقيه العالم المحقق أبي العباس الدفون بمراكش، يلجأ بركته وما ظهر عند قبره من البركات في قضاء الحاجات بعقب الصدقات، قال: سمعت يهوديًا بمراكش يلجأ ببركته، وينادي باسمه في أمر أصابه، لا مع المسلمين. فسألته عن سببه فأخبر أنه وجد بركته في غير موطن، فسأله عمّ رأى له في وقت، فقال: وحق ما أنزل على موسى ما أذكر لك إلا ما اتفق لي، سرت ليلة مع قافلة في مفازة، فعرجت دابتي فما شككت في قتلي وسلبي، فجلست وبكيت وبيني وبين الناس بعد، وقلت يا سيدي أبا العباس خاطرك، قال لي: فواللَّه ما أتممت الكلام إلا وأهل القافلة وقفوا لأمر أصابهم، وجرت دابتي وخفّ عرجها ثم زال، واتصلت بالناس، فقلت له: لم لا تسلم؟ فقال: حتى يريد اللَّه تعالى، وعجبت من كون ذلك يهوديًا فهي شهادة من عدو في الدين. ولقد سألت اللَّه في أشياء عند قبره منها أن أكون ممن يشتغل بالعلم ويوصف به، وأن ييسر عليّ فهم كتب عينتها فيسر اللَّه عليّ ذلك في أقرب مدة، وقبره له بركات وأنوار، وكان أهل مذهبه الحض على الصدقة، وكان أمره عجبًا من إجابة الدعاء، ونزول المطر، واختصاصه بمكان دون آخر، وقال لأصحابه: أنا القطب، تفقه على أبي عبد اللَّه الفخار، وكان آية في الناظرة، وأوذي باللسان كثيرًا جدًا، فيصفح ويتجاوز. ورأى عبد الرحمن بن يوسف الحسني الشريف النبي ﷺ في النوم قال: فقلت: يا رسول اللَّه ما تقول في السبتي؟ وكنت سيئ الاعتقاد فيه، فقال لي بعد أن تبسم: هو من السباق. وقلت: بيّن لي يا رسول اللَّه، قال:

стр. 73

هو ممن يمر على الصراط كالبرق. قال فخرجت بعد الصبح فلقيت أبا العباس فقال لي: ما رأيت وما سمعت؟ واللَّه لا تركتك حتى تعرفني، فعرفته فصاح: لكلمة الصفا من المصطفى. وتوفى سنة إحدى وستمائة، وولادته بسبتة عام أربعة وعشرين وخمسمائة- اهـ. وكذا ذكر التادلي ولادته وموته -نفعنا اللَّه به آمين. ٣٩ - أحمد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن مخلد بن بقي بن مخلد القرطبي أبو القاسم (١). ذكره في الأصل. قال أبو القاسم بن الشاط في فهرسته التي عملها لشيخه لابن (٢) أبي الربيع: وهو الفقيه الكاتب المحدث الفاضل الحسب العلم الأوحد قاضي الجماعة، روى عن أبيه وجده، وأجازه أبو الحسن بن شريح وابن قزمان وابن بشكوال وابن مضاء والسهيلي في جماعة كثيرة، مولده يوم السبت ثاني عشر ذي القعدة عام سبعة وثلاثين وخمسمائة، وتوفي بقرطبة عام خمسة وعشرين وستمائة في رمضان- اهـ. ٤٠ - أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي عرفة (٣). اللخمي العزفي السبتي أبو العباس، قال ابن الشاط في الجزء المذكور: هو الفقيه العالم العامل العلم الأوحد الأورع الضابط الناقد المسند بقية المحدّثين، روى عن أبيه القاضي أبي عبد اللَّه، وعن الزاهد أبي محمد الحجري، والقاضي ابن زرقون، والخطيب أبي القاسم بن حبيش، وابن بشكوال، وأبي بكر بن خير، وأبي عبد اللَّه بن حميد، والسهيلي، وأبي محمد بن

стр. 74

الفرس، وأبي الحسن بن كوثر، والقاسم بن دحمان، وعبد الحق ابن بونة وغيرهم. وأجازه جماعة من المشارقة. مولده سابع عشر رمضان عام سبعة وخمسين وخمسمائة، وتوفي في رمضان عام ثلاثة وثلاثين وستمائة، وأجاز لابن أبي الربيع في جميع مروياته عن شيوخه. ٤١ - أحمد بن علي القسطلاني ثم المصري أبو العباس كمال الدين الفقيه الزاهد تلميذ أبي عبد اللَّه القرشي (١). قال الذهبي في العبر: درس وأفتى ثم جاور بمكة ومات بها في جمادى الأخيرة سنة ست وثلاثين وستمائة عن بضع وسبعين سنة، وولده تاج الدين، على ما قاله في العبر، مفتٍ مدرس، سمع من زاهر بن رستم وولي مشيخة المالكية، مات في شوال سنة خمس وستين وستمائة عن بضع وسبعين سنة، صح من تاريخ مصر للسيوطي. ٤٢ - أحمد بن عثمان بن عبد الجبار التونسي الملتاني أبو العباس (٢). الشيخ الجليل الفاضل الكامل المتقن المحصل المجتهد، رحل للمشرق ولقي فضلاء أجلّة، ثم رجع فسكن بجّاية وأقرأ بها، وأسمع. له علم بالعربية والفقه وأصوله وأصول الدين، وحظ من التصوف ونصيب من العبادة، وكان موقَّرًا محترمًا مهيبًا. له تقدم في التلقين، ونظر لم يكن لغيره ولم يكن له مثله في غيره من الكتب، وهو وإن كان إمامًا في الفقه لكنه في هذا الكتاب أصل من غيره، وله

стр. 75

عليه تقييد فيه تنبيهات خفية، وسمعت أنه كمّل بعض ما فات المازري على التلقين. استدعاه الإمام أبو زكريا إلى حضرة افريقيا وحضر مجلسه وجعل بعض الحاضرين يلقي بعض مسائل المبادئ (١) فرأى أن الكلام في المبادئ لا تظهر فيه فضيلة الفاضل ولا جهل الجاهل. توفي عام أربعة وأربعين وستمائة. ٤٣ - أحمد بن عيسى بن عبد الرحمن الغماري (٢). الفقيه القاضي الجليل النبيه أبو العباس، رحل للمشرق وقرأ هناك، وجدّ واجتهد وحصّل وأتقن، ولقي جملة مشايخ كعز الدين بن عبد السلام. له علم بالفقه وأصوله وحظ من أصول الدين ومشاركة في علم الأدب، وكان ممن يستفاد بالنظر إليه والمثول بين يديه. وكانت دروسه منقّحة الأفراد (٣)، يبدأ بين يديه بالرقائق ثم بالفقه وأصوله، والتهذيب والجلّاب (٤)، فيكثر البحث، وَتُجْلَبُ المسألة الخلافية فيرتضي أحد وجهيها فيبحث عنه إلا أن يترجح ويسلم، ثم يأخذ الطرف الآخر، ويلزم أصحابه ما كان هو يناكر عليه، فلا يزال حتى يترجح ذلك الطرف ويسلم أيضًا. ذلك من جودة نظره وَحِدّة فكره. توفي بتونس عام اثنين وثمانين وستمائة. صح من عنوان الدراية للغبريني. ٤٤ - أحمد بن فرتون السلمي أو العباس (٥). من أهل فاس، من بيت مسلم، أخذ عن ابن زانيف. روى عن جمع عظيم من أهل العدوتين، وأخذ الناس عنه كثيرًا كأبي جعفر بن الزبير، وهو
следующие страницы →