Полный текст (513 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وإن صخر لوالينا وسيدنا ... وإن صخراً إذ نشتو لنحار
وإن صخراً لتأتم الحداة به ... كأنه علم في رأسه نار
فكررت ذكر صخر ثلاث مرات ظاهراً غير مضمر، وكقول آخر:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغض الموت ذا الغنى والفقيرا
فكرر لفظ الموت ثلاث مرات في بيت واحد. وقال:
ليت الغراب غداة ينعب دائباً ... كان الغراب مقطع الأوداجِ
وهذا موجود في كلامهم كثيراً إذا قصدوا الاهتمام والاعتناء والتهويل والاستعظام، ومن الوارد في هذا في التنزيل: (الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ) (الحاقة: ١ - ٢) (الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ) (القارعة: ١ - ٢)، وما ورد من هذا. وأما تخصيص هذه السورة بذكر الميزان وأكيده والوصاة بحفظه وفاء والتزاماً - وهو الجواب الثاني - فمن حيث إن بناء السورة على إعلام الثقلين بنعمة سبحانه لديهم، وإقامة الحجة عليهم، وتعريفهم (بأنهم) لو وفقوا للحظ نعمة تعالى وما بث في السماوات والأرض وخلوقاتهما من عجائب صنعه ما كفر منهم أحد ولا كذب، وإنما أتى على من قدم ذكره من الأمم المكذبة في سورة القمر المتصلة بهذه لعدولهم عن النظر السديد اعتماداً على الأهواء ونبذاً للعدل، والإنصاف ولو اعتبروا بخلق الإنسان وما منح وعلم من البيان وشرف به على سائر الحيوان، واعتبروا بآيتي الشمس والقمر وجريهما بحسبان لتفصيل الفصول وربط الأزمان، وتعاقب الملوين للتصرف والاستراحة (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) (الإسراء: ١٢) (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) (يس: ٤٠)، فلو اعتبروا بهذا وما يستدعيه وينجر معه، وبالنبات نجماً وشجراً، ورفع السماء، ووضع الميزان للأنام، إخراج ضورب الأطعمة وأصناف الفواكه منها، واختلاف أنواعها في الطعن واللون والروائح مع اتحاد المادة: (يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) (الرعد: ٤)، وكيف مرج سبحانه البحرين: (هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ) (الفرقان: ٥٣)، وقد حجز سبحانه ما
стр. 457
بينهما وأحكم فلا يلتقيان التقاء يعود بعدم المنفعة على العباد، وأخرج منها اللؤلؤ والمرجان. وأجرى فيهما السفن بإجراء الرياح، وأقام على الجميع دلائل الافتقار والحدوث، وحكم عليهم بالفناء والعجز: (هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ) (الروم: ٤٠)، وما من معتبر من هذه إلا كان في مشاهدته مفصحاً بلسان حاله: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢٢)، فلو اعتبر أولئك الأمم ببعض المنصوبات للاعتبار من المنبه عليه في سورة الرحمن لدلهم ذلك على الصانع الذي ليس كمثله شيء، ولنبذوا معبوداتهم من دونه جل وتعالى وأجابوا الرسل فلم يهلكوا، ولكنهم انحرفوا عن ميدان الإنصاف فكذبوا فهلكوا، فلبناء السورة على هذا اختصت بذكر الميزان مكرراً مؤكداً على ما وقع فيها. ولما لم ترد هذه الأغراض في غير هذه السورة مبنية على ما تقدمها في السورة قبلها من أخذ المكذبين على الصفة الواردة فيها، وانفردت هي بما قدم؟، كانت مظنة الاعتناء بما ينسحب على كل طرق السلامة في كل عمل، وهو العدل الذي به قوام المخلوقات، والوزن بالقسط الذي تستوضح كل نفس في القيامة (به) ما لها وعليها، ولم تكن غير هذه السورة لتكون أولى بذكر ذلك فيها منها، والله أعلم.
الآية الثانية من سورة الرحمن قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ١٣)، للسائل أن يسأل عن وجه تكرار هذه الآية إحدى وثلاثين مرة، ما وجه ذلك؟ وهل لتخصيص هذا العدد سبب موجب؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أنه افتتح سبحانه السورة بذكر ضروب من النعم تجل عن الإحاطة بوصفها، ويعجز العارفون عن شكرها، وكلها دلائل للمعتبر واضحة، وشواهد قاطعة بانفراده سبحانه بالخلق والاقتراع والإنشاء والإبداع، فقال تعالى: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ) (الرحمن: ١ - ٢)، وخص سبحانه من أسمائه: (الرحمن) مناسبة لما رحم به عباده، فبدأ سبحانه بتعليمه القرآن، ولا نعمة أعظم من ذلك إذ بتعليمه البيان المتوصل به إلى الإبانة عما في نفسه واستيضاح ما انبهم عليه وإيضاح ذلك لغيره، وبخ يعرف قدر النعمة بالقرآن، ثم أردف فذكر نعمة الشمس والقمر، ونبه تعالى على جريهما في بروجهما بحسبان ولما يدرك العالم من منافعهما إنضاجاً وتيبيساً وإضاءة وحسباناً: (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) (الإسراء: ١٢) ثم قال تعالى تحريكاً للمعتبرين وإيقاظاً للمتفكرين: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) (الرحمن: ٦)، والنجم ما نجم من النبات وارتفع عن أرضه، ثم قال: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا) (الرحمن: ٧)، فأشار إلى جعلها سقفاً محفوظاً من
стр. 458
غير عمد مزينة بالنجوم للدلالة ورجم الشياطين، وقد مر التنبيه بما فيها وفي خلقها من العبر، ثم قال: (وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) (الرحمن: ٧)، وقد تقدم الكلام في ذلك، ثم قال: (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ) (الرحمن: ١٠) للمشي في مناكبها والاكل مما بث فيها والاعتبار بها وبعجائبها، وعجائب السماوات والأرض أكثر من أن تحصى بالعد، قال تعالى: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الجاثية: ٣)، ثم ذكر تعالى بعض ما بثه فيها من الرزق فقال: (فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ) (الرحمن: ١١ - ١٢). ولما كانت هذه النعم مشاهدة للخلائق، ولا طمع لأحد في نسبتها إلى غيره سبحانه، قد شهدت العقول وعرفت انفراده سبحانه بإيجادها واختراعها، أتبع ذلك بتقرير الثقلين وتعجيز الفريقين فقال لهما عقب هذه الضروب الثمانية: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ١٣)، أي أمن هذه ما يمكن للجاحد أن يكذب به ويتعاطاه لغيره سبحانه في وضوح شهادتها لخالقه (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) (آل عمران: ٨٣)، ثم عرفنا سبحانه بخلقه الثقلين وبالمادة التي أوجد منها كلا من الصنفين فقال: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) (الرحمن: ١٤ - ١٥)، أينسب ذلك إلى غيره؟ أيستبد به سواه؟ ثم أتبع سبحانه بأنه (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) (الرحمن: ١٧) أي مشرق الشتاء ومشرق الصيف إشارة إلى الغايتين في الانتهاء من رأس الجدي إلى رأس السرطان) ثم بخلق البحرين الحلو والمالح والتقائهما وفصلهما، ثم بما يخرج منها للانتفاع والزينة، ثم بتسخير السفن وجريها، ثم بذكر فناء كل من عليها وبقائه سبحانه، ثم بافتقار أهل السماوات والأرض إليه جل وتعالى وسؤالهم إياه شؤونهم وحاجاتهم كل يوم، وأعقب كل قصة من هذه بتقرير الثقلين وتعجيزهم لقيام الحجة عليهم فقال: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، وتكررت الآية بتكرر القضايا، وكلها مما لا مطمع لأحد في ادعائه، فقامت الحجة بها، وكانت سبعاً جرياً على سنة ما وقع التنبيه به من تحريك المعتبرين، واطرد هذا العدد في ذلك فقال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) (المؤمنين: ١٢) إلى تمام سبعة اطوار آخرها قوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) (المؤمنين: ١٤)، وقال عقب هذا: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ) (المؤمنين: ١٧). ولما ذكر سبحانه الحالات التعبدية التي بها خلاص المكلفين ذكر سبعاً فقال: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنين: ١ - ٢)
стр. 459
فعد للمؤمنين خصالاً سبعاً جعلهم بها وارثين نعيمة وساكنين جنته فقال: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (المؤمنين: ١٠ - ١١)، وهذا العدد مطرد جار في أشياء يشهد اطراده فيها على قصد حكمة تقتضيها، فمنها ما ذكر آنفاً ومنها أن أم القرآن سبع آيات، والأيام سبع، (والسماوات سبع)، والأرض (سبعة) مثلها، وأبواب جهنم سبعة، (وحد) الإثغار سبعة أعوام، ويعق عن المولود يوم سابعه، ومن مسنوناته، ﵇ سبع قضايا وعيدية: أولها قوله تعالى: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ) (الرحمن: ٣١) إلى قوله: (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ) (الرحمن: ٤٤) معقباً فيها كل قضية بقوله تعالى مقرعاً وقامعاً للمعاندين بقوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ).
ثم انصرفت الآي إلى فريق النجاة ووعدهم بما أعد تعالى لهم فقال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) (الرحمن: ٤٦)، واستمرت الآي فيما أعد تعالى لهم وإعطاهم إلى قوله: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠) مختتمة كل قضية منها بقوله في ثماني كرات في أعقاب ثماني قضايا على ما تقدم: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ). وكانت هذه ثمانية لكونها في أهل الجنة فجاءت على وفق أبوابها، ويشهد لهذا القصد تعقيبها بمثلها عدداً فيما زادهم في قوله تعالى: (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ) (الرحمن: ٦٢) إلى آخر السورة:، وهي ثماني آيات كعدد ما قبلها معقبة كل آية منها بقوله: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) رعياً لما ذكرنا. فتحصل في المجموع العدد المتقدم، ولم تكن الزيادة على ذلك لتناسب إذ لا قضية سوى هذه المعقبات، كما أن النقص من هذا العدد لا يناسب لطلب كل قضية لذلك الإعقاب تناسباً وتوازنا على ما تقدم من الرعي، فورد ذلك كله على الوجه الذي لا يناسب خلافه، والله أعلم.
فإن قلت ما وجه اختصاص سورة الرحمن بهذا التعقيب مما هو إيقاظ للغافلين وتنبيه للمؤمنين وتقريع وتوبيخ للغافلين؟ وما وجه ذلك؟ فالجواب: ( ....... )
****
стр. 460
سورة الواقعة
قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) (الواقعة: ٥٨ - ٥٩)، وبعد ذلك: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (الوقعة: ٦٣ - ٦٤)، وبعده: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ) (الوقعة: ٦٨)، ثم قال: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ) (الواقعة: ٧١)، للسائل أن يسأل عن وجه هذا الترتيب؟ وهل كان يمكن تقديم أحد هذه النعم المنعم بها على ما وقع في الآية متقدماً عليه؟
والجواب عن هذه أن ذكر المتنعم متقدم في الرتبة على ما ذكر من النعم، لأن النعم إنما خلقت للمتنعم بها ومن أجله، فذكره أولاً بين اللزوم، فلهذا تقدم ذكر خلق الإنسان المتنعم بالنعم فقال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ)، وأما تقديم الأكل على الشرب فمعقول الرتبة وبحسب ذلك ورد المقول المنقول فقال تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا) (الطور: ١٩)، فالشرب في الغالب للاستمراء وليس أولياً في الغذاء ولا متعمداً في الجسوم الحيوانية للنماء، وإنما ورد ذكره مع الأكل تالياً لكونه في الرتبة ثانياً فقال تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا). وأما النار فللمنافع من الإنضاج والإسخان والإضاءة فهي متممة وليست كالأكل والشرب مدعمة، إذ لم تكن كالأولى في الغذاء والنماء فليس من المناسبة تقدم ذكرها على الماء.
وورد عقب الآية الأولى قوله: (فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ) (الواقعة: ٦٢) وعقب الثانية (فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) (الواقعة: ٧٠)، ووجه المناسبة أن الآية الأولى لمن تدبرها تذكرة بالعودة الأخراوية قال تعالى: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) (الأعراف: ٢٩)، فأعقب بالتخصيص على التذكر بالبداءة على العودة. وأما الآية الثانية فمستدعية الشكر على عذوبة الماء ولو شاء لجعله أجاجاً، فخلقة وجعله عذباً فوجب شكره تعالى على النعمة بذلك.
******
стр. 461
سورة الحديد
الآية الأولى منها - قوله تعالى: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (الحديد: ١)، وفي سائر المسبحات «وما في الأرض»، ثم في سورة الحديد وسورة الحشر وسورة الصف: "سبح" بلفظ الماضي، وفي سورة الجمعة والتغابن " يسبح" بلفظ المضارع، فهذان سؤالان؟
والجواب عن الأول، والله أعلم: أن كون " ما " لم تتكرر في هذه السورة إنما ذلك ليطابق بالكلام ما اتصل به من قوله تعالى: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (الحديد: ٢)، فلما لم تكن هذه الآية مستدعية لفظة " ما " روعي ذلك فيما قبلها لتناسب الآيتين، مع حصول ما تعطيه " ما " من المعنى، فلو وردت لم تكن لتكون إلا تأكيداً، وكان يسقط التناسب اللفظي، ثم قد ورد بعد هذا قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) (الحديد: ٤)، فتناسب هذا كله على ما يجب. أما المسحبات فلم يرد فيها ما يستدعى هذه المناسبة، فوردت على ما هو أنسب لما يفهم لفظ المضارع في التمادي والتكرر، والله أعلم.
والجواب عن السؤال الثاني: أن لفظ الماضي في " سبح " ولفظ المضارع في " يسبح " يحرزان الاستمرار والدوام، ولا تحرز إحدى العبارتين ذلك بالتأويل والتقدير، فكان الجمع بين محرزي ذلك أولى. وإنما تقدم الماضي لثبات رتبته وجوداً قبل المضارع، ثم اتبع بما يقتضي الاستمرار، وكان ورود أكثرها على التعبير بالماضي لأنه أوضح في استحكام الثبات وامتداده، فورد هذا كله على أنسب وجه.
الآية الثانية من سورة الحديد - قوله تعالى: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الحديد: ٢)، ثم ورد بعد قوله: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) (الحديد: ٥) للسائل أن يسأل عن إعادة قوله: " له ملك السموات والأرض" مع قرب هاتين الآيتين وعن تعقيب الأولي بقوله " وهو على كل شئ قدير" والثانية بقوله: " وإلى الله ترجع الأمور".
والجواب الأول: أن إعادة قوله: " له ملك السموات والأرض " إنما أعيد ليبني عليه قوله: " وإلى الله ترجع الأمور". لما تقدم وصفه سبحانه أنه المسبح المتعالي ذو العزة
стр. 462
والحكمة، وأنه الذي له ملك السماوات والأرض، والقدير على كل شئ والأول والآخر، والظاهر والباطن، العليم بكل شئ، والخالق للسماوات والأرض، والذي أستوي على العرض بالقهر والقدرة، (والعلمي بما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وأنه مع الكل بالعلم) والإحاطة والبصر (بأعمالهم)، أكد ما تقدم بإخباره تعالى بأنه له ملك السماوات والأرض (وإليه رجوع أمر الخلائق، فلا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا يصدر شئ إلا منه وعن قضائه، فتكرر قوله: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (الحديد: ٢) لبناء ما ذكر عليه أبين شئ لحصول الجمل المفصلة قبله تحت مفهومه، فقد تبين وجه التكرار ووجه تعقيب المكرر بقوله: (وهو على كل شئ قدير)، فلما تقدم متصلاً به قوله " يحي ويميت" فالمراد وهو على كل شئ قدير من الإماتة والإحياء وغير ذلك مما يدخل تحت حكم القدرة، فهذا التعقيب أنسب شئ وأوضحه، والله اعلم.
الآية الثالثة من سورة الحديد: غ قوله تعالى: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) (الحديد: ١٢)، وفي سورة التحريم: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى) (التحريم: ٨)، قدم الفعل في الأولى وأخر في الثانية؟
ووجه ذلك، والله أعلم: أن قوله في سورة التحريم (الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) يفهم من حيث المعية قرب المنزلة وعلو الحال فتقدم ثبوته، فناسب ذلك ورود الجملة الاسمية هنا لما تقتضيه من الثبات وتقدمه واستحكامه. أما قوله في سورة الحديد: (يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) فبشارة للمؤمنين، ولم يأت هنا كونهم مع نبيهم، فلم يتحصل مما يفهم تمكن المنزلة وثبوتها ما تحصل في آية التحريم إنما هذه بشارة، فناسبها التجدد والحدوث، فناسب ذلك الفعل بما يعطيه من المعنى فقيل " يسعى نورهم بين أيديهم " ليفهم التكرر وحدوث الشئ بعد الشئ، فورد كل على ما يجب ويناسب.
الآية الرابعة: غ - قوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) (الحديد: ٢٢)، وفي سورة التغابن: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) (التغابن: ١١)، للسائل أن يسأل عما زيد في آية الحديد من قوله " في الأرض ولا في أنفسكم" إلى ما بعد مما خلت منه آية التغابن مع اتحادهما فيما انطوت عليه من المعنى؟
فأقول - وأسأل الله التوفيق - إن المسبحات الخمس وهي: سورة الحديد وسورة الحشر وسورة الصف وسورة الجمعة وسورة التغابن، مع اشتراك خمستها في مطالعها لم تتلاق منها في عدة معان وترادف ألفاظ واحدة مع أخرى تلاقي هاتين السورتين أعنى
стр. 463
سورة الحديد وسورة التغابن، ألا ترى اجتماع السورتين في ذكر خلق السماوات والأرض، والإعلام بإحاطة علمه سبحانه، وما يترتب على ذلك من الجزاء الأخراوي وذكر الأموال والأولاد والفتنة بهما، وتحقير أمر الدنيا وما انطوت عليه الإشارة إلى تفصيل أحوال الخلق وجزائهم الأخراوي، وإن كل واقع في الوجود واقع بإذنه سبحانه وتقديره وانطواء كل واحدة من هاتين السورتين على جملة من أسمائه سبحانه، ولم يرد في غيرهما من السور الخمس المذكورة من ذلك ما يجاربهما فيما اشتركتا فيه من الأسماء العلية، وإن كانت سورة الحشر قد انطوت من ذلك على نحو ما انطوت عليه سورة الحديد إلا أنها لم تلتق معهما في موافقة ما اجتمعتا عليه من تعيين عدة منهما (فلما) اتفقت السورتان فيما ذكر، ولم يجتمع معهما غيرهما من المسبحات في ذلك ولا قارب، مع طول سورة الحشر ومجاراتها في الطول سورة الحديد، وكون سورة التغابن لا تقارب واحدة منهما في الطول)، ومع ذلك فقد شاركت سور ة الحديد في تلك الأغراض الجليلة والمقاصد العظيمة وجارتها في ذلك عدداً واستيفاء، وعريت سائر المسبحات عن التعرض لذلك أو الوفاء منه بما وفتا به وعرفتا من حاله. فلما اتفقتا في هذا كله، وكانت سورة الحديد أمعن في كل ضرب مما ذكر وأوفي تعريفاً وأمد تفصيلاً، وكانت هذه الآية المتكلم فيها من جملة ما اتفقت السورتان فيه وروداً واتحاد معنى، أجريت في كل واحدة من السورتين من التفصيل في الأولى والاستيفاء والإجمال في الثانية والاكتفاء على ما جرت (به) سائر الآي فيما اشتركت فيه السورتان مما ذكر قبل، فناسب ذلك ما زيد فيها في الآية المذكورة فقيل: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) (الحديد: ٢٢) مناسبة لما بنيت عليه السورة من الوفاء بالأغراض المذكورة. وقيل في آية التغابن: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) (التغابن: ١١) مناسبة للإجمال الوارد فيها من ذلك المشترك. وتحصل نظم السورتين على أتم مناسبة وأجل تلاؤم، وجرى ذلك على مسلك العرب وتفننها في كلامها وتصرفها إذا أطالت لداع موجب وفصلت أو أوجزت لمقتضى من المعنى وأجملت:
يرمون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ خيفة الرقباء
ولا يمكن على ما تبين عكس الوارد في السورتين بوجه، والله أعلم بما أراد.
****
стр. 464
سورة المجادلة
قوله تعالى: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (المجادلة: ٤)، وقال بعد: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ) (المجادلة: ٥)، يسأل عن تعقيب الأولى بقوله: " وللكافرين عذاب أليم" والثانية بقوله " وللكافرين عذاب مهين"؟ ووجه اختصاص كل موضع بالوارد فيه؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن الآية الأولى لما تقدمها ذكر الظهار، وقد سماه سبحانه منكراً من القول وزوراً، وشرع الكفارة فيه رحمة وتداركاً للواقع فيه إذا اتعظ وأناب، وجعلها (على التدرج) من تحرير رقبة للواجد القادر عليها، وإلا فحكمة صيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فمن عجز عن الصيام فإطعام ستين مسكيناً، ثم قال: (ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) (المجادلة: ٤) أي أن الانقياد لأمر الله سبحانه (والتزام حدوده عنوان كبير على كمال الأديان والتزام ما به التخلص لديه سبحانه، فشرع لكم الحدود، فمن التزمها ولم يتعداها فذلك المؤمن، ومن تنكب عنها وحاد عن التزامها فتلك صفة الكافرين: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (المجادلة: ٤)، ووصف العذاب بالإيلام ليكون أوقع (وذلك أوقع)، وذلك بين التناسب.
وأما الآية الثانية فتقدمها قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (المجادلة: ٥)، والمحادة المشاقة والمحاربة، ولذلك كان جزاؤهم أن كبتوا وأذلوا قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ) (المجادلة: ٢٠)، فلما تعزز هؤلاء وارتكبوا المحادة والمشاقة كان جزاؤهم إكباتهم وإذلالهم وأهانتهم في مقابلة تعززهم كفراً وعناداً، فقال تعالى في جزاء هؤلاء: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ) (المجادلة: ٥) أي مذل لهم قامع لعنادهم، وهذا بين التناسب، والله أعلم.
*****
стр. 465
سورة الحشر
قوله تعالى: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) (الحشر: ١٣)، ثم قال بعد: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) (الحشر: ١٤)، (فيسأل عن اختصاص كل آية بما أعقبت به من قوله في الأولي: (لا يفقهون) وفي الثانية: (لا يعقلون)؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن الله تعالى لما أخبر عن يهود والمنافقين بسوء أحوالهم وأن الرعب قد سكن قلوبهم حتى كأن خوفهم من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم أشد من خوفهم من الله، قال تعالى " لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله " فناسب هذا نفي فهمهم وانسلاخهم عن النظر والتدبر والتوفيق، فقال تعالى " " ذلك بأنهم قوم لا يفقهون"، ثم اتبع ذلك بالتعريف بشدة بأسهم بينهم وشتات أحوالهم فقال تعالى " (تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى"، فناسب هذا ما يفهم عدم الثبوت على شئ والرجوع إلى قانون يقفون عنده ويرتبطون إليه فقال تعالى: " ذلك بأنهم قوم لا يعقلون "، والعقل هو علوم ضرورية يوقف عند مقضاه ويحكم بما أمضاه ولا يتعدى، ويحصل من ذلك الثبوت، واشتقاقه من قولهم: عقلت البعير إذا ربطته بعقال، وهو الحبل وشبهه مما يتقيد به. ولما نفي عنهم الارتباط مع صفهم بشتات القلوب وجوداً فقال: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) (الحشر: ١٤)، أخبر تعالى أن سبب ذلك " أنهم لا يعقلون، وتناسب هذا أبين شئ، ولا يناسب الأولى قبلها إلا ما أعقبت به، والله أعلم.
***
стр. 466
سورة الممتحنة
قوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ) (الممتحنة: ٤) وبعد هذا: (قَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) (الممتحنة: ٦)، فيسأل عن موجب إعادة قوله: " لقد كان لكم يهم أسوة حسنة "؟ وعن متعلق كل واحدة من الآيتين هل كان يصلح ورود كل واحدة منها مكان الأخرى؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أنه تعالى لما أمر المؤمنين ألا يتخذوا أعداءه وأعداءهم أولياء بإلقاء أسباب المودة والنصيحة لهم، وسبب نزول هذه السورة قصة حاطب بن أبي بلتعة، ﵀، فى كتابة إلى أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم وما يريده فيهم، ودفعة ذلك إلى ظعينة، ونزول الوحي بذلك، فبعث رسول الله صلي الله عليه وسلم علياً والمقداد وأمرهما أن يأتيا روضة حاج، وقال لهما: إن بها ظعينة معها كتاب إلى أهل مكة، فذهب علي والمقداد وأمرهما أن يأتيا روضة حاج، وقال لهما: إن بها ظعينة معها كتاب إلى أهل مكة، فذهب علي والمقداد، ﵄، فوجدا الظعينة كما أخبرهما صلي الله عليه وسلم. وأنكرت الكتاب، فاشتد عليها علي، ﵁، وقال: لتخرجن الكتاب او لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتي به علي، ﵁، رسول الله صلي الله عليه وسلم فإذا الكتاب من حاطب، فدعاه رسول الله صلي الله عليه وسلم، وتبرأ حاطب من أن يكون فعل ذلك نفاقاً، واعتذر بما قبله منه رسول الله صلي الله عليه وسلم، فنزل القرآن بتصديقه في اعتذاره فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) (الممتحنة: ١)، فأمر تعالى بالتبري منهم وذكر كفرهم بما جاء المؤمنين (من الحق) وإخراجهم الرسول والمؤمنين من مكة من أجل إيمانهم، وتوعد فاعل ذلك فأخبر أنه قد ضل سواء السبيل، وقبل تعالى توبة حاطب، وأمر بالاقتداء إبراهيم، ﵇، يحن تبرأ هو ومن معه من المؤمنين من قولهم إلا ما كان من موعدة إبراهيم لأبيه بالاستغفار إلى أن تبين له أنه عدو الله تبرأ منه، فقال تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ) (الممتحنة: ٤). فلما أوضح تعالى من ذلك ما فيه شفاء المؤمنين اتبعه تعالى بالقسم المؤكد لذلك فقال: (قَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الممتحنة: ٦)، ودلت اللام الموطئة للقسم في " لقد كان " على تأكيد ما تقدمه من الأمر بالاقتداء والتأسي
стр. 467
بإبراهيم، ﵇، ومن كان معه فقال تعالى " لقد كان لكم فيهم " (أي المذكورين) أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، ثم قال: " ومن يتول" أي عن الاقتداء والتأسي بمن أرشد سبحانه إلى التأسي به فيما ذكر: (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (الممتحنة: ٦)، فالأولى تنبيه وإرشاد، والثانية تأكيد، وسبب كل آية منهما الذي به اتصالها وتعلقها بين، ولا يلائم كل واحدة ولا يناسبها غير موضعها، والله أعلم.
****
стр. 468
سورة المنافقين
قوله تعالى: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ) (المنافقين: ٧)، ثم قال تعال: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (المنافقين: ٨)، للسائل أن يسأل عن نفي الفقه عنهم أولاً ونفي العلم في الآية الثانية؟ وهل كان يمكن وقوع ما نفي في الأولى منفياً في الثانية ووقوع ما نفي في الثانية في الأولى؟
والجواب، والله أعلم: أن الاعتزار بالدين والاطلاع على تشريف المؤمن به واعتزازه بسببه أمر لا يوصل إليه إلا بعلم ويقين لا طريق لمنافق إليه ما دام على نفاقه، وإنما يعلمه ويصل إلى رحمة الله به المؤمن العالم حق العلم بما منح الله المؤمنين، من الاعتزاز بدينه سبحانه، والاعتصام بإتباع نبيه صلي الله عليه وسلم، والتمسك بما جاء به، فنفي ذلك عن المنافقين بين لا خفاء فيه، ولا يناسب سواه. وأما ما رامه من قطع الرفد والإنفاق وما يرجع إلى ذلك عن المؤمنين حتى يتفرقوا عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ويفردوه، فإن ذلك أمر لو تثبتوا فيه مع كفرهم ونفاقهم وأمعنوا النظر لعلموا بجري العادة أن أرزاق العالم لا تتوقف على منع مانع منهم، بل مشيئة جميعهم في هذا غير نافذة، وأن وصول أرزاق العباد إليهم أمر ليس لمخلوق (فيه) كنزول المطر وإرسال الرياح، وذلك مما لا طمع لمخلوق في إرساله ولا إمساكه. فلو فقه المنافقون، وتفهموا السنة الجارية لما فاهوا بمقالهم، (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ)، فنفي الفقه عنهم هنا أنسب شئ، فلا يلائم وقوع أحد المنفيين في موضع الآخر، والله أعلم.
****
стр. 469
سورة التغابن
الآية الأولى منها قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التغابن: ١)، وقال تعالى بعد: (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) (التغابن: ٤) للسائل أن يسأل عن تكرر " ما " في أول السورة وتركها في الآية بعدها؟ وهل كانت الفائدة تحصل بعكس ذلك؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن الآيتين معاً قصد بهما الاستيفاء والإحاطة بكل المسبحين وبما أحاط به علمه سبحانه، وقد اقترن ب الآية الثانية واتصل بها قوله سبحانه: (ويعلم ما تسرون وما تعلنون) فحصل من ذلك إحاطة علمه سبحانه بما ظهر وما بطن وما اشتملت عليه السماوات والأرض، فلما اقترن بهذه الآية ما يعطى إحاطة علمه سبحانه بجزئيات " ما" في الجملة وأنه لا يغيب عنه شئ لم يحتج في قوله: (يلم ما في السموات والأرض) إلى إعادة " ما " لأن ذلك يكون كالتكرار الذي لا يحرز معنى.
وأما الآية الأولى فلم يقترن بها ما يعطى ملفوظاً به مع أنه قد قصدت الإحاطة، فلم يكن بد من إعادة - ما - استئناف إحصاء وتأكيد، فلا يلائم كلا من الموضعين إلا ما ورد فيه.
الآية الثانية من سورة التغابن - قوله تعالى (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) (التغابن: ٩)، وفي سورة الطلاق: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) (الطلاق: ١١)، للسائل أن يسأل عن زيادة: "يكفر عنه سيئاته " في سورة التغابن ولم يرد في سورة الطلاق مع أن المقصود واحد في الآيتين؟
والجواب عنه، والله أعلم: أنه لما تقدم في سورة التغابن قوله تعالى مخبراً عن المكذبين: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا) (التغابن: ٧)، وقوله تعالى على لسان نبيه صلي الله عليه وسلم: (بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ) (التغابن: ٧)، ثم قال تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (التغابن: ٨)، فأعلم تعالى بقوله (والله بما تعملون خبير) وبين أنه تعالى لا يخفى عليه شئ من أعمال المكلفين، وأن المنبأ به كل
стр. 470
أعمالهم من غير فوات شئ، ثم ذكر تعالى جمعهم ليوم الجمع، ثم أنس المؤمنين فقال: " ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً "، وفي قوله تعالى: " ويعمل صالحاً " إشارة إلى المؤمنين الموعودين هنا، وليس من شرطهم استيفاء أعمال الطاعات إذ يحرز التنكير في قوله: " ويعمل صالحا" ويشعر بهذا المعنى، وما لم تكن العصمة فالتقصير حاصل، ولا انفكاك عن مجترجات، وقد سمع المؤمن " " لتنبؤون بما عملتم " فأشفق من تقصيره وهناته، وتوقع مخوف سيئاته، وتشوف إلى تعرف تفصيل الحال في المنبأ به من الأعمال ليعلم المآل، فوجوب على الكمال بكيفية ما به تقابل أعماله فقيل: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ) (التغابن: ٩) إذ لابد من محتاج إلى تكفيره إذا كانت السلامة وسبقت السعادة ثم قال: "ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار" إلى آخر الآية، فهذا وجه زيادة قوله تعالى: "يكفر عنه سيئاته" في هذه الآية. ويشهد لهذا المفهوم قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ) (الأنبياء: ٩٤) إلى غيرها من الآيات.
وأما آية الطلاق فلا داعي فيها إلى زيادة قوله: "يكفر عنه سيئاته" بل سياقها يستدعي ألا يكون ذلك فيها لأن قبلها: (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (الطلاق: ١٠)، والأمر بالتقوى يعم ولا يخص، ثم قال تعالى: (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا) (الطلاق: ١٠ - ١١) إلى قوله: (لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (الطلاق: ١١)، أشار إلى النمط الأعلى من المؤمنين المستوفين أعمال الطاعات، أشار إلى ذلك لفظ: "الصالحات" بالألف واللام، وهذه حال المخلصين المحسنين (من المستجيبين)، ثم تدارك تعالى من لم يبلغ حال هؤلاء من المؤمنين ولحق بهم في النجاة فقال تعالى: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، فناسب حال المتقدمين من ذوي الإحسان ألا يقع إفصاح يشعر بعصيان " هم القوم لا يشقي بهم جليسهم "، فوقع الاكتفاء بإيماء "ويعمل صالحاً " وقوله " يدخله جنات" وقوله: "قد أحسن الله له رزقا" (الطلاق: ١١) فجاء كل من الآيتين على ما يلائم ويناسب، ولم يكن ليناسب ورود العكس.
****
стр. 471
سورة الطلاق
الآية الأولى - قوله تعالي: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق: ٢ - ٣)، ثم قال: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرً) (الطلاق: ٤) ثم قال بعد: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) (الطلاق: ٥) للسائل أن يسأل عن تكرر الأمر بتقواه تعالى أثناء ما ذكره سبحانه من الطلاق والعدة وما يرجع إليهما؟ وعن وجه تخصيص هذا العدد والجزاء على ذلك بقوله في الأولى: (يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) وفي الثانية (يجعل له من أمره يسرا) وفي الثالثة: (يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا).
ويمكن أن يجاب عن ذلك، والله أعلم: بأن الأوامر التى دارت عليها هذه السورة وبنيت عليها ثلاثة، الأول: الأمر بالمحافظة على إيقاع الطلاق إذا ضمت إليه الضرورة في وقته لاستقبال العدة حتى لا يقع إضرار بالمطلقة بتطويل عدتها. والثاني: الأمر بإحصاء العدة والمحافظة عليها، وألا تخرج المعتدة من بيتها حيث وقع عليها الطلاق ولا تبيت عنه، إلى ما يرجع إلى هذا، والثالث: إنفاذ ما يقع الاعتماد عليه في إمساك أو مفارقة، من حسن الصحبة والجميل العشرة إن اعتمد الإمساك (أو بالإمتاع) والتلطف رعياً لما تقدم من الصحبة إن عول على المفارقة، فعلى هذه القضايا الثلاث بناء هذه السورة، وعلي الوعظ في ذلك والتأكيد بالتزام تقوي الله والتزام ما حد سبحانه فيما ذكر. ولرعي هذه الأوامر الثلاثة ما ورد الإخبار بجزاء من اتقاه سبحانه في ثلاث كرات، فبإزاء أول قضية من أوامر السورة قوله تعالي: " ومن يتق الله "، أي في إيقاع الطلاق في محله ووقته كما أوضح صلي الله عليه وسلم في قضية عبد الله بن عمر المشهورة، " يجعل له مخرجاً " بحكمه نفسه إن لحقه ندم كما قال تعالي: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) (الطلاق: ١) أي من تقلب الأحوال وصيرورة البغض ودا فيجد السبيل إلى المراجعة سهلاً بالتزامه الوجه الجاري على السنة وأخذه بالطاعة فينشرح صدره بتيسير أمره ويكثر رزقه بتقوى ربه: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق٢ - ٣)، ومن يتق الله في صبره أيام العدة على ما يلزمه من نفقة وسكنى - حيث يلزم ذلك وإن طالت الأيام - فكأن طولها مع ما يتكلفه فيها مظنة للضجر وكرب
стр. 472
النفس، فإذا اتقى الله في ذلك (يسر عليه) تلك المشقة. وقرب عليه أمرها وإن بعدت المشقة، وأنسة في وحشتها وجعل له من أمره يسرا. فإذا اتقى الله عند تمامها والإشراف على انفصالها، وأخذ بالسنة، واتقى الله فيما يختاره تعالى له ويقضيه من إمساك أو فراق، فيلتزم المعروف إن أمسك، ويتبع كل سيئة جرت حال طلاقه وغضبه - من قبح كلام أو قصد مضرة وإن كانت بأدنى إيلام أو إساءة معاملة تنافر المجاملة والمكارمة - بحسنة تقابلها وتمحوها من إظهار التندم، وطلاقة البشر، والإغضاء عن كل ما جرى أيام المنافرة، ويستبدل المناقشة بالمياسرة، فإذا فعل هذا واتقى الله في ذلك كفر عنه سيئاته وأعظم أجره جزاء على تلك الأعمال، ويشهد لما تمهد من جزاء تقوى الله سبحانه في تلك الحالات ما أفصح به ما بعد من الآيات، قال تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (الطلاق: ٦) إلى قوله سبحانه: (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق: ٧)، وتأمل جري هذه الآيات والوصايا الجليلة وما تشير إليه من الإشفاق وجميل التجمل والإنفاق مع ما تقدم تجده جارياً على أوضح التناسب وألج الالتئام، والله أعلم بما أراد.
****
стр. 473
سورة الملك
قوله تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ) (الملك: ١٦ - ١٧)، للسائل أن يسأل عن وجه تقديم التوعد (بخسف الأرض على التوعد) بإرسال الحاسب من السماء؟ ولم اختير تقديم الوعيد بالخسف؟ وما الفرق بين الوارد هنا والوارد في قوله تعالى: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) (الأنعام: ٦٥)؟
والجواب: والله أعلم: أنه لما تقدم ما اتصل به التوعد من قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) (الملك: ١٥) فحضر في النفوس عند ذلك وتقرر تذكرة هذه النعمة وجليل الامتنان بها شاهداً حاضراً للمتذكر وعليها قراره حال تذكرة وتنعمه بالتقلب فيها حين خطابه متصلاً غير منفصل وملتصقاً غير متباعد كان أنسب شئ لهذه في الموعظة تذكيرة اتعاظاً بخسفها من تحته، حتى كأن ذلك الأمر جاء منه لا من خارج عنه.
أما آية الأنعام فتقدمها قوله تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) (الأنعام: ٦١)، فصرف هذا الخطاب تفكر النفس في عين الجهة التى ذكر منها القهر، فكان أنسب شئ ذكر التخويف من تلك الجهة بخلاف آية الملك. فكل آية من هاتين (الآيتين) تبين حال الأخرى، وإن التناسب إنما هو فيما وردت عليه كل آية منهما، وإن العكس غير مناسب، والله أعلم.
****
стр. 474
سورة القلم
قوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) (القلم: ١٠ - ١١) إلى قوله: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ*سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ) (القلم: ١٥ - ١٦)، وقال في سورة المطففين: (الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) (المطففين: ١١ - ١٢) إلى قوله: (أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (المطفيين: ١٣ - ١٤)، للسائل أن يسأل عن التعقيب في الأولى بقوله: (سنسمه على الخرطوم) وفي الثانية بقوله: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) مع اتحاد وصف من اعقب بهذا المعقب حاله وحكي مقاله؟ وهل كان يجوز تعقيب آية سورة القلم (بما أعقبت به آية التطفيف وآية التطفيفي بما أعقبت به آية القلم)؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن آية القلم نزلت في شخص بعينه، قيل هو الأخنس بن شريق، وقيل الوليد بن المغيرة وكان مظهراً لعداوة رسول الله صلي الله عليه وسلم، وهو القائل: سأنزل مثل ما أنزل الله، وكان من أكثر قريش مالاً وولدا، فلهذا قيل فيه: (أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ) (القلم: ١٤)، وهو القائل يوم مات إبراهيم ابن النبي صلي الله عليه وسلم: أصبح محمد أبتر، أي لا ولد له، فأنزل الله تعالى علي رسوله صلي الله عليه وسلم: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) (الكوثر: ٣)، والشانئ المبغض. وأسلم ولده فقطعه الله بالإسلام عنه، فكان هو الأبتر كما أخبر الله نبيه، وصار أولاده في عداد المسلمين الذين هم أولاد رسول الله صلي الله عليه وسلم وأزواجه أمهاتهم، ففي هذا نزلت الآية من قوله: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) (القلم: ١٠ - ١٢) إلى آخرها، فأغنى استيفاء صفاته المذمومة عن تعيين اسمه بقوله سبحانه: (سنسمه على الخرطوم) إخبار منه تعالى بأول عقاب ينزل بعدو الله المذكور - والخرطوم الأنف - فكان ذلك يوم بدر، فهذا وعيد لخاص معين أنزل به معجلة، ولعذاب الآخرة أكبر.
وأما آية المطففين فليست في معينين بغير مرتكباتهم قال تعالى: (وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ) (المطففين: ١٢) أي بيوم الدين وهو يوم الجزاء (إلا كل معتد أثيم) مكذب بالوحي،
стр. 475
(إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (المطففين: ١٣) فقال تعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (المطففين: ١٤) أي أن المانع لهم من فهم الوحي وأعلم بأنه منزل من عند الله ما غطى قلوبهم من الرين، وهو ما يغشى القلب ويمنعه من الوصول إلى ما ينفعه، وأعاد الضمير في قلوبهم على المعنى من حيث أن المراد هنا جميع من وقع عليهم: " كل " بخلاف أية القلم فإن " كل " فيها واقعة على مفرد، وعبر بكل ليعم المقصود بذلك المراد ومن كان على صفته إبلاغاً في ذمة، والضمير فى سنسمه لمفرد كما تقدم، ولفظ - كل - مطابق بمعناه، وقد تبين أنه لا يصح في كل موضع من السورتين إلا ما وقع به التعقيب به، فلا يناسب آية القلم ما أعقبت به آية سورة التطفيف ولا آية التطفيف ما أعقبت به آية سورة القلم، وأن كل آية منها أعقبت بما هو مناسب لا يلائم غيره، والله أعلم.
****
стр. 476
سورة الحاقة
قوله تعالى: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) (الحاقة: ٤١ - ٤٢)، للسائل أن يسأل عن الوجه في نفي الإيمان عنهم عقب تنزيه ما جاء به صلي الله عليه وسلم من القرآن عن أن يكون شعراً ونفي التذكر عنهم عقب تنزيهه عن أن يكون من قبيل قول الكهان؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن نفي كون القرآن من أقوال الكهنة أمر لا يحتاج إلى كبير (نظر ولا استعمال طول فكر، بل يوصل إلى ذلك بأدنى التفات، فناسب هذا نفي: التذكر، وأما تنزيهه عن إلحاقه بقبيل الشعر وما يرجع إلى نحو ذلك من أقوال الخطباء وأسجاعهم فقد توهم الجاحد الظلوم المتعامي عن النظر وصرف التفكير إلى تدبره والإصغاء إلى سماعه، المترامي إلى التعلق بأدنى شبهة يستريح إليها رجوعه إلى ذلك. فناسب هذا نفي التصديق لأنه إنما يكون عن ركوب إلى نظر وتفكر، فجاء كل عل ما يناسب، والله أعلم.
****
стр. 477
سورة نوح ﵇
قد تقدم ما في سورة المعارج - وقوله في سورة نحو، ﵇: (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا) (نوح: ٢٤) وبعده: (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا) (نوح: ٢٨)، للسائل أن يسأل عن وجهه اختلاف ما دعا به نوح صلي الله عليه وسلم على قومه من الموضعين؟
والجواب عن ذلك أن نوحاً، ﵇، لما ذكر أولاً في إخبار الله سبحانه عنه عصيان قومه له وقولهم: (لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ) (نوح: ٢٣) أي لا تتركوها (وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا) (نوح: ٢٣) إلى قوله: (وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا) (نوح: ٢٤)، أردف هذا بما يناسبه من الدعاة في زيادة ضلالهم، ولم يدع هنا بهلاكهم.
وأما الآية الثانية فتقدمها دعاؤه، ﵇، بهلاكهم وأخذهم في قوله: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) (نوح: ٢٦)، فأتبع ذلك بما يناسب فقال: (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا) (نوح: ٢٨) أي هلاكاً.
****
стр. 478
سورة الجن
غ - قوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا) (الجن: ٢٦) للسائل أن يسأل عن قوله تعالى: (على غيبه). بإعادة الظاهر مضافاً إلى الضمير، هل ذلك من قبيل ما تكرره العرب لتفخيم الأمر وتعظيمه؟ كما قال قائلهم.
لا أري الموت يسبق الموت شئ نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
وقال تعالى: (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ) (الحاقة: ١ - ٣)، وقال تعالى: (الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ) (القارعة: ١ - ٣)، فيكون قوله: (على غيبه) واقعاً موقع: "عليه"، وتكون الآية على هذا مثل قوله: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) (النمل: ٦٥) وما ورد من مثله وهو الذي يقتضيه قوله تعالى في مطلع هذه الآية: (عالم الغيب)، فلا يجب يكون بين الآي الواردة في هذا المعنى خلاف، ويكون مجمل جميعها على العموم؟ أم يراد بهذه (الآية) خصوص لم يرد بسواها من الآي الآخر وإن كان داخلاً تحت عموم تلك الآي؟
والجواب، والله أعلم: أن هذه الآية مراد بها خصوص ما انفرد سبحانه بعلمه ولم يطلع عليه أحد من خلقه ولا يظهر سبحانه عليه إلا من ارتضاه من رسله مع سلوك الرصد من الملائكة بين يديه ومن خلفه حفظاً لغيبه تعالى من مسترق سمع أو مستطلع، فهذا غيب لا سبيل لأحد من الخلق إليه على مقتضى الآية لا بتكهن ولا تنجيم ولا زجر ولا غير ذلك، وهو كوقوع الساعة وتجليها لوقتها إلى غيرها من غيوب استأثر سبحانه بها ولم يعلم أحداً بشئ منها ما هية فيتشوف مخلوق إلى تعرف وقت شئ منها أو كيفية ظهور أو غاية إذ لولا الإخبار الصدق بماهية الساعة لما وقع لأحد من العالم تشوف إلى تعرف قيامها ولا كنا لنعلم ما الساعة، وإذا لم نعلم ماهية مغيب ما لم نتشوف إلى تعرف ماهو تابع للماهية، فلهذا ضاق عنها نطاق التمثيل حتى أوهم كلام بعض الجلة أن المراد بهذا الغيب الذي استأثر سبحانه بعلمه إنما هو علم الساعة، وان ما سواها يمكن الوصول إليه بالكهانة والتنجيم والإلهام وغير ذلك، ولو أن هذا القائل أراد ظاهر ما يسبق من كلامه لما سلم له، لأنه لو لم نسمع باسم الساعة لعجزنا عن تعرف موجود مقدر الوقوع يسمي
стр. 479
بهذا الاسم، فالذي يجب أن يفهم عن هذا القائل أنه يريد أن لله غيوباً لا تحصي لا يظهر عليها أحداً من خلقه على مقتضى هذه الآية الخاصة بهذا المعنى المجردة له، ومن نحو هذا ما يشير إليه قوله تعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) (البقرة: ٢٥٥)، وإذا أظهر تعالى شيئاً من هذا الغيب فإنما يدركه الخلق أو من شاء الله منهم بعد ظهوره وكيانه، فيعلم إذ ذاك وقد كان هذا الظاهر في غيبه الذي انفرد به عن خلقه لم يعلم أحد من الخلق له ماهية إلا بعد ظهوره، وما غاب عن الخلق أكثر. هذا - والله أعلم - هو المراد بهذا الغيب المذكور هنا، وعليه يحمل ما قدم عما ذكر وإن أوهم من حيث حصر التمثيل أنه غيب الساعة خاصة، وهو ولا بد لم يرد ذلك وغنما أراد غيب الساعة وما كان مثله مما لم تذكر له ماهية، فلم يكن التمثيل كما تقدم إلا بما أعلمنا بماهيته فصح السؤال عنه.
وأما أمر الساعة فهذا - والله أعلم - ما يمكن أن يقال إنه الذي تجردت له آية سورة الجن، وأما الوارد في قوله تعالى: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) (النمل: ٦٥) وما ورد من مثله فليس بخاص بل هو عام على إطلاقه وعمومه، ومصرف المنع إلى الإحاطة والاستيفاء والتيقن وحصر جزئيات المعلومات، فلا يعلم ذلك علم استيفاء وإحاطة إلا الله. فهو الذي أحاط بكل شئ علماً وأحصى كل شئ عدداً، ثم لا يمتنع إظهاره سبحانه من شاء من خلقه من غير الرسل على ما شاء مما أشير إليه ولا يتجزأ ما أطلعهم عليه مما عنده سبحانه، ويدخل تحت هذا العموم العلم الذي استأثر سبحانه بعلمه وانفرد به دون خلقه، إلا أن حكم ذلك على ما تقدم وتقرر، ومن نحو العموم الواقع هنا قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (الجاثية: ٢٧)، فهذا كقوله: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) (هود: ١٢٣)، فملك السماوات والأرض له سبحانه لا شريك له في ذلك ثم قد قال تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) (آل عمران: ٢٦)، وأعلمنا سبحانه أن نبيه سليمان طلب ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وأتاه الله ذلك، وليس ما أوتيه هذا النبي الكريم صلي الله عليه وسلم جزاءاً له نسبة إلى ملك الله تعالى، ولا يمكن توهم ذلك. وإذا كان ما أوتي سليمان، ﵇، هذه حالة فكيف ما أوتيه غيره مما لا يبلغ معشار ما أوتيه سليمان، ﵇؟ فكذا الأمر في الغيب، فلا يعلم غيب السماوات والأرض على ما هو علم إحاطة وتفصيل إلا هو سبحانه، يطلع من يشاء من خلقه على ما شاء من ذلك، ولا يتجزأ ما اطلع عليه الكل من نبي ومن سواه مما لم يطلعهم عليه، ثم إن ما عند من سوى الأنبياء والمصطفين من العباد لا يعلم أنهم تيقنوا ذلك، فإذا لم يكن علمهم علم تيقن وتحقيق فإطلاق اسم العلم عليه مجاز بل هو ظن وإن قوي إذ لم بصحبه اليقين ولا الاستيفاء ولا الإحاطة
стр. 480
بالجزئيات فالمتصف به ليس بعالم غيب على الحقيقة، وبهذه الصفة القاصرة هو العلم الموجود عند الكهان وغيرهم ممن لم يستمد من الوحى، وما تسلمه الشريعة، فنفى الإتصاف بعلم الغيب عمن عري عن التيقن أو من لم يحط علمه بجزئيات ما يعلمه ولم يستوفه وجه واضح، والإطلاق بأنه ليس عالماً بالغيب إطلاق صحيح، ثم إن القول بأنه مخير بغيب وبعض تفاصيل عن مغيبات غير معارض ولا متناقض، فلا يلزم على ذلك اعتراض بعلم شق وسطيح وما أخبرا به، لأنهما وإن أخبرا بعجائب وتفاصيل فقد فاتهما غير ذلك من جزئيات في معلومهما الذي أخبرا به لم يخبرا بها ولا أحاطا بعلمهما. وكذا غيرهما من الكهان والمنجمين، فقد وضح محمل آيات العموم.
وأما آية سورة الجن فمحملها على الخصوص كما تقدم، ومما يزيد ذلك وضوحاً ويعضد ما قدمنا من المفهوم في الضربين أن الله سبحانه لما ذكر المغيبات الخمس فقال: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) (لقمان: ٣٤) إلى آخرها أفرد علم الساعة بقوله: (إن الله عنده علم الساعة)، وعبارة: " عند" تقتضى بوضعها خصوصاً وقرباً وتمكنا، وكذا أورد تعالى هذا الإخبار حيث تكرر قال تعالى بعد: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) (الأعراف ١٨٧)، وقال تعال: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الملك: ٢٥ - ٢٦)، فجرى هذا الإخبار مقيداً بعبارة "عند" حيث تكرر ولم يشترك معها في آية لقمان ما ذكر بعدها في الدخول تحت حكم " عند" وما تقتضيه من الخصوص بل قال تعالى: (وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) (لقمان: ٣٤) إلى ما بعده فتفصيل هذا الإخبار والتفصيل في نظم الآية يفهم منع التساوي، ولا شك أن عدم اعتبار الجزئيات في تركيب الألفاظ يؤدي إلى عدم فهم ما انتظم منها.
فإن قيل: إنما ورد بعد ذكر الساعة من قوله تعالى: (وينزل الغيث) إلى ما بعد مفصولاً عن حكم " عند" ليفهم التكرار، إذ المعلوم أن تكرر نزول الغيث - مهما كانت الحاجة إيه - هو عين الإنعام والإحسان إلى العباد، فلهذا ورد بلفظ يقتضي التكرر وهو لفظ المستقبل من الفعل، فأحرز بذلك هذا الإنعام العظيم والتذكير به، فهو كالوارد في قوله تعالى: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ) (ص: ١٨) (ولم يقل) مسبحات، وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ) (الملك: ١٩)، وهذا كثير فالإحراز ورد تفصيل الإخبار. قلت: قصد هذا المعنى بين الإمكان وإحراز - عند -
стр. 481
ما تقتضيه من معناها كذلك، ولا تعارض بين المقصدين، والإيجاز مقتض حصول المعنيين فجئ بما يحرزهم بأوجز لفظ وأبلغ عبارة، والله أعلم.
فإن قلت: فإن التعبير " بعند" قد ورد من الضرب العام من الغيب قال تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) (الأنعام: ٥٩)، وهي استعارة عبر بها عن التوصل للغيوب كما يتوصل في الشاهد بالمفاتح إلى المغيب عن الإنسان مما لا يصل إليه من ليست عنده مفاتحه، وقد دخل ذلك تحت حكم " عند" ومقتضاها من الاختصاص، مع أن الآية لم يرد فيها خصوص على علم الساعة على ما تقدم. فالجواب أن هذا مما يزيد ما تقدم وضوحاً إذ قد تبين قبل أن المراد من ذكر الغيب في كتاب الله ضربان. أحدهما خاص وهو المراد في سورة الجن وغنه لا مطمع لأحد من الخلق في الوصول إلى شئ منه على ما مر في ذكر الآية، والثاني عام على ما تقدم والوصول إلى علمه علم استيفاء وحصر بجزئياته مقدراً وغاية وتيقنا لذلك كله جملة وتفصيلا ممنوع، فهو لاحق من هذه الجهة بخصوص الضرب الأول، فلا يحيط بعلمه على ما تبين إلا الله تعالى، فحق لهذا الضرب إذا أريد به ما ذكرنا من الدخول تحت حكم " عند" وهو المراد بهذه الآية، ألا تري أنها مفصحة بذلك في قوله تعالى: (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام: ٥٩) فقد وفت هذه الآية بتفاصيل المغيبات وحصرها والإحاطة بها بكل جهاتها ولا يعلمها على ذلك إلا الله سبحانه.
ولنتبع هذا بكلام من تعرض لبسط المراد من آية الجن فأقول: وقع في التفسير المنسوب لفخر الدين أبي الفضل بن الخطيب ﵀، بعد تقرير مفهوم آية سورة الجن وأن أراد وأن المراد بها ما تقدم من التخصيص، فقال في رده على الزمخشري ومن قال بقوله في إنكار كرامات الأولياء واستجراره مع ذلك إنكار التكهن والتنجيم وما يرجع إلى هذا، ودعواه أن هذا نص القرآن تعلقاً بهذه الآية، فقال أبو الفضل رداً على من ذكرت: واعلم أنه لابد من القطع بأن ليس مراد الله من هذه الآية أنه لا يطلع أحداً على شئ من المغيبات إلا الرسل، بدليل ما ثبت من الأخبار القريبة من التواتر أن شقا وسطيحاً كانا كاهنين، وإخبارهما بظهور نبينا محمد صلي الله عليه وسلم، (وتعيين زمانه، وشهرتهما بهذا العلم حتى رجع إليهما كسرى في تعرف أخبار نبينا صلي الله عليه وسلم)، فثبت أنه تعالى قد يطلع على ما يشاء من الغيب غير الرسل. ودليل ثان وهو أن جميع أرباب الملل والأديان مطبقون على صحة التعبير، وأن المعبر يخبر عن وقوع الأشياء الآتية في المستقبل فتقع كما أخبر. ودليل ثالث وهو أن الكاهنة البغدادية التى نقلها السلطان سنجر بن
стр. 482
ملكشاه من بغداد إلى خراسان سألها عن الأحوال الآتية في المستقبل، وذكر ما وقع على وفق إخبارها. قال أبو الفضل بن الخطيب: وإنا قد رأينا أناساً من المحققين في علوم الكلام والحكمة حكوا عنها أنها أخبرت عن الأشياء الغائبة إخباراً على سبيل التفصيل وجاءت تلك الوقائع على وفق خبرها. قال وبالغ أبو البركات في كتاب المعتبر في شرح حالها وقال: تفحصت عن حالها مدة من ثلاثين سنة حتى تيقنت أنها كانت تخبر عن المغيبات إخباراً مطابقاً. ودليل رابع: أنا شاهدنا أصحاب الإلهامات الصادقة، وليس هذا مختصاً بالأولياء بل قد يوجد في السحرة من يكون كذلك، ونري الأخبار النجومية قد تكون مطابقة موافقة للأمور وإن كانوا قد يكذبون في كثير منها، وإذا كان ذلك مشاهداً محسوساً فالقول بأن القرآن مما يدل على خلافة مما يجر إلى الطعن في القرآن وذلك باطل، فعلمنا أن الأولى الصحيح ما ذكرناه، والله أعلم.
ونشير إلى ما قدم قبل كلامه هذا وهو أن قوله تعالى (على غيبة) ليس فيه عموم، فيكفي في مقتضاه ألا يطلع سبحانه ولا يظهر خلفه على غيب واحد من غيوبه، فيحمل على وقت وقوع القيامة، فيكون المراد من الآية عقب قوله: (قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا) (الجن: ٢٥) يعن وقوع القيامة، فإنه من الغيب الذي لا يظهره الله لأحد بالجملة، فقوله: " على غيبه" لفظ مفرد مضاف فيكفي في العمل به إرادة غيب واحد، وأما العموم فليس في الآية لفظ يدل عليه. انتهى معنى كلام أبي الفضل، رحمة الله. وقد تحصل مضمنة فيما تقدم بأوفى مما أوردنا من كلامه.
فإن قلت: قد تبين ما بين الضربين من العموم والخصوص، واتضحت الحال فيهما، فما وجه انتظام ما ورد في آية لقمان مع ذكر الساعة، وظاهر ما تقدم من التأويل حاكم بالفرق، وإن أمر الساعة يخالف بخصوصه ما ذكر معها من الأربع، والحديث الصحيح قد ورد على مقتضى ظاهر الآية حين ذكر، ﵇، مجيباً للسائل فأتبع بقوله: في خمس لا يعلمهن إلا الله، وذلك ملحق لهذه الأربع، بحكم الساعة في خصوص غيبها؟
فأقول، وأسأل الله توفيقه: إن الحديث الصحيح مشير إلى هذه الغيوب، وإنها في استعلامها والإطلاع علي ما شاء تعالى أن يطلع عليه منها ليست على منهج واحد، ألا ترى أن منها أموراً يعظم موقعها في العالم ويعم ويخص كتقلب الدهور والدول وتغير الحالات التي تعم وما يرجع إلى هذا، وهذه هي المرادة بحديث ابن عباس الذي أخرجه الترمذى، قال: " بينما رسول الله صلي الله عليه وسلم جالس في نفر من أصحابه إذ رمى
стр. 483
بنجم فاستنار، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم ما كنتم تقولون لمثل هذا في الجاهلية إذا رأيتموه؟ قالوا: كنا نقول: يموت عظيم أو يولد عظيم، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم فإنه لا يرمي به لموت واحد ولا لحياته ولكن ربنا تبارك اسمه وتعالى إذا قضى أمراً سبح حملة العرض وسبح أهل السماء الذين يلونهم ثم الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح إلى هذه السماء، ثم يسأل أهل السماء السادسة أهل السماء السابعة ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ثم يستخبر أهل كل سماء حتى يبلغ الخبر أهل السماء الدنيا وتختطف الشياطين السمع فيرمون - يعنى بالشهب - فيقذفون على أوليائهم فما جاؤوا به على وجه فهو حق، ولكنهم يحرفونه ويزيدون". وفي حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري، وهو أن نبي الله صلي الله عليه وسلم قال: إذا قضي الله الأمر في السماء ضربت (الملائكة) بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا؟ قال ربكم، قالوا: للذي قال الحق وهو العلي الكبير، فيسمعهما مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، وصفه سفيان بكفه فحرقها وبدد بين أصابعه، فيسمع الكلمة ويلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا وكذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التى سمعت من السماء".
قلت: وهذان الحديثان وما ورد من مثلهما معرفة بقضايا ترتج لها السماوات وتستطلعها الملائكة السبع بجملتها وتختطفها الشياطين مترصدين لتلقفها، ولا يختص بها صنف من الملائكة عن غيرهم، إما ما يتكرر في عالم الغيب من الكون والفساد، من متوالي إيجاد الآحاد، وتكرر نزول الأمطار. وشبه ذلك، فلا يستطلعها من الملائكة إلا آحاد وكلوا بها، وإن تكاثروا عدداً فليس ذلك كالمتقدم في الحديثين لعظيم عمومه، من ذلك حديث ابن مسعود: " يجمع خلق أحدكم في بطن أمة أربعين يوماً ثم يكون علقة ثم يكون مضغة، إلى قوله في الحديث: أذكر أم أنثي أشقي أم سعيد ... الحديث، وكما أشار إليه حديث " " (بياض بالاصل) وقوله فيه: اسق حديقة فلان، إلى ما يرجع إلى هذا القبيل، ولا توقف في أن أربعة الغيوب المذكورة مع الساعة في سورة لقمان راجعه إلى قبيل ما ذكرنا، وذلك كله ليس من تلك المقدورات العامة، بل هى بالنسبة إلى تلك جزئيات يعلمها من وكيل بها من الملائكة، ولا يستخبرها أهل السماوات، ولا تترصدها الشياطين ترصد تلك القضايا العامة، وصحيح الحديث قاض بالفرق البين.
стр. 484
فأشارت الآيات الأربع والأحاديث المشار إليها إلى أن هذا الضرب من المغيبات كأنها تلي في حالها الغيبي ما ذكر معها من أمر الساعة وللساعة خصوص ما تقتضيه " عند" كما تقدم، فهذا - والله أعلم - وجه انتظام هذه الغيوب الأربعة مع ذكر الساعة، وتحصل بهذا الاعتبار تفصيل الغيوب إلى عام وخاص وخاص من ذلك الخاص، وهذا الخاص الأخير لا يعلمه مطلقاً إلا المنفرد بعلمه سبحانه، ثم لا يحيط بالضربين قبله على ما أشير إليه من تفصيل أحكامها على الاستيفاء والإحاطة والحصر إلا هو سبحانه، وأنه تعالى المنفرد بكل الغيوب، ولا يعلمها أحد على ما هي عنده كما وضح قبل وتبين، ولم يبق للطاعنين مدخل بوجه ولا على حال.
وأما تخصيص آية سورة الجن بما ورد فيها فوجه ذلك - والله أعلم - إما لم تقدم من قول الجن في إخبار الله تعالى عنهم: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا) (الجن: ٨ - ٩)، فلما تقدم هذا من قولهم وإخبارهم عما كانت الحال عليه قبل بعثة رسول الله صلي الله عليه وسلم، وأن في ذلك من قولهم واطلاعهم على الغيوب أو الكثير منها، أعلم تعالى أن من الغيب ما ليس لهم ولا لغيرهم مطمع في الإطلاع عليه، وأنهم في ترصدهم ومقاعدهم للسمع ممنوعون هم ومن سواهم عما انفرد بعلمه سبحانه وحكم أن لا يطلع عليه أحد من خلقه، فهذا وجه ورود هذه الآية هنا. وهنا انتهى ما ألهم الله تعالى إليه في هذه الآية مما تعرض إليه الإمام أبو الفضل ﵀ وبسطناه بما يدفع ما يوهمه موجز كلامه في التمثيل للغيب المخصوص، فبسطته بما أرجو أنه مراده ودافع لما يعترض عليه فيه حين أجمل في إغفاله توجيه تخصيص الغيوب الأربعة بذكرها مع غيب الساعة في سورة لقمان ووجه اختصاص سورة الجن بالوارد فيها، وأتيت في ذلك بما ألهم الله سبحانه إليه، وأرجو أنه شاف إن شاء الله، وإن تحمل غفلة أو سهواً فأسأل الله عفوه في ذلك، وعذري أنى لم أجد في ذلك من تعرض لشئ من هذا إلا ما قدمت ذكره مع إشكال الأمر في ذلك)، والله سبحانه أعلم بما أراد.
****
стр. 485
سورة المزمل والمدثر
غ - قوله تعالى في أولاهما: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) (المزمل: ١ - ٢) إلى ما بعده وقال في أول سورة المدثرتلوها: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ) (المرثر: ١ - ٢) إلى ما بعده، للسائل أن يسأل عما ورد في هاتين السورتين من تسميه ﷺ في الأولى بالمزمل وفي الثانية بالمدثر؟ وأمره في الأولى بقايم الليل وما أعقب به ذلك في الثانية بإنذار الخلق ودعائهم إلى الله، ما وجه هذا التخصيص في السورتين بما ذكرنا من التسمية والأمر؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن الله سبحانه أمرنا في كتابه العزيز بتعزيز نبينا ﷺ وتوقيره، ونهانا أن نجري في خطابه على حد تخاطبنا فقال تعالى: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) (النور: ٦٣)، وجرى المسلمون بتوفيق الله على ذلك في دعائهم إياه: يا رسول الله، يا نبي الله، غير رافعي أصواتهم في ندائه ودعائه على مقتضى أمره سبحانه بذلك. ثم إن العرب قد علم من حالهم في ذلك أن السيد خاطب عبده متلطفاً به ومشيراً إلى مكانته لديه أو قصد تأنيسه خاطبه باسم يشتقه من حال أو صفة يكون العبد عليها، ويعدل عن معروف اسميته ليريه مكانته ويظهر كريم تحفيه به وعظيم تلطفه كقول نبينا ﷺ لعلي ﵁ في قضيته المعلومة، وقد وجده نائماً، وقد أثر التراب في جنبه: قم أبا تراب، فعلى ذلك جرى الوارد في نداء نبينا ﷺ في هاتين السورتين بالمزمل والمدثر. وخصت هاتان السورتان بهما لبنائهما على ما ابتدئ به ﷺ .
فأما تعقيب كل من الاسمين في السورتين بما أعقب به فعلى مقتضى كل واحدة من السورتين وما بنينا عليه، أما الأولة فمبناها على أوامر من جليل أعمال الطاعات مما يزلف عند الله سبحانه، من قيام الليل، وترتيل القرآن، والتجلد والتحمل لتلقي أوامر الكتاب ونواهيه المفهوم في قوله تعالى: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) (المزمل: ٥)، والأمر بذكر اسمه تعالى تضرعاً وسءالاً، والتبتل إليه سبحانه، واعتماده تعالى وكيلاً، والصبر على قول الضالين من الكفار، والأمر بجميل هجرهم، فهذه أمور ثمانية بين صريح ومكني. وأما سورة المدثر فمتضمنها من الأوامر دون ما في السورة قبلها عدداً، وليس أكثرها من نمط تلك الأوامر، وهي مع ذلك أوامر أولة في الأكثر، فنوسب بين
стр. 486
تلك الأوامر العلية من سورة المزمل وبين ما تقدمها في الترتيب الثابت من قوله تعالى في سورة الجن: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) (الجن: ٢٦ - ٢٧) ليعلم نبينا ﷺ أنه أمام المرتضين من أولئك المصطفين بما خص ﷺ من الأمر بقيام الليل والترتيل وجليل التلقي والامتثال لما ألفي عليه اعتناء وتخصيصاً محفوظاً فيه مشيراً عليه من القول الثقيل، كما نوسب بين أمره، ﵇، بالدعاء والإنذار والتأنيس فيمن أفرط تمرداً وعناداً من عتاة الكفار حين قيل لنبينا ﷺ تهديداً لعدوه وإعلاماً بما يعقبه كفره: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) (المدثر: ١١) إلى قوله: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) (المدثر: ١٧)، وقوله (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ) (المدثر: ٢٦)، فحصل من مجموع متقدم الإنذار والإعلام بعاقبة المعاندين من الكفار ما تحصل من قوله تعالى في سورة الغاشية تعريفاً لنبينا ﷺ : (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) (الغاشية: ٢١ - ٢٢)، وانتظم أول (هذا) الكلام العلي وآخره أجل انتظام، وورد كل على ما يجب، ولا يلائم غيره، والله سبحانه أعلم بما أراد.
الآية الثانية من سورة المدثر - قوله تعالى: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) (المدثر: ١٨ - ٢٠)، للسائل أن يسأل عن تكرر قوله: (قدر) ثلاث مرات في كلام متصل متقارب؟
والجواب، والله أعلم: أن قوله: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ) إخبار عن حال الوليد المنزل فيه هذا حين قال لقريش: إن الناس يريدون الموسم فليكم قولكم في محمد واحداً، وفكر في أقرب ما يمكن أن تستمال به العرب وتصدق قريشاً، ورأى الوليد أنهم مكذبون بأول نظر إن قالوا إنه شاعر مجنون أوكاهن أوساحر، ووافقته قريش لوضوح ذلك من أمره، ﵇، مع تصميمهم على عناده، وبهذا أنسه تعالى في قوله: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (الأنعام: ٣٣). وروي أن الوليد قال لبني مخزوم: والله لقد سمعت من محمد كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى.
ولما كلم قريشاً في شأنه ﷺ قال لهم: (تزعمون أن محمداً لمجنون فهل رأيتموه يخرق، وتقولون إنه كاهن فهل رأيتموه قط يتكهن، وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعراً قط، وتزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه شيئاً من الكذب، فقالوا في كل ذلك: اللهم لا. وعلى هذا من كلام الوليد ورد الوارد بما جاء بطريقة ما تعجب العرب من مثله من قوله: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) (المدثر: ١٨ - ١٩)، كما
стр. 487
تقول (العرب) قاتله (الله) ما أشعره، لا يريدون دعاء على من يقولون له ذلك وإنما يقولون متعجبين، وإنما نزل القرآن بلسانهم، فقوله (فقتل كيف قدر) مناط بمن يصح منه التعجب، والله سبحانه متعال عن ذلك، وكأن قد قيل لهم: هذا مما تتعجبون منه وتقولون هذا الكلام، فقوله تعالى: (إنه فكر وقدر) إخبار عن حال الوليد وتفكره فيما يقول وتقديره ما يرد عليه إذ قال بأنه ﵇ شاعر أو مجنون أو غير ذلك مما رموه به، وأنهم مكذبون في كل ما يرومون رميه به من ذلك لبيان حاله ﵇، وقوله: (فقتل كيف قدر) تعجب من إصابته في نفي الجنون والتكهن والشعر عنه صلي الله عليه وسلم في قوله: لقد سمعت من محمد كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، فصدق تقديره في هذا لو أتم الله له الأمر. فالأول إخبار أعنى قوله: (إنه فكر وقدر)، والثاني تعجب عن إصابة تقديره بعد الفكر وهو قوله: (فقتل كيف قدر)، والثالث وهو قوله: (ثم قتل كيف قدر) تأكيد للتعجب من حالة في تحويمه لوا سابقة: (سأرهقه صعوداً)، والسابقة هي التي حملته على أدباره واستكباره فقال: (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ) (المدثر: ٢٤)، فنكص على عقبيه لما سبق له بعد مقاربته وتحويمه، (وبإزاء) ما تقدم من مقاربته وتحويمه في تنزيهه النبي صلي الله عليه وسلم عما رموه به ورد اتعجب، وفي طي الكلام شديد توعده على كفره بعد أن تبين له الأمر فضل على علم، ومثل هذا التكرار استعظاماً للواقع موجود في فصيح كلامهم، ومنه قول الشاعر.
ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي.
وجاء بثم لتحرز نية اعتناء بهذا المعطوف بها وأنه أكد من الأول فوضح وجه ورود ما يتوهم تكراراً واستدعاء مقصود الكلام إياه، والله سبحانه أعلم.
الآية الثالثة من سورة المدثر قوله تعالى: (كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) (المدثر٥٣ - ٥٦)، وقال في سورة الإنسان: (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (الإنسان: ٢٩ - ٣٠). للسائل أن يسأل عما بين الآيتين من الاختلاف؟ وورود الضمير في قوله: " إنه " في الأولي مذكراً وتأنيثه في الثانية؟
والجواب، أن هذا مما لا إشكال فيه لأن المذكر به عظة أو موعظة وهو أيضا وعظ وتنبيه. فتارة تراعى العرب في مثل هذا جهة التذكير وتارة تراعي جهة التأنيث، فتحمل
стр. 488
الضمير على ما تقدره من تأنيث وتذكير، وهذا كثير ومنه قول بعض العرب: فلان جاءته كتابي (فمزقها) فيسأل عن التأنيث في قوله: جاءته وفي قوله فمزقها فيقال: أليست بصحيفة، وقال تعالى: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى) (البقرة: ٢٧٥).
وأما فواصل الآيتين ومقاطعهما فمراعي فيها موافقة ما اتصل بها للتناسب مع اتحاد المعنى، ألا تري صحة بناء ما في آية الإنسان على ما في آية المدثر لو قيل في الكلام إنه تذكرة فمن شاء ذكره فاتخذ إلى ربه سبيلا بتذكير ما ذكر به، ثم اقتضت الفواصل المناسبة. ولما اكتنفت آية المدثر فواصل تكون في الوقف هاء من لدن قوله تعالى: (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) (المدثر: ٥٠ - ٥١) إلى قوله: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) (المدثر: ٥٦) ناسبها قوله: (فمن شاء ذكره). وأما آية سورة الإنسان فما قبلها وما بعدها من الفواصل مستدع أيضا ورود الهاء على ما وردت فقيل: (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) ليجري على ما تقدم في قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا) (الإنسان: ٢٣) وما بعد، ولم يكن ليناسب هنا ما ورد في سورة المدثر من قوله تعالى: (فمن شاء ذكره)، كما لا يناسب قوله تعالى: (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) ما ورد في سورة المدثر، فكل هذا لا إشكال فيه لرعي المناسبة وحصولها في كل من السورتين على أتم وجه، والله أعلم.
****
стр. 489
سورة القيامة
قوله تعالى: (إِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) (القيامة٧ - ٩) يسأل عن إعادة القمر في الفاصلتين؟
والجواب عنه أن ذلك لبيان أهوال القيامة وتعظيمها، والعرب تستعمل هذا فيما تقصد به التهويل والتعظيم، ومنه لا أري الموت يسبق الموت شئ نغص الموت ذا الغنى والفقير فكررت المو ثلاث مرات تعظيماً لأمره، كما قال تعال (قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ) (ص٦٧ - ٦٨) وقد اجتمع في آية القيامة قصد التعظيم ورعي الأسجاع فتأكد الحامل على التكرير، وإذا تكرر احد النيرين المراد اجتماعهما أغنى ن تكرر الآخر، وطلبت الفواصل منها ما يناسب فجاء على أتم وجه في البلاغة، والله أعلم.
الآية الثانية قوله تعالى: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) (القيامة: ٣٤ - ٣٥) يسأل عن إعادة اللفظ وفائدة ذلك؟ ويستجر من ذلك استدعاء اشتقاق اللفظ ومعناه.
والجواب عن ذلك: والله أعلم: أنه لما تقدم وصف المجرم المكذب بقوله: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى) (القيامة: ٣١ - ٣٣) - أي يختال في مشيته ويتبختر عضداً لتكذيبه وإغناء بكفره - كان مظنة للتعريف بسوء عاقبته واستحقاقه العذاب فقيل:
(أولى لك فأولى)، فعدل بالكلام عن إخبار الغيبة إلى الخطاب تحكيماً لاستحقاقه نيل الجزاء على فعله، وهو كلام يقال لمستوجب الامتحان، جار مجرى الدعاء
وقد جعله بعضهم مقلوباً من قولك: ويل، فهو على هذا من الدعاء بالويل، وكأن قد قيل للمخاطب به أعظم الويل وأشده له، ويستجر التعجب الجاري من الدعاء، وكأن قد قيل في هذه الآية: الويل له ثم أشد الويل له، فأكد بتكرير اللفظ إشعاراً بالأهلية والاستحقاق كما قالوا: ويلا له ويلا ويلا. وعطف بثم المقتضية رتبة في المعطوف بها وضرب تهمم واعتناء ليكون الدعاء ثانياً للمولي به تأكيداً أبلغ من الأول، وذلك من معنى "ثم" وهو هنا قائم مقام مهلة الزمان ليبلغ عندها (معه) الغاية فيما قصد منه.
стр. 490
ويبين المعنى المفهوم هنا من لفظة: (أولى) قوله تعالى في سورة القتال: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) (محمد: ٢٠)، فلما ذكر سبحانه من حال المنافقين عند نزول سورة محكمة واضحة المقاصد ما ذكر مما يشهد بقبح ضمائرهم وسوء سرائرهم اتبعه بالدعاء عليهم فقال: (فَأَوْلَى لَهُمْ) (محمد: ٢٠)، كأن قد قال: فأشد الويل لهم. قال (سبحانه) لنبيه ﵇: (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) (محمد: ٢١)، (قدرة سيبويه، ﵀: طاعة وقول معروف) أمثل، ونظير هذا الوارد في سورة القتال، وبيان مناسبة التحامة قوله تعالى: (وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا*إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) (الفرقان: ١١ - ١٢) إلى قوله: (وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا) (الفرقان: ١٤)، ثم قال: (قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) (الفرقان: ١٥)، فقوله: (قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ .... ) الآية إلى آخرها مع ماقبله نظير قوله في القتال: (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) مع من قبله.
*****
стр. 491
سورة الإنسان
قوله تعالى: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا) (الإنسان: ١٥ - ١٦)، ثم قال بعد: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا) (الإنسان: ١٩)، للسائل أن يسأل عن بناء الفعل في الآية الأولى لمهول ولم يسم الفاعل وبنائه في الثانية للفاعل؟ ولم يذكر مستدعاه المجرور فلم يقل بكذا، ما الفائدة في ذلك؟ وهل الفاعل في الآية الثانية هو الذي لم يسم أولاً في قوله: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ)؟
والجواب عن ذلك أن بناء الآيتين في هذه السورة على تعظيم حال أهل الجنة وما أعد الله لهم، فذكر فيها ما يطاف (به) عليهم من أواني الفضة والأكواب بالطعام والشراب، وما يمزج به شرابهم من الزنجبيل والعين التي تسمى سلسبيلا، ثم ذكر الطائفون عليهم بذلك، ووصفوا بكونهم ولداناً لا أثر عليهم للعياء ولا يلحقهم في طوافهم مشقة وأنهم كالؤلؤ المنثور حسناً وتناسباً، فلما ذكرت أحوالهم على التفصيل، وقصد الاستيفاء لما منحوه، ناسب ذلك إيراد تنعمهم مفصلا بذكر المطاف به مستوفى، ثم ذكر الطائفون وقدم المطاف به لأنه الذي تنمهم تناولا واتصالا وتطعماً وغذاء مأكلاً ومشرباً، فكان أهم للتقديم، ثم أعقب بذكر الطائفين وهم الولدان المخلدون، فكمل مفصلا تفصيلايحرز الاعتناء في التعريف والثناء، وقد جمعت هذا المفصل آية واحدة وهي المفسرة لما ذكرته من (أن) الطائفين بأواني الفضة والأكواب هم الولدان المذكورون بعد وذلك قوله تعالى في سورة الواقعة: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) (الواقعة: ١٧ - ١٨)، وضح الجواب عن الأسئلة الثلاثة على أبين وجه، والله أعلم.
*****
стр. 492
سورة المرسلات
قوله تعالى: (ويل يومئذ للمكذبين) للسائل أن يسأل عن تكريرها عشر مرات؟ وعن الترتيب فيما تخلل متكرر هذه الآية من الآيات وإبداء الفائدة في كل آية واختصاصها بموضوعها؟ وعن الفرق الوارد من هذه الآية هنا وفي سورة التطفيف من حيث تكررت هنا ولم تتكرر في سورة التطفيف؟ فهذه ثلاثة سؤالات في ثانيها تفصيل.
والجواب عن الأول: أن سورة الإنسان لما تضمنت التعريف بحال الفريقين ذوي السعادة وأهل الشقاء، وابتدئت بذكر حال المكذبين فقال تعالى: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا) (الإنسان: ٤)، ثم أردف هذا بالتعريف بحال وي التنعم وجرى في وصفهم إطناب، ثم عاد الكلام إلى حال من تقدم (فقال: (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا) (الإنسان: ٢٧)،فلما قدم هذا من وعد الكافرين أقسم تعالى على وقوعه إبلاغاً في الإنذار فقال تعالى: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا) (المرسلات: ١) إلى قوله: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ) (المرسلات: ٧)، ثم عرف سبحانه بصفة يوم الوقوع، وكأنه على تقدير سؤال كأن قد قيل: ومتى ذلك؟ فقال: (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ) (المرسلات: ٨ - ٩) إلى قوله: (لِيَوْمِ الْفَصْلِ) (المرسلات: ١٣)، ثم أكد هول ذلك اليوم بسؤاله صلي الله عليه وسلم عن تعرفه فقال: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ) (المرسلات: ١٤) تعظيماً لأمره وإنباء بأهواله وشدائده، ثم قال: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) (المرسلات: ١٥)، ثم تكرر هذا الدعاء بالويل الحال بهم سبع مرات - رعيا لما تقدم في سورة الرحمن - آخرها: (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) (المرسلات: ٣٩ - ٤٠)، ثم رجع الكلام إلى التعريف بحال الناجين في آيات ثلاث لم يتخللها الدعاء بالويل لئلا يشوب بشارتهم تنقيص فقال تعالى (إن المتقين في ظلال وعيون وفواكه مما يشتهون) إلى قوله: (إنا كذلك نجزي المحسنين) (المرسلات: ٤١ - ٤٤)، ثم عادت الآي إلى ما بنيت عليه السورة من وعيد المكذبين وتخويفهم إلى آخر السورة، وتكرر فيها ذلك الدعاء بالويل للمكذبين ثلاث مرات، طوبق بها عدد آيات وصف المتقين ليكون زيادة في تنكيل المكذبين وتحسرهم بسماع حال من حاله على الضد منهم، فتلك العشرة التى تضمنتها السورة.
فإن قلت: لم فصل بين ما جرى من الآي المتقدمة وبين هاتين الآيتين من قوله: (المرسلات: ٤٦) مع أن جميعها راجع إلى مقصد واحد
стр. 493
من تقريع المكذبين ووصف أحوالهم، لم فصل بين ذلك بكر المتقين وأحوالهم؟ قلت: بدأ أولاً بتوبيخهم في عدم اعتبارهم بما ذكروا به من إهلاك من تقدمهم ممن كذب، وبدأة خلقهم من ماء مهين، وجعل الأرض تكفت إحياءهم وموتاهم، ثم عرفوا بجزائهم الأخراوي وما يشاهدون ويقال لهم عند مصيرهم إلى العذاب ووصف جهنم، ثم أعقب بذكر الضد من حال المتقين ليكون زائداً ومحركاً لندم المكذبين حين لا ينفع الندم، وتم هذا المقصد على أتم مناسبة، ثم رجع إلى الضرب الآخر المتقدم من التوبيخ بذكر حالهم الدنياوي في تنعمهم (وتمتعهم)، وأورد ذلك بصغية الأمر تهكماً بهم وقيل: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ) (المرسلات: ٤٨)، فلم يكن الوارد في هاتين الآيتين ليناسب ما تقدم من توبيخهم، ففصل عنه.
والجواب عن السؤال الثاني: أن وجه الترتيب فيما تخلل متكرر آية الدعاء من الآيات أنه لما ذكر سبحانه أهوال ذلك اليوم في قوله: (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ) (المرسلات: ٨) أعقب تعالى بتوبيخ المكذبين على غفلتهم عن التذكر بأخذ من تقدم من مكذبي الأمم وإهلاكهم بجزائهم فقال تعالى: (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ) (المرسلات: ١٦) أي فهلا اتعظوا بهم، كما قال تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ) (الأنعام: ٦)، وقال تعالى: (وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ) (الرعد: ٦)، (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ) (القمر: ٤٣)، ثم أردف سبحانه بقوله: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) (المرسلات: ٢٠)، فذكر بأصل الخلقة وتطور الإنسان وتقلبه إلى كمال أمره بتعرف الخطاب وكمال التعقل كما قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) (يس: ٧٧)، ثم ذكر سبحانه خلي الأرض ومنافعها وما بها أرساها من الجبال وفجر فيها من المياه لسقينا، فحصل التذكير بضروب ثلاثة وهي: إهلاك الأمم السالفة بتكذيبهم، وخلق الإنسان، وخلق الأرض وما جعل فيها، ثم أعقب بما ياقل لهم في الآخرة وما يشاهدونه مما يحل بهم جزاء على تكذيبهم وتعاميهم عن الاعتبار فقال (انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) (المرسلات: ٢٩) إلى قوله: (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ) (المرسلات: ٣٩) ثم ذكر تعالى حال المتقين ومصيرهم في ثلاث آيات تأنيسا للمؤمنين، وعلى المطرد في الكتاب العزيز من ذكر الإعقاب، متى ذكر أحد الفريقين من أهل النجاة وأهل الامتحان أن يعقب بذكر الفريق الآخر ثم عاد الكلام إلى تهديد من قدم وأعقب بما يلائم من امتناعهم عن الاستجابة والخشوع.
والجواب عن السؤال الثالث: أن سورة التطفيف لم تبن على التفصيل المقصود هنا فلم تتكرر فيها آية الدعاء، والله أعلم.
****
стр. 494
سورة التساؤل
قوله تعالى: (كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون)، يسأل عن تكرر التهديد وفائدته؟
والجواب عن ذلك: قد تقدم أن العرب متى تهممت بشئ أرادته لتحققه وقرب وقوعه أو قصدت الدعاء عليه كررته توكيداً، وكأنها تقيم تكرارها مكان القسم عليه والاجتهاد في الدعاء عليه حيث يقصد الدعاء، وإنما نزل القرآن بلسانهم وكأن مخاطباتهم جارية فيما بين بعضهم وبعض، وبهذا المسلك تستحكم الحجة عليهم في عجزهم عن المعارضة، وقد تقدم هذا وتقرر، وعلى ذلك يجري ما ورد في هذا الوعيد. ومنه قوله تعالى: (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) (المدثر: ١٩ - ٢٠) وقوله: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) (القيامة: ٣٤ - ٣٥) ومنه: (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ) (التكاثر: ٦ - ٧) وهو كثير.
الآية الثانية - قوله تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا) (النبأ: ٢٤ - ٢٦)، (وقال في أهل الجنة) (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا) (النبأ: ٣١ - ٣٢) إلى قوله: (جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا) (النبأ: ٣٦)، للسائل أن يسأل عن موجب الفرق بين الفريقين حتى قيل في أهل النار: (جزاء وفاقاً) وفي أهل الجنة (جزاءً من ربك عطاء حساباً) مع أن كل ذلك جزاء؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن الله سبحانه أعلمنا أنه يجازي على الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، على ما لا عين رأي ولا أن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) (الأنعام: ١٦٠)، وقال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) (البقرة: ٢٦١)، وقال تعالى (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة: ١٧)، وقال: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) (فصلت: ٣١) وقال تعالى في الجزاء على السيئات: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) (الشورى: ٤٠)، وقال تعالى: (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الطور: ١٦)، فحصل من هذا أن حكم السيئات المقابلة بأمثالها، وذلك فيمن نفذ عليه الوعيد ولم يغفر له، إذ المعتقد أنه تعالى يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، وأنه لا يخلد في النار إلا الكافر،
стр. 495
فإذا تقرر ما ذكرنا فاعلم أن تسميه ما يمنحه الله سبحانه أهل الجنة جزاء إنما ذلك فضل منه سبحانه، إذ الجزاء لهم على أعمالهم أكثر من أعمالهم بوعده سبحانه، فإذا إنما حاصلة عطاء وإحسان وإنعام، وإنما سمى جزاء من حيث قوبل به عمل وارتبط به بحسب الإنعام، إذ لا يجب عليه شئ، فهذا حال الجزاء والإحسان.
وأما الطرف الآخر فاسم الجزاء عليه أوقع وأطبق من حيث المقابلة، فلهذا قيل في هذا (جزاء وفاقاً) كما قال تعالى: (لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ) (غافر: ١٧) (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الطور١٦)، وأما الجزاء الإحسانى فقد فاق الوفاق وعجز عنه التقدير، فلهذا أعقب قوله تعالى: (جزاء) بما يشعر بجريانه على حكم الإنعام والإحسان فقال تعالى (من ربك)، وفي هذه الإضافة ما يشعر بعظيم الرحمة وزلفى القرب بقوله: (من ربك)، ثم قال: (عطاء) فاعلم أنه لا يماثل ما ارتبط به من عمل العبد بل يفوق رجاء العبد وتقديره، ثم قال تعالى: (حسابا) فأشار إلى التضعيف المتقدم، ولم يكن ليلائم جزاء السيئة أن يقال فيها: (من ربك)، ولا لتسمى عطاء ولا حسابا لما بيناه، فورد كل على ما يناسب، ولا يمكن فيه العكس، والله أعلم
فإن قيل: قد ورد التصنيف فى جزاء السيئات قال تعالى: (أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ) (هود: ٢٠).
فالجواب أن التضعيف هنا ليس على الحد المتقدم في تضعيف جزاء الحسنة، فإن المراد هناك أن الحسنة الواحدة يتضاعف عليها الجزاء بعشر أمثالها إلى أكثر كما تقدم، وأما المراد بتضاعف عليها الجزاء بعشر أمثالها إلى أكثر كما تقدم، وأما المراد بتضعيف العذاب بتكثيره بحسب تكثير المجترحات، لأن السيئة الواحدة لا يضاعف الجزاء عليها بدليل قوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) (الشورى: ٤٠)، وقد تمهد هذا، وتقدم بقبل قوله في أهل الامتحان: (يضاعف لهم العذاب) ما يشهد بما ذكرته يبين المراد وهو قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) (هود: ١٨ - ١٩)، فهؤلاء كذبوا على ربهم وصدوا عن سبيله وبغوها عوجاً، وكفروا بالجزاء، فهذه مرتكبات عذبوا بكل مرتكب (منها) فتضاعف عليهم العذاب لتضاعف مرتكباتهم، لكل مرتكب منها عذاب يخصه فليس ما ذكر من التضعيف في هذا الطرف على حد ما في الطرف الآخر، وقد بين القرآن ذلك بغير الجواب عن تخليدهم وكيف نبه عليه أنه وفاق لكفرهم.
*****
следующие страницы →