Полный текст (513 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (الزمر"٤٨)، وفي سورة الجاثية: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) (الجاثية: ٣٣)، للسائل أن يسأل عن وجه اختصاص آية الزمر بقوله: (ما كسبوا) وآية الجاثية بقوله (ما عملوا) مع أن المقصد في الموضعين واحد وهو أنه لم يغب من أعمالهم السيئة شيء؟
والجواب عنه، أن العمل أعم من الكسب لأن الكسب واقع على ما للإنسان فيه تعمل وعلاج، وقد يطلق على غير الإنسان إذا كان الواقع منه ذلك حيواناً يصح منه القصد كالجوارح المعلمة وشبهها، ومنها قوله:
وتجر مجرية لها لحمى إلى أجر حواشب
وأجر جمع جرو، وأما العمل فيقع على ذلك وعلى ما جرى من فاعله وإن لم يكن منه قصد ولا تعمل ولا هو فاعل حقيقة، فيطلق على ما لا يطلق فيه الكسب، ومنه بيت الكتاب:
حتى شآها كليل موهناً عمل باتت طراباً وبات الليل لم ينم
فوصف البرق بأنه عمل، ومقصود الآية أنه بدا لهم كل ما كان منهم على الاستيفاء، لأنه إخبار موعظة وتهديد وإشعار بالوعيد، فيناسبه ما يجري في المناقشة. وإذا كان المعنى على ما ذكرنا فالمطابق لهذا ما ورد في الجاثية من التعبير ببدأ والعمل، وعلى هذا ورد قوله في سورة النحل وعيد للمقول فيهم: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ... ) (النحل: ٣٣) ثم قال: (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) (النحل: ٣٤)، ولم يرد هنا: (ما كسبوا) لأنه من قصد التوسعة (والاستيفاء) (مما يبدون من أعمالهم ويظهر الاستيفاء لذلك)، وكذلك الوارد في الجاثية، وإذا وضح هذا بفينبغي السؤال عما ورد في سورة الزمر، ولم عدل به عن هذا فقيل: (ما كسبوا)؟
والجواب عنه، والله أعلم: أنه إنما ورد تتمة لما تقدمه من قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) (الزمر: ٤٧)، فقوله: (مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) يتناول ما قدموه من سيئ أعمالهم غافلين عنه وناسين إياه، كان مما قصدوه فيه أنفسهم أو دون ذلك فقد حمل من هذا مع بعده ما تحصل من قوله: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا)، وكان قوله مع ذلك: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا) كالتتمة المؤكدة ومتناولاً ما قصدوه وأعملوا أنفسهم
стр. 422
فيه، حصل من مجموع ذلك المكتسب وغير المكتسب، فلا فرق بين آية الزمر وآية الجاثية.
ولو قيل في آية الزمر: (ماعملوا) لكان تكراراً لأن ذلك حاصل مما قبلها، ولو قيل في آية الجاثية (ماكسبوا) لما كان وافياً بما بينا قبل أنه مقصود الكلام، فتبين خصوص كل من الواردين بموضعه، وأن عكس الوارد لا يمكن.
فإن قلت: ما الوجه هنا من قوله: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) (الزمر: ٤٧)؟ تلك هي نكرة موصوفة كقولهم: مررت بما معجب لك. وإذ ذاك يحرز ما تقرر من المعنى بإبهامها، كما أن ما الاستفهامية حيث يقصد الإبهام تعظيماً للأمر وتفخيماً كقوله تعالى: (الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ) (الحاقة: ١ - ٢) وقوله: (الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ) (القارعة: ١ - ٢) تحرز لإبهامها من عظيم أمر الحاقة والقارعة ما لايفي به الوصف، والإبهام مقصود في التعظيم والتفخيم للأمر المعبّر بها عنه.
فإن قلت: إن (ما) يقل وقوعها نكرة موصوفة، قلت: بل هي حيث يقصد بها هذا المعنى موجودة في كثير من كلامهم وإن كانت الموصولة أكثر منها، إلا أن الموصولة لا تحرز ما ذكرنا من المعنى إحرازها.
فإن قلت: إنما يصح ما اعتمدت من المعنى على القول بتكليف ما لايطاق، وذلك أمر لم يكلف به: قلت إما أنه من الأمر فصحيح وقد امتحن به من قبلنا، وحمل عليهم بنص القرآن، وأما أنه مما لا يطاق فلا يبلغ هذا، بل نقول: إنه يطاق بمشقة، والآية ليست نصاً في هذه الأمة بل ولا في أهل الشرائع وحدهم، وإنما هي فيمن ينكر البعث الأخراوي ومن جارهم، ويبين ذلك ما قد ورد قبل آية الجاثية من قوله: (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا ... ) (الجاثية: ٣٢)، وهو قول من لا يصدق بالبعث وليس هذا من أتباع الرسل، ثم إن تخويفها يعم جميع المكلفين، والمؤمن الموفق أشد الخلق خوفاً منها: (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (الأعراف: ٩٩)، ثم إنا نقول بجواز التكليف بما لا يطاق هقلاً ونمنعه شرعاً، وبسط هذا في مظانه.
الآية الخامسة من سورة الزمر - قوله تعالى في أهل النار: (إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) (الزمر: ٧١)، ثم قال تعالى في أهل الجنة: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) (الزمر: ٧٣)، للسائل أن يسأل عن زيادة الواو في قوله: (وَفُتِحَتْ) في الآية الثانية؟
والجواب، والله أعلم: أن (إذا) في مثل هذا االكلام جارية مجرى أدوات الشرط في احتياج الفعل بعدها إلى الجواب، إلا أن جوابها في قول البصريين لا ينجزم إلا في
стр. 423
الشعر، وأهل الكوفة يرون أنها تجزم في الكلام، وقد اتفقنا في استدعائها الجواب، فوقع جوابها في الآية الأولى منطوقاً به وهو قوله: (فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا)، فلا مدخل. وأما الآية الثانية فجوابها محذوف مقدر، وقوله: (وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) كلام معطوف على ما قبله كما عطف عليه ما بعده، ولو كان جواباً لكان مقتضاه أنها لا تفتح إلا عند مجيئهم، كالحال في أهل النار، وليس كذلك، والله أعلم. ألا ترى قوله تعالى في سورة ص: (هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ) (ص: ٤٩ - ٥٠) فانتصاب (مفتحة) إنما هو على الحال، والحال قيد فيما قبلها.
فإذا قلت: جاء زيد ضاحكاً فالمعنى: جاء زيد متصفاً وقت مجيئه بالضحك، فالضحك خيئة حين المجيء وليس المراد أن ضحكه بعد المجيء، وإنما المعنى أن تلك صفته التي جاء عليها بل تقدمت مجيئه ولهذا قال سيبويه ﵀ قول بعض العرب مررت برجل معه صقر (صائداً به غداً، فقدره: مررت برجل معه صقر) مقدراً الصيد به غداً، فقدره بما هو حاصل ثابت وقت المرور، ولهذا قالوا في قول العرب: قمت وأَوُكّ عينه أنه من الشاذ النادر ونحوه ما أنشدوه من قول الشاعر:
فلما خشيت أظافيرهم نجوت وأرهنهم مالكا
فهذا في غاية القلة، ويححسن ورود الماضي حالاً إذا كانت معه قد لاقتضائها القرب، حتى يزول احتمال أن يكون منقطعاً فيضاد مقود الحال، فإن قويت الدلالة عليه من المعنى جاز وروده في فصيح الكلام، وعليه جاء قوله في قراءة الأكثر (أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ .... ) (النساء: ٩٠) لدلالة المعنى، وقرأ يعقوب (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) فبينت قراءته ما قرأ به الجماعة، فقد تبين أن قوله تعالى: (فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) معطوف على قوله: (جَاءُوهَا) وليس جواباً، ومما يبين ما ذكرناه في معنى الآية ويشهد له إخباره ﷺ في الصحيح أنه أول من يفتح وأول من يقرع باب الجنة، فقد أوضح هذا أن الداخلين تالون له وبعده فيجدونها مفتوحة الأبواب، وإذا لم يتوقف فتح أبوابها على مجيئهم فليس قوله: (وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) جواباً لو فرضنا أن لا يعتد بالواو كما يقول أهل الكوفة.
فإن قيل: فما جواب إذا؟ قلت: الجواب - والله أعلم - مقدر بعد، يفسره المعنى، كأن قد قيل: حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين أنسوا وأمنوا أو ما يرجع إلى هذا المعنى ويحرزه، وإذ ذلك
стр. 424
يقولون: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) (فاطر: ٣٤)، وقد نقل منسوباً إلى أهل الكوفة أن الواو قد تزاد في الجواب في مثل هذا، وعليه عندهم ما ورد في مثل قول امرئ القيس:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى
قالو: قوله: وانتحى جواب (لما) والواو زائدة، وعند غيرهم أن قوله: (وانتحى) معطوف على (أجزنا)، والجواب محذوف أي أنسنا أو تحدثنا أو ما يحرز هذا المعنى، ومن محسنات الحذف الطول هنا وفي الآية الكريمة، ثم إن الآية قد اوضح مقصودها ما ورد في سورة ص.
فإن قيل: إن قوله في تقدير الجواب في البيت: أنسنا أو تحدثنا التقدير فليس ذلك بمعين، ولا يحذف الجواب أو الخبر أو ما يحذف إلا بعد أن يتعين؟ فلاجواب إنا لم نقدر ما يتغاير معناه، ولا شك أن المراد تعيينه إنما هو المعنى، ثم نحوم على ما نحصله من العبارة اللفظية مما يرجع إلى معنى واحد، هذا قول المحصلين، وهذا رد على من جعل خبر المبتدأ في قولهم: كل رجل وضعيته هذا المعطوف الذي: هو وضعيته، وقال إن الفائدة قد حصلت بذلك وتم الكلام، وتأول كلام سيبويه على هذا وقال: إن الذي قدره الفارسي وغيره، فقولهم واحد. فقال: تقدير سيبويه تقدير معنى، وإنما كلامنا في تقدير الإعراب وما يجوز حذفه من اللفظ وما لا يجوز، وجوابه أن سيبويه وأبا علي مومن قال بقولهما إنما اعتمدوا في الدلالة على أن الخبر محذوف ما تعطيه وتدل عليه واو مع في قوله: (وضيعته) التي اتفق الكل وأنت معهم أنها بمعنى (مع) فلدلت على معنى الالتزام، فلا مبالاة بالاختلاف في تقدير الألفاظ المترادفة ما لم يختلف المعنى، فتقدير مقرونان أن متلازمان أو متلاصقان إلى ما يحرز معنى الاجتماع الذي تعطيه وتقتضيه واو مع لاتضييق في ذلك، وشأن من اغتر بنظره فلم يتلبث، ولم يتهم نفسه، ولا بالي بمخالفته الجماهيير في كل صناعة، أنه قل ايصيب، والناس في هذه المسألة متفقون على ما اعتمده سيبويه والفارسي، ولم يجعل واحداً منهم خلافاً إلا ما زعمه هذا القائل، وقد خرج بنا (الكلام) إلى ما موضعه أولى به، وأما الآية فقد (وضح) أمرها، والحمد لله.
****
стр. 425
سورة المؤمن
الآية الأولى منها - غ - قوله تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ) (غافر: ٧)، وفي سورة الشورى: (وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) (الشورى: ٥)، للسائل أن يسأل عن الوجه في تخصيص سؤال الاستغفار للمؤمنين في الأولى وتعميمه في الثانية؟
والجواب، والله أعلم: أن ذلك جار بحسب المناسبة، ولما تقدم الآية الأولى فيما ختمت به سورة الزمر من ذكر المتقين في قوله تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا) (الزمر: ٧٣)، وقول الداخلين عند دخولهم الجنة: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) (الزمر٧٣)، وقول الداخلين عند دخولها: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ) (الزمر٧٤)، إلى ختام السورة، ثم تبع ذلك قوله تعالى في مطلع سورة المؤمن: (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ) (غافر: ٣)، ناسب هذا استغفار الملائكة للمتصفين بصفات المذكورين، ويشهد لهذا ما ورد بعده من قوله تعالى مخبراً عن ملائكته بقولهم داعين: (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ) (غافر: ٧)، وأما قوله تعالى أثناء هذه الآية: (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ) (غافر: ٤)، وقوله: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ) (غافر: ٥) إلى قوله: (فَأَخَذْتُهُمْ)، فتأنيس للمؤمنين وباعث على شكر النعمة على ما من به عليهم من هدايتهم وسلامتهم من موجب أخذ من كذب وعاند، فبان التناسب في هذا كله.
وأما سورة الشورى فتقدمها قوله تعالى في خاتمة سورة السجدة: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) (فصلت: ٥٢) إلى قوله: (أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ) (فصلت: ٥٤)، (ثم) اتبع هذا في مطلع سورة الشورى بقوله تعالى: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) (الشورى: ٥)، فناسب هذا استغفارهم لمن في الأرض لعظيم ما تقدم منهم مما أشار إليه قوله: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ)، فلولا حلمه تعالى لتعجل هلاكهم، فاستغافر الملائكة إبقاء سبحانه عليهم إذ لا يفوتونه، وقد يؤمن من سبقت له السعادة منهم، فقد
стр. 426
وضح مناسبة الوارد في الموضعين لما بني عليه، وإن عكس الوارد غير مناسب، والله أعلم بما أراد.
الآية الثانية من سورة المؤمن - قال تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (غافر: ٥٧)، وقال: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ * إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) (غافر: ٥٨ - ٥٩)، ثم قال: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ * اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) (غافر: ٦٠ - ٦١)، للسائل أن يسأل عن اختصاص كل آية من هذه الثلاث بما فصلت به؟ فقيل في الأولى: (لَا يَعْلَمُونَ)، وفي الثانية: (لَا يُؤْمِنُونَ)، وفي الثالثة: (لَا يَشْكُرُونَ).
والجواب عن ذلك مجملاً، والله أعلم: أن المخاطبين ممن عقل لو نظروا واعتبروا لعملوا، ولو علموا لآمنوا، ولو آمنوا واستوضحوا النعم لشكروا، وبسط هذا الإجمال أن قوله تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) (غافر: ٥٧) مبسوط الدلالة فى آية البقرة وهى قوله: (نَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ... ) (البقرة: ١٦٤) ثم ورد فى الكتاب العزيز بيان الدلالة بكل فصل من هذه الآيه فقال تعالى: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ) (ق: ٦) وقال تعالى: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) (الملك: ٥) وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا) (الانبياء: ٣٢) وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) (الرعد: ٢) الى ما جعل تعالى فيها من آيات الشمس والقمر والنجوم والكواكب السيارة وجريها فى بروجها: (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (يس: ٤٠) إلى إدخال الليل على النهار والنهار على الليل بتدرج لا يخل الابصار، إلى إنزال القطر من السماء إلى الأرض عند حاجتها فتنبت من كل زوج بهيج وتخرج من أنواع الثمرات مختلفات الألوان والطعوم: (يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) (الرعد: ٤) الى جعل الأرض مهادا، وإرسائها بالجبال، وجرى الأنهار بالمنافع، وتهيئة البحار لرجوع ما يفضل عن حاجة الأرض وعمارها من الحيوان العاقل وغير العاقل إليها، وتسنيد الأرض لجرى المياه
стр. 427
لئلا تقف فتضر معالمها ولا يتم لهم النفع بها، وهذا مع دحوها دحوا يتهيأ به التصرف والمشى فى مناكبها لمصالح الخليقه ومنافعهم، وجعل ماء البحر مالحا لئلا تتغير رائحته لطول مكثه، وتسخير الحيوان لتحريك مياه البحار من اسفلها، وتسخير الرياح المختلفه لتحريكها من اعلاها، فيحرز ذلك بقاء مياهها سالمه من النتن والجمود على مرور الايام وليصل العباد إلى منافعهم بالتصرف فيها إلى حيث شاؤوا باختلاف الرياح الحاملة (فيها) والمبددة لما يتصاعدمن أبخرة الخلق وانفاسهم، إذ لولا تبديدها لركدت فى الجو واضرت العالم، إلى تقلب فصول السنة بتصاعد الشمس من برج الجدى إلى سرطانها ثم انحدارها الى الجدى جريا محكم الترتيب لانتقال النبات بإذن الله، وإصلاح ابدان الحيوان، وإنضاج الفواكه وتهيئتها بالانتفاع بها. وتلوينها وترطيبها بحركة الشمس والقمر، إلى ما يقصر عن استيعابه الذكر، ذلك تقدير العزيز العليم، أفيتكون شئ من هذا بنفسه، أو يوجده نظيره ومماثله فى الافتقار والاضطرار؟ لقد شهدت الجمله ودلت أجزاؤها على الخالق المنزه عن سماتها، المتعالى عن شبهها، المتقدس عن الند والمثل والشريك والنظير، المنفرد بالخلق والتدبير، (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) (الانبياء: ٢٢) فحق اللآيه الكريمه المشيرة إلى ما وقع الإيماء إلى بعضه أن يكون ختامها: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (غافر: ٥٧).
ثم قال تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) (غافر: ٥٨) فضرب سبحانه المثل بذكر الاعمى والبصير، وهما حالا المعتبر بخلق السماوات والأرض وغير المعتبر، وحالا المؤمن الموفق للاعتبار والمسيئ بتركه، ثم أعقب بذكر الساعة التى لا يعلم كنهها إلا من الخبر الصدق، فحق لهذه الآيه أن يكون ختامها: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) (غافر ٥٩). لو اعتبروا أولا ونظروا فى معجزات الرسل لوضح لهم صحة ما جاؤوا به وصدقوا بالساعة.
ثم أعقب من ذكر نعمه بجعل الليل سكنا لراحة الحيوان وسكونه والنهار مبصرا - أى يبصر فيه - لتصرف الخلق فى معائشهم، إلى ما ينجر فى الليل والنهار مما لا يحصى، وأوضحها ما نصت عليه الآيه، فحق لهذه أن يكون ختامها: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) (غافر: ٦١)، فقد تبين مناسبة هذه الخواتم لما ختم به، والله سبحانه أعلم.
*****
стр. 428
سورة السجدة
الآية الأولى منها - قوله تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ... ) (فصلت: ٩) الآيات، فقد تقدم ذكرها في سورة الأعراف.
الآية الثانية منها - قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (فصلت: ٢٠)، وفي سورة الزخرف: (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ) (الزخرف: ٣٨)، وقد تقدم في سورة الزمر قوله تعالى في أهل النار: (إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) (الزمر: ٧١)، وفي أهل الجنة: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) (الزمر: ٧٣)، للسائل أن يسأل عن زيادة (ما) في وقله في سورة السجدة: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا) وسقوطها في سوى هذه الآية؟
والجواب، والله أعلم: أن (إذا) تزاد بعدها (ما) كثيراً فصيحاً، وقد لا تزاد، وكلا المرتكبين فصيح. إذا تقرر هذا فمن المعلوم أيضاً أن العرب مع أنهم يؤثرون إيجاز الكلام في الأكثر قد يختارون الطول وإطناب الكلام في بعض المواضع، وذلك بحسب ما تدعو إليه الحال:
يرمون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ خيفة الرقباء
وإذا تأملت آية السجدة وجدتها مبنية على ما يستدعي الإطالة وينافر الإيجاز لقصد استيفاء ما تضمنت من حال أهل النار في امتحانهم، ألا ترى تخصيصها بما ذكر فيها من شهادة الأسماع والأبصار والجلود، وعتبهم جلودهم في الشهادة عليهم بقولهم: (لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا) (فصلت: ٢١، ومجاوبة الجلود بقولها: (أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) (فصلت: ٢١)، إلى آخر ما كلمتهم به، ألا ترى أن الوارد هنا من قصصهم قد نيف على عشر آيات، وأن آية الزخرف وهي أطول البواقي ورد مضمونها في أربع آيات، وأما آية الزمر فلم تبلغ واحدة منها صلاص آيات. فزيدت - ما - في آي السجدة مناسبة لما انجر في ذلك المقصود بها من الإطناب والالستيفاء، ولم تزد في البواقي لما بنيت عليه من الإيجاز، فجاء كل منها على ما يلائم ويناسب، ولم يكن ليناسب عكس الوارد على ما تمهد، والله أعلم.
стр. 429
الآية الثالثة من سورة السجدة - قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) (فصلت: ٤٥)، وفي سورة الشورى: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) (الشورى: ١٤)، للسائل أن يسأل عن خلو آية السجدة من ذكر النهاية المذكورة في (الآية) الأخرى؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن آية الشورى تقدم قبلها ذكر تلك الغاية والأجل في قوله: (وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (الشورى: ٧)، فهذا هو الوقت الموعود والأجل المسمى، فلما تقدم ذمره وقعت الإحالة عليه في قوله: (أَجَلٍ مُسَمًّى)، (وأما) آية السجدة فلم يتقدم (فيها) ذكر هذه الغاية على الوفاء بخ وبما فيه، وأما قوله تعالى فيها: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ) (فصلت: ١٩) فأشار إلى وقت حشرهم وإدخالهم في النار، وإنما ذلك فعل يقصد هؤلاء في ذلك اليوم وبعض ما فيه، فأوقع اسم اليوم على الوقت الذي يؤمر فيه بهؤلاء إلى النار، كما قال تعالى: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ) (الأنفال: ١٦) أي قت القتال، فوقع اسم اليوم على الوقت، إذ لا يتقيد لقاء العدو وقتاله بيوم برأسه ولا بنهار دون ليل، فإنما وقع اليوم في قوله: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ) (فصلت: ١٩) الآية على وقت من اليوم يتقيد به بعض أفعال ذلك اليوم، أما تفصيل ما فيه من استغراق الفريقين والإفصاح باسمه فإنما ذلك يث ذكر، فكان هناك ما يحال عليه، وقد تكرر ذكره في قوله تعالى في سورة التغابن: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ) (التغابن: ٩)، فلتدم ذكره موفى التعريف باسمه وقعت الإحالة عليه والإشارة بقوله: (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)، فقد وضح ورود كل من الآيتين على ما يناسب، ولا يناسب عكس الوارد، والله أعلم.
الآية الرابعة من سورة السجدة قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) (فصلت: ٥٢)، وفي سورة الأحقاف: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ) (الأحقاف: ١٠)، قد يسأل عن وقوع - ثم - في الأولى ووقوع واو النسق مكانها في الآية الثانية؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن ثم للترتيب الزماني واقتضاء المهلة فيه، وتأتي أيضاً لبيان رتبة ما يعطف بها، وأن له موقعاً وخطراً وبه اعتناء، وقد مر بيان ذلك. وإن تفاوت الرتب كتفاوت الزمان، ولا توقف في أن كفرهم بالقرآن بعد علمهم أنه من عند الله
стр. 430
(أو ثبوت أنه من عند الله كما هو) وكما قد علم من سعد بالإيمان به وإن كذبوه، فلا شك أن ذلك مرتكب شنيع وضلال بعيد، فجيء هنا بثم لتحرز عظيم اجترامهم وشنيع مرتكبه، فجاءت على ما يجب.
ولما قصد في آية الأحقاف زيادة شهادة عليهم بتصديق من تقرر عنده علم الكتاب المنزل قبل كتابنا، ممن يعرف علمه، فشهد بما عنده من العلم، أن هذا الذي جاء به محمد ﷺ إنما هو من عند الله، وكان ذلك أبين في الحجة عليهم فلم يرد بثم لاقتضائها مهلة لم تقصد هنا، وبيان النظم الجليل الوارد في الآية بما تقدره تقريباً لإفهامنا أن كأن قد قيل لهم: يا محمد أرأيتم إن كان القرآن من عند الله وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فكفرتم وآمن ذلك الشاهد واستكبرتم أنتم عن الإيمان فكيف تكون حالكم؟
واقتضى حكم هذا معنى الآية، ففي الكلام تقديم (وتأخير) اقتضاه جليل نظم الكتاب وعلى براعته، وإذا كان المعنى على تشريك ما تأخر في التركيب من قوله: وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله أن كان من عند الله لم يكن ليصبح بين المنسوقين المحمول أحدهما على الآخر بما يقتضي الجمع من غير فتور ولا مهلة الفصل بثم لأنها منافرة لهذا الغرض، فورد هذا بالواو ليحرز ما قررناه من المعنى، ووردت الآية الأولى بثم لتحرز معناها أيضاً، وجاء كل على ما يجب ويناسب، ولا يمكن خلافه، والله أعلم.
****
стр. 431
سورة الشورى
الآية الأولى منها - قوله تعالى: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) (الشورى: ٤٩ - ٥٠)، ثم قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الشورى: ٥١)، للسائل أن يسأل عن وجه الاختلاف فيما أعقبت به كل آية من هاتين الآيتين فقيل في الأولى: (إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) وفي الثانية: (إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) وهل كان يمكن عكس الواقع؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن الآية الأولى لما تضمنت الإعلام بانفراده سبحانه بملك السماوات والأرض وقهره جميع (من) فيهن، وأنه الخالق لكل شيء فلا اختيار لمخلوق ولا مشيئة، وكل صادر منه إحسان، فيهب لمن يشاء إناثاً، وقدم ذكر الإناث لكراهة العرب إياهن، فأشار بتقديم ذكرهن إلى أن فلعهم وكراهتهم معارضة لما نفذت به مشيئته، ثم قال: (وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ)، وجاء لفظ الذكور معرفاً ليشير بما تعطيه الألف واللام من العهدية إلى حالهم من الفضل ودرجة التقدم على الإناث، فكأنه في قوة أن لو قيل: الذين من أمرهم و (من) شأنهم، بتوازن تقديم الإناث وتعريف الذكور، فقدم ذكر الإناث لإرغام العرب، وعرف الذكرو لشرف المنزلة، ثم قال: (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا) أي على التساوي عدداً، ثم قال: (وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا)، فجعل من هذا كله أن الفعل لا يشركه فيه غيره، يفعل في ذلك كله ما أراده. فلما تضمنت الآية قهر العباد وانفراده سبحانه بالخلق والأمر ناسبها الختام بقوله تعالى: (إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) أي عليم بوجه الحكمة في ذلك، قدير على ما يريده.
ولما قال في الآية بعد: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ) (الشورى: ٥١) فأوضحت الآية عليّ كماله تعالى وتنزيهه عن سمات الحدوث وأن المخصوصين من البشر للسفارة والرسالة إنما خطابه سبحانه لهم بهذه الوجوه المفصحة بتنزيهه عن شبه خليقته، فلا يصلون إلى ما يتقرر عنهم
стр. 432
من خطابه تعالى إلا بأحد هذه الوجوه، وهي الوحي مناماً أو إلهاماً، وخلقاً في قلب النبي، وعن هذا الضرب عبر بالوحي، ومنه قول إبراهيم، ﵇، لابنه: (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) (الصافات: ١٠٢)، أو من وراء حجاب كتكليم موسى ﵇، أو إرساله سبحانه ملكاً من القربين لديه يوحي بإذنه ما يشاء كما كان جبريل، ﵇، وهو المعروف بهذه الخصيصة، والمعد من الملائكة للسفارة بينه سبحانه وبين رسله، يأتيهم بما يرسله تعالى به من القصص والأوامر والنواهي، فبهذه الطرق الثلاث وصول الرسل والأنبياء إلى ما عندهم من الله تعالى، وقد حصل من ذلك الإعلام بتنزيهه سبحانه وتعاليه عن التكيّيف، فناسب هذا ختام هذه الآية بقوله تعالى: (إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) أي عليّ عن مداناة البشر إلا باللطف والإحسان، حكيم في أفعالخ. فتبين وجه مناسبة هذا إتمام ما به ختم كما ناسب الختام قبله وهو قوله: (إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) ما أعقب به، فوضح أن كل ختام منهما لا يلائم غير موضعه، وأنه لو ختمت هذه الأخيرة بما به ختمت الأولى والأولى بما به ختمت هذه لم يكن ليناسب هذه المناسبة الحاصلة، والله أعلم بما أراد.
****
стр. 433
سورة الزخرف
الآية الأولى منها - قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) (الزخرف: ٢٠)، وقال في الجاثية: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (الجاثية: ٢٤)، فأعقب في الأولى قوله: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ) بقوله: (إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)، وأعقب في الثانية قوله: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ) بقوله: (إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)، فللسائل أن يسأل عن وجه اختصاص كل من الموضعين بما به أعقب؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أنهم لما قالوا: (لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ) فتعلقوا في احتجاجهم بقول الحق، وهو أنه سبحانه لا يجري في ملكه إلا ما يريده ويشاؤه، ثم في اختصصهم من أسمائه الرحمن عضد لتعلقهم وتقوية لما رأوا الاحتجاج به، وكأنهم قالوا: إذا كان متصفاً بالرحمة ولا استبداد لأحد من الخلق بشيء من أفعالهم وإنما يجري ما يصدر عنهم بحسب مشيئته وإرادته، وقد جرى منا ما نحن عليه من عبادة أصنامنا وما اتخذناه من معبوداتنا، وليس لنا استبداد بما يصدر عنا فهو مراد له وبمشيئته وهو رحمة لأنه الرحمن، فلو كانت الرحمة في تركنا معبوداتنا لشاء ذلك (لنا) لأن الرحمن لا يكون منه إلا ما هو رحمة، وإنما الفعل له لا لنا، فلو شاء أن لا نعبدها ما عبدناها، فلما تعلقوا بما يبدو منه أن لديهم علماً، أخبر تعالى نبيه ﷺ أنه لا علم عندهم، ولا قالوا ذلك عن معتقد تركن إليه قلوبهم، إنما هو تخرص قولي لا علم وراءه، ومن وحي الشياطين لأنهم أولياؤهم كما قال تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ) (الأنعام: ١٢١)، فكرمهم تخرص بالقول لا علم وراءه، إذ اللام في القدر وأحكامه، وإن الإدارة تخالف الرضا، وإن الآمر قد يأمر بما لا يريده، وإنه سبحانه قد يريد إيقاع ما لا يرضاه، وبيان ما تبني عليه التكاليف وتتعلق به الأوامر والنواهي من القدرة الكسبية التي بمعرفتها وثبوتها حصول السلامة من مذهب الجبر، وبإنكارها التورط في مذهب الاعتزال أو قول أهل القدر، وكلا المذهبين ضلال ونزوح عن الحق، وكل من المذهبين له تهجم سبقية إلى الأذهان، يدفعها التوفيق؟ إلى النظر الصحيح، وإلا كان التخرص المورط في الضلالات، وهنا بحار طامية من دقائق العلم والنظر لا شيء عند هؤلاء الكفار منها (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) (يونس: ٢٩، (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) (يونس: ٦٦)، فقد وضح التناسب في هذا.
стр. 434
وأما الآية الثانية فإنه تعالى لما حكى عنهم قولهم منكريم للبعث الأخراوي: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) (الجاثية: ٢٤) أي وما يهلكنا إلا تعاقب الأيام والليالي، فلم ينسبوا الإحياء والإماتة لفاعل مختار يميت ويحيي، وبنوا على ذلك إنكار العودة، أخبر تعاىل عنهم أنهم لا متعلق لهم إلا مجرد ظن لا مستند له فقال: (وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (الجاثية: ٢٤)، فأخبر تعالى أن مرجعهم إلى الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً، وتناسب هذا واضح لا خفاء به.
الآية الثانية من سورة الزخرف قوله تعالى: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) (الزخرف: ٢٢)، ثم قال: (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) (الزخرف: ٢٣)، للسائل أن يسأل عن الفرق الموجب لقول الفريق الأول: (وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) وقول الفريق الثاني: (وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) مع الاتفاق من جميعهم في قولهم: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) أي على دين وملة، ثم وقع الاختلاف في وصف أنفسهم في اتباع آبائهم بالاهتداء والاقتداء؟
ووجه ذلك، والله أعلم: أن ما تقدم الآية الأولى خكاية قول كفار العرب المعاصرين لرسول الله ﷺ والسامعين منه القرآن المسمى هدى في غير موضع كقوله سبحانه: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة: ٢)، وقوله: (هَذَا هُدًى) (الجاثية: ١١)، وقوله: (هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ) (لقمان: ٣)، فلما دعاهم ﷺ ليهتدوا بهديه قابلوا دعاءه بقولهم: إنهم مهتدون وإنهم وجدوا آباءهم على أمة وإن ما وجدوهم عليه هدى، فقالوا: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) أي على دين وإنا على آثارهم مهتدون كهديهم، فلما دعاهم زعموا أنهم على هدى، وهذا أبين تناسب.
وأما الآية الثانية فحكاية أقوال قرون مختلفة، وقد ذكر تعالى من قول بعضهم: (قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ) (الأنبياء: ٥٣)، وفي موضع آخر: (كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) (الشعراء: ٧٤)، فهذا اتباع مجرد عن ادعاء كونه هدى أو غير هدى، فهو اعتراف بتقليد واتباع تعظيم لفعل آباهم من غير ادعاء شبهة، فلم يكن ليطابق هذا إلا الوارد في قوله تعالى عنهم: (وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)، فجاء كل على ما يناسب، والله أعلم.
*******
стр. 435
سورة الجاثية
الآية الأولى منها - قوله تعالى: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (الجاثية: ٣ - ٥)، للسائل أن يسأل عن وجه اختصاص كل آية من هذه الثلاث بما به خصت خواتمها من صفات المعتبرين بها، فقيل في الأولى: (لِلْمُؤْمِنِينَ)، وفي الثانية: (لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)، وفي الثالثة: (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن خلق السماوات والأرض للمعتبر المنصف كاف في التصديق بحدوثهما وافتقارهما من حيث إن وجودهما أو عدمهما من قبيل الجائز، والتخصيص بأحد الجائزين لا يكون إلا بمخصص مقتض هذا الجائز الواقع، ثم ذلك المخصص لا يكون مماثلاً وإلا لافتقر إلى مخصص، وذلك مؤد إلى التسلسل وهو محال، وأيضاً فليس أحد المتماثلين في إيجاب حكم المماصلة بأولى مما يوجبه الآخر، وهذا كله محال، فلابد من صناع متعال عنه شبه المصنوع، منزه عن المماثل والنظير وسمات الحدوث، متصف بالكمال لكمال المصنوع وإتقانه، متصف بالعلم والقدرة والإرادة، إلى ما هو سبحانه أهله، وإذا حصل الاعتراف بالصانع علم المعترف بما ذكرنا أنه تعالى قادر على خلق ما يشاء، وإلى هذا أشار قوله تعالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) (يس: ٨١)، فمن اعتبر بالسماوات والأرض أو بخلقهما إذ يمكن في قوله: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أن يؤخذ على (أن) لا مضاف محذوفاً، وأن يكون على حذف المضاف، أي إن في خلق السماوات والأرض، وطريقة الاعتبار واحدة على التقديرين لمن اعتبروا، فمن اعتبر وأنصف آمن، قال تعالى: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الجاثية: ٣)، فحصل لهم الإيمان، فوسموا قبل حصوله بما يؤوله أمرهم - إذا اعتبروا - إليه، فهو من قبيل التسمية بالمآل، ومنه قوله تعالى: (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا) (يوسف: ٣٦).
ثم قال تعالى: (وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (الجاثية: ٤)، والمراد أن المعتبر بالسماوات والأرض إذا حسن اعتباره وأنصف من نفسه حصل له الإيمان بالصانع سبحانه، فإذا أضاف إلى ذلك الاعتبار بخلق الإنسان وتطوره في الأرحام من حال النطفة، إلى حال العلقة، إلى حال المضغة، إلى حال العظام وكسوتها باللحم، إلى الإبراز
стр. 436
إلى عالم الشهادة بشراً سوياً محكماً متناسب الأعضاء تام الخلق، إلى تدريجه بعد هذا، وكل ذلك من غير توقف شيء من صفاته وخواصه على اختيار أب أو أم، إلى اختلاف الألسنة والألوان والصور إلى ما يتعلق بذلك، واعتبر بخلق الحيوانات وما بث سبحانه في الأرض برها وبحرها من ذلك، وركون كل ذي شكل إلى شكله، وقيام أغذية الجميع بما يصلح لهم، وتسخير المسخر منها للآدمي وإيناسه، وتوحش المتوحش، وإجراء الجميع على اختلاف الأحوال في ذلك، ففي الاعتبار بذلك كله ما يثمر للمؤمن اليقين ويرقيه إلى أعالي درجات المتقين. ثم إذا اعتبر بما أشارت إليه الآية الثاثة، من اختلاف الليل والنهار، وتهيئة الليل للسكون والاستراحى والنهار للتصريف في المعاش والحاجات، وتداولهما كالمتعاوضين في الطول والقصر، وإيلاج أحدهما في الآخر إيلاجاً خفياً حتى لا يدخل أحدهما على الآخر دفعة فيضر (بأبصار) الحيوان، إلى ما يتعلق بهذا ويرجع إليه، فمن أحكم تدبر ذلك واعتبر به، واعتبر جري الرياح ومنافعخا من سوقها للسحاب والأمطار وإحياء الأرض بالماء النازل منها بعد موت الأرض وإخراجها ضروب النبات لانتعاش الحيوان ومصالحه، فإذا اعتبر المؤمن الموقن بهذا أعقبه ثبات يقينه وتمكن دينه فآمن وأيقن وعقل عن ربه، فانتفت الشبهات، وأفصحت بالبراهين الآيات، قال تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) (العنكبوت: ٤٣).
فتأمل كيف جعل سبحانه تعقل الأمثال موقفاً على العالمين، وإنما تحصل لهم الاتصاف بأن كانوا عاللمين بما منحوه كم كمال عقولهم، فتبين التدريج الوارد في الآيات، وأنه لا يلائم آية منها ما ختم به غيرها، بل كان كل ختام من الأوصاف الثلاثة لا يليق بغير موضعه، وتأمل آية البقرة وهي قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ) إلى قوله: (لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة: ١٦٤) فأجمعت آية البقرة ما وقع في هذه الآيات الثلاث من سورة الجاثية منسوقاً ذلك بعضه على بعض غير مستأنف الابتداء للاعتبار به كما ورد في هذه الآي، بل ورد مجموعة في آية واحدة، كيف ختم ذلك بقوله: (لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) كما ختمت هذه الآي الثلاث بقوله: (لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) إعلاماً بشرف العقل الذي به - بإذن الله - يحصل الإيمان ثم اليقين ثم الثبات المحصل للكمال بحصول العلم الحاصر لذلك كله.
سورة الأحقاف، قد تقدم ما فيها
*******
стр. 437
سورة القتال
الآية الأولى منها: غ - قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) (محمد: ٩)، وفيما بعد من هذه السورة: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) (محمد: ٢٦)، للسائل أن يسأل عن وجه ورود (أنزل) في الأولى وفي الثانية (نزّل) مضعفاً؟
والجواب، والله أعلم: أن ذلك مفهوم مما تقدم في (أول) سورة آل عمران باعتبار ما يخص هذه السورة، وهو أن المتقدم من أول هذه السورة إلى قوله بعد الآية المتكلم فيها: (وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ) (محمد: ١١) يقصد ممن تضمنته هذه الآي من الكفار غير مشركي العرب من قريش وغيرهم، ولا شك أن كفرهم منسحب على كل المنزل من القرآن وما تقدم نزوله من التوارة وغيرها من الكتب، فلم يكن ليلائم ذلك عبارة نزّل المبينة عن تنجيم المنزّل، ولم ينزّل كذلك غير القرآن، وهم ينكرون كل الكتاب المنزلة ويكرهونها فقيل هنا: (كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ).
أما الآية الثانية فالمراد بها ذوو النفاق والمرتدون على أدبارهم، ويبين ذلك ما تقدمها من قوله تعالى: (رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) (محمد: ٢٠)، وهؤلاء هم المنافقون، ولم يقع فيما بعد عدول عنهم إلى قوله: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ) (محمد: ٢٥) وإنما هؤلاء قوم كفروا بعد؟ إسلامهم، وهم القائلون بمقتضى نفاقهم وما أبطنوه من الكفر لغيرهم (سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) (محمد: ٢٦)، ولهؤلاء اطلاع على المنزّل من القرآن وخصوص كراهية له، وهي المهيجة لنفاقهم، فهو الذي كرهوه حقيقة فقيل هنا: (كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّه) بلفظ التضعيف إذ الإشارة إلى القرآن، وهذه صفته أعني ما يشيير إليه التضعيف من التنجيم في النزول، فكل من الموضعين وارد على أنسب نظام وأتمه.
الآية الثانية: غ - قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا) (محمد: ٢٠)، (ثم قال): (فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ)، فورد الفعل ألولاً مضاعفاً وثانياً غير مضعف؟
ووجه ذلك، والله أعلم: أن المؤمنين هم الذين يودون نزول السورة، وطلبهم
стр. 438
نزلوها إنما هو على ما اعتادوه جارياً في غيرها من التنجيم وتفصيل النزول، فالملائم هنا عبارة التضعيف. وقوله: (فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ) إنما المراد تحصيلها بجملتها بعدكمالها وذلك مفهوم من سياق الكلام، والملائم - لما تحصّل وتم - عبارة الإنزال من غير تضعيف. فكل من الموضعين وارد على أنسب نظم، والعكس غير ملائم، والله أعلم.
*****
стр. 439
سورة الفتح
الآية الأولى منها - قوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (الفتح: ٤)، ثم قال بعد: (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (الفتح: ٧)، للسائل أن يسأل عن تعقيب جنود السماوات في الآية الأولى بقوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) وتعقيب الثانية بقوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن الآية الثانية لما تقدمها قوله تعالى: (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا * وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (الفتح: ٥ - ٦)، ناسب هذا المتقدم، من فعله تعالى بالفريقين، من مجازاة المؤمنين بالنعيم المقيم، وتعذيب المنافقين وغضبه عليهم ولعنهم وإعداده لهم جنهم، وَصفُه تعالى بالعزة ليعلم أنه سبحانه لا مغالب له وأن الكل تحت قهره، إذ لعزته يفعل في الكل ما يريده وما تقتضيه حكمته، إذ هو العزيز في ملكه الحكيم في أفعاله.
ولما لم يتقدم لاآية المتقدمة ما يقتضي القصر كهذه، وإنما قبلها قوله سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ) (الفتح: ٤)، وهذا تعريف بإنعامه سبحانه ورحمته، فأعلم سبحانه أنه العليم بمن يرحمه، كما قال تعالى: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ) (الإسراء: ٥٤)، وقال تعالى: (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل: ١٢٥)، وقال تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام: ١٢٤)، وجاء كل من الآيتين على ما يجب، والله أعلم.
الآية الثانية: غ - قوله تعالى: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا) (الفتح: ١١)، وفيما بعد منها: (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ) (الفتح: ١٥)، ففي الآية الأولى إفراده، ﵇، بخطابهم له في قوله تعالى افصاحاً بحرف الخطاب: (لك) ولم يرد ذلك في الثانية؟
стр. 440
ووجه ذلك أن المخبر عنهم من المخلفين طلبوا منه ﷺ الاستغفار لهم لتخلفهم عنه، وأفردوه بخطابهم إذ ليس ذلك من مطلوبهم لغيره فوردت العبارة عن ذلك بإفراد الخطاب. وأعلم تعالى نبيه ﷺ بنفاقهم وكذبهم في اعتذارهم فقال تعالى: (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) (الفتح: ١١).
وأما الآية الثانية فليس قولهم: (ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ) خطاباً خاصاً له ﷺ ، بل هو خطاب له وللمؤمنين، والسياق يفصح بذلك، وما أمره به، ﵇، من مجاوبتهم في قوله لهم: (لن تتبعونا) فلم يرد هنا إفراده ﷺ بخطابهم له كما ورد في الأولى، وجاء كل على ما يناسب.
فإن قيل: إن خطابهم له خاص كالأول ولكن خاطبوه مخاطبة التعظيم بقولهم: (ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ)، قلت: وعلى (فرض) هذا فمراعاة الألفاظ في التعظيم أكيدة جداً وبها إحرازه، وعلى هذا لايلائم هنا الخطاب كيف ما قدر إلا بصورة ما للجميع، والله أعلم بما أرد.
الآية الثالثة من سورة الفتح - قوله تعالى: (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (الفتح: ١١)، ثم قال فيما بعد: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) (الفتح: ٢٤)، للسائل أن يسأل عن وجه اختلاف الوصفين الواقع بهما ختام الآيتين وهما (خبير) في الأولى و (بصير) في الثانية؟
والجواب عنه: أنه قد تقدم قبل الآية الأولى قوله تعالى: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) (الفتح: ١١) فناسب هذا وصفه تعالى بالخبير لأن الخبير هو العليم بما خفي وبطن، فتأمل مناسبة هذا لقوله: (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ).
وأما الآية الثانية فتقدمها قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ) (الفتح: ٢٤) وليس في هذا إبطان شيء أظهر خلافه، فكان إيراد وصفه سبحانه ببصير أنسب، وورد كل على ما يجب.
********
سورة الحجرات، قد تقدم ما فيها
********
стр. 441
سورة ق
قوله تعالى: (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ) (ق: ٢٢ - ٢٤)، ثم قال بعد هذا: (الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) (ق: ٢٦ - ٢٧).
يسأل عن ثبوت واو العطف في قوله أولاً: (وَقَالَ قَرِينُهُ) ولم يثبت الواو في الآيةالثانية؟
والجواب عن ذلك: أن الآية معطوفة على ما قبلها من آيات هي إخبار عما يلقاه الإنسان المتقدم ذكره من الأهوال والشدائد في المواقف الأخراوية وما بين يديها، أولها قوله: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) (ق: ١٩)، ثم قال: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) (ق: ٢٠ - ٢١)، ثم قال: (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) (ق: ٢٣)، فهذه إخبارات عن شدائد بعضها تلو بعض، فطابق ذلك ورود بعضها معطوفاً على بعض. وأما قوله: (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ) فهو إخبار مبتدأ مستأنف معرف بتبرّئ قرينه من جملة ما تأبطه واجترحه، ولا طريق لعطف ذلك على ما قبله، إنما هو استئناف إخبار، فورد كل من الآيتين على ما يجب ويناسب.
******
стр. 442
سورة الذاريات
الآية الأولى منها: غ - قوله تعالى: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ) (الذاريات: ٥ - ٦)، وفي الطور: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ) (الطور: ٧ - ٨)، وفي المرسلات: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ) (المرسلات: ٧)، للسائل أن يسأل عن موجب اختلاف العبارة عما وقع القسم عليه؟ وما جُووب به مع أن المراد بذلك كله الجزاء الأخراوي؟
والجواب، والله أعلم: أن سورة الذاريات تقدمها في سورة ق إخباره سبحانه بالعودة الأخراوية وإقامة البرهان على ذلك لمن وفق لاعتباره فقال تعالى: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ)، إلى قوله: (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) (ق: ٦ - ١١)، ثم أعقب بذكر مكذبي الأمم وما حق عليهم من الوعيد الأخراوي بعد أخذ كل منهم في الدنيا بذنبه، ثم استمرت آي هذه السورة على هذا المنهج من ذكر البعث وحصر أعمال المكلفين وكتبها عليهم، مع علمه سبحانه بما توسوس به نفوسهم ووقوع الجزاء على ذلك، غفلة المكذب عن ذلك كله حتى يكشف له الغطاء فيشاهد ما لم يكن يحتسبه، أعقب بإزلاف الجنة للمتقين ووصفهم بما منحهم ووعدهم عليه، ثم أعقب بأمر نبيه ﷺ بالصبر والتزام ما أمره به، وأن يذكّر بالقرآن المستجيبين الخائفين وعيده سبحانه، فلما اشتملت السورة على أوعاد وجزاء أعقبت بالقسم على ذلك، من صدق وعده سبحانه ووعيده، ووقوع الحساب على الأعمال، فقال تعالى: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) (الذاريات: ١) إلى قوله: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ) (الذاريات: ٥ - ٦)، وتناسب النظم في ذلك كله أبين تناسب.
أما سورة الطور فالقسم فيها مرتبط بما أتصل به ووقع عليه القسم من قوله تعالى خاتمة سورة الذاريات: (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) (الذاريات: ٥٩ - ٦٠) فأتبع قسماً على هذا بقوله: (وَالطُّورِ) (الطور: ١) إلى قوله: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ *مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ) (الطور: ٧ - ٨).
وأما قوله في سورة المرسلات: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ) فمرتبط بما بنيت عليه سورة الإنسان، فإنها بجملتها درات آياتها وجرت على ما به ختمت من قوله تعالى: (يُدْخِلُ مَنْ
стр. 443
يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (الإنسان: ٣١)، فتحصل مجرد وعد ووعيد، ولم تخرج السورة عن ذكر الفريقين ممن وعد وتوعد، فناسب ذلك قوله تعالى جواباً للقسم: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ) فجاء كل من المواضع الثلاثة على ما يناسب، ولا يلائم النظم في ثلاثتها غير ما ورد عليه، والله أعلم.
الآية الثانية - قوله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) (الذاريات: ١٥ - ١٧) إلى قوله (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) (الذاريات: ٢٣)، وفي سورة الطور: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ) (الطور: ١٧) إلى قوله: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الطور: ١٩). للسائل أن يسأل عن وجه اختلاف الإخبار عن أهل الجنة في هاتين السورتين؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن هاتين السورتين اتحدتا في القصد من وعيد كفار قريش والعرب ذوي العناد والتكذيب والإخبار بجزائهم الأخراوي، فعلى هذا مبنى السورتين، ولهذا افتتحتا بالقسم على ذلك كما تقدم، والموعود به فيهما جزاء فريقي السعادة والشقاء، وإليه الإشارة بقوله: (وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ)، وهو حساب الكل وجزاؤهم بما سلف من جميعهم من خير أو شر. فلم يكن بد من ذكر أهل النعيم ذوي الاستجابة والتصديق للرسل، والإخبار بحال الفريقين على ما هو الجاري المطرد في الكتاب العزيز، أعني أنه إذا ذكر حال المكذبين أتبع بحال المصدقين، أو ذكر حال ذوي الاستجابة والتصديق) بحال من كان على الضد منهم، وهذا قانون مطرد، فلمجموع هذين: من أن الكل هم المرادون بمقتضى قوله تعالى: ((إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ) (الذاريات: ٥ - ٦)، وأنه إذا ذكر أحد الفريقين أتبع بذكر الفريق الآخر، فلهذا ما ذكر فريق المتقين وجزاؤهم مع أن مبتى السورتين على ما ذكر، فبدئ فيهما بذكر حال المعاندين، وبذلك ختمت كل سورة منهما، ثم ذكر بعد المبدو به في السورتين حال المتقين، ونص في السورة الأولى على أسنى أعمالهم وأجل ملتزماتهم المستتبعة لما (سواها) من سائر أعمالهم المترتب عليها جزاؤهم فقال تعالى: (آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (الذاريات: ١٦ - ١٩)، فذكرهم الله تعالى بالإحسان، وقيام الليل، والاستغفار بالأسحار، والمساهمة في أموالهم للسائل والمحروم، وكأن هذه أمهات اقتصر منا عليها، وأمعن في الثانية بذكر الجزاء وضروب النعم. في مجموع السورتين الوفاء بذكر أعمالهم وجزائهم فقيل في الأولى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ) (الذاريات: ١٥ - ١٦) فهذا
стр. 444
من ذكر جزائهم الموفى في الثانية معظمه في قوله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ) (الطور: ١٧) في آيات إلى قوله: (إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) (الطور: ٢٨)، وحصل في هذا استيفاء كثير من جزائهم. وفي السورة قبل ما عليه يترتب ذلك من أعمالهم، فارتبطت الآيتان، (وتبين) أنه لا اختلاف بينهما. وفي ختم كل واحدة من السورتين بمثل ما به بدئت إشعار ببنائهما على (كل) ما قدمنا من وعيد من ذكر، وأن ما ذكر فيهما من حال أهل الجنة أعمالاً وجزاء فلما قدم ذكره من الارتباط بين الجزاءين في آي الوعد والوعيد متى ذكر أحدهما، والله أعلم بما أراد.
الآية الثالثة - وهي من تمام ما قبلها - وذلك قوله تعالى: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (الذاريات: ١٩)، وفي سورة الحج: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (المعارج: ٢٤ - ٢٥)، يسأل عن وجه زيادة الصفة في سورة المعارج من قوله: (معلوم) وسقوط ذلك في الذاريات؟ وهل كان يناسب عكس الوارد؟
والجواب، والله أعلم: أن آية المعارج قد تقدمها متصلاً بها قوله تعالى: (إِلَّا الْمُصَلِّينَ) (المعارج: ٢٢)، والمراد بالصلاة هنا المكتوبة، وأيضاً يقرن بها في آي الكتاب الزكاة المفروضة، وبها فسر المفسرون الحق المعلوم في آية المعارج. قال الزمخشري لنها مقدرة ملعومة. قلت: وليس في المال حق مقدر معلوم وقتاً ونصاباً ووجوباً غيرها، فلما أريد بالحق هنا الزكاة أتبع بوصف يححرز المقصود، ولما قصد في آية الذاريات غير هذا المقصد بدليل ما تقدمها من قوله تعالى: (آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذاريات: ١٦ - ١٨)، فوصف هؤلاء بطول صلاتهم وتهجدهم ومداومتهم الاستغفار في الأسحار، فذكروا بزيادة من التطوع والنفل على ما فرض عليهم و (من الزيادة في أعمالهم على ما فرض عليهم) مما يعد تاركه إذا تركه مهملاً، (فناسب هذا) الإطلاق الوارد في إنفاقهم ليفهم الزيادة على ما فرض عليهم من الزكاة المقدرة، ولم يكن ليناسب هنا الإشارة إلى قدر المنفوق كما في سورة المعارج، ولم يكن عكس الوارد ليناسب، فورد كل على ما يجب، والله أعلم.
الآية الرابعة قوله تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الذاريات: ٥٠ - ٥١)، للسائل أن يسأل عن وجه تكرر قوله تعالى: (إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ)؟ وعن الإنذارين: في التوجه له سبحانه في كل المطلوبات وعتماد تلقي كل من عنده، ومن أن يشرك به سبحانه أو يعبد معه سواه؟ فعلى
стр. 445
هذين الضربين ورد التحذير والإنذار، وهما الواردان في قوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) (النساء: ٣٦)، فأمر سبحانه بعبادته وأن لا يعبد معه غيره.
والجواب: أنه سبحانه لما قدم من المعتبرات الدالة على وجوده تعالى، وانفراده بالإيجاد والخلق ما قدم في السورة قبلها من قوله: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ) (ق: ٦) إلى قوله: (تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) (ق: ٨)، ثم قال: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا) (ق: ٩) إلى قوله: (رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) (ق: ١١)، ثم ذكر تعالى أخذه للمذكبين من القرون السالفة فقال: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ) (ق: ١٢) إلى قوله: (فَحَقَّ وَعِيدِ) (ق: ١٤)، ثم ذكر تعالى أنه خلق الإنسان، وعلمه تعالى بما توسوس به نفسه، وقربه تعالى منه قرب العلم والإحاطة لا قرب المكانية والمسافة، ثم ذكر إحصاء الحفظة على المكلفين ولزومهم إلى موت الإنسان وبعثه، ومجيء كل نفس في القايمة معها سائق وشهيد، ولم يقع عدول عن هذه الإنذارات والإخبارات الأخراوية والاعتبارات الجلية إلى قوله تعالى (إعلاماً) لنبيه ﷺ بمقال المدعويين وأمرا له بتذكيرهم بالقرآن فقال: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) (ق: ٤٥)، ثم أقسم تعالى على صدق تلك المواعد والإخبارات فقال تعالى: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) (الذاريات: ١) إلى قوله: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ) (الذاريات: ٥ - ٦)، ثم سؤالهم عن يوم الحساب سؤال استهزاء واستعجال تكذيب فقال: (يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ) (الذارات: ١٢)، إلى ذكر حالهم وحال المتقين، والإشارة إلى جزاء الفريقين، ثم أعقب بذكر الآيات في الأرض وفي أنفسنا وأن رزق العباد وما يوعدون في السماء، وأقسم تعالى على ذلك بقوله: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) (الذاريات: ٢٣)، ثم اعترض سبحانه بذكر ضيق إبراهيم وقصتهم، ثم عطف على التذكار والتنبيه المتقدم في قوله: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ)، وقال: (وَفِي مُوسَى ... ) (الذاريات: ٣٨)، فذكر إرساله، وأخذ فرعون وجنوده بتكذيبهم، ثم ذكر عاداً وأخذها، وثمود، وقوم نوح، واقتصر على ذكر تكذيبهم وأخذهم نبيهاً بأوالهم مرتبطاً بأول التنبيه بقوله: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) (ق: ٦ - ٨)، وارتبط أول التنبيه بآخره معقباً بقوله: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ) (الذاريات: ٤٧ - ٤٨)، فهذا من تمام قوله: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ ... ) (ق: ٦). وقد ورد أثناء ذلك قوله
стр. 446
فيمن أشرك به سبحانه قوله: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ) (ق: ٢٤ - ٢٥) إلى قوله: (فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ) (ق: ٢٦)، فلما حصل التنبيه بعدة آيات وأوضح بينات على انفراده سبحانه، وحصل ذكر من أشرك به، واتصل ذلك ولم ينقطع بعضه من بع، أعقب بقوله: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) (الذاريات: ٥٠) المنفرد بخلقكم وإيجادكم، والمنعم عليكم بما أنعم من واضح الأدلة عليه سبحانه: (إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الذاريات: ٥٠) أي من عذابه وأخذه كما فعل بمن كذب قبلكم، مبين بما أوضح لكم من البراهين (وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الذاريات: ٥١)، فقد تبين ارتباط كل من الآيتين بما تقدم، وأن الثانية مؤكدة للأولى. وورد ذلك على أتم مناسبة، والله أعلم بما أراد.
*****
стр. 447
سورة الطور
الآية الأولى منها: غ - قوله تعالى: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ) (الطور: ٢٤)، وفي سورة الواقعة: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ) (الواقعة: ١٧ - ١٨)، وفي سورة الإنسان: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا) (الإنسان: ١٩)، فورد في سورة الطور: (غِلْمَانٌ لَهُمْ) وفي السورتين: (وِلْدَانٌ) والمراد في السور الثلاث الخدام. للسائل أن يسأل عن الموجب لتخصيص كل آية بما ورد فيها؟
والجواب، والله أعلم: يترتب على تمهيد، وهو أن الغلام هو الطار الشارب، وقيل باستصحابه هذا الاسم إلى أن يشيب، والجمع غلمان. وأما الوليد فاسم للمولود حين يولد، وهو فعيل وهي بنيه مبالغة، وفائدتها هنا استحكام الصغر، وجمعه ولدان، وعلى هذا لايرادف أحد الاسمين الآخر. فإن ورد أحدهما في موضع الآخر فعلى المجاز والتوسع، والأصل ما مهد. وإذا تقرر هذا فوجه ورود الغلمان في سورة الطور - والله أعلم - مناسبة اللفظ باتساع مواقعه في أحد القولين وهي استصحاب اسم الغلومية إلى المشيب، أو لاحتياج التوسع فيما يطوفون به ويستخدمون فيه بحسب أسنانهم لمن تقدم من صنفي المخدومين وهم الآباء والأبناء في قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) (الطور: ٢١)، فذُكر هنا الآباء الداخلون الجنة مجازاة على أعمالهم، والأبناء من الذرية ممن لم يبلغ سن التكليف فدخل الجنة بغير عمل، فناسب الاتساع.
وأما آية الواقعة فلم يقع فيها ذكر الاتباع فناسب ذلك ذكر الولدان الذيم لا تحتمل أسنانهم خدمة الغلمان، فناسب الاقتصار الاقتصار والتوسع التوسع، ووضح أن العكس لا يناسب، والله أعلم.
ووصَفَ الولدان بقوله: (مُخَلَّدُونَ) إعلامماً بأنهم باقون على مقتضى سن الوليدية لا تتغير أحوالهم عن ذلك، وإلا فالخلود الأخراوي عام (الهم) ولغيرهم.
وجواب ثان: وهو أنه لما ذكرت الذرية في سورة الطور بما كان يوهم ذكرهم من حيث دخولهم الجنة بغير عمل أنهم فيها خدام لمن اتبعوه بين قوله تعالى: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ
стр. 448
غِلْمَانٌ لَهُمْ) (الطور: ٢٤) أن الكل من تابع ومتبوع مخدومون، وقيل: (لهم) باللام المقتضية الملك مع كون الضمير في لهم للكل من متبوع وتابع إشعاراً لأنهم ملكهم غلمان لهم، يتصرفون في كل بما يؤمرون به وينهون عنه، ولما لم (يقع) في سورة الواقعة وسورة الإنسان ذكر الأتباع من الذرية لم يرد فيهما إلا اسم الولدان، وهم في الخدمة بمقتضى أسنانهم دون الغلمان، وتناسب هذا، والله أعلم.
الآية الثانية من سورة الطور - قوله تعالى: (أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ) (الطور: ٤١ - ٤٢)، وفي سورة القلم: (أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ) (القلم: ٤٧ - ٤٨)، للسائل أن يسأل عن وجه تعقيب هذه الآية في السورتين بما ورد فيهما؟ ووجه المناسبة في ذلك؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أنه جل وتعالى أرغم معاندي رسول الله ﷺ ، وقطع تعلقهم، وأوضح عجزهم، وأوقفهم على قبيح تكذيبهم وشنيع مرتكبهم في بضع وعشرين آية من سورة الطور وسورة القلم، وفي سورة الطور أكثرها، وباقيها في سورة القلم، وتصل محصوراً فيها كل متعلق بمجادلتهم ظناً أو توهماً، وقدم ذلك في السورتين حال المتقين وما منحوه، على تفصيل في سورة الطور واستيفاء يناسب ما فصل أيضاً من حال المعاندين في متعلقاتهم، وإيجاز في سورة القلم يناسب الوارد فيها من ذلك التعلق، مكتفي من ذلك في (وصف) المتقين بقوله تعالى: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ) (القلم: ٣٤). فلما تقعد في السورتين حال المتقين أعقب بتوبيخ من ارتكب ضد حالهم، فبدأ سبحانه في سورة الطور بقوله لنبيه ﷺ أمراً له باستمراره على الدعاء (إلى ربه): (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ) (الطور: ٢٩)، فنفي عنه ما نسبوه إليه ﷺ بهاتين، وقد علموا براءته من ذلك واعترفوا به في الخبر الصحيح بل كانوا يعلمون صدقة قال تعالى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (الأنعام: ٣٣)، فهذا إخبار منه سبحانه بمعتقدهم فيه، ولكنهم كانوا يرون أن رميه بالتكهن والجنون كأنه مخيل في توقفهم عن تصديقة واتباعه لذلك أكد سبحانه نفي ذلك عنه بالقسم في السورتين فقال (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ) (الطور: ٢٩)، وهذا في قوة القسم الصريح، وقال في سورة القلم مفصحاً بذلك: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) (القلم: ١ - ٢)، ثم كرر ذلك توبيخاً لقائله فقال: (وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) (القلم: ٥١)، ولم يتكرر في السورتين مفصحاً به من الصادر عنهم فيما كانوا يرمونه به غير صفة الجنون، ثم
стр. 449
قال تعالى قاطعاً بهم في احتجاجهم (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ) (الطور: ٣٠)، وقد عرفوا أن ما جادلهم به ليس بشعر، ثم قال تعالى: (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا) (الطور: ٣٢)، ومن المعلوم الذي قد علموه هم أن عقولهم لا ترجع ذلك من مقالهم فكيف تأمرهم به؟ ثم قال: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ) (الطور: ٣٣) أي فإن قالوا - فليأتوا بمثله وعجزهم عن ذلك قاطع هذا التعليق، ثم قال: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) (الطور: ٣٥)، وقد كذبوا أنفسهم بهذا واعترفوا بخلق الله تعالى إياهم: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (الزخرف: ٨٧)، ثم قال: (أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (الطور: ٣٥) (أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) (الطور: ٣٦)، وقد أخبر تعالى عنهم بقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (لقمان: ٢٥) فلا تعلق لهم بشيء من هذه المرتكبات لتكذيبهم أنفسهم وكل ما يقدر أن يتعلقوا به من المذكور بعد هذا من قوله: (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ) (الطور: ٣٧) إلى قوله: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ) (الطور: ٤٠) لا توقف في اضحلال تعلقهم به، فلم يبق بعد وضوح الحق إلا الضلال ولما بلغ المتقرر من رد متعلقاتهم الغاية في قطع كل متوهم من متوهماتهم المفروضة قال تعالى: (أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ) (الطور: ٤١)، وهذا آخر ما يتوهم متعلقاً لهم وإن لم يقولوه، فلم يبق لهم إلا أعمال المكيدة فأخبر تعالى أنهم: (هُمُ الْمَكِيدُونَ) (الطور: ٤٢) (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) (القمر: ٤٥)، فقد وضح وجه تعقيب آي سورة الطور بهذه الآية.
ولما كمل في سورة (نوالقلم) ذكر كل ما يمكن تعلقهم به، واستوفي ما قد وقع منهم وما يشبه ذلك مما لم يقولوه لبعده كادعاء اطلاع الغيب واستراق السمع، وادعاء خلق السماوات والأرض، وإيجادهم من غير صانع مريد مختار قادر، أو أن خزائنه سبحانه عندهم، فلما لم يبق ما يتوهم إمكان تصوره، وانقطع تعلقهم، وتبين أن توقفهموامتناعهم عناد بّين، قال لنبيه ﷺ : (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) (القلم: ٥١)، فأرغمهم وفضحهم وأعقب الآية من قوله: (أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ) (القلم: ٤٧) في سورة القلم بالأمر بالصبر لكمال ما قصد من قطعهم بكل جهة واستيضاح تمردهم من بعد ما تبين لهم الحق إلا الصبر عليهم حتى يحكم الله فيهم بما شاء، وقال له تحذيراً من أنن تدركه السآمة والضجر: (وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ) (القلم: ٤٨) وبان أيضاً وجه هذا التعقيب.
ولما كانت سورة الطور متقدمة في الترتيب المستقر، وورد بعدها في سورة القلم ما
стр. 450
هو راجع إلى الوارد في الطور ومن تمامه أعقبت الآية هناك بقوله: (أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا) (الطور: ٤٢)، وأعلم تعالى نبيه ﷺ أن كيدهم راجع عليهم، وأن ما راموه حال بهم: (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) (الطارق: ١٧) تأنيساً له، ﵇، وإعلاماً أن العاقبة له، وأنه سيستجيبُ له غيرهم ممن سبقت له الحسنى فأناب وتذكر، قال تعالى: (وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) (القلم: ٥٢)، وجاء كل على ما يجب ويناسب، والله أعلم.
*****
стр. 451
سورة النجم
الآية الأولى منها - قوله تعالى: (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ) (النجم: ٢٢ - ٢٣)، وقال بعدها: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (النجم: ٢٧ - ٢٨)، للسائل أن يسأل عن تعقيب قوله أولاً: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) بقوله: (وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ) وثانياً بقوله: (وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)؟ وما الفائدة من تقديم ما قدم وتأخير ما أخر؟ وهل كان العكس مناسب؟
والجواب، والله أعلم: أنه لما قال تعالى قبل هذا: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى) (النجم: ١٩ - ٢٠) فذكر أصنامهم وتسميتهم إياها آلهة واتخاذها معبودات، وذكر تعالى في مواضع أخر أنهم جعلوا الملائكة إناثاً) (الزخرف: ١٩) وأنهم بنات الله .. قال تعالى: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ) (النحل: ٧٥)، وكرهوا البنات لأنفسهم وإليه الإشارة بقوله: (وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ) (النحل: ٧٥) (أي وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون)، قال تعالى مخاطباً نبيه صلى اله عليه وسلم ومعلماً بحالهم وتوبيخاً لهم (وتقريعاً) (مع) إبقاء أعظم التلطف وأجل الحلم: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى) (النجم: ٢١ - ٢٢) أي جائزة، ثم عرفهم بما لا جواب لهم عليه وأنه مرتكب لا مستند له فقال: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) (النجم: ٢٣) إلا اتباع ظن وهوى: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ) (النجم: ٢٣)، ثم نبه تعالى على الرحمة بما جاءهم به نبيه ﷺ فقال: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى) (النجم: ٢٣)، وعرفهم بما تشهد العقول بتصديقه لإدراك ذلك إدراكاً ضرورياً فقال تعالى: (أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى) (النجم: ٢٤) أي الجاري في الوجود أن الإنسان قد يتمنى الشيء فلا يدركه إذا لم يقدر له وقد يجيئه ما لا يريده لا بحسب تمنى المتمني منكم إلا أن شاء ذلك، ثم أخبر تعالى عن الملائكة وأشار إلى علىّ أقدارهم فقال: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي
стр. 452
شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) (النجم: ٢٦)، فقطع تعالى بهم (في قولهم) في آلهتهم (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (الزمر: ٣)، ثم صرف تعالى الخطاب إلى نبيه ﷺ فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ) (النجم: ٢٧)، ولم يقل له: إن قومك، أو (إن) العرب، أو ما يحرز هذا المعنى، وإبقاء عليهم، وأخبر أنهم لا علم عندهم ((إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) (النجم: ٢٧)، ثم قال: (وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (النجم: ٢٨)، فهذا موضع قوله: (وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) وأما الموضع الأول فموضع ذكر اتباعهم أهواءهم، لما أوضح تعالى (لهم) أن ليس للإنسان ما يتمناه فبضل هوى الأنفس ولم يبق إلا مجرد ظن، أخبر تعالى أن الظن لا يغني من الحق شيئاً. فتناسب هذا كله، وتبين أن كلاً من المعقب (به) في الموضعين لا يصح في غير موضعه، ولا يمكن العكس، والله أعلم.
*****
стр. 453
سورة القمر
قوله تعالى: (كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر: ١٨ - ٢٢)، للسائل أن يسأل عن تكرر قوله تعالى (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) في قصة عاد مرتين ولم يقع في قصة قوم نوح وقصة ثمود بعد إلا مرة واحدة فما وجه تكرار ذلك في قصة عاد مرتين؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن عاداً لما كذبوا هوداً، ﵇، امتحنوا بالقحط ثلاث سنين، واشتد الأمر عليهم حتى بعثوا وجوههم إلى مكة ليستسقوا لهم، وقد اشتد الأمر عليهم، وهذا أشد تخويف لو وفقوا للتذكر، وقد خوف بذك آل فرعون قال تعالى (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (الأعراف: ١٣٠)، فخوفت بذلك عاد، فلما لم يجد ذلك عليهم مع أليم أمتحانهم به أهلكوا بالريح العقيم، فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، فامتحنوا بعذابين، وإنما كان أخذ قوم نوح قبلهم وهلاكهم بالطوفان، ولم يتعرف من الكتاب العزيز أنه تقدمهم قبله أخذ بغيره من ضورب من أهلك به غيرهم، وكذلك ثمود أخذوا بالصيحة، وقوم لوط بالخسف والحجارة، وإنكا تكرر الإمتحان بعد عاد على آل فرعون فأخذوا بضروب من العذاب والامتحان إلى أن أغرق الله آخرهم مع فرعون، وممن أشار الكتاب العزيز إلى تنوع أخذهم قوم شعيب، ولم يقع ذكرهم في هذه السورة، فلما أخذت عاد بالسنين ثم اسؤصلوا بالريح العقيم ورد متكرراً، فأشار قوله أولاً: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) إلى ما قدم لهم من منع المطر وشدة السنين عليهم وما أنذروا به من ذلك، وأشار قوله ثانياً: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) إلى استئصالهم بالريح العقيم، ويجري مع ذكره ويشير إليه قوله تعالى: (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ) (الأعراف: ٧١)، والرجس هنا العذاب ومنه أخذهم بالسنين، وأما الريح العقيم فمن غضبه سبحانه إلى ما يلحقهم منه في الآخرة، قال تعالى: (وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ) (هود: ٦٠)، فتكرر قوله تعالى: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) مرتين مشيراً إلى ما قدم لهم مما باشروه وشاهدوه من العذاب بالسنين وقطه دابرهم واستئصالهم بالريح العقيم وجارياً مع هذا التنويع من امتحانهم في الدنيا والآخرة.
стр. 454
ولما لم يذكر من حال قوم نوح وقوم صالح وقوم لوط مثل هذا التنويع لم يتكرر ما ورد في أعقاب قصصهم من قوله: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ)، وتناسب ذكل كله أتم مناسبة، وجرى مع كل قصة ما يلائمها فإن قيل: فإن آل فرعون قد تكرر عليهم الامتحان قال تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ) (الأعراف: ١٣٠) وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك ولم يقع التنبيه على تعذيبهم وإنذارهم متكرراً كما وقع في قصة عاد؟ فالجواب أن قصة آل فرعون لم يقع تعقيبها بقوله: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) كما ورد في القصص الثلاث، وإذا لم يرد تعقيبها بذلك فقد سقط السؤال عن التكرر، ثم أعقبت بما يحرز امتحانهم بأشد امتحان وهو قوله تعالى (فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ) (القمر: ٤٢). فلما خالف إيرادها تلك القصص ولم يجر في ذلك التعقيب مجراها لم يلزم السؤال المفروض، والله أعلم (بما أراد).
وأما الجواب عن قصة عاد فإنما اختص ما نزل فيها من كتاب الله بذكر عذابين أحدهما قوله تعالى: (لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (فصلت: ١٦) والثاني قوله: (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ) (فصلت: ١٦)، فأشار قوله أولاً: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) إلى عذابهم في الدنيا، وأشار التكرار إلى عذاب الآخرة. وهذا الجواب، والله أعلم: بعيد لأن سورة القمر بأسرها مقصودها تذكير كفار العرب من قريش بغيرهم بما نزل بمن تقدمهم من كذبي الأمم، وإنما ذكروا بحاصل قد وقع بمن سلك مسلكهم ليتعرفوا خبره فيتعظوا، وعلى هذا جرى تذكارهم في الكتاب العزيز، فتارة بما يشاهد من خلق السماوات والأرض وشبه ذلك، وتارة بما يعلم خبراً. أما وعظهم بعذاب الآخرة وهم يكفرون بالرحمن فبعيد ولا يطابق قوله عقب كل قصة: (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) ولا قوله: (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر: ١٥) فتأمله، وهو أعمد جوابي صاحب كتاب الدرة وأراه (لايصلح)، والله أعلم.
******
стр. 455
سورة الرحمن
الآية الأولى منها - قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) (الرحمن: ٧ - ٩)، للسائل أن يسأل عن وجه تكرر (لفظ) الميزان ثلاث مرات؟ ووجه تخصيص السورة بذلك؟
والجواب عن ذلك - والله أعلم - أن المراد بذكر الميزان إعلام العباد بما به قوام أحوالهم واستقامة أديانهم من إجراء أمورهم على العدل الذي أمر سبحانه في قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء: ٥٨)، وفي قوله: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: ٨)، وفي قوله: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات: ٩)، وفي الحديث: إن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة. وتكرر في الكتاب العزيز الوصية بالوفاء في الكيل والوزن المحسوسين لبيان الأمر فيهما فقال تعالى: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ) (الإسراء: ٣٥)، وذك سبحانه من بخس فيهما، وجعل جزاءه الويل والهلاك فقال: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) (المطففين: ١)، وأعلمنا سبحانه بعاقبة (قوم) شعيب، ﵇، في ذلك، وأخذهم بالصيحة وعذاب يوم الظلة، وأعلمنا سبحانه بوزن أعمال العباد يوم القيامة فقال تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا) (الأنبياء: ٤٧)، وتكررت الآيات والأحاديث معلمة بذلك ليشاهد العباد عظيم العدل واستيفاء جزاء الأعمال مرئياً محسوساً جارياً على مألوفهم في دنياهم مشاهداً للصالح والطالح على المعتقد المتقرر عند كافة أهل السنة. فلما كانت الاستقامة في الكيل والوزن مشعرة بالاستقامة فيما سواهما وتأكدا لأنفسهما (ولما وراءهما أكد سبحانه الأمر بذلك، وأخبر بوضعه للخلق فيالقيامة) ليمتثلوا بذلك أمره، فقال تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) (الرحمن: ٧)، وقال مفسراً وآمراً: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) (الرحمن: ٨ - ٩)، و (أن) في قوله: (أَلَّا تَطْغَوْا) يحتمل أن تكون علة أي لئلا تطغوا في الميزان، وأن تكون حرف عبارة وتفسير نائبة مناب أي ومقدرة لها كالواقعة في قوله تعالى: (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا) (ص: ٦)، وكرر لفظ الميزان جرياً على عادة العرب فيما لها به اعتناء وتهمم كقول الخنساء:
стр. 456
وإن صخر لوالينا وسيدنا ... وإن صخراً إذ نشتو لنحار
وإن صخراً لتأتم الحداة به ... كأنه علم في رأسه نار
فكررت ذكر صخر ثلاث مرات ظاهراً غير مضمر، وكقول آخر:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغض الموت ذا الغنى والفقيرا
فكرر لفظ الموت ثلاث مرات في بيت واحد. وقال:
ليت الغراب غداة ينعب دائباً ... كان الغراب مقطع الأوداجِ
وهذا موجود في كلامهم كثيراً إذا قصدوا الاهتمام والاعتناء والتهويل والاستعظام، ومن الوارد في هذا في التنزيل: (الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ) (الحاقة: ١ - ٢) (الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ) (القارعة: ١ - ٢)، وما ورد من هذا. وأما تخصيص هذه السورة بذكر الميزان وأكيده والوصاة بحفظه وفاء والتزاماً - وهو الجواب الثاني - فمن حيث إن بناء السورة على إعلام الثقلين بنعمة سبحانه لديهم، وإقامة الحجة عليهم، وتعريفهم (بأنهم) لو وفقوا للحظ نعمة تعالى وما بث في السماوات والأرض وخلوقاتهما من عجائب صنعه ما كفر منهم أحد ولا كذب، وإنما أتى على من قدم ذكره من الأمم المكذبة في سورة القمر المتصلة بهذه لعدولهم عن النظر السديد اعتماداً على الأهواء ونبذاً للعدل، والإنصاف ولو اعتبروا بخلق الإنسان وما منح وعلم من البيان وشرف به على سائر الحيوان، واعتبروا بآيتي الشمس والقمر وجريهما بحسبان لتفصيل الفصول وربط الأزمان، وتعاقب الملوين للتصرف والاستراحة (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) (الإسراء: ١٢) (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) (يس: ٤٠)، فلو اعتبروا بهذا وما يستدعيه وينجر معه، وبالنبات نجماً وشجراً، ورفع السماء، ووضع الميزان للأنام، إخراج ضورب الأطعمة وأصناف الفواكه منها، واختلاف أنواعها في الطعن واللون والروائح مع اتحاد المادة: (يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) (الرعد: ٤)، وكيف مرج سبحانه البحرين: (هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ) (الفرقان: ٥٣)، وقد حجز سبحانه ما
стр. 457
بينهما وأحكم فلا يلتقيان التقاء يعود بعدم المنفعة على العباد، وأخرج منها اللؤلؤ والمرجان. وأجرى فيهما السفن بإجراء الرياح، وأقام على الجميع دلائل الافتقار والحدوث، وحكم عليهم بالفناء والعجز: (هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ) (الروم: ٤٠)، وما من معتبر من هذه إلا كان في مشاهدته مفصحاً بلسان حاله: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢٢)، فلو اعتبر أولئك الأمم ببعض المنصوبات للاعتبار من المنبه عليه في سورة الرحمن لدلهم ذلك على الصانع الذي ليس كمثله شيء، ولنبذوا معبوداتهم من دونه جل وتعالى وأجابوا الرسل فلم يهلكوا، ولكنهم انحرفوا عن ميدان الإنصاف فكذبوا فهلكوا، فلبناء السورة على هذا اختصت بذكر الميزان مكرراً مؤكداً على ما وقع فيها. ولما لم ترد هذه الأغراض في غير هذه السورة مبنية على ما تقدمها في السورة قبلها من أخذ المكذبين على الصفة الواردة فيها، وانفردت هي بما قدم؟، كانت مظنة الاعتناء بما ينسحب على كل طرق السلامة في كل عمل، وهو العدل الذي به قوام المخلوقات، والوزن بالقسط الذي تستوضح كل نفس في القيامة (به) ما لها وعليها، ولم تكن غير هذه السورة لتكون أولى بذكر ذلك فيها منها، والله أعلم.
الآية الثانية من سورة الرحمن قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ١٣)، للسائل أن يسأل عن وجه تكرار هذه الآية إحدى وثلاثين مرة، ما وجه ذلك؟ وهل لتخصيص هذا العدد سبب موجب؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أنه افتتح سبحانه السورة بذكر ضروب من النعم تجل عن الإحاطة بوصفها، ويعجز العارفون عن شكرها، وكلها دلائل للمعتبر واضحة، وشواهد قاطعة بانفراده سبحانه بالخلق والاقتراع والإنشاء والإبداع، فقال تعالى: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ) (الرحمن: ١ - ٢)، وخص سبحانه من أسمائه: (الرحمن) مناسبة لما رحم به عباده، فبدأ سبحانه بتعليمه القرآن، ولا نعمة أعظم من ذلك إذ بتعليمه البيان المتوصل به إلى الإبانة عما في نفسه واستيضاح ما انبهم عليه وإيضاح ذلك لغيره، وبخ يعرف قدر النعمة بالقرآن، ثم أردف فذكر نعمة الشمس والقمر، ونبه تعالى على جريهما في بروجهما بحسبان ولما يدرك العالم من منافعهما إنضاجاً وتيبيساً وإضاءة وحسباناً: (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) (الإسراء: ١٢) ثم قال تعالى تحريكاً للمعتبرين وإيقاظاً للمتفكرين: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) (الرحمن: ٦)، والنجم ما نجم من النبات وارتفع عن أرضه، ثم قال: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا) (الرحمن: ٧)، فأشار إلى جعلها سقفاً محفوظاً من
стр. 458
غير عمد مزينة بالنجوم للدلالة ورجم الشياطين، وقد مر التنبيه بما فيها وفي خلقها من العبر، ثم قال: (وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) (الرحمن: ٧)، وقد تقدم الكلام في ذلك، ثم قال: (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ) (الرحمن: ١٠) للمشي في مناكبها والاكل مما بث فيها والاعتبار بها وبعجائبها، وعجائب السماوات والأرض أكثر من أن تحصى بالعد، قال تعالى: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الجاثية: ٣)، ثم ذكر تعالى بعض ما بثه فيها من الرزق فقال: (فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ) (الرحمن: ١١ - ١٢). ولما كانت هذه النعم مشاهدة للخلائق، ولا طمع لأحد في نسبتها إلى غيره سبحانه، قد شهدت العقول وعرفت انفراده سبحانه بإيجادها واختراعها، أتبع ذلك بتقرير الثقلين وتعجيز الفريقين فقال لهما عقب هذه الضروب الثمانية: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ١٣)، أي أمن هذه ما يمكن للجاحد أن يكذب به ويتعاطاه لغيره سبحانه في وضوح شهادتها لخالقه (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) (آل عمران: ٨٣)، ثم عرفنا سبحانه بخلقه الثقلين وبالمادة التي أوجد منها كلا من الصنفين فقال: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) (الرحمن: ١٤ - ١٥)، أينسب ذلك إلى غيره؟ أيستبد به سواه؟ ثم أتبع سبحانه بأنه (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) (الرحمن: ١٧) أي مشرق الشتاء ومشرق الصيف إشارة إلى الغايتين في الانتهاء من رأس الجدي إلى رأس السرطان) ثم بخلق البحرين الحلو والمالح والتقائهما وفصلهما، ثم بما يخرج منها للانتفاع والزينة، ثم بتسخير السفن وجريها، ثم بذكر فناء كل من عليها وبقائه سبحانه، ثم بافتقار أهل السماوات والأرض إليه جل وتعالى وسؤالهم إياه شؤونهم وحاجاتهم كل يوم، وأعقب كل قصة من هذه بتقرير الثقلين وتعجيزهم لقيام الحجة عليهم فقال: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، وتكررت الآية بتكرر القضايا، وكلها مما لا مطمع لأحد في ادعائه، فقامت الحجة بها، وكانت سبعاً جرياً على سنة ما وقع التنبيه به من تحريك المعتبرين، واطرد هذا العدد في ذلك فقال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) (المؤمنين: ١٢) إلى تمام سبعة اطوار آخرها قوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) (المؤمنين: ١٤)، وقال عقب هذا: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ) (المؤمنين: ١٧). ولما ذكر سبحانه الحالات التعبدية التي بها خلاص المكلفين ذكر سبعاً فقال: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنين: ١ - ٢)
стр. 459
فعد للمؤمنين خصالاً سبعاً جعلهم بها وارثين نعيمة وساكنين جنته فقال: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (المؤمنين: ١٠ - ١١)، وهذا العدد مطرد جار في أشياء يشهد اطراده فيها على قصد حكمة تقتضيها، فمنها ما ذكر آنفاً ومنها أن أم القرآن سبع آيات، والأيام سبع، (والسماوات سبع)، والأرض (سبعة) مثلها، وأبواب جهنم سبعة، (وحد) الإثغار سبعة أعوام، ويعق عن المولود يوم سابعه، ومن مسنوناته، ﵇ سبع قضايا وعيدية: أولها قوله تعالى: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ) (الرحمن: ٣١) إلى قوله: (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ) (الرحمن: ٤٤) معقباً فيها كل قضية بقوله تعالى مقرعاً وقامعاً للمعاندين بقوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ).
ثم انصرفت الآي إلى فريق النجاة ووعدهم بما أعد تعالى لهم فقال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) (الرحمن: ٤٦)، واستمرت الآي فيما أعد تعالى لهم وإعطاهم إلى قوله: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠) مختتمة كل قضية منها بقوله في ثماني كرات في أعقاب ثماني قضايا على ما تقدم: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ). وكانت هذه ثمانية لكونها في أهل الجنة فجاءت على وفق أبوابها، ويشهد لهذا القصد تعقيبها بمثلها عدداً فيما زادهم في قوله تعالى: (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ) (الرحمن: ٦٢) إلى آخر السورة:، وهي ثماني آيات كعدد ما قبلها معقبة كل آية منها بقوله: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) رعياً لما ذكرنا. فتحصل في المجموع العدد المتقدم، ولم تكن الزيادة على ذلك لتناسب إذ لا قضية سوى هذه المعقبات، كما أن النقص من هذا العدد لا يناسب لطلب كل قضية لذلك الإعقاب تناسباً وتوازنا على ما تقدم من الرعي، فورد ذلك كله على الوجه الذي لا يناسب خلافه، والله أعلم.
فإن قلت ما وجه اختصاص سورة الرحمن بهذا التعقيب مما هو إيقاظ للغافلين وتنبيه للمؤمنين وتقريع وتوبيخ للغافلين؟ وما وجه ذلك؟ فالجواب: ( ....... )
****
стр. 460
سورة الواقعة
قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) (الواقعة: ٥٨ - ٥٩)، وبعد ذلك: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (الوقعة: ٦٣ - ٦٤)، وبعده: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ) (الوقعة: ٦٨)، ثم قال: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ) (الواقعة: ٧١)، للسائل أن يسأل عن وجه هذا الترتيب؟ وهل كان يمكن تقديم أحد هذه النعم المنعم بها على ما وقع في الآية متقدماً عليه؟
والجواب عن هذه أن ذكر المتنعم متقدم في الرتبة على ما ذكر من النعم، لأن النعم إنما خلقت للمتنعم بها ومن أجله، فذكره أولاً بين اللزوم، فلهذا تقدم ذكر خلق الإنسان المتنعم بالنعم فقال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ)، وأما تقديم الأكل على الشرب فمعقول الرتبة وبحسب ذلك ورد المقول المنقول فقال تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا) (الطور: ١٩)، فالشرب في الغالب للاستمراء وليس أولياً في الغذاء ولا متعمداً في الجسوم الحيوانية للنماء، وإنما ورد ذكره مع الأكل تالياً لكونه في الرتبة ثانياً فقال تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا). وأما النار فللمنافع من الإنضاج والإسخان والإضاءة فهي متممة وليست كالأكل والشرب مدعمة، إذ لم تكن كالأولى في الغذاء والنماء فليس من المناسبة تقدم ذكرها على الماء.
وورد عقب الآية الأولى قوله: (فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ) (الواقعة: ٦٢) وعقب الثانية (فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) (الواقعة: ٧٠)، ووجه المناسبة أن الآية الأولى لمن تدبرها تذكرة بالعودة الأخراوية قال تعالى: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) (الأعراف: ٢٩)، فأعقب بالتخصيص على التذكر بالبداءة على العودة. وأما الآية الثانية فمستدعية الشكر على عذوبة الماء ولو شاء لجعله أجاجاً، فخلقة وجعله عذباً فوجب شكره تعالى على النعمة بذلك.
******
следующие страницы →