Полный текст (513 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ما فى الذى وفى الألف واللام ولا وقع الافصاح باسم المنزل وهذا فرق واضح لأن ما تفارق الموصولية فتخرج إلى الابهام فلا تكون فيها عهدية أما الذى فلا تفارق ولا تخرج فالعهدية فيها لازمة وكذا
اذا ذكر أحد هذه الكتب مفردا عن غيره لم ينكر وروده بلفظ أنزل ونزل لأنهما يكونان بمعنى واحد كقوله تعالى: "الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب "، وأما حيث يجتمع ذكرهما مفصحا باسم كل واحد أو بأداة العهد كما تقدم فلا يكون الا على ما تقرر من حيث أن لفظ التضعيف أقوى من اعطاء معنى التنجيم والتفصيل كما تقدم وهذا مطرد على كثرة ما ورد منه وتكرر.
ولم يرد إنزال التوراة بالتضعيف الا فى قوله تعالى: "من قبل أن تنزل التوراة ".
وله وجه وهو أن المراد ثبوت أحكامها وتقعيدها وذلك أن بنى إسرائيل لما حرم عليهم ببغيهم وظلمهم ما حرم فى قوله تعالى: "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عايهم طيبات أحلت لهم ...
الآية " وقوله تعالى: "وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ..
الآية " وعرف الله سبحانه نبيه والمؤمنين بذلك أمكرت بنو إسرائيل تخصيصهم بذلك وزعموا أنهم لم يخصوا به وأنه قد كان محرما على نوح وابراهيم وكل من تقدم بنى إسرائيل من الأمة فأكذبهم الله تعالى فى ذلك وقال: "كل الطعام كان حلا لبنى إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة " أى من قبل حصولها منزلة وتقعيد حكمها وثبوتها فلما قصد معنى استقرارها وتقعيد حكمها ورد اللفظ مضعفا ليشير إلى حكم ثبوتها واستقرارها والله أعلم بما أراد ولهذا والله أعلم لم يرد من غير هذا الموضع ذكر إنزالها بالتضعيف وقد تعرض أبو الفضل بن الخطيب لقوله تعالى: "نزل عليك الكتاب ...
وأنزل التوراة والإنجيل " ووجه ذلك على ما ذكرته ثم اعترض على ذلك بقوله تعالى: "الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب " ولم يفصل وقال إنه مشكل وقد بينا أنه لا إشكال فى ذلك على ما تقعد قبل والحمد لله.
الآية الثانية: قوله تعالى: "كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب "، وفى سورة الأنفال: "كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوى شديد العقاب "، وبعدها: "كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين ".
للسائل أن يسأل عن هذه الآى فى ستة مواضع: السؤال الأول: الإخبار عنهم فى
стр. 72
آية آل عمران وفى ثانية الأنفال بقوله "كذبوا " وقال فى الأولى من الأنفال "كفروا ".
ما وجه ذلك؟ والثانى: ما وجه اختلاف الإضافة فى كذبهم وتكذيبهم؟ ففى آل عمران "بآياتنا " وفى الأولى من الأنفال "بآيات الله " وفى الثانية "بآيات ربهم "، والثالث: قوله فى ثانية الأنفال "فأهلكناهم بذنوبهم " وفى الأخريين "فأخذهم الله بذنوبهم "، والرابع: قوله فى سورة آل عمران "والله شديد العقاب "، وفى الأولى من الأنفال "إن الله قوى شديد العقاب " ولم يرد فى الثانية هذا الوصف، والخامس: تفصيل العقاب فى ثانية الأنفال ولم يرد فى الآخريين ذلك التفصيل، والسادس: تعلق المجرور من قوله "كدأب آل فرعون " وليس هذا مما بنى عليه هذا الكتاب إلا أنه تتمة.
والجواب عن الأول: أن آية آل عمران لما تقدم قبلها ذكر تنزيل الكتب الثلاثة والإشارة إلى ما تضمنته من الهدى والفرقان وإنما أتى على من كفر بصده عنها وتكذيبه ناسب ذلك قوله تعالى: "كذبوا بآياتنا " ولما لم يقع فى سورة الأنفال من أولها إلى الآية الأولى من الآيتين ذكر شئ من الكتب المنزلة ولا ذكر إنزالها وإنما تضمنت حال المسلمين مع معاصريهم من كفار العرب ومعظم ذلك فى قتالهم وحربهم ناسب ذلك التعبير بالكفر فقال تعالى "كفروا بآيات الله " ثم لما تلتها الآية الأخرى من غير طول بينهما وقع التعبير فيها بالتكذيب فقال "كذبوا بآيات ربهم " وعدل عن لفظ كفروا لثقل التكرر مع القرب وليحصل وسمهم بالكفر والتكذيب.
والجواب عن السؤال الثانى: أن الآية الأولى من سورة الأنفال إنما جئ فيها بالاسم الظاهر فقيل "كفروا بآيات الله "، لتقدم ذكر الملائكة فى قوله "ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم " بنسبة الفعل للملائكة وتقدم أيضا " وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم " ولم يتقدم فى آل عمران ذكر فعل لغير الله تعالى ولا نسبة شئ لسواه فجئ بآيات مضافة إلى ضميره تعالى فقال "كذبوا بآياته " على طريقة الالتفات وجاء فى الأنفال "كذبوا بآيات الله " بالإضافة إلى الاسم الظاهر ليعلم أن الأمر له وأنه مريهم الآيات ولا فعل إلا له وأن الملائكة مسخرون بأمره وفعلهم من خلقه وتزيين الشيطان لهؤلاء الكفار إنما هو بقدر الله وسابق مشيئته وكل ذلك خلقه وملكه والآيات آياته وله المثل الأعلى وقيل فى الثانية "بآيات ربهم " ليجرى مع ما تقدمه متصلا به من قوله تعالى: "ذلك بأن الله لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم " فذكر ابتداءه بالنعم فناسبه ذكر ملكيته سبحانه لهم
стр. 73
بقوله "بآيات ربهم " فهو المحسن والمالك ثم جرى القدر بما سبق لهم فإيراد قوله "كذبوا بآيات ربهم " مع ما تقدم أوقع فى نفوسهم وأشد فى تحسرهم وندامتهم إذا شاهدوا الأمر فعلموا أنه مالكهم وأنه ابتدأهم بالنعم فغيروا فحصل من ذلك أنهم قابلوا نعم ربهم بالكفر مع بيان الأمر ووضوحه ولو قيل: بآيات الله لما أحرز هذا المعنى المعرف بملكيته لهم والمشير لندامتهم وتحسرهم ولا خفاء بالفرق بين قول القائل لمن كفر بنعمة الله: إنما كفرت بنعمة مالك المحسن إليك ومبتديك بالنعم وبين أن لو قيل له: إنما كفرت بنعمة الله فتأمل ما بينهما ولهذا ابتدئ دعاء الخلق فى سورة البقرة إلى الإيمان بقوله: "يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم " إلى آخر الآية.
والجواب عن السؤال الثالث: أنه قصد فى الآية الثانية من الأنفال تفصيل عقابهم بإغراق آل فرعون وأخذ من عداهم بغير ذلك وقال "فأهلكناهم بذنوبهم " ليخالف قوله تعالى فى الآية قبل: "فأخذهم الله بذنوبهم " لاسثقال لفظ التكرار فيما تقارب ولما قصد من التفصيل وقد ضم الفريقين من المهلكين بذنوبهم والمغرقين فى قوله: "وكل كانوا ظالمين ".
وعن الرابع أن قوله تعالى فى الآية الأولى من الأنفال: "إن الله قوى شديد العقاب " مقابل به قول الشيطان لمن قدم ذكره من الكفار: "لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم " فقوبل قوله المضمحل بإسناد القوة لله كما قال تعالى: "ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا ..
الآية "، ولما لم يرد فى سورة آل عمران مثل هذا وقع الاكتفاء بقوله "والله شديد العقاب " وزيد التأكيد فى أول الأنفال بـ "إن " وزيادة اسمه سبحانه القوى لما ذكرنا آنفا من رعى التقابل.
والجواب عن السؤال الخامس ما قيل فى الجواب عن السؤال الثالث من قصد التفصيل ثم إن الوجه فى تخصيص هذا الموضع بذلك أنه آخر موضع وقع التذكير فيه بعبادة آل فرعون فى تكذيبهم وأخذهم بكفرهم والترتيب الذى استقر عليه الكتاب العزيز متوقف على الآتى به ﷺ وقد بينا ذلك فى غير هذا وأن من ظن أن الترتيب من قبل الصحابة فقد غفل وذهب عما بنى عليه من جليل الاعتبار وسنذكر ذلك فى سورة القمر إن شاء الله.
والجواب عن السؤال السادس: أن الكاف متعلقة بمحذوف هو الخبر للمبتدأ
стр. 74
المقدر إذ التقدير دأبهم أو دأب هؤلاء أو هذا كدأب آل فرعون وما قدر الناس من التعلق بقوله: وأولئك هم وقود النار أو غير هذا من التقدير لا يرجح عند الاختبار ويضعف تقدير ذلك فى ثانية الأنفال ويتكلف فى الأولى منها ولا يحسن معه المعنى ولا يفوز وفى استقلال الجملة من قوله "كدأب آل فرعون " وعدم التعلق الإعرابى بما قبله فى جملة أخرى جزالة النظم وقوة المعنى فتأمله.
الآية الثالثة: قوله تعالى: "تولج الليل فى النهار وتولج النهار فى الليل وتخرج الحى من الميت وتخرج الميت من الحى "، وكذلك فى سورة يونس: "أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى "، وكذا فى سورة الروم وحيث وقع ورود فى سورة الأنعام: "إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحى من الميت ومخرج الميت من الحى " فوقع هنا اسم الفاعل موقع الفعل وعاقبه فقال "ومخرج "فيسأل عن هذا؟
ووجه ذلك والله أعلم: أن بناء آية الأنعام على آية بنيت على اسم الفاعل وان كان خبرا وهو قوله تعالى: "إن الله فالق الحب والنوى " ثم أعقب ذلك بقوله "فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا "، فلما اكتنفت الآية أسماء فاعلين جئ فيها باسم الفاعل فى قوله "ومخرج الميت من الحى " ليناسب ذلك فعطف "ومخرج " على "فالق " إذ هو معطوف على ما عطف عليه فهو معطوف عليه ثم جئ بعد باسم فاعل وهو قوله تعالى: "فالق الإصباح " فتناسب هذا ولم يقع فى الأخر المتضمنة إخراج الحى من الميت والميت من الحى مثل هذا فلذلك لم يعدل إلى اسم الفعل والله سبحانه أعلم.
فإن قلت فما بال قوله يخرج الحى من الميت فى هذا الموضع ورد بالفعل وقد اكتنفه قوله: "فالق الحب والنوى ومخرج الميت من الحى ".
وهما اسما فاعلين؟
فالجواب عن ذلك ما قاله الزمخشرى قال: "موقع قوله "يخرج الحى من الميت " موقع الجملة المبينة لقوله "فالق الحب والنوى " لأن فلق الحب والنوى بالنبات والثمر اليابس من جنس إخراج الحى من الميت لأن اليابس فى حكم الحيوان ألا ترى قوله "يحيى الأرض بعد موتها "، انتهى قوله، ذكر هذا عقب قوله "ومخرج الميت من الحى " أنه معطوف على فالق الحب والنوى كما تقدم وهذا من حسناته.
الآية الرابعة: قوله تعالى: "ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير " ث
стр. 75
م قال فى الآية الأخرى بعد: "ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد ".
للسائل أن يسأل عن وجه تعقيب الأولى بقوله: "والى الله المصير " وتعقيب الثانية بقوله: "والله رؤوف بالعباد ".
والجواب عن ذلك والله أعلم أنه لما تقدم قبل الأولى قوله تعالى: "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين " فنهاهم سبحانه عن ذلك ثم أردف بالتحذير بقوله: "ومن يفعل ذلك فليس من الله فى شئ " ثم استثنى سبحانه من ذلك حال التقاة فقال: "إلا أن تتقوا منهم تقاة " ثم قال: "ويحذركم الله نفسه - أى عذابه - وإلى الله المصير - أى ومرجعكم إليه فلا يفوته هارب فهذا كلام ملتحم جليل النظم والتنضيد ثم أتبع هذا بإعلامه أنه سبحانه لا يخفى عليه شئ مما أكنوه أو أظهروه فقال: "قل إن تخفوا ما فى صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما فى السماوات وما فى الأرض والله على كل شئ قدير "، فأعلم فيها بعلمه المحيط بالأشياء والعلم والقدرة هما القاطعان بمنكرى العودة وعلى إنكارهما بنى المنكرون حشر الأجساد شنيع مقالهم وبثباتهما اضمحل باطلهم وقد أشارت هذه الآية العظيمة إلى علمه سبحانه بالجزئيات وقدرته عليها وفى ذلك الشأن كله ولعل الكلام يعود بنا إلى مقصود هذه الآية العظيمة فنبسط من ذلك ما يشفى صدر المؤمن ويقطع بالملحدين وإن كان أئمتنا من أهل الفن الكلامى قد شفوا فى ذلك رضى الله عنهم فعرف سبحانه بالرجوع الأخروى إليه ثم أخبر بأنه لا يغادر من أفعال عباده صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فقال: "يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا "الآية ثم قال معيدا ومحذرا: "ويحذركم الله نفسه " وأعقب بقوله: "والله رؤوف بالعباد "، لما تقدم من التذكير والوعظ والبيان والتحذير المبنى على واضح الأمر والتبيان وذلك إنعام منه سبحانه وإحسان يستجر خوف المؤمنين العابدين، فناسبه التعقيب بذكر رأفته بعباده رفقا بهم وإنعاما وتلطفا
فقال: "والله رؤوف بالعباد "، ولم يتقدم قبل الأولى ما تقدم قبل هذه متصلا بها وانما تقدمها النهى عن موالاة الكفار والتبرى من مواليهم بالكلية فناسبه ما أعقب به وناسب هذه ما أعقبت به والله أعلم.
الآية الخامسة: قوله تعالى فى قصة زكريا ﵇: "أنى يكون لى غلام وقد بلغنى الكبر وامرأتى عاقر " وفى سورة مريم: "أنى يكون لى غلام وكانت امرأتى عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا " للسائل أن يسأل عن اختلاف السياق فى الآيتين مع اتحاد معناهما.
стр. 76
والجواب عن ذلك والله أعلم: أن المعنى وإن كان فى السورتين واحدا وفى قضية واحدة فإن مقاطع آى وسورة مريم وفواصلها استدعت ما يجرى على حكمها ويناسبها من لدن قوله تعالى فى افتتاح السورة: "ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا " إلى قوله فى قصة عيسى ﵇: "والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا "، لم تخرج فاصلة منها عن هذا المقطع ولا عدل بها إلى غيره ثم عادت إلى ذلك من لدن قوله تعالى: "واذكر فى الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا " إلى آخر السورة فاقتضت مناسبة آى هذه السورة ورود قصة زكريا ﵇ على ما تقدم ولم يكن غير ذلك ليناسب أما آية آل عمران فلم يتقيد ما قبلها من الآى وما بعدها بمقطع مخصوص فجرت هى على مثل ذلك والله أعلم.
الآية السادسة: قوله تعالى: "قال ربك اجعل لى آية " يريد والله أعلم آية على الحمل ليستعجل البشارة فقيل له: "آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا " وفى سورة مريم: "آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا " مع اتحاد القصة فيسأل عن ذلك.
والجواب والله أعلم: أنه لما كان الإخبار مقصودا به التعريف بمنعه الكلام ثلاثة أيام بليالهن منصوصا على ذلك حتى لا يقع احتمال أن يكون المنع فى الليالى دون الأيام أو الأيام دون الليالى، وهذا كما فى قوله تعالى: "سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما " فوقع التنصيص على الوقتين ليرتفع توهم أفراد أحد الوقتين دون الآخر وكذا فى آية آل عمران بذكر الأيام ليناسب قوله "إلا رمزا " إذ الرمز ما يفهم المقصود دون نطق كالإشارة بالعين وباليد وقال مجاهد بالشفتين وكيفما كان فإنما يدرك بالعين ولما لم يذكر الرمز فى آية مريم ذكر فيها الليل.
وحصل التعريف باستيفاء الوقت الممنوع فيه الكلام وما جعل له عوضا منه وهو الرمز وزيد فى آية مريم التعريف باستواء الليالى فى ذلك فالمراد مستويات فسويا من صفة ليال انتصب على الحال أو يكون المراد لا خرس بك ولا مرض فيكون سويا حالا من الضمير فى تكلم فورد هنا سويا مناسبا للفواصل ومقاطع الآى وليس فى آية آل عمران ما يستدعى ذلك فورد كل على ما يجب ويناسب والله أعلم.
الآية السابعة: قوله سبحانه: "ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولا
стр. 77
إلى بنى إسرائيل أنى قد جئتكم بآية من ربكم أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله وأنبئكم ما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم "، وقال فى المائدة: "وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذنى وتبرئ الأكمه والأبرص بإذنى وإذ تخرج الموتى بإذنى ..
الآية "، للسائل أن يسأل عن تذكير الضمير وتأنيثه وعن وجه تكرير قوله تعالى: "بإذنى " فى آية المائدة مضافا إلى ضميره سبحانه فى أربعة مواضع مع وجازة الكلام وتقارب ألفاظ الآية وقد جرى هذا الغرض فى آية آل عمران فورد فيها ذلك في موضعين خاصة مضافا من اسمه سبحانه؟
والجواب عن السؤال الأول بعد تمهيد الجواز فى تذكير الضمير فى قوله "فأنفخ فيه " فى الآية الأولى وتأنيثه فى الآية الثانية "فأنفخ فيها " مع اتحاد ما يعود عليه.
فأقول وأسأل الله توفيقه: قال الزمخشرى فى الأولى: "الضمير للكاف أى فى ذلك الشئ المماثل لهيئة الطير فيكون طيرا أى فيصير طائرا كبقية الطيور، وقال فى قوله: "فتنتفخ فيها " الضمير للكاف لأنها صفة الهيئة التى كان يخلقها عيسى وينفخ فيها ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه فى شئ قال وكذلك الضمير فى تكون انتهى نص كلامه وهو بين.
وبقى السؤال عن وجه تخصيص كل من الموضعين بالوارد فيه وهو مقصودنا فى هذا الكتاب، وعن وجه التكرار فى قوله تعالى فى سورة المائدة "بإذنى " فى أربعة مواضع مع وجازة الكلام وتقارب ألفاظ الآية؟
الجواب عن وجه التخصيص والله أعلم: أن الترتيب الذى استقر عليه القرآن فى سوره وآياته أصل مراعى وقد تقدم بعض إشارة إلى ذلك ولعلنا سنزيد فى بيانه إن شاء الله وعودة الضمير على اللفظ وما يرجع إليه أولى وعودته على المعنى ثان عن ذلك وكلا التعبيرين عال فصيح فعاد فى آية آل عمران على الكاف لأنها تعاقب مثل وهو مذكر فهذا لحظ لفظى ثم عاد فى آية المائدة إلى الكاف من حيث هى فى المعنى صفة لأن المثل صفة فى التقدير المعنوى فحصل مراعاة المعنى ثانيا على ما يجب كما ورد فى قوله تعالى: "ومن يقنت منكن لله ورسوله " بعودة الضمير من يقنت مذكرا رعيا للفظ "من "، ثم قال: وتعمل بالتاء رعيا للمعنى وهو كثير وقد بينا أن رعى اللفظ فى ذلك هو الأولى فجرى فى آية آل عمران على ذلك لأنها
стр. 78
متقدمة فى الترتيب وجرى فى آية المائدة على ما هو ثان إذ هى ثانية فى الترتيب وذلك على ما يجب.
وجواب ثان: وهو أنه قد ورد قبل ضمير آية آل عمران من لدن قوله تعالى: "وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم " إلى قوله: "فأنفخ فيه " نحو من عشرين ضميرا من ضمائر المذكر فورد الضمير فى قوله "فأنفخ فيه " ضمير مذكر ليناسب ما تقدمه ويشاكل الأكثر الوارد قبله.
أما آية العقود فمفتتحة بقوله تعالى: "اذكر نعمتى عليك " وخلقه الطائر ونفخه فيه من أجل نعمه تعالى عليه لتأييده بذلك فناسب ذلك تأنيث الضمير ولم تكثر الضمائر هنا ككثرتها هناك فجاء كل من الآيتين على أتم مناسبة.
والجواب عن السؤال الثانى: وهو تكرر قوله تعالى "بإذنى " فى آية المائدة أربع مرات مع تقارب الألفاظ؟ ووجه أن آية آل عمران إخبار وبشارة لمريم بما منح لبنها عيسى ﵇ وبمقاله ﵇ لبنى إسرائيل تعريفا برسالته وتحديا بمعجزاته وتبرئا من دعوى استبداد أو انفراد بقدرة فى مقاله: " أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله " إلى قوله تعالى "إن فى ذلك لآية لكم " إلى ما بعده ولم تتضمن هذه الآية غير البشارة والإعلام وأما آية المائدة فقصد بها غير هذا وبنيت على توبيخ النصارى وتعنيفهم فى مقالهم فى عيسى ﵇ فوردت متضمنة عده سبحانه إنعامه على نبيه عيسى ﵇ على طريقة تجارى العتب وليس بعتب تقريرا يقطع بمن وقع فى العظيمة ممن عبده ومثل ذلك فيما يجرى بيننا ولكلام الله المثل الأعلى قول القائل لعبده الأحب إليه المتبرئ من عصيانه: ألم أفعل لك كذا ألم أعطك كذا ويعدد عليه نعما ثم يقول: أفعل لك ذلك غيرى؟، هل أحسنت إلى فلان إلا بما أعطيتك؟، هل قهرت عدوك إلا بمعونتى لك؟ فيقصد السيد بهذا قطع تخيل من ظن أن ما كان من هذا العبد من إحسان إلى أحد أو إرغام عدو أن ذلك من قبل نفسه مستبدا به وليس من قبل سيده فإذا قرره السيد على هذا واعترف العبد بأن ذلك كما قال السيد انقطعت حجة من ظن خلافه وتوهم استقلال العبد فعلى هذا النحو والله أعلم وردت الآية الكريمة ولذلك تكرر فيها ما تكرر مع الآيات قوله تعالى: "بإذنى " وتكرر ذلك أربع مرات عقب أربع آيات مما خص به ﵇ من خلق الطير والنفخ فيه فيحيا
стр. 79
وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى وهى من الآيات التى ضل بسببها من ضل من النصارى وحملتهم على قولهم بالتليث تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، "ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله " فأعلم الله أن تلك الآيات بإذنه وأكد
ذلك تأكيدا يرفع توهم حول أو قوة لغير الله سبحانه أو استبداد ممن ظنه ونزه نبيه عيسى ﵇ عن نسبة شئ من ذلك لنفسه مستقلا بإيجاده أو ادعاء فعل شئ إلا بقدرة ربه سبحانه وإذنه وبرأه من شنيع مقالتهم.
ويزيد هذا الغرض بيانا ما أعقبت به هذا الآية من قوله تعالى: "وإذ قال الله يا عيسى بن مريم ءأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهيين من دون الله ...
الآيات " فهل هذا للنصارى إلا أعظم توبيخ وتقريع والمقصود منه جواب عيسى ﵇ بقوله فى إخبار الله سبحانه عنه: "ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق " فافتتح بتنزيه ربه ثم نفى عن نفسه ما نسبوا إليه وأتبع بالتبرى والتسليم لربه فقال: "إن كنت قلته فقد علمته " فآية آل عمران بشارة وإخبار لمريم وآية المائدة واردة فيما يقوله سبحانه لعيسى ﵇ توبيخا للنصارى كما بينا فلما اختلف القصدان اختلفت العبارتان.
الآية الثامنة قوله تعالى: مخبرا عن عيسى ﵇: "إن الله ربى وربكم فاعبدوه "، وفى سورة مريم: "وإن الله ربى وربكم فاعبدوه "، فعطف الآية على ما قبلها بواو النسق وفى سورة الزخرف: "إن الله هو ربى وربكم فاعبدوه " بغير حرف النسق مع زيادة الفصل بالضمير من قوله "هو " ولم يقع ذلك فى الآيتين قبل كما لم يقع العطف فى الأولى والثالثة فانفردت كل آية من الثلاث بما وردت عليه مع اتحاد المقصد فيما أعطته كل واحدة منها فللسائل أن يسأل عن ذلك؟
والجواب والله أعلم: أن آية مريم لما تضمنت مقالة عيسى ﵇ وآية كلامه فى المهد مخبرا عن حاله النبوية وما منحه الله من الخصائص الاصطفائية فقال: "إنى عبد الله آتانى الكتاب وجعلنى نبيا وجعلنى مباركا " إلى ما أعقب به هذا من الخصائص الجليلة منسوقا بعضها على بعض ليبين تعداد تلك النعم إلى قوله: "والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا "، فذكر ما حفظ الله عليه من كرامته فى هذه الأحوال الثلاثة البشرية وهى: حال الولادة وحال الموت
стр. 80
وحال البعث بعده وهذه أحوال تتنزه الربوبية عنها وتتعالى عن تجويزها عليه سبحانه وإذا صحبتها العادة لم تكن نقصا فى البشرية إذ بها امتيازها وهى من حيث الحيوانية الحادثة فصلها.
ثم لما كان من تمام إخبار عيسى ﵇ وتعريفه بما عرف به وتكميل ما قصد به إقراره لله سبحانه بالربوبية للكل فى قوله: "وإن الله ربى وربكم فاعبدوه " وكان متصلا بما تقدم وكأن قد قال: إنى عبد الله ومخصوص منه بكذا وكذا ومعترف بانفراد خالقى بملك الكل وقهرهم وخلقهم فهو ربهم ومالكهم والمعبود الحق فلما كان الكلام من حيث معناه متصلا وقد ورد أثناءه ما يعطى بظاهره حين أخبر تعالى عنه بقوله ﵇: "والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا "
إن كلام عيسى ﵇ قد تم وانقضى وشرع فى قضية أخرى من التعريف بحقيقة أمر عيسى ﵇ فقال تعالى: "ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذى فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون " فورد هنا مورد الجمل التى كأنها مفصولة مما قبلها مع الحاجة إليها واتصال ما بعدها بما قبلها لك يكن بد من حرف النسق ليحصل منه أنه كلام غير منقطع بعضه من بعض ولا مستأنف بل هو معطوف على ما تقدمه من كلام عيسى ﵇ فلم يكن بد من حرف النسق لإحراز هذا الالتحام إذ لم يكن ليحصل دون حرف النسق حصوله معه فقيل: "وإن الله ربى وربكم " وهو حكاية قول عيسى
متصلا من حيث معناه بقوله: "والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا " فالوجه عطفه عليه مع الحاجة إلى ما توسط الكلامين فهذا وجه ورود الواو هنا ولم يعرض فى آية آل عمران فصل بين الآية وما قبلها يوهم انقطاعا فيحتاج إلى الواو فهذا وجه دخولها فى هذه الآية والله أعلم.
وأما زيادة الضمير الفصلى فى سورة الزخرف فيحرز بمفهومه معنى ضروريا دعا إليه ما تقدم فى الآية قبله وذلك ما أشار إليه قوله : "ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون " إلى ما يتلو هذه ففى التفسير أنه لما نزل قوله تعالى: "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم " الآية تعلق بها الكفار وقالوا قد عبدت الملائكة وعبد المسيح وأنت يا محمد تزعم أن عيسى نبى مقرب وأن الملائكة عباد مقربون فإذا كان هؤلاء مع آلهتنا فى النار فقد رضينا وجادلوا بهذا فأنزل الله تعالى: "إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون " وهذا مبسوط فى كتب التفسير فلما كان قد تقدم فى سورة الزخرف ذكر آلهتهم وقولهم: "
стр. 81
ءآلهتنا خير أم هو " يعنون المسيح ناسبه ما أعقبه به من قوله تعالى حاكيا عن المسيح ﵇: "إن الله ربى وربكم " فكأن قد قيل: هؤلاء غيره فأحرز "هو " هذا المعنى ولم يرد فى آية آل عمران وآية مريم من ذكر آلهتهم ما ورد هنا فلم يحتج إلى الضمير المحرز لما ذكرناه وسنورد إن شاء الله فى قوله تعالى فى سورة النجم: "وأنه أضحك وأبكى وأنه أمات وأحيا " قوله بعد: "وأنه هو أغنى وأقنى وأنه هو رب الشعرى " بإثبات هذا الضمير فى أربعة مواضع وكونه لم يثبت فى قوله: "وأنه خلق الزوجين " ولا فى قوله: "وأن عليه النشأة الأخرى " ولا فى قوله: "وأنه أهلك عادا الأولى " وتوجيه ذلك والفرق بين ما ورد فيه منها الضمير وما لم يرد فيه ما يوضح وجه وروده فى آية الزخرف وسقوطه فى الآيتين قبلها أتم إيضاح وأشفاه، ومن هذا قوله تعالى: "فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم " فـ "أنت " هنا كـ "هو " فيما ذكر
ومحرزة ذلك المعنى من إفراد المشار إليه بالضمير بما حصله الخبر فتأمله فإنه بين فيما ذكرناه والله أعلم.
الآية التاسعة: قوله تعالى: "فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون "، وفى سورة المائدة: "وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بى وبرسولى قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون " فحذفت النون من "أنا "فى آية آل عمران تخفيفا وثبتت فى آية المائدة فقيل: "أننا " مع أن التخفيف بالحذف جائز فيهما والإثبات جائز وهو الأصل فللسائل أن يسأل عن وجه تخصيص كل من الموضعين بما ورد فيه؟
والجواب عن ذلك والله أعلم أن آية المائدة لما ورد فيها التفصيل فيما يجب الإيمان به وذلك قوله: "أن آمنوا بى وبرسولى " فجاء على أتم عبارة فى المطلوب وأوفاها ناسب ذلك ورود "أننا " على أوفى الحالين وهو الورود على الأصل، ولما لم يقع إفصاح بهذا التفصيل فى آية آل عمران حين قال تعالى: "قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله " فلم يقع هنا "وبرسوله " إيجازا للعلم به وشهادة السياق ناسب هذا الإيجاز كما ناسب الإتمام فى آية المائدة الإتمام فقيل هنا: "واشهد بأنا مسلمون " وجاء كل على ما يجب ولو قدر ورود العكس لما ناسب والله سبحانه أعلم بما أراد.
стр. 82
الآية العاشرة: قوله تعالى: "كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق "، وفى سورة براءة: "ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم " إن قيل إن الآيتين قد اتفقتا فى أن المذكورين فيهما قد وقع منهما كفر بعد إباحة وإذعان فلم عبر عنه فى آية آل عمران بالإيمان وفى آية التوبة بالاسلام؟
والجواب أن ذلك لاختلاف حال من عنى بهما وقد ذكر المفسرون أن آية آل عمران نزلت فى الحارث بن سويد الأنصارى وكان قد أسلم ثم ارتد ولحق بالكفار ثم ندم فأرسل إلى قومه ليسألوا رسول الله ﷺ هل له من توبة فسألوا فنزلت الآية فكتبوا بها إليه فأسلم وحسن اسلامه ولم يكن فى اسلامه أولا من عرف بنفاق ولا أنه أبطن خلاف ما ظهر منه من اسلامه فكانت حاله حال إيمان وتصديق صحيح لم يظهر خلافه وذلك هو الإيمان فناسب حاله وصفه بالايمان وهو التصدي بالقلب.
أما آية التوبة فنزلت فى الجلاس حين قال فى غزوة تبوك لئن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمر فنمى ذلك إلى رسول الله ﷺ فاستدعاه فحلف ما قال وكان منافقا معروف النفاق يتظاهر بالاسلام ويبطن خلافه فأنزل الله فى قضيته: "يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم " فقيل هنا "بعد إسلامهم " مناسبة للحال إذ الإسلام يقع فى الغالب على الانقياد فى الظاهر وقد لايكون المتصف به مصدقا بقلبه قال تعالى: "قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم ".
وروى أن الجلاس أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه فاختصاص كل آية منها بالوصف الوارد فيها بين لاختلاف الحالين وفى كل من السببين قصة ذكرها المفسرون وأهل السير.
الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: "وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون "، وفى النحل: "ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ".
للسائل أن يسأل عم ورود كان الناقصة فى آية النحل وعرو آية آل عمران عنها مع اتحاد المعنى المقصود فى الموضعين لاجتماع المذكورين فيهما فى ظلمهم أنفسهم.
والجواب عن ذلك والله أعلم أن آية آل عمران إنما نزلت فى المعاصرين لرسول الله ﷺ الحاضرين عند نزول الآية فورد الاخبار مساوقا لحالهم فى وقت نزول الآية وما يلى ذلك متصلا به من الزمان فلم يكن لدخول كان التى تقتضى وقوع
стр. 83
الشئ فيما تقدم من الزمان معنى تحرزه وأما آية النحل فاخبار عمن تقدم زمانهم وعظ به غيرهم يبين ذلك قوله تعالى: "كذلك فعل الذين من قبلهم "، ثم قال: "وما ظلمهم الله " فالاخبار عن هؤلاء القبليين المشبه بهم من بعدهم من معاصريه ﷺ فأحرزت كان هذا المعنى ولاءمت الموضع ولم تكن لتلائم آية آل عمران ولا الوارد في آية آل عمران ليناسب ما قصد فى آية النحل فجاء كل على ما يجب والله أعلم.
الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: "وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم " وفى سورة الأنفال: "وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم ".
للسائل أن يسأل فيقول: مقصود الآيتين واحد فى الموضعين من حيث المعنى وهما لقوم بأعيانهم وهم أهل بدر رضى الله عنهم فما وجه زيادة "لكم " فى آية آل عمران ولم تزد فى الأخرى؟ وتقديم القلوب على المجرور هنا وتأخيرها عنه فى آية الأنفال؟ واستئناف تأكيد الإخبار بالصفتين العليتين فى سورة الأنفال بـ "إن " ولم تردا جاريتين على اسم الله سبحانه كما فى آل عمران؟ فهذه ثلاث سؤالات.
والجواب عم الأول والثانى والله أعلم: أن آية آل عمران لما تقدم فيها قوله تعالى: "ويأتوكم من فورهم " والإخبار عن عدوهم فاختلط ذكر الطائفتين وضمهما كلام واحد فجردت البشارة لمن هدى منهما وانها لأولياء الله المؤمنين فجيئ بضمير خطابهم متصلا بلام الجر المقتضية الاستحقاق فقيل "بشرى لكم " وبين أن قلوبهم هى المطمأنة بذلك فقيل "ولتطمئن قلوبكم به "، فقدمت القلوب على المجرور اعتناء وبشارة ليمتاز أهلها ممن ليس لهم نصيب.
أما آية الأنفال فلم يتقدم فيها ذكر لغير المؤمنين فلم يحتج إلى الضمير الخطابى فى لكم وأيضا فإن آية الأنفال قد تقدم قبلها قوله تعالى: "وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم " فأغنى عن عودته فيما بعده اكتفاء بما قد حصل مما تقدم من تخصيصهم بذلك.
والجواب عن السؤال الثالث: أن آية الأنفال تقدم فيها أوعاد جليلة كقوله تعالى: "وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين انها لكم " ثم قال: "ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين " ثم قال: "ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون " فهذه أوعاد علية لم يتقدم إفصاح بمثلها فى آية آل عمران فناسبها تأكيد
стр. 84
الوصفين العظيمين من قدرته جل وتعالى على كل شئ وحكمته فى أفعاله فقال: "إن الله عزيز حكيم "، ولما لم يقع فى آية آل عمران إفصاح بما فى آية الأنفال وردت الصفتان تابعتين دون تأكيد وجاء كل على ما يناسب ولم يكن عكس الوارد فى تعقيب الآيتين ليناسب وذلك واضح والله أعلم.
الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: "وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض ..
الآية "، وفى سورة الحديد: "سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ..
الآية "، والمراد فى الموضعين الحث على المبادرة إلى أفعال البر وجزيل الثواب للممتثل وقد اختلفت عبارة الأمر بذلك فى الموضعين فحذف المضاف فى الأولى وجئ فى الثانية بكاف التشبيه عوضا منه وقيل فى الأولى: "عرضها السماوات " على الجميع وأفرد فى الثانية فقيل: "عرضها كعرض السماء والأرض " فيها ثلاثة أسئلة.
والجواب عن الأول والله أعلم: أن المسارعة إلى الشئ قبل مسابقته قال تعالى: "أولئك يسارعون فى الخيرات وهم لها سابقون " وقد أوضحنا فى كتاب البرهان أن ترتيب السور بتوقيف على أصح المأخذين وأما ترتيب الآى فلا توقف فيه وأن ذلك كله معتمد على فيه غير ترتيب النزول، وإذا ثبت هذا فوجه تقديم لفظ "سارعوا " تقديم المسارعة ووجه تأخير سابقوا بناء المسابقة على المسارعة، ألا ترى أن المسارع إلى الشئ قد يحصل له ما سارع إليه وقد لا يحصل ولا يقال فى الغالب سبق إلا فيمن تحصل له مطلوبه هذا هو الأكثر والمسارعة متقدمة فى الرتبة قال تعالى: "أولئك يسارعون فى الخيرات وهم لها سابقون " وقال تعالى: "إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون " أى ثبتت وحقت لهم وعن على رضى الله عنه: سبق رسول الله ﷺ وثنى أبو بكر وثلث عمر ...
، وقيل فى قوله تعالى: "فالسابقات سبقا " أنها الملائكة تسبق الجن [إيصال الوحى إلى الأنبياء] فلما كانت المسارعة والمسابقة على ما ذكرنا ورد المتقدم فى الترتيب أولا والمتأخر ثانيا مراعاة للترتيب.
والجواب عن الثانى: أن آية آل عمران على حذف المضاف كما تقدم أى عرضها مثل عرض السماوات والأرض وقد أفصحت آية الحديد بما يقوم مقام هذا المضاف ويحصل معناه وهو كاف التشبيه إذ معناها معنى مثل وحذف المضاف مما يكون كثيرا عند قصد المبالغة وكذا جعل الشئ نفس الشئ وهو مما يتقدم فى آية آل عمران وهو نحو قول الشاعر
стр. 85
[رؤبة]:
إن الربيع الجود والخريفا يدا أبى العباس والصيوفا
وهذا كثير واليه يرجع الوارد فى قولهم: نهارك صائم وليلك قائم وباب ذلك مما يقصد به المبالغة فيجعل نفس الشئ وأنشد سيبويه ﵀ نحوا من ذلك.
أما النهار ففى قيد وسلسلة والليل فى بطن منحوت من الساج
فجعل النهار فى قيد وسلسلة وجعل الليل فى بطن منحوت من السج مبالغة وانما المجعول الشخص وقوله تعالى: "عرضها السماوات والأرض " يمكن إلحاقه بهذا القبيل وإن ظن أنه يباينه.
والجامع قصد المبالغة كأن السماوات والأرض إذا أوصل بعضها ببعض مصطفا نفس عرض الجنة ومن أبيات الكتاب:
لقد لمتنا يا أم غيلان فى السرى ونمت وما ليل المطي بنائم
فنفى النوم عن الليل حين جعله نفس الشخص مبالغة كما فى البيت قبل ويمكن فى هذا كله حذف المضاف أى ذو ليل المطى وذو النهار وذو الليل.
قال الإمام [سيبويه] ﵀ لما أنشد هذا البيت جعله للاسم ومن هذا الضرب ما يتخرج على حذف المضاف ويمتنع ما سواه نحو قوله [النابغة الجعدى]:
كأن غديرهم بجنوب سلى نعام قاق فى بلد قفار
أى كأن غديرهم غدير نعام قاق، والغدير الصوت
وتخريج آية آل عمران على هذا أوضح وكلا الضريبن يحرز المبالغة وبالجملة فقصد المبالغة فى مثل ما تقدم يستلزم فى الغالب الإيجاز إما بالحذف وإما بجعل الشئ نفس الشئ أو بتكرر لفظ يفهم بتكرره التهويل والتعظيم ويقوم مقام أوصاف وذكر أهوال كقوله تعالى: "الحاقة ما الحاقة " و"القارعة ما القارعة "، وقد ذكر
стр. 86
سيبويه ﵀ هذه الضروب فى أبواب شتى لافتراقها فى أحكام تقتضى تفصيل التبويب مع اتفاقها فى ما ذكرنا وفى جرى الإيجاز فى جميعها ولما اتصل بقوله "عرضها " فى آية آل عمران وهو مبتدأ والخبر عنه مجموع فقيل "السماوات " فأفصح الجمع ما مهدناه من قصد المبالغة والتعظيم ثم أتبع ذلك ما يحرز مقصود ذلك من التعظيم والمبالغة أيضا وهو وصف من أعدت له الجنة الموصوفة ووسمهم بالمتقين وهو الذين وفوا بالإيمان وتوابعه التى بها يكمل مما ذكر فى آية "ليس البر " من لدن قوله تعالى: "ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر " إلى قوله "أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون "، ولم يكن قوله تعالى: "عرضها السماوات " بالجمع كقوله فى آية الحديد "كعرض السماء " فأفرد ولا قوله "أعدت للمتقين " كقوله فى آية الحديد "أعدت للذين آمنوا بالله ورسله " فلما تضمنت آية آل عمران من قصد المبالغة من هذه الجهات والقرائن التى ذكرنا ما لم تتضمن آية الحديد ناسب ذلك جعل العرض نفس السماوات والأرض من غير إفصاح بالمضاف المقدر الذى لابد منه عند بيان المعنى على ما تقدم ولما لم يقصد فى آية الحديد ذلك أفصح فيها بما يعطى معنى مثل وهى كاف التشبيه وورد كل على ما يناسب ويلائم.
فإن قيل: لم خصت آية آل عمران بما تمهد من قصد المبالغة والتعظيم دون آية الحديد قلت: لبنائها على الحض على الجهاد وعظيم فضله وذكر قصة بدر واحد من لدن قوله "وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال " إلى ما بعد الآية المتكلم فيها ولما يكن فى آية الحديد شئ من ذلك ناسب كلا ما ورد فيه والله أعلم.
الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: "أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين "، وفى سورة العنكبوت: "لنبوئنهم من الجنة غرفا تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين ".
للسائل أن يسأل عن وجه العطف فى الأولى وقوله فى الثانية: "نعم أجر العاملين " غير معطوف على ما قبله.
ووجه ذلك والله أعلم أن الآية الأولى لما وقع فيها ذكر الجزاء مفصلا معطوفا فقيل: " أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها " ناسبه أن عطفت الجملة الممدوح بها الجزاء فقيل: "ونعم أجر العاملين " ولما لم يفصل
стр. 87
الجزاء فى سورة العنكبوت ولا وقع فيه عطف جاءت جملة المدح غير معطوفة ليتناسب النظم والله أعلم.
الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: "لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم " وفى الجمعة: "هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم ".
للسائل أن يقول: إن مقصد الآيتين الإخبار بامتنانه تعالى على العرب بأن بعث فيهم رسولا منهم ولم يكن من غيرهم ثم اختلفت العبارة فى البيان فقيل فى الأولى "من أنفسهم " وفى الثانية "منهم " فيسأل عن وجه ذلك؟
والجواب عن ذلك: أن قولك فلان من أنفس القوم أوقع فى القرب من قولك فلان منهم فإن هذا قد يراد للنوعية فلا يتخلص لتقريب المنزلة والشرف إلا بقرينة
أما "من أنفسهم " فأخص فلا يفتقر إلى قرينة ولذلك وردت حيث قصد النعريف بعظيم النعمة به ﷺ على أمته وجليل إشفاقه وحرصه على نجاتهم ورأفته ورحمته بهم فقال تعالى: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم " وقال تعالى فيمن كان على الضد من حال المؤمنين المستجيبين "ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه " فتأمل موقع قوله هنا "منهم " لما قصد أنه إنعام عليهم لم يوفقوا لمعرفة قدره ولا للاستجابة المثمرة النجاة فقيل هنا "منهم " فأما قوله ﷺ : "سلمان منا أهل البيت " بأنه لما لم يكن رضى الله عنه من قريش وأراد ﵇ تقريبه وتشريفه عبر بما يعطى ذلك ولا يخص خصوص قوله: من أنفسنا وإنما تخلص لحرف الخصوصية بقرينة قوله ﵇ "سلمان منا أهل البيت " وأما قوله ﵇ فى فاطمة " إنما هى بضعة منى "فقد تحصل فيه أتم خصوص من وجهين:
أحدهما قوله ﵇ "منى " وهذا أخص من قوله ﵇ "منا " فتأمله فهو مناف للشياع الداخل فى قوله "منا " والثانى قوله "بضعة " فجعلها ﵇ جزءا منه وذلك أعلى خصوص.
وأما قوله ﵇ "مولى القوم منهم " فالمراد منه تقريب الولاء من النسب وليس من أنفسهم وقد تقدم أن قوله "من أنفسهم " فى مقابلة "منهم " وأن "منا " دونه فى الشياع و"منى "أخص وأبعد فى الشياع فتأمل هذا ولما كان لفظ الآيتين يتناول قريشا وغيرهم من العرب ممن ليس من أهل الكتاب قيل "منهم " فناسب هذه الكناية بما فيها من الشياع الذى مهدناه عموم المؤمنين من العرب ممن أسلم ومن لم يسلم ولما قال فى آية آل عمران: "لقد من الله على المؤمنين " فخص من أسلم ناسب ذلك قوله "من أنفسهم " لخصوصه كما تقدم ولم يكن العكس ليناسب والله أعلم.
стр. 88
الآية السادسة عشرة:
قوله تعالى: "يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم " وفى سورة الفتح: "يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم "، للسائل أن يسأل فيقول: إن مقصود الآيتين قد اتحد لأن حاصله التعريف بأن كلا من المذكورين فى الآيتين أظهر خلاف ما أبطن فلم قيل فى الأولى "بأفواههم " وفى الثانية "بألسنتهم " مع اتحاد المعنى؟
والجواب عن ذلك والله أعلم أن قوله فى الأولى "بأفواههم " ينبئ عن مبالغة واستحكام وتمكن فى اعتقاد أو قصد لا يحصل من قوله "بألسنتهم " ألا ترى قولهم: تكلم بملء فيه حين يريدون المبالغة وقال تعالى: "اليوم نختم على أفواههم " والمراد المبالغة فى منعهم من الكلام وإذا ختم على الأفواه امتنعت الألسنة عن النطق وكان أحكم فى المنع ولما كان المراد بالآية الأولى الإخبار عن المنافقين كعبد الله بن أبى وأصحابه ممن استحكم نفاقه وتقرر فقال يوم أحد ما حكى الله تعالى من قولهم فى المخالفين لهم من الأنصار ممن أكرمه الله بالشهادة فى ذلك اليوم: "لو أطاعونا ما قتلوا " إلى ما قالوه من هذا ثم وروا عنه بقولهم لصالحى المؤمنين: "لو نعلم قتالا لاتبعناكم " فأخبر تعالى عنهم بما أكنوه من الكفر فقال تعالى: "هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم " فناسب الإبلاغ فى قوله تعالى: "بأفواههم " ما انطووا عليه واستحكم فى قلوبهم من الكفر وأما آية الفتح فإخبار عن أعراب ممن قال تعالى فيهم: "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " وهؤلاء لم يستقر نفاقهم كالآخرين وإنما أخل بهم قرب عهدهم بالكفر وإن لم يتقرر الإيمان فى قلوبهم لكن لا عن نفاق كنفاق الآخرين قال تعالى مخبرا عن هؤلاء الأعراب: "سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا " فعن هؤلاء قال تعالى: "يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم "، فعبر بالألسنة إشعارا بأن حال هؤلاء ليس كحال المنافقين المقصودين فى آية آل عمران.
فلاختلاف الطائفتين
اختلفت العبارة عما صدر منهم وورد كل على ما يناسب ولم يكن عكس الوارد ليناسب والله أعلم.
الآية السابعة عشرة:
قوله تعالى: "فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير " وفى سورة الملائكة [فاطر]: "وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور "، ورد فى هاتين الآيتين المفعول المقام مقام الفاعل وهو رسل مكسر والاسم المجموع جمع تكسير يجوز فيه التذكير
стр. 89
والتأنيث فورد فى الآية الأولى "فقد كذب " على رعى التذكير ولم يقرأ بغيره وفى الآية الثانية "فقد كذبت " على معنى التأنيث لزوما أيضا مع وحدة اللفظ فى المرفوع المفعول وما يجوز فيه من التذكير والتأنيث فيسأل عن ذلك.
والجواب عن ذلك والله أعلم أن كلا الآيتين مراعى فيه ما يلى تابعا للمرفوع من الوصف فى الأولى وما عطف فى الثانية.
أما الأولى فقال تعالى "جاؤوا بالبينات ".
ولا يمكن هنا إلا هذا فجرى على ما هو الأصل فى جمع المذكر المكسر من التذكير فلم تلحق الفعل علامة التأنيث، وأما آية الملائكة فلحقت التاء الفعل رعيا لما عطف على الآية من قوله تعالى: "وإلى الله ترجع الأمور " فليس فى هذا إلا التأنيث سواء بنى الفعل للفاعل أو للمفعول فنوسب بين الآيتين فقيل "كذبت " على الجائز الفصيح فى تأنيث المجموع المكسر ليحصل التناسب ولا يمكن عكس الوارد فى الآيتين والله أعلم.
الآية الثامنة عشرة: قوله تعالى: "وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور " وفى سورة لقمان: "واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور " بغير لام فى خبر إن فى الآيتين وفى سورة الشورى: "ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور " فزيد فى هذه الآية اللام المذكورة فى الخبر فقيل: "لمن عزم الأمور " فللسائل أن يسأل عن الفرق.
والجواب والله أعلم اختلاف ما وقع الحض على الصبر عليه فى هذه الآيات وأشير إليه بذلك وأنه من عزم الأمور أما الأولى فإن قبلها: "لتبلون فى أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا " فوقع الاخبار بالابتلاء فى الأموال والأنفس وسماع الأذى ممن ذكر فعرفوا بثلاث ضروب وأمروا بالصبر عليها وهو أربعة أشياء بالتفت التفصيل فى المسموع منه الأذى واعلموا أن الصبر عليها من عزم الأمور وأما آية لقمان فأشير فيها بذلك إلى أربع خصال أمر بها لقمان لبنه وذلك قوله: "يا بنى أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك " وأتبعت بقوله تعالى: "إن ذلك من عزم الأمور " والأربعة فى الآيتين من العدد القليل وأما آية الشورى فالاشارة فيها بقوله "إن ذلك " إلى اثنى عشر مطلوبا من لدن قوله تعالى: "فما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا " وهذه اشارة إلى التنزه عن ذلك ثم قيل للذين آمنوا: "وعلى ربهم يتوكلون " فالاشارة إلى الإيمان والتوكل والتزام ذلك ثم قال تعالى: "والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون " فهذه التزامات
стр. 90
ثلاثة ثم قال: "والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون " فهذه التزامات أربع ثم قال: "والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون " فأشار إلى أن هؤلاء لا يظلمون أحدا وان أقصى ما يقع منهم الانتصار ممن يظلمهم وذلك مباح لهم غير قبيح وقد قيل بقوله بعد: "وجزاء سيئة سيئة مثلها " ثم عرف بحال أجل من ذلك وأعلى عملا فقال: "فمن عفا وأصلح فأجره على الله " وأعلم مع علو هذا الملتزم أن المنتصر من ظلمه ما عليه من سبيل وانما السبيل إنما هو على ظالمى الناس والباغين، وبعد هذه الخصال النيفة على العشر قال تعالى فى التزام جميعها: "إن ذلك لمن عزم الأمور " فناسب كثرة هذه الخصال الجليلة زيادة اللام المؤكدة فى قوله "إن ذلك لمن عزم الأمور " ولم يكن فى الآيتين
قبلها كثرة فناسبها عدم زيادة اللام على أن ما ختمت به آية الشورى من قوله: "فمن عفا وأصلح فأجره على الله " وهى الخصلة الشاهدة بكمال الإيمان للمتصف بها فلو لم يكن قبل قوله: "إن ذلك لمن عزم الأمور " غيرها لكانت بمعناها أعم من الخصال المذكورة فى آية آل عمران إذ تلك الخصال داخلة تحت هذه الخصلة الجليلة ومن منطوياتها فناسب ذلك أتم المناسبة ولم يكن العكس ليناسب والله سبحانه أعلم.
стр. 91
سورة النساء
الآية الأولى منها: قوله تعالى: "يا أيها اللناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء " وفى سورة الأعراف: "هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن اليها " وفى سورة الزمر: "خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها " فيها ثلاث سؤالات،
أحدها: الفرق بين الخلق والجعل، والثانى: وجه تخصيص الأخيرتين بجعل والأولى بخلق، والثالث: وجه ورود ثم فى آية الزمر عوضا عن الواو.
والجواب عن الأول أن العبارة بخلق واردة على ما ينبغى وطابقة للمعنى المقصود وهو المراد بجعل إلا أن جعل ثانية عنها لتوقف الجعل على ما يتقدمه لأن العبارة بخلق تكون عند المتسرعين عن عدم سابق حيث لا تتقدم مادة ولا سبب محسوس واستيفاء الكلام هنا وتحرير التمثيل يطول وله مظان.
وأما الجعل فيتوقف على موجود مغاير للمجعول يكون منه المجعول أو عنه كالمادة والسبب، ولا يرد فى الكتاب العزيز لفظ جعل فى الأكثر مرادا به الخلق إلا حيث يكون فيله ما يكون عنه الجعل أو منه سببا فيه محسوسا عنه يكون ذلك المخلوق الثانى، بخلاف خلق فإن العبارة تقع كثيرا به عما لم يتقدم وجوده وجود مغاير يكون عنه الثانى، وقل ما تقع واحدة من العبارتين فى القرآن على خلاف ما ذكرناه، قال تعالى: "الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ".
وإنما الظلمات والنور عن أجرام توجد بوجودها وتعدم بعدمها
أما السماوات والأرض فليست كذلك أعنى أنها لا ترتبط بموجود حادث توجد بوجوده وتعدم بعدمه وإن قلنا بتقدم مادة حسبما ورد فى القرآن فى قوله تعالى: "ثم استوى إلى السماء وهى دخان " فى الخبر المذكور فى خلقها وقال تعالى: "وهو الذى مد الأرض وجعل فيها رواسى وأنهارا "، وقال تعالى: "وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون "، وفى هذه الآية والمتصلة بها قبلها شوب تصيير لتقارب المعنى فى التصيير وما يكون عن المادة فقد لاح الفرق بين خلق وجعل ووجه تخصيص كل آية مما تقدم بالوارد فيها.
وأما ورود جعل فى آية الأعراف فى قوله تعالى:
стр. 92
"وجعل منها زوجها " فلما قصد هنا من معنى السكن وكأنه أريد نفى المغايرة تقريبا وتأنيسا لحصول الركون والسكن الذى جعله الله من آياته ونعمه لتستحكم سببية التناسل والتكثير فكانت جعل أوقع فى هذا الغرض ثم إن الخبر وارد بخلق حواء من ضلع آدم فهذا نحو من المتقدم فى سورة الأنعام وعبر فى سورة النساء بخلق لمقصود الآية من التعريف بالأولية والابتداء
ولمناسبة ما اتصل بها من قوله "خلقكم " حتى يوافقه من اللفظ ما قصد من المعنى.
وأما الجواب عن السؤال الثالث وهو زيادة "ثم " فى سورة الزمر فلما قصد من الامتنان والإنعام على الجنس الآدمى ولتفاوت ما بين الآيتين العجيبتين من خلق الصنف الإنسانى من شخص واحد وخلق زوجه فجئ بثم المنبهة على معنى الاعتناء بذكر ما عطف بها والتأكيد لشأنه للمزية على المعطوف عليه القائمة مقام التراخى فى الزمان.
قال الزمخشرى: فإن قلت ما معنى قوله "ثم جعل منها زوجها " وما تعطيه من معنى التراخى؟ قلت: هما آيتان من جملة الآيات التى عددها دالا على وحدانيته وقدرته وهما تشعب هذا الخلق الفائت للحصر وانتشاره من نفس آدم وخلق حواء من قصيراه إلا أن إحداهما جعلها الله عادة مستمرة والأخرى لم يجر بها العادة ولم تخلق أنثى غير حواء من قصيرى رجل فكانت أدخل فى كونها آية وأجلب لعجب السامع فعطفها بثم على الآية الأولى للدلالة على مباينتها لها فضلا ومزية وتراخيها عنها فيما يرجع إلى زيادة كونها آية فهو من التراخى فى الحال والمنزلة لا من التراخى فى الوجود.
قلت وعلى هذا المأخذ يسقط الاعتراض بأن ثم قد تجرى مجرى الواو فلا تقتضى الترتيب الزمانى لزوما أما إذا قلنا إنها ترد لقصد التفاوت والتراخى الزمانى لزوما ولا تحتاج إلى انفصال عن ذلك الاعتراض ولا أن تقول: إن ثم قد تكون بمعنى الواو قلت ومن ورود ثم لما ذكرنا من تراخى الرتبة قوله جل وتعالى: "وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " قال الزمخشرى: ومنه قوله تعالى: "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ".
وكلمة التراخى دلت على ثبات المنزلتين دلالتهما على تباين المرتبتين فى جاءنى زيد ثم عمرو؟ أعنى أن منزلة الاستقامة على الخير مباينة لمنزلة الخير نفسه لأنها أعلى منها وأفضل ومنه قوله تعالى: "إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر "، قال الزمخشرى:
إن قلت ما معنى ثم الداخلة فى تكرير الدعاء قلت: الدلالة على أن الكرة الثانية أبلغ من الأولى ونحوه قوله:
стр. 93
ألا ياسلمى ثم اسلمى ثمت اسلمى
أنشده النحويون على إلحاق تاء التأنيث بثم وأنشده الزمخشرى ومثل ذلك: "ثم كان من الذين آمنوا " قال: جاء بثم لتراخى الإيمان وتباعده فى الرتبة والفضيلة عن العتق والصدق لا فى الوقت لأن الإيمان هو السابق المقدم على غيره ولا يثبت عمل صالح إلا به.
فثم حيث لا يقصد مهلة الزمان تحرز تنبيها على حال ما يعطف بها ومحله والإشارة إلى أنه بحيث أنه لو لم يذكر ما قبله لكان كافيا فى المقصود هذا ما تحصله حيث لا يقصد مهلى الزمان فلما قصد فى آية الزمر الإنعام والامتنان وتعداد ذلك تعظيما وتفخيما ورد بثم، فقال تعالى: "خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزاوج ".
فإن قلت: فقد كان الوجه على هذا أن لو قيل: ثم أنزل لكم من الأنعام قلت: هذه نعمة لا تفتقر لبيان أمرها إلى التنبيه بثم وليست موضع تغفل أو تخف وإنما موضع ثم حيث يراد الاعتناء والتنبيه على قدر المعطوف بها لاحتمال أن يخفى فإذا كان غير خاف وبين الاستقلال بنفسه لم يفتقر إلى هذا ومن حيث قصد معنى الامتنان كانت "جعل " أولى لما تقدم من معناها، فقد وضح ورود كل آية من الثلاث على ما يناسب المقصود من كل واحدة.
الآية الثانية: قوله تعالى: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما وازقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا " وفى آية أخرى بعد: "وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزوقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا ".
للسائل أن يسأل عن زيادة "واكسوهم " فى الأولى وسقوطها فى الثانية.
والجواب: ان قوله تعالى "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " إنما المراد به السفيه المتصير إليه المال بإرث ولا يحسن القيام عليه فيحجر عليه ماله إبقاء عليه ولا يمكن منه الا بقدر ما يأكله ويلبسه، فالنهى إنما هو للأوصياء ونسبة المال إليهم مجازا بما لهم فيه من التصرف والنظر، أما الآية الأخرى فليست فى شأن أحوال السفهاء وحكمها، وانما المراد بها المقتسمون لميراث يخصهم لا حق فيه لغيرهم فيحضرهم قريب فقير ويتيم محتاج ومسكين فندبوا إلى التصدق عليهم والإحسان، لا لحق هؤلاء فى المال فمن أين تلزم كسوتهم والتنصيص عليها؟ إنما ندبوا إلى الإحسان إليهم بالعفو مما يخف عليهم وسع ذلك كسوتهم أو لم يسع.
فافترق مقصد الآيتين وجاء كل على ما يناسب.
стр. 94
الآية الثالثة:
قوله تعالى: "ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم " وفى سورة المائدة: قوله تعالى: "فأثابهم الله بما قالوا جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين " وفى آخر هذه السورة قوله تعالى: "هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنهم ذلك الفوز العظيم " وفى سورة براءة: "لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون أعد الله لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم "، وفى آية منها فيما بعد قوله تعالى: "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم " وفى سورة إبراهيم: "وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم "، وفى سورة الكهف: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا أولئك لهم جنات عدن تجرى من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ...
الآية " وفى سورة الحديد: "بشراكم اليوم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم " وفى سورة المجادلة: "أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها رضى الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون " وفى سورة الصف: "يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار ومساكن طيبة فى جنات عدن " وفى سورة الطلاق: "ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا
قد أحسن الله له رزقا " وفى سورة البروج: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير " وفى سورة البريئة [البينة]: "جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنه ".
فهذه ثلاث عشرة آية يجمعها التعريف بالجزاء الأخراوى للمؤمنين والإشارة إلى حال الجزاء ووصفه وقد عرض فيها مما يسأل عنه مما اتفقت فيه أو اختلفت وانفرد به بعضها دون بعض ست سؤالات.
стр. 95
الأول: وهو اتفاق أكثرها فى ذكر الخلود وقد كثر اختلافهما فيما سوى ذلك.
والجواب عنه: أن وجه اتفاق أكثرها على ما ذكر أن كل نعيم ينقطع فليس بنعيم فى الحقيقة وكذلك العذاب وهذا واضح فلولا الخلود لما كان نعيما فلهذا كثر ترداده مع ضروب الجزاء.
والسؤال الثانى: ما وجه اجتماع الرضا والتأييد فى الآية الثانية من المائدة وثانية براءة وآية البريئة ولم يجمع بينهما فى البواقى؟
ووجه ذلك والله أعلم أن هذه الآيات على ما يذكر:
أما آية المائدة فقد قال تعالى فيها: "هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم "، وورد التصديق لعيسى ﵇ فوسمهم فيها بالصدق وهو أسنى حالات الإيمان وقد قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين "، فالصدق حال الأنبياء والرسل وأولى السوابق.
وأما الآية الثانية من سورة براءة ففيها: "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار " وسبقية هؤلاء رضوان الله عليهم وما عرف من حالهم وأنهم صفوة المحسنين من هؤلاء الأمة معلوم ملحق لهم بنمط الأعلين من الصادقين من أتباع الرسل فلما كان المشار إليهم فى الآيتين هم الأسوة والقدوة لمن سواهم ناسب حالهم الإطناب فذكر الرضا والتأييد ولم يقع فى الآيات البواقى وصف يلحق أصحابه بهؤلاء وإن شملهم الرضا والخلود فى الجنة لكن تحديد الذكر والإفصاح بالمقدر المفهوم من سياق الكلام وعمومه له حكم قد بين فى نحو قوله: "وجبريل وميكائيل " وبابه.
وأما الآية البريئة فإنها على حكم مقتضى الترتيب الثابت آخر آية ذكر فيها حال المؤمنين فى الجزاء الأخراوى معقبا به ذكر جزاء من كان فى طرف من حالهم من مستوجبى النار على التأييد فكانت هذه الآية مظنة استيفاء للحال فوردت ورود الآيتين قبلها.
والسؤال الثالث وهو ما وجه تخصيص الآيات الأربع: آية المائدة والثانية من سورة براءة وآية الطلاق وآية البريئة بذكر التأييد مع الخلود فقيل: "خالدين أبدا ".
ولم يقع ذلك فى البواقى؟
والجواب عن ذلك: استدعاء هذه المواضع الأربعة ذكر ذلك.
أما آية المائدة وثانية براءة فلما بنيتا عليه من الإطناب، ولما حمل فيهما على جمع التأييد والرضا حسبما تقدم
стр. 96
فى السؤال قبل هذا، وأما آية الطلاق فوجه ذكر التأييد فيها ما تكرر فى هذه السورة من ذكر غايات بينها قوله تعالى: "قد جعل الله لكل شئ قدرا " فلما أشارت آى السور إلى غايات ونهايات ناسب ذلك التعريف بأن خلود الجنة متأبد لا انتهاء له ولم يجمع بينه وبين ذكر الرضا إذ لم يجتمع لمن ذكر هنا ما اجتمع لأولئك الموصوفين فى آية المائدة وثانية براءة ولم يبلغوا مبلغهم.
وأما آية البريئة فإنها كما تقدم ختام حال الفريقين فاقتضت الاستيفاء.
والسؤال الرابع: ما وجه تخصيص آية المجادلة بالرضا فقط دون التأييد؟
والجواب عنه: أن المذكورين فى هذه الآية قد وصفوا بما يلحقهم بأعلى نمط وذلك قوله: "أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه " ثم قال: "أولئك حزب الله " ثم قال: "ألا إن حزب الله هم المفلحون " والفلاح الفوز والظفر ببغية الراغب وحيث يذكر الفوز فهو مغن عن ذكر التأييد إلا أن يقصد الإطناب ولذلك لم يقع ذكر التأييد فى آية النساء والأولى من براءة وسورة الحديد والمجادلة إذ الفلاح فوز فذكر الفوز أو الفلاح مغن عن ذكر التأييد فلم يجمع بينهما، ولما لم يذكر فى آية الطلاق الفوز ولا ما يرادفه لم يكن بد من ذكر التأييد.
فإن قلت: فإن مقصود آية المجادلة الإطناب فلم لم يجمع فيها بين التأييد والرضا؟
قلت: عدل إلى أوصاف حصل منها خصوص وإطناب فوقع الاكتفاء بها والله أعلم.
والسؤال الخامس: وهو وجه نخصيص آية المجادلة بقوله: "أولئك حزب الله " ووجه ذلك أنه قوبل به قوله فيمن قبل: "أولئك حزب الشيطان " ثم لما طال الكلام بهذا المسوق للمقابلة مع دلالته ودلالة ما قدم من كتب الإيمان والتأييد بروح منه سبحانه وذكر الفلاح لم يحتج إلى ذكر "أبدا " كما أشير قبل.
والسؤال السادس قد تحصل جوابه وهو اختصاص التأييد فقط بآية الطلاق.
الآية الرابعة:
قوله تعالى: "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا " وفى سورة الإسراء: "ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ".
للسائل أن يسأل عن زيادة قوله "ومقتا " فى سورة النساء وسقوط ذلك فى سورة الاسراء؟
والجواب عن ذلك: أن نقول: أن المقت هو النقص والاستحقار ومتزوج امرأة أبيه
стр. 97
فاعل رذيلة يمقت فاعلها ويشنأ وتستخسه الطباع السليمة فوسمت فعلته بالمقت وساوت الزنا فيما وراء ذلك فلهذا زيد فى آية النساء قوله "ومقتا ".
الآية الخامسة:
قوله تعالى: "محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان " وفى المائدة "محصنين غير مسافحين ولا متخذى أخدان " لا إشكال فى هذه الآية لأن مصرف الوصف فى الأولى للإماء المتزوجات عند عدم الطول ومصرف الوصف فى المائدة للمتزوجين من الرجال، وهذا السؤال والذى قبله لا إشكال فيهما.
الآية السادسة:
قوله تعالى: "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " وفى سورة النحل: "وجئنا بك شهيدا على هؤلاء "
للسائل أن يسأل عن وجه اختلاف ما اختلف فى هاتين الآيتين فى التقديم والتأخير من قوله "وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " وقوله "وجئنا بك شهيدا على هؤلاء " مع اجتماعهما فى معنى واحد من شهادة الرسل على أممهم وشهادة نبينا ﷺ على أمته؟
والجواب عن ذلك: والله أعلم أن آية النحل تقدمها قوله تعالى: "ويوم نبعث فى كل شهيدا عليهم من أنفسهم " فتقدم اسم الشهيد على المشهود عليه فورد ما نسق على ذلك من الإخبار بشهادته ﵇ على أمته مرتبا على ما تقدمه من مقتضى النظم فى التناظر والتناسب فقيل: "وجئنا بك شهيدا على هؤلاء " متوازنا مع قوله "شهيدا عليهم " وذلك على ما يجب والله أعلم.
أما آية النساء فلم يرد فيها إفصاح بذكر المشهود عليهم ولا كناية عنهم بضمير ولا اسم إشارة بل فى آية النساء داع إلى تقدم المجرور بـ على وهو أنه لما تقدم قوله تعالى: "والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " وذلك من صفة المنافقين ناسب هذا تقديم المجرور فى قوله "وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " حتى كأنه بحسب المفهوم لم يقصد به غيرهم ولا شهد على من سواهم وقد تقدم نحو هذا ومنه
لتقربن قربا جلذيا ما دام فيهن فصيل حيا
وقال تعالى: "ولم يكن له كفوا أحد " وليس فى آية النحل ما يقتضى ذلك بل مقتضاها إطلاق شهادته ﵇ للجميع من صالح وطالح إذ لم يتقدم قبلها التقييد بل ظاهر مما تقدمها أن المراد جميع من بعث ﷺ إليه فهذان حاملان من الآيتين على وجوب ورود النظم على ما ورد.
стр. 98
وأيضا فإن قوله تعالى "شهيدا " فى آية النحل لم يقع فى الفواصل بل أثنائها وتأمل ذلك من لدن قوله تعالى: "والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا " إلى قوله "لعلكم تشكرون " ثم قال: "ألم يروا إلى الطير مسخرات فى جو السماء ما يمسكهن إلا الله " إلى قوله "لقوم يؤمنون " واستمرار الآيات على ذلك إلى آخر السورة ولم يتخلل فيما اكتنف الآية قبلها وبعدها فيما قرب منها غير ذلك فقد تقررت فواصل هذه الآى من سورة النحل.
أما آية النساء فبناء نظمها على فواصل روعى فيها مجئ المنون المنصوب من غير التزام حرف بعينه واستمرت الآى قبلها على ذلك.
وقوله "جئنا بك على هؤلاء شهيدا " فاصلة استدعى ورودها على ذلك ما تقدمها من الفواصل وما تأخر عنها وانتظم ذلك على أعلى نظام وأجل مناسبة ولم يكن عكس الوارد فى الآيتين ليناسب والله أعلم.
الآية السابعة:
قوله تعالى: "فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله
стр. 99
كان عفوا غفورا " وفى سورة المائدة "فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون " للسائل أن يسأل عن زيادة "منه " فى آية المائدة وعن الواقع فيما أعقبت به كل آية منهما وعن الواقع من الطول فيما أعقبت به آية المائدة فهذه ثلاث سؤالات.
والجواب عن الأول منها: أن زيادة "منه " فى آية المائدة زيادة بيان ألا ترى أن قوله تعالى: "فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ".
لا يحصل منه ما يحصل من زيادة "منه " فزيدت بيانا واختصت بذلك آية المائدة لتأخرها فى الترتيب الثابت عليه المصحف والبيان يتأخر عما هو بيان له فجاء على ما يجب.
والجواب عن السؤال الثانى: وهو وجه التناسب بين الآى وما أعقبت به وهو أن آية النساء نزلت قبل تحريم الخمر وقد ذكر المفسرون وغيرهم السبب فى نزول قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون " وأنها نزلت قبل التحريم كما تقدم وكان شاربها قبل أن تحرم ربما عرض له بسببها التأخير لصلاته كما أشارت إليه الآية وفى تأخيرها عن أول وقتها نقص للفضل الموجود فى أدائها أول وقتها فلما كان ذلك مظنة لنقص والوقوع فى أدائها فى آخر وقتها أو بعد وقتها ربما كان الإثم، والآية قد أعقبت بآية التيمم ناسب ما تقدم التعقيب بقوله "إن الله كان عفوا غفورا " إذ العفو والمغفرة مرجوان فى نحو ما تقدم.
وأما آية المائدة فإنه لما تقدم قبلها حلية طعام أهل الكتاب وجواز نكاح نسائهم على الحاصل من قوله تعالى: "اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم " وحال بنى إسرائيل من تحريم الشحوم عليهم وغير ذلك مما شدد عليهم فيه مما هو أمر مرفوع عنا ناسب ذلك تعقيب آية المائدة بقوله تعالى: "ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون " فجاء كل على ما يناسب.
والجواب عن السؤال الثالث: أن آية النساء غير مقصود بها ما قصد بآية المائدة من الإطناب وتأمل ما انطوت عليه كل آية منها من عدد الكلم والحروف من لدن قوله تعالى فى النساء "يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " إلى قوله "وأيديكم " وقوله فى المائدة "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم " إلى قوله "وأيديكم منه " تجد آية العقود يزيد عدد حروفها على آية المائدة بضعا وثلاثين حرفا فلما أطيل فى هذه ناسبها ما أعقبت به وبنى عليها من قوله "ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون " وناسب إيجاز آية النساء ما بنى عليها من قوله "إن الله كان عفوا غفورا " إيجازا بإيجاز وإطنابا بإطناب.
فإن قيل: إن الإيجاز فى الكتاب عمدة ما بنى عليه وهو الجارى فى بلاغته وإنما يكون إطناب الكلام لحامل وداع فما الحامل على ذلك فى آية المائدة؟
فقلت: الحامل على ذلك فيها تفصيل ما وقع فى الآى قبلها مما حلل وحرم من لدن قوله قوله "حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير " إلى تفصيل ما أحل لكم من قوله "يسألونك ماذا أحل لهم " إلى الآية المتكلم فيها فلما جرى ذلك كله مفصلا مستوفى ناسبه الوارد فى الآية وليس فى آية النساء من مثل هذا شئ مما حلل أو حرم فجرى حكمه على نسبة ما تقدمها بناء على رعى المناسبة والله أعلم بما أراد.
الآية الثامنة:
قوله تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما " وفى نصف "لا خير فى كثير من نجواهم " "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا "
للسائل أن يسأل عن وجه
стр. 100
اختلاف تعقيب الأولى بقوله "فقد افترى إثما عظيما " وتعقيب الثانية "فقد ضل ضلالا بعيدا ".
والجواب: أنه لما وقع قبل الآية الكريمة ذكر أهل الكتاب وذكر اعتدائهم وتحريفهم من لدن قوله تعالى: "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل " ثم قال بعد هذا: "من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه " وهذا إفصاح بكذبهم وافترائهم ثم أتبع ما ذكر بقوله تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به " ناسب ما تقدم من أوصاف الشرك الافتراء الذى هو أخص صفات من كذب من أهل الكتاب من أن المشرك مفتر فقال : "ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما " ولما لم يتقدم مثل ذلك فى الآية الأخرى إنما تقدم قبلها قوله: "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى " وقبلها ما يخص منافقى أيام نبينا ﵇ من لدن قوله تعالى: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما " ثم قال: "ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ....
الآية " فلم يقع فى هذه الآى ذكر تحريف ولا افتراء إنما ذكر منافقو أيامه ﵇ بنفاقهم وما صدر منهم من غير الكذب والافتراء فناسب ذلك ما بنى عليه من قوله سبحانه: "ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا " كما ناسب قوله فى الأولى "فقد افترى إثما عظيما " ما تقدمه وبنى عليه وجاء كل على ما يجب ولو أعقبت الأولى الثانية والثانية بما أعقبت به الأولى لما ناسب على ما تقدم.
والله أعلم.
الآية التاسعة:
قوله تعالى: "وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا " وفى سورة المائدة: "وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا "،
للسائل أن يسأل عن وجه ما ورد فى هاتين الآيتين من قوله فى الأولى " إلى ما أنزل الله وإلى الرسول " والاكتفاء فى الثانية بقوله " إلى ما أنزل الله " مع استوائهما فى دعاء المخالفين ممن ذكر قبل كل آية منهما إلى متابعة الحق والرجوع إليه.
والجواب أن حال المدعوين مختلف فإن الآية الأولى فى منافق ويهودى تخاصما وتحاكما إلى كعب بن الأشرف ورضيا بحكمه فالمراد بالآية المنافقون لأنهم المظهرون أنهم آمنوا بما أنزل على محمد ﷺ وعلى موسى ﵇ القائلون ذلك بألسنتهم ولكون ذلك
стр. 101
نطقا بألسنتهم عبر بالزعم وكنى بالطاغوت فيما ذكره المفسرون عن كعب بن الأشرف قال تعالى: "ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به " ولم تؤمر يهود أن يكفروا بأحبارهم ما لم يحرفوا وإنما المأمورون بالكفر منهم المؤمنون حين ظهر تحريفهم وتبديلهم ثم قال تعالى: "وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول " أى للحكم بينهم بما أنزل الله صدوا عنه ونفروا إلى التحاكم عند كعب بن الأشرف أو عند الكاهن على الاختلاف فى ذلك.
وأما آية المائدة فمبنية على ما تقدمها من مرتكبات أهل الجاهلية وما سنوه تقليدا أو اتباعا لعمرو بن لحي وأشباهه ممن سن مثل تغييرا لملة إبراهيم ﵇ فدان بفعلهم فى البحيرة والسائبة والوصيلة والحام
أما البحيرة فهى المشقوق أذنها طولا بنصفين متروكة ترعى وترد الماء لا ينتفع بشئ منها فإذا ماتت أكلها الرجال وحرمت على النساء وذلك إذا ولدت أبطنا قبل عشرة وقبل غير ذلك وكل ضلال باطل.
وأما السائبة فالناقة تسيب للآلهة وأيضا إذا اتبعت إناثا ثنتى عشرة لا ذكر فيها.
وأما الوصيلة فالشاة إذا ولدت ثلاثة بطون أو خمسة إن كان آخرها ذكرا ذبحوه لآلهتهم وإن كان أنثى استحيوها وقالوا إن الأنثى قد وصلت آخاها ومنعته أن يذبح وقيل غير هذا.
والحام فحل الإبل إذا ضرب فيها عشرة أعوام أو ولد من ظهره عشرة قيل ظهره فسيب.
فالضمير من قوله "وإذا قيل لهم " راجع إلى القائلين بهذه الأشياء المتبعين فيها لآبائهم فبين تعالى وحكم فيها بقوله "ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ".
إلى قوله "ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب " فحكم هذه الأشياء بين واضح من كتاب الله لا يفتقر فى تعرفه إلى غير سماعه إذا حصل التصديق به وسواء سمع ذلك منه ﷺ أو من غيره لتواتر نقله فلهذا لم يذكر هنا دعاء إلى زائد على المنزل.
أما آية النساء ففى قضية تخاصم لابد من التحاكم فيها إلى مجتهد يفصل فيها بما فهمه الله من كتابه والآتى به ﷺ هو المبين ما فيه والمعصوم فيما بين منه ويحكم به والقضية واقعة حال وجوده وحضوره فإليه ﷺ المرجع فلهذا قيل فى تلك الآية "وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول " ولم يكن عكس الوارد فى الآيتين ليناسب والله أعلم.
الآية العاشرة:
قوله تعالى: "ومن أصدق من الله حديثا " وبعد
стр. 102
هذا "ومن أصدق من الله قيلا "،
للسائل أن يسأل عن اختلاف التعبيرين مع أن المتقدم فى كل من الآيتين إخبار أخراوى.
ففى الأولى "ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه " وفى الثانية وما وعد الله به المؤمنين فى قوله "سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار " ثم جئ بالتمييز مختلفا فقيل فى الأولى "ومن أصدق من الله حديثا " وفى الثانية "ومن أصدق من الله قيلا " فخولف فى العبارة مع وحدة المعنى فيسأل عن ذلك وهل كان يجوز العكس؟
والجواب أن التعبير الثانى مبنى على ما يجب ربطه به من قوله "وعد الله حقا " وقيل "ومن أصدق من الله قيلا " وأنيب مناب وعدا فكأن قد قيل: ومن أصدق من الله وعدا وهو ما وعدهم به تعالى من النعيم وعظيم الإحسان فجئ بلفظ يوازن المصدر عن قبله وهما وعدا وحقا ويشابههما فى الخفة فسكون عين الكلمة وعدد حروفها كالمصدرين قبلها وكأنه إنما أريد تكرار المصدر بلفظه فاستثقل التكرار للتقارب وعادة العرب فى ذلك فعدل إلى ما يجاريه ويحرز المعنى ولتجرى المصادر الثلاثة مجرى واحدا خفة ووزنا إحرازا للتناسب والتلاؤم.
ولما لم يتقدم فى الآية الأولى ما يستلزم هذا وإن قوله تعالى "ليجمعنكم إلى يوم القيامة " إخبار وحديث عن البعث بعد الموت وجمع الخلق لحسابهم ومجازاتهم على الخير والشر فهو إخبار وإنباء، ومثله ما ورد فى قوله تعالى إخبارا عن قول منكرى البعث "هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق "الآية فالإنباء هنا هو ذلك الخبر الصدق منه تعالى بقوله "ليجمعنكم إلى يوم القيامة " الآية فقد وضح ورود كل واحدة من الآيتين على ما يناسب ويلائم والله أعلم.
الآية الحاية عشرة:
قوله تعالى: "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ...
الآية " وفى الأنفال: "ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب " وفى الحشر: "ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله فإن الله شديد العقاب "
للسائل أن يسأل عن إدغام الوارد فى الحشر وفك الإدغام فى السورتين قبل ما وجه ذلك مع أن الفك والإدغام فصيحان؟
الجواب أن الإدغام تخفيف وليس بالأصل فورد فى النساء على الأصل ولم يقترن به ما يستدعى تخفيفه ولا سؤال فى ذلك ولما تقدم فى سورة الحشر قوله تعالى: " ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله "وتقد الماضى مدغما ولم يسمع فى الماضى إلا تلك اللغة،
стр. 103
فجئ بما حمل عليه من قوله: "ومن يشاق الله " مدغما ليحصل مجئ الإدغام قبله فى الماضى من قوله "ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله " وعطف "ورسوله " على اسم الله تعالى وقد وردت نسبة المشاقة لله ورسوله وورد ذلك بالعطف بالواو الجامعة وهو ما يناسب الفك فاستدعى الموضع داعيان:
أحدهما ما قبله من الإدغام،
والثانى ما بعده من العطف المشبه للفك، فروعى البعدى لأنه أقوى فى الرعى كما فعلوا فى الإمالة فلم يميلوا مناشيط وما كان مثله مما تأخر فيه حرف الاستعلاء وإن حال بينه وبين الألف حرفان ومع ذلك فإنه يمنع الإمالة وليس كذلك فى قوة المنع إذا تقدم مع حائل فكذا فعلوا فيما تقدم فراعوا ما بعد كما ذكرنا فلم يدغموا إذ المتقدم فى قوة المفروع منه المنقطع المتصل بعد فى النطق أقرب، فورد على ما يجب ويناسب.
الآية الثانية عشرة:
قوله تعالى: "وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا "
وفى آية أخرى بعد
"ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما "
فيهما سؤالان:
قوله فى الأولى "وإن تحسنوا وتتقوا " وفى الثانية "وإن تصلحوا " والختامان "خبيرا " فى الأولى و"غفورا " فى الثانية.
والجواب والله أعلم: أن الآية الأولى فيما بين المرأة وزوجها فإذا خافت منه وأرادت تآلفه وبقاءه وكينونتها فى عصمته فلا جناح عليهما أن تعطى شيئا من نفسها وتترك بعض حقها كأن تؤثر ضرتها فى القسمة أو تترك هى حظها كما فعلت سودة رضى الله عنها أو تهب له من حالها لا جناح عليهما فى هذا ولا على زوجها فى قبول ذلك منها وإن كان الطبع يأبى من إسقاط حق أو تنقصه لما جبلت عليه النفوس وإليه الإشارة بقوله تعالى: "وأحضرت الأنفس الشح " ثم قال تعالى: "وإن تحسنوا وتتقوا " فندب كلا منهما إلى الإحسان والتقوى والزوج أخص بذلك وأولى وأن يحتمل كل منهما من صاحبه ويصبر فإن الله مطلع عليه خبير بما يكنه ويخفيه،
ثم قال: "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بيم النساء ولو حرصتم " لأن القلوب لا تملك ولا بيد الإنسان فسادها ولا صلاحها فإن عدل فى القسمة والمحادثة والإنفاق والنظر وبشاشة الوجه وجميل الملاقاة وفرضنا اجتهاده فى هذا كله حتى تحصل المساواة
стр. 104
لم يقدر أن يميل بقلبه إلى كلهن على حال سواء: "فلا تميلوا كل الميل " بل على الإنسان أن يجتهد وفى الحديث عنه ﵇: "اللهم هذه قسمتى فيما أملك فلا تلمنى فيما لا أملك "، "فتذروها كالمعلقة " لا ممسكة ولا مطلقة ثم قال تعالى: "وإن تصلحوا وتتقوا " والمراد ما استطعتم وكان فى إمكانكم فإن الله يغفر لكم ما سوى ذلك.
والآية الأولى مقصودها يستدعى ما ختمت به من أنه تعالى خبير بأفعال عباده وأعمالهم الظاهرة والباطنة ومساق هذه الأخرى يستدعى مغفرته تعالى إذ قد عرفت الآية أن العدل لا يستطاع فإن لم تكن المغفرة هلك الملكف فورد أعقاب كل آية بما يناسب وأما ورود "وإن تحسنوا " فى الآية الأولى وورود "وإن تصلحوا " هنا فمفهوم مما تمهد وأنسب شئ والله أعلم.
الآية الثالثة عشرة:
قوله تعالى: "وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما ولله ما فى السماوات وما فى الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما فى السماوات وما فى الأرض وكان الله غنيا حميدا ولله ما فى السماوات وما فى الأرض وكفى بالله وكيلا "
للسائل أن يسأل عن وجه اختلاف ما أعقبت به هذه الآى الثلاث من أوصافه العلية : "وكان الله واسعا حكيما " وفى الثانية: "وكان الله غنيا حميدا " وفى الثالثة: "وكفى بالله وكيلا " يسأل عن ذلك وعن تكرار إخباره تعالى وقوله "ولله ما فى السماوات وما فى الأرض " ثلاث مرات مع تقارب الكلام واتصاله.
والجواب عن الأول: إنه لما قال سبحانه فى الزوجين عند عدم انقيادهما لحسن المعاشرة "وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته " قال الزمخشرى: "يرزقه زوجا خيرا من زوجته وعيشا أهنأ من عيشه " ولما قال "يغن الله كلا من سعته " ناسب هذا ذكر ما يقتضى من صفاته عموم وجوه الإحسان وأنه لا نفاد لما عنده مما به قوام عيشهم وكمال حال كل واحد منهم من الرزق والسكن والتأنيس وأنه سبحانه المنفرد بعلم وجه الحكمة فى تآلفهم فقال "وكان الله واسعا حكيما " أى كثير العطاء جم الإحسان عليم بخفيات مصالح العباد فقوله "وكان الله واسعا حكيما " عقب ما تقدمه من قوله " وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته " أوضح شئ فى المناسبة ثم اتبع بما يلائم ذلك ويزيده وضوحا من إخباره تعالى من أن السماوات والأرض وما فيهما ملكه تعالى فقال "ولله ما فى السماوات وما فى الأرض " ثم أتبع سبحانه أنه بما يرجع إلى عموم
стр. 105
إحسانه إلى من تقدم من المخاطبين بكتبه المنزلة رحمة لعباده وإحسانه كما أحسن إلى المواجهين بهذا الكتاب والمهيمن من على هذه الخطاب فقال "ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله " وأعلم سبحانه أنه محسن إليهم لأن تقواهم إياه تعالى مثمرة لهم السلامة من عذابه والنجاة من أليم عقابه وأنه ليس به إلى تقواهم من حاجة ولا يعود إليه سبحانه من كل ذلك منفعة إذ هو الغنى عنهم وعن عبادتهم فقال: "وإن تكفروا فإن لله ما فى السماوات وما فى الأرض " فهو الغنى عنكم وعن عبادتكم كما قال تعالى فى آية أخرى: "وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن فى الأرض جمبعا فإن الله لغنى حميد " وقال تعالى: "فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غنى حميد " وإذا كان الكل ممن فى السماوات والأرض ملكا له سبحانه وتحت قهره وفى قبضته يفعل فيهم ما يشاء ولا يكون منهم إلا ما يشاؤه ويريده وهو الغنى الحميد ثم أكده بقوله "ولله ما فى السماوات وما فى الأرض " لما بنى عليه من قوله "وكفى بالله وكيلا " أى حافظا لجميع
ذلك منفردا بتدبيره وإمساك السماوات والأرض ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده فختام الآية بهذه الصفة من أنسب شئ وأبينه والله أعلم.
الآية الرابعة عشرة:
قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله " وفى المائدة: "كونوا قوامين لله شهداء بالقسط "فقدم فى آية النساء قوله "بالقسط " وأخر فى المائدة فيسأل عن وجه ذلك.
والجواب عنه والله أعلم: أن الآيات المتصلة بآية سورة النساء مبنية على الأمر بالعدل والقسط قال تعالى: "من يعمل سوءا يجز به ...
الآية " وقال بعد: "ويستفتونك فى النساء " ثم قال: "وأن تقوموا لليتامى بالقسط " وتوالت الآى بعد على هذا المعنى فقدم قوله بالقسط ليناسب ما ذكر
وأما آية المائدة فثبت قبلها الأمر بالطهارة ثم تذكيره سبحانه بتذكر نعمه والوقوف مع ما عهد به إلى عباده والأمر بتقواه فناسبه قوله: "كونوا قوامين لله " ثم أتبع بما بنى على ذلك من الشهادة بالقسط فتأمل ما بنى على هذه وما بنى على آية النساء يتضح لك ما قلته والله أعلم بما أراد.
الآية الخامسة عشرة:
قوله تعالى: "إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا " وفيما بعد من السورة نفسها
"إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا
стр. 106
إلا طريق جهنم ..
الآية "
للسائل أن يسأل عن وجه اختلاف الكنايتين عما إليه الهداية الممنوعة عمن ذكر فى الآيتين مع استواء حال من ذكر فيهما من التلبس بالزيادة على الكفر وفى الجزاء بعدم الغفران ومنع الهداية ومع أن مسمى السبيل والطرق واحد فما وجه اختلاف الكناية باسم السبيل فى الأولى والطرق فى الثانية؟
والجواب والله أعلم: أن السبيل والطريق وإن استويا واتحد معناهما فيما ذكر فبينهما فرق واضح عن حيث أن مواضع السبيل أكثر ترددا فى الكلام ففى إطلاق لفظه توسعه وعموم ليست فى إطلاق لفظ طريق فقد ورد ذكر السبيل فى الربع الأول من الكتاب العزيز فى بضع وخمسين موضعا أو نحو ذلك من ذلك فى سورة البقرة أربعة عشر موضعا أولها قوله تعالى: "ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل " وآخرها قوله تعالى: "للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله " وفى آل عمران ستة مواضع وفى النساء ستة وعشرون موضعا وفى المائدة والأنعام تسعة مواضع ولم يقع ذكر الطريق فى كتاب الله كله إلا فى [أربعة مواضع] ثم إن اسم السبيل مع ما تقرر من كثرة ترداده أغلب وقوعا فى الخير وسبيل السلامة إفصاحا وإشارة، ولا يكاد اسم الطريق يرد مرادا به السلامة والخير إلا مقرونا بوصف أو إضافة أو ما يخلصه لذلك كقوله تعالى: "يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم ".
وإذا تقرر هذا فقوله تعالى فى الآية الأولى: "إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا " حاصل منه وسم هؤلاء بشر وصف وأعظمه وأبلغه بأقصى غاية فى شنعة المرتكب فليست حال من كفر بعد إيمان كحال من لم يتقدم كفره إيمان قال تعالى فيمن توعده بأشد الوعيد: "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم "
إلى ما وصفوا به من استحبابهم الحياة الدنيا على الآخرة وإنما وقع ذلك منهم بعد علمهم بكيان الآخرة وتصديقهم بها ثم اختاروا الدنيا عليها فحالهم حال من أضله الله على علم ولا أسوأ حال من هؤلاء.
أما الموصوفون فى الآية الثانية بالكفر والظلم فدون هؤلاء فى شنعة المرتكب والمبالغة فى الضلال ألا ترى أن حال الكافر الذى لم يتقدم منه إيمان ليست كحال من تقدم منه إيمان لكفر هذا على علم ولا حال من وصف بالظلم وإن كان يقع على الكفر وما دونه كحال من وصف فى الآية الأولى بعوده
стр. 107
إلى الإيمان ثم إلى الكفر بعد ذلك ثم الازدياد فى الكفر فلما بلغت حال هؤلاء فيما وصفوا به أشنع غايات الكفر والضلال وأشدها تخبطا ناسب ذلك الكناية عما صدوا عنه ومنعوه "بالسبيل " مناسبة بين حالهم والممنوع من محسود مآلهم ولما لم يكن وصف الآخرين بالكفر والظلم يبلغ شنعة المرتكب مبلغ أولئك عدل فى الكناية عما منعوه إلى ما يناسبه وجرى كل على ما يجب ويناسب ولم يكن عكس الوارد ليلائم ولا ليناسب والله أعلم.
الآية السادسة عشرة:
قوله تعالى: "إن تبدوا خيرا أو تخفوه تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا " وفى سورة الأحزاب: "إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شئ عليما "
للسائل أن يسأل هنا فى ثلاثة مواضع: أحدها قوله: "إن تبدوا خيرا " وفى الأحزاب "شيئا " فيسأل عن وجه الفرق؟ والثانى: ما الموجب لخلاف جواب الشرط فى الآيتين؟ ففى الأولى "فإن الله كان عفوا قديرا " وفى الثانية "فإن الله كان بكل شئ عليما " والثالث: زيادة قوله فى الأولى "أم تعفوا عن سوء ".
والجواب عن الأول: إن قوله تعالى "إن تبدوا خيرا أو تخفوه " مقصود به خصوص طرف الخير وعمل البر جريا على ما دارت عليه سورة النساء وتردد فيها من إصلاح ذات البين والندب إلى العفو والتجاوز عن السيئات ألا ترى قوله تعالى لمقتسمى الميراث فيمن حضره من ذوى القربى وذوى الحاجات "فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا " وقوله فى الآيتين الفحشة "فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما " وقوله فى النساء "وعاشروهن بالمعروف " وقوله "فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا " وقوله "فأعرض عنهم وعظهم " وقوله "وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما " إلى أمثال هذه الآى مما يطول ذكره ولا يكثر فى غير هذه السورة ككثرته فيها ومن هنا لم يتعرض فيها لأحكام الطلاق وان كانت السورة مبنية على أحكام النساء لكن خص من ذلك ما فيه التآلف والإصلاح وما يرجع إلى ذلك ولم يرد فيها من أحكام الطلاق الا ما أشار إليه قوله تعالى "وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته " فذكر هذا القدر عند استدعاء معنى الكلام وتمام المقصود به إليه بأوجز لفظ وبما يؤنس الفريقين ولم يذكر فيها اللعان ولا الظهار ولا الخلع ولا طلاق الثلاث بل ذكر فيها استحاب العشرة
стр. 108
إلى التوارث فلما كان مبنى السورة على هذا ناسب لك طرف الخير غير مشار إلى ضده الا بالعفو عما وقع بالمكلف فيه فقال تعالى: "إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء " فنوسب بهذا الخصوص خصوص ما تكرر فى السورة بما ذكر من العفو وما يحرزه وفى سورة البقرة: "وأن تعفوا أقرب للتقوى " وذلك فى مثل ما تقدم هنا من أحكام النساء.
وأما آية الأحزاب فمقصود بها ما يعم الطرفين من الخير والشر ألا ترى ما تقدمها من قوله تعالى "وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا " وما تقدم فى هذه السورة من ذكر المنافقين وسوء مرتكبهم فى قصة الأحزاب وقولهم "ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا " وقولهم فى الاستئذان "إن بيوتنا عورة " وكذبهم فى ذلك فحذر الله
المؤمنين من مرتكبات المنافقين وأعلمهم أنه تعالى لا يخفى عليه شئ "سواء منكم من أسر القول ومن جهر به " فقال تعالى "إن تبدوا شيئا أو تخفوه " فلما قصد فى هذه الآية عموم الطرفين ورد بلفظ مطلق يعم الخير والشر فقال تعالى: "إن تبدوا شيئا " والشئ يقع على كل موجود من ذات أو معنى حتى أن بعض المتكلمين يطلقه على المعدوم المقدر الوجود فيقول بشيئة المعدوم وليس هذا من قولنا ولكن الإطلاق حاصل كيفما قيل والشئ المخفى المشار إليه فى الآية إنما هو عمل قلبى موجود بمحله فلا اعتراض علينا به والخير والشر داخلان تحت ذلك وأما لفظ خير فى آية النساء فقد تقدم خصوصه ومناسبته فورد كل على ما يجب ويناسب ولا يمكن فيه العكس.
والجواب عن السؤال الثانى: ان اختلاف جواب الشرط فى الآيتين إنما هو بحسب ما يستدعيه فقوله تعالى فى الأحزاب: "فإن الله كان بكل شئ عليما " يبين الجوابية لقوله تعالى: "إن تبدوا خيرا أو تخقوه " وأم قوله فى آية النساء "فإن الله كان عفوا قديرا " فمنزل على قوله "أو تعفوا عن سوء "فندب سبحانه العباد إلى العفو بمفهوم هذه الكلام بإعلامهم أن تلك سنة فى خلقه من عفوه عن المسئ مع القدرة على أخذه والانتقام منه "ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة " وهذا الجواب لقوله تعالى: "أو تعفوا عن سوء " يفهم جواب الأمرين من إبداء الخير وإخفائه وان ذلك يحبه تعالى ويثيب عليه فقد بان التناسب فى هذا كله فى كل واحد من الشرطين وجوابهما.
والجواب عن السؤال الثالث: ان قوله تعالى: "أو تعفوا عن سوء " من تمام ما
стр. 109
قصد بالآية من الندب إلى تحصيل أفعال البر وان العفو عن السوء من أجلها وبذلك أمر تعالى نبيه ﷺ فى قوله تعالى: "فاعف عنهم واصفح " فى غير ما آية فقد بان التاسب فى هذا كله.
ووضح أن كل ما ورد فى الآيتين لا يلائمه غير موضعه والله أعلم بما أراد.
стр. 110
سورة المائدة
الآية الأولى منها:
قوله تعالى: " أحلت لكم بهيمة الأنعام " وفى سورة الحج: "وأحلت لكم الأنعام "، للسائل أن يسأل عن وجه ما ورد فى الآيتين مع اجتماعهما فى التعريف بحلية هذا الضرب من الحيوان البهيمى مفصحا فيهما بتقرير حكم التحليل بالماضى وهو قوله "أحلت لكم " ثم خصت آية المائدة بزيادة لفظ "بهيمة " ولم يرد ذلك فى آية الحج فيسأل عن وجه ذلك؟
والجواب عنه والله أعلم: أن المقصود فى الآيتين مختلف فوردت الألفاظ بما يحرز ذلك وبيانه أن اسم الأنعام إنما يقع على ما ذكر فى آية سورة الأنعام من الأزواج الثمانية حين تفسرت مفصلة فقال تعالى: "ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين " ثم قال تعالى: "ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين " وهى أصناف أربعة الإبل والبقر والضأن والمعز تفصلت بحسب التذكير والتأنيث إلى ثمانية والحمولة منها ما أطاق الحمل على ظهره وهى الإبل والفرش ما سواها وقيل غير هذا وقال تعالى: "وإن لكم فى الأنعام لعبرة نسقيكم مما فى بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين " وإنما اللبن المراد هنا المنعم به علينا لبن الأنعام وهى الأزواج الثمانية أما لبن الوحشى غير الإنسى فلم يقصد هنا وان كان حلالا لتعذر إدراكه وليس هو المراد فى الأنعام وان جاز إطلاق اسم الأنعام على الوحشى مجازا لجامع سنذكره بعد.
قال الهروى: الأنعام المواشى من الإبل والبقر والغنم وإذا وضح أن الأنعام هى الأزواج الثمانية فمن المعلوم أن غيرها من الوحشى الذى لا يدرك إلا بالصيد محرم على الحاج ما دام فى عمله قال تعالى: "وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " ولما كانت آية سورة الحج مناطة بما أمر به الحاج فى قوله: "ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق " والأمر بتعظيم تلك الحرمات والشعائر الإيمانية فى قوله تعالى: "ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه " وصل بها ما يحل أكل لحمه للمحرم حال إحرامه فقال تعالى: "وأحلت لكم الأنعام " ولم يكن ليلائم هذا الموضع ما ورد فى آية المائدة من قوله تعالى:
следующие страницы →