← Тафсир

Тафсир · id 1419

ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل

ابن الزبير الغرناطي

Полный текст (513 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إلا طريق جهنم .. الآية " للسائل أن يسأل عن وجه اختلاف الكنايتين عما إليه الهداية الممنوعة عمن ذكر فى الآيتين مع استواء حال من ذكر فيهما من التلبس بالزيادة على الكفر وفى الجزاء بعدم الغفران ومنع الهداية ومع أن مسمى السبيل والطرق واحد فما وجه اختلاف الكناية باسم السبيل فى الأولى والطرق فى الثانية؟ والجواب والله أعلم: أن السبيل والطريق وإن استويا واتحد معناهما فيما ذكر فبينهما فرق واضح عن حيث أن مواضع السبيل أكثر ترددا فى الكلام ففى إطلاق لفظه توسعه وعموم ليست فى إطلاق لفظ طريق فقد ورد ذكر السبيل فى الربع الأول من الكتاب العزيز فى بضع وخمسين موضعا أو نحو ذلك من ذلك فى سورة البقرة أربعة عشر موضعا أولها قوله تعالى: "ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل " وآخرها قوله تعالى: "للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله " وفى آل عمران ستة مواضع وفى النساء ستة وعشرون موضعا وفى المائدة والأنعام تسعة مواضع ولم يقع ذكر الطريق فى كتاب الله كله إلا فى [أربعة مواضع] ثم إن اسم السبيل مع ما تقرر من كثرة ترداده أغلب وقوعا فى الخير وسبيل السلامة إفصاحا وإشارة، ولا يكاد اسم الطريق يرد مرادا به السلامة والخير إلا مقرونا بوصف أو إضافة أو ما يخلصه لذلك كقوله تعالى: "يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم ". وإذا تقرر هذا فقوله تعالى فى الآية الأولى: "إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا " حاصل منه وسم هؤلاء بشر وصف وأعظمه وأبلغه بأقصى غاية فى شنعة المرتكب فليست حال من كفر بعد إيمان كحال من لم يتقدم كفره إيمان قال تعالى فيمن توعده بأشد الوعيد: "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم " إلى ما وصفوا به من استحبابهم الحياة الدنيا على الآخرة وإنما وقع ذلك منهم بعد علمهم بكيان الآخرة وتصديقهم بها ثم اختاروا الدنيا عليها فحالهم حال من أضله الله على علم ولا أسوأ حال من هؤلاء. أما الموصوفون فى الآية الثانية بالكفر والظلم فدون هؤلاء فى شنعة المرتكب والمبالغة فى الضلال ألا ترى أن حال الكافر الذى لم يتقدم منه إيمان ليست كحال من تقدم منه إيمان لكفر هذا على علم ولا حال من وصف بالظلم وإن كان يقع على الكفر وما دونه كحال من وصف فى الآية الأولى بعوده

стр. 107

إلى الإيمان ثم إلى الكفر بعد ذلك ثم الازدياد فى الكفر فلما بلغت حال هؤلاء فيما وصفوا به أشنع غايات الكفر والضلال وأشدها تخبطا ناسب ذلك الكناية عما صدوا عنه ومنعوه "بالسبيل " مناسبة بين حالهم والممنوع من محسود مآلهم ولما لم يكن وصف الآخرين بالكفر والظلم يبلغ شنعة المرتكب مبلغ أولئك عدل فى الكناية عما منعوه إلى ما يناسبه وجرى كل على ما يجب ويناسب ولم يكن عكس الوارد ليلائم ولا ليناسب والله أعلم. الآية السادسة عشرة: قوله تعالى: "إن تبدوا خيرا أو تخفوه تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا " وفى سورة الأحزاب: "إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شئ عليما " للسائل أن يسأل هنا فى ثلاثة مواضع: أحدها قوله: "إن تبدوا خيرا " وفى الأحزاب "شيئا " فيسأل عن وجه الفرق؟ والثانى: ما الموجب لخلاف جواب الشرط فى الآيتين؟ ففى الأولى "فإن الله كان عفوا قديرا " وفى الثانية "فإن الله كان بكل شئ عليما " والثالث: زيادة قوله فى الأولى "أم تعفوا عن سوء ". والجواب عن الأول: إن قوله تعالى "إن تبدوا خيرا أو تخفوه " مقصود به خصوص طرف الخير وعمل البر جريا على ما دارت عليه سورة النساء وتردد فيها من إصلاح ذات البين والندب إلى العفو والتجاوز عن السيئات ألا ترى قوله تعالى لمقتسمى الميراث فيمن حضره من ذوى القربى وذوى الحاجات "فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا " وقوله فى الآيتين الفحشة "فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما " وقوله فى النساء "وعاشروهن بالمعروف " وقوله "فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا " وقوله "فأعرض عنهم وعظهم " وقوله "وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما " إلى أمثال هذه الآى مما يطول ذكره ولا يكثر فى غير هذه السورة ككثرته فيها ومن هنا لم يتعرض فيها لأحكام الطلاق وان كانت السورة مبنية على أحكام النساء لكن خص من ذلك ما فيه التآلف والإصلاح وما يرجع إلى ذلك ولم يرد فيها من أحكام الطلاق الا ما أشار إليه قوله تعالى "وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته " فذكر هذا القدر عند استدعاء معنى الكلام وتمام المقصود به إليه بأوجز لفظ وبما يؤنس الفريقين ولم يذكر فيها اللعان ولا الظهار ولا الخلع ولا طلاق الثلاث بل ذكر فيها استحاب العشرة

стр. 108

إلى التوارث فلما كان مبنى السورة على هذا ناسب لك طرف الخير غير مشار إلى ضده الا بالعفو عما وقع بالمكلف فيه فقال تعالى: "إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء " فنوسب بهذا الخصوص خصوص ما تكرر فى السورة بما ذكر من العفو وما يحرزه وفى سورة البقرة: "وأن تعفوا أقرب للتقوى " وذلك فى مثل ما تقدم هنا من أحكام النساء. وأما آية الأحزاب فمقصود بها ما يعم الطرفين من الخير والشر ألا ترى ما تقدمها من قوله تعالى "وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا " وما تقدم فى هذه السورة من ذكر المنافقين وسوء مرتكبهم فى قصة الأحزاب وقولهم "ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا " وقولهم فى الاستئذان "إن بيوتنا عورة " وكذبهم فى ذلك فحذر الله المؤمنين من مرتكبات المنافقين وأعلمهم أنه تعالى لا يخفى عليه شئ "سواء منكم من أسر القول ومن جهر به " فقال تعالى "إن تبدوا شيئا أو تخفوه " فلما قصد فى هذه الآية عموم الطرفين ورد بلفظ مطلق يعم الخير والشر فقال تعالى: "إن تبدوا شيئا " والشئ يقع على كل موجود من ذات أو معنى حتى أن بعض المتكلمين يطلقه على المعدوم المقدر الوجود فيقول بشيئة المعدوم وليس هذا من قولنا ولكن الإطلاق حاصل كيفما قيل والشئ المخفى المشار إليه فى الآية إنما هو عمل قلبى موجود بمحله فلا اعتراض علينا به والخير والشر داخلان تحت ذلك وأما لفظ خير فى آية النساء فقد تقدم خصوصه ومناسبته فورد كل على ما يجب ويناسب ولا يمكن فيه العكس. والجواب عن السؤال الثانى: ان اختلاف جواب الشرط فى الآيتين إنما هو بحسب ما يستدعيه فقوله تعالى فى الأحزاب: "فإن الله كان بكل شئ عليما " يبين الجوابية لقوله تعالى: "إن تبدوا خيرا أو تخقوه " وأم قوله فى آية النساء "فإن الله كان عفوا قديرا " فمنزل على قوله "أو تعفوا عن سوء "فندب سبحانه العباد إلى العفو بمفهوم هذه الكلام بإعلامهم أن تلك سنة فى خلقه من عفوه عن المسئ مع القدرة على أخذه والانتقام منه "ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة " وهذا الجواب لقوله تعالى: "أو تعفوا عن سوء " يفهم جواب الأمرين من إبداء الخير وإخفائه وان ذلك يحبه تعالى ويثيب عليه فقد بان التناسب فى هذا كله فى كل واحد من الشرطين وجوابهما. والجواب عن السؤال الثالث: ان قوله تعالى: "أو تعفوا عن سوء " من تمام ما

стр. 109

قصد بالآية من الندب إلى تحصيل أفعال البر وان العفو عن السوء من أجلها وبذلك أمر تعالى نبيه ﷺ فى قوله تعالى: "فاعف عنهم واصفح " فى غير ما آية فقد بان التاسب فى هذا كله. ووضح أن كل ما ورد فى الآيتين لا يلائمه غير موضعه والله أعلم بما أراد.

стр. 110

سورة المائدة الآية الأولى منها: قوله تعالى: " أحلت لكم بهيمة الأنعام " وفى سورة الحج: "وأحلت لكم الأنعام "، للسائل أن يسأل عن وجه ما ورد فى الآيتين مع اجتماعهما فى التعريف بحلية هذا الضرب من الحيوان البهيمى مفصحا فيهما بتقرير حكم التحليل بالماضى وهو قوله "أحلت لكم " ثم خصت آية المائدة بزيادة لفظ "بهيمة " ولم يرد ذلك فى آية الحج فيسأل عن وجه ذلك؟ والجواب عنه والله أعلم: أن المقصود فى الآيتين مختلف فوردت الألفاظ بما يحرز ذلك وبيانه أن اسم الأنعام إنما يقع على ما ذكر فى آية سورة الأنعام من الأزواج الثمانية حين تفسرت مفصلة فقال تعالى: "ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين " ثم قال تعالى: "ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين " وهى أصناف أربعة الإبل والبقر والضأن والمعز تفصلت بحسب التذكير والتأنيث إلى ثمانية والحمولة منها ما أطاق الحمل على ظهره وهى الإبل والفرش ما سواها وقيل غير هذا وقال تعالى: "وإن لكم فى الأنعام لعبرة نسقيكم مما فى بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين " وإنما اللبن المراد هنا المنعم به علينا لبن الأنعام وهى الأزواج الثمانية أما لبن الوحشى غير الإنسى فلم يقصد هنا وان كان حلالا لتعذر إدراكه وليس هو المراد فى الأنعام وان جاز إطلاق اسم الأنعام على الوحشى مجازا لجامع سنذكره بعد. قال الهروى: الأنعام المواشى من الإبل والبقر والغنم وإذا وضح أن الأنعام هى الأزواج الثمانية فمن المعلوم أن غيرها من الوحشى الذى لا يدرك إلا بالصيد محرم على الحاج ما دام فى عمله قال تعالى: "وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " ولما كانت آية سورة الحج مناطة بما أمر به الحاج فى قوله: "ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق " والأمر بتعظيم تلك الحرمات والشعائر الإيمانية فى قوله تعالى: "ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه " وصل بها ما يحل أكل لحمه للمحرم حال إحرامه فقال تعالى: "وأحلت لكم الأنعام " ولم يكن ليلائم هذا الموضع ما ورد فى آية المائدة من قوله تعالى:

стр. 111

"أحلت لكم بهيمة الأنعام " لأن المراد ببهيمة الأنعام الوحشى، قال القرطبى "بهيمة الأنعام وحشيها " وقال الزمخشرى فى أحد تفسيريه "الظباء وبقر الوحشى " ووجه وقوعها فى آية المائدة أن آية المائدة من آخر ما نزل وقد تضمنت متممات من الأحكام كآية الوضوء والتيمم وتفاصيل الصيد واستيفاء المحرمات من المأكولات والمشروبات على التحرير وأحكام هذه السورة كثيرة ومحكمة غير منسوخه وفيها ورد "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا " فناسب هذا ذكر حلية بهيمة الأنعام إلحاقا لها بالأنعام إذ لم يذكره الله فى غيرها على ما ورد فى تحرير ذلك وبيان العوارض التى قد تحرم لأجلها وذلك قوله تعالى: "حرمت عليكم الميتة والدم " ثم أتبع بقوله: "والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة " لأن هذه العوارض تكثر فى الوحشى لمخالفة حاله فى التذكية وما تحل به الإنسية من الأنعام ثم أتبع ذكر ما يعرض مما ذكر مما وقعت الإشارة بقوله: "إلا ما يتلى عليكم " ثم أشار قوله: "غير محلى الصيد وأنتم حرم " إلى ما أفصح به قوله تعالى: "وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " فوضح التناسب وإن عكس الوارد فى الآيتين لم يكن ليناسب والله أعلم بما أراد. الآية الثانية من سورة المائدة: قوله تعالى: "يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا " وفى سورة الفتح: "يبتغون فضلا من الله ورضوانا " وكذا فى سورة الحشر فيسأل عن موجب اختصاص سورة المائدة بما ورد فيها من إضافة اسم الرب تعالى إليهم بخلاف السورتين. والجواب والله أعلم أن آية المائدة مبنية على تأنيس وتقريب واستلطاف وقد أحرز قوله "من ربهم " هذه المعانى الثلاثة حسبما يتبين بعد. ومن التأنيس أيضا افتتاح خطاب من قصد بها بقوله "يأيها الذين آمنوا " مع انهم نهوا عن عدة منهيات والنهى مما يثير الخوف لمن قصد بالنهى، ثم يحكمه ويقويه ما وصف به آم البيت الحرام من ابتغاء الفضل والرضوان إلى ما تعضيده إضافة التخصيص فى قوله "من ربهم " إذ لا يحصل ذلك من أن لو قيل: يبتغون فضلا من الله عوض قوله "من ربهم " وإذاية من خص بتقريب ليست كإذاية من ليس كذلك، والمعصية قد تكون واحدة ثم تعظم بإيقاعها على صفة ما، وتأمل ما ورد فى الزنا بحليلة الجار والزنا كله كبيرة ولكن وقوعه بحليلة الجار زيادة وذلك لحرمته، وكذلك ما عظم الشرع من الإلحاد فى البيت الحرام والإلحاد كله

стр. 112

كفر ولكن فى وقوعه فى البيت الحرام زيادة، وتأمل هذا فى الكتاب العزيز وفى صحيح الأخبار تجد ذلك كثيرا، كما أن هذه الإضافة فى قوله "من ربهم " مشعرة إذا اقترن بها بعض القرائن بالتلطف والتقريب وتأنيس من عنى بها وتخويف من انتهك حرمة من جرت الكناية عنه بها تخصيصا وتأنيسا فلهذا خص هذا الموضوع بها وقدم أيضا تأنيس من خوطب بالنهى إذا هم امثلوا فأنسوا من شدة الخوف الحاصل من مجموع ما ذكرنا فلمجموع ما قصد فى هذه الآية من التأنيس والتخويف والاستلطاف خصت بما ورد فيها. فإن قلت قد ترد هذه الإضافة حيث لا يقصد التلطف ولا التأنيس كقوله تعالى: "وللذيم كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير " إلى أمثال هذا مما يكثر قلت: أما آية الفتح فلم ينجر فيها تخويف مرتكب ولا بنيت على ذلك ولا داعية إلى ما يستدعى التأنيس كما فى آية المائدة وهذا مع أن المذكورين فى آية الفتح أعظم الأمة قدرا وأجلهم خطرا وهم أهل المزية والاختصاص فلم تين الآية الا على مدحهم وبيان مزيتهم التى لا يدركها غيرهم ولم ينجر فيها تخويف يدعو إلى تأنيس من خوطب بها كما فى آية المائدة بل وردت هذه مورد البشارة وتعريف حال الأنعام، وعلى ذلك وردت آية الحشر من الثناء والمدحة ولم يتخللها نهى ولا تخويف ولا ورود تفضيل بذكر مخالفى تلك الأحوال فقال تعالى: "للفقراء المهاجرين " إلى قوله "يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون " فقد وضح الوجه فى ورود كل من هه الآى على ما ورد وإن عكس الوارد فيها لا يناسب على ما تمهد والله سبحانه أعلم. الآية الثالثة من سورة المائدة: قوله تعالى: "ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا " وقال تعالى فيما بعد: "ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا " فاتفقت الآيتان على وصية المؤمنين وحضهم على مكارم الأخلاق والعفو ممن تقدمت منه إساءة أكسبت بغضه فكأن قد قيل لهم: لا يحملنكم ما وقر فى صدوركم من بغضكم إياهم على متقدم إساءتهم بصدهم إياكم عن المسجد الحرام عام الحديبية ومنعكم عن الاعتمار لا يحملنكم ذلك على الانتقام منهم والانتصار لأنفسكم والعفو أقرب للتقوى وقد ملكتم فاسجحو، خوطب المؤمنون بهذا بعد فتح مكة وقهر مفار العرب وإعلاء كلمة الله فندبوا إلى العفو عما تقدم ولا يحاسب من انقاد واستجاب فى دين الله بما كان تقدم من عدوانهم وان وقر فى

стр. 113

النفوس من بغضهم على إساءتهم ما وقر فاستوت الآيتان بأمر المؤمنين بمكارم الأخلاق ثم اختلف تعليق ما حذروا منه أن يحملهم عليه لحظ ما بقى فى نفوسهم فقيل فى الآية الأولى: "أن تعتدوا " وفى الثانية: "على ألا تعدلوا " والاعتداء أشد وأعظم من عدم العدل فللسائل أن يسأل عن وجه ما ورد فى كل من الموضعين ومناسبته لما تقدمه. والجواب عن ذلك والله أعلم: أن الآية الأولى ورد فيها الإفصاح بعلة البغضاء الحاملة على الانتصار والانتقام وهى صدهم عن البيت الحرام عام الحديبية وذلك قوله تعالى: "أن صدوكم " أى من أجل أن صدوكم أى منعوكم فـ "أن " هنا مصدرية فى موضع المفعول من أجله فلما وقع الافصاح بسبب الشنئان ناسب النظم الافصاح بالعقوبة عليه وهو الاعتداء بالانتقام والمجازاة السيئة بالسيئة لولا ما ندب سبحانه إليه من التخلف الايمانى المشروع للمؤمنين تقديمه واختياره فقيل: "أن تعتدوا " أى لا يحملنكم ذلك على أن تعتدوا أى على الاعتداء أولا يكسبنكم ذلك المرتكب الفارط منه الاعتداء ولما لم يرد فى الآية الثانية إفصاح بجريمة بل بنيت على أمر المؤمنين بالعدل فقا تعالى: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط " فلما أمروا بالعدل ناسب ذلك وصيتهم وأمرهم ألا يحملهم شئ على ترك العدل الذى أمروا به فقيل "على ألا تعدلوا ". فوضح جليل الالتئام والمناسبة وورود كل من المنهى عن ارتكابه فى الآيتين على ما يجب ويناسب ولا يمكن خلافه والله أعلم. الآية الرابعة فى سورة المائدة: قوله تعالى: "وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون " وفى النحل: "كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون " فورد فى الآيتين إتمام نعمته سبحانه على عبادة بعبارة متحدة ثن اختلف النترجى منه سبحانه جزاء على ذلك. والجواب والله أعلم: أن آية المائدة خطاب للمؤمنين بما يجب عليهم من الطهارة لصلاتهم وتعليم لهم كيفية عملهم فى ذلك وإنعام عليهم برخصة التيمم إذا عدموا الماء وكل هذا مستوجب للشكر لله سبحانه فقيل فى ختام هذه الآية "لعلكم تشكرون " وأم آية النحل فإن السورة كلها مكية إلا آيات من آخرها وغالب حالها أنها خطاب لكفار قريش وما كان مثلهم ألا ترى افتتاحها بقوله تعالى: "أتى أمر الله فلا تستعجلوه " وإنما هذا خطاب للمرتابين فى الساعة تكذيبا وكفرا ثم قال "سبحانه وتعالى عما يشركون " وقرئ بالتاء فأوضح أن الخطاب

стр. 114

للمرتابين وقوله بعد: "أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون " وقوله "والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم لا يخلقون " إلى ما بعد ثم قال "وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين " ثم قال "قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد " وقال "إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدى من يضل وما لهم من ناصرين " ثم قال "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت " ثم قال "ويجعلون لله ما يكرهون "ثم قال بعد آى فذكر بما امتن به سبحانه فقال "ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا ... الآية " وعلى هذا استمرت آية سورة النحل وقد تخللها من تذكيرهم بإنعام الله عليهم كثير إلى قوله "والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا " وكل هذا تذكير بعجائبه من إنعامه تعالى لا يمكن نسبة شئ منها لغيره ثم أعقب ذلك بقوله "كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون " أى تدخلون فى دين الإسلام الذى لا يقبل فى الآخرة سواء فهذا أوضح تناسب والسورة مكية. أما آية المائدة فلم يقع قبلها لغير المؤمنين ولا ما قصد به سواهم ولم يخاطبوا باسم الإيمان إلا وإسلامهم حاصل ثم علموا طهارتهم بعد بيان ما أحل لهم وحرم عليهم ثم أعقب تعليمهم برخصة التيمم عند تعذر الماء فناسب رجاء إنعامه عليهم بهدايتهم للشكر فقيل "لعلكم تشكرون " ولم يكن ليلائم فى كل من ختام الآتين إلا الوارد فيه ولا يناسب عكس الوارد بوجه فورد كل على ما يجب ويناسب والله أعلم بما أراد. الآية الخامسة من سورة المائدة قوله تعالى: "وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم " وفى سورة الفتح: "وعد الله الذبن آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما "، فقيل هاهنا "منهم "ولم يقل فى آية المائدة "منكم " على مقتضى الخطاب ولا "منهم "على الالتفات فيخصص كما فى آية الفتح بل قطع وعد عن نصب مفعوله وجئ بالجملة فى موضعه فقيل لهم مغفرة وأجر عظيم وجرى ذلك على ما يعم الكل ولا يخص فيسأل عن وجه ذلك. والجواب عنه والله أعلم: أن آية المائدة لما قدمتها خطاب المؤمنين فى قضيتين: الأولى منهما " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ... إلى قوله لعلكم تشكرون "

стр. 115

والثانية قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ... الآية " وقد وقع فيما بين هاتين الآيتين قوله تعالى: "اذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذى واثقكم به " ولم يقع أثناء هذه الآى إشارة إلى غيرهم ولا انجر معهم أحد من سواهم لم يحتج إلى تخصيص الخطاب الوعدى فأطلق القول ولم يقيد بأن يقال "منهم " ولا علمت وعد فى مفعولها الثانى كما جاء ذلك كله فى آية الفتح بل عدل عن عملها فى لفظ المغفرة وجئ بالجملة فى موضع المفعول وقطع بقوله لهم على الابتداء والخبر ليكون أبلغ فى استحقاقهم ذلك وأما آية الفتح فأعقب بها التمثيل الجارى فى ذكر الزرع فى قوله تعالى: "يعجب الزراع لغيظ بهم الكفار " مع أن العلية الموصوفين بقوله: "أشداء على الكفار رحماء بينهم " إلى ما وصفوا به وعرف أنه مثلهم فى التوراة وأن مثلهم فى الانجيل قد كان كذا فمع ما وصفوا به قد عاصرهم وكان فى أيامهم ومعهم من علم نفاقه فمن كان يتظاهر بالإيمان ويسر الكفر: "وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به " وقد صاروا معهم بظاهر أمرهم وأعلم بذلك قوله تعالى: "ويحلفون بالله أنهم لمنكم وما هم منكم " وعرف سبحانه بأحوالهم وحذر نبيه والمؤمنين منهم فقال: "ولا تطع الكافرين والمنافقين " وقد شمل الكل عموم قوله "والذين معه " بظاهر الإيمان إذ كانوا يتظاهرون بما وصف به المؤمننو فجئ هنا بالوعد محرزا مخرجا منه من كان يتظاهر بالإيمان ويلزق بالمؤمنين وليس منهم فقيل "وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم " فجئ بقوله "منهم " ليحرز هذا المعنى الجليل فمن على هذا للتبعيض. أما آية المائدة فلا يتناول قبلها مما ذكر من الآيات غير المخلص فى إيمانه بخصوص خطابهم بما لا يتناول غيرهم من قوله "يأيها الذين آمنوا " فخصصوا بالنداء ولا يتناول إلا مؤمنا أما مع فيتناول المجتمعين فى الظاهر من حيث تألف أشخاصهم وإن اختلفت قلوبهم ويدل على ذلك قول المنافقين فى القيامة للمؤمنين "ألم نكن معكم " وجواب المؤمنين لهم بقوله "بلى " أى قد كنتم معنا ولكن لم تكونوا مخلصين هذا معنى قولهم "ولكنكم فتنتم أنفسكم ... الآية " فقد كانت معية فى الظاهر وصح إطلاقها لغة وهذا القدر من الاحتمال فى اللفظ وإن لم يكن مقصودا فى المعنى حسن التحرير والتحرز فى آية الفتح بقوله منهم أما قوله: "وعد الله الذين آمنوا " بعد أن لم يتقدم إلا ذكر من أفصح بلسانه وإنما الإيمان عمل قلبى لأنه

стр. 116

التصديق وإن اتسع فى إطلاقه على الإيمان والإسلام فالتصديق حاصل على كل حال كما لو قيل فى آية سورة الفتح: "والذين آمنوا معهم " إذا تقرر هذا فلا حامل غير التحرز بأن يقال "منهم " لأنهم مستوون غير مختلفين فى ظاهر ولا باطن بخلاف آية الفتح لما فى ظاهر لفظ مع مما تقدم. فإن قيل: وصفهم بما وصفوا به فى آية الفتح يرفع ما ذكرت من الاحتمال قلت: إذا أمكن رجوعه إلى الأكثر واحتمل لم يندفع ذلك الاحتمال فورد كل من الآيتين على ما يناسب، والله أعلم. الآية السادسة: قوله تعالى: " فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ " وقال فيما بعد " سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ " فى الأولى "عن مواضعه " وفى الثانية "من بعد مواضعه " فيسأل عن موجب ذلك. والجواب عن ذلك والله أعلم أن الفرق بين الموضعين أن الآية الأولى تضمنت إخبار الله سبحانه لنبيه ﵇ مرتكب من تقدم من كفار بنى إسرائيل حين أخذ عليهم الميثاق فيما عرفه سبحانه فى قوله "ولقد أخذنا ميثاق بنى إسرائيل وأخذنا منهم اثنى عشر نقيبا "الى قوله "فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل " فأخذ عليهم الميثاق وأخبرهم أنه تعالى معهم مواليهم بالتأييد وتكفير السيئات إن هم وفوا بما أخذ عليهم فى قوله "لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلى وعزرتموهم .. الآية " فنقضوا العهد وقتلوا الأنبياء وحرفوا كلام الله فجعل الله قلوبهم قاسية ولعنهم على لسان داوود وعيسى بن مريم فهذا كله تعريف بمرتكب سلف المعاصرين لرسول الله ﷺ وإخبار بحالهم من تحريفهم وتبديلهم. وأما الآية الثانية فتعريف له ﵇ بأحوال معاصريه منهم وكل هذا تسلية له ﷺ لئلا يحزنه قولهم ويشق عليه ارتكابهم وليعلم أن ذلك من بعدهم جار على ما قدر عليهم فى الأزل قد تبع فى ذلك الخلف السلف فقال سبحانه: "يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم وإذا جاؤوكم قالوا آمنا " فلما كان هذا الاخبار بحال خلفهم والأول إخبار بحال سلفهم ناسب حال الأولين ذكر ما تناولوه بأنفسهم وباشروه بالتحريف والتبديل فقيل:

стр. 117

"يحرفون الكلم عن مواضعه " فهم المزيون لما خوطبوا به عما أريد به لم يتقدمهم فى ذلك غيرهم وأما المعاصرون فقد حرفوا أيضا بعد الاستقرار، ألا ترى إنكارهم صفته ﵇ بعد مشاهدته ورؤيته وهذا مما اختص به الخلف دون السلف إذ لم يباشر أمره ﵇ هؤلاء بعد أن كان سلفهم يعترفون بذلك فقد حرف هؤلاء بعد الاعتراف والثبوت زائدا إلى ما ارتكبه سلفهم فالمقلدون لأسلافهم فى التحريف والتبديل قائلون بما قالوه فناسب الإخبار عن مرتكبهم ذكر البعدية إذ قد تقدمهم غيرهم لما ذكر فالسلف منهم مبتدع مخترع والخلف محرف أيضا ومقلد متبع فالبعدية لمن بعد والحالية المحكية لمن قبل على ما يناسب والله أعلم. الآية السابعة: قوله تعالى: " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ " وفيما بعد: " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ " للسائل أن يسأل عما ورد فى هاتين الآيتين من الاختلاف فيما خوطب به بنو إسرائيل ووجه خصوص كل من الموضعين بالوارد فيه مع اتحاد مقصودهما من تذكيرهم وتعنيفهم على إعراضهم وانحرافهم عن الجادة من اتباع من أعلموا بأمره وقدم لهم فيه: "فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ". على هذه المقدمة من المعنى مدار الآيتين وإذا وضح هذا فلا سؤال فى غير تخصيص كل واحدة من الآيتين بما ورد فيها؟ والجواب والله أعلم: أنه لما تقدم قوله تعالى: "ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا .. الآية " فبين تعالى ما عهد إليهم فيه أى فى معرفة نبوته وأن يؤمنوا به "لتؤمنن به ولتنصرنه " وألزموا الوفاء به وأعلموا بما يكون من أمرهم أن وفوا فقيل لهم: "لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجرى من تحتها الأنهار " فالتزموا بما ألزموا بدليل قالوا أقررنا ثم نقضوا وحرفوا فجوزوا باللعنة وقساوة القلوب قال تعالى: "فبما نقضهم ميثاثقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية " فلما تقدم هذا ناسبه قوله تعالى لهم: "يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب "وهذا أوضح تناسب.

стр. 118

ولما تقدم الآية الثانية قول النصارى فى المسيح ﵇ وإخباره تعالى عنهم بذلك فى قوله: "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم " وبين تعالى حال المسيح فى عبوديته وانسحاب القهر الربانى عليه كسائر المخلوقات فقال تعالى: "فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعا .. الآية " ثم جمع أهل الكتابين فى التعريف بقولهم "نحن أبناء الله وأحباؤه " وليس هذا الإخبار كالمخبر به من حال اليهود فى قبيح عنادهم وشنيع تحريفهم ولم يجر خطاب النصارى وما عرف به من حالهم فى الكتاب العزيز على حد ما جرى فى ذلك فى يهود من التعنيف والتوبيخ وضرب الذلة واللعنة عليهم والبوء بالغضب، فلما كان هذا التعريف المتقدم على الآية الثانية أوطأ مساقا ودون ما تقدم الآية المتقدمة من التوبيخ والمبالغة فى شنعة المرتكب ناسب هذا ما بنى عليه واتبع به من قوله تعالى: "يأهل المكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير " وفى هذا الخطاب استلطاف ورفق ولم يرد هنا ذكر تحريف ولا تبديل ليلائم ما تقدمه فى لين القول ووطأة الإخبار وتأمل التناسب بين الخطابين وما بنيا عليه يلح لك جليل الانتظام وعظيم التلاؤم وأن عكس الوارد لا يمكن ولا يلائم والله سبحانه أعلم. الآية الثامنة من سورة المائدة قوله تعالى: "قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعا " وفى سورة الفتح: "قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا "، للسائل أن يسأل عن زيداة "لكم "فى سورة الفتح وحذف ذلك فى سورة المائدة؟ والجواب عن ذلك: أن فى آية المائدة عموم يستدعى الإطلاق وعدم التقييد بالمخاطبين وفى سورة الفتح خصوص يستدعى التخصيص بآية الخطاب للمواجهين به وذلك أن الاخبار فى سورة المائدة إنما هو النصارى قال تعالى: "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم " وهذا حكاية قولهم ثم أعلم تعالى بقدرته وقهره للكل فقال: قل يا محمد من يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعا أى من يدافع مراده فى خلقه إن أراد هلاكهم ثم ذكر سبحانه خلقه المقهورين من سكان الأرض فبدأ بالمسيح وأمه ﵉ ثم قال: "ومن فى الأرض جميعا " فعم الكل فلم يكن ليناسب هذا العموم أداة خطاب تخص.

стр. 119

أما آية الفتح فقبلها إخباره سبحانه عن المتخلفين عن غزوة الحديبية قال تعالى: "سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفرلنا " ثم أعلم تعالى نبيه ﵇ والمؤمنين أن قول المخلفين قول بألسنتهم غير مطابق لما فى قلوبهم فقال تعالى: قل يا محمد من يملك لكم معشر المخلفين من الله شيئا أى من يدفع عنكم الضر إن أراده بكم أو يوصل إليكم النفع إن منعه عنكم فالإخبار إنما هو عنهم وتقدير النفع والضر مرفوعا أو لاحقا خاص بهم لم يرد بذلك غيرهم فورد بخطاب المواجهة فقال "لكم " ولم يكن بد من ذلك ليعلم أن الإخبار عنهم والخطاب بما بعد لهم فجاء كل على ما يناسب ويجب ولا يتصور فيه العكس والله أعلم. الآية التاسعة وهى من تمام هذه التى فرغنا منها وهى قوله تعالى إثر قوله "ومن فى الأرض جميعا " فقال: "ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شئ قدير " وقال تعالى فيما بعد: "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير " للسائل أن يسأل عن تعقيب الأولى بقوله: "يخلق ما والله على كل شئ قدير " وتعقيب الثانية بقوله "وإليه المصير ". والجواب عن ذلك: أنه سبحانه لما ذكر فى الأولى قدرته وعظيم سلطانه فى قوله: "قل من يملك لكم من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعا " وعرف سبحانه أنه لا معاند له ولا مانع لما يريده أشار بقوله "يخلق ما يشاء " إلى ما أفصح به قوله: "إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين " وقوله "إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد "فصارت الآية بهذا فى قوة أن لو قيل: قل من يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك من ذكر ويأت بآخرين سواهم فأعقب هذا بقوله "والله على كل شئ قدير " وهذا واضح. ولما قال فى الآية الأخرى: "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه " ثم ذكر تعذيبهم بذنوبهم بأنه سبحانه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء أعقب هذا بما يشير إلى وقت التعذيب وظهرو المغفرة والمجازاة فقال "وإليه المصير " وهذا واضح أيضا فلما اختلف مقصود الآيتين أعقبت كل واحدة منهما بما يناسب مقصودها بالقهر فى الأولى

стр. 120

والاختراع يناسب وصفه بالقدرة كما أن التعذيب والغفران فى الثانية يناسبها ذكر المآل فجاء على ما يناسب. الآية العاشرة قوله : "وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يأت أحدا من العالمين " وفى سورة إبراهيم: "وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبنائكم ويستحيون نسائكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم " فافتتح قول موسى لقومه فى سورة المائدة بندائهم ولم يقع نداؤهم فى سورة إبراهيم فيسأل عن الموجب لذلك وعن وجه الفرق؟ والجواب عن ذلك: أنه لما اعتمد فى آية المائدة تذكيرهم بضروب من الآلاء والنعم الجسام من جعل الأنبياء فيهم وجعلهم ملوكا وإعطائهم ما لم يعط غيرهم كا ذلك تعريفا باعتنائه سبحانه بهم وتفضيلهم على من عاصرهم وتقدمه من أمم الأنبياء قبلهم فناسب ذلك نداء موسى ﵇ بقوله "يا قوم " بالاضافة إلى ضميره إنباء بالقرب والمزية وناسب هذا النداء المنبئ بالاعتناء ما تقدم من تخصيصهم بما عقب به النادء من التشريف بما منحهم من الآلاء والنعم الجسام ولما قصد فى آية سورة إبراهيم تذكيرهم بنجاتهم من آل فرعون وما كان يسومهم به من ذبح ذكور أبنائهم واستحياء نسائهم للمهنة ولم يذكر هنا شئ مما فى آية المائدة لما اقتصر عليه هنا من التذكير بمجرد الإنجباء فناسب ذلك الاقتصار على خطابهم دون النداء رعيا للمناسبة والله أعلم. الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: "ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شئ قدير " وفى سورة الفتح: "ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما " فقدم فى المائدة ذكر التعذيب وآخرفى سورة الفتح وأعقبت الأولى بقوله: "والله على كل شئ قدير " والثانية بقوله: "وكان الله غفورا رحيما " فهذان سؤالان. والجواب عن الأول: أنه لما تقدم آية المائدة قوله تعالى: "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا ... الآية " وقوله: "والسارق والسارقة ... الآية " وقد وقع فى الآيتين ذكر تنكيل الطائفتين ممن حارب أو سرق مقدما فقيل فى الطائفة الأولى: "أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو

стр. 121

ينفوا من الأرض " فهذا ما يعجل لهم فى الدنيا ثم أعلم تعالى بوعيدهم الأخراوى وجزائهم إن هم وافوا على فعلهم هذا مستحلين ذلك المرتكب أو غير مستحلين إن أنفذ الوعيد عليهم وأعقب تعالى بذكر إقالتهم إن تابوا قبل أن يقدر عليهم بما أعطاه الاشتثناء وأشار إليه قوله تعالى: "فاعلموا أن الله غفور رحيم " وقيل فى الطائفة الثانية: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " ثم قال: "فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح " إذ أشار إلى من أقلع منهم تائبا وأصلح فإن الله يتوب عليه فقد تقدم فى هاتين القصتين ذكر الامتحان قبل ما به رجاء الغفران وهذا فى مآلهم الفدنياوى، ثم أعقب الآية التى أعلم فيها بانفراده بملك السماوات والأرض وأنه تعالى يعذب من يشاء فقد ذكر العذاب على المغفرة تنظيرا لما تقدم ومقابلة تطابق إذ كل ذلك بقره تعالى وسابق مشيئته فهذا وجه التقديم فى آية المائدة. وأما آية الفتح فقد تقدمها قوله تعالى: "ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا " وبالايمان رجاء الغفران وهو متشبث به كما أن العذاب مرتبط بالكفر ومناط به، فتقدم فى ذهه الآية مثمر الغفران وهو الإيمان وتأخر موجب التعذيب من الكفر والخذلان، ثم أعقب تعالى بقوله: "ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء " فناسب بين الآيتين بالتناظر فى الجزاءين من المغفرة لمن أناب والتعذيب لمن كفر وارتاب وبحسب مشيئته سبحانه وما قدر لكل من الفرقين أولا. الآية الثانية عشرة قوله تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " ثم قال بعد: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون " ثم قال بعد: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون "، فللسائل أن يسأل عن موجب افتراق هذه الأوصاف الوعيدية بوسم من وصف بها بما يستلزم العقاب الأخراوى من الكفر والظلم والفسق إن لم يكن إقلاع وغفران؟ ولم اختلفت مع وحدة الموصوفين بها؟ وكيف ورد فيها الأخف بعد الأثقل؟ وذلك ضد الترقى فى مقابل الوعيد الذى تشير إليه الصفات وهو الوعد. وطريقته الترقى من حال إلى أعلى وعلى ذلك وردت آى الكتاب كقوله تعالى: "وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات ... الآية " فبشروا أولا بالجنات ثم وصف بجرى أنهارها وبذلك حياتها ثم بموالاة رزقها وتشابهه لتأنس النفوس

стр. 122

بما ألقت لأن غير المألوف من المطعم ينافره الطبع ومنه قوله ﷺ فى الضب حين قرب إليه فرده "لم يكن بأرض قومى فأجدنى أعافه " ثم أتبع ذكر الرزق المأكول بالأزواج المطهرة فازداد النعيم واتسع الميلاذ ثم أعقب بالخلود وذلك كمال النعيم وقال تعالى: "يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم " فتأمل ورود الغفران بعد إصلاح الأعمال وكلاهما جزاء على ما منحوه من التقوى وسداد الأقوال وقال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم " وقال تعالى: "وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة فى جنات عدن ورضوان من الله أكبر " وقال تعالى: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنه "، فتأمل ختام الجزاء المذكور فى آية الحديد بالغفران وعظيم ما يثمره والترقى من ذكر ما تقدمه إليه وختام هاتين الآيتين بعد الرضى وهو أعظم ما يعطاه أهل الجنة والحديث الصحيح فى ذلك مشهور ومفهوم الرضى لو لم يرد الحديث أعظم نعمة والترقى فى هذه الآى بين ولم ينكسر هذا المطرد فى آى الوعد على تكررها وعلى ذلك جرت آيات الوعيد، وإلى الوعيد مرجع آى المائدة المتكلم فيها لما ذكرنا من السببيه ومقابل الوعيد الوعد وقد اطرد ذلك فيه فى كل آي القرآن وكذلك فى الآى الوعيدية. ومن أبين الوارد فى ذلك وأقربه شبها بآى المائدة قوله تعالى: "كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق .. الآيات " إلى قوله: "وما لهم من ناصرين " فقد وقع فى هذه الآى ثلاثة أصناف اجتمعوا فى الكفر بعد الإيمان ثم اختلف حكمهم فيما بعد وقد تحصل فى وعيدهم الانتقال من أخف إلى أثقل فقال تعالى: "كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم " إلى قوله: "وأولئك هم الضالون " فهؤلاء مع وعيدهم وما ذكر من لعنهم قد أعقب ذلك بقوله تعالى: "إلا الذين تابوا " فهذا إبقاء خفت به حالهم عت المذكورين بعدهم وكذا ورد فى سبب هذه الآية أن الذى نزلت بسببه كتب بها إلى مكة بعد سؤاله هل له من توبة حين كفر بعد إسلامه ولحق بمكة فلما وفد عليها راجع الإسلام وحسنت توبته ثم قال تعالى: "إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا " فذكر هؤلاء بازدياد الكفر بعد الكفر المعقب به ايمانهم ثم أعقب ذلك

стр. 123

بقوله: "لن تقبل توبتهم " فأبقى الله تعالى على الأولين حين قال: "إلا الذين تابوا " واشتد حال المذكورين بعدهم حين قيل فيهم: "لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون " ثم قال تعالى: "إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار " فأعلم من حال هؤلاء بموتهم على الكفر فانقطع رجاؤهم وهؤلاء أشد حالا ممن ذكر قبلهم فى الآية المذكورة ونص فى هذه الأخيرة فكانت أشد، فقد وضح فى هذه الآيات الانتقال من أخف إلى أثقل وهو مطرد فى الوعد والوعيد واللطف والتعريف بالامتنان والأحوال وما يرجع إلى ذلك وعلى هذا كلام العرب فى هذه الضرورة التى أشرنا إليها. ومن آى الامتنان قوله تعالى: "وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم " وفى هذه الآية الترقى وهى من قبيل ما ذكر وإنما يرد عكس الترقى فيذكر الأخف بعد الأثقل فى التكاليف والأوامر والنواهى وما يرجع إلى ذلك ومنه قوله تعالى: "وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ... الآيات " فهذا الضرب وما يرد منه ويرجع إليه لا يشترك فيه ما قدم من الترقى والانتقال من أخف إلى أثقل ومن حكم إلى ما هو أعلى منه، أما الوعد والوعيد فالمطرد فيهما وفى الضروب المذكورة معهما ما بيناه من الترقى وهو كلام العرب. فللقائل أن يقول إذا ثبت ذلك فما جوابكم عما ورد فى آية المائدة وظاهره على خلاف ما زعمتم إطراده؟ فأقول: أما القول بخروج آية المائدة عما اطرد فى نظائرها وأنها مما ورد فيه الأخف بعد الأثقل فمرتكب لا يسلم لقائله وغفلة عما عليه آى القرآن وكلام العرب وإن كان قد اعتمده بعض الجلة ﵏ والجواب عنه جواب عن السؤال الأول. وحاصل كلام من أشرنا إليه سؤالا وجوابا أن قال: إن قيل لم قال فى الأولى "هم الكافرون " وفى الثانية "هم الظالمون " والكفر أعظم من الظلم فما الفائدة فى ذكر الأخف بعد الأثقل؟ ثم جاوب بما معناه أنه لما تقدم الآية الأولى قوله تعالى: "فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا " وان ارتكاب شئ مما نهوا عنه وعدم خشيته تعالى تقصير فيما يجب له سبحانه وجحد الواجب له وإنكار نعمه تعالى كفر فأعقب بقوله تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ". ولما تقدم الآية الثانية قوله تعالى: "وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ... الآية "

стр. 124

فلم تتضمن هذه الآية غير الحقوق المتعلقة بالنفوس والوقوع فى شئ من ذلك يوجب إيلامها ودوام عقابها وذلك ظلم لها فأعقبت هذه بقوله تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون " انتهى معنى كلامه وفيه ببادئ النظر مناسبة وملاءمة فى النظم. إلا أن ما تمهد من المطرد فى آى القرآن وما عليه كلام العرب فى الوعد والوعيد يرد ما اعتمده هذا القائل وقد تقدم فى قوله تعالى فى سورة البقرة: "وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية ... الآية " ما فيه شفاء فيما ذكرته هنا. ثم إن الكلام لو كان جاريا على ما قال لبنى عليه اعتراض يلزمه تكميلا لما ألزم نفسه فى هذه الآى من توجيه الوارد فيها من الأوصاف الثلاثة وهو قصره السؤال والجواب على الوصفين من الكفر والظلم وكأن قوله تعالى فى الآية الثالثة بعد: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " غير مناط بما قبله وليس الأمر كذلك فإن المذكورين فى الآى الثلاث قد اجتمعوا فى الحكم بغير ما أنزل الله وقد شملهم ذلك فهم من حيث ذلك صنف واحد ومدار الآى الثلاث إنما هو على فعل يهود المنصوص على حكمهم بغير ما أنزل الله ومخالفتهم منصوص كتابهم فى الرجم وغيره، وما قبل هذه الآى وما بعدها لم يخرج عنهم، فهم أهل الأوصاف الثلاثة وقد نقل المفسرون عن ابن عباس أنه قال: الكافرون والفاسقون والظالمون أهل الكتاب وعن ابن مسعود: هو عام فى اليهود وغيرهم وقال الزمخشرى مشيرا إلى وجه الترتيب فى هذه الأوصاف والمرادون بها فقال: الكافرون والفاسقون والظالمون وصف لهم بالعتو فى كفرهم حين ظلموا بالاستهانة وتمردوا بأن حكمهم بغير ما أنزل الله فجعل الظلم استهانة والفسق تمردا، وقد فسر الفاسقين من قوله تعالى فى آية البقرة: وما يكفر بها إلا الفاسقون بأنهم المتمردون من الكفرة، قلت: جعل الزمخشرى الاستهانة مسيرة ظلمهم ومادته فظلمهم المسبب عنها بعد حصول كفرهم أشد من الكفر، ثم إن التمرد المعبر عنه فى الآية بالفسق وإن تقدمته الاستهانة وكانت كالمادة فإنه أشد من الاستهانة لأن التمرد تفعل من مرد أى عتا، والتفعل ينبنى علي التعمد والتعمل فتأمل حصول الترقى فى كلامه من أخف إلى أثقل وانسحاب كلامه على الأوصاف الثلاثة من الكفر والظلم والفسق وإن لم يفصح بسؤال ولا جواب وكثيرا ما يعتمده وينقل كلامه من قدمنا مأخذه فى هذه الآى وهو أبو الفضل بن الخطيب ثم أنه عدل عن اعتبار كلامه هنا وارتكب خلافه ولم يستوف توجيه الأوصاف الثلاثة وقصر السؤال على فصل ما بين الكفر والظلم دون الفسق، وأرى ذلك غير ما ينبغى والله أعلم.

стр. 125

وقد تعرض صاحب كتاب الدرة لهذه الآى من حيث خصوص مقصده وبنى جوابه على ذلك فانفصل فى الأوليين بأن الظلم فى الآية الثانية واقع على الكفر والظلم فهو أشد من الكفر مجردا هذا معنى ما أراد وقد جرى فيه على المعرض من الترقى إلا أنه لم يتخلص ما بعد ذلك وجعل الآية الثالثة منقطعة عن الآيتين قبلها وحاصل كلامه بالجملة أن ما تقدم من الوصف بالكفر والظلم خاص بيهود لتقدم ذكرهم قبل هذه الآيات وقوله تعالى: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور .. "إلى قوله نهيا لهم "فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا .. "إلى قوله "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " ولم يتقدم ذكرهم بغير كفرهم وتحريفهم من غير التفات إلى ذكر ظلمهم غيرهم إنما مجرد كفرهم ظلم لأنفسهم فأعقب هذا بقوله "هم الكافرون ". ثم لما اجتمع فى الآية الثانية ظلمهم لأنفسهم ولغيرهم بما ذكر من مخالفتهم فى القصاص المشار إليه بقوله: "وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس "الى آخره، أعقب هذا بقوله تعالى: "فأولئك هم الظالمون " لظلمهم أنفسهم بالكفر وزيادة ظلمهم غيرهم فكان أشد من وصف الكفر إذ هو كفر وزيادة فعبر بالوصف العام للكفر وغيره ثم لما أعقب بذكر إنزال الإنجيل وكان الكلام انقطع عما قبله ومن المعلوم أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون من غير الكافر وان لم تبلغ منزلته الكفر فهو فاسق لا كافر فقيل هنا: "فأولئك هم الفاسقون " انتهى معنى كلامه ثم أعقب هذا بأن قال: فقد بان لك أن كل موضع من الآى الثلاث أخبر فيه عن المذكورين قبل بالكفر والظلم والفسق، ولم يحصل غير ذلك. قلت فقد حصل من كلامه أن الكفر والظلم لفى الآيتين خاص بيهود وهم المقصودون بذلك وان الفسق يعمهم مع غيرهم وهو مأخذ بناه على ما حكاه من غيره من أن "من " فى ثلاث الآى موصولة بمعنى الذى واعتمده هو فى الأوليين واخنار فى الثالثة من شرطية ليحصل فى الموصولة خصوص وعهد فيمن تقدم وليحصل فى الشرطية عموم كما تقدم ثم أنه لم يتعرض لبيان ترق ولا انتقال. فإن قيل إنما بنى عليه كتابه على مقصد خاص وهو فرق ما بين المتشابهات من الآى ونص السؤال الذى فرض إن قال: لسائل أن يسأل فيقول: الموضع الذى وصف فيه من لم يحكم بما أنزل الله بالكفر هل باين الموضوع الذى وصف فيه تارك ذلك بالظلم والفسق؟ ثم أجاب بما تقدم فجوابه مطابق لما فرض من السؤال قلت هذا صحيح

стр. 126

ولكنه لم يتخلص له جوابه فيما بين الآيتين الا باعتماد طريقة الترقى وهو لم يقصده بسؤال ولا جواب وإنما قصد الفرق الموجب لاختلاف الوصفين فتحصل له بما فى الآيتين من الانتقال فلو اعتبر ذلك ومشى عليه فى الآية الثالثة لكان أنسب وأبين فى جواب ما فرض من السؤال مع زيادة فائدة أهم وأكبر ولما لم يلح ذلك ارتكب التفصيل فى الجواب فجعل "من " فى الآيتين الأوليين موصولة ليحصل من خصوص هاتين الآيتين بيهود ما اعتمده كما تقدم من كلامه وجعلها فى الآية الثالثة شرطية ليحصل له ما قصد من العموم، وليس ذلك كما ذهب إليه ولا انفصلت منها آية أخرى الا بما أعقبت به من الوصف وتوجيهه حاصل منه ما أراده على ما نبينه مع رعى الترقى الثابت على ما قد تقدم وهو أوضح فى توجيهه هذه الأوصاف وأولى فى الجواب عن عين ما فرض صاحب كتاب الدرة من السؤال ووصف يهود بالفسق أعظم من وصفهم بالظلم ووصفهم بالظلم أعظلم من وصفهم بالكفر وقد نقل المفسرون عن الحسن أنه قال: إذا استعمل فى نوع من المعاصى يعنى الفسق وقع على أعظم ذلك لنوع من كفر وغيره ثم فى آى سورة البقرة ما يبين وجه ختم آية المائدة بوصف الفسق قال تعالى: "ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات ... الآيات " إلى قوله: "وما يكفر بها إلا الفاسقون " فتأمل ما تضمنت هذه الآيات فقد ورد فيها بضع عشرة خصلة من شنيع مرتكبهم منها اتباع ما هوته أنفسهم أشار إليه قوله تعالى: "أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم " ومنها استكبارهم وتكذيبهم الرسل وقتلهم إياهم وقولهم: قلوبنا غلف، إلى ما بعد من المرتكبات وقد وقع فى أول هذه الآى ذكر عيسى ﵇ والتقفية من بعده بالرسل وفى آيات المائدة قوله تعالى: "وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم " والضمير فى "آثارهم " لمن تقدم فى قوله تعالى: "يحكم بها النبيون الذين أسلموا " فورد مفصلا فى آى البقرة ما ورد مجملا فى المائدة وختمت آيات البقرة بقوله تعالى: "وما يكفر بها إلا الفاسقون " وآيات المائدة بقوله: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " فإلى مجموع ما فى آيات البقرة أشارت آية المائدة وختمت هذه من وصفهم بالفسق بما ختمت تلك وحصل من وصفهم به أنه أعظم من وصفهم بالكفر والظلم لأنه كفر جامع لكل شنيع من مرتكباتهم ولذلك اختير التعبير به عن مرتكب إبليس فى إبايته عن السجود واستكباره فقيل: "إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه " فلم تقع هنا عبارة

стр. 127

بكفره ولا ظلمه لأن الفسق بما يعتضد به من القرائن أعظم من الكفر والظلم، وقد حصل الجواب عما فرض السؤال عنه من تقدم وزاد إلى ذلك بيان الترقى المطرد وهو السؤال الأول وأما التفصيل فخطأ بين فأقول وأسأل الله توفيقه إن المفسرين قد أجمعوا على أن الوعد فى هذه الآى يتناول يهود وقد ثبت فى الصحيح إنكارهم الرجم مع ثبوته فى التوراة وفعلهم فيما نعى الله تعالى عليهم من مخالفة ما عهد إليهم فيه ونص فى كتابهم حسب ما أشار إليه قوله تعالى: "وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم " إلى قوله: "أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض " إلى ما بعده وهذا كله من حكمهم بغير ما أنزل الله فهم الكافرون والظالمون والفاسقون ففيهم وبسبب مرتكبهم نزلت آيات المائدة ثم تقول مع ذلك أن الحكم إذا نزل بسبب خاص يمنع ذلك من دعوى العموم المنزل وهذا باتفاق من حذاق الأصوليين وقد رددوا التمثيل بشاة ميمونة وهذا مع عدم الفرائن. أما فيما نحن بسبيله فى آيات المائدة فقد عضد العموم فى ذلك وغيرها موضع من الكتاب والسنة فنقول بناء على ذكرنا أن هذه الآية وان نزلت بسبب جعل اليهود ومرتكبهم فى الرجم وغيره فإن ذلك عام فى كل من حكم بغير ما أنزل إليه، ما لم يفعل ذلك جاهلا غير متعمد للمعصية أو عاصيا متعمدا مع صحة اعتقاده وسلامة إقراره بلسانه، فقد حصت الشريعة هذين. وقد تعلقت الخوارج بعموم هذه الآى وأشباهها فى تكفيرهم مرتكب الكبيرة وليس شئ من ذلك نصا فى مطلوبهم وهو محجوبون بغيرها وإذا كانت هذه الآى على عمومها فيمن بينا، فمن فى المواضع الثلاثة شرطية وهى من المتفق عليه فى ألفاظ العموم عند أربابه وهم الجمهور وأما القول بتفصيل حكم "من " فى هذه الآى وانها من اجتماع المذكورين فى الآيات فيما تقدم من حكمهم بغير ما أنزل الله ووحدة السبب فى نزول الآيات فلا يصح بوجه فقصر السؤال على فصل ما بين الكفر والظلم دون الفسق كما ذكرنا عمن تعرض لهذه الآية من الجلة وجعله الآيتين الأوليين مما ورد فيه الانتقال من الأثقل إلى الأخف غير صواب والله أعلم. واطراد ما تقدم من الترقى والانتقال فى الوعد والوعيد وتحكيم ما تقرر من ذلك هو الحق الذى لا ينبغى أن يعدل عنه ثم أقول وأسأل الله التوفيق إن هذه الآى جارية على المطرد فى الوعد والوعيد والانتقال فى الوصف بالكفر والظلم والفسق من أخف إلى

стр. 128

أثقل جار على ما قد تبين بحول الله إنما يدخل الغلط من أخذ هذه الصفات مجردة عن القرائن وما يثمره الاشتراك فالكفر إذا ورد مجردا عن القرائن إنما يقع على الكفر فى الدين ثم إنه قد يقع على كفر النعمة ويفتقر إلى قرينة ومنه: "وفعل فعلتك التى فعلت وأنت من الكافرين ". وأما الظلم فلفظ مشترك فإذا ورد مجردا عن القرائن لم نصا فى شئ من مواقعه، وإنما يتخلص بالقرائن، قال تعالى: "إن الشرك لظلم عظيم " وقال تعالى مخبرا عن نبيه يونس ﵇: "سبحانك إنى كنت من الظالمين " ومعاذ الله من الكبيرة فكيف بالشرك الذى لا فلاح معه ولم يخالف أحد من أهل السنة ممن يعتمد نظره انهم معصومون من الكفر قبل الوحى وبعده وجمهورهم متفقون انهم معصومون من الكبائر، وجلة أهل السنة على عصمتهم مما فيه دناءة من الصغائر وبعضهم فى طائفة كبيرة من سيئة المتصوفه يقولون بعصمتهم من الصغائر على الإطلاق وكل هذه الضروب يصح وقوع اسم الظلم عليه وقوله تعالى: "إن الله لا يظلم مثقال ذرة " أوضح شهادة على ذلك. أما الكفر فلا تنتشر مواقعه وكأم دلالته على كفر النعمة من قبيل ما يدل بتشكيك كدلالة موجود على العرض وأما الظلم فعلى ما تقدم فإذا اقترن بالظلم الكفر كان أعظم من الكفر. قال المفسرون فى قوله تعالى: "وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون " إنهم المتوغلون فى الظلم المكابرون فهذا كفر وزيادة وقد تقدم تسمية الشرك ظلما وأما الفسق فلم يرد فى القرآن واقعا على صغيرة وقد يقع على الكبيرة حيث يقصد تعظيمها كقوله تعالى: "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء "الآيى وقد ختمت بوصفهم بالفسق ولا أذكر غيرها وقد عد ﵇ هذه فى السبع الموبقات وإنما يقع فى الأكثر على الكفر كقوله تعالى: "أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا " لأن المراد هنا الطرفان كقوله تعالى: "فمنكم كافر ومنكم مؤمن " وأكثر وقوعه فى القرآن إنما هو فى وصف يهود والمنافقين كقوله تعالى: "ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون "، نزلت فى ابن صوريا لعنه الله، وكقوله تعالى: "منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون "، وكقوله تعالى: "فلا تأس على القوم الفاسقين "، وكقوله

стр. 129

تعالى: "ولكن كثيرا منهم فاسقون ". فى بضع وعشرين آية. وورد الوصف بالفسق فى قوم لوط ﵇ كقوله تعالى: "إنهم كانوا قوما فاسقين " وكقوله تعالى: "إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون "، وقد وردت فيمن ختم عليهم بالكفر قال تعالى: "كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا إنهم لا يؤمنون "، وقد تقدم وصف إبليس بالفسق فهذا الوصف لا يقع فى كتاب الله الا على ذوى التمرد من الكفرة وأكثر ذلك من يهود والمنافقين، ولم يجر الوصف بالظلم فى كتاب الله مجرى الفسق فى ما ذكرنا وقلما يوصف يهود والمنافقون وان كانوا ظالمين لأنفسهم الا بالفسق. فالظلم والفسق وان وقعا على المتوغلين فى الكفر حين ذكرنا وبالقرائن فالفسق أشد وأعظم ولا يوصف به من الكفرة فى كتاب الله الا شرهم. لما بلغ قوم نوح ﵇ فى إصرارهم على الكفر وتماديهم عليه إلى قطع رجائه ﵇ منهم حتى قال: "ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا " قال تعالى فيهم: "إنهم كانوا قوما فاسقين " ولما ارتكب قوم لوط ﵇ من فحش المرتكب بما لم يسبقوا إليه وسموا بالفسق ولما بلغ يهود والمنافقين ما أعلم به القرآن من حالهم واستحقوا اللعنة والغضب تكرر وصفهم بالفسق فقد وضح أبين الوضوح ان الظلم بالقرائن حسبما تقدم أشنع من الكفر مجردا وان الفسق أشد زأعظم إذا شهدت له القرائن فحصل بالانتقال فى آى المائدة من أخف إلى أثقل على المطرد فى آى الوعيد وفى المقابل من الترقى فى آى الوعد وان عكس الوارد على ما وضح لا يناسب والله أعلم. الآية الثالثة عشرة: وهى تمام ما قبلها: قوله تعالى: "وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم " وفى سورة الحديد: "ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم " للسائل أن يسأل عن وجه ما اختلف فى هاتين السورتين من التفصيل فيمن قفى بهم؟ ووجه ما زيد فى آية الحديد من المقفى بهم قبل عيسى ﵇، ولم يقع ذلك فى سورة المائدة مع اتحاد ما قصد فى الموضعين من تواتر الرسل وتقفية بعضهم ببعض؟ والجواب والله أعلم: ان آية المائدة ورد الكلام فيما تقدمها فى بنى إسرائيل من لدن قوله تعالى: "ولقد أخذنا الله ميثاق بنى إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا " إلى الآية التى نحن فيها ثم استمرت الآيات بعد فيهم إلى قوله تعالى:

стр. 130

"لتجدن أشد الناس عداوة .. " الآيات فأكثر آيات هذه السورة إنما نزلت فيهم تعريفا بمرتكباتهم وتحريفهم ونقضهم الميثاق وحكمهم بغير ما أنزل الله وفى أثناء ذلك تسلية نبينا ﷺ عنهم كقوله تعالى: "يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر .. "الآية وقوله تعالى: "ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا "، وقوله تعالى: "فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " وقوله بعد الآية المتكلم فيها: "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة " وقوله: "فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم " وفيما قبل هذا: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا ... "الآيات، ولم يقع فى هذه الآى ذكر لغير بنى إسرائيل ومن كان فيهم من الأنبياء من بعد موسى ﵇ إلى قوله تعالى: "ثم قفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم " ولا توقف فى تعقيب الرسل والأنبياء بعيسى ﵇ فلهذا لم يقع هنا ذكر واسطة. وأما آية الحديد فمقصدها غير هذا إذ هى وما اتصل بها قبلها وبعدها خطاب للؤمنين وعظات وترغيب وتمثيل وتحذير أن يكونوا كمن عرفوا به ممن طال عليه الأمد وقسا قلبه فلهذا وما يتلوه إلى أول قوله تعالى: "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله " إلى آخر السورة خطاب للمؤمنين فيما لهم وعليهم وما وعدوا به وحذروا منه وكذا سورة الحديد بجملتها وهم المعرفون بقوله: "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات "، فالمراد عامة الرسل ﵈ ممن كان من بنى إسرائيل وقبلهم تعريفا بما أنعم سبحانه على العباد من رحمتهم بإرسال الرسل ونص من جميعهم على نوح وابراهيم إعلاما بحالهما فى الرسل كما قيل: "وجبريل وميكائيل " بعد دخولهم تحت قوله: "وملائكته " وشمول لفظ الملائكة لهم ولغيرهم. ثم قال تعالى: "ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم " وذكر ما جعل فى ذريتهما من النبوة والكتاب، اتبع تعالى بتوالى الإنعام بمن بعدهم فقال: "ثم قفينا على آثارهم برسلنا " إشارة إلى من كان بعد نوح وابراهيم وبينهم وبين عيسى وذلك كثير ثم قال: "وقفينا بعيسى " وهذا مقصد مباين ما قصد بآية المائدة فاختلف ما ورد فى الموضعين لاختلاف المقصد فيهما ولم يكن عكس الوارد ليناسب والله أعلم بما أراد. الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم

стр. 131

فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين " وفى سورة التغابن: "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين "، فورد فى الأولى زيادة: "واحذروا " وزيادة: "فاعلموا " مع اتحاد ما تضمنته الآيتان من الأمر بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله والتحذير من التنكب عن ذلك والتولى. فيسأل عن ذلك؟ والجواب عن ذلك والله أعلم: أن آية المائدة لما أعقب بها آية الأمر باجتناب الخمر وما ذكر معها، ثم اتبع بعد ذلك بذكر العلة فى تحريمها فقال تعالى: "إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ... "الآية إلى قوله: "فهل أنتم منتهون " فختمت من التهديد بما يشعر بشديد الوعيد ناسب ذلك قوله تأكيدا لما تقدم من الاشعار بمخوف الجزاء قوله "فاحذروا " وقوله "فإن توليتم فاعلموا " لما فى ذلك من التأكيد لما تقدم. أما آية التغابن فلم يرد قبلها ما يستدعى هذا التأكيد ألا ترى الوارد فيها من قوله تعالى: "ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شئ عليم " فلما لم يرد هنا نهى عن محرم متأكد التحريم بما اتبع النهى من التهديد والتأكيد لم يرد هنا من الزيادة المحرزة لمعنى التأكيد ما ورد هناك فجاء كل على ما يجب ويناسب وليس عكس الوارد بمناسب والله أعلم. الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: "إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " وكذا فى سورة الممتحنة: "واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم " فورد فى هاتين الآيتين وصفه تعالى بهاتين الصفتين المشيرتين إلى العزة والقهر وإنما ورد المطرد فى الكتاب العزيز مهما جرى ذكر المغفرة طلبا أو إخبارا ورود ما به يقوى رجاء السائل ويطمع تعلقا به المتذلل الراغب كقوله تعالى: "إنه كان فريق من عبادى يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين " فقوله هنا: "وأنت خير الراحمين " توسل مناسب لما تقدم من طلب المغفرة والرحمة وفى سورة يوسف قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " وفى سورة القصص: "قال رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى فغفر له إنه هو الغفور الرحيم " فهذا كله مناسب للطلب وهو كثير فى الكتاب العزيز وجار على ما تمهد وأما وصفه سبحانه بالعزة والملكية والحكمة فإنما يرد حيث يراد معنى الاقتدار والاستيلاء والقهر وإحاطة العلم

стр. 132

وإفراده سبحانه بالخلق والأمر والربوبية والتعالى وما يرجع إلى هذا كقوله تعالى: "وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم " وقوله تعالى: "وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى فى السماوات والأرض ... " ثم قال تعالى: "وهو العزيز الحكيم " وقوله تعالى: "ولله جنود السماوات والأرض ... " ثم قال: "وكان الله عزيزا حكيما " وقوله تعالى: "سبح لله ما فى السماوات والأرض ... " ثم قال: "وهو العزيز الحكيم " وهذا كثير مطرد حيث يراد معنى القهر والملكية والإحاطة والاقتدار فللسائل أن يسأل عن وجه ورود آيتى المائدة والممتحنة معقبتين بما ذكر؟ والجواب عن ذلك والله أعلم: يتفصل فى الآيتين: أما آية المائدة فمبنية على التسليم لله سبحانه وأنه المالك للكل يفعل فيهم ما يشاء فلو ورد هنا عقب آية المائدة: "وإن تغفر لهم فأنت الغفور الرحيم " لكان تعريضا بطلب المغفرة ولم يقصد ذلك بلآية وإنما قيل ذلك على لسان عيسى ﵇ تبريا وتسليما لله سبحانه وليس موضع طلب مغفرة لهم وإنما هو تنصل من حالهم وتسليم لله فيهم قال القرطبى ﵀: "لم يقل "الغفور الرحيم لأن مخرجه على التسليم ولأن فى ذكر الغفور تعريضا للسائل والكلام لتسليم الأمرين والحكمة تقتضيهما وكأنه قال: فالمغفرة لا تنقص من عزك ولا تخرج عن حكمتك. وأما قوله فى سورة الممتحنة: "ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم " فالجواب عندى هنا ان قوله: "إنك أنت العزيز الحكيم " مبنى على قوله: "لا تجعلنا فتنة للذين كفروا " فإن المراد لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على الحق فيكون سبب فتنتهم فلا تفعل ذلك بنا فأنت القادر على كفهم ونصرنا عليهم فانك العزيز الذى الذى لا معارض لما تريده ولا مانع مما تشاؤه لما كان المؤمنون يعلمون أن ما يصيبهم من مصيبة إنما هى بما كسبت أيديهم سألوا المغفرة من مجترحاتهم وأورد سؤالهم مورد جمل الاعتراض فقدم وهو قوله: "واغفر لنا ربنا " فإن الكلام فى تقدير التقديم والتأخير: ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا إنك أنت العزيز الحكيم واغفر لنا ربنا، فقد قوله: "واغفر لنا ربنا " أثناء الكلام إحرازا لآدابهم ومعتقدهم الإيمانى فقد تبين حال المناسبة فى آية العقود وآية الممتحنة بين الآيتين وبين ما أعقبتا به وأنه لا يمكن على ما تقرر سواه والله أعلم بما أراد. فإن قلت فما جوابك عما ذكر عن بعض المتأخرين من أن جواب قوله تعالى:

стр. 133

"وإن تغفر لهم " محذوف أى وإن تغفر لهم فإنهم عبادك ثم عطف عليه قوله: "فإنك أنت العزيز الحكيم " وأن المناسبة إنما تحصل بهذا التقدير؟. قلت: هنا خطأ من وجهين: توجيه المناسبة وتوجيه الإعراب أما المناسبة فقد تبينت على أتم وجه وأما الإعراب فيمتنع تقديره فيه على ما نبينه، ثم فى هذا المرتكب فساد المعنى إذ ليس الكلام واردا مورد الاستلطاف وقد بين، وأما امتناع ما اختاره فى الإعراب فمن وجهين: أحدهما التهيئة والقطع وهو متفق علي منافرته إذا أمكنت المندوحة والثانى وهو عاضد لهذا وقاطع فى المسألة وهو أن سيبويه ﵀ قد نص أن العرب لا تتكلم به الا فى الشعر قال فى باب الجزاء: "وقبح فى الكلام أن تعمل أن أو شئ من حروف الجزاء فى الفعل حتى تجزمه فى اللفظ ثم لا يكون له جواب فيجزم ما قبله ألا ترى أنك تقول: آتيك إن أتيتنى ولا تقول آتيك إن تأتينى الا فى الشعر لأنك أخرت إن وما عملت فيه فلم تجعل لها جوابا ينجزم بما قبله فهكذا جرى هذا فى كلامهم وقد زاد الإمام بسطا فى الكتاب " فهذا قاطع من سيبويه وقد تقدم قبله ما يحصل فى الكلام من التهيئة والقطع وهو كاف لاتفاق النحويين على قبح التهيئة والقطع ثم قد انضم إلى ذلك من نص سيبويه: ان العرب لا تتكلم بهذا فلا تأتى بكلام قد انجزم فيه الفعل بأداة الشرط ثم لا تأتى بجواب مجزوم فى اللفظ أما إذا أتيت بالفاء فى الجةاب فلا خلاف فى هذا كما فى الآية وعلى ما قاله سيبويه ﵀ كافة النحويين من متقدميهم ومتأخريهم فوضح خطأ هذا القول.

стр. 134

سورة الأنعام الآية الأولى منها قوله تعالى: "فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون " وفى سورة الشعراء: "فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون " فانفردت آية الأنعام بزيادة قوله "بالحق لما جاءهم " وبقوله "فسوف " من حرفى التنفيس بدل السين فيسأل عن وجه ذلك؟ والجواب والله أعلم: أن آية الأنعام لما ترتبت على إطناب وبسط آيات من حمده سبحانه وانفراده بالخلق والاختراع فقال تعالى: "الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " فذكر سبحانه خلق السماوات والأرض وخلق الظلمات والنور فالظلمات عن أجرام هذه المخلوقات والأنوار عن أجرام ما جعل فى السماوات وزينها بها من شمس وقمر وكواكب للقتداء والضياء. ثم ذكر خلقهم كم طين وقد تردد فى الكتاب العزيز تنبيه المكلفين بما صدرت به سورة الأنعام فقال تعالى: "إن فى السماوات والأرض لآيات للمؤمنين " وقال تعالى: "تبارك الذى جعل فى السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ". ثم قال بعد آية الأنعام: "وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين " فلما تقدم هذا الإطناب ناسبه ما أتبع به من قوله تعالى: "فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا يستهزئون " فناسب الإطناب الإطناب. وقال تعالى قبل آية الشعراء: "تلك آيات الكتاب المبين " ثم اعترض بتسلية نبيه ﷺ فقال: "لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين " وليس هذا المعترض به مما ذكروا به ثم قال بعد: "إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين " وهذا راجع إلى تسليته ﵇ فلم يبق مجردا لتذكيرهم سوى قوله تعالى: "تلك آيات الكتاب المبين " وما بعد من وعيدهم وتهديهم بقوله: "وما يأتيهم من ذكر .. "الآية، وهذا إيجاز فناسبه ما نيط به من قولهم: "فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون " إيجازا لإيجازا وإطنابا لإطناب. الآية الثانية: قوله تعالى: " ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم فى الأرض ما لم

стр. 135

نمكن لكم " وفى سورة الشعراء: "أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم "، للسائل أن يسأل هنا عن شيئين: أحدهما ثبوت الواو العاطفة فى آية الشعراء وسقوطها من آية الأنعام؟ والثانى وجه اختصاص كل واحدة منهما بموضعهما وإبداء المناسبة؟ والجواب عن ذلك: إن آية الأنعام لم يتقدم قبلها التنبيه على ما به التذكار والاعتبار مفصحا به تنبيها مع تخويف وتهديد متأكد مكرر يستدعى التقريع والتوبيخ بمقتضى الهمزة الداخلة على واو العطف كما فى سورة الشعراء وان كان المتقدم فى كل واحدة من السورتين متضمنا ما يحصل به الاعتبار مع ما فى المتقدم فى الأنعام من التفصيل والإطناب إلا أن المتقدم فى سورة الشعراء أوضح وأنص من حيث التخويف لعدم الاعتبار بالدلائل المنصوبة مشاهدة للمعتبرين فلما لم يكن وضوح التنبيه فيما قبل آية الأنعام كوضوحه فى السورة الأخرى بما انجر معه من التخويف المتكرر وإنما المتقدم قبل قوله: "ألم يروا " إيماء إلى الاعتبار بأحوال القرون السابقة وليس كالواقع قبل آية الشعراء لم يرد ما بعده مما هو تنبيه مخوف معطوفا عليه إذ لا يناسبه "كفروا " المتقدم من شديد التخويف المنجر فيما بعده أما آية الشعراء فإن قوله تعالى قبلها: "تلك آيات الكتاب المبين " تحريك وتنبيه، ثم إن ما يتلوه من قوله تعالى: "لعلك بلخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين " وإن كان تسلية لنبينا ﷺ فى طيه أعظم وعيد وتهديد لمن اعتبر ثم بعد ذلك قوله تعالى: "إن نشأ عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين " إلى ما بعده فهذا أوضح تنبيه بما صحبه من مخوف التهديد فعطف عليه قوله: "ألم يروا إلى الأرض كم آتينا فيها " ... الآية وناسبه أوضح مناسبة. فصل: ومما تعلق بهذه الآية من المغفل زيادة "من " فى قوله تعالى: "ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم فى الأرض " وفى سورة السجدة: "ألم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون فى مساكنهم " وفى ص: "كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ... ". وردت هذه الآى الثلاث بزيادة "من "فيها وسائر ما ورد فى القرآن من مثل هذه الآى لم ترد فيها "من "كقوله تعالى فى سورة مريم: "وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا " وفى آخرها: " وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد " وفى طه: "أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون فى مساكنهم "، وفى يس: "ألم يروا من أهلكنا

стр. 136

قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون "وفى سورة ق: "وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا " فهذه خمسة مواضع لم ترد فيها "من " فيسأل عن وجه زيادتها فى الآى الثلاث الأول وسقوطها فى هذه الخمس مع اتحاد المقصود أو تقاربه؟ والجواب والله أعلم: أن "من " إنما تزاد فى هذه الآى حيث يراد تأكيده ضمن الآى من المعطيات ولإشارة إلى الوعيد وهى أبدا فى أمثال هذه المواضع محرزة معنى التأكيد لا تنفك عن ذلك ثم إن حذفها أوجز من إثباتها ولكل مقام مقال، فحيث ورد فى هذه الآى ما قبله استيفاء تفصيل وعيدين فى أمة بعينها أو أكثر أو تكرر التهديد وشدة التخويف من مقتضى السياق وفحوى الكلام فذلك موضع زيادتها والتأكيد بإثباتها وحيث لا يتقدم فى اقتضاء مقتضاها نفوذ الوعيد فهذا يناسبه الإيجاز بحذفها إذ لا يراد من تأكيد الوعيد ما يراد فى الآى الأخر فهذا إن شاء الله يوضح ما ورد من الحذف ولإثبات فى هذا الحرف ثم نقول: أما آية الأنعام فقد تقدمها قوله تعالى: "الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور "، وقد كانوا يعترفون بأنه تعالى الخالق "ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " ثم تتابع ما بعد على هذا إلى قوله "وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين " على بيان الأمر ووضوحه ثم قال "فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون " فحصل التسجيل ببقائهم على اظفعراض وإنفاذ الوعيد عليهم ولا أشد من هذا ونحوع بل مثله فى الشدة والإشارة إلى إنفاذ الوعيد قوله تعالى فى سورة السجدة "ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها " فاكتنف الآية ما تضمنته الآيتان من الوعيد والتهديد فناسب ذلك ما اقتضته زيادة "من " من مناسبة التأكيد فقيل "ومن قبلهم " وأما آية ص فحسبك ما تضمنته من أولها إلى قوله "وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق " ثم قال تعالى مخبرا عن حالهم فى تكذيبهم واستبعادهم "عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب " ولعظيم تمردهم ووعيدهم المحكى عنهم فى هذه الآى ما أمر به ﷺ من الصبر فى قوله تعالى "اصبر على ما يقولون " ثم أعقب تعالى بقصة داود ﵇ أعلاما لنبيه بأن ذلك مراده منهم بما قدر لهم فى الأزل فقد سخر الجبال والطير لداود وألان له الحديد فلو شاء لهدى هؤلاء فلعظيم ما ورد فى هذه الآى

стр. 137

من مرتكبات كفار قريش وغيرهم لذلك ما ورد التأكيد بزيادة "من " فى قوله بعد ذكر شقاقهم واغترارهم "كم أهلكنا من قبلهم من قرن " فهذا وجه زيادة "من " فى هذه الآى أما الآى الأخرى خمستها فلم يرد فيها ولا فيما اتصل بها ما ورد فى هذه من التغليظ فى الوعيد ومتوالى التهديد وإن كانت قل ما ترد إلا لذلك ولكن اشتداد التهديد إنما هو بحسب ما يقارن أو يكنف أو يتقدم أو ينجر معها من التغليظ فى الوعيد فبحسب ذلك يقوى الرجاء أو يضعف وإذا تأملت قوله تعالى فى الآية الأولى من سورة مريم "وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا " لم تجدها فى نفسها أو فيما انتظم معها متقدما أو متأخرا توازن فى التهديد واحدة من تلك الآى الثلاث ألا ترى فيما نوظر بين المعنيين بهذه الآية والمهلكين قبلهم من القرون السالفة وأن ذلك إنما هو فيما غرهم من سعة الحال وكثرة المال حسبما أشار إليه قوله تعالى عن المهلكين قبل هؤلاء أنهم كانوا أحسن أثاثا ورئيا فهذه الآية كقولهم "نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين " ولو استبصروا لاهتدوا من قوله تعالى "إنما نملى لهم ليزداوا إثما " ومع ما أعقبت هذه الآية من المنتظم معها من قوله "فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا " فليست فى التغليظ كتلك الآى إذا حقق ما قبلها وكذلك الآية الثانية وهى قوله "وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد ... "الآية فى نفسها وفيما انتظمت به وأما آية طه فأوضح فى إيحاء الرجاء فى نفسها وما نتظمت به ألا ترى ما قوله تعالى "أفلم يهد لهم " وما تضمن تذكيرهم بهذا إلى قوله "لأولى النهى " من عظيم الحلم وعلى الرفق وكذا ما بعد فإن هذا من منتظم تلك الآى الثلاث وأما آية يس وآية ق فأوضح فيما ذكرنا وتأمل مفهومها وما انتظم معهما وإنما حاصلهما بما اتصل بهما تحريك للاعتبار وتذكير بالالاء والنعم وتأمل قوله فى المنتظم بآية يس والمعقبة به من قوله " أفلا يشكرون " وعلى ما يترتب الشكر إذ لا يمكن إلا مرتبا على حصول الإيمان والتصديق وقوله عقب آية ق " إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد " فقد وضح ما بين الضربين وورود كل منهما على ما يناسب ويجب والله أعلم. الآية الثالثة من سورة الأنعام قوله تعالى: "قل سيروا فى الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين " وفى سورة النمل " قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة " وفى سورة

стр. 138

الروم: " قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين " هنا سؤالان أحدهما: اختلاف حالاتهم فيما وسموا به فى أعقاب الآى من التكذيب والاجرام ومن التعامى عن النظر فى البدأة والنشأة الآخرة والاشراك مع أن الأمر للكل باعتبار إنما وقع بلفظ ولحد وهو قوله: "قل سيروا فى الأرض فانظروا " ثم تنوع ما أحيل عليه فى النظر واختلف وإذا لحظ الجواب عما وقع به التعقيب فى كل واحدة من هذه الآى تفصل إلى أربعة أسئلة والسؤال الثانى: اختلاف حرف العطف. والجواب عن السؤال الأول على رعى التفصيل أنه لما تقدم آية الأنعام قوله تعالى: "فقد كذبوا بالحق لما جاءهم "والإشارة إلى أصناف المكذبين من المخاطبين وغيرهم ثم أشير إليهم بعد فى قوله: "ألم يروا كم أهكلنا من قبلهم من قرن "وكلهم إنما أهلك بإعراضه وتعاميه المؤديين إلى تكذيبه أح - يل من بعدهم على كل حال من تقدمهم فيما ذكر مكتفى الإعراض والتعامى بما تقدم فى الآى المذكورة قبل ومفصحا بالتكذيب المسبب عن ذلك فى قوله تعالى: "ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين " والتحم هذا بقوله: "فقد كذبوا بالحق لما جاءهم " على أتم مناسبة وأصحها. وأما آية النمل فمنزلة على ما تقدم من قوله تعالى: "بل ادارك علمهم فى الآخرة بل هم فى شك منها بل هم منها عمون " وإنكارهم العودة بقولهم: "أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين " وذلك بعد ما ذكر مما بسط لهم من واضح الدلالات وقدم لهم الشواهد البينة من لدن قوله تعالى: "أم من خلق السماوات والأرض " ... الآية المتكلم فيها فذكروا بما يشاهدونه ويعلمون أن آلهتهم لا تفعل ذلك فكان مرتكبهم بعد هذا إجراما وتعاميا عن الاعتبار بما ذكروا به فقيل لهم: سيروا فى الأرض فانظروا عواقب أمثالكم من المتعامين عن النظر ولم يقع قبل تفسير صريح وتكذيب وقد بسط من الاعتبار فى هذه الآى ما لم يبسط قبل آية الأنعام، فورد التعقيب هنا بوسمهم - أعنى الممحال - بالإجرام فقيل: "انظروا كيف كان عاقبة المجرمين " مناسب لما تقدم من اجترامهم مع الوضوح ومتابعة التذكير وإرااءة البراهين. وأما آية العنكبوت فإن الله سبحانه لما قدم ذكر العودة الأخراويه بما يقوم مقام الإفصاح وتحصل المقصود من ذلك فى أربعة مواضع من هذه السورة على القرب

стр. 139

والاتصال منها قوله تعالى: "من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت " قوله تعالى: "وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون " وفوله: "واشكروا له إليه ترجعون " وقوله: "ألم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده " ولم يتقدم فى السور الأخر على الاتصال مثل هذا فناسبه إحالتهم وتذكيرهم بالاستدلال بالبدأة على العودة فقال تعالى: "فانظروا كبف بدأ الخلق ثم ينشئ النشأة الآخرة ". وأما آية الروم فقد تقدم قبلها قوله: "ولا تكونوا من المشركين " وقوله: "إذا فريق منهم بربهم يشركون " قوله: "أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون " قوله: "هل من شركائهم من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه وتعالى عما يشركون " فلما تقدم ذكر من امتحن بالشرك وسوء عاقبتهم ولم يتقدم مثل هذا فى السور المتقدمة ناسبه ما أعقب به من قوله: "قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين " فجاء كل على ما يجب. وأما ورود ما أعقبت به كل آية من هذه من المأمور بالنظر فيه والاعتبار به بالفاء من حروف العطف سوى آية الأنعام فذلك بين لأنهم أمروا أن يعقبوا سيرهم بالتدبر والاعتبار وحصر نظرهم واعتبارهم فى المعقب المذكور بعد الفاء ولم تقع إشارة إلى اعتبارهم بغير ذلك وأما آية الأنعام فإنها افتتحت بذكر خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وإنما ذكر هذا من الخلق الأكبر ليعتبر بذلك فإنه أعظم معتبر وأوسعه قال تعالى: "لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس " فكأن الآية فى قوة أن لو قيل: سيروا فى الأرض فاعتبروا لخالقها، وكيف دحاها لكم وذللها لسكانكم، وجعل فيها رواسى أن تميد بكم وفجر فيها الأنهار إلى عجائب ما أودع فيها وكيف جعل السماء سقفا محفوظا بغير عماد وزينها بالنجوم لتهتدوا بها فى الظلمات وجعل الشمس والقمر حسبانا وضياء وزينا للسماء الدنيا وكيف محا آية الليل لمصلحة العباد وجعل آية النهار مبصرة إلى ما لا يحصى من منافعها وعجائبها لمن منح الاعتبار قال تعالى: "إن فى السموات والأرض لآيات للمؤمنين " ثم انظروا عاقبة من كذب ونبه فلم يعتبر فعطف هذا بثم المقتضية مهلة الزمان حيث يراد ذلك. وتفخيم

стр. 140

الأمر وتفاوت المنظور وتجريد الأمر لكل من الضربين مما قبلها وما بعدها فليس موضع تعقيب بالفاء إذا لم يرد أن يكون سيرهم لمجرد الاعتبار بمن كذب فأخذ تذيبه فقط بل الضربين مما ذكرناه ومهدناه وفى كل آية منهما أشفى دلالة وقصد فى الآى الأخر تذكيرهم واعتبارهم بأحد المكذبين وهو المعقب بالفاء فلما افترق القصدان عطف كل بما يناسب والله أعلم. الآية الرابعة: قوله تعالى: "وذلك الفوز المبين " وفى الجاثية: "ذلك هو الفوز المبين " بزيادة "هو " وسقوط واو العطف. لما تقدم فى سورة الأنعام قوله تعالى: "قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم " ثم أعقب بقوله تعالى: "من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه " والمراد من يصرف عنه العذاب فى الآخرة فقد رحمه عطف عليه قوه: "وذلك الفوز " وكان الكلام فى قوة قوله فقد رحم وفاز كما فى قوله: " فمن زحزح عن النار وأدخل النار فقد فاز " والفاء هنا وفى قوله: "فقد رحمه " جواب الشرط والفوز مسبب عن الرحمة فاكتفى بذكره فى آية آل عمران وذكرا معا فى آية الأنعام فعطفه عليه بين ولم يتقدم من أول السورة إلى هنا ما يتوهمه العاقل فوزا فيحترز منه بما يعطيه ضمير هو من المفهوم فلم يقع الضمير هنا. أما آية الجاثية فقد ورد قبلها قوله تعالى مخبرا عن قول منكرى البعث: "ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر " فأفهم قوله "ما هى إلا حياتنا الدنيا " أن هذه الحياة هى الحاصلة لهم ولا حياة وراءها فمن تنعم فيها فذاك فوزه فأخبروا أن الأمر ليس كما ظنوه وذكر تعالى أمر الساعة وتفصيل الأحوال فيها وقال: "فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم فى رحمته " ثم قيل "ذلك هو الفوز المبين " لا الحياة التى هى لهو ولعب فكأن قد قيل: ذلك الفوز لا ما ظننتموه فوزا فأحرز مفهوم الضمير هذا المقصود ولم يتقدم فى آية الأنعام ما يستدعيه كما لم يتقدم فى آية الجاثية ما يستدعى العطف فجاء كل على ما يناسب والله أعلم. الآية الخامسة قوله تعالى: "وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شئ قدير " وفى سورة يونس: "وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده

стр. 141

وهو الغفور الرحيم "، فورد جواب الشرط الثانى فى الآية الأولى بقوله: "فهو على كل شئ قدير " وفى الثانية بقوله: "فلا راد لفضله " وقال فى الأولى: "وإن يمسسك " وفى آية يونس: "وإن يردك " وأعقبت آية يونس بقوله: "وهو الغفور الرحيم " فخص هاتين الصفتين العليتين من صفاته تعالى فهذه ثلاث أسئلة فللسائل أن يسأل عن توجيهها وموجب ما ورد عليه ما ذكر؟ والجواب عن الأول والله أعلم أن مدار الأية الأولى وهى آية الأنعام على أنه سبحانه المنفرد بالخلق والاختراع والمتصرف فى عباده بما يشاء والقدير على كل شئ ونفى هذه الصفات عمن سواه سبحانه وتنزيل هذا عل ما افتتحت به السورة من قوله تعالى: "الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور " وقوله: "هو الذى خلقكم من طين " وقوله "وهو الله فى السماوات وفى الأرض يعلم سركم وجهركم " وقوله فيمن أهلكه من القرون بكفرهم: "مكناهم فى الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا .... "الآية وقوله: "قل لمن ما فى السماوات والأرض ... "الآية وقوله: "قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض ... "الآية فدارت هذه الآى كلها على التعريف بوحدانيته تعالى وانفراده بخلق الأشياء وملكها وقهرها ولم يقع فيها تعرض إلى أن أحدا من خلقه يمنع أو يدفع أو يتعاطى استبدادا بشئ وإن كان قد يفهم بعض ذلك من الجارى أثناء الكلام كقوله: "ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " وقوله: "قل أغير الله أتخذ وليا ... "الآية بل فى قوة الجارى فى هذه الآى أن المشار إليهم بمخالفة مقتضاها أخلدوا إلى ترك التغير واشبهوا البهائم فى البعد عن النظر وكأنهم يرون أن الأفعال وما يتجرد فى العالم من المدركات المشاهدات من الأجسام والأعراض على كثرة تنوعها واختلاف شيآتها وأشكالها زجدت بأنفسها لا عن فاعل تقدمها أوجدها بالقدرة والاختيار بل تكونت بأنفسها فقوبل مرتكبهم بالتعريف بقدرته تعالى على كل شئ وأنه الموجد لما فى العالم العلوى والسفلى وقيل له ﵇: "وإن يمسسك الله بضر .. "الآية إعلاما بأن ما يكون من هذا فمنه تعالى لأنه المنفرد بالخلق والقدير على كل شئ فهذا حاصل ما تقتضيه آية الأنعام. وأما آية يونس فقد ذكر قبلها حال من ظن أن غيره تعالى يضر أو ينفع قال تعالى:

стр. 142

"ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " فقد نسبوا لهم النفع بالشفاعة وقال تعالى: "ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم ... "الآية وقال تعالى: "قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ... "الآية وقال تعالى: "قل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده " وقال تعالى: "قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق " فدارت هذه الآيات على أنهم توهموا نفع ما اتخذوه معبودا من شركائهم فبطل توهمهم واضمحل باطلهم واتبع ما تقدم بقوله جل وتعالى لنبيه ﵇: "ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك " ثم بقوله تعالى: "وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله " وحصل من هذا أن كل ما عبد دونه سبحانه وتوهم أنه يضر أو ينفع ليس كما ظنوه قال تعالى: "وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه " فناسب ما تقدم من التنصيص على انفراده تعالى بالخلق والأمر. والجواب عن السؤال الثانى والله أعلم: أن قوله تعالى هنا: "وإن يردك بخير " ولم يقل: "وإن يمسسك بخير " كما فى آية الأنعام أنه تقدم قبل هذه الآية قوله تعالى: "إن الذين حقت كلمة ربك لا يؤمنون ... "الآية فهو إعلام منه سبحانه بجرى الخلائق على ما قدر لهم أزلا وسبق به حكمه تعالى ثم أعقب بقوله تعالى: "ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا " فهذا تأكيد للغرض المذكور من جرى العباد على ما قدر لهم وما شاءه سبحانه فيهم وإن ذلك لا يرده راد ولا يعارضه معارض فناسب هذا قوله تعالى: "وإن يردك بخير فلا راد لفضله " أتم مناسبة ثم وقع بعد هذا قوله تعالى: "يصيب به من يشاء من عباده " وإصابته سبحانه من يشاء بالخير هو المراد بقوله فى آية الأنعام: "وإن يمسسك بخير " فاجتمع فى آية يونس الأمران معا وكأن قد قيل: وإن يمسسك بخير ويردك به فلا راد لما أصابك به وأراده لك ففى هذه الآية من إمعان المقصود وتأكيده ما ليس فى آية الأنعام ليطابق هذا التأكيد والإمعان ما تقدم من قوله تعالى: "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون " وقوله: "ولو شاء ربك لأمن من فى الأرض كلهم جميعا " ولم يتقدم فى آية الأنعام مثل هذا فوقع الاكتفاء هناك بقوله: "وإن يمسسك بخير فهو على كل شئ قدير " فجاء كل على من هذا على أتم مناسبة وأوضح ملاءمة والله أعلم.

стр. 143

والجواب عن السؤال الثالث أنه لما تقدم هذه الآية من مؤثرات الخوف والجهل ومهيجات الرهب واالخشية ما اقتضاه الاخبار بغيبة للقدر وجهل للمشيئة فى قوله: "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك. .. "الآية وقوله: "ولو شاء ربك لأمن من فى الأرض كلهم جميعا " وعظم موقع ذلك على المؤمنين وكان مع ذلك للوفاء بمزدلفات الأعمال مما لا يحصل بالآمال أنسهم سبحانه بذكر الصفتين العليتين فقال: "وهو الغفور الرحيم " فناسب ورود الوصفين ما تقدم والله أعلم بما أراد. الآية السادسة قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون " وقال فيما بعد من هذه السورة: قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شئ " وفى سورة الأعراف: قوله تعالى: "فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون " وفى سورة العنكبوت: قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه " وفى سورة الصف: قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام " وفى هذه الآيات سؤالان: أحدهما وجه ورود الآيات فى هذه المواضع بهذا النص من قوله "فمن أظلم ممن افترى على كذبا " وتعقيب كل آية منها بما اتصل بها والسؤال الثانى: تعريف الكذب فى سورة الصف وتنكيره فيما عداها. والجواب عن الأول: أن الأولى تقدمها قوله: "فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا يستهزئون " ثم قال تعالى بعد: "ولو أنزلنا عليك كتابا فى قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين " فحصل من هذا افتراؤهم وفى قولهم: إنه سحر. وتكذيبهم قال تعالى: "فقد كذبوا بالحق لما جاءهم " وجعلهم مع الله آلهة سواه فجمعوا بين الشرك والتكذيب فناسب هذا ورود قوله تعالى: "فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا " على طريقة التعجب من مرتكبهم وسوء حالهم أى: من أظلم يا محمد من هؤلاء الجامعين بين الافتراء والشرك والتكذيب مع وضوح الشواهد وكثرة الدلائل الواردة أثناء هذه الآى مما لا يتوقف فيه معتبر فقد وضح تناسب هذا كله وحق لمرتكبه الوصف بالظلم الذى لا يفلح المتصف به وهو ظلم الافتراء على الله والشرك والتكذيب.

стр. 144

وأما الآية الثانية من سورة الأنعام فإن قبلها ذكر الرسل ﵈ وتعقيب ذكرهم بقوله: "أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " ثم قال تعالى: "وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ " فأعظم تعالى مرتكبهم فى هذا وفى تعاميهم عن التوراة وما تضمنته من الهدى والنور ثم أعقب ذلك بقوله تنزيها للرسل ﵈ عن الافتراء على الله سبحانه وادعاء الوحى فصار الكلام بجملته فى قوة أن لو قيل: ألا ترون ما تضمن كتاب موسى من الهدى والنور والبراهين الواضحة وهل يمكن أحد أعظم افتراء من هذا ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه بشئ " فهذا أوضح شئ ولما لم يتقدم فى الآية الأولى ذكر الأنبياء والوحى إليهم كما فى هذه لم يناسبها ما ورد هنا فجاء كل على ما يجب ويناسب والله أعلم. وأما آية الأعراف فتقدمها وعيد من كذب بآيات الرسل واستكبر عنها وأنهم أهل الخلود فى النار فناسب هذا قوله تعالى: "فمن أظلم ممن افترى على كذبا أو كذب بآياته .. "الآية. وأما آية يونس فتقدم قبلها قوله تعالى: "وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله " إلى آخر الآية ولا أظلم ممن قال من فصحاء العرب العالمين بمقاطع الكلام وجليل النظم وعلى البلاغة: "ائت بقرآن غير هذا " أو بدله مع علمهم بعلى فصاحته واعترافهم بالعجز عنه فجمعوا بين إنكار ما علموا صدقه ممن عرفوا على حاله وجليل منصبه فإخباره تعالى عنهم بقوله: "فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " فجمعوا بين الانكار وبين وقولهم فى إنكارهم "أو بدله " فلا أظلم من هؤلاء ثم فى إنكارهم وقولهم "أو بدله " أعظم إقدام وأوضح إجرام لأنه كفر على علم فلهذا أعقبت الأية هنا بقوله: "إنه لا يفلح المجرمون " ولم يقع قبل التى فى سورة الأنعام وقبل آية الأعراف مثل هذا الاقدام على مثل هذه الجريمة فى القول وإنما تقدم عداوتهم زظلمهم أنفسهم فى مرتكباتهم وتعاميهم فناسبه قوله: "إنه لا يفلح الظالمون " وأما آية العنكبوت وآية الصف فجوابهما بين مما تقدم. وجواب ثان: وهو أنه قد تقدم مما به الاعتبار فى الأولى من آيتى الانعام وآية يونس ما فيه كفاء وإن تنوع فقد جنعه جامع الاعتبار وفى كل شفاء لمن وفق للاعتبار به

стр. 145

فمن عدل عنه فظالم إلا أن الاجترام يبنى على أشد من الظلم وإن كان قد أجرى مع الظلم عدم الفلاح إلا أن الجرم أنبأ بالشدة وأخص بالاشعار بشناعة المرتكب وتقدم أن ترتيب السور والآى مراعى وعظيم الموقع وأنه لا يعارضه ترتيب النزول فإذا تقرر هذا فنقول: قدم وصفهم بالظلم ثم تكرر ذلك ممن افترى أو كذب وقد وصف أولا بالظلم فوصف ثانيا بالاجترام ترقيا فى الشر كما يترقى فى الخير وأيضا ليناسب ما وقع فى يونس متقدما من قوله: "وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزى القوم المجرمين ". والجواب عن السؤال الثانى أن آية الصف قد انفردت عن كل ما تقدم من هذه الآى بذكر تعيين المفترى فيه الكذب منطوقا به من غير الإجمال الوارد فى الآى الأخر بل ورد على التفصيل والتعيين وذلك بين من قوله تعالى: "وإذ قال عيسى بن مريم يا بنى إسرائيل إنى رسول الله اليكم لما بين يدى من التوراة ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد " ثم قال: "فلما جاءهم بالبينات " أى فلما جاءهم الرسول الذى سماه لهم عيسى بالبينات والدلائل القاطعة والتصديق لما بين يديه من التوراة قالوا هذا سحر مبين فافتروا الكذب وارتكبوا البهت فيما لا توقف فيه ولا اشكال فقيل متعجبا من حالهم على الجارى فى لسان العرب: "ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب " معرفا بأداة العهد ليقوم مقام الوصف حتى كأن قد قيل هذا الكذب الذى لا امتراء فيه ولا توقف ولما لم يرد فى الآى الأخر ما تقدم هنا كان الوجه أن يرد منكرا كما ثبت فورد على ما يناسب ويجب والله أعلم. الآية السابعة: قوله تعالى: "ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ... "الآية وفى سورة يونس: "ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كلنوا لا يعقلون ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدى العمى ولو كانوا لا يبصرون " فورد الفعل فى الأولى مسندا إلى ضمير المفرد وفى الثانية إلى ضمير جماعة مع استوائهم فى الجمعية ومع اتفاق الغايتين فى أن استماعهم مع قصدهم إياه لا يجب عليهم فللسائل أن يسأل فيقول: لم ورد فى الأولى "ومنهم منيستمع إليك " وفى الثانية "ومنهم من يستمعون إليك " مع اتفاق الآيتين فيما ذكر؟ والجواب والله أعلم: أن نقول "من " لفظ مفرد ويصلح للاثنين والجميع. على هذا وضعه فإذا ورد فى تكيب كلامهم فأول ما يحمل على السابق من حكمه اللفظى من
следующие страницы →