← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 141

مدارج تفقه الحنبلي

أحمد بن ناصر القعيمي

Полный текст (211 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة الطبعة الثانية: الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين وبعد: فبعد أن نفذت الطبعة الأولى ولله الحمد والمنة،، فها هي الطبعة الثانية، أتت بعد النظر في الطبعة الأولى، وتقويم ما ظهر لي عِوَجُه، وقد زدتُ فيها في مواضعَ عدةٍ، فأسأل الله تعالى ان أكون قد وُفِّقْتُ في عرض ما يتعلق بأهم كتب المذهب وما يتعلق أيضا بدراسته طريقة وحفظا، وأسأله تعالى أن تكون أعمالي كلها خالصة لوجهه الكريم، وأن أنتفع بما كتبت ذخرا لي عنده يوم ألقاه إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. أحمد بن ناصر القعيمي ١١/ ٣/١٤٣٧ هـ الأحساء - الهفوف ahmaadd1434@gmail.com

стр. 2

مقدمة الطبعة الأولى: الحمد لله الذي علَّم وأحكم، وأنعم وأكرم، والصلاة والسلام على منْ بلَّغَ وفهم، وعلى آله الأصفياء، وأصحابه الأوفياء، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الجزاء. وبعد: (فإنَّ أجلَّ العلومِ قدراً، وأعلاها فخراً، وأبْلَغَها فضيلةً، وأنجحَها وسيلةً، علمُ الشرعِ الشريفِ، ومعرفةُ أحكامِهِ، والاطلاعُ على سرِّ حلالهِ وحرامهِ، فلذلك تعيَّنَتْ إعانةُ قاصدهِ، وتيسيرُ مواردِهِ لرائدهِ، ومعاونتُهُ على تذكارِ لفظهِ ومعانيْهِ، وفهمِ عباراتِهِ ومبانيْهِ) (١)، وجاء في معاوية ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) (٢)، ومن الخير الذي أراده الله - تعالى - لهذه الأمة أن جعل لها مذاهبَ كلَّها مستوحاة من كتاب الله - تعالى - ومن سنة رسوله محمد ﷺ ، ومن هذه المذاهب مذهبُ الحنابلة، وهو من المذاهب التي تأخذ بيد صاحبها نحو أدلة الشريعة التي بها قوام الدين وأساسه، وقد تنوعت طرائق علمائنا الأفاضل -رحمة الله على من مات منهم وحفظ الله من بقي- في كيفية دراسة المذهب عند المتأخرين، وقد يحتار طالب العلم الحنبلي المبتدئ في كيفية دراسة المذهب عند المتأخرين، ومن أين يبدأ؟ وما هو الطريق الذي يوصله إلى فقه المذهب وأدلته وقواعده

стр. 3

وأصوله؟ وقد تمضي على الطالب السنون وهو متشتت لا يدري لماذا لم يُحَصِّل من الفقه إلا القليل؟ رغم بقاءه والتحاقه في حلقات ودورات فقهية كثيرة، ولماذا لا يستطيع تصور مسائل المتون الفقهية كما أرادها مؤلفوها؟ لماذا لم يضبط المذهب رغم حفظه لبعض متونه؟ لماذا ولماذا ولماذا؟ أسئلة يجدها طالب العلم الحنبلي المجد ملحة عليه، إلى متى أسير ولم أقطع شيئاً يذكر؟ أخي في الله دعني أشاركك في هذا الْهَمِّ، أخي طالب العلم الحنبلي: إن الحياة طويلة ولكن تنبه أنها تقصر من حيث لا تشعر، تنبه أنك تسير إلى نهايتك، لا تَقُل أنا في ريعان شبابي، سأهمل، أو سأتمهل، فعمري لم يمض منه إلا القليل، وما أدراك أن ما مضى هو القليل، بل قد يكون هو الكثير، والباقي هو القليل، أخي طالب العلم إنك إن شَمَّرْتَ عن ساعد الجد وأنت صغير وحصَّلت وتفقهت ومضيت وسرت على ما أنت عليه وفيه فستكون - بإذن الله- عالم المسلمين، نعم عالم المسلمين الذي قد يحفظ الله به دينها وفقهها، نعم عالم المسلمين الذي يحتاجه الناس. أخي طالب العلم سأذكر لك منهجاً عملياً لدراسة مذهب الحنابلة المتأخرين فقهه وأدلته وأصوله وقواعده وفروقه وأشباهه، وسأذكر أيضاً شيئاً من النتف والفوائد خلال ذلك، وسأتطرق كذلك إلى تحقيق المذهب عند المتأخرين. وسميت هذا المنهج بـ: (مدارج تفقه الحنبلي). وقد كتبت هذا المنهج للمبتدئين أمثالي، وقد يستفيد منه المنتهون، وذلك لما رأيت من ذهاب وقت طويل على طالب العلم الذي لا يسير على منهج واضح ومحدد، منهجٍ له بدايةٌ يبتدئ الطالبُ منها، ونهايةٌ يحرصُ على الوصولِ إليها، والحصول عليها. وقد أكثرت في هذا المنهج من ذكرِ الأمثلة للتوثيق، ولكي يتدرب الطالب عليها، ويستخرج أمثالها بنفسه، وليس كل ما في هذا المنهج صالحاً لكل طالب مبتدئ، فلا يصلح للمبتدئ في هذا المنهج إلا المرحلة الأولى وما

стр. 4

يتعلق بها، ولذا فأنا أنصح الطالب المبتدئ بأن لا يقرأ المرحلة الثانية الآن، بل يقتصر على قراءة المرحلة الأولى فقط؛ حتى ينتهي منها أو أكثرها؛ ثم يقرأ المرحلة الثانية وما يتعلق بها، وإنما قلت ذلك حتى لا يشوش الطالب على ذهنه، خاصة أنني قد ذكرت في المرحلة الثانية أمورا تحتاج لوقوف طويل حتى يفهمها الطالب ويستوعبها. أخي طالب العلم: اعلم أن مؤسس ومصحح ومنقح مذهب الحنابلة المتأخرين هو الإمام علي بن سليمان المرداوي (ت ٨٨٥ هـ) -رحمه الله تعالى- وذلك في علمي أصول الفقه وفروعه، وكلُّ الحنابلة المتأخرين إنما يُعَوِّلُونَ في ترجيح المذهب عليه، ويرجعون في التصحيح إليه، وقد انتهج ﵀ منهجاً بديعاً، وأسلوباً فريداً في كيفية تناول ودراسة المسائل الفقهية؛ بَيَّنَه في مقدمة كتابه ... " التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع "، وهذا المنهج هو الذي اخترتُه واعتمدتُه هنا لدراسة متون الفقه مع الشرح والبيان والتمثيل، وأضفت إليه ما لا يقل أهمية عما ذكره ﵀ مع المرور على كل كتب المذهب المعتمدة، ودراستها بنفس ذلك المنهج. ومن أهم فوائد هذا المنهج: فهمُ المسائل الفقهية على ما أراده فقهاءُ الحنابلة - رحمهم الله تعالى- مع الضبط والإتقان لها الذي لا يقِلُّ أهميةً عن فهمها، حتى تتكوَّن عند الطالبِ ملكةٌ فقهية يبنيها بنفسه بعد الاطلاع المتكرر للمسائل في أكثر من كتاب، وبأكثر من طريقة، وكم وُجِدَ مَنْ عنده فهمٌ، أو قادر على الفهم الصحيح؛ لكن ليس عنده ضبط للمسائل ولا إتقان، غير قادر على التفريق بين المسائل المتشابهة، أو غير قادر على الربط بينها، أو غير قادر على معرفة نظائرها وأشباهها. وكم استكثر بعضُ الناس تكرارَ النظرِ في المسائل في أكثر من كتاب، وقال: هذا ضياع وقت؛ أن ينظر الطالب المسائل نفسها في أكثر من كتاب. وأنا أقول: هب أنك فهمت المسألة من أول قراءة لها في أول كتاب، فهل يُتَصَوَّرُ أن يكون هذا الفهمُ هو نفسُهُ فقط الذي سيكون مع نظرها في كتاب آخر، بل سيزداد هذا الفهمُ وضوحاً، وسيجد الناظرُ تصوراً جديداً، وقيوداً واستثناءات، قد لا تكون موجودة في أول كتاب، بل ولا في ثاني

стр. 5

كتاب، لأن العلماء يختلفون في كيفية عرضهم للمسائل، وتناولهم لها، هذا فضلاً عن المسائل الجديدة التي تمر عليك في كل كتاب آخر ستقرأه. وعلم الفقه من العلوم التي لا يُدرك بالنظر اليسير في كتبه، بل لابد من إطالة النظر فيه، وتكراره حتى يحصلَ الفهمُ والإدراكُ، وانظر إلى الشيخ البهوتي ﵀ شارح كتب المذهب بلا منازع، قد وضع حاشية على المنتهى ثم على الإقناع ثم شرح زاد المستقنع ثم شرح الإقناع ثم شرح المنتهى، فلو كان الشيخ يرى أنه لا فائدة من تأليفها مع تكرار نفس المسائل لاكتفى بأحدها، لكنه يعلم ﵀ أن الفقه لا يدرك بالنظر اليسير والوقوف على بعض كتبه دون بعض؛ بل لابد من إكثار النظر في كتب الفقه، وأن يُكرر ذلك؛ حتى يدرك الطالب مراميَه، ويفهمَ معانيَه. أخي طالب العلم: لا تستعجل الثمرة، فالثمرة تحتاج لوقت طويل حتى يكتمل خلْقها ونماؤها، ويستوي نضجها، ويطيب طعمها، وعندها يحين قطفها وأكلها، وهكذا علم الفقه فلا تستعجل قطف ثمرته، نعم قد تتأخر لكنها حاصلة بإذن الله لمن جد واجتهد في تحصيلها. وفي ختام هذه المقدمة أشكر الله تعالى أولاً وآخراً، وأحمده حمد الشاكرين، وأستغفره استغفار المذنبين المخطئين، وأسأل الله تعالى المغفرة والرحمة الواسعة لعلمائنا الحنابلة الذين ساهموا في هذا المذهب وأثروه، وأحسنوا بيانه وبُنيانه، كما أسأله تعالى أن يجزي هذه الدولة السعودية وحكامها كل خير على ما بذلوه وأسدوه في نشر مذهب الحنابلة، والتكفل بطباعة كتبه وتوزيعها على طلبة العلم مجاناً، كما أسأل الله تعالى الرفعة والقبول لكل من ساهم في إظهار وتحقيق وطبع كتب المذهب، وأخص بذلك الشيخين الفاضلين: معالي الشيخ عبدالله بن عبدالمحسن التركي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، ومعالي الشيخ عبدالملك ابن عبدالله بن دهيش شافاه الله وعافاه (١)، فإن لهذين الشيخين الفاضلين فضلاً كبيراً على الحنابلة

стр. 6

في هذا العصر لما قاموا به من تتبع كتب المذهب المعتمدة وتحقيقها وطباعتها ونشرها، فأسأل الله الكريم أن يتقبل منا ومنهم ومن كل علماء المسلمين صالح العمل، وأن يعفو عنا وعنهم الخطأ والزلل، وأن يجعل ما قدموه في ميزان حسناتهم يوم يلقونه، . أخي يا من نظر في هذه الكتابة، هذا جهد من مُقِلٍّ حقيقة، لا مجازاً، وأعترف بالتقصير والعجز، فما قلته وكان صواباً فمن الله تعالى وحده وله الفضل والمنة، وما أخطأت فيه فمني ومن الشيطان واستغفر الله تعالى منه، والعلماء بريئون من هذا الخطأ، أسأله تعالى أن يغفرَ لي، ويعفوَ عني، وعَمَّن قرأَهُ، أو نظرَ فيه، وأن يرحمَنا وأن يجعلَ أعمالَنا كلَّهَا صالحةً، ولوجهه الكريمِ خالصةً، وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أحمد بن ناصر القعيمي ٢٠/ ٣ / ١٤٣٥

стр. 7

تمهيد:

стр. 8

المبحث الأول: التعريف بالمذهب الحنبلي: المذهب لغة: الطريقة والمعتقد الذي يذهب إليه (١). و في الاصطلاح: عرفه ابن مفلح في أصوله بقوله: مذهب الإنسان ما قاله أو جرى مجراه من تنبيه أو غيره، ذكره عنه في الإنصاف. ومذهب الحنابلة من مذاهب أهل الإسلام التي ارتضاها المسلمون على مر العصور، وهو مذهب متكامل متوازن، وهو أقوال للإمام أحمد بن حنبل ﵀ وذلك من خلال أسئلة تلاميذه له وأجوبته على تلك الأسئلة، ثم أثرى ذلك أتباعه تفريعاً وتخريجاً وقياساً على نصوصه، وأصوله، وقواعده؛ حتى تَكَوَّنَ المذهبُ على أيدي كبار من أعلام الأمة كالخرقي والقاضي أبي يعلى، وأبي الخطاب، وابن عقيل، وابن الجوزي، وابن قدامة، ومجد الدين أبي البركات ابن تيمية، وحفيده شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، وابن مفلح وابن رجب، ثم انتهى المذهب إلى الإمام علي بن سليمان المرداوي فأسس مذهبَ المتأخرين وحَرَّرَهُ حتى انحصر المذهب في كتبه ثم جاء الشيخُ الحجاويُّ، والشيخُ ابنُ النجار فسبكا المذهب سبكاً فريداً، وجمعاه في كتابيهما "الإقناع"، "والمنتهى"، ثم تفرعت المختصرات منهما. والإمام أحمد بن حنبل الشيباني ﵁ من أعظم أئمة الإسلام على الإطلاق، ومن أشهرهم، وأعلمهم، وأفقههم، وأزهدهم، وأحفظهم لحديث رسول الله ﷺ ، وقد قال عنه الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵁: (خرجت

стр. 9

من بغداد وما خلفت بها أحداً اتقى ولا أورع ولا أفقه أظنه قال ولا أعلم من أحمد بن حنبل) (١) وكان الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ) ﵀ ينهى طلابه أن يكتبوا أقواله وفتاواه ويكره ذلك، قال ابن القيم: (ويكره أن يكتب كلامه ويشتد عليه جدا)، (وكان يقول: طوبى لمن أخمل الله ذكره)، (ومرة قال للميموني: لولا الحياء منك ما تركتك تكتبها - أي: مسائله -وإنه عليَّ لشديد، والحديث أحب أليَّ). وقال أيضا: (كُتِبَ من كلامه وفتاواه أكثرُ من ثلاثين سفرا، ومنَّ الله سبحانه علينا بأكثرها، فلم يفتنا منها إلا القليل ... ورويت فتاويه ومسائله، وحُدِّثَ بها قرنا بعد قرن فصارت إماما وقدوة لأهل السُّنَّةِ على اختلاف طبقاتهم) (٢). وقال ابن الجوزي: (نظر الله - تعالى- إلى حسن قصده فنُقِلَتْ ألفاظُهُ، وحُفِظَتْ؛ فقلَّ أن تقع مسألة إلا وله فيها نص من الفروع والأصول، وربما عدمت في تلك المسألة نصوص الفقهاء الذين صنفوا وجمعوا) (٣).

стр. 10

المبحث الثاني: المراد بالحنابلة المتأخرين: هم الذين في الطبقة الثالثة، ويبدأون من الإمام المرداوي (ت ٨٨٥ هـ) إلى يومنا هذا. قال الشيخ بكر أبو زيد - رحمه الله تعالى - في المدخل المفصل (١) ما نصه: (اصطلح متأخروا الأصحاب على تقسيم علماء المذهب الذين اشتهروا بالتأليف فيه، فاعتنوا بالرواية، وجمعها، وترتيبها، وانتخاب المذهب المعتمد منها، وقلبوا التأليف في ذلك على وجوهٍ تُقَرِّبُهُ، متناً وشرحاً، ونظماً، واختصاراً، وتحشية، وتحريراً للمسائل بالاختيار والترجيح، والتحقيق والتنقيح، وما هو المعتمد في المذهب ونشر أصوله، وقواعده، وضوابطه، وهم نحو "٥٠٠" خمسمائة عالم فقيه، كل منهم له يد في التأليف في شيء من ذلك، حتى بلغ مجموع مؤلفاتهم فيه نحو "١٤٠٠" كتاباً اصطلحوا على تقسيمهم إلى ثلاث طبقات زمانية هي: ١ - طبقة المتقدمين. ٢ - طبقة المتوسطين. ٣ - طبقة المتأخرين. فالمتقدمون (٢٤١ هـ - ٤٠٣ هـ) والمتوسطون: (٤٠٣ هـ - ٨٨٤ هـ) والمتأخرون: (٨٨٥ هـ - إلى الآخر) يبدأون من رأس المتأخرين ورئيسهم: إمام المذهب في زمانه، وجامع شتاته، ومحرر رواياته، من حقق فيه ودقق، وشرح وهذَّب: مُنَقِّحُ المذهب، العلامة المرداوي: أبو الحسن علاء الدين علي بن

стр. 11

سليمان المرداوي الصالحي، المتوفى سنة (٨٨٥ هـ) مروراً بطبقته فمن بعدهم على توالي القرون إلى الأخر .... الخ كلامه) (١). تنبيه: قد قيل في تقسيم الطبقات غيرُ ذلك (٢)، ولكن ما ذكره الشيخ بكر ﵀ هو الذي أميلُ إليه، وأعتمدهُ، ويشهد له الواقع العملي لعلماء الحنابلة؛ فهم الآن إنما يرجحون بتصحيح العلامة المرداوي، وما تابعه عليه الشيخان الحجاوي، وابن النجار في كتابيهما (الإقناع)، و (والمنتهى)، ومهما قيل غير ذلك فهو تنظير، وليس بعملي إلا إن يراد بذلك معرفة ما يقصده بعض العلماء بذكره لـ (المتأخرين). فالمتأخرون كلمة نسبية؛ قد يذكرها العالم ويعني بذلك المتأخرين بالنسبة له، كالبهوتي مثلا جعل صاحب الفروع والفائق وشيخ الإسلام من المتأخرين (٣)، ونقل عن الزركشي في شرح المنتهى (٤) أن القاضي من المتوسطين.

стр. 12

المبحث الثالث: تنبيهات مهمة: قبل البدء في ذكر كيفية دراسة المذهب، اذكر بعض التنبيهات المهمة وهي: التنبيه الأول: يجب على طالب العلم أن يخلص النية لله تعالى في طلبه للعلم، فعليه أن يستحضر النية دائماً، وأن طلبه للعلم إنما هو لرفع الجهل عن نفسه وعن غيره، ويستذكر دائماً في كل مرة يخرج فيها لطلب العلم قول المصطفى ﷺ (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) (١). التنبيه الثاني: ينبغي لطالب العلم أن يحرص على ثمرة العلم التي هي العمل، خاصة في علم الفقه؛ لأنه لابد وأن تمر عليه عبادات واجبة ومستحبة كصلاة وزكاة وصيام وحج، وسنن رواتب وقيام ليل وصلاة ضحى ونحو ذلك، فليبادر إلى عملها ما أمكن، وأمور محرمة فيجب عليه تجنبها. التنبيه الثالث: ينبغي لطالب العلم ألا يخلو حاله من أحد أمرين مهمين، وهما الملازمة أو المصاحبة، والكمال: الجمع بينهما. والمقصود بالملازمة: أن يلازم شيخاً حنبلياً يُدَرِّسُه بالطريقة التي سأذكرها ولو متناً واحداً على الأقل، وهذا هو الأصل في أخذ العلم وهو: التلقي، قال تعالى: (وإنَّكَ لَتُلَقَّى القُرآن من لَدُنْ حَكِيم عَلِيم) سورة النمل آية ٦.

стр. 13

وفوائد ملازمة الأشياخ كثيرة جداً: منها: أن طلب العلم على الأشياخ هي طريقة السلف الصالح. ومنها: أن الدراسة على الشيخ بركة للشيخ والطالب، فقد يفتح على الشيخ - في الدرس - من العلوم والفوائد ما لا يفتح عليه لو كان لوحده، ويحصل ذلك أيضاً للطالب. ومنها: أن فيها توفيراً للوقت والجهد خاصة إذا كان الشيخ ملماً بالمذهب على أصوله. ومنها: أن فيها كسرا لغرور الطالب وأنه مهما بلغ من العلم فإن هناك من هو أعلم منه. والمقصود بالمصاحبة: أن يتخذ طالبُ العلم صاحباً له يعينه على طلب العلم، ولا بد أن تتوفر فيه الصفات التي تصلح للسير في طريق طلب العلم. وفوائد المصاحبة كثيرة: منها: أن كلاً منهما يرفع همة صاحبه في طلب العلم، وأنه لو فتر أحدهما رفع همتَه الآخرُ. ومنها: ملء الفراغ الذي يكون في غير وقت القراءة على الشيخ. ومنها: أن فيها مدارسة للعلم بين صاحبين، وهذا يجعل الطالب يتكلم بما لا يستطيع قوله عند الشيخ، وكذلك تصحيح كل واحد منهما للآخر ما أخطأ فيه صاحبه. والكمال: أن تجمع بين المصاحبة والملازمة فلا يوجد أكثر فائدة منها فاحرص - وفقك الله - على ذلك أشد الحرص. التنبيه الرابع: لابد لطالب العلم أن يرتبط ببرنامج خاص له إذا انفرد لوحده، بحيث يكون له ما يقرأ فيه أحد كتب المذهب في المنزل، إذا اعتذر شيخُه أو صاحبُه، أو في وقت ليس فيه درس لشيخه، ولا مدارسة مع صاحبه، وكذا لو سافر مثلاً. التنبيه الخامس: حرك قلمك: لابد لطالب العلم من الكتابة فقد يذكر

стр. 14

الشيخ صورة مسألة مثلاً أو قيداً أو شرطاً لم يذكره الكتاب المقروء ولا شرحه، فلابد من تقييده، وكذلك قد تكون بينك وبين صاحبك مدارسة وتنتهيان إلى تحرير صورة مسألة مثلاً أو تحرير المذهب في مسألة ما بعد جهد وعناء طويلين ومراجعة كتب وحواشٍ كثيرة، فقيد ذلك في كتابك لأن ذلك إذا فات صعب الحصول عليه مرة أخرى، وكذا لو حصل مثل ذلك في قراءتك لوحدك فقيد ذلك في كتابك. وما أجمل ما فعله العلامة أحمد بن محمد بن منقور (ت ١١٢٥ هـ) لما نهاه شيخه العلامة عبد الله بن ذهلان (ت ١٠٩٩ هـ) عن الكتابة في الدرس؛ فكان يكتب ويقيد ما يسمعه بعد الفراغ من الدرس، قال ﵀ في مقدمة كتابه "الفواكه العديدة في المسائل المفيدة " (١): (وبعد: فهذه مسائل مفيدة، وقواعد عديدة، وأقوال جمة، وأحكام مهمة، لخصتها من كلام العلماء، ومن كتب السادات القدماء، وأجوبة الجهابذة الفقهاء، غالبُها بعد الإشارة من شيخنا وقدوتنا الشيخ عبد الله بن محمد بن ذهلان، بَلَّ اللهُ بالرحمة ثراه، وجعل جنة الفردوس مأواه؛ لزيادة فائدة، أو تقرير قاعدة، أو إيضاح إشكال، أو جواب سؤال، أو اطلاع على خلاف من كلام الأئمة الأشراف، ومسائل قررها في مجلس الدرس وغيره؛ فأحببت أن أضبط كلامه، بعضَه بالحرف، وبعضَه بالمعنى، تذكرةً لنفسي، وتبصرة لأبناء جنسي عن الاختلاف عندي، وطلباً للانتفاعِ بعدي، وبيانِ مسائل فيها إشكال عليه، أو ثقل لديه؛ لئلا يتوهم فيها مَنْ يَظُنُّهَا واضحةً ظاهرةً، أو يُقَيِّضُ اللهُ لها مَنْ يكشفُ عنها حُجُبَها الساترةَ؛ لحديث: (قيدوا العلم بالكتابة) (٢). وفي آداب الحنفية: من حفظ فر، ومن كتب قر (٣).

стр. 15

وقال هلال بن يسار: حدث النبي ﷺ بحديث، فقلت أعده لي، قال: (هل معك محبرة)، قلت: ما معي محبرة، قال: (لا تفارقها؛ فإن الخير فيها وأهلها إلى يوم القيامة). وذكر ابنُ مفلح في آدابه: أن عصام بن يوسف اشترى قلما بدينار ليكتب ما سمع في الحال. وفي مسائل أبي داود: كان يحي بن يمان يحضر عند سفيان، ومعه خيط، فكلما حدَّثَ سفيانُ بحديثٍ؛ عَقَدَ عقدةً، فإذا رجع إلى البيت، كتب حديثاً وحَلَّ عُقْدةً انتهى. وكذا فعل الشيخُ شهابُ الدين بن عطوة مع ذكائه، وحفظُه حالَ قراءتِه على شيخِه أحمد بن عبدالله العسكري، قال: ولم يأذن لي في الكتابة في الدرس، فكنت أعقله بعده، فاحتجت إلى أن أكتب بعض كلامه بالمعنى، وهكذا فعلت (١)، ولنا فيه أسوة، مع أن من ذُكِرَ أجلَّ وأفضلَ، وأعلمَ وأنبلَ؛ لكن لكل زمانٍ ما يُناسِبُه، وإن الذي يأتي شر منه .. ، فكنت وقت قراءتي على الشيخ المذكور في "الإقناع" أسمع منه تقريرا وتحريرا؛ فإذا قمت عن المجلس؛ كتبته لئلا يختلف عليَّ بعضُ الكلام فيما يأتي من الأيام والأعوام).

стр. 16

الفصل الأول: (المرحلة الأولى) دراسة المتون الخمسة والروض المربع:

стр. 17

المبحث الأول: كتب المرحلة الأولى: ١ - أخصر المختصرات للشيخ محمد بن بدر الدين بن بلبان (ت ١٠٨٣ هـ). ٢ - عمدة الطالب للشيخ منصور البهوتي (ت ١٠٥١ هـ). ٣ - دليل الطالب للشيخ مرعي الكرمي (ت ١٠٣٣ هـ) ٤ - كافي المبتدي للشيخ محمد بن بدر الدين بن بلبان (ت ١٠٨٣ هـ). ٥ - زاد المستقنع للشيخ موسى الحجاوي (ت ٩٦٨ هـ) ٦ - الروض المربع شرح زاد المستقنع للشيخ منصور البهوتي (ت ١٠٥١ هـ). الأهداف المراد تحقيقها: ١ - معرفة معاني كلمات المسألة. ٢ - معرفة صورتها على ما يذكره المؤلف بصورة تكاملية أو شبه تكاملية (١). ٣ - معرفة حكمها. ٤ - معرفة دليل المسألة، مع وجه الدلالة من الدليل لتلك المسألة.

стр. 18

ينبغي لطالب العلم أن يهتم بهذه الأهداف اهتماماً بالغاً، ويحاول ألا ينتقل إلى مسألة حتى يفهم التي قبلها، وهي في البداية قد تكون ثقيلة وصعبة، ولكن مع الممارسة يكون الأمر سهلاً جداً.

стр. 19

المبحث الثاني: كيفية العمل في هذه المرحلة: ١ - يبدأ الطالب بحفظ أحد المتون الخمسة الأولى، أو يحدد له متناً يلتزم به بحيث يكثر من قراءته ويجعل له فيه ورداً يومياً. وأولى المتون المختصرة بالحفظ وأعظمها نفعا وفائدة هو متن"زاد المستقنع"، ثم يأتي بعده متن " دليل الطالب " ثم "أخصر المختصرات" ثم عمدة الطالب وكافي المبتدي. ونظرا لزهد كثير من طلبة العلم في حفظ متون الفقه، وزاد ذلك ما يشيعه بعض المشايخ من أنه لا ينبغي حفظ كلام البشر كالمتون الفقهية مما صير حفظ متون الفقه بين طلبة العلم نادرا إلا من رحم الله تعالى، وأقول: إن حفظ متون الفقه من أكبر الوسائل المعينة على الفهم والضبط والإتقان، ويعين أيضا على استحضار المسائل وتصورها، كما أن حفظ المتون هي سنة الفقهاء؛ قديما وحديثا وسأذكر أسماء بعضهم: فقد حفظ الشيخ الموفق ابن قدامة (ت ٦٢٠ هـ) " مختصر الخرقي " (١)، وحفظ الشيخ ابن مفلح (ت ٧٦٣ هـ) صاحب " الفروع " كتاب " المقنع " (٢)، وحفظ الشيخ علي بن سليمان المرداوي شيخ المذهب (ت ٨٨٥ هـ) كتاب " المقنع " (٣)، وحفظ الشيخ محمد بن أحمد الفتوحي المشهور بابن النجار

стр. 20

صاحب كتاب " المنتهى " (ت ٩٧٢ هـ) حفظ كتاب " المقنع "وغيره (١)، وحفظ الشيخ محمد بن عبدالله بن فيروز (ت ١٢١٦ هـ) متن "زاد المستقنع " (٢)، وحفظ الشيخ عبدالرحمن السعدي (ت ١٣٧٦ هـ) متن " دليل الطالب "، وحفظ سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت ١٣٨٩ هـ) متن " زاد المستقنع " (٣)، وحفظ الشيخ عبدالله بن حميد (ت ١٤٠٢ هـ) متن " زاد المستقنع "، وحفظ الشيخ محمد بن عثيمين (ت ١٤٢١ هـ) متن " زاد المستقنع " (٤)، وحفظ شيخنا الشيخ عبدالعزيز اليحيى (ت ١٤٣٤ هـ) (٥) متن " زاد المستقنع "رحم الله الجميع.

стр. 21

٢ - يقرأ ويدرس الطالب ذلك المتن على شيخ حنبلي متخصص متقن لمذهب الحنابلة المتأخرين، ويضم مع ذلك مدارسته لذلك المتن مع صاحبه. ٣ - ثم بعد أن ينتهي الطالب من دراسة المتن مع شرحه واستشراحه، يقرأ الطالب على شيخه إن تيسر له ذلك وهو الأولى، أو مع صاحبه بقية المتون الخمسة من أولها إلى آخرها، وسيجد مسائل قد قرأها في المتن السابق ويستفيد من ذلك تثبيتاً لها في ذهنه، وسيجد أيضاً تصوراً أكثر من التصور السابق، وغير ذلك من الفوائد، وسيرى أيضاً مسائل ليست في المتن السابق الذي قرأه، فهذه تعتبر مسائل جديدة له يفعل معها ما فعله في المتن الأول. وإذا فهم الطالب المتن الأول، سهل عليه بقية المتون، ولن يأخذ فيها وقتاً طويلاً لقراءتها وفهمها. فمثلاً: يبدأ الطالب بأخصر المختصرات حفظاً ودراسة لمسائله وتصورها وأدلتها والتعليق عليه، ثم إذا انتهى منه كله يقرأ " عمدة الطالب " ويعلق على ما يحتاج لتعليق، ثم يقرأ " دليل الطالب "، ثم بعده " كافي المبتدي "، ثم " زاد المستقنع "، وبهذا التدرج تزداد عنده الإشكالات كلما صعد إلى ما هو أعلى منه. وإن أراد أن يعكس ويبدأ بالزاد، فكافي المبتدي، فدليل الطالب، فعمدة الطالب، فأخصر المختصرات فلا بأس، وبهذا التدرج تقل عنده الإشكالات لأنه بدأ بالأصعب فسيهون عليه ما دونه. وهذا التدرج اختياري وليس ملزماً سواء أكان من الأعلى إلى الأدنى أم بالعكس، وسواء تدرج بهذه الطريقة أم لم يتدرج رأساً فيبدأ مثلاً بالعمدة ثم الزاد ثم دليل الطالب إلى غير ذلك، المهم - في النهاية - أن يقرأ ويدرس كل تلك المتون. ومن أراد أن يسلك هذا المنهج الذي ذكرته؛ وكان قد بدأ بأحد المتون الخمسة، فلا يلزمه أن يعيده بل يكمل عليه ما لم يقرأه منها ويدرسها بنفس الطريقة.

стр. 22

ومن أراد أن يقتصر على بعض المتون الخمسة، فلا أقل من أن يقرأ ويدرس المتون الثلاثة: "زاد المستقنع"و"دليل الطالب"و"أخصر المختصرات"، وإن أحب فليقتصر على متن واحد من هذه الثلاثة؛ لكن هذا لغير المتخصصين في الفقه. ٤ - فإذا انتهى الطالب من قراءة وفهم المتون الخمسة المتقدم ذكرها، أو الثلاثة يبدأ بقراءة الروض المربع شرح زاد المستقنع للشيخ منصور البهوتي -رحمه الله تعالى- والتعليق عليه بمثل ما مر في دراسة أول متن، وهو آخر ما يقرأ في هذه المرحلة، وبعد ذلك يكون شبه مستعد ومتهيئ للمرحلة الثانية.

стр. 23

المبحث الثالث: طريقة دراسة المتن الفقهي: الطريقة التي ينتهجها الطالب لدراسة مسائل المتن الفقهي هي ما يلي: أولاً: تصور المسألة على الوجه الصحيح: وذلك بأن يفهم الطالب المعنى الإجمالي للمسألة فهماً صحيحاً مستعيناً في ذلك بشيخه، وشرح لذلك المتن. ثانياً: تحليل المسألة: ينبغي لطالب العلم أن يتناول المسألة، بمثل تناول الشيخ المرداوي لمسائل المقنع - غير تصحيح الخلاف لأنه لا يوجد في المتون المختصرة خلاف- وقد بَيَّنَ - رحمه الله تعالى - ذلك في مقدمته على التنقيح فقال: (فقد سنح بالبال أن أقتضب ما في كتابي الإنصاف من تصحيح ما أطلق الشيخ الموفق في المقنع من الخلاف، وما لم يفصح فيه بتقديم حكم، وأن أتكلم على ما قطع به، أو قدمه، أو صححه، أو ذكر أنه المذهب وهو غير الراجح في المذهب، وما أخل به من قيد، أو شرط صحيح في المذهب، وما حصل في عبارته من خلل، أو إبهام، أو عموم، أو إطلاق، ويستثنى منه مسألةٌ، أو أكثر؛ حكمها مخالف لذلك العموم أو الإطلاق، ... إذا علمت ذلك ... فما أخل به من قيد أو شرط فإن كان الشرط لأصل الباب ذكرته في أوله، وإلا أضفته هو والقيد إلى لفظ المصنف مسبوكاً فيه، وما كان فيه من خلل فإني أغير لفظه وآتي بما يفي بالمقصود مع تكميله وتحريره، وما كان فيه من إبهام، فإن كان في حكم فإني أفسره بالصحيح من المذهب بما يقتضيه المقام من الاحتمالات اللاتي هن أقوال في المذهب من صحة ووجوب وندب

стр. 24

وضدها وإباحة، وإن كان في لفظ فإني أُبَيِّنُ معناه، وما كان فيه من عموم أو إطلاق فإني أذكر ما يستثنى من العموم .... ، وما هو مُقَيِّدٌ للإطلاق مع نوع اختصار، وتغيير بعض ألفاظ من كلام المصنف، وربما صرحت ببعض ما شمله العموم .. ) (١). تلخيص أهم ما فعله المرداوي مع "المقنع" في كتاب "التنقيح ": ١ - تصحيح الخلاف المطلق من الروايات والأوجه والاحتمالات، وذلك بالجزم بالصحيح منها في المذهب، مع الاقتصار عليه وعدم ذكر غيره. ٢ - ذكر الشروط التي أهملها صاحب المقنع. ٣ - إبدال ما جزم الشيخ ابن قدامة فيه بالمذهب - وهو ليس كما قال- بالمذهب الصحيح. ٤ - ذكر ما يستثنى من العموم. ٥ - ذكر ما يقيد المطلق. ٦ - إزالة الإبهام الذي في الحكم، أو في اللفظ، وذلك بأن يأتي بما يزيل ذلك الإبهام بالتصريح بالحكم الصحيح في المذهب، أو بلفظ أوضح من ذلك اللفظ المبهم. ٧ - إصلاح ما فيه خلل في العبارة، وذلك بأن يأتي بعبارة تفي بالمقصود مع تكميله وتحريره. ٨ - تغيير بعض ألفاظ المصنف بألفاظ أخرى. ٩ - ذكر بعض الفروع التي تندرج تحت بعض ألفاظ العموم، والتي لم يذكرها الشيخ الإمام ابن قدامة. ثم قال الشيخ المرداوي: (وهو في الحقيقة تصحيح وتنقيح , وتهذيب لكل ما في معناه، بل وتصحيح لغالب ما في المطولات ولاسيما في التتمات وهذه الطريقة لم أَرَ أحداً ممن يتكلم على التصحيح سلكها، إنما يصححون

стр. 25

الخلاف المطلق من الروايات والأوجه والاحتمالات فقط، ففاتهم شيء كثير جداً مع مسيس الحاجة إليه أكثر مما فعلوا) (١). وإذا كانت المختصرات الفقهية قد خلت من الخلاف، سواء أكان خلافا مطلقا أم غيره فإنها لم تخل من بقية الأمور الأخرى - التي عملها الشيخ المرداوي مع المقنع - كالإبهام في الحكم واللفظ، والمطلق الذي هو مقيد ولم يقيده الْمُخْتَصِرُ، والعموم الذي هو مستثنى منه بعض الصور، والخلاف للمذهب في بعض المسائل، وغير ذلك، والتي جعلها الشيخ المرداوي -رحمه الله تعالى - أكثر أهمية من تصحيح الخلاف المطلق، كما تقدم قوله قريبا: (إنما يصححون الخلاف المطلق من الروايات والأوجه والاحتمالات فقط، ففاتهم شيء كثير جداً مع مسيس الحاجة إليه أكثر مما فعلوا). وقد أتى بعض الشراح لتلك المتون المختصرة على كثير من تلك الأمور، فينبغي للشيخ الشارح لمتن ما، أن يبينها للطالب، وينبغي للطالب أن ينتبه لها في كل مسألة ويبحث عن البيان وغير ذلك من الشروح والحواشي. وسأبين الآن تلك الأمور التي ذكرها المرداوي مع التمثيل، وسأضيف عليها أموراً أخرى لا تقل أهمية عن التي ذكرها الشيخ المرداوي -رحمه الله تعالى-: الأمور التي يجب أن تراعى لدراسة المتن الفقهي: الأمر الأول: تبيين المبهم: والمبهم في اللغة: قال في المصباح: (اسْتَبْهَمَ) الخبر، واستغلق بمعنى، ... و (أَبْهَمْتُهُ) (إبْهَاماً) إذا لم تُبَيِّنْهُ) (٢). وفي المعجم الوسيط (٣): (الكلام الغامض لا يتحدد المقصود منه).

стр. 26

فالمبهم لا يخلو: إما أن يكون في الكلمة غموض، لا يتبين معناها من لفظها، فتحتاج إلى بيان المراد منها. وإما أن لا يكون فيها غموض، بل تكون واضحة وتحتمل أكثر من معنى، ولا يوجد ما يحدد المقصود المراد من هذه المعاني. والإبهام عند فقهاء الحنابلة: إما أن يكون في الحكم، وإما أن يكون في اللفظ. والمراد بالمبهم في الحكم: أن يذكر العالمُ مسألةً دون أن يُبَيِّن حكمها من حيث الحكم التكليفي حرمة وكراهة، ووجوباً واستحباباً، وإباحة، أو من حيث الحكم الوضعي صحة وفساداً، وضماناً وغير ذلك. وبعبارة أدق: أن يأتي العالم بلفظ يحتمل أكثر من حكم، مثل أن يقول: ولا يفعل كذا - وهذه تحتمل الحرمة والكراهة- أو: وأن يفعل كذا- وهذه تحتمل الوجوب أو الندب-. وقد ذكر بعض الفضلاء: أن العلماء إذا ذكروا الفعل المجرد- أي: إذا قال العالم: ويفعل كذا - فإنه ظاهر في الوجوب؛ فإذا لم نر له بيانا من العلماء شراحا كانوا أو محشين، فهو للوجوب، وفي هذا نظر ظاهر لعدة أمور: ١. أنه لو كان الأمر كذلك لَمْ يتكلفْ العلماءُ بذكر حكم الوجوب في مواطن كثيرة (١)، ولاقتصروا فقط على بيان الاستحباب، ولَتَركوا ما عداه على ما يظهر من الفعل وهو: الوجوب، والحال أنهم يبينون الإبهام بالوجوب إن كان حكمه كذلك. ٢. أن الشيخ المرداوي مصحح المذهب ومنقحه لم يجعل الفعل المجرد ظاهرا في الوجوب في الإنصاف، بل جعله محتملا للوجوب وغيره،

стр. 27

ومن ذلك ما ذكره في باب أدب القاضي (١) حيث قال: (قوله (ويعدل بين الخصمين في لحظه ولفظه ومجلسه والدخول عليه) يحتمل أن يكون مراده: أن ذلك واجب عليه، وهو: المذهب، قال في الفروع: ويلزمه، في الأصح: العدل بينهما في لحظه ولفظه، ومجلسه والدخول عليه، وجزم به في الشرح، وقيل: لا يلزمه؛ بل يستحب، ويحتمله كلام المصنف). فقول الشيخ المرداوي: (ويحتمله كلام المصنف) يدل على أن الفعل يحتمل الوجوب والاستحباب، ولو كان ظاهرا في الوجوب لذكر ذلك. ٣. أنه قد وقع خلاف في أحكام مجردة هل هي للوجوب، أو للاستحباب، ولو كان الوجوب هو الظاهر دائما لم يقع الخلاف؛ كما حصل ذلك بين الحجاوي، والبهوتي في مسألة: الجلوس بعد سجدة التلاوة، هل هو ندب أم واجب؟ فالحجاوي يقول: (ولعل الجلوس: ندب)، وتعقبه البهوتي بأنه واجب فقال: (قلت: والظاهرُ وجوبُه كما مر في عدد الأركان) (٢)، وتعقبه النجدي بقوله: (وفي كلام منصور البهوتي نظر! ) (٣). فلو كان الفعلُ المجرد ظاهرا في الوجوب؛ ما كان لهؤلاء العلماء الثلاثة أن يختلفوا في حكم هذا الفعل! . ٤. أن المردواي ترك بيان حكم تفريق الوصية في كل من الإنصاف، وتصحيح الفروع، والتنقيح فلم يُبَيِّن حكمه، واستدرك عليه الحجاوي وبين أنه: مستحب. قال ﵀ في حواشي التنقيح (٤): (ويسن تفريق وصيته كل ذلك قبل الصلاة عليه، وأبقى المنقح تفريق وصيته على كلام المقنع مبهما لم يبين الحكم فيه، وكان حقه أن يبين حكمه كما وعد في الخطبة).

стр. 28

فلو كان الفعل المجرد ظاهرا في الوجوب لجعله الحجاوي وصحح الوجوب، ومع ذلك جعله مستحبا، وهو المذهب المجزوم به في "الإقناع" (١) و"المنتهى" (٢). والمراد: أنه لو ذكر العلماء فعلا؛ فنتوقف في حكمه حتى يظهر لنا حكمُه ببيانٍ له من أهل العلم والله أعلم. والمراد بالمبهم في اللفظ: هو أن يذكر العالم كلمة، أو جملة فيها غموض تحتاج لبيان وإزالة ذلك الغموض عنها. وعلى طالب العلم أن يبين المبهم، ويأتي بما يزيل عنه الإبهام، فإن كان في الحكم بين حكمه، وإن كان في اللفظ بين معناه وصورته، وهذا من أهم ما يتنبه له الطالب. ومن أمثلة المبهم في الحكم: المثال الأول: قول الشيخ الحجاوي في " زاد المستقنع " في باب إزالة النجاسة: (وإن خفي موضع نجاسة غسل حتى يجزم بزواله). ذكر الشيخ الحجاوي ﵀ أنه إن خفي على الإنسان موضع النجاسة من الثوب فإنه يغسل منه عدة مواضع حتى يجزم بزوال النجاسة عنه؛ لكنه لم يبين حكم غسله هل هو واجب، أو مستحب، وقد صرح الشيخ البهوتي بحكم ذلك فقال (وإن خفي موضع نجاسة) في بدن أو ثوب أو بقعة ضيقة وأراد الصلاة (غسل) وجوباً (حتى يجزم بزواله) أي زوال النجس لأنه متيقن فلا يزول إلا بيقين الطهارة) (٣). المثال الثاني: قول الشيخ الحجاوي أيضاً في " زاد المستقنع "، والشيخ البهوتي في " عمدة الطالب " في باب الجمعة: (ولا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إماماً).

стр. 29

والحكم هنا مبهم، إنما هو لمطلق المنع المحتمل للكراهة والتحريم، والمذهب: أنه مكروه ولذلك قال في الروض المربع: (ولا يتخطى رقاب الناس) .... (إلا أن يكون) المتخطي (إماماً) فلا يكره للحاجة) (١). وصرح الشيخ ابن بلبان في " كافي المبتدي " بالحكم فقال: (وكره .. تخطي الرقاب إلا لفرجة) (٢). المثال الثالث: قول الشيخ مرعي الكرمي في " دليل الطالب " - ومثله في " زاد المستقنع "، و " عمدة الطالب " - في كتاب الجنائز: (وشهيد المعركة .. لا يغسل). أبهم الحكم، وقوله: (لا يغسل) لمطلق المنع يحتمل الكراهة، والتحريم، وهي من المسائل القليلة التي لم يبين فيها صاحبُ " دليل الطالب" الحكم، وهي من المسائل الخلافية التي بين " الإقناع" و"المنتهى"، وحمل الشارحُ في "نيل المآرب" المسألة على التحريم حيث قال: (وشهيد المعركة .. لا يغسل وجوباً) (٣)، وهو ما جزم به صاحب "الإقناع" (٤)، وتابعه في كافي المبتدي (٥) "، وذهب صاحب " المنتهى " (٦) إلى كراهة تغسيل الشهيد تبعاً للتنقيح (٧)، وتابعه في " غاية المنتهى " وقيده بقوله (ويتجه: أنه مع دم عليه يحرم لزواله) (٨). المثال الرابع: قول الشيخ الحجاوي في " زاد المستقنع " في المضاربة: (ولا يضارب بمال لآخر إن أضر الأول ولم يرض). فقوله: (ولا يضارب) يفيد مطلق المنع، ويحتمل التحريم، ويحتمل الكراهة، فلابد من بيان الحكم.

стр. 30

والمذهب: يحرم، قال الشيخ البهوتي في الروض المربع (١) - معللاً وذاكراً للحكم -: (لأنها تنعقد على الحظ والنماء، فلم يجز له أن يفعل ما يمنعه منه). وفي " المنتهى " مع شرحه للشيخ البهوتي: (ويحرم على العامل أن يضارب أي: يأخذ مضاربة لآخر إن أضر اشتغاله بالعمل في مال الثاني رب المال الأول) (٢). المثال الخامس: قول صاحب " زاد المستقنع " في آخر الحضانة: (والأُنثى عند أبيها حتى يتسلمها زوجها). لم يبين حكم بقائها عند أبيها بعد تمام سبع سنوات إلى الزواج؟ هل هو واجب؟ أم مستحب؟ واللفظ محتمل لهما وللإباحة، وبينه الشيخ البهوتي في " الروض المربع" (٣) بقوله: (وجوباً). المثال السادس: قول صاحب " زاد المستقنع "، و " عمدة الطالب " في أول كتاب الصلاة: (ويؤمر بها صغير لسبع). لم يبين حكم أمر الولي لموليه الذي استكمل سبعاً بالصلاة هل هذا الفعل واجب على الولي أم مستحب؟ واللفظ محتمل لهما. والمذهب: يجب على ولي أمر الصبي الذي استكمل سبع سنين أن يأمره بالصلاة، قال الشيخ البهوتي في " الروض المربع ": (أي يلزم أن يأمره بالصلاة لتمام سبع سنين) (٤) وقال مثل ذلك الشيخ عثمان النجدي في" هداية الراغب" (٥).

стр. 31

والإبهاماتُ في الحكم كثيرة في " زاد المستقنع"، ولا تكاد توجد في " دليل الطالب "، فلا يذكر مسألة إلا ذكر حكمها في الغالب الأعم، وهذا من أهم ما يتميز به " دليل الطالب " على زاد المستقنع "، بل وعلى غيره من المتون. المثال السابع: قول صاحب "زاد المستقنع"، و"عمدة الطالب"، و"كافي المبتدي"، و"أخصر المختصرات" في مكروهات الصلاة وما يباح له: (وإذا نابه شيء سبح رجل وصفقت امرأة). والمراد: أنه إذا عرض للمصلي شيء، واحتاج للكلام، فإنه يسبح الرجل، وتصفق المرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى. وفيه إبهام في حكم التسبيح، هل هو واجب أم مستحب، والمذهب كما في شرح ابن النجار على كتابه "المنتهى" (١)، وشرح البهوتي عليه (٢): أنه بإمام وجوبا، وبمستأذن استحبابا. المثال الثامن: قول صاحب "الروض المربع" في شروط الصلاة في المتنفل الراكب في السفر: (ويومئ بهما ويجعل سجوده أخفض من ركوعه). والمراد: أن من صلى نفلا في السفر وهو راكب يومئ، أي: يشير برأسه للركوع والسجود، ويجعل رأسه في سجوده أخفض منه في ركوعه؛ لكن الحكم هنا مبهم هل يجعل سجوده أخفض من ركوعه وجوبا أم استحبابا؟ . وقد بَيَّنَهُ في الإقناعِ (٣) فقال: (وجوبا إن قدر). أمثلة على الإبهام في اللفظ: المثال الأول: قول صاحب " زاد المستقنع": (كتاب الطهارة وهي: ارتفاع الحدث وما في معناه، وزوال الخبث). فقوله: (وما في معناه) مبهم غامض يحتاج لبيان، والمراد بها: أن ما

стр. 32

في معنى ارتفاع الحدث يسمى طهارة، كما أن ارتفاع الحدث يسمى طهارة، وما في معنى ارتفاع الحدث: كل طهارة ليست عن حدث، ولا يرتفع بها حدث كغسل يد القائم من نوم الليل، فإنه لم يكن لحدث لحق باليد، ولم يرتفع عنها حدث بعد غسلها، ومع ذلك يسمى طهارة. المثال الثاني: قول صاحب " زاد المستقنع " وغيره في باب الآنية: (إلا ضبة يسيرة). فقوله: (ضبة) مبهمة تحتاج لبيان، وهي: ما يربط به بين طرفي المنكسر. المثال الثالث: قول صاحب " زاد المستقنع " في باب صفة الصلاة: (ويشير بسبابتها في تشهده). فقوله: (يشير) مبهمة بَيَّنَهَا البهوتي في "شرح المنتهى" (١)، بقوله: (بأن يرفعها) (٢). المثال الرابع: قول الشيخ مرعي الكرمي في " دليل الطالب"، وغيره في ذكر الأوقات المنهي عن الصلاة فيها: (وهي من طلوع الفجر إلى ارتفاع الشمس قِيْد رمح). فقوله: (قِيْد رمح) مبهمة تحتاج إلى بيان، والمراد بها: قدر رمح في رأي العين. المثال الخامس: قول صاحب " زاد المستقنع" في المضاربة: (وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف أو خسر جبر من الربح قبل قسمته أو تنضيضه) (٣). فقوله: (تنضيضه) مبهمة تحتاج إلى بيان، وهي تحويل عرض التجارة إلى نقد، وهذا يذكرونه في شركة المضاربة.

стр. 33

والإبهام في اللفظ - سواء كان في جملة أو كلمة مفردة- نسبي؛ فقد يكون مبهماً لأحد، غير مبهم لآخر. ومن الإبهامات في اللفظ التي تحتاج إلى بيان: إطلاق المؤلف الحكم في المسألة بقوله بعدها: (مطلقاً) أو (على الإطلاق)، وهي من العبارات المنتقدة في المتن، لأنها تضع الطالب المبتدئ في حيرة، فلا يدري الإطلاق عمَّاذا؟ . قال الشيخ الحجاوي في " حواشي التنقيح": (تنبيه: قد أكثر المصنف في هذا الكتاب - أي: التنقيح - من قوله: (مطلقاً) في نحو مائة وستين موضعاً، ولم نر أحداً سلك هذا المسلك في كثرته غيره، وذلك يحترز به أحياناً عن لفظة واحدة، أو حكم واحد، وربما يرد عليه غير ما يحترز منه، ولو أتى بذلك مبيناً لكان أحسن وأبين، فإن المبتدئ يقع في حيرة حيث لم يدر الإطلاق عمَّاذا فيحتاج أن يعلم ذلك من خارج، ولم تحصل له الفائدة التامة فلو بيَّن ذلك في الأصل كطريقة الموفق، وغيره من أصحابنا، وغيرهم لكان أولى) (١). وأقول: قول العالم: (مطلقاً) ليس منتقداً على كل حال، بل قد يحتاج إليها الْمُخْتَصِرُ لمتن ما؛ لكونها أخصر من التفصيل، لكن بشرط أن ينبه على ما يستثنى من ذلك الإطلاق، ولاشك كلما خلا المتن من هذه العبارة لكان أحسن وأجود. ولابد أن يهتم الطالب ببيان كلمة (مطلقاً)، وهي في الغالب مبينة في الشروح، ولا يكاد شارح للمتون الخمسة يتركها. أمثلة على ذكر (مطلقاً) من بعض المتون: المثال الأول: قوله في " زاد المستقنع " في آخر كتاب الأيمان: (أو - أي: حلف - على من لا يمتنع بيمينه من سلطان وغيره ففعله حنث مطلقاً). وهذا الإطلاق يحتاج إلى تبيين، وقد بينه البهوتي بقوله: (سواء فعله

стр. 34

المحلوف عليه، عامداً أو ناسياً، عالماً أو جاهلا) (١). المثال الثاني: قول الشيخ ابن بلبان في " أخصر المختصرات " في باب الطهارة: (الثالث - أي: من المياه - نجس يحرم استعماله مطلقاً) بينه الشارح بقوله: (أي في العبادات وغيرها ولو لم يوجد غيره) (٢). المثال الثالث: قول الشيخ ابن بلبان في " كافي المبتدي " في فصل صلاة الجماعة: (ولا تصح خلف فاسق مطلقاً) وهذا مبهم بينه الشارح بقوله: (أي: سواء كان فسقه بالاعتقاد، أو بالأفعال - ولو مستورا- أو بمثله ... الخ) (٣). المثال الرابع: قول الشيخ البهوتي في " عمدة الطالب " في باب شروط الصلاة: (ويسن تعجيلها - أي العصر - مطلقاً) وهذا مبهم بيَّنه الشارح بقوله (أي: مع حر أوغيم، أو غيرهما) (٤). هذا وللعلم: فإن أقل المتون المختصرة يوجد فيها كلمة (مطلقاً) هو: " زاد المستقنع " فلا تتجاوز خمسة مواضع، وأكثر من ذكرها: " كافي المبتدي "، فإنه ذكر هذا اللفظ في خمسين موضعاً تقريباً، ويليه " أخصر المختصرات " ففيه أربعون موضعاً تقريباً، ويليه " دليل الطالب" الذي ذكرها في خمسة وعشرين موضعاً تقريباً. ومن الإبهامات التي تحتاج أيضا إلى بيان: المكاييل والأوزان، كالصاع، والمد، والوسق، والدينار، والدرهم، والرطل (٥) وغيرها، كذا المسافات كالفرسخ والبريد (٦) ونحوهما.

стр. 35

فيجب على الطالب أن يعرف هذه الأشياء بالمقاييس المعاصرة لأن العبادة متعلقة بها. الأمر الثاني: تقييد المطلق، وتخصيص العموم: المطلق في اللغة: قال في المعجم الوسيط (١): (ما لا يقيد بقيد أو شرط، وغير المعين، ومن الأحكام ما لا يقع فيه استثناء). والمراد بتقييد المطلق في الفقه: أن يطلق العالم الحكم في مسألة بدون قيد - من شرط أو استثناء، أو صفة - في حين أنها مقيدة. أو يذكر العالم المسألة بصيغة تفيد العموم، بدون تخصيص في حين أنها مخصصة، ومستثنى منها بعض الأفراد التي لا تدخل في ذلك العموم. والمقيدات هي نفس مخصصات العموم: وهي الاستثناء، والشرط، والصفة، والغاية. فإذا أطلق المصنف الحكم في مسألة، وهي مقيدة على المذهب، لابد أن يقيدها الطالب بذلك القيد، وهذه التقييدات توجد غالباً في شروح ذلك المتن، أو يذكرها الشيخ الشارح للمتن، فينبغي للطالب عدم إغفال هذه الأمور المهمة. أمثلة على ذلك: المثال على التقييد بالصفة: ما ذكره صاحب " زاد المستقنع " في باب الاستنجاء في تحريم قضاء الحاجة تحت الشجرة التي عليها ثمرة بقوله: (وتحت شجرة عليها ثمرة). وكلمة: (ثمرة) مطلقة تشمل كل ثمرة مقصودة أو لا، والمذهب: أنه لابد أن تكون ثمرة مقصودة، وإلا فلا يحرم كما في " الإقناع " (٢)، و" شرح

стр. 36

المنتهى" (١)، و " غاية المنتهى" (٢). المثال الثاني على التقييد بالصفة: ما ذكره صاحب " زاد المستقنع " في باب المسح على الخفين بعد ذكر ما يجوز المسح عليه قال: (إذا لبس ذلك- أي ما تقدم من الخفين ونحوهما، والعمامة والخمار والجبيرة - بعد كمال الطهارة). وقوله: (بعد كمال الطهارة) يشمل ما إذا كانت الطهارة التي تشترط لجواز المسح على الخفين ونحوه، طهارة ماء -التي هي الوضوء- وطهارة تيمم، والمذهب: أنه لا بد من طهارة الماء فقط، ولذلك قيد البهوتي هذا الإطلاق بقوله بعد ذلك: (بالماء) (٣). المثال الثالث على التقييد بالشرط: قول صاحب " زاد المستقنع " - وغيره كصاحب " كافي المبتدي " - في كتاب القصاص (تقتل الجماعة بالواحد). وهذا ليس على إطلاقه، بل مقيد بما إذا صلَح (٤) فعل كل واحد منهم للقتل، وإن لم يصلح فعل أي واحد منهم للقتل فلا يقتل، وقد قيده الشيخ البهوتي -وغيره- في الروض بقوله: (إن صلَح فعل كل واحد لقتله) (٥). المثال الرابع على التقييد بالغاية: قول صاحب " أخصر المختصرات " - ومثله في " زاد المستقنع " (٦)، و" عمدة الطالب " (٧) في آداب الاستنجاء: (وسُنَّ ... بُعْدُهُ في فضاء). أي: يسن لمن أراد أن يقضي حاجته في فضاء - كصحراء - أن يبتعد، وهذا البعد مطلق ليس له حد ولا غاية على كلام الماتن، وهو مقيد بغاية

стр. 37

وهي: إلى مكان لا يرى فيه جسده، قال في " كشف المخدرات شرح أخصر المختصرات": (وسن بعد في فضاء حتى لا يُرى) (١)، وقال الشيخ البهوتي في " الروض المربع ": (ويستحب (بعده) إذا كان (في فضاء) حتى لا يراه أحد) (٢). المثال الخامس على التقييد بالغاية: قوله في " زاد المستقنع " في كتاب الصلاة في باب شروط الصلاة: (وتعجيلها - أي صلاة الظهر - أفضل إلا في شدة حر). أي: يستحب تعجيل الظهر وفعلها في أول وقتها، إلا إذا اشتد الحر فيستحب التأخير، وهذا مطلق فليس فيه غاية لهذا التأخير، وقد بين البهوتي هذه الغاية بقوله (إلا في شدة حر) فيستحب تأخيرها إلى أن ينكسر) (٣). وقال الشيخ البهوتي أيضاً في " عمدة الطالب ": (وتعجيلها أفضل ... إلا في شدة حر حتى ينكسر) (٤) المثال السادس على التخصيص بالاستثناء: قوله في " أخصر المختصرات " في فصل الآنية: (والمنفصل من حي كميتته) (٥)، ومثله في "زاد المستقنع" (٦). وهذا يفيد أن كل ما انفصل من حيوان حي فهو كميتته طهارة ونجاسة، فإن كانت ميتته نجسة - كالشاة - فالمنفصل منه - وهو حي -نجس، وإن كانت ميتته طاهرة - كالسمك - فالمنفصل منه وهو حي طاهر، إلا أنه يستثنى من هذه المسألة مسائل أوصلها الشيخ منصور البهوتي في " كشاف القناع" (٧) - وتابعه

стр. 38

الشيخ عثمان النجدي في " هداية الراغب " - إلى خمسة، منها: الطريدة إذا قطع منها شيء فإنه طاهر، والولد، والمسك وفأرته. المثال السابع على التخصيص بالاستثناء: قوله في زاد المستقنع، وعمدة الطالب، وكافي المبتدي في باب صلاة الجماعة: (وتطويل الركعة الأولى أكثر من الركعة الثانية). أي: يسن لإمام وغيره أن يطول الركعة الأولى أكثر من الركعة الثانية، إلا أنه يستثنى من ذلك حالتان، وهما: إذا كانت الثانية أطول من الأولى بيسير كما في صلاة الجمعة؛ يسن في الركعة الأولى قراءة سبح - وهي أقصر من الغاشية - وفي الثانية الغاشية، وكذا صلاة الخوف في الوجه الثاني، السنة أن تكون الثانية أطول من الأولى لكي تدركها الطائفة الثانية، وبذلك قيده الشراح كالشيخ البهوتي في " الروض المربع (١) "، والشيخ النجدي في " هداية الراغب (٢) "، والشيخ البعلي في " الروض الندي شرح كافي المبتدي (٣) ". المثال الثامن على التقييد بالشرط: قوله في «زاد المستقنع» و «عمدة الطالب» (٤) في آخر الجنائز: (تسن زيارة القبور إلا لنساء). أفادا أنه: تسن زيارة القبور للرجال، ويشمل ذلك ما لو كان مع سفر أو بدونه، إلا أن إطلاق السنية مقيد بكونه إذا كان بدون سفر، وأما إذا كان مع سفر فلا تسن زيارة القبور، كذا قيده به في الإقناع، والغاية، وقيد البهوتي به إطلاق المنتهى، وقال في "كافي المبتدي" (٥): (وسن لذكور زيارة قبر مسلم بلا سفر). المثال التاسع: التقييد بالاستثناء، والغاية: قال في «زاد المستقنع» في فصل البيوع المنهي عنها التي بعد شروط البيع: (ولا يصح البيع ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني).

стр. 39

فهنا أطلق الحجاوي العبارة، بينما هي مقيدة بما إذا لم يكن ثمَّ حاجة؛ فإن كان ثمَّ حاجة لم يحرم، ولذا قال البهوتي في "الروض المربع": (ويصح) بعد النداء المذكور البيع لحاجة كمضطر إلى طعام أو سترة ونحوهما إذا وجد ذلك يباع). وعبارة عمدة الطالب (١)، ونحوها عبارة كافي المبتدي (٢): (ولا يصح البيع ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني إلا لحاجة). والمسألة أيضا مقيدة بقيد آخر وهو غاية هذا التحريم فليس مستمرا طوال يوم الجمعة؛ بل إلى انقضاء الصلاة فقط (٣). المثال العاشر: التقييد بالشرط: قول صاحب دليل الطالب (٤) وغيره في كتاب الصيام في سننه: (تعجيل فطر). أي: يسن للصائم تعجيل الفطر؛ ولكنه مقيد بما إذا تحقق غروب الشمس، وأما إذا ظن غروبها فيباح له الفطر ولا يسن، وإذا شك في غروبها حرم عليه الفطر (٥). الأمر الثالث: بيان مخالفة المذهب: ينبغي للطالب، وأولى منه الشيخ الشارح، التنبه والحرص على بيان مخالفات المتن للمذهب، وكل المتون الخمسة المختصرة التي هي: " زاد المستقنع"، و"دليل الطالب "، و " عمدة الطالب "، و" كافي المبتدي "، و" أخصر المختصرات"، لا تخلو من مسائل مخالفة للمذهب، ولكنها مسائل يسيرة، وأكثر متن فيه مسائل مخالفة للمذهب " زاد المستقنع" ثم " كافي المبتدي " لكن مخالفاته قليلة جدا بالنسبة للزاد، ثم " دليل الطالب " و " عمدة الطالب " و" أخصر المختصرات "، وفي المتون الثلاثة الأخيرة مخالفات يسيرة جدا، وقد بَيَّنَ الشراح لهذه المتون تلك المسائل في الغالب.

стр. 40

ويقتصر الطالب على ما ذكره الشيخ الشارح من المخالفات. وينبغي عند ذكر مسألة مخالفة للمذهب لأي متن من المتون مراعاة ما يلي: الأول: التأكد من ذكر الشارح، أو المحشي لذلك المتن لتلك المخالفة. الثاني: إذا لم يذكرها ينبغي إعادة النظر فيها كثيرا حتى لا يقع الباحث في خطأ. الثالث: المخالفة للمذهب إنما تكون لما اتفق عليه كتابا " المنتهى"و"الإقناع ". الرابع: لا بد أن يكون الحكم - الذي خالف المؤلف فيه الحكمَ في المذهب - موافقا لرواية أو وجه أو احتمال أو قول في المذهب، فإن لم يوجد فيما ذكر ما يوافق الحكم الذي ذكره المؤلف فينبغي أن تؤوّل المسألة بما يوافق المذهب لا بما يخالفه إذا أمكن ذلك؛ لأن المؤلف ألف كتابه ملتزما ببيان مذهب الإمام أحمد لا غيره، وهذا ما فعله الشيخ المرداوي في تصحيحه للخلاف المطلق في " المقنع " (١) و " الفروع" (٢)، ومثله الشيخ محمد الهبدان في تحقيقه " لزاد المستقنع"، وإن اقْتُصِرَ على موافقة "الإنصاف "، أو " التنقيح "، أو " الإقناع "، أو " المنتهى "، أو الغاية، أو كلها، أو مخالفتها كلها أو بعضها فلا بأس كما هو صنيع الشيخ البهوتي في الروض وغيره، ومثله الشيخ سلطان العيد في المدخل إلى"زاد المستقنع" (٣) ويقتصر الطالب على ما يذكره شيخه من المخالفات ولا يبحثها بنفسه. أمثلة على مخالفات للمذهب من المتون الخمسة: المثال الأول: قول صاحب " زاد المستقنع" في باب الغسل: (ويعبر- أي:
следующие страницы →