المنتهى" (١)، و " غاية المنتهى" (٢).
المثال الثاني على التقييد بالصفة: ما ذكره صاحب " زاد المستقنع " في باب المسح على الخفين بعد ذكر ما يجوز المسح عليه قال: (إذا لبس ذلك- أي ما تقدم من الخفين ونحوهما، والعمامة والخمار والجبيرة - بعد كمال الطهارة).
وقوله: (بعد كمال الطهارة) يشمل ما إذا كانت الطهارة التي تشترط لجواز المسح على الخفين ونحوه، طهارة ماء -التي هي الوضوء- وطهارة تيمم، والمذهب: أنه لا بد من طهارة الماء فقط، ولذلك قيد البهوتي هذا الإطلاق بقوله بعد ذلك: (بالماء) (٣).
المثال الثالث على التقييد بالشرط: قول صاحب " زاد المستقنع " - وغيره كصاحب " كافي المبتدي " - في كتاب القصاص (تقتل الجماعة بالواحد).
وهذا ليس على إطلاقه، بل مقيد بما إذا صلَح (٤) فعل كل واحد منهم للقتل، وإن لم يصلح فعل أي واحد منهم للقتل فلا يقتل، وقد قيده الشيخ البهوتي -وغيره- في الروض بقوله: (إن صلَح فعل كل واحد لقتله) (٥).
المثال الرابع على التقييد بالغاية: قول صاحب " أخصر المختصرات " - ومثله في " زاد المستقنع " (٦)، و" عمدة الطالب " (٧) في آداب الاستنجاء: (وسُنَّ ... بُعْدُهُ في فضاء).
أي: يسن لمن أراد أن يقضي حاجته في فضاء - كصحراء - أن يبتعد، وهذا البعد مطلق ليس له حد ولا غاية على كلام الماتن، وهو مقيد بغاية
стр. 37
وهي: إلى مكان لا يرى فيه جسده، قال في " كشف المخدرات شرح أخصر المختصرات": (وسن بعد في فضاء حتى لا يُرى) (١)، وقال الشيخ البهوتي في " الروض المربع ": (ويستحب (بعده) إذا كان (في فضاء) حتى لا يراه أحد) (٢).
المثال الخامس على التقييد بالغاية: قوله في " زاد المستقنع " في كتاب الصلاة في باب شروط الصلاة: (وتعجيلها - أي صلاة الظهر - أفضل إلا في شدة حر).
أي: يستحب تعجيل الظهر وفعلها في أول وقتها، إلا إذا اشتد الحر فيستحب التأخير، وهذا مطلق فليس فيه غاية لهذا التأخير، وقد بين البهوتي هذه الغاية بقوله (إلا في شدة حر) فيستحب تأخيرها إلى أن ينكسر) (٣).
وقال الشيخ البهوتي أيضاً في " عمدة الطالب ": (وتعجيلها أفضل ... إلا في شدة حر حتى ينكسر) (٤)
المثال السادس على التخصيص بالاستثناء: قوله في " أخصر المختصرات " في فصل الآنية: (والمنفصل من حي كميتته) (٥)، ومثله في "زاد المستقنع" (٦).
وهذا يفيد أن كل ما انفصل من حيوان حي فهو كميتته طهارة ونجاسة، فإن كانت ميتته نجسة - كالشاة - فالمنفصل منه - وهو حي -نجس، وإن كانت ميتته طاهرة - كالسمك - فالمنفصل منه وهو حي طاهر، إلا أنه يستثنى من هذه المسألة مسائل أوصلها الشيخ منصور البهوتي في " كشاف القناع" (٧) - وتابعه
стр. 38
الشيخ عثمان النجدي في " هداية الراغب " - إلى خمسة، منها: الطريدة إذا قطع منها شيء فإنه طاهر، والولد، والمسك وفأرته.
المثال السابع على التخصيص بالاستثناء: قوله في زاد المستقنع، وعمدة الطالب، وكافي المبتدي في باب صلاة الجماعة: (وتطويل الركعة الأولى أكثر من الركعة الثانية).
أي: يسن لإمام وغيره أن يطول الركعة الأولى أكثر من الركعة الثانية، إلا أنه يستثنى من ذلك حالتان، وهما: إذا كانت الثانية أطول من الأولى بيسير كما في صلاة الجمعة؛ يسن في الركعة الأولى قراءة سبح - وهي أقصر من الغاشية - وفي الثانية الغاشية، وكذا صلاة الخوف في الوجه الثاني، السنة أن تكون الثانية أطول من الأولى لكي تدركها الطائفة الثانية، وبذلك قيده الشراح كالشيخ البهوتي في " الروض المربع (١) "، والشيخ النجدي في " هداية الراغب (٢) "، والشيخ البعلي في " الروض الندي شرح كافي المبتدي (٣) ".
المثال الثامن على التقييد بالشرط: قوله في «زاد المستقنع» و «عمدة الطالب» (٤) في آخر الجنائز: (تسن زيارة القبور إلا لنساء).
أفادا أنه: تسن زيارة القبور للرجال، ويشمل ذلك ما لو كان مع سفر أو بدونه، إلا أن إطلاق السنية مقيد بكونه إذا كان بدون سفر، وأما إذا كان مع سفر فلا تسن زيارة القبور، كذا قيده به في الإقناع، والغاية، وقيد البهوتي به إطلاق المنتهى، وقال في "كافي المبتدي" (٥): (وسن لذكور زيارة قبر مسلم بلا سفر).
المثال التاسع: التقييد بالاستثناء، والغاية: قال في «زاد المستقنع» في فصل البيوع المنهي عنها التي بعد شروط البيع: (ولا يصح البيع ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني).
стр. 39
فهنا أطلق الحجاوي العبارة، بينما هي مقيدة بما إذا لم يكن ثمَّ حاجة؛ فإن كان ثمَّ حاجة لم يحرم، ولذا قال البهوتي في "الروض المربع": (ويصح) بعد النداء المذكور البيع لحاجة كمضطر إلى طعام أو سترة ونحوهما إذا وجد ذلك يباع).
وعبارة عمدة الطالب (١)، ونحوها عبارة كافي المبتدي (٢): (ولا يصح البيع ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني إلا لحاجة).
والمسألة أيضا مقيدة بقيد آخر وهو غاية هذا التحريم فليس مستمرا طوال يوم الجمعة؛ بل إلى انقضاء الصلاة فقط (٣).
المثال العاشر: التقييد بالشرط: قول صاحب دليل الطالب (٤) وغيره في كتاب الصيام في سننه: (تعجيل فطر).
أي: يسن للصائم تعجيل الفطر؛ ولكنه مقيد بما إذا تحقق غروب الشمس، وأما إذا ظن غروبها فيباح له الفطر ولا يسن، وإذا شك في غروبها حرم عليه الفطر (٥).
الأمر الثالث: بيان مخالفة المذهب:
ينبغي للطالب، وأولى منه الشيخ الشارح، التنبه والحرص على بيان مخالفات المتن للمذهب، وكل المتون الخمسة المختصرة التي هي: " زاد المستقنع"، و"دليل الطالب "، و " عمدة الطالب "، و" كافي المبتدي "، و" أخصر المختصرات"، لا تخلو من مسائل مخالفة للمذهب، ولكنها مسائل يسيرة، وأكثر متن فيه مسائل مخالفة للمذهب " زاد المستقنع" ثم " كافي المبتدي " لكن مخالفاته قليلة جدا بالنسبة للزاد، ثم " دليل الطالب " و " عمدة الطالب " و" أخصر المختصرات "، وفي المتون الثلاثة الأخيرة مخالفات يسيرة جدا، وقد بَيَّنَ الشراح لهذه المتون تلك المسائل في الغالب.
стр. 40
ويقتصر الطالب على ما ذكره الشيخ الشارح من المخالفات.
وينبغي عند ذكر مسألة مخالفة للمذهب لأي متن من المتون مراعاة ما يلي:
الأول: التأكد من ذكر الشارح، أو المحشي لذلك المتن لتلك المخالفة.
الثاني: إذا لم يذكرها ينبغي إعادة النظر فيها كثيرا حتى لا يقع الباحث في خطأ.
الثالث: المخالفة للمذهب إنما تكون لما اتفق عليه كتابا " المنتهى"و"الإقناع ".
الرابع: لا بد أن يكون الحكم - الذي خالف المؤلف فيه الحكمَ في المذهب - موافقا لرواية أو وجه أو احتمال أو قول في المذهب، فإن لم يوجد فيما ذكر ما يوافق الحكم الذي ذكره المؤلف فينبغي أن تؤوّل المسألة بما يوافق المذهب لا بما يخالفه إذا أمكن ذلك؛ لأن المؤلف ألف كتابه ملتزما ببيان مذهب الإمام أحمد لا غيره، وهذا ما فعله الشيخ المرداوي في تصحيحه للخلاف المطلق في " المقنع " (١) و " الفروع" (٢)، ومثله الشيخ محمد الهبدان في تحقيقه " لزاد المستقنع"، وإن اقْتُصِرَ على موافقة "الإنصاف "، أو " التنقيح "، أو " الإقناع "، أو " المنتهى "، أو الغاية، أو كلها، أو مخالفتها كلها أو بعضها فلا بأس كما هو صنيع الشيخ البهوتي في الروض وغيره، ومثله الشيخ سلطان العيد في المدخل إلى"زاد المستقنع" (٣)
ويقتصر الطالب على ما يذكره شيخه من المخالفات ولا يبحثها بنفسه.
أمثلة على مخالفات للمذهب من المتون الخمسة:
المثال الأول: قول صاحب " زاد المستقنع" في باب الغسل: (ويعبر- أي:
стр. 41
الجنب - المسجد لحاجة) وهو أحد القولين في المذهب، قال في الإنصاف: (وقيل: لا يجوز إلا لحاجة وهو ظاهر ما قطع به في المغني والشرح والمجد في شرحه وابن عبيدان وابن تميم وصاحب مجمع البحرين: والحاوي الكبير وغيرهم لاقتصارهم على الإباحة لأجل الحاجة وصرح جماعة منهم بذلك وحمل ابن منجا في شرحه كلام المصنف على ذلك) (١).
والمذهب: يجوز للجنب عبور المسجد - من غير لبث - لحاجة وغيرها كما في " الإنصاف " و" الإقناع " (٢) و " المنتهى " (٣) و " الغاية " (٤).
المثال الثاني: قوله في " زاد المستقنع" في كتاب الحج باب الفدية: (فيطعم كل مسكين مدا أو يصوم عن كل مد يوما)
وقد خالف المذهبَ في أمرين: في مقدار الإطعام، وفي الصوم عن الإطعام، فالمذهب في مقدار الإطعام أن يطعم كل مسكين مدا من البر أونصف صاع من غيره، وإن أراد أن يصوم فإنه يصوم عن كل إطعامِ مسكينٍ يوماً.
وهو الذي جزم به في " الإقناع " (٥)، و " المنتهى " (٦)، و" الغاية (٧) "، وغيرها.
قال الشيخ المرداوي في " الإنصاف ": (ظاهر قوله (٨): " فيطعم كل مسكين مدا " أنه سواء كان من البر أو من غيره وكذا هو ظاهر الخرقي وأجراه ابن منجا على ظاهره وشرح عليه ولم يتعرض إلى غيره.
وقال الشارح: والأولى أنه لا يجزئ من غير البر أقل من نصف صاع؛
стр. 42
لأنه لم يرد في الشرع في موضع بأقل من ذلك في طعمة المساكين.
قال الزركشي: هذا المنصوص وهو المشهور وجزم به في الرعاية الصغرى والحاويين والمحرر.
قلت (١): وهو المذهب المنصوص.
وظاهر قوله أيضا: " أو يصوم عن كل مد يوما " أنه سواء كان من البر أو من غيره وهو ظاهر كلام الخرقي أيضا وتابعه في الإرشاد والجامع الصغير وعقود ابن البنا والإيضاح وقدمه في التلخيص والشرح وهو رواية أثبتها بعض الأصحاب.
والصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب أنه يصوم عن طعام كل مسكين يوما قدمه في الفروع وجزم به في المحرر والرعاية الصغرى والحاويين.) (٢).
المثال الثالث: قول صاحب "دليل الطالب " في فصل مبطلات الصلاة: (يبطلها .. وبالأكل والشرب سوى اليسير عرفا لجاهل وناس)
أي: أن الصلاة تبطل بالأكل والشرب عمدا مطلقا سواء كانت الصلاة فرضا أو نفلا، إلا إذا كان الأكل والشرب يسيرا من جاهل وناس في الفرض والنفل.
وكون يسير الشرب من العامد في النفل مبطلا لها هو: رواية عن الإمام أحمد، وليس المذهب، بل هو مخالف للمذهب، لأن المذهب أنه: لو شرب المصلي نفلا شرابا يسيرا عمدا لم تبطل صلاته، وقد قال صاحب نيل المآرب (ولا نفل بيسير شرب عمدا) (٣)، وهو ما جزم به في " المنتهى " (٤)،
стр. 43
و " الإقناع " (١)، و"الغاية " (٢)، و" التنقيح " (٣).
قال الشيخ المرداوي في " الإنصاف ": (وإن كان في نفل، فتارة يكون كثيرا، وتارة يكون يسيرا، فإن كان كثيرا بطلت الصلاة، وإن كان يسيرا فظاهر كلام المصنف (٤) أنها تبطل أيضا، وهو إحدى الروايات قال الشارح: هذا الصحيح من المذهب قال في الكافي بعد أن قدمه: هذا أولى، قال ابن رزين: وقدمه ابن تميم والرعايتين والحاويين وإدراك الغاية قال في الحواشي: قدمه جماعة.
والرواية الثانية: لا تبطل قدمه في الفروع ومجمع البحرين ونصره فهو إذن المذهب وأطلقهما في الهداية والمذهب والمستوعب والهادي والتلخيص وشرح المجد والمحرر والخلاصة والفائق.
والرواية الثالثة: تبطل بالأكل فقط، قال ابن هبيرة: هي المشهورة عنه قال في الفروع: هي الأشهر عنه) (٥).
المثال الرابع: قول صاحب " دليل الطالب " في أول كتاب الزكاة: (الثالث - أي من شروط الزكاة - ملك النصاب تقريبا في الأثمان، وتحديدا في غيرها).
وقد خالف المذهب في الاقتصار على جعل النصاب تقريبا في الأثمان فقط، ويفهم من ذلك أن النصاب في العروض تحديد (٦)؛ لأنه داخل في
стр. 44
قوله: (وتحديدا في غيرها)، وليس الأمر كذلك على المذهب، بل المذهب: أن النصاب في الأثمان والعروض: تقريب فلا يضر نقص يسير، وفيما عداها تحديد كالسائمة، والزروع والثمار كما مشى عليه في " الإقناع " (١)، و"المنتهى" (٢)، و" الغاية " (٣).
المثال الخامس: قول صاحب " أخصر المختصرات " في فصل القصر والجمع بين الصلاتين: (وكره فعله - أي الجمع - في بيته ونحوه بلا عذر) (٤).
وقد خالف المذهب في جعل الجمع بين الصلاتين مع الأعذار التي تبيح الجمع في البيت مكروها إلا بعذر، بل المذهب يجوز ذلك بلا كراهة بعذر أو لا، قال الشيخ ابن جامع: (وهذا خلاف ما في " الإقناع " (٥) و " المنتهى " (٦) من عدم تقييدهم عدم الكراهة في الصلاة في البيت بعذر أو غيره، وهو الصحيح، فيباح الجمع مع هذه الأعذار المتقدمة، حتى لمن يصلي في بيته) (٧)
المثال السادس: قول صاحب "أخصر المختصرات " في كتاب الجنائز: (ويجب - أي: الإسراع - في نحو تفريق وصية) (٨).
стр. 45
والمذهب: يسن الإسراع في تفريق وصية الميت ولا يجب، قال الشيخ ابن جامع: (والصحيح: يسن، كما مشى عليه في " الإقناع" (١)، و" المنتهى" (٢)).
المثال السابع: قول الشيخ البهوتي في " عمدة الطالب " - ومثله في " زاد المستقنع" - في آخر كتاب الغصب: (كربط دابة بطريق ضيق).
أي: من ربط دابة بطريق ضيق فإنه يضمن ما تلف بها، وتقييده بالطريق الضيق مخالف للمذهب، والمذهب: يضمن بربطه دابة حتى لو كان الطريق واسعا، قال الشيخ عثمان النجدي في " هداية الراغب لشرح عمدة الطالب ": (وكذا لو ربط دابة أو أوقفها بطريق واسع) (٣).
وهذا هو المجزوم به في " الإقناع " (٤)، و "المنتهى" (٥)، و" الغاية" (٦).
стр. 46
المثال الثامن: قول صاحب " كافي المبتدي " في باب صفة الصلاة: (ثم يقول: الله أكبر رافعاً يديه إلى حذوِ منكبيه أو فروع أذنيه) (١).
وظاهره: يخير المصلي في رفع يديه للتكبير إما إلى حذو منكبيه، وإما إلى فروع أذنيه استحباباً، وهذا إحدى الروايات في المذهب، والمذهب المعتمد: لا يخير؛ بل المختارُ أن يرفع يديه إلى حذو منكبيه، وهو ما مشى عليه في " الإقناع " (٢)، و" المنتهى" (٣)، و " الغاية " (٤).
قال في " الإنصاف ": (قوله (٥): " إلى حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه " هذا إحدى الروايات يعني أنه يخير واختاره الخرقي وجزم به في العمدة والكافي والجامع الصغير والشرح وتجريد العناية والبلغة والنظم والإفادات وابن رزين وقال: لا خلاف فيه، وغيرهم. قال في الفروع: وهو أشهر وقدمه في التلخيص، وعنه: يرفعهما إلى حذو منكبيه فقط وهو المذهب) (٦).
المثال التاسع: قول صاحب " كافي المبتدي " في فصل مكروهات الصلاة وما يسن فيها: (وسن ... الفتح على إمامه إذا أغلق عليه، ويجب في الفاتحة) (٧).
وهو صريح في سنية الفتح على الإمام إذا أغلق عليه في قراءة غير الفاتحة، والمذهب: أن ذلك مباح في غير الفاتحة، على ما في "الإقناع" (٨)، و "المنتهى" (٩)، و" غاية المنتهى " (١٠).
الأمر الرابع: الاهتمام بترتيب المسائل:
ترتيب مسائل الباب مهم جداً يزيد من تصور الطالب للباب أكثر مما لو كانت مسائله غير مرتبة، ومن أكثر المتون المختصرة التي تحتاج أبوابه إلى ترتيب هو " زاد المستقنع "، ولو اتبع ما في "المقنع" من الترتيب لكان أولى، ومن أفضل المتون ترتيباً لمسائل الباب هو " دليل الطالب "، فانظر مثلاً ل باب الفدية في " زاد المستقنع " (١١) حيث قال:
باب الفدية
يخير بفدية حلق وتقليم وتغطية رأس وطيب ولبس مخيط بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مد بر أو نصف صاع تمر أو شعير أو ذبح شاة.
стр. 47
وبجزاء صيد بين مثل إن كان أو تقويمه بدراهم يشترى بها طعاماً فيطعم كل مسكين مدا أو يصوم عن كل مد يوماً وبما لا مثل له بين إطعام وصيام.
وأما دم متعة وقران فيجب الهدي فإن عدمه فصيام ثلاثة أيام والأفضل كون آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع إلى أهله والمحصر إذا لم يجد هدياً صام عشرة أيام ثم حل.
ويجب بوطء في فرج في الحج بدنة وفي العمرة شاة وإن طاوعته زوجته لزماهاأ. هـ
وقال في دليل الطالب (١):
باب الفدية
وهي: ما يجب بسبب الإحرام أو الحرم.
وهي قسمان: قسم على التخيير، وقسم على الترتيب.
فقسم التخيير: كفدية اللبس والطيب وتغطية الرأس وإزالة أكثر من شعرتين أو ظفرين والإمناء بنظرة والمباشرة بغير إنزال مني يخير بين ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره.
ومن التخيير جزاء الصيد يخير فيه بين المثل من النعم أو تقويم المثل بمحل التلف ويشتري بقيمته طعاماً ما يجزئ في الفطرة فيطعم كل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً.
وقسم الترتيب: كدم المتعة والقران، وترك الواجب، والإحصار، والوطء ونحوه فيجب على متمتع وقارن وتارك واجب دم فإن عدمه أو ثمنه صام ثلاثة أيام في الحج والأفضل كون آخرها يوم عرفة ويصح في أيام التشريق وسبعة إذا رجع إلى أهله.
ويجب: على محصر دم فإن لم يجد صام عشرة أيام. ثم حل.
стр. 48
ويجب: على من وطء في الحج قبل التحلل الأول أو أنزل منيا بمباشرة أو استمناء أو تقبيل أو لمس لشهوة أو تكرار نظر: بدنة فإن لم يجدها صام عشرة أيام: ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع.
وفي العمرة إذا أفسدها قبل تمام السعي شاة.
والتحلل الأول: يحصل باثنين من رمي وحلق وطواف ويحل له كل شيء إلا النساء والثاني: يحصل بما بقي مع السعي إن لم يكن سعى قبل.)
فانظر ماذا يفيده ترتيب " دليل الطالب "، وما يفيده عدم ترتيب " زاد المستقنع "، فينبغي للطالب وللشيخ الاهتمام بترتيب الباب حتى يحيط بكل مسائله بشكل سهل وميسر.
الأمر الخامس: الاهتمام بالحدود والضوابط:
يجب على طالب العلم أن يهتم ويعرف ضوابط تتكرر معه مثل:
- ضابط الماء القليل والكثير.
- ضابط الإنقاء المجزئ في الاستنجاء والاستجمار.
- ضابط النية المجزئة في الوضوء والتيمم والصلاة والزكاة والصيام.
- ضابط القيام المجزئ في الصلاة، والركوع والسجود المجزئ.
- ضابط المكيل والموزون.
- ضابط الغبن، والعيب الذي يثبت به الخيار.
- ضابط المثلي والقيمي.
- ضابط القبض المعتبر للتصرف في المبيع.
- ضابط ربا النسيئة والفضل.
- ضابط الإطعام للمسكين من حيث الجنس والمقدار.
وغيرها من الضوابط الكثيرة والمهمة.
الأمر السادس: الاهتمام بأدلة المسائل:
يجب على الطالب والشيخ أن يهتم بأدلة مسائل المتن الذي يَدْرسُهُ أو يُدَرِّسه، ووجه الاستدلال من الدليل، وسواء كان الدليل من الكتاب أو السنة
стр. 49
أو الإجماع أو القياس، أو تعليلاً أو غير ذلك، وكتب الحنابلة -خاصة شروح البهوتي- مشحونة بالأدلة لا يتعنى من أراد دليلاً للمسألة أو تعليلاً، لكن قد يتعب الطالب في الحصول على وجه الدلالة، ومن أفضل كتب الحنابلة ذكراً لأدلة المسائل، منار السبيل لابن ضويان، والممتع شرح المقنع للشيخ التنوخي، فإنه لا يكاد يذكر مسألة من مسائل المقنع إلا أعقبها بذكر دليل لها أو تعليل، ومن أعظم الكتب التي اعتنت بأدلة المذهب شرح شيخ الإسلام ابن تيمية لعمدة الفقه لابن قدامة، وقد أبدع الشيخ في شرح المسائل والاستدلال لها والاستطراد فيها حتى يطول به المقام مع ذكر الطرق والزيادات في الحديث الواحد والكلام عليها، والتوفيق بينها، والانتصار للمذهب، وقد صار شرحه مثقلاً بالأدلة والآثار من مصادر موجودة ومفقودة.
ومن الأمثلة على أدلة لمسائل فقهية ما يلي:
المثال الأول: الأصل أن زوال العقل، أو تغطيته - كالنوم- ينقض الوضوء؛ إلا أنه يستثنى من ذلك ما لو كان النوم يسيرا من جالس أو قائم فلا ينتقض الوضوء فيهما.
والدليل على النقض بالنوم: حديث علي ﵁ مرفوعا: (العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ) (١).
ودليل استثناء النوم اليسير من الجالس: حديث أنس ﵁: (كان أصحاب النبي ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة، حتى تخفق رءوسهم، ثم يصلون ولا يتوضئون) (٢).
ودليل استثناء النوم اليسير من القائم: قول ابن عباس في قصة تهجده ﷺ (فجعلت إذا غفيت يأخذ بشحمة أذني) (٣).
المثال الثاني: يسن على المذهب أن يبتدئ رفع يديه مع التكبير، وينهي
стр. 50
التكبير مع انتهاء الرفع، قال في الإقناع وشرحه (١): (ويكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، وانتهاؤه) أي: الرفع (مع انتهائه) أي: التكبير).
ويدل على ذلك: ما رواه وائل بن حجر- ﵁ أنه: (رأى النبي ﷺ يرفع يديه مع التكبير) (٢).
المثال الثالث: في مسألة محل سجود السهو: يجوز على المذهب أن يسجد لكل سهو قبل السلام وبعده، إلا أن الأفضل عندهم أن يكون كله قبل السلام إلا إذا سلم عن نقص ركعة أو أقل فالأفضل أن يكون بعد السلام.
ويدل على جواز كون سجود السهو قبل السلام أو بعده ما يلي:
حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى؟ أثلاثا أم أربعا؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم) (٣).
وجه الدلالة: أنه يدل على السجود للسهو قبل السلام.
وحديث ثوبان ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : (لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم) (٤).
وعن عبد الله بن جعفر ﵁ مرفوعا: (من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم) (٥).
وجه الدلالة: دل الحديثان على أنه يشرع السجود للسهو بعد السلام.
وعن زياد بن علاقة قال صلى بنا المغيرة بن شعبة فنهض في الركعتين، قلنا: سبحان الله، قال: سبحان الله ومضى، فلما أتم صلاته وسلم، سجد سجدتي السهو، فلما انصرف، قال: (رأيت رسول الله ﷺ ، يصنع كما صنعت).
стр. 51
قال أبو داود: ... وفعل سعد بن أبي وقاص مثل ما فعل المغيرة، وعمران بن حصين، والضحاك بن قيس، ومعاوية بن أبي سفيان، وابن عباس، أفتى بذلك وعمر بن عبد العزيز، قال أبو داود: (وهذا فيمن قام من ثنتين، ثم سجدوا بعد ما سلموا).
وجه الدلالة: أنه سجد للسهو بعد السلام وهو قد سلم عن نقص التشهد الأول.
المثال الرابع: ويسن - على المذهب وهو من المفردات - لمن كان قارنا أو مفردا فسخ نيتهما بالحج وينويان) بإحرامهما ذلك (عمرة مفردة فإذا فرغا منها) أي: العمرة (وحلا أحرما بالحج ليصيرا متمتعين ما لم يكونا ساقا هديا) (١).
قال البهوتي: (لأنه صح أن النبي ﷺ (أمر أصحابه الذين أفردوا الحج وقرنوا أن يحلوا كلهم ويجعلوها عمرة إلا من كان معه هدي) متفق عليه (٢)، وقال سلمة بن شبيب: لأحمد كل شيء منك حسن جميل إلا خصلة واحدة فقال: وما هي قال تقول: بفسخ الحج قال كنت أرى لك عقلا عندي ثمانية عشر حديثا جيادا صحاحا كلها في فسخ الحج أتركها لقولك؟ وقد روى فسخ الحج إلى العمرة ابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة وأحاديثهم متفق عليها، ورواه غيرهم من وجوه صحاح) (٣).
المثال الخامس: لو حلف بطلاق امرأته، ووقع الشرط طلقت امرأته.
والحلف بالطلاق: أن يعلق طلاق امرأته على شرط يقصد به المنع، أو الحث، أو التصديق، أو التكذيب.
كأن يقول لزوجته: إن ذهبتي بيت فلانة فأنت طالق يريد منعها من الذهاب؛ فإذا ذهب طلقت.
стр. 52
ويدل على وقوع الطلاق المحلوف به: ما قاله البخاري في صحيحه (١): وقال نافع: طلق رجل امرأته البتة إن خرجت فقال ابن عمر: (إن خرجت فقد بُتَّتْ (٢) منه، وإن لم تخرج فليس بشيء).
والحكم التكليفي للحلف بالطلاق: مكروه، وينصون عليه في الأيمان.
أهمية حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية:
لا يليق بطالب علم ألا يحفظ القرآن الكريم، إذ كيف يريد أن يحفظ ويفهم المسائل الكثيرة وهو لا يحفظ كلام الله تعالى!
قال تعالى: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) سورة العنكبوت، فسمى الله تعالى من يحفظ كتابه بالذين أوتوا العلم.
وقال ﷺ : (يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) (٣).
فكيف يُفَوِّتُ طالبُ العلمِ هذه الدرجات؟ !
وأيضا ينبغي ألا يخلي طالب العلم نفسَهُ من حفظ السنة النبوية، ولا يقدم عليها شيئا.
وقد دعا النبي ﷺ لمن حفظ كلامه؛ فعن ابن مسعود ﵁ مرفوعا: (نضَّر الله امرأً سَمِع مقالتي فوَعَاها وحَفِظها وبَلَّغها، فرُبَّ حامل فِقْه إلى مَن هو أفقه منه ((٤).
ومن أعظم فوائد حفظ السنة: الأدعية والأذكار التي تشرع في الصلاة كالاستفتاح، والتسبيح، والتشهدات، واستحضار أدلة الأحكام الشرعية، وغير ذلك.
стр. 53
كتب أحاديث الأحكام الحنبلية:
قد ألف أصحابنا ﵏ كتبا كثيرة في أحاديث الأحكام، وسألقي الضوء على ما وقفت عليها منها مما هو مطبوع، وهي:
١ - عمدة الأحكام: للحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي (ت ٦٠٠) ﵀، وقد ألفها مقتصرا على الأحاديث المتفق عليها بين البخاري ومسلم - رحمهما الله - وعدد أحاديثها: (٤٣٠) حديثا.
٢ - العُمْدَةُ الْكُبْرَى في أَحادِيثِ الأَحْكامِ: للحافظ عبد الغني أيضا صاحب عمدة الأحكام، وذكر فيها: (٩٤٩) حديثا.
٣ - المُحَرَّرُ في الحَدِيْثِ: للإمام الحافظ محمد بن أحمد الجماعيلي الصالحي المعروف بابن عبد الهادي (ت ٧٤٤).
جمعه من عدة كتب كالكتب السبعة وغيرها، وتميز بذكر الحكم على كثير من الأحاديث إما من عنده وأما نقلا عن غيره، ورتبه على ترتيب فقهاء الحنابلة، وقد بدأه بالطهارة وختمه بكتاب الجامع في الآداب والطب، وعدد أحاديثه: (١٣٢٤) حديثا.
٤ - كِفَايَةُ المُسْتَقْنِعِ لِأَدِلةِ المُقْنِعِ (الانتصار في أحاديث الأحكام): للحافظ جمال الدين يوسف بن محمد بن عبد الله المرداوي المقدسي (ت ٧٦٩ هـ).
وجمعه من الكتب السبعة وغيرهم، ويتكلم على بعض رواته وأحاديثه نقلا عن الأئمة الأعلام، وقال في ترتيبه: (وجعلته مبوبا على أبواب الفقه ليسهل تناوله على من أراد ذلك أو رام، وقرَّبته من أبواب كتاب "المقنع" في الفقه لينتفع به من أراده من جميع الأنام)
وبدأه بكتاب الطهارة، وختمه بباب في الأحاديث الجامعة التي يدور عليها كثير من أمور الفقه؛ وذكر فيه سبعة أحاديث.
وعدد أحاديث الكتاب: (١٧٧٧) حديثا.
стр. 54
٥ - إِحكامُ الذَّرِيْعَةِ إلى أَحكامِ الشَّرِيْعَةِ: للإمام الحافظ جمال الدين يوسف بن محمد بن مسعود السُّرَّمَرِّي الحنبلي (ت ٧٧٦ هـ).
قال في مقدمته في بيان منهجه: (وافتتحت كل باب بأية فصاعدا من الكتاب العزيز تتعلق بأحكامه، وتشهد بتهذيبه وإحكامه، وتوخيت قصار الأخبار طلبا للاختصار ... وافتتحته بكتاب الإيمان والسنة اتباعا لطريقة السلف، وترغيبا لمن بعدهم في اتباعهم من الخلف)، ويعني بالمتفق عليه: الإمام أحمد والشيخين، وسيأتي سبق المجد له في هذا الاصطلاح، وأما ما اتفق عليه الشيخان فيقول عنه: أخرجاه.
وقد بدأه بكتاب الإيمان ثم كتاب الطهارة، وختمه بكتاب الآداب، وذكر فيه ثلاثة عشر فصلا بدأه ببر الوالدين، وختمه بالتقوى ومكارم الأخلاق، وتميز بأن صدر كل باب بأية من آيات الأحكام، ويقتصر على الحديث، ومن رواه في الغالب الأعم، ولا يذكر الصحابي، وعدد أحاديثه: (١٨٦٧) حديثا.
٦ - المُنْتَقَى فِي الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ منْ كَلَامِ سَيِّدِ البَرِيَّةِ ﷺ وَعَلَى آلِهِ المُطَهَّرِينَ وَصَحْبِهِ الرَّاشِدِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيمَا: للإمام مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن القاسم الحراني (ت ٦٥٢ هـ).
قال في مقدمته: (هذا كتاب يشتمل على جملة من الأحاديث النبوية التي ترجع أصول الأحكام إليها، ويعتمد علماء أهل الإسلام عليها)، وجمعه من الكتب السبعة وغيرها، ومنهجه في التخريج مثل ما ذكرته في كتاب إحكام الذريعة.
ورتبه على ترتيب كتب الحنابلة الفقهية، وهو كتاب جليل، وله فيه إشارات لفقه بعض الأحاديث، وذكرِ من استدل ببعضها على بعض المسائل، وقسمه على أربع وخمسين كتابا، وكل كتاب تحته عشرات الأبواب، وعدد أحاديثه: ... (٤٠٠٠) حديثا.
قال ابن الملقن الشافعي (ت ٨٠٤ هـ) في "البدر المنير" (١) عن "المنتقى":
стр. 55
(وأحكام الحافظ مجد الدين عبد السلام ابن تيمية، المسمى ب «المنتقى»، وهو كاسمه، وما أحسنه، لولا إطلاقه في كثير من الأحاديث العزو إلى كتب الأئمة دون التحسين والتضعيف، يقول مثلا: رواه أحمد، رواه الدارقطني، رواه أبو داود. ويكون الحديث ضعيفا، وأشد من ذلك: كون الحديث في «جامع الترمذي» مبينا ضعفه، فيعزيه إليه من غير بيان ضعفه، وينبغي للحافظ جمع هذه المواضع، وكتبها على حواشي هذا الكتاب، أو جمعها في مصنف لتكمل فائدة الكتاب المذكور. وقد شرعت في كتب ذلك على حواشي نسختي، وأرجو إتمامه).
٧ - السُّنَنُ والأَحكَامُ عن المُصْطَفَى عليه أَفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلَامِ: للإمام الحافظ ضياء الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي صاحب المختارة (ت ٦٤٣ هـ).
وهو كتاب عظيم، وكبير جدا , حوى كثيرا من أحاديث الأحكام؛ لكنه لم يتمه، وصل فيه إلى آخر الردة، ورتبه على ترتيب كتب الحنابلة، وانتقاها من كتب السنة بعناية فائقة، ولا يذكر حديثا مجمعا على تركه إلا تكلم عليه وبيَّن علته (١)، وعدد أحاديثه: (٦٣٩٧) حديثا، وطبع في (٦) مجلدات بتحقيق متميز من الشيخ: أبي عبد الله حسين بن عكاشة، وتقديم الدكتور: أحمد بن معبد عبد الكريم.
قال العلامة الذهبي (ت ٧٤٨) ﵀ عن كتاب الضياء- ﵀ في "زغل العلم" (٢): (وطالب الحديث اليوم ينبغي له أن ينسخ: أولا: الجمع بين الصحيحين، وأحكام عبد الحق، والضياء، ويدمن النظر فيهم).
وقال عنه ابن الملقن ﵀ في "البدر المنير" (٣): (وأحكام الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد، المعروف ب «الضياء المقدسي»، ولم يتمم كتابه، وصل فيه إلى أثناء الجهاد، وهو أكثرها نفعا).
стр. 56
وأنا إنما ذكرت هذه الكتب لعل الله - تعالى - أن يهيئ لها من يشرحها على مذهب الحنابلة، وما أحوج المذهب لمثل هذه المؤلفات.
الأمر السابع: بيان الخلل في العبارة:
المراد بالخلل في العبارة: أن يعبر العالم في مختصره عن المسألة بعبارة لا تفي بكل المقصود من تلك المسألة.
فأحياناً يعبر الماتنُ بعبارة لا تدل على ما يريده من تقرير المذهب لقصور فيها عما هو مراد منها، فينبغي للطالب أن يبين ذلك الخلل، إما من الكتب المطولة، أو من الشروح والحواشي، وقد ذكر الشيخ سلطان العيد بعض العبارات التي فيها خلل في الزاد في كتابه (المدخل إلى زاد المستقنع) (١)، وذكر أيضاً الشيخ حامد بن الخضر بن جاد آل بكر في كتابه الحافل (قصد السبيل في الجمع بين الزاد والدليل) عبارات منتقدة على دليل الطالب (٢)، منها ما فيه خلل في العبارة.
أمثلة على الخلل في العبارة:
المثال الأول: قول صاحب" زاد المستقنع " (٣) في باب التيمم في مبطلات التيمم: (ويبطل التيمم بخروج الوقت وبمبطلات الوضوء وبوجود الماء ولو في الصلاة لا بعدها)
في عبارته خلل في موضعين:
الموضع الأول: قوله: (وبمبطلات الوضوء) وهذا فيه قصور، لأن لفظه لم يشمل إلا مبطل التيمم الذي يكون عن الحدث الأصغر، ولا يشمل مبطل التيمم الذي يكون عن الحدث الأكبر وهو: موجبات الغسل، ولذا قال الشيخ منصور في " الروض المربع" (٤): (وعن حدث أكبر بموجباته؛ لأن البدل له حكم المبدل).
стр. 57
وعبارة "عمدة الطالب" أوفى حيث قال: (ويبطل تيممه بخروج الوقت ومبطل ما تيمم له) قال الشيخ عثمان في "هداية الراغب " (١): (من الطهارتين فيبطل تيممه عن وضوء بما يبطله من نوم ونحوه، وعن غسل بما ينقضه كخروج مني بلذة ولو تيمم لحدث وجنابة تيمما واحدا ثم خرج منه ريح مثلا بطل تيممه للحدث، وبقي تيممه للجنابة بحاله).
الموضع الثاني: قوله (وبوجود الماء) وفيه قصور؛ لأن لفظه لم يشمل ما لو تيمم لتعذر استعمال الماء كمرض مثلا، فالماء موجود في هذه الصورة ولم يبطل تيممه؛ ولذا قال الشيخ منصور: (بوجود الماء) المقدور على استعماله بلا ضرر إن كان تيمم لعدمه وإلا فبزوال مبيح من مرض ونحوه) (٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين في "الشرح الممتع" (٣): (قوله: (وبوجود الماء)، هذا هو الثالث من مبطلات التيمم؛ وهو وجود الماء فيما إذا كان تيممه لعدم الماء.
فإذا تيمم لعدم الماء بطل بوجوده، وإذا تيمم لمرض لم يبطل بوجود الماء؛ لأنه يجوز أن يتيمم مع وجود الماء، ولكن يبطل بالبرء لزوال المبيح، وهو المرض، ولهذا لو قال المؤلف: (وبزوال المبيح) لكان أولى).
وعبارة"دليل الطالب" (٤): (وزوال مبيح له)، وهي عبارة " المنتهى" (٥) و"الإقناع " (٦)
المثال الثاني: قول صاحب" زاد المستقنع " (٧)، و " دليل الطالب " (٨)،
стр. 58
و"أخصر المختصرات " (١) في كتاب الصيام في باب صوم التطوع (يسن صيام أيام البيض)
وفيها قصور لأنها لا تشمل استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر مطلقا حتى لو كانت غير الأيام البيض، والمذهب: يسن ذلك، ويسن أن تكون هذه الثلاثة أيام الأيام البيض، ولذا قال الشيخ منصور في "الروض المربع" (٢): ((ويسن صيام) ثلاثة أيام من كل شهر والأفضل أن يجعلها (أيام) الليالي (البيض).
وقال الشيخ ابن عثيمين في "الممتع" (٣): (قوله: (يسن صيام أيام البيض) لو عبر المؤلف بتعبير أعم فقال: يسن صيام ثلاثة أيام من كل شهر والأفضل أن تكون في أيام البيض لكان أحسن).
وعبارة "عمدة الطالب" (٤): (ويسن ثلاثة أيام من كل شهر وكونها البيض)
وهي عبارة "المنتهى" (٥) و"الإقناع " (٦).
المثال الثالث: قول صاحب "زاد المستقنع " (٧)، ونحوه " عمدة الطالب " (٨)، و" أخصر المختصرات" (٩) في باب الخيار في خيار الشرط: (والملك مدة الخيارين للمشتري) وهذه فيها قصور سبب التباسا على كثير من طلبة العلم وهو: أنه لم يبين ما الذي يملكه المشتري زمن الخيارين، ولم يذكر ملك البائع أيضا مدة الخيارين.
стр. 59
والمذهب: أن الملك في المبيع يكون مدة خيار المجلس والشرط للمشتري وبين ذلك الشيخ منصور في الروض المربع (١) بقوله: (والملك) في المبيع (مدة الخيارين) أي خيار الشرط وخيار المجلس (للمشتري).
والملك في الثمن مدة الخيارين للبائع ويترتب على ذلك فوائد كثيرة.
وعبارة " دليل الطالب " (٢): (وينتقل الملك من حين العقد فما حصل في تلك المدة من النماء المنفصل فللمنتقل إليه).
والمراد: ينتقل الملك من حين العقد في المبيع للمشتري، وفي الثمن للبائع.
وعبارة " المنتهى " (٣): (وينتقل ملك بعقد ولو فسخاه بعدُ).
وعبارة " الغاية " (٤): (وينتقل ملكٌ في ثمن ومثمن معينين بمجرد عقد)
وأوفى عبارة هي: عبارة " الإقناع " (٥): (وينتقل الملك في المبيع زمن الخيارين إلى المشتري ...... وينتقل الثمن المعين والمقبوض إلى البائع زمن الخيارين).
стр. 60
المبحث الرابع: الكلام على المتون الخمسة وشروحها وحواشيها:
هذه المتون الخمسة معتمدة عند الحنابلة المتأخرين ذكرها ابن بدران ﵀ في المدخل (١).
المطلب الأول: أخصر المختصرات:
للشيخ محمد بن بدر الدين بن بلبان البعلي (ت ١٠٨٣ هـ) - رحمه الله تعالى - أصله كتاب " كافي المبتدي " للمؤلف نفسه اختصره وسماه: " أخصر المختصرات "، وهو متن مختصر فيه فوائد وزوائد على متون مختصرة أطول منه، سهل العبارة، قليلها، احتوى على جملة صالحة من أمهات المسائل، وقد رتب مسائله وأبدع في ترتيبها، وفيه بركة كبيرة، فهو مع صغر حجمه إلا أنه كبير في معانيه.
شروح "أخصر المختصرات ":
١ - كشف المخدرات والرياض المزهرات لشرح أخصر المختصرات:
للشيخ عبدالرحمن بن عبدالله البعلي (ت ١١٩٢ هـ) قال عنه ابن بدران: ... (وشرحه هذا محرر منقح كثير النفع للمبتدئين) (٢).
وقال الشيخ بكر أبو زيد: (وطبع بتحقيق العلامة المحدث الفقيه الشيخ عبدالرحمن بن يحيى المعلمي، وذكر في مقدمته له أن هذا الشرح يساير
стр. 61
"المنتهى"، و " الإقناع " بشرحيهما) (١).
وبالفعل هذا شرح أشبه ما يكون بالمتن، لكثرة نقوله عن " المنتهى"، و"الإقناع" وشرحيهما للشيخ البهوتي (ت ١٠٥١ هـ) وغيرهما، وهي وإن كانت نقولاً مهمة في مواضعها ومحررة، إلا أنني لا أنصح بالبدء فيه لأنه قد زاد الكتاب- كبعض شراح المتون- مسائل أثقلت الكتاب المختصر وجعلته مطولاً، فيحتاج الطالب - لكي يفهم المسائل الزائدة التي تفوق مسائل المختصر - إلى وقت طويل، نعم إذا أخذ الطالب منه ما يتعلق بالمتن مما يكون شرحاً له، وكذا القيود والشروط لمسائله فلا بأس.
٢ - الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات:
للشيخ عثمان بن عبدالله بن جامع الحنبلي الأحسائي (ت ١٢٤٠ هـ) أحد أبرز تلامذة الشيخ محمد بن فيروز التميمي الأحسائي (ت ١٢١٦ هـ) الذي قال عن شرح تلميذه ابن جامع: (وشرح " أخصر المختصرات " للشيخ البلباني شرحاً مبسوطاً، وجمع فيه من الفوائد زبدة كتب المذهب) (٢).
وفي الحقيقة أنه رتب ما جاء في " شرح المنتهى " للبهوتي على مسائل أخصر المختصرات كما ذكر المؤلف ذلك في مقدمة شرحه (٣)، وينبه أحيانا على مخالفات الأخصر للمذهب.
ولذلك لا أنصح بالبدء فيه للأسباب التي ذكرتها في كشف المخدرات ما لم يؤخذ منه ما يوضح المتن ويفسره.
٣ - حاشية على أخصر المختصرات:
للشيخ عبدالقادر بن بدران (ت ١٣٤٦ هـ) قال عنها الشيخ بكر أبو زيد: (وهي حاشية نفيسة اعتنى فيها بذكر بعض النوازل الفقهية مخرجاً لها على المذهب) (٤)، وهي حاشية يسيرة توضح بعض ألفاظ المختصر إيضاحاً موجزاً.
стр. 62
المطلب الثاني: عمدة الطالب:
لشيخ المذهب بحق، وشارحه بصدق: العلامة منصور بن يونس البهوتي المصري (ت ١٠٥١ هـ) ﵀ رحمة واسعة.
وهو من آخر مؤلفات الشيخ منصور؛ فقد انتهى منه في شوال سنة ١٠٥٠ هـ، وتوفي في ربيع الثاني سنة ١٠٥١ هـ، وهو كتاب مختصر اشتمل على كثير من أمهات المسائل في كل باب، وهو أطول من أخصر المختصرات، وفيه زوائد على زاد المستقنع، وتميز بذكر الأدعية المشروعة التي في الصلاة، والجنائز، والفطر في الصيام، والحج، وأسلوبُه ﵀ في الوضوح والسهولة كالحجاوي، وفي تحرير المذهب هو متابع لابن النجار - رحمة الله على الجميع - وهي عادته في كل كتبه وشروحه وحواشيه.
شروح " عمدة الطالب ":
١ - هداية الراغب لشرح عمدة الطالب:
للشيخ عثمان بن أحمد بن قائد النجدي (ت ١٠٩٧ هـ) ﵀ وهو شرح كثير منه من شرح الشيخ البهوتي على " زاد المستقنع " ومن المنتهى والإقناع، وبعض التحقيقات التي زادها في بعض المواطن، وأنا في الحقيقة استقل هذا الشرح- خاصة شرحه الذي بعد الحج - على الشيخ عثمان المحقق الذي له الحاشية المعروفة على " المنتهى " التي حقق فيها ودقق، ولعل السبب في ذلك- والعلم عند الله - أنه ألفه في بداياته لأنه قد فرغ منه سنة ١٠٧٥ هـ (١)، ومع ذلك فقد قال عنه في السحب الوابلة (٢): (حرره تحريرا نفيسا، فصار من أنفس كتب المذهب).
стр. 63
ولا أنصح بالبدء به للأسباب التي ذكرتها سابقاً إلا إذا أخذ الطالب منه ما يتعلق بالمتن فقط.
ومن تحريرات الشيخ عثمان في هداية الراغب ما يلي:
المثال الأول: لما نقل استظهار الشيخ منصور: (وأنه يجزئ التسمية في الوضوء بغير العربية ولو ممن يحسنها كالذكاة ولا فرق).
تعقبه الشيخ عثمان بقوله: (وقد يقال إلحاقها بأذكار الصلاة أشبه بجامع العبادة) (١).
فيفهم من كلامه: عدم إجزاء التسمية في الوضوء بغير العربية ممن يحسنها خلافا للشيخ البهوتي.
المثال الثاني: ما قاله في مسألة الخروج من المسجد بعد الأذان (٢): (فلو كان الأذان لفجر قبل وقته، أو خرج لعذر ترك الجماعة، أو بنية رجوع قبل فوت الجماعة لم يحرم، والظاهر: أن وقوع الأذان وهو بالمسجد ليس بشرط خلافا لما يوهمه كلامه؛ فلو دخل المسجد وقت الصلاة بعد الأذان حرُم عليه الخروج كما هو مقتضى كلام الإقناع والمنتهى وغيرهما).
المثال الثالث: ذِكرُهُ لضابط المحرمات في النكاح: (وضابط ذلك: أنه يحرم على الشخص أصلُهُ وإن علا، وفرعه وإن نزل، وفرع أصله الأدنى وإن نزل، وفرع أصوله البعيدة فقط، أي: دون فروع فروع أصوله البعيدة) (٣).
المثال الرابع: التحريم بالمصاهرة، يحرم ثلاث من النساء بمجرد العقد، وهن: زوجة الأب، وزوجة الابن، وأم الزوجة، ويثبت التحريم بالعقد الصحيح بالاتفاق؛ لكن هل يثبت بالعقد الفاسد؟
فيه خلاف؛ حكاه البهوتي في "حاشية المنتهى" (٤)، و"حواشي
стр. 64
الإقناع" (١) وكذا حكاه الشيخ مرعي في "الغاية" (٢) تبعا للفروع (٣)، ولم يرجحوا، وجزم الشيخ عثمان في "هداية الراغب" (٤) أن المراد: العقد الصحيح، وأشار إليه الشطي في حاشيته على الغاية (٥)، وتابع الشيخُ ابنُ عوض الشيخَ عثمان في فتح وهاب المآرب على دليل الطالب (٦).
٢ - شرح عمدة الطالب:
لشيخنا الشيخ خالد بن علي المشيقح، وهو شرح مبسط ليس بالطويل ولا بالقصير، صَوَّرَ فيه الشيخُ المسائل، وأودعه من فيض علمه السائل، أوضح معانيه، وذكر أدلته، وذكر فيه فروقاً نفيسة قلما تجدها في غيره، فأسأل الله تعالى لشيخنا الرفعة والقبول في الدارين ... آمين.
وإذا بدأ الطالب في عمدة الطالب فعليه بذلكم الشرح الفريد، وهو في موقع فضيلته في الشبكة العنكبوتية.
стр. 65
المطلب الثالث: دليل الطالب لنيل المطالب:
للشيخ مرعي بن يوسف الكرمي (ت ١٠٣٣ هـ) -رحمه الله تعالى- وهو كتاب سهل العبارة، وواضح لا يحتاج لفهمه كثير عناء، معتمد في المذهب قَلَّ أن يخالفه إلا في النادر، أكثر من ذكر التقاسيم، والشروط، والأركان في الأبواب بطريقة سهلة لا يصعب على الطالب فهمها، وشهرته تغني عن التعريف به، والغريب أنه خلا من بعض الأبواب المهمة التي لم يغفلها متن من المختصرات؛ كباب المواقيت في الحج، وبعض أنواع الشروط الفاسدة في البيع، وباب القسامة آخر الديات.
وقد ذكر بعض العلماء أنه مختصر للمنتهى، والأقرب أنه مختصر من " المنتهى " (١) لا للمنتهى.
ولا عبرة بما ذكره الشيخ ابن بشر ﵀ في كتابه: "عنوان المجد " (٢) بقوله: (ذُكِر لي أنه وضعه من قراءته على الشيخ منصور البهوتي في متن " المنتهى "، وقيل: إنه لما أكمله عرضه على الشيخ منصور فتعجب منه، فقال: يا بني زببت قبل أن تحصرم، وذكر مؤلفه أنه فرغ من تعليقه نهار السبت في سابع شهر رجب الفرد المحرم بالجامع الأزهر المعمور بذكر الملك العلام سنة تسع عشرة بعد الألف.) وقد نقل كثير من الكُتَّاب هذا الكلام عن (عنوان المجد) (٣)، وهي غير صحيحة البتة، فأول ما تُنقض به هو: أن الشيخ مرعي
стр. 66
توفي سنة (١٠٣٣ هـ) وقيل (١٠٣٢ هـ) وإذا كان كذلك فعمر الشيخ البهوتي آنذاك اثنان وثلاثون سنة تقريباً، فكيف يكون الشيخ مرعي طالباً عند الشيخ البهوتي، وعلى فرض ذلك فعمر الشيخ البهوتي حين فرغ الشيخ مرعي من الدليل ثماني عشرة سنة (١) فلا يعقل ذلك، وقد بين الشيخ ابن مانع (ت ١٣٨٥ هـ) فساد ذلك فقال: (وقرأت في تاريخ ابن بشر (عنوان المجد) أن الشيخ مرعي لما ألف الدليل عرضه على الشيخ منصور البهوتي فأثنى عليه، وليس هذا بصواب فإن متن الدليل أُلِّفَ قبل ولادة الشيخ منصور، فقد ذكر صاحب السحب الوابلة أن ممن قَرَّضَهُ الشيخُ عبدالله الشنشوري (٢)، وهذا العالم مات قبل ولادة الشيخ منصور بسنة واحدة فإنه مات سنة (٩٩٩ هـ) تسعمائة وتسعة وتسعين، والشيخ منصور ولد سنة ألف من الهجرة، والذي عرض عليه الشيخ مرعي كتاب الدليل إنما هو الإمام عبدالرحمن البهوتي المعمر كما في حاشية ابن عوض على الدليل) (٣).
وقد احترت كثيراً في نقل الشيخ منصور البهوتي عن الشيخ مرعي، لأني لم أجد للشيخ مرعي ذكراً على لسان البهوتي في أي شيء من كتبه، مع أني أجد الشيخ البهوتي يذكر كلاماً هو نص للشيخ مرعي تماماً خاصة في اتجاهاته، وفي بعض الأحيان يذكر الشيخ الشطي في تعليقه على اتجاهات الشيخ مرعي موافقة الشيخ البهوتي - في أحد شروحه- للشيخ مرعي في اتجاهاته، ثم إني رأيت في حاشية الخلوتي أنه عرض على الشيخ منصور كلاماً للشيخ مرعي، ولم يرتضه (٤).
стр. 67
بعض شروحه وحواشيه (١):
١ - نيل المآرب بشرح دليل الطالب:
للشيخ عبدالقادر بن عمر التغلبي (ت ١١٣٥ هـ)، وهو شرح ماتع سار في طريقته ببيان معاني المتن بشكل مبسط مع ذكر بعض قيوده وبعض أدلته، ولم يزد عليه مسائل - كغيره- في الغالب الكثير من شرحه، ومع ذلك قال عنه ابن بدران (ت ١٣٤٦ هـ): (وشرحه .. غير محرر وليس بواف بمقصود المتن) (٢).
وللشيخ عبدالغني بن ياسين اللبدي النابلسي (ت ١٣١٩ هـ) حاشية على نيل المآرب، قال عنها الشيخ ابن مانع (ت ١٣٨٥ هـ): (مفيدة جداً تحرر بها التغلبي) (٣).
قلت: حذا فيها حذو الشيخ الخلوتي والنجدي في طريقة التحرير لا في قوته وجودته، وله فيها أوهام يسيرة، وإذا وجد فيها: (أقول) فهو من ابنه وليس من الشيخ عبدالغني (٤)، وتارة يستظهر أقوالاً ليس هو صاحبها بل هي للشيخ البهوتي مثلاً (٥)، ومع ذلك فلا تخلو من فوائد جمة، ومسائل مهمة، لا يستغنى عنها مع نيل المآرب بشرح دليل الطالب.
ومما ذكره اللبدي من الفوائد:
الفائدة الأولى: (قرر أنه إذا جاء الحجاج ونحوهم إلى جدة مثلا، وهم راجعون إلى بلادهم؛ فلم يجدوا سفينة تحملهم، وعلموا أنها لا تحضر إليهم إلا بعد أيام كثيرة؛ فلهم القصر ما أقاموا؛ لأنهم لا حاجة لهم في الإقامة أصلا، بل يحصل بها غاية الكدر والمشقة، ولولا العذر الذي ليس لهم فيه
стр. 68
غرض ما أقاموا ولا ساعة، بخلاف من يقيم لغرضه، وعلم أنه لا يحصل إلا بعد الأربعة أيام، هذا الذي يفهم من كلامهم، ولا يعوَّل على غيره، وقد عرض لنا هذا فقصرنا، وأفتينا الناس بجواز القصر الله سبحانه أعلم) (١).
الفائدة الثانية: لو اتفق وقت عقيقة مع أيام الذبح في الأضحى أجزأت ذبيحة واحدة عنهما، وسواء وافق أحدُ أيامِ الأضحى اليومَ السابعَ، أو الرابع عشر، أو الحادي والعشرين، أو فيما بينها، أو بعدها وهي الأيام التي تكون العقيقة فيها قضاء، فتجزئ (٢).
قلت: وهي من نفائسه ﵀.
الفائدة الثالث: قرر أن الرصاص الذي يضرب بالبارود لا يحل ما قتل به؛ لأنه لا حد له، ولو خرق كالحجر والبندق (٣).
قلت: وخالفه ابن بدران في حاشيته على أخصر المختصرات (٤) فال: (وأما الرصاص المعروف اليوم والخردق فلا يقتل بثقله كما يتوهمه بعض الناس، ولكنه يجرح وينهر الدم فيحل ما صيد به كما حققته في رسالة خاصة بهذه المسألة وذكرت الأدلة هناك).
ثم ختم اللبدي ﵀ - حاشيته بقوله: (وأرجو ممن وقف عليها أن يستر زللي، ولا يبادر بالجهل أو التشنيع، والله تعالى أعلم بما قصدت، وبما إليه رغبتي وَجَّهْت).
أسأل الله - تعالى - أن يغفر له وأن يتجاوز عنا وعنه، وأن يرزقنا وإياه الفردوس الأعلى من الجنة إنه جواد كريم.
٢ - منار السبيل شرح الدليل:
للشيخ إبراهيم بن محمد الرسي النجدي الشهير بابن ضويان (ت ١٣٥٣ هـ)،
стр. 69
قال عنه في المدخل المفصل: (ويظهر: أنه ملخص من الكافي لابن قدامة، وهو قليل المسائل، ومن مزاياه ذكر الدليل، وسياق اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-) (١).
وهو كما قال، استدلالٌ لمتن الدليل في الغالب، ويذكر بعض الروايات عن الإمام، ولا يشرح، ولا يأتي بمسائل زائدة إلا نادراً.
٣ - نيل المطالب لشرح دليل الطالب:
للشيخ المعمر محمد بن سليمان آل جراح الحنبلي (ت ١٤١٧ هـ) -رحمه الله تعالى- فقيه الكويت وفرضيها، وهو مجموع من شرح مسجل للشيخ، مع إملاءاته على طلابه، وما هو مكتوب على نسخته، وغير ذلك، قام على إخراجها أحد طلابه (٢)، وهو شرح سهل، أكثر الشيخ ﵀ فيه من ذكر الأمثلة وتصوير المسائل بأسلوب واضح وميسر، وما ذاك إلا لوقوفه الطويل مع مسائل الدليل وشرحه" نيل المآرب " للشيخ التغلبي لأنه كان كثير التعلق بالدليل، وهو كتاب أقرب إلى الحاشية منه إلى الشرح.
٤ - فتح وهاب المآرب على دليل الطالب لنيل المطالب:
وهذا الكتاب حاشية للشيخ أحمد بن محمد بن عوض المرداوي (١١٤٠ هـ) جردها ابنه أحمد، وهي حاشية من أنفس الحواشي على الدليل لأنه أودع فيها تعليقات وتقريرات عن شيوخه من أمثال الشيخ محمد الخلوتي، أو استقاها من مطولات الشروح في المذهب، خصوصاً ما وضع على متني " الإقناع" و "المنتهى "، كشروح الشيخ منصور عليهما، وحواشي العُثمانيين- عثمان النجدي وعثمان الفتوحي حفيد صاحب " المنتهى" - والخلوتي، والصوالحي - أحد تلامذة الشيخ منصور- على " المنتهى"، وحاشية عبدالقادر الدنوشري - أحد تلامذة البهوتي- على شرح " المنتهى"، وكذلك ما وضعه الشيخ عثمان النجدي على " عمدة الطالب" (٣).
стр. 70
ولا يكاد موضع في الدليل إلا علق عليه، وهي بذلك تكون أقرب إلى الشرح لمتن الدليل منها إلى الحاشية.
٥ - مسلك الراغب لشرح دليل الطالب:
للشيخ إبراهيم بن أبي بكر العوفي الذنابي الصالحي (ت ١٠٩٤ هـ)، وهو أول الشروح المعلومة على دليل الطالب، وقد استفاد مَنْ بعده منه (١)، وصل فيه إلى باب الوكالة، ولم يتبين لمحققه اكتمالُ الشرح من عدمه، وهو كتاب شرح فيه الصالحي متن دليل الطالب شرحا متوسطا ليس بالطويل ولا بالقصير، وقد مزج المتن بالشرح، وبالغ فيه حتى أنه يخل أحيانا بوضوح المسألة، وابتدأ كتابه بمقدمة في في فضل العلم والفقه، والترغيب في طلبه وعقد فيه عدة فصول، وساق فيها الأححاديث الدالة على ذلك، واعتمد في شرحه على شرحي شيخه الشيخ منصور على الإقناع والمنتهى وتمم الكلام في بعض الأبواب منهما، ومن غيرهما أحيانا، واهتم بذكر الأدلة في أكثر الكتاب، ويذكر المخالفات التي بين المنتهى والإقناع في القليل النادر، ويختار غير المذهب أحيانا أيضا (٢)، ويخرج أحيانا على المذهب (٣)، وبالجملة فالشرح متميز مع اختصاره، وزاده روعة وجمالا عملُ المحقق (٤) الذي وثق نصوصه، وخرَّجَ جميعَ أحاديثه، وكتب مقدمة عرف فيها بالكتاب؛ فجزاه الله خيرا، وقد طبع سنة (١٤٣٤ هـ) في مجلدين كبيرين.
٦ - شرح دليل الطالب لنيل المطالب:
للشيخ عبد الله بن أحمد بن يحي المقدسي (ت ١٠٩١ هـ)، وصل فيه إلى باب قتال البغاة من كتاب الحدود، وقد شرح المتن بعبارات موجزة، وأكثر
стр. 71
النقل من المنتهى والإقناع وشروحهما وحواشيهما، وغاية المنتهى، والإنصاف، ويعتني بذكر الدليل والتعليل، وينبه أحيانا على المخالفات التي بين الإقناع والمنتهى، وقد طبع سنة (١٤٣٦) في ثلاث مجلدات كبار بتحقيق الشيخ أحمد بن عبد العزيز الجماز جزاه الله خيرا.
٧ - الجمع بين دليل الطالب وغيره:
خرج كتاب يجمع بين دليل الطالب وزاد المستقنع، وهو: (قصد السبيل في الجمع بين الزاد والدليل في فقه الإمام المبجل أبي عبدالله أحمد بن حنبل) للشيخ حامد بن الخضر بن جاد آل بكر، وهو جمع فريد، اعتمد متن الدليل، وأضاف له زيادات الزاد، وقد بذل فيه جهداً كبيراً من حيث الترتيب، والتقسيم، والتوفيق بين مسائل المتنين، وبذلك يكون قد جمع بين مزايا ومحاسن الكتابين، ولا يخفى ما في مثل هذا العمل من الصعوبة البالغة، إلا أنه قد وفق في ذلك، وقد قرأه على الشيخ عبدالله بن عقيل - رحمه الله تعالى- وكتب الشيخ له مقدمة، وضم الجامع مع ذلك العمل مقدمة وخاتمة، أتى فيهما بفوائد مهمة يحسن الوقوف عليهما، جزى الله الشيخ على هذا الجمع المبارك وجعله في موازين حسناته.
ثم ظهر لي: أن الجمع بين الكتابين يصلح للقراءة فحسب، أما للدراسة ففي نظري لا يصلح، بل الأولى دراسة كل متن من الكتابين على حدة، لاختلاف منهج الكتابين في طريقة التأليف، وسبك العبارات، وعمقها وغير ذلك.
стр. 72
المطلب الرابع: كافي المبتدي .
للشيخ محمد بن بدر الدين ابن بلبان البعلي (ت ١٠٨٣ هـ) أصل متن " أخصر المختصرات " المتقدم ذكره، زاد فيه مسائل كثيرة ليست في مختصره، من أهمها: صفة الوضوء، وصفة الغسل، وغير ذلك، وهو كتاب معتمد في المذهب، وتميز بميوله الكثير إلى اختيارات الشيخ الحجاوي (١) فيما خالف فيه الشيخَ ابنَ النجار في كتابه " المنتهى"، وفيه مسائل يسيرة خالف فيها الصحيح من المذهب.
شرح "كافي المبتدي ":
الروض الندي شرح كافي المبتدي:
وهو الشرح الوحيد- فيما أعلم - لمتن " كافي المبتدي "، وهو: للشيخ أحمد بن عبدالله بن أحمد البعلي (ت ١١٨٩ هـ) (٢) وهو شرح متوسط، دمج شرحه بالمتن، مع ذكر بعض القيود والتنبيهات التي تحتاجها مسائله، وينبه أحيانا عن مخالفات المتن للمذهب، قال عنه ابن بدران: (شرحاً لطيفاً محرراً) (٣)، وقد زاده مسائل كثيرة من " المنتهى" و " الإقناع"، و "الروض المربع "، بل أحياناً تكون هذه المسائل الزائدة مشكلة في " المنتهى " و " الإقناع " وينضم مع ذلك أحياناً التصحيفُ الذي في طباعة (٤) الشرح فيزيد الأمر تعقيداً مما يضطر القارئ أن يعود إلى الأصول للتصحيح.
стр. 73
المطلب الخامس: زاد المستقنع في اختصار المقنع:
للشيخ شرف الدين أبي النجا موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى الحجاوي المقدسي ثم الدمشقي الصالحي (ت ٩٦٨ هـ) ﵀ رحمة واسعة، وأسبغ عليه من أفضاله ونعمه، وجعله في الفردوس الأعلى من الجنة، وكتاب الزاد أشهر من نار على علم، وشهرته تغني عن التعريف به، اختصر فيه مؤلفه كتاب المقنع للشيخ الموفق - رحمه الله تعالى - مشى فيه على قول واحد من المذهب في الغالب، وزاد عليه مسائل مهمة ليست في المقنع.
وهو من أفضل المتون المختصرة على الإطلاق، كون مؤلفه عمدة في المذهب، وليس ذلك في غيره من المتون المختصرة.
وليس في متون الفقه المختصرة ما يوازيه في المسائل كثرة فضلاً على أن تكون أكثر منه ﵄ ومع ذلك فيه من المسائل المخالفة للمذهب المعتمد أكثر من غيره ﵄ بل فيه مسائل خالف فيها المسائل التي مثلها في كتابه " الإقناع " (١) وقد تُتُبِّع في تلك المسائل التي خالف فيها المذهب من بعض العلماء ﵄ منهم الشيخ منصور البهوتي في شرحه الروض المربع وهو أحياناً يذكر أن المسألة مخالفة للمذهب ﵄ وأحياناً يصرف المسألة عن ظاهرها حتى توافق المذهب بدون أن ينص على مخالفتها للمذهب ﵄ ومنهم الشيخ علي بن محمد الهندي
стр. 74
الحائلي ثم المكي (ت ١٤١٩ هـ) المدرس بالمسجد الحرام ذكر منها اثنتين وثلاثين مسألة (١) وزاد عليها الشيخ عبدالرحمن العسكر في آخر تحقيقه لكتاب الزاد ثلاث مسائل فقط، ومنهم الشيخ محمد بن عثيمين في كتابه الشرح الممتع على زاد المستقنع، ومنهم الشيخ سلطان العيد في كتابه (المدخل إلى دراسة زاد المستقنع) (٢) ذكر مائة مسألة خالف فيها الحجاوي المذهب، ومنهم الشيخ محمد الهبدان في تحقيقه لكتاب الزاد ذكر في كل موطن خالف فيه الحجاوي المذهب، وكذا غالب من شرح الزاد نبه على ذلك في الغالب.
ولعلّ من أسباب كثرة مخالفته للمذهب كثرة مسائله، وفي ذلك فوائد كثيرة من أهمها: رياضة الطالب على مراجعة الكتب الكبيرة كالمنتهى و "الإقناع" للتعرف على الصحيح من المذهب.
وقد فاق غيره من المتون المختصرة - غير كثرة مسائله عليهم - في ذكره لأهم أمهات المسائل في كل باب، وذكره للصفات بطريقة بديعة واضحة،
стр. 75
كصفة الوضوء والغسل والصلاة والحج وغير ذلك، وهو أوفى لمسائل الباب من غيره من المختصرات في أكثر الأبواب كباب الحيض والربا والفرائض والنكاح والطلاق وغيرها، إلا أنه ينقصه الترتيب في بعض أبوابه، كباب الفدية في الحج والحجر والإجارة واللقطة، فغيره من المختصرات أفضل منه ترتيباً - لا كثرة للمسائل بل هو أكثر منها فيها- وتقسيماً يتضح المرادُ إيضاحُه بمجرد قراءتها.
ولست بصدد دراسة للكتاب، ومن أراد الاستزادة فعليه بكتاب (المدخل إلى دراسة زاد المستقنع) للشيخ سلطان العيد، ومقدمة تحقيق زاد المستقنع للشيخ محمد الهبدان، ومقدمة وخاتمة تحقيق زاد المستقنع للشيخ عبدالرحمن العسكر.
بعض شروح "زاد المستقنع" وحواشيه:
شروح الزاد وحواشيه، وحواشي شرحه الروض المربع كثيرة (١)، وسأذكر بعضها:
١ - الروض المربع شرح زاد المستقنع:
للشيخ منصور البهوتي (ت ١٠٥١ هـ) وهو شرح نفيس، وسيأتي الكلام عليه بإذن الله.
٢ - الشرح الممتع على زاد المستقنع (٢):