← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 142

الاتصال والانقطاع

إبراهيم اللاحم

Полный текст (466 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلسلة نقد المرويات (٢) الاتصال والانقطاع بقلم إبراهيم بن عبدالله اللاحم ١٤٢٥ هـ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد: فهذا هو القسم الثاني من سلسلة (نقد المرويات)، يتعلق بمباحث اتصال الإسناد وانقطاعه، سرت فيه على الطريقة التي سرت عليها في القسم الأول (الجرح والتعديل)، وذلك فيما يتصل بشمول البحث لأكبر قدر ممكن من المسائل التي تندرج تحت هذا الموضوع، مع مراعاة الحيز المخصص لكل منها، بحيث ينسجم ذلك مع القدر المخصص للموضوع كله، فغير خاف أن بحث هذه المسائل مجتمعة، يختلف عنه في حال إفراد كل مسألة منها ببحث يختص بها. وقد كنت أثناء كتابتي للقسم الأول يثور دائماً في نفسي هاجس الخوف من التعمق في بحث جزئياته، والتشعب في تناولها، بحيث يؤدي ذلك إلى الحيلولة دون فهم القارئ لما يكتب، أو ملله، فاجتهدت ما أمكنني في تفادي هذه المشكلة التي قد يقع فيها الباحث دون أن يشعر. وفي هذا القسم لا أتردد في القول بأن هذا الهاجس قد ارتفعت وتيرته، وزادت حدته، لسبب بسيط جداً، سيدركه القارئ لأول وهلة، وهو أن المسائل المندرجة تحت باب (الاتصال والانقطاع) تفوق - بكثير - في الدقة والعمق والتداخل ما يتصل بـ (الجرح والتعديل)، مع أن طرق هذا الموضوع والبحث في قواعده من قبل الأئمة والباحثين لا يقارن به في الكثرة طرقهم لموضوع (الاتصال والانقطاع). ومع أنني بذلت أقصى جهدي في الكتابة بطريقة سهلة ميسرة، متجنباً

стр. 4

الخوض في بعض الدقائق التي رأيت أن صرف النظر عن البحث فيها ضمن هذا المشروع هو الأنسب، إلا أنني مع ذلك آمل من القارئ الكريم - عطفاً على ما تقدم - أن يلتمس لي بعض العذر، إن وجد فيه مباحث أطلت فيها، أو كان تناولي لها بصفة حالت بين القارئ وفهمها. كما آمل من القارئ الكريم أن يلتفت إلى نفسه أيضاً، فالبحث - أي بحث - لا شك أن المقصود به القارئ، وعليه أيضاً يقع جزء من التبعة في فهم واستيعاب ما يقرأ، وأعني بذلك أن الباحث مطالب بالاقتراب ما أمكن من القارئ، لكن لا يجوز له أبداً أن يهبط ويضعف في تناول جزئيات بحثه، إذ يقع على القارئ النصف الباقي من الطريق إلى نقطة الالتقاء، وعليه أن يبذل جهده في قطع هذا الجزء من الطريق، ليلتقي بالباحث الذي يقرأ له. ولست أعني بما قلت أن القارئ لابد أن يوافق الباحث فيما وصل إليه، وإلا فقد أخلّ بمسؤولياته، فهذا لا يمكن لأحد أن يقر به، أو يقول به، وإن سلكه بعض الباحثين في بحوثهم، فتجده يأخذ بتلابيب القارئ، ويتهدده ويتوعده إن لم يوافقه على ما يقول، بل وصل الأمر ببعضهم إلى إقحام قضايا الابتداع ومخالفة أهل السنة في مسائل علمية بحتة. وإنما الذي أعنيه أن يكون القارئ لديه ملكة يستطيع بها فهم القاعدة التي تقرر، والربط بينها وبين ما يساق لها من أدلة، أو ما يضرب لها من أمثلة، والمتن في التطابق بينهما، والتوقف فيما يوجب التوقف، والقدرة على المناقشة وتحرير موضعها، وحسن السؤال عن ذلك، فهذا هو المفترض في القارئ، ولا يتم ذلك كله إلا بالاستعداد النفسي، والقراءة المتأنية، بل وتكرار القراءة أحياناً، وتفريغ الذهن من المشاغل ما أمكن.

стр. 5

وعندي أمل كبير أن يكون القارئ - بعد قراءته للقسم الأول (الجرح والتعديل) - قد تهيأ للقسم الثاني هذا، فهذا العلم - كغيره من العلوم - حلقاته مترابطة، يأخذ بعضها بزمام بعض، فكثير من تقسيمات العلوم ألجأ إليها حاجة التعليم والتفهيم. أسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً للسداد والرشاد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. كتبه إبراهيم بن عبد الله اللاحم بريد إلكتروني: IBRAHIMALLAHEM ٣@hotmail.com

стр. 6

تمهيد اتصال الإسناد أحد الشروط الخمسة المعروفة لصحة الحديث، مع أن حقيقة هذا الشرط تعود إلى شرطين آخرين وهما عدالة الرواة، وضبطهم، إذ الإسناد المنقطع لم يتحقق فيه وجود هذين الشرطين، فقد يكون الساقط غير عدل، أو غير ضابط، وحينئذٍ فالنص على شرط الاتصال إنما هو - فيما أرى - من باب التأكيد. وقد تضافرت نصوص النقاد في اشتراط اتصال الإسناد، فروى حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن عائشة حديث: "كان النَّبِيُّ ﷺ لا يصلي في ملاحفنا "، ثم قال حماد: "سمعت سعيد بن أبي صدقة قال: سألت محمداً عنه فلم يحدثني، وقال: سمعته منذ زمان، ولا أدري أسمعته من ثبت أم لا؟ فسلوا عنه" (١). وقال يحيى بن سعيد القطان: "ينبغي لكتبة الحديث أن يكون ثبت الأخذ، ويفهم ما يقال له، ويبصر الرجل - يعني المحدث -، ثم يتعاهد ذلك منه - يعني نطقه - يقول: حدثنا، أو سمعت، أو يرسله، فقد قال هشام بن عروة: إذا حدثك رجل بحديث فقل: عمن هذا؟ أو ممن سمعته؟ فإن الرجل يحدث عن آخر دونه - يعني دونه في الإتقان والصدق -، قال يحيى: فعجبت من فطنته" (٢).

стр. 7

وروى إبراهيم بن عيسى الطالقاني، قال: " قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبدالرحمن، الحديث الذي جاء: "إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك، وتصوم لهما مع صومك"، قال: فقال عبد الله: يا أبا إسحاق عمن هذا؟ قال: قلت: هذا من حديث شهاب بن خراش، فقال: ثقة، عَمَّن؟ قال: قلت: عن الحجاج بن دينار، قال: ثقة، عَمَّن؟ قال: قلت: قال رسول الله ﷺ ، قال: يا أبا إسحاق، إن بين الحجاج بن دينار وبين النَّبِيّ ﷺ مفاوز تنقطع فيها أعناق الإبل، ولكن ليس في الصدقة اختلاف" (١). وقال الشافعي: "إذا اتصل الحديث عن رسول الله ﷺ ، وصح الإسناد به، فهو سنة، وليس المنقطع بشيء، ماعدا منقطع سعيد بن المسيب" (٢). وقيل لأحمد بن حنبل: حديث عن رسول الله ﷺ مرسل برجال ثبت أحب إليك، أو حديث عن الصحابة أو عن التابعين متصل برجال ثبت؟ فقال أحمد: "عن الصحابة أعجب إليّ" (٣). وقال محمد بن يحيى الذهلي: "لا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث الموصل غير المنقطع، الذي ليس فيه رجل مجهول، ولا رجل مجروح" (٤). وقال مسلم حكاية عن غيره مقراً له: "والمرسل من الروايات في أصل

стр. 8

قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة" (١). وقال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي وأبازرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة، وكذا أقول أنا" (٢). وقال ابن خزيمة في بيانه لشرطه في "صحيحه": "بنقل العدل عن العدل، موصولاً إليه ﷺ ، من غير قطع في أثناء الإسناد ... " (٣) ولهذا السبب فقد بذل أئمة الحديث جهداً كبيراً في البحث عن الاتصال والانقطاع، فدرسوا كل راوٍ تقريباً، درسوا رواياته عن شيوخه، فقالوا مثلاً: فلان روايته عن فلان متصلة، فلان سمع من فلان وفلان، فلان روايته عن فلان مرسلة، فلان لم يسمع من فلان، فلان رأى فلاناً ولم يسمع منه، أو دخل عليه لكن لم يسمع منه، إلى غير ذلك، ونظروا في مراسيل المشهورين بذلك من الرواة وحكموا عليها، ووازنوا بينها، وفي كلامهم على الأحاديث التزموا هذا الشرط، فضعّفوا أحاديث كثيرة جداً بالانقطاع، وهذا أمر متقرر مشهور. ونلاحظ في كلام النقاد على مراتب أحاديث الأقطار الإسلامية تأثير الاتصال والانقطاع في هذه المراتب (٤). وعلى الباحث أن يسلك منهج هؤلاء الأئمة في التحقق من اتصال الإسناد أو انقطاعه، وهو في سبيل ذلك عليه النظر أولاً في سماع كل راو في الإسناد ممن

стр. 9

فوقه في الجملة، ثم سماعه لهذا الحديث بعينه منه، وكل هذا يسير فيه الباحث وفق قواعد وأصول منقولة عن أئمة النقد، أو مأخوذة من عملهم وتطبيقهم، فالأمر المتقرر في كل قضية من قضايا النقد هو النظر في عمل أئمة النقد وقواعدهم، ومتابعتهم في ذلك. والمتأمل في عمل المشتغلين بنقد السنة في الوقت الحاضر يرى خللاً في التحقق من شرط الاتصال والانقطاع في دراستهم للأسانيد، إما لأن القاعدة لم تتحرر عند الباحث كما ينبغي، أو لأنه ذهب إلى خلافها، أو أُتي من قِبل طرده لبعض القواعد في وقت معارضة قواعد أخرى لها، وأهم مما سبق كله التقصير وعدم الاستقصاء في البحث. والباحث يسير في عمله في التحقق من شرط الاتصال في ثلاث خطوات بارزة: الأولى: نظره في صفة الرواية للراوي عمن فوقه في الإسناد، وهل قصد الرواية عنه أو لا؟ الثانية: إذا كان قصد الرواية عنه فهل لقيه وسمع منه؟ الثالثة: إن كان قد لقيه وسمع منه فهل سمع منه هذا الحديث موضع الدراسة؟ وسأتناول هذه الخطوات الثلاث في ثلاثة فصول، أردفها بفصل رابع، أتناول فيه قضايا متفرقة تتعلق بالاتصال والانقطاع، وهي: درجات اتصال الإسناد وانقطاعه، ومصطلحات يتداولها الأئمة في كلامهم عن الاتصال والانقطاع، وحكم الباحث على الإسناد بعد فراغه من دراسة اتصاله وانقطاعه.

стр. 10

الفصل الأول صفة رواية الراوي عمن روى عنه وفيه مبحثان: المبحث الأول: صيغ الأداء ودلالالتها. المبحث الثاني: الرواية عن الشخص والرواية عن قصته.

стр. 11

المبحث الأول صيغ الأداء ودلالالتها تنقسم صيغ أداء الراوي للحديث قسمين رئيسين: القسم الأول: الصيغ الصريحة في الاتصال مثل أن يقول: سمعت فلاناً يقول، أو حدثنا فلان، أو أخبرنا فلان، أو حدثني فلان، أو رأيت فلاناً فقال كذا، ونحو ذلك من العبارات الصريحة في الاتصال، فالباحث سيحكم بداية بأن الرواية بين هذا الراوي وبين من روى عنه متصلة، يحكم عليها بالاتصال بحكم أن الصيغة التي أدى بها هذا الراوي روايته تفيد ذلك، ومع هذا فإن مجرد وجود صيغة تدل بظاهرها على الاتصال لا يكفي، لكن البحث المبدئي يقتضي أن يحكم الباحث على الرواية بالاتصال، وقد يتبين له بعد ذلك خلاف ما حكم به، فقد تكون الصيغة صريحة في الاتصال ومع هذا فالإسناد منقطع، وهذا له صور: منها ما إذا كان الراوي كذاباً، فإن كثيراً من الكذابين يدعي السماع ممن روى عنه ويصرح بالتحديث، وهو لم يسمع منه، وقد تقدم في المبحث الأول من الفصل الأول من ((الجرح والتعديل)) ذكر عدة أخبار في تصريح الكذابين بالتحديث، وإقرارهم بأنهم لم يسمعوا شيئاً. ومن الصور أيضاً ما يستخدمه بعض الرواة من الصيغ الموهمة للسماع وهو لا يقصد ذلك، مثل خطبنا فلان، أو جاءنا فلان، أو حدثنا فلان، وهو يقصد قومه أو أهل بلده.

стр. 12

ومنها - وهي أهمها - أخطاء الرواة، فتكون الرواية في الأصل ليس فيها تصريح بالتحديث، فيخطئ بعض رواة الأسانيد ويستبدل بها بصيغة صريحة في اللقي والسماع. وانضم إلى ذلك منذ عصر الرواية إلى عصرنا هذا أخطاء النساخ، ثم أخطاء المطابع في العصر الحاضر، فصار لزاماً على الباحث أن يتريث في الحكم باتصال الإسناد وإن كان ظاهره الاتصال، ولا سيما إذا أخذ الإسناد من كتب غير مشهورة، مثل كتب الغرائب، وكتب الفوائد، والأجزاء الحديثية التي ليست من الكتب المشهورة، فهذه يكثر فيها وجود الأخطاء في الأسانيد، وكذلك الكتب المشهورة المنشورة دون تحقيق علمي جيد. وسيأتي الحديث عن الصورتين الأخيرتين في المبحث الثاني من الفصل الثاني بشيء من التفصيل. القسم الثاني: أن تأتي الرواية بصيغة محتملة للاتصال وعدمه، وهذه الصيغ كثيرة وأشهرها: عن فلان، فيقول الراوي: حدثنا فلان عن فلان، مثل أن يقول يحيى بن سعيد القطان مثلاً: حدثنا شعبة، عن قتادة، أو حدثنا شعبة، عن الحكم بن عتيبة، أو يقول الأعمش: حدثنا منصور، عن أبي وائل، عن ابن مسعود. ومن الصيغ المحتملة للسماع وعدمه: (قال)، (ذكر)، (حكى)، (حدث)، وما يؤول إليها، مثل: أن فلاناً قال، أو أنه ذكر ... الخ. وكون هذه الصيغ - عدا (عن) - محتملة للسماع وعدمه أمر ظاهر، لأنها تستخدم في الأمرين كثيراً، فيقول الشخص حاكياً عن شخص شيئاً سمعه منه: قال فلان، ذكر فلان، كما يقول ذلك في حكاية قول شخص لم يسمعه منه، بل

стр. 13

قد يكون بينه وبينه أزمان متباعدة، كما نقول نحن: قال رسول الله ﷺ كذا. وأما صيغة (عن) فإنما كانت محتملة للأمرين لأنها في الأصل ليست صيغة أداء، وإنما هي بدل عن صيغ الأداء، ثم هي قد يكون الراوي نفسه عبر بها، فيقول الأعمش - مثلاً - ابتداء: عن إبراهيم، أو عن أبي وائل، أو يقول يحيى القطان: عن سفيان الثوري ... ، ويسوق الإسناد. ومن النصوص في هذا ما ذكره أحمد، عن سفيان بن عيينة قال: "سمعت محمد بن المنكدر يقول غير مرة: عن جابر، قال: وكأني سمعته مرة يقول: أخبرني من سمع جابراً، فظننت أنه سمعه من ابن عقيل، حديث جابر: ((أن النبي ﵇ أكل لحماً، ثم صلى ولم يتوضأ)) " (١). وقال عمرو بن أبي سلمة: "قلت للأوزاعي في المناولة أقول فيها: حدثنا؟ قال: إن كنت حدثتك فقل، فقلت: أقول: أخبرنا؟ قال: لا، قلت: فكيف أقول؟ قال: قل: قال أبو عمرو، وعن أبي عمرو " (٢). وذكر عباس الدوري قال: "سألت يحيى بن معين عن حديث ورقاء بن عمر أنه كان يقول في أولها: عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد - فقيل له (يعني لابن معين): ترى بأساً أن يخرجها إنسان فيكتب في كل حديث: ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد؟ قال: ليس به بأس " (٣).

стр. 14

وقال ابن معين: "كان ابن عيينة يدلس فيقول: عن الزهري، فإذا قيل له: من دون الزهري؟ فيقول لهم: أليس لكم في الزهري مقنع؟ فيقال: بلى، فإذا استقصي عليه يقول: معمر، اكتبوا لا بارك الله فيكم" (١). وقال أبوحاتم: "عبدالله بن شوذب خراساني ثقة، وقع إلى الرملة، ويقول ابن شوذب: عن الحسن، ولم يره ولم يسمع منه" (٢). وربما ذكر الراوي اسم نفسه من أجل الابتداء بـ (عن)، فيقول سفيان بن عيينة مثلاً لتلاميذه: اكتبوا: سفيان، عن عمرو بن دينار (٣). وفي الأغلب الأعم فإن التعبير بصيغة (عن فلان) إنما هو من التلميذ أو من دونه، إما لأن الراوي لم يذكر صيغة أصلاً، فقد يبتدئ باسم شيخه مباشرة، كما يفعله كثير من الرواة، وخاصة عند الإملاء، أو يكون الشيخ بين تلاميذه، فيذكر المتن، وهم يذكرون الإسناد، أو العكس، ويسمونه الترقيع. ومن النصوص في ذلك ما رواه إبراهيم الحربي، عن أبي زرعة الرازي، عن إبراهيم بن موسى الفراء الصغير، قال: سمعت جريراً يقول: "ليس هذه الأحاديث التي أحدثكم عن الأعمش سمعتها كما أحدثكم، إنما كان الأعمش يذكر الإسناد، فيقول بعض أصحابه: خبر هذا كذا، وخبر هذا كذا، فنكتبه عنهم، ويذكر الخبر فيقول بعض أصحابه: إسناد هذا كذا وكذا، فنكتبه عنهم"، قال إبراهيم الحربي: "فحدثت بذلك ابن نمير، فقال: هكذا ينبغي أن يكون

стр. 15

سماع أبي، وابن فضيل، ووكيع، ونظرائهم: مرقعاً، ولكن هؤلاء كتموا ذلك، وذاك تكلم به" (١). وقال أبوداود: "سمعت أحمد سئل عن المحدث يذكر الحديث فيقال: مَنْ دون فلان؟ فيقول: فلان - هو جائز؟ قال: نعم، قلت: يؤلفه - أعني الذي يسمع هكذا -؟ قال: يؤلفه، وهل كان شريك يحدث إلا هكذا؟ كان يذكر الحديث فيقال: من ذكره؟ فيقول: فلان، فيقال: عمن؟ فيقول: فلان" (٢). وقال المروذي: "سمعت أبا عبدالله يقول: كان أبو بدر لا يقول: حدثنا، ولقد أرادوه على أن يقول: حدثنا خصيف، فأبى، وقال: أليس هو ذا أقول: خصيف؟ " (٣). وقد يكون الراوي قد ذكر صيغة حين التحديث، إما صريحة في الاتصال أو في الانقطاع، أو محتملة لهذا وهذا، والغرض حينئذٍ من التعبير بـ (عن) التخفيف على رواة الحديث وكتبته، كما قال الخطيب: "إنما استجاز كتبة الحديث الاقتصار على العنعنة لكثرة تكررها، ولحاجتهم إلى كتب الأحاديث المجملة بإسناد واحد، فتكرار القول من المحدث: حدثنا فلان، عن سماعه من فلان - يشق ويصعب، لأنه لو قال: أحدثكم عن سماعي من فلان، وروى فلان عن سماعه من فلان، حتى يأتي على أسماء جميع مسندي الخبر، إلى أن يرفع إلى رسول الله ﷺ ، وفي كل حديث يرد مثل ذلك الإسناد

стр. 16

- لطال وأضجر، وربما كثر رجال الإسناد حتى يبلغوا عشرة وزيادة على ذلك، وفيه إضرار بكتبة الحديث، وخاصة المقلين منهم (١)، والحاملين لحديثهم في الأسفار، ويذهب بذكر ما مثلناه مدة من الزمان، فساغ لهم لأجل هذه الضرورة استعمال: عن فلان" (٢). وما أشار إليه الخطيب فيه نصوص كثيرة عن الأئمة، من ذلك قول الوليد: "كان الأوزاعي إذا حدثنا يقول: حدثنا يحيى، قال: حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان، حتى ينتهي، قال الوليد: فربما حدثت كما حدثني، وربما قلت: عن، عن، عن، تخففاً من الأخبار" (٣). وروى أحمد بن محرز قال: "سمعت يحيى بن معين يقول: قال يحيى بن سعيد القطان: كل حديث سمعته من سفيان قال: حدثني وحدثنا إلا حديثين: سماك عن عكرمة، ومغيرة عن إبراهيم - ذكر يحيى بن معين الحديثين فنسيتهما-، وكل حديث شعبة قال: حدثني وأخبرني، وكل حديث عبيدالله قال: حدثني وأخبرني، فإذا حدثتك عن أحد منهم فلا تحتاج أن أقول لك: حدثني ولا أخبرني، ولا حدثنا ولا أخبرنا، فقال حبيش بن مبشر - يفسر ذلك بحضرة يحيى بن معين -: هذا بمنزلة رجلٍ قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، فإذا قال بعد ذلك: حدثنا يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، لم يحتج أن يقول: حدثنا يزيد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وقال عبدالله بن

стр. 17

رومي اليمامي بحضرة ابن معين: هو أن يقول فيه: حدثنا، قال: حدثنا، ثم إذا قال: فلان عن فلان، كان كله حدثنا" (١). وقال محمد بن عبدالله بن عمار: "قلت له: (يعني لحفص بن غياث) ما لكم حديثكم عن الأعمش إنما هو: عن فلان، عن فلان، ليس فيه حدثنا، ولا سمعت؟ قال: فقال: حدثنا الأعمش، قال: سمعت أبا عمار، عن حذيفة يقول ... ، قال: وذكر حديثاً آخر مثله، قال: وكان عامة حديث الأعمش عند حفص بن غياث على الخبر والسماع" (٢). وقال أبو زرعة: "سألت أحمد بن حنبل عن حديث أسباط، عن الشيباني، عن إبراهيم، قال: سمعت ابن عباس، فقال: عن ابن عباس، فقلت: إن أسباط هكذا يقول، فقال: قد علمت، ولكن إذا قلت: عن فقد خلصته، وخلصت نفسي، أو نحو هذا المعنى" (٣). ومراد أحمد أن أسباط يخطئ في جعله رواية إبراهيم سماعاً من ابن عباس، فأبدل بها أحمد صيغة عن، ستراً عليه، ولكي لا يظن موافقته على الخطأ. وقال أحمد في محمد بن سيرين: "لم يسمع من ابن عباس شيئاً، كلها يقول: نبئت عن ابن عباس" (٤)، والموجود في رواياته عن ابن عباس أكثره بالعنعنة أو

стр. 18

بصيغة (أن)، والقليل منه فيه ما ذكره أحمد (١). وقال عبدالله بن أحمد: "قال أبي: رأيت سنيداً عند حجاج بن محمد، وهو يسمع منه كتاب "الجامع" - يعني لابن جريج -، فكان في الكتاب: ابن جريج قال: أخبرت عن يحيى بن سعيد، وأخبرت عن الزهري، وأخبرت عن صفوان بن سليم، فجعل سنيد يقول لحجاج: قل يا أبا محمد: ابن جريج، عن الزهري، وابن جريج، عن يحيى بن سعيد، وابن جريج، عن صفوان بن سليم، فكان يقول له هكذا. ولم يحمده أبي فيما رآه يصنع بحجاج، وذمَّه على ذلك، قال أبي: وبعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذه؟ يعني قوله: أخبرت وحدثت عن فلان" (٢). قال ابن حجر بعد أن ذكر هذه القصة: "وحكى الخلال عن الأثرم نحو ذلك. ثم قال الخلال: وروي أن حجاجاً كان منه هذا في وقت تغيره، ويرى أن أحاديث الناس عن حجاج صحاح، إلا ما روى سنيد" (٣). وروى المروذي قال: " قال أحمد: كان ابن إسحاق يدلس، إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد يبين، إذا كان سماعاً قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال، ثم قال: يقول: قال أبو الزناد، قال فلان، قال: وتنظر في كتاب يزيد بن هارون: عن

стр. 19

أبي الزناد، كلها" (١). وقد جاء في نص واحد عن حماد بن زيد الابتداء بها من المحدث، والتعبير بها عن صيغة أخرى للشيخ، فقال عفان: "جاء جرير بن حازم إلى حماد بن زيد فجعل يقول: حدثنا محمد قال: سمعت شريحاً، حدثنا محمد قال: سمعت شريحاً، فجعل حماد يقول: يا أباالنضر: عن محمد، عن شريح، عن محمد، عن شريح" (٢). فاتضح مما تقدم أن صيغة (عن) محتملة للسماع وعدمه، إذ قد تكون هي أصل الرواية فهي في نفسها محتملة للسماع وعدمه، وقد تكون مبدلة عن صيغ صريحة في الاتصال أو الانقطاع أو عن صيغ محتملة. وقد تحدث المعلمي عن استخدام (عن) في الرواية فذكر أنها كلها من تعبير من دون الراوي (٣)، والذي يظهر ما تقدم آنفاً أنها قد تكون من إنشاء الراوي نفسه، وإن كان الأغلب الأعم أنها من تعبير من دونه. وذكر أيضاً أنها مبدلة إما من صيغة صريحة كحدثنا، وسمعت، أو من صيغة محتملة كحدث وقال، ولا يحتمل أن تكون مبدلة من صيغة صريحة في الانقطاع مثل بلغني عن فلان، لأن فعل هذا من تدليس التسوية، لكن المعلمي رجع مرة أخرى فسلَّم بوقوع ذلك، حيث يكون الراوي معروفاً بالتدليس، فالراوي إذا كان كذلك، لا فرق بين أن تكون روايته بـ (عن)، أو مصرحاً

стр. 20

بالانقطاع (١). والذي ظهر لي أنها تستخدم بدلاً عن الصيغ الصريحة في الانقطاع مع المدلس ومع غيره، وقد تقدم في الأمثلة آنفاً ما يوضح ذلك، ويأتي له أمثلة تطبيقية في أماكن أخرى من هذا الكتاب. بل إنها تستخدم مع إسقاط راو في وسط الإسناد، ثم تجعل الرواية بين من دونه ومن فوقه بـ (عن)، سواء كان بقصد التدليس، كما يفعله من يدلس تدليس التسوية، وسيأتي هذا بأمثلته، أو بغير قصد التدليس، كما يفعله مالك وغيره (٢). قال الجياني بعد أن تكلم على حديث أسقط فيه وهب بن جرير بن حازم أحد رواته، وربما ذكره: " وإنما كان يسقطه وهب بن جرير بن حازم في بعض الأحايين، ويسوقه معنعناً: على طريق التخفيف، وتقريب الإسناد، أو تزيينه" (٣). وسيأتي في المبحث الثاني أنها تستخدم بغير قصد الرواية، فليست مبدلة عن صيغة أداء أصلاً. فالخلاصة أن من قال: إن الرواة لا يبدلون (عن) إلا من صيغ صريحة في الاتصال، أو محتملة - لم يحرر قوله هذا جيداً، والله أعلم. ولما كانت هذه الصيغ محتملة للسماع وعدمه فقد شدد بعض الأئمة، فرأوا أن لا يقبل إلا ما فيه تصريح بالتحديث، وقد حكى هذا المذهب الحارث

стр. 21

المحاسبي - فيما نقله عنه ابن حجر - عن جماعة لم يسمهم، قال: "لابد أن يقول كل عدل في الإسناد: حدثني أو سمعت، إلى أن ينتهي إلى النبي ﷺ ، فإذا لم يقولوا كلهم ذلك أو لم يقله إلا بعضهم فلا يثبت، لأنه عرف من عادتهم الرواية بالعنعنة فيما لم يسمعوه" (١). ونقل الزركشي عن أبي العباس بن سريج حكايته عن الظاهرية أو من ذهب منهم إليه (٢). ونسبه الرامهرمزي إلى بعض المتأخرين من الفقهاء، ولم يسمهم (٣). وكذا نسبه ابن الصلاح إلى من لم يسمه فقال: "الإسناد المعنعن - وهو الذي يقال فيه: فلان عن فلان - عدّه بعض الناس من قبيل المرسل والمنقطع، حتى يتبين اتصاله بغيره" (٤). وممن اشتهر عنه هذا المذهب شعبة بن الحجاج، ومن أقواله في ذلك: "كل حديث ليس فيه حدثنا وأخبرنا فهو مثل الرجل بالفلاة معه البعير ليس له خطام" (٥)، وقوله: "كل حديث ليس فيه حدثنا أو أخبرنا فهو خل وبقل" (٦)،

стр. 22

وفي لفظ له: "كل حديث ليس فيه: سمعت، قال: سمعت - فهو خل وبقل" (١). وكان ﵀ قد خبر الرواة، وهاله كثرة الإرسال عندهم، فكان يقول: "لو أتيت محدثاً عنده خمسة أحاديث أصبت ثلاثة لم يسمعها" (٢). وكان يوصي بسؤال الرواة عن سماعهم، لاحتمال الإرسال، فكان يقول: "وقِّفوهم، يصدقوا أو يكذبوا" (٣). وذكر ابن عبدالبر أن شعبة رجع عن قوله هذا (٤)، لكنه مع حكاية الرجوع هذه قد اشتهر بتفقد السماع في الأسانيد، كما سيأتي في المبحث الثاني من الفصل الثاني. وروى سفيان بن عيينة قال: حدثنا عمرو بن دينار، قال: أخبرني عمرو بن أوس الثقفي، أن عبدالرحمن بن أبي بكر أخبره "أن رسول الله ﷺ أمره أن يردف عائشة ويعمرها من التنعيم" (٥)، ثم قال سفيان: "وهذا بابة شعبة: أخبره، أن

стр. 23

النَّبِيّ ﷺ أمره، يقول: متصل" (١)، وفي لفظ له: "كان شعبة يعجبه مثل هذا الإسناد - يعني: أخبرني، قال: أخبرني-" (٢). ولا شك أن ما ذهب إليه هؤلاء أكثر احتياطاً للسنة النبوية، وأقرب إلى التثبت فيها، ولكن اشتراط ذلك يؤدي إلى مفسدة أعظم، إذ قد كثر من الرواة - كما تقدم آنفاً - عدم التصريح بالتحديث تخففاً خشية طول الإسناد، فاشتراط ذلك حينئذٍ يؤدي إلى مفسدة عظمى، وهي طرح كثير من السنن الثابتة، قال ابن رشيد: "مقتضى النظر كان التوقف في هذا المعنعن حتى تُعلم صحةُ سماعه في كل حديث حديث، لما علم من أئمة الصناعة نقلاً من أنهم كانوا يكسلون أحياناً فيرسلون، وينشطون تارة فيسندون، لكن لما تعذر ذلك وشق تعرفه مشقة لا خفاء بها اقتنع بما ذكرناه من معرفة السماع في الجملة، مع السلامة من وصمة التدليس، معتضداً ذلك بقرينة شهادة بعضهم على بعض بقولهم: فلان عن فلان، المفهمة قصد الاتصال" (٣). وقال أيضاً: "وهذا المذهب - وهو اشتراط التحديث في كل رواية - وإن قلَّ القائل به بحيث لا يسمى ولا يعلم - فهو الأصل الذي كان يقتضيه الاحتياط ... ، ولو اشترط ذلك لضاق الأمر جداً، ولم يتحصل من السنة إلا النزر اليسير، فكأن الله تعالى أتاح الإجماع عصمة لذلك، وتوسعة علينا،

стр. 24

والحمد لله" (١). وقال أيضاً: "وأما من حيث النظر، فكان الأصل كما قدمنا: ألا يقبل إلا ما علم فيه السماع حديثاً حديثاً، عند من لا يقول بالمرسل، لاحتمال الانفصال، إلا أن علماء الحديث رأوا أن تتبع طلب لفظ صريح في الاتصال يعز وجوده ... " (٢). وقد حكى الإجماع على قبول الإسناد المعنعن في الجملة غير واحد من الأئمة، منهم الخطيب، وابن عبدالبر، وابن رشيد، وغيرهم (٣). وفسر ابن حجر حكاية الإجماع مع وجود الخلاف السابق بأنه إجماع بعد انقراض الخلاف (٤). وأما ابن رشيد فعكس القضية، فقال بعد أن نقل ما تقدم عن الرامهرمزي أنه قول لبعض الفقهاء المتأخرين: "وإذ بان أنه قول لبعض الفقهاء المتأخرين، فهو مسبوق بإجماع علماء الشأن" (٥). ومع هذا الإجماع فلا يزال التصريح بالتحديث أقوى من عدمه، كما قال الخطيب: "وقول المحدث: حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان - أعلى منزلة من قوله: حدثنا فلان، عن فلان، إذ كانت (عن) مستعملة كثيراً في تدليس ما

стр. 25

ليس بسماع"، ثم أخرج عن بشر بن بكر قوله: "ذهب أهل العراق بحلاوة الحديث، يقولون: عن فلان، عن فلان، ولا يقولون: حدثنا ولا أخبرنا" (١). ومثل ذلك قول أحمد في ثنائه على محدثي البصرة: "ما رأيت قوماً سود الرؤوس في هذا الشأن مثل أهل البصرة - يعني الحديث والألفاظ - كأنهم تعلموه من شعبة" (٢)، وفي مقابل ذلك قوله في أهل الكوفة: "أهل الكوفة ليس لحديثهم نور، لا يذكرون الأخبار" (٣). وروى ابن محرز قال: "سمعت علي بن المديني يقول: حدثني حبان بن هلال، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني يعلى بن حكيم، أن يوسف بن ماهك حدثه، أن عبدالله بن عصمة حدثه أن حكيم بن حزام حدثه: "أن النَّبِيّ ﷺ نهاه عن بيع ماليس عنده"، قال حبان: هذا الدست بدست" (٤).

стр. 26

ومعناها: يداً بيد، والدست بالفارسية: اليد (١).

стр. 27

المبحث الثاني الرواية عن الشخص والرواية لقصته أول ما يهتم به دارس الاتصال والانقطاع في الإسناد التأمل في صيغة الأداء هل قصد بها الرواية عن الشخص، أو قصد بها حكاية قصة له، فيكون ذكره في المتن لا في الإسناد؟ . وحكاية قصة لشخص ما تارة تكون بصيغة ظاهرة في ذلك، مثل أن يقول الراوي - كسعيد بن المسيب، أو عروة بن الزبير مثلاً -: جاء أبوبكر إلى النبي ﷺ ، أو دخل أبوبكر على النبي ﷺ ، أو قال أبوبكر للنبي ﷺ كذا. ومعنى الظهور هنا أن مثل هذه الصيغ لا تستخدم في الرواية عن الشخص، فلم يقصد سعيد أو عروة هنا أن يحكي القصة عن أبي بكر، وإنما هو يحكي قصة أبي بكر. وتارة تكون بصيغة فيها شيء من الخفاء، لكونها تستخدم في الرواية عن الشخص مع تغيير يسير، وذلك في صيغة (أن فلاناً)، فهذه الصيغة تستخدم بغرض الرواية عن الشخص إذا قرنت بلفظ (قال) أو (ذكر) ونحوهما، فيقول الراوي - كالأعرج مثلاً -: أن أباهريرة قال: قال رسول الله ﷺ . وتستخدم أيضاً في حكاية قصة للشخص، كما إذا قال الأعرج: أن أباهريرة سلَّم على النبي ﷺ ، أو دخل عليه، ونحو ذلك. فإذا قصد بها الرواية فهي صيغة من الصيغ المحتملة للسماع وعدمه، مثل

стр. 28

(عن) و (قال) و (ذكر) ونحوها، وإذا قصد بها حكاية القصة فليست صيغة رواية عن الشخص، وإنما هي صيغة لحكاية قصته. قال الخطيب في صفة الحافظ: " ... ، يميز الروايات بتغاير العبارات، نحو عن فلان، وأن فلاناً، ويعرف اختلاف الحكم في ذلك، بين أن يكون المسمى صحابياً، أو تابعياً" (١). وعلى المعنى الثاني - وهو حكاية قصة الشخص لا الرواية عنه - خرَّج الأئمة المتأخرون - كابن المَوَّاق، وابن رجب، والعراقي، وابن حجر، والسخاوي (٢) - تفريق أحمد، ويعقوب بن شيبة، والبرديجي بين (عن) و(أن)، فالتفريق بينهما يكون إذا قصد بصيغة (أن) حكاية القصة لا الرواية عن الشخص، ورد هؤلاء الأئمة على من فهم من كلام هؤلاء التفريق بينهما مطلقاً، وأن صيغة (أن) محمولة على الانقطاع أبداً (٣). فقد ذكر أبو داود أن أحمد سئل فقيل له: إن رجلاً قال: عروة أن عائشة قالت: يا رسول الله، وعن عروة، عن عائشة - سواء؟ فقال: "كيف هذا سواء؟ ليس هذا بسواء" (٤).

стр. 29

وأما يعقوب بن شيبة فإنه ذكر ما رواه أبوالزبير، عن ابن الحنفية، عن عمار قال: ((أتيت النبي ﷺ وهو يصلي، فسلمت عليه، فرد عليّ السلام))، وجعله مسنداً موصولاً، وذكر رواية قيس بن سعد لذلك، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن الحنفية: ((أن عماراً مر بالنبي ﷺ وهو يصلي ... ))، فجعله مرسلاً (١).

стр. 30

ونقل ابن عبدالبر عن البرديجي قوله: " (أن) محمولة على الانقطاع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من طريق آخر، أو يأتي ما يدل على أنه قد شهده وسمعه" (١). وأوضح الأئمة - ابن المواق ومن معه - أن هذا التفريق بين (أن) إذا لم يقصد بها الرواية عن الشخص، وإنما سرد حكاية وقعت له، وبين (عن) - هو أيضاً قول سائر الأئمة، كأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم، فقد حرصوا في كلامهم على الأحاديث على النص على هذا، وضربوا أمثلة لصنيعهم. قال ابن المواق في شرح مذهب الأئمة في الرواية بـ (أن) إذا حكى الراوي بها قصة: " ... ، وهو أمر بين، لا خلاف بين أهل هذا الشأن في انقطاع ما يروى كذلك، إذا علم أن الراوي لم يدرك زمان القصة ... " (٢). وما ذكره هؤلاء الأئمة ظاهر، إلا أنني رأيت الترمذي لما أخرج حديث ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن صفوان بن أمية قال: ((أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين وإنه لأبغض الخلق إلي، فمازال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي))، عقبه بقوله: "حديث صفوان رواه معمر وغيره عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن صفوان بن أمية قال: ((أعطاني رسول الله ﷺ ... ))،

стр. 31

وكأن هذا الحديث أصح وأشبه، إنما هو: سعيد بن المسيب، أن صفوان" (١). فظاهر كلام الترمذي التفريق بين (عن) و (أن) رغم قصد الرواية بـ (أن) عن صفوان، لا حكاية قصته، وعلى هذا مشى أحد الإخوة الباحثين، اعتبر كلام الترمذي حكاية للاختلاف في الوصل والإرسال، ولم يتردد الباحث في ذلك. فيحتمل أن يكون الترمذي يذهب إلى التفريق بينهما مطلقاً كما هو ظاهر صنيعه، ويحتمل - على بعد - أن يكون قد سها في حكاية رواية معمر، فقد أخرجها ابن جرير من طريق محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري قال: قال صفوان بن أمية (٢)، هكذا ليس فيه سعيد بن المسيب، فيكون الاختلاف المؤثر بين رواية يونس بن يزيد، وبين رواية معمر: ذكر سعيد بن المسيب وحذفه، لا صيغة الرواية. والمعروف عن أئمة النقد هو ما ذكره ابن المَوَّاق ومن معه، من أن التفريق بينهما إذا قصد الراوي حكاية القصة بـ (أن) لا الرواية عن الشخص، وقد أخرج مسلم حديث صفوان هذا من طريق ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري كرواية معمر التي ذكرها الترمذي، وفيها: أن صفوان قال (٣)، وحينئذٍ فقد اتحدت الصيغتان في هذا الحديث وأمثاله، وينصب البحث على سماع سعيد بن المسيب من صفوان - هل سمع منه أو لا؟ .

стр. 32

وأشدُّ خفاء من حكاية قصة للشخص بصيغة (أن) هو حكايتها بصيغة (عن)، فيقول الراوي: عن فلان أنه فعل كذا، إذ ظاهر هذا أنه يروي عنه، ويسند سرد الحكاية إليه، إذ الغالب في (عن) أنها تستخدم في الرواية عن الشخص، ولذلك استوجب التنبيه هنا إلى أن بعض الرواة ربما استخدمها أيضاً لا بقصد الرواية عن الشخص، وإنما بغرض حكاية قصته، وقد نص على صنيعهم هذا جماعة من الحفاظ، كسليمان بن حرب، وأحمد، وموسى، ويزيد بن هارون، والإسماعيلي وغيرهم (١). والذي يصنع هذا - فيما يظهر - هو أحد رواة الإسناد بعد راوي القصة، فكما أنهم استبدلوا بصيغ الرواية الأخرى الصريحة كحدثنا وسمعت، أو أخبرت عن فلان، وغير الصريحة كقال وذكر صيغة عن - كما تقدم هذا في المبحث الأول - استبدلوا أيضاً بالصيغ التي قصد بها حكاية قصة عن الشخص بصيغة (عن)، وأسندوها إلى صاحب القصة. ولا شك أن استبدال صيغة رواية بصيغة رواية أخرى أمر مقبول، إما أن تستبدل بصيغة حكاية قصة للشخص صيغة رواية عنه ويُسند ذلك إليه ففيه ما فيه، ولذا وصفه أحمد بأنهم كانوا يتساهلون فيه، كما سيأتي قريباً عنه، ووصفه ابن رجب بأنه "يقع ذلك منهم أحياناً على وجه التسامح وعدم التحرير" (٢). وربما عبر بعض الأئمة عن هذا بأنه خطأ أو وهم، أو بأن الأصح جعله

стр. 33

حكاية عن القصة (١). وهناك سبيلان لحمل (عن) على حكاية القصة لا على الرواية: السبيل الأول: أن يعرف ذلك من متن الرواية، كأن يكون صاحب القصة فيها ذكر موته، فلا سبيل حينئذٍ إلى حملها على قصد الرواية، لاستحالة ذلك، ولهذا أمثلته (٢). السبيل الثاني: معرفة ذلك من الطرق الأخرى للحديث، فبعد جمع الطرق يتضح التغيير في الصيغة، وهذا هو الذي اعتنى به أئمة النقد، وهو جزء من علم (علل الحديث). ومن أمثلته ما رواه يزيد بن الهاد ويحيى بن سعيد الأنصاري - في رواية بعض أصحابه عنه - عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة الضمري ﵁، في قصة رجل من بهز وصيده الحمار الوحشي (٣). ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري في رواية بعض أصحابه، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة، عن الرجل البهزي (٤).

стр. 34

قال إسماعيل بن إسحاق القاضي تعليقاً على هذا الاختلاف: " قولهم: عن البهزي، زيادة في الإسناد، لا أنه من رواية البهزي عن النبي ﷺ .... ، وقد رأيت سليمان بن حرب ينكر أن يكون عمير رواه عن البهزي، وجعل سليمان يغضب ويقول: إنما الحديث عن عمير بن سلمة، عن النبي ﷺ ، والذين قالوا: عن البهزي - إنما هو لأن البهزي هو صاحب القصة، لا أن عمير بن سلمة رواه عنه، وهو عندنا كما قال سليمان بن حرب ... " (١). وقال موسى بن هارون: " ليس الوهم فيه عندي من الجماعة الذين رووه عن يحيى فقالوا في إسناده: عن البهزي، لأن فيهم مالك بن أنس وغيره من الرفعاء، ولكن يحيى بن سعيد كان - أرى - يرويه أحياناً فلا يقول فيه: عن البهزي، ويرويه أحياناً فيقول فيه: عن البهزي، وكان هذا عند المشيخة الأول جائزاً، يقولون: عن فلان، وليس هو عن رواية فلان، وإنما هو عن قصة فلان ... " (٢). وما أخرجه ابن أبي حاتم بإسناده إلى الأثرم قال: "قلت لأبي عبدالله: حديث سفيان، عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار، عن عبدالله بن حذافة في (أيام التشريق)، سفيان أسنده، وقال مالك بن أنس: إن النبي - صلى الله عليه

стр. 35

وسلم - بعث عبدالله بن حذافة؟ فقال: نعم، مرسل، وسليمان بن يسار لم يدرك عبدالله بن حذافة، قال: وهم كانوا يتساهلون بين: عن عبدالله بن حذافة، وبين: أن النبي ﷺ بعث عبدالله بن حذافة، وهو مرسل. وقلت لأبي عبدالله: وحديث أبي رافع: ((أن النبي ﷺ بعثه يخطب ميمونة))، قال مالك: عن سليمان بن يسار، أن النبي ﷺ ، وقال مطر: عن أبي رافع، فقال: نعم، وذاك أيضاً" (١). ومن أمثلته أيضاً ما رواه همام بن يحيى، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب،

стр. 36

أن سعداً أتى النَّبِيّ ﷺ فقال: "أي الصدقة أعجب إليك؟ قال: الماء" (١). وكذا رواه مسلم بن إبراهيم، عن هشام الدستوائي، عن قتادة به (٢). ورواه شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن عبادة، قال: "قلت: يا رسول الله ... "، وفي بعض طرقه إلى شعبة: عن سعد بن عبادة أنه أتى النَّبِيّ .... (٣). وكذا رواه وكيع، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن عبادة قال ... ، وفي بعض طرقه إلى وكيع: عن سعد بن عبادة أنه أتى النَّبِيّ .. (٤). وسعيد بن المسيب لم يدرك سعد بن عبادة، كما هو ظاهر من ترجمتيهما، ومجموع هذه الروايات تدل على أن سعيد بن المسيب يروي قصة سعد، لا يرسل الحديث عنه رواية، وأن قتادة - أو من دونه - يتجوز في استعمال (عن) في غير موضع الرواية.

стр. 37

وروى الفضل بن موسى، عن سفيان الثوري، عن محمد بن عبدالرحمن مولى آل طلحة، عن سليمان بن يسار، عن الربيع بنت معوذ: "أنها اختلعت على عهد النَّبِيّ ﷺ ، فأمرها النَّبِيّ ﷺ أو أمرت - أن تعتد بحيضة" (١). ورواه وكيع، عن سفيان، عن محمد بن عبدالرحمن، عن سليمان بن يسار: "أن الربيع اختلعت، فأمرت بحيضة " (٢). دلت رواية وكيع أن قوله في رواية الفضل بن موسى: عن الربيع، أي عن قصتها، لا أن سليمان يرويه عنها. والقاعدة في جميع ما تقدم أن كل صيغة تبين أن الراوي قصد بها الرواية عن الشخص، أو من حضر قصته، سواء كان من ظاهر الصيغة، أو عرف ذلك بقرينة في المتن (٣)، فإنه يبحث في الاتصال بينهما، هل يثبت أولا؟ وكل صيغة تبين أن الراوي قصد بها حكاية قصة الشخص وليس الرواية عنه - سواء عرف ذلك من ظاهر لفظ الصيغة، أو من متن الحديث، أو من الطرق الأخرى - فإنه لا يبحث في اتصال الإسناد وانقطاعه بين الراوي وبين صاحب القصة، هل سمع منه أو لا؟ ، لأنه تبين أنه لم يرد الرواية عنه، وإنما يكون النظر في حاكي القصة هل أدرك زمانها أو لا؟ فإن لم يكن أدرك زمانها فالإسناد منقطع ابتداء،

стр. 38

وإن كان أدرك زمانها ويمكنه حضورها ومشاهدتها فيبحث في اتصال الإسناد. فإذا روى الصحابي قصة مرفوعة للنبي ﷺ مع بعض أصحابه، فإن كان الصحابي يمكنه إدراكها ومشاهدتها فهو متصل، وإلا - كأن تكون القصة في مكة وهو أنصاري، أو في أول الهجرة وقد تأخر إسلامه - فهو مرسل صحابي، وحكمه حكم الذي قبله، إذ ليس في قبول مراسيل الصحابة خلاف يذكر، وإن كان راوي القصة تابعياً فهو مرسل تابعي، ولا يلتفت إلى سماعه من ذلك الصحابي، لأنه لم يسندها إليه. وإن روى التابعي حكاية جرت لصحابي غير مرفوعة فإن كان يمكنه إدراكها وحضورها، وقد علم سماعه من ذلك الصحابي، فهو متصل، بشرط أن لا يعرف الراوي بالتدليس، وإن لم يمكنه حضورها فهو منقطع، حتى وإن كان قد سمع من ذلك الصحابي صاحب القصة، إذ قد يكون سمع منه، لكن تلك القصة وقعت في وقت لا يمكنه السماع منه وحضور قصة له، وهو لم يسندها إليه رواية (١). وكثيراً ما يتفق أن يروي الراوي القصة في بعض الطرق حاكياً لها، وفي بعض الطرق يسندها إلى صاحب القصة، وهو يمكنه حضورها، وقد سمع من صاحبها، فمثل هذا متصل على كل حال، لكن ينظر ما هو المحفوظ من جهة قواعد الرواية واختلافها، هل الصواب أنه يحكيها هو، أو الصواب أنه يسندها عن صاحبها، أو كلاهما صواب؟

стр. 39

ومن أمثلة ذلك حديث ابن عمر، عن عمر أنه سأل رسول الله ﷺ : ((أينام أحدنا وهو جنب ... )) الحديث، وفي بعض طرقه عن ابن عمر ((أن عمر قال: يا رسول الله .... )) الحديث (١). وحديث أنس في قصة زواج عبدالرحمن بن عوف في أول الهجرة، فقد حكى القصة أنس، وأسندها أيضاً عن عبدالرحمن (٢). والذي دعاني إلى إفراد هذا الموضوع - وهو الفرق بين رواية الراوي عن الشخص وبين حكايته لقصته - بمبحث مستقل هو أنني رأيت بعض من يتكلم على الأحاديث لا يراعي هذا الفرق، فربما بحث عن سماع الراوي ممن فوقه وقصد الرواية عنه غير موجود، كما وقع للحاكم حين ذكر قصة رؤيا عبدالله بن زيد للأذان، من رواية سعيد بن المسيب، عن عبدالله بن زيد، فقد تكلم على إثبات سماع سعيد بن المسيب من عبدالله بن زيد (٣). وبصرف النظر عن مناقشة الحاكم في إثبات سماعه منه، فإن جعله من رواية سعيد، عن عبدالله بن زيد جاء في رواية محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد، لكن أصل الرواية حكاية سعيد للقصة مرسلة لا يسندها إلى عبدالله بن زيد، هكذا رواه الحفاظ من أصحاب الزهري، وهم معمر، وشعيب بن

стр. 40

أبي حمزة، ويونس بن يزيد (١)، فدل على أن في رواية ابن إسحاق تجوزاً وتسامحاً، وأن المقصود بها عن قصة عبدالله بن زيد. وأخرج الترمذي من طريق مالك بن مغول، عن عبدالرحمن بن سعيد بن وهب، أن عائشة ﵂ زوج النَّبِيّ ﷺ قالت: "سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾ ... " الحديث، ثم قال الترمذي: " وقد روي هذا الحديث عن عبدالرحمن بن سعيد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ نحو هذا " (٢). فعلق أحد الباحثين على كلام الترمذي هذا بأنه لم يقف عليه من حديث أبي هريرة، وإنما وقف عليه من رواية أبي هريرة، عن عائشة، وذكر في ذلك ما أخرجه ابن جرير من طريق عمرو بن قيس الملائي، عن عبدالرحمن بن سعيد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: "قالت عائشة: يا رسول الله ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾ ... " الحديث (٣). ولم ينتبه الباحث إلى أن هذا الحديث لأبي هريرة، وليس لعائشة، فهو يحكي قصتها، لا يرويها عنها. ولما ذكر أحد الباحثين حديث محمد بن عمرو الواقفي، عن محمد بن
следующие страницы →