المشوق إلى القرآن
التدبر: تجربةٌ تخوضها، ونعيمٌ تتذوقه
ومهما أخبروك عنه فلا بد أن تحياه بنفسك!
عمرو الشرقاوي
стр. 2
• زيت القرآن برَّاقٌ قابل للاشتعال، فإن اشتعل = فالخير لك!
فقط: افرك الحجر، أو اقدح الكبريت.
• للقرآن أسرار .. لا تظهر إلا بطولِ المصاحبة!
﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾
• من لم يكابد حقائق القرآن لهيبًا = يحرِّق باطن الإثم من نفسه، فلا حظَّ له من نوره!
стр. 3
مقدِّمة الإصدار الثاني
الحمدُ لله الذي أنزلَ على عبدهِ الكتاب، هدى وذكرى لأولي الألباب، وأوْدَعه من العجائب العجب العجاب، وجعله حاليًا بالأحرف السبعة وكمالِ الشرعة وفصل الخطاب، والصلاة والسلام على النبيِّ الأواب، مُبَلِّغِ الكتاب، وعلى الآل والأصحاب، صلاةً تدوم إلى يوم الحساب، ويكون لنا بها عند الله زلفى وحسنَ مئاب .. وبعد:
«المشوق إلى القرآن» عنوان كتابي الأول، وباكورة مشروع ﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ﴾ (١)!
стр. 4
وها أنا أرجع إليه مرة أخرى، محبًّا له، ناظرًا فيه، بعد أن نفدت طبعاته السابقة، وإني لأرجو أن يتقبله الله الكريم بقبول حسن، وأن ينفعني به يوم القيامة، وأن يجعله دالًّا على القرآن، ومرغبًا للناس في الإقبال عليه.
لم أُرد أن يبقى الكتاب على حالته الأولى، فأحببت أن يظهرَ بحلةٍ جديدة، ومظهرٍ ينفي عنه بعض ما وقع في إصداره الأول من هنات، وأخطاء، وكثير منها بسببي ومني، والله يغفر الذنب، ويرفع الخطأ والنسيان.
حاولتُ في هذا الإصدار الثاني للكتاب أن أعمل بما وصلني من ملاحظاتٍ كريمة حول إصداره الأول، وكان من عملي:
أولًا: صححتُ الأخطاء التي وقعت في الكتاب قدر الطاقة، وحذفت بعض المكرر.
стр. 5
ثانيًا: عزوتُ ما كنت غفلت عن عزوه في الإصدار السابق من الأحاديث، والآثار، والنقولات، وغيرها.
ثالثًا: عدَّلتُ ما احتاج إلى تعديل في العبارت، وميزت النقول بعلامات تنصيص مما تركته في الطبعات السابقة.
رابعًا: زدتُّ بعض الهدايات واللطائف تحت عنون: «أفياء»، وكنت قد أودعت بعضها في كتابي الآخر: «الدليل إلى القرآن».
خامسًا: زدتُّ مقالًا في الكتاب، وهو بعنوان: «يا ليتني أعطيت القرآن عمري»، وهو وإن لم يخرج عن محتوى المقالات المبثوثة في الكتاب، إلا أني رأيت إثباته لما أراه من فائدة التكرار لشريحة كبيرة من القراء.
سادسًا: لم أستطع التخلي عن النقلِ الكثيرِ الذي نقلته عن الشيخ الحبيب فريد الأنصاري ﵀، وكان هذا موضع مؤاخذة وعتاب من بعض الأحباب، وأنا أعلن أني أقبل العتاب في الرجل وكلامه، وأتمثل لهم بقول أبي ذؤيب (١):
وعيرها (٢) الواشون أني أحبها … وتلك شكاةٌ ظاهر عنك عارها
فإن أعتذر منها فإني مكذب … وإن تعتذر يردد عليها اعتذارها
لم أستطع اطراح ما نقلته عن الرجل، وعز عليَّ ذلك جدًّا، وهممت في مواضع أن أحذف النقل عنه، وكدت، ولم أفعل، والحمد لله أني لم أفعل، فرحمة الله علينا وعليه، وجزاه خير الجزاء وأوفاه، غير أني ميزت كلامه عن كلامي إما بالنص المباشر، وإما بجعله بين علامتي تنصيص.
стр. 6
سابعًا: (!) (١) هذه العلامة المظلومة تدعى علامة «التأثر» وهي مظلومةٌ بين العلامات، لأن الناس قصروا استعمالها على التعجب، وهي من أغنى العلامات، لأنها تتجاوب مع الحالات النفسية غير المحصورة، فتأمل!، وإلا فغضَّ الطرف، وأكمل مطالعتك.
وبعد:
هذا كتابي، حاولت أن أقيم ما فيه من عوج، فلينظر الناظر فيه بعين الرضا، فما هو إلا «مشوق»، أراد صاحبه أن يبعث في نفسك دافعًا للإقبال على كتاب ربك سبحانه وبحمده، فإن انتفعت به، فالحمد لله، وهذا من توفيقه، وإن «أملَّك»؛ فدعك منه، وأقبل أنت على كتاب الله محبًّا طالبًا للهدى والنور.
والله الصمد نسأله أن يوفقنا لفهم كتابه، وإحسان تلاوته ومحبته، وأن لا يسلبنا حلاوته والانتفاع به، وأن يجعله ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، وأن يجعله شفيعًا لنا، إنه الصمد الكريم، البر الرحيم.
وكتبه
عمرو الشرقاوي
سلخ ذي الحجة من عام (١٤٤٠) من الهجرة
وأعدت مراجعته في شهر ربيع الأول من عام (١٤٤٣)
стр. 7
مقدِّمة الإصدار الأول
هذه أوراقٌ متناثرة كتبت في أزمان متباعدة، بعضها وليد بحث، والآخر وليد خاطرة، غايتها تشويق الأنام إلى كلام الملك العلام، كتاب الله المجيد ذي الذكر، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
هذه رسالة إلى كل محب للكتاب ليزداد حبًّا، وإلى كل مبتعد ليزداد قربًا.
وما غرض هذا الكتاب إلا بعث الشوق في نفس القارئ ليقبل على كتاب الله تعالى، وقد ذكرتُ فيه من كلام أهل العلم، وحال السلف الكرام ما يبعث الهمة، ويقرب المسافة بيننا وبين الكتاب المحفوظ.
ونحن في هذا الزمان أحوج ما نكون لهذا القرآن، إنَّ القرآن شفاءٌ لما في الصدور، شفاءٌ لما في الصدور من شهوات وشبهات، «ففيه من البيِّنات ما يزيل الحق من الباطل، فيزيل أمراض الشبهة المفسدة للعلم والتصور والإدراك؛ بحيث يرى الأشياء على ما هي عليه.
وفيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب والقصص التي فيها عبرة؛ ما يوجب صلاح القلب، فيرغب القلب فيما ينفعه، ويرغب عما يضره،
стр. 8
فيبقى القلب محبًّا للرشاد مبغضًا للغي، بعد أن كان مريدًا للغي مبغضًا للرشاد» (١).
وإنَّ أحق ما توهب له الأعمار كتاب الله!
«وفي مَثَلٍ بليغ حق بليغ: أن نملة انطلقت في طريقها، عاقدةً عزيمتَها على حج بيت الله من أقصى الأرض! فقيل لها: (كيف تدركين الحج وإنما أنت نملة؟ إنَّك ستموتين قطعًا قبل الوصول!) قالت: (إذن أموت على تلك الطريق!).
وإن القرآن لهو بحق مشروع العمر، وبرنامج العبد في سيره إلى الله حتى يلقى الله، وما كان تنجيم القرآن (٢)، وتصريف آياته على مدى ثلاث وعشرين سنةً؛ إلا خدمةً لهذا المقصد الرباني الحكيم!
إنَّ نور القرآن لا يمتد شعاعه إلى الآخرين؛ إلا باشتعال قلب حامل كلماته، وتوهجه بحقائقه الإيمانية الملتهبة!
فيا شباب الأمة وأشبالها، هذا كتاب الله ينادي، وهذه الأمة تستغيث!
فمن ذا يبادر لحمل الرسالة؟ من ذا يكون في طليعة السفراء الربانيين، الحاملين لرسالات هذا الدين، إلى جموع التائهين والمحتارين هنا وهناك؟
من يفتح صدره لنور القرآن، فيقدح به أشواقَ العلم بالله والمعرفة به؟ عساه ينال شرفَ الخدمة في صفوف الإغاثة القرآنية، والإنقاذ لملايين الغرقى في مستنقعات الشهوات والشبهات؟
من يمد إلى رسول الله ﷺ يدًا غير مرتعشة؛ فيبايعه على أخذ الكتاب بقوة؟ ويقبض على جمر هذا الإرث الدعوي العظيم: رسالات القرآن؟
стр. 9
من يقول: (أنا لها يا رسول الله!) فيقوم بحقها ويَفِي بعهدها؟ ثم ينخرط في مسلك بلاغات الوحي، سيرًا على أثر الأنبياء والصديقين: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩]. فهل من عَبْدٍ - حَقَّ عَبْدٍ لله - يجعل حياتَه وقفًا على دين الله، يتلقى كلمات الله، ويُبَلِّغُ رسالاتِه! عسى أن يتحقق بولاية الله؛ فيفتح الله له، وعلى يديه! ﴿إِنَّ اللهَ بَالِغٌ أَمْرَهُ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]» (١).
وفي ختام هذه المقدمة، أسأل الله أن يتقبل هذا العمل بقبول حسن، وأن ينفع به، وأسأله أن يجزي كل من ساهم في إخراج هذا الكتاب على هذه الصورة خير الجزاء، وأن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور أبصارنا، وأن يرضى عنا، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
كتبه وجلًا، وحرره خجلًا
عمرو صبحي علي الشرقاوي
(amr.alsharqawi@gmail.com)
(@AmrAlsharqawi)
стр. 10
«فما أشدَّها من حسرة وما أعظمها من غَبْنة على من أفنى أوقاته في طلب العلم، ثم يخرج من الدنيا وما فهم حقائق القرآن، ولا باشر قلبه أسراره ومعانيه!»
ابن القيم
[بدائع الفوائد: (١/ ٣٣٨)]
стр. 11
وإنَّه لكتاب عزيز
كان الفضيل بن عياض شاطرًا (١) يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وكان سبب توبته أنَّه عشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تاليًا يتلو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِيْنَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوْبُهُم لذكر الله وما نزل من الحق﴾ … [الحديد: ١٦]، فلما سمعها، قال: بلى يا رب، قد آن! فرجع، فآواه الليل إلى خربة، فإذا فيها سابِلة (٢)، فقال بعضهم: نرحل، وقال بعضهم: حتى نصبح، فإن فضيلًا على الطريق يقطع علينا.
قال: ففكرت، وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين ها هنا يخافوني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام (٣).
هذه قصة توبة بسبب آية من كتاب الله، وبداية لفتح علاقة جديدة مع القرآن امتدت مع الفضيل بن عياض حتى مات، بل وَوَرَّثَها ولدَه قتيل القرآن
стр. 12
علي بن الفضيل (١)!
* القرآن هو كلام الله الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ ، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز.
إنَّ القرآن يستمد مجده، وعلو شأنه ورفعته، من عظمة وجلال من تكلم به، وهو الله .
ولا يليق بنا أن نبتعد عن مصدر الهدى والمجد كتاب الله ذي الذكر، فلا بد أن نتصالح مع القرآن.
إننا حين نعلن هذا التصالح، ونسير في الطريق إليه، فنحن حقًّا نسير في طريق إعادة التوازن والسكينة إلى الروح التي تسكن الأجساد!، وهذا أول طريق الإصلاح.
* وأول طريق التصالح مع القرآن أن تتحايل على نفسك بالإكثار من تلاوة القرآن، تلاوة لا كالتلاوات السابقة، تلاوة لا تنتظر فيها موعدًا، تلاوة لا تنشغل فيها بغير القرآن، إنَّ القرآن كتاب عزيز لا بد أن تعطيه أنفس ما تملك من أوقات، فأقبل عليه وإياك أن تبخل، ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه!
ولا بد أن تتخير أوقات التلاوة، وأجلها وقت اجتماع القلب!
* إنَّ لحزب الليل، وترتيل الكتاب في وقت اجتماع القلب = لقصة أخرى، إنَّ مما نعانيه من هذه المادية الطاغية قلب حقائق الكون، إنَّ الليل ليل،
стр. 13
والنهار نهار، فلتخل أيها السالك بكتاب ربك في ظلمة الليل، ولتقرأ ما تحفظه، ولتثوِّر القرآن، لتكن من الأمة القائمة التي تتلو كتاب ربها آناء الليل، فتسجد لمن هذا الكلام كلامه، فتقترب!.
* وثاني الطرق للتصالح: فهم القرآن، إنَّ الإنسان لن يلتذ بكلام لا يفهم معانيه، ولذا حث الله تعالى على تفهم القرآن، وإدراك حقائقه، ولا شك أن القلوب الحية تجري في مضمار المعاني القرآنية .. والقلوب المكبلة بالخطايا ما زالت تزحف في الخطوط الأولى!
ولكن .. لا تيأس.
مهما استمعتَ إلى القرآن أو قرأتَه فأنتَ آخذ في الاهتداءِ بتنقية المحل، وتبديد ظلمته واستبدال النور به، وتخليته من الران الذي أكسبتَه إياه بنفسك!
حتى إذا نقَّيتَ المحل وطهَّرتَه؛ كان الاهتداء بالقرآن بزيادة نور القلب، فيحصل التلذذ التام بحصول النور التام، ويحصل الاهتداء التام بعد زوال أثر المعصية زوالًا تامًّا!
لكنَّ أكثر الناس لا يعي أنَّه بحاجة إلى مجاهدة طويلة وصبر حتى يزيل أثر الغفلة والذنب من قلبه، ثم يستمتع بالقرآن والصلاة!
والفقيه حقًّا من يعي ذلك، ثم يجاهد نفسه لإصلاح المحل، وتنقيته، مهما طال به الزمان.
فاحرص أن تفقه القرآن، ولو عبر كتاب مختصر من كتب التفسير، لتكون من أولي الألباب.
* ومن طرق التصالح مع القرآن أن تعقد مع من تحب مجالس المدارسة، تلك المجالس التي يجلس فيها المتدارسون لينهلوا من فيض النور الذي يتلى في
стр. 14
المكان، « … وما اجتمع قوم في بيتٍ من بيوتِ الله، يتلون كتابَ الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده … » (١).
وفي هذه المجالس تظهر حقائق القرآن، ومن لم يكابد حقائق القرآن لهيبًا يحرِّق باطن الإثم من نفسه، فلا حظَّ له من نوره!
* إننا نحتاج إلى قوم يستجيبون لنداء الله، ويسلكون مسلك رسول الله، فيدخلوا في ابتلاءات القرآن المجيد؛ تخلقًا بأخلاقه، وتحققًا بمنهاجه، وتلقيًا لرسالاته، ثم بلاغها إلى سواد الأمة عبر مجالس القرآن ومدارساته، تدبرًا وتفكرًا!
فلنبدأ صحبة جديدة مع القرآن عسى أن نكون من أهله الذين هم أهل الله وخاصته.
* مثل!
«إنَّ أهم فصل في تعريف القرآن المجيد هو أنَّه: (كلام الله رب العالمين!).
وما كان لكلام الحي الذي لا يموت أن يبلى أو يموت! ولكن الذي يموت هو شعورنا نحن! والذي يبلى هو إيماننا نحن!
أما الوحي فهو عين الحياة!
وحقيقة (الوحي) هي أول صفة يجب أن نتلقى بها القرآن الكريم، وهي أهم جوهر يجب أن ننظر من خلاله إلى كلماته؛ بما هي كلمات الله رب العالمين!
стр. 15
ذلك أن كلام الله لا يتنزل على الرسل إلا وحيًا ..
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].
وهذا شيء مهم جدًّا! فكون القرآن (وَحْيًا) هو المعراج الرئيس الذي به يرتقي القارئ له إلى سماء القرآنية!
إنَّه المصطلح المفتاح الذي به يكتشف طبيعة القرآن، ويبصر نوره، ويتلقى حقائقه الإيمانية ورسالاته الربانية، ويشاهد شلالات الجمال والجلال، حية متدفقة من منابع القرآن!
إنَّ كون القرآن (وَحْيًا) ليس معنى تاريخيًّا فحسب؛ بل هو معنى مصاحب لطبيعته أبدًا! بمعنى أن صلة القرآن بالسماء هي صلة أبدية .. !
إنَّ المشكلة هي أنَّنا عندما نقرأ القرآن نربط الوحي فيه بذلك الماضي الذي كان! بينما الوحي نور حاضرٌ، وروح حي، يتدفق الآن في كل آيات القرآن، وينبع من تحت كل كلماته، شلالاتٍ من كوثر ثَجَّاجٍ!
لقد قُبِضَ رسولُ الله فانقطع الوحي التاريخي، أي انقطع فعل التنزيل الذي كان في الزمان والمكان، بواسطة الملاك جبريل ﵇، ولكن بقي الوحي القرآني، أو الوحي/ القرآن! والوحي هنا صفة اسمية من أسماء القرآن المجيد، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥] وقال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤].
وإنما سمي القرآن (وَحْيًا) لأنه نزل كذلك، قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ﴿الأنعام: ١٩].
стр. 16
فالوحي - كما ترى - له دلالتان: الوحي الحَدَثُ، أي النزول الخفي من السماء، وهو سبب النبوة، وهو الذي انقطع.
والوحي الصفة، وهو لا ينقطع أبدًا، وعليه سمي هذا القرآن المجيد (وَحْيًا).
وقد يقول قائل هذه حقائق بَدَهِيَّةٌ فَلِمَ العَنَاءُ؟ أقول: نعم؛ ولكننا ننساها فنضل الطريق إلى القرآن! ..
وإنَّما مشكلة أجيالنا المعاصرة أنها أضاعت بَدَهِيَّاتِهَا! حتى صرنا في حاجة إلى إعادة تقرير معنى (الدين) نفسه!
نعم! إنَّ تَلَقِّي القرآن بوصفه (وَحْيًا) هو المفتاح الأساس لاكتشاف كنوزه الروحية، والتخلق بحقائقه الإيمانية العظمى!
النور .. تلك هي طبيعة الوحي وصِبْغَتُهُ، وصفته الثابتة للقرآن، حقيقة جوهرية لا تنفك عنه .. والنور روحٌ، لكنه روحٌ يسري في كلمات القرآن بخفاء، وإنَّما المؤمنون وحدهم يبصرون جداوله الرقراقة، وهي تتدفق بالجمال والجلال!
ولكن كيف يكون هذا؟
لنعد إلى مثال النجم المذنَّب! .. إنَّ ذلك النَّيْزَكَ الناري الواقع من السماء إلى الأرض، ما يزال يحتفظ بأسرار العالم الخارجي الذي قَدِمَ منه!
إنَّه فِهْرِسْتٌ مكنون، لو تدبرته لوجدته يكتنز خريطةَ الكون كله! ويحتفظ من الأسرار ما عجزت عن إدراكه أحدث مراصد الفلك، وأعقد معادلات الرياضيات، وأحدث نظريات الفيزياء! .. إنَّه لم يفقد حرارته ولا طاقته قط!
وإنما حُجِبَ لهيبُه رحمةً بالناس، وتيسيرًا لهم، وتشجيعًا للسائرين في الظلمات على حمل قنديله الوهاج، والقبض عليه بأصابع غير مرتعشة، بل على احتضانه وضمه إلى القلب، نورًا متوهجًا بين الجوانح!
стр. 17
إنَّ مَثَلَ القرآن ومَثَلَ الناس في هذا الزمان، هو كثلاثة مسافرين تَاهُوا في الصحراء بليل مظلم! صحارى وظلمات لا أول لها ولا آخر .. !
فبينما هم كذلك إذ شاهدوا في السماء نجمًا مُذَنَّبًا لَاهِبًا، لم يزل يخرق ظلمات الأفق بنوره العظيم، حتى ارتطم بالأرض!
فافترقوا ثلاثتهم إزاءه على ثلاثة مواقف:
فأما أحدهما: فلم يُعِرْ لتلك الظاهرة اهتمامًا، بل رآها مجرد حركة من حركات الطبيعة العشوائية!
وأما الآخران: فقد هرعا إلى موقع النَّيْزَكِ فالتقطا أحجاره المتناثرة هنا وهناك .. وكانا في تعاملهما مع تلك الأحجار الكريمة على مذهبين:
فأما أحدهما: فقد أُعْجِبَ بالحجر؛ لِمَا وجد فيه من جمال وألوان ذات بريق، وقال في نفسه:
لعله يستأنس به في وحشة هذه الطريق المظلمة، ثم دسه في جرابه وانتهى الأمر!
وأما الآخر: فقد انبهر كصديقه بجمال الحجر الغريب! وجعل يقلبه في يده، ويقول في نفسه: لا بد أن يكون هذا المعدن النفيس القادم من عالم الغيب يحمل سِرًّا! لا يجوز أن يكون وقوعه على الأرض بهذه الصورة الرهيبة عبثًا! كلاَّ كلاَّ! لا بد أن في الأمر حكمةً ما! ثم جعل يفرك حجرًا منه بحجر، حتى تطاير من بين معادنه الشَّرَر .. ! وانبهر الرجل لذلك؛ فازداد فركًا للحجر، فازداد بذلك تَوَهُّجُ الشَّرَرِ ..
وجعلت حرارة معدنه تشتد شيئًا فشيئًا؛ حتى وجد ألم ذلك بين كفيه! بل جعلت الحرارة الشديدة تسري بكل أطراف جسمه، وجعل الألم يعتصر
стр. 18
قلبَه، ويرفع من وتيرة نبضه .. ! لكنه صبر وصابر، فقد كان قلبه - رغم الإحساس بالألم والمعاناة - يشعر بسعادة غامرة، ولذة روحية لا توصف! .. وما هي إلا لحظات حتى تحول الحجر الكريم بين يديه إلى مشكاة من نور عظيم!
ثم امتد النور منها إلى ذاته، حتى صار كل جسمه سَبِيكَةً من نور، وكأنه ثريا حطت سُرُجَهَا ومصابيحَها على الأرض! وجعل شعاع النور يفيض من قلبه الملتهب فيعلو في الفضاء، ويعلو، ثم يعلو، حتى اتصل بالسماء! ..
كان الرجل يتتبع ببصره المبهور حبل النور المتصاعد من ذاته نحو السماء، حتى إذا اتصل بالأفق الأعلى تراءت له خارطة الطريق في الصحراء! واضحة جلية، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك! ووقع في قلبه من الفرح الشديد ما جعله يصرخ وينادي صاحبيه معًا: أخويَّ العزيزين! .. هَلُمَّا إِليَّ! .. إِليَّ! لقد وجدت خارطة الطريق! .. لقد من الله علينا بالفرج! .. أخويَّ العزيزين! .. اُنْظُرَا اُنْظُرَا! .. هذا مسلك الخروج من الظلمات إلى النور! شَاهِدُوا شُعَاعَ النورِ المتدفق من السماء ..
إنه يشير بوضوح إلى قبلة النجاة! .. فالنجاةَ النجاةَ!
أما الذي احتفظ بقطعة من الحجر في جرابه فلم يتردد في اتباع صاحبه والاقتداء بهديه؛ لأنه كان يؤمن بأن لهذا المعدن الكريم سِرًّا!
ولقد أبصر شعاعه ببصيرة صاحبه، لا ببصيرة نفسه!
وأما الأوَّل الذي لم ير في النجم الواقع على الأرض شيئًا ذا بال؛ فإنه رغم نداء صاحبه له لم يبصر شيئًا من أمر الشعاع المتدفق بالهدى! لقد كان محجوبًا باعتقاده الفاسد، فلم تَعْكِسْ مِرْآةُ قلبِه الصَّدِئَةُ نورًا! ولذلك لم يصدق من
стр. 19
نداء صاحب النور شيئًا من كلامه، بل اتهمه بالجنون والهذيان! ومضى وحده يخبط في الصحراء، ضاربًا في تيه الظلمات!
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ!﴾ [النور: ٤٠].
ثم انطلق الرجلان المهتديان يسيران في طريق النور .. وإنما هما تابع ومتبوع، فالمتبوع داعية يرى بنور الله .. ويسير على بصيرة من ربه؛ بما كابد من نار الحجر وشاهد من نوره! والثاني مؤمن بالنور مصدق بدعوة صاحبه، يسير على خطاه وهديه ..
ولكنه يكابد في سيره عثرات من حين لآخر وهَنَاتٍ؛ وذلك بسبب ما يلقي إليه الشيطان من وساوس ومخاوف!
وليس لديه ما يدفع به كيد الشيطان إلا ما يتلقى عن صاحبه!
وبينما هما كذلك يسيران مطمئنين في طريقهما، إذ سأل الرجلُ التابعُ صاحبَه المتبوع فقال:
أناشدُك الله أن تخبرني كيف اكتشفت سر النور في هذا الحجر الكريم!
لكنَّ صاحب النور وجد أن اللغة عاجزة عن بيان حقيقة النور لصاحبه، فما كان منه إلا أن دس قطعة من الحجر الذي كان بين يديه في كف السائل؛ فصرخ الرجل من شدة حر الحجر الكريم والتهابه! وجعل يقلبه بين يديه ثم ألقاه بسرعة في كف صاحبه! لكن صاحب النور قبض عليه بيد ثابتة مطمئنة! فعجب منه رفيقه وقال: إنما أنت قابض على الجمر!
قال: نعم، هو كذلك! إنَّه القبض على الجمر! لكن لذة الروح بما يشاهد القلب من نور، وبما يجد من سعادة غامرة؛ ترفع عن الجسد الشعور بالألم،
стр. 20
وتمنع حدوث الاحتراق! وإنَّ نار الشوق والإيمان لهي أقوى ألف مرة ومرة من نار الكفر والفسوق والعصيان!
ولو وقعت الأولى على الثانية؛ لجعلتها سلامًا وأمانًا على قلب العبد المؤمن!
﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨ - ٧٠].
نعم يا رفيقي في طريق النور! إنَّ مكابدة القرآن في زمان الفتن، والصبر على جمره اللاَّهِبِ في ظلمات المحن؛ تلقيًّا، وتزكيةً، وتدارسًا، وسيرًا به إلى الله في خلوات الليل؛ هو وحده الكفيل بإشعال مشكاته، واكتشاف أسرار وحيه، والارتواء من جداول روحه، والتطهر بشلال نوره .. النور المتدفق بالحياة على قلوب المحبين، فيضًا ربانيًّا نازلًا من هناك، من عند الرحمن، الملك الكريم الوهاب!
فتدبر يا صاح هذا المشهد القرآني الجليل! في بيان حقيقة تَلَقِّي محمد ﷺ للوحي عن الملَك العظيم جبريل ﵇، حيث تلقَّى عنه ما تلقَّى من قرآن كريم، وحيًا من الله رب العرش العظيم، وشاهدَ ما شاهدَ خِلالَ ذلك من حقائق إيمانية، ومنازل روحانية، ضاربة في عمق الغيب الأعلى!
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى* مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى* وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى* عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى* ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى* وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى* ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى* فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى* فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى* مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى* أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى* وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى* عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى* عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى* إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى* مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى* لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١ - ١٨].
стр. 21
ذلك هو القرآن الوحي! إنه حجر كريم، بل إنه نجم عظيم وقع على الأرض! ولم يزل معدنه النفيس يشتعل بين يدي كل من فركه بقلبه، وكابده بروحه، تخلقًا وتحققًا! حتى يرتفع شعاعُه عاليًا، عاليًا في السماء، دالًّا على مصدره وأصله، هناك بموقعه الأعلى في مقام اللوح المحفوظ! ومشيرًا مِنْ عَلُ ببرقه العظيم إلى باب الخروج .. ! فهنيئًا لمن تمسك بحبله، واتصل قلبُه بتياره، وتزود من رقراق أسراره، ثم مشى على الأرض في أمان أنواره!
نعم! ذلك هو القرآن الوحي، الذي يصل قارئَه وَحْيًا بملأ السماء مباشرةً .. من أول كلمة يقرؤها! فإذا به يطل على عالم الشهادة من شرفات عالم الغيب! بصائر قرآنية واضحة ومشاهدات لا يضام في حقائقها شيئًا! بصائر ومشاهدات لا تلبيس فيها ولا تدليس، ولا خرافة ولا تخرصات! وإنما هو نور الفرقان! قال ﷻ : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام: ١٠٤].
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩].
نعم! ذلك هو القرآن الوحي! .. فمن يفرك جمره؟ ومن يقتبس من حر آياته نورَه؟ فعسى أن يترقى في معراجه إلى مقام الروح الأعلى! وعساه يكون بذلك من المبصرين؛ فيشاهد خارطة الطريق .. !
أيها القابضون على الجمر .. !
أيها المراقبون لنيزك السماء .. !
إنه وَحْيٌ .. فَتَعَرَّضُوا لَهُ!
стр. 22
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
ذلك، وإنما الموفَّق من وفقه الله .. » (١).
стр. 23
«وبعد فالقرآنُ نورٌ مشرق … حاملُه مسددٌ موفق
وجاء عن سيدنا محمد … ذي الفضل والفخر الرسولِ المرشدِ
في فضلِ حفَّاظ القران المهرَة … أنَّهم مع الكرام السفرة
لأنَّه في صحفٍ مطهرة … وهي بأيدهم كما قد ذكره
فالحافظُ المتقنُ قد ساوى الملَك … فاستعمل الجدَّ فمن جدَّ مَلَك»
السخاوي
[هداية المرتاب]
стр. 24
مقدمات أساسية في تاريخ القرآن العزيز
وإن كتابَ الله أوثقُ شافعٍ .. وأغنى غناء واهبًا متفضلا
وخيرُ جليسٍ لا يملُّ حديثُه .. وتردادُه يزدادُ فيه تجملا
لا يخفى على القارئ الكريم ما لتاريخ القرآن المجيد من أهمية كبرى تتمثل في تثبيت المؤمن على إيمانه، وردِّ الشاكِّ عن شكِّه، ولن أطيل في هذه المقدمة، لأدخل إلى أصل الموضوع، وهو عبارة عن مقدمات وصفية لتاريخ القرآن المجيد، هدفها كسر قشرة عدم التصور لمراحل نقل القرآن المجيد، إلى عصر استقرار القراءات (١).
المقدمة الأولى: تعريف القرآن
القرآن هو: «كلام الله المنزل على نبيه محمد ﷺ ، المتعبد بتلاوته، المعجز بأقصر سورة منه».
стр. 25
ومما ينبغي الانتباه إليه في تعريف القرآن، أنَّه قد زيد فيه عبر التاريخ ما زيد، فلم يكن الصدر الأول بحاجة في تعريف القرآن بأنه غير مخلوق - مثلًا -، إذ لم يكن هذا الاعتقاد قد ظهر بعد، فلما ظهر زِيد في التعريف، ولا حرج فيه.
وهناك فروق متعددة بين القرآن وغيره من الكتب، ومنها:
١ - أن الله تعالى قد تكفل بحفظ القرآن بخلاف غيره من الكتب، قال تعالى في شأن القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أما غيره من الكتب فكما قال الله : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللّهِ﴾ [المائدة: ٤٤].
لذا فإن القرآن المجيد لا يتطرق إليه التحريف اللفظي، أما التحريف المعنوي (تحريف المعاني) فقد وقع.
٢ - تيسير حفظه وتلاوته، بخلاف غيره من الكتب السابقة.
كما قال سبحانه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِئَايَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ ٤٩﴾ [العنكبوت: ٤٩]، قال ابن كثير: «هذا القرآن آيات بينة واضحة في الدلالة على الحق، أمرًا ونهيًا وخبرًا، يحفظه العلماء، يسره الله عليهم حفظًا وتلاوةً وتفسيرًا، كما قال تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ [القمر: ١٧]﴾ (١).
стр. 26
المقدمة الثانية: القرآن الكريم في العهد المكي
كان أول ما نزل من القرآن على النبي ﷺ خمس آيات من أول سورة العلق، ثم فتر الوحي، ونزلت أوائل سورة المدثر، وتتابع نزول القرآن على النبي ﷺ فيما عُرف بعدُ بالقرآن المكي، وهو ما نزل قبل الهجرة.
وكان النبي ﷺ يعلِّم أصحابه القرآن في مكة، وكان بعضهم يكتب القرآن.
المقدمة الثالثة: القرآن الكريم في العهد المدني
لما نزل النبي ﷺ المدينة وأقام المسجد، كانت تلاوة القرآن من الأمور المشهورة المنتشرة، وهناك مظاهر كثيرة للاعتناء النبوي بإيصال القرآن إلى الصحابة، ومن ذلك:
١ - إسماعهم القرآن في الصلاة، والخطب، بل إنَّ بعضهم أخذوا بعض السور من كثرة ترداد النبي ﷺ لها في الجمعة كسورة (ق والقرآن المجيد) (١).
٢ - ترتيب الأجر على تلاوة القرآن عامة، وبعض السور خاصة، كالزهراوين (٢).
стр. 27
٣ - الأخذ الخاص على النبي ﷺ ، كقراءة ابن مسعود وزيد بن ثابت وغيرهما عليه.
وقد كان النبي ﷺ هو المرجع في الاختلاف، لذا لم يكن ثم خلاف في القرآن، بل لما حصل خلاف في الأحرف، زال بالرجوع إلى النبي ﷺ ، وهناك آثار مشهورة في هذا الموضوع.
٤ - وظهرت آثار هذه العناية على الصحابة، فكان ابن مسعود، يقول في بني إسرائيل (١)، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء: «إنهنَّ من العِتَاق الأُوَل، وهنَّ من تِلادي» (٢)، أي: من محفوظي القديم.
بل ظهرت طبقة خاصة سمُّوا فيما بعد بالقراء، وهم الذين استحرَّ (٣) بهم القتل في اليمامة، فجمع الصِّدِّيقُ القرآن.
وفي هذه الفترة ظهرت طبقة كتاب الوحي، فكان النبي ﷺ إذا نزل شيء من القرآن دعا كاتبًا من كتاب الوحي فكتب له.
ومن كتاب الوحي: (عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان) ﵃.
وكان الصحابة يكتبون القرآن في الأدوات المتاحة لهم، كاللخاف، والرقاع، والأقتاب، والأكتاف (٤).
стр. 28
وخلاصة القول أنَّ تلك الفترة تميزت بالآتي:
١ - أنَّ القرآن كتب في عهد النبي ﷺ .
٢ - أنَّه كان مفرقًا في عدد من الأدوات.
٣ - أنَّ الحاجة لم تدع إلى جمعه في مصحف واحد، سيما مع وجود زيادة، ووقوع نسخ، ونحو ذلك.
المقدمة الرابعة: القرآن في عهد الصِّدِّيق ﵁
- روى البخاري قصة جمع القرآن في عهد الصِّدِّيق ﵁، والسبب الذي دعا إليه: أن القتل استحر بالقراء يوم اليمامة، وخُشي أن يذهب كثير من القرآن (١).
- فأشار عمر على أبي بكر ﵄ بجمع القرآن، وعرض أبو بكر الفكرة على زيد الذي وافق عليها بعد تردد.
- وقد كان زيد شابًّا، عاقلًا، وكان يكتب الوحي للنبي ﷺ ، وهذه الصفات أهلته للمهمة.
- فتتبع زيد القرآن يجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وغيرها، وصدور الرجال، حتى تم الأمر على مرأى من الصحابة ومسمع على أدق وجوه البحث والتحري، وأسلم أصول التثبت العلمي.
- ولم يُستفد مما جمعه الصديق ﵁ استفادة مباشرة في عهده، وعهد عمر ﵄، إذ القصد من الجمع حفظ القرآن، والأصل في التلقي المشافهة والأخذ من صدور الرجال.
стр. 29
وتمت الاستفادة منه في عهد عثمان ﵁ في جمعه للقرآن.
- ولم يلزم الصديق ولا الفاروق أحدًا بما جمع، بل كان الصحابة يقرؤون كما أقرأهم النبي ﷺ ، وهناك عدة آثار تدل على هذا الأصل.
المقدمة الخامسة: القرآن في عهد عثمان ﵁
- حصل اختلاف مَا حول القرآن في عصر عثمان ﵁ في القرآن، ففزع حذيفة إلى عثمان فأخبره الخبر، ومما يظهر أن الاختلاف كان في المرسوم، وأن هؤلاء الذين دخلوا حديثًا في الإسلام انطلقوا من المرسوم لا من المحفوظ!.
- فأرسل عثمان إلى حفصة بنت عمر ﵃ لترسل له مصحف أبي بكر لينسخه.
- والظاهر من النصوص أن مصحف عثمان كان موافقًا لمصحف أبي بكر في الترتيب وما إلى ذلك خلافًا لمن زعم غيره، ولذا فإنَّ مصحف أبي بكر ﵁ لم يحرق إذ لا مخالفة بينه وبين مصحف عثمان.
- وانتدب لذلك العمل، زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقيل: كان معهم غيرهم من الصحابة.
وطلب إليهم أن يثبتوا لسان قريش إذا اختلفوا في الرسم.
- وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.
- ولا يعلم على اليقين عدد المصاحف التي نسخها عثمان ﵁، وإن كان الأكثر ورأي الجمهور على كونها ستة.
стр. 30
تنبيهات:
١ - عمل عثمان ﵁ لا يتعلق بالمقروء، وإنما يتعلق بالمرسوم، فانتبه إلى هذه الفائدة، فإنها تحل لك مغاليق كثيرة!
٢ - القول بأن عثمان ﵁ أخلى المصاحف من النقط لتحتمل القراءات، قول غير صحيح، لأن النقط لم يكن مشتهرًا في الكتابة عند الصحابة والتابعين، فكيف يقال أنهم تركوه؟!!
المقدمة السادسة: مرحلة ما بعد جمع عثمان ﵁
- أرسل عثمان ﵁ المصاحف إلى الأقطار.
- وبعد ذلك ظهر المختصون بالإقراء كالأئمة الذين أرسلهم عثمان، وكأبي عبد الرحمن السلمي، وزر بن حبيش، وغيرهم ممن تنتهي إليهم أسانيد القراء (١).
- وبعد هذه المرحلة ظهرت مرحلة الاختيار في القراءات، فتسبيع السبعة مع الإمام أبي بكر بن مجاهد، أو جعلهم ثمانية، فعشرة على تفصيل يعلم في مظانه.
- وأصبح علم القراءات من العلوم القائمة بنفسها، ولها متونها، وطرق تحصيلها، والعلوم الأخرى الخادمة لها، والمحتفة بها.
стр. 31
المقدمة السابعة: في قواعد عامة
- أي طعن يوجه للقرآن من جهة عربيته من طاعن متأخر عن أبي جهل، وأبي لهب وأضرابهم، فاعلم أنَّه باطل في ذاته؛ إذ لو كان صحيحًا لما غفل عنه هؤلاء الأعداء، وهم أبصر الناس باللغة، وأحرصهم على الطعن في القرآن.
- لم تسقط كلمة من القرآن، فالخلاف في (تجري من تحتها) و (تجري تحتها) لا يوجب القول بأن القرآن سقط منه شيء؛ لأن من قرأ (تجري تحتها) قرأ قرآنًا كاملًا، ومن قرأ (تجري من تحتها) قرأ قرآنًا كاملًا، فهو من اختلاف التنوع.
- وصل القرآن إلينا، بلغته الأصلية التي كان عليها، فلم يتعرض لما قد تتعرض له الترجمة، من اختلاف، وكونها عرضة للاشتباه في الفهم، ونحو ذلك.
وقد نقل إلينا بالمشافهة، وتداوله عدد كبير من الناس، ودون في زمان النبي ﷺ ، وجمع بعده بين دفتين بعد مدة وجيزة جدًّا.
وإنَّ المطلع على المخطوطات الموجودة للمصحف الشريف، والتي هي عتيقة، وترجع إلى العصور الأولى من نزول القرآن، يعلم كم أن الله تعالى قد أحاط القرآن بعناية خاصة، لئلَّا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه تنزيل من حكيم حميد (١)(٢).
стр. 32
القرآن «لا تزيده تلاوته إلا حلاوة، ولا ترديده إلا محبة، ولا يزال غضًّا طريًّا، وغيره من الكلام، ولو بلغ في الحسن والبلاغة مبلغه، يُمل مع الترديد، ويعادى إذا أعيد، لأنَّ إعادة الحديث على القلب أثقل من الحديد، وكتابنا بحمد الله يُستلذ به في الخلوات، ويُؤنس به في الأزمات»
السيوطي
[معترك الأقران: (١/ ١٨٤)]
стр. 33
قبل البدء!
تداوى .. طبٌّ مجرب، وطبيبٌ خريت!
سئل شيخ الإسلام ﵀ وأثابه الجنة:
ما دواء من تحكم فيه الداء، وما الاحتيال فيمن تسلَّط عليه الخبال، وما العمل فيمن غلب عليه الكسل، وما الطريق إلى التوفيق، وما الحيلة فيمن سطت عليه الحيرة؟
إن قصد التوجه إلى الله منعه هواه، وإن رام الادِّكار غلب عليه الافتكار، وإن أراد يشتغل لم يطاوعه الفشل.
غلبَ الهوى فتراه في أوقاتِه … حيران صاحي بل هو السكران
إن رام قربًا للحبيبِ تفرَّقت … أسبابه وتواصلَ الهجران
هجر الأقارب والمعارف علَّه … يجد الغنى وعلى الغناء يعان
ما ازداد إلا حيرة وتوانيًا … أكذا بهم من يستجير يهان
فأجاب:
دواؤه الالتجاء إلى الله تعالى، ودوام التضرع إلى الله سبحانه، والدعاء بأن يتعلم الأدعية المأثورة، ويتوخَّى الدعاء في مظانِّ الإجابة؛ مثل آخر الليل، وأوقات الأذان والإقامة، وفي سجوده، وفي أدبارِ الصلوات.
стр. 34
ويضمُّ إلى ذلك الاستغفار؛ فإنَّه من استغفر الله ثم تاب إليه متَّعه متاعًا حسنًا إلى أجل مسمى.
وليتخذ وردًا من الأذكار طرفي النهار ووقت النوم، وليصبر على ما يعرض له من الموانع والصوارف، فإنه لا يلبث أن يؤيده الله بروح منه، ويكتب الإيمان في قلبه.
وليحرص على إكمال الفرائض من الصلوات الخمس بباطنه وظاهره، فإنَّها عمود الدين.
ولتكن هجيراه: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، فإنَّه بها يحمل الأثقال، ويكابد الأهوال، وينال رفيع الأحوال.
ولا يسأم من الدعاء والطلب، فإن العبد يستجاب له ما لم يعجل فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي.
وليعلم أنَّ النصر مع الصبر، وأنَّ الفرج مع الكرب، وأنَّ مع العسر يسرًا، ولم ينل أحد شيئًا من جسيم الخير - نبي فمن دونه - إلا بالصبر، والحمد لله رب العالمين (١).
«واعلم أنَّ من أكثر من ذكر شيء وإن كان تكلفًا أحبه، فكذلك أول الذكر متكلف إلى أن يثمر الأنس بالمذكور والحب له، ثم يمتنع الصبر عنه آخرًا فيصير الموجب موجبًا والثمر مثمرًا.
وهذا معنى قول بعضهم: (كابدتُّ القرآن عشرين سنة، ثم تنعمتُ به عشرين سنة).
стр. 35
ولا يصدر التنعيم إلا من الأنس والحب، ولا يصدر الأنس إلا من المداومة على المكابدة والتكلف مدة طويلة حتى يصير التكلف طبعًا، فكيف يستبعد هذا وقد يتكلف الإنسان تناول طعام يستبشعه أولًا ويكابد أكله ويواظب عليه = فيصير موافقًا لطبعه حتى لا يصبر عنه فالنفس معتادة متحملة لما تتكلف، هي النفس ما عودتَّها تتعود» (١).
«فإذا أردتَّ الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألقِ سمعك واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفًا على مؤثر مقتض، ومحل قابل، وشرط لحصول الأثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجزِ لفظ وأبينه وأدله على المراد فقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾، أشار إلى ما تقدم من أول السورة إلى ههنا، وهذا هو المؤثر، وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ فهذا هو المحل القابل، والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٦٩ - ٧٠]، أي: حي القلب.
وقوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ أي: وجه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له، وهذا شرط التأثر بالكلام.
وقوله: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي: شاهد القلب حاضر غير غائب، استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم ليس بغافل ولا ساه، وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له، والنظر فيه وتأمله.
стр. 36
فإذا حصل المؤثِّر؛ وهو القرآن، والمحل القابل؛ وهو القلب الحي، ووجد الشرط؛ وهو الإصغاء، وانتفى المانع؛ وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب، وانصرافه عنه إلى شيء آخر= حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر» (١).
стр. 37
«إنما الآية مثلُ التمرة كلما مضغتها استخرجتَ حلاوتها»
بشر بن السري
[البرهان في علوم القرآن: (١/ ٤٧١)]
стр. 38
تعاهدوا القرآن
جاء الحث من الله تعالى لنبيه ﷺ على الاستمساك بالكتاب، وهو مستلزم للتعاهد، قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣].
وجعله الله تعالى شارة المصلحين، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠].
وحضَّ النبي ﷺ على الاستمساك بالكتاب، تلاوةً، ومدارسةً، وجاء هذا الحض في صور متعددة منها صورة الحث بلفظ التعاهد:
فعن أبي موسى، عن النبي ﷺ ، قال: «تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها» (١).
وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إنما مثلُ صاحب القرآن، كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهدَ عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت» (٢).
стр. 39
والقيام بالكتاب سبيل للتعاهد، وفي رواية مسلم: «وإذا قامَ صاحبُ القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه» (١).
وصاحبُ القرآن: أي الذي ألفه، والمؤالفة المصاحبة وهو كقوله: أصحاب الجنة (٢).
والقرآن كتاب عزيز له أسرار لا تظهر إلا بطول المصاحبة، فكلما ازدادت صحبة المرء مع القرآن = ازداد معرفة بأسراره، وآياته وبيناته.
وإنما ذكر الإبل وخصها = لأنها أشد الحيوان الإنسي نفورًا، وفي تحصيلها بعد استمكان نفورها صعوبة (٣).
والقرآن أشد تفصيًا من صدور الرجال من النَّعَم (٤)، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «بئسما لأحدهم يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسي. استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم بعقلها» (٥).
وسبب الذم ما فيه من الإشعار بعدم الاعتناء بالقرآن، إذ لا يقع النسيان إلا بترك التعاهد وكثرة الغفلة، فلو تعاهده بتلاوته والقيام به في الصلاة لدام حفظه وتذكره.
فإذا قال الإنسان نسيت الآية الفلانية فكأنَّه شهد على نفسه بالتفريط فيكون متعلق الذم ترك الاستذكار والتعاهد لأنه الذي يورث النسيان (٦).
стр. 40
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ لله أهلين من الناس»، قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: «أهلُ القرآن هم أهل الله وخاصته» (١).
وفي هذا الحديث بيانٌ لمنزلة حفاظ القرآن والعاملين به والداعين إليه، وهم أولياء الله والمختصون به اختصاص أهل الإنسان به.
فهل تريد أن تكون من أهل الله؟! دونك الكتاب فانهل.
ومن حثه ﷺ على التعاهد مرغبًا فيه؛ بيان منزلة صاحب القرآن في الآخرة كما جاء عن عبد الله بن عمرو ﵁، عن النبي ﷺ قال: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتِّل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها» (٢).
ففي هذا الحديث بيان لمنزلة صاحب القرآن الذي كان في الدنيا يلازم القرآن بالتلاوة والعمل، فيقال له عند دخوله الجنة: اقرأ واصعد في درجات الجنة، واقرأ بالترتيل ولا تستعجل بالقراءة كما كنت ترتل في الدنيا من تجويد الحروف ومعرفة الوقوف (٣).
وعن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين البقرة، وسورة