فإذا حصل المؤثِّر؛ وهو القرآن، والمحل القابل؛ وهو القلب الحي، ووجد الشرط؛ وهو الإصغاء، وانتفى المانع؛ وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب، وانصرافه عنه إلى شيء آخر= حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر» (١).
стр. 37
«إنما الآية مثلُ التمرة كلما مضغتها استخرجتَ حلاوتها»
بشر بن السري
[البرهان في علوم القرآن: (١/ ٤٧١)]
стр. 38
تعاهدوا القرآن
جاء الحث من الله تعالى لنبيه ﷺ على الاستمساك بالكتاب، وهو مستلزم للتعاهد، قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣].
وجعله الله تعالى شارة المصلحين، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠].
وحضَّ النبي ﷺ على الاستمساك بالكتاب، تلاوةً، ومدارسةً، وجاء هذا الحض في صور متعددة منها صورة الحث بلفظ التعاهد:
فعن أبي موسى، عن النبي ﷺ ، قال: «تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها» (١).
وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إنما مثلُ صاحب القرآن، كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهدَ عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت» (٢).
стр. 39
والقيام بالكتاب سبيل للتعاهد، وفي رواية مسلم: «وإذا قامَ صاحبُ القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه» (١).
وصاحبُ القرآن: أي الذي ألفه، والمؤالفة المصاحبة وهو كقوله: أصحاب الجنة (٢).
والقرآن كتاب عزيز له أسرار لا تظهر إلا بطول المصاحبة، فكلما ازدادت صحبة المرء مع القرآن = ازداد معرفة بأسراره، وآياته وبيناته.
وإنما ذكر الإبل وخصها = لأنها أشد الحيوان الإنسي نفورًا، وفي تحصيلها بعد استمكان نفورها صعوبة (٣).
والقرآن أشد تفصيًا من صدور الرجال من النَّعَم (٤)، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «بئسما لأحدهم يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسي. استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم بعقلها» (٥).
وسبب الذم ما فيه من الإشعار بعدم الاعتناء بالقرآن، إذ لا يقع النسيان إلا بترك التعاهد وكثرة الغفلة، فلو تعاهده بتلاوته والقيام به في الصلاة لدام حفظه وتذكره.
فإذا قال الإنسان نسيت الآية الفلانية فكأنَّه شهد على نفسه بالتفريط فيكون متعلق الذم ترك الاستذكار والتعاهد لأنه الذي يورث النسيان (٦).
стр. 40
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ لله أهلين من الناس»، قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: «أهلُ القرآن هم أهل الله وخاصته» (١).
وفي هذا الحديث بيانٌ لمنزلة حفاظ القرآن والعاملين به والداعين إليه، وهم أولياء الله والمختصون به اختصاص أهل الإنسان به.
فهل تريد أن تكون من أهل الله؟! دونك الكتاب فانهل.
ومن حثه ﷺ على التعاهد مرغبًا فيه؛ بيان منزلة صاحب القرآن في الآخرة كما جاء عن عبد الله بن عمرو ﵁، عن النبي ﷺ قال: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتِّل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها» (٢).
ففي هذا الحديث بيان لمنزلة صاحب القرآن الذي كان في الدنيا يلازم القرآن بالتلاوة والعمل، فيقال له عند دخوله الجنة: اقرأ واصعد في درجات الجنة، واقرأ بالترتيل ولا تستعجل بالقراءة كما كنت ترتل في الدنيا من تجويد الحروف ومعرفة الوقوف (٣).
وعن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين البقرة، وسورة
стр. 41
آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنَّهما فرقَان من طير صواف، تحاجَّان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإنَّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلَة» (١).
فالعجب ممن يعلم هذه الفضائل، ثم هو يبحث عن الشفاء في غير الكتاب، يا هذا! هذا كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، فأقبل على كتاب ربك، أقبل عليه قبل أن تتحسر!
وعن جبير بن نفير، قال: سمعت النواس بن سمعان الكلابي، يقول: سمعت النبي ﷺ ، يقول: «يؤتَى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة، وآل عمران»، وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد، قال: «كأنهما غمامتان، أو ظلتان سوداوان بينهما شَرْق (٢)، أو كأنهما حِزْقان من طير صواف، تحاجَّان عن صاحبهما» (٣).
فالقرآن يشفع لأصحابه وخاصته، المؤمنين به والملازمين لتلاوته، والعاملين بتعاليمه.
ومن ذلك شحذه ﷺ للهمم بمعاهدة القرآن واغتباط صاحبه، فعن عبد الله بن عمر ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا حسدَ إلا على اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب، وقام به آناء الليل، ورجل أعطاه الله مالًا، فهو يتصدق به آناء الليل والنهار» (٤).
стр. 42
وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «لا حسدَ إلا في اثنتين: رجل علَّمَهُ الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل، وآناء النهار، فسمعه جار له، فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالًا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل» (١).
«ومضمون هذين الحديثين أنَّ صاحب القرآن في غبطة، وهي حُسْنُ الحال، فينبغي أن يكون شديد الاغتباط بما هو فيه، ويستحب تغبيطه بذلك، يقال: غَبَطَه يَغْبِطُهُ غبطًا؛ إذا تمنَّى مثل ما هو فيه من النعمة، وهذا بخلاف الحسد المذموم، وهو تمنِّي زوال نعمة المحسود عنه، سواء حصلت لذلك الحاسد أو لا، وهذا مذموم شرعًا مهلك، وهو أول معاصي إبليس حين حسد آدم ما منحه الله تعالى من الكرامة والاحترام والإعظام.
والحسد الشرعي الممدوح هو تمنِّي حال مثل ذاك الذى هو على حالة سارة، ولهذا قال ﵇: (لا حسد إلا في اثنين)، فذكر النعمة القاصرة وهو تلاوة القرآن آناء الليل والنهار، والنعمة المتعدية وهي إنفاق المال بالليل والنهار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩]» (٢).
وقد ضرب النبي ﷺ أروع الأمثال لإيضاح المقاصد، دافعًا إلى المداومة على قراءة القرآن، ومن ذلك ما جاء عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، ريحها طيب
стр. 43
وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثلُ المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر» (١).
في هذا الحديث حض على تعاهد القرآن، بتشبيه معقول بمحسوس، فلما كان طيب المطعم وطيب الرائحة في النفس المؤمنة عقليين وكانت الأمور العقلية لا تبرز عن موصوفها إلا بتصويرها بصورة المحسوس المشاهد، شبه ﷺ بالأترجة الموجود فيها ذلك حسًّا تقريبًا للفهم والإدراك، فطيب المطعم في النفس المؤمنة الإيمان لأنه ثابت في النفس هي به طيبة الباطن كثبوته في الأترجة، والطيب الرائحة فيه يرجع إلى قراءته القرآن لأن القراءة قد يتعدى نفعها إلى الغير فينتفع بها المستمع، كما أن طيب رائحة الأترجة تتعدى وينتفع بها المستروح، أي الشَّام.
والمراد بقوله: (يقرأ القرآن): بصيغة المضارع الدوام والاستمرار على تلاوته؛ لأن المقصود من حفظ القرآن تعاهده بكثرة التلاوة للوقوف على أسرار معانيه، والاتعاظ بكريم مواعظه، والعمل بشريف أوامره ونواهيه (٢).
وعن عقبة بن عامر، قال: خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصفة، فقال: «أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان، أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كَومَاوَينِ في غير إثمٍ، ولا قطع رحم؟»، فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك، قال: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم، أو يقرأ آيتين من كتاب الله ، خير له
стр. 44
من ناقتين، وثلاثٌ خير له من ثلاث، وأربعٌ خير له من أربع، ومن أعدادِهنَّ من الإبل» (١).
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خَلِفَات عظامٍ سمانٍ؟» قلنا: نعم، قال: «فثلاث آيات يقرأ بهنَّ أحدكم في صلاته، خير له من ثلاث خَلِفَات عظامٍ سمانٍ» (٢).
ففي هذين الحديثين حثه ﷺ على المداومة على قراءة القرآن، بقوله: (كل يوم)، وترغيبه ﷺ بقوله: (ومن أعدادهن من الإبل) محفزًا على كثرة القراءة، وكذلك القراءة في الصلاة، وهو أسلوب تربوي فريد في توجيه اهتمامهم إلى الكنز الحقيقي وهو القرآن الكريم (٣).
فترى - أراك الله الخير - أن النبي ﷺ حث على صورٍ من التعاهد، وهي: التعاهد العام في كل وقت، وقراءته في الليل، وخاصة في صلاة الليل، وقراءته في النهار.
وقد كان النبي ﷺ يتعاهد القرآن العظيم، بعدد من أنواع التعاهد، ومن ذلك:
• معارضة الملك!
والعرضة من العرض، والمقصود بها: مدارسة جبريل ﵇ القرآن مع النبي ﷺ ، فعن عائشة قالت: أخبرني [أي: رسول الله ﷺ ] «أنَّ جبريل كان
стр. 45
يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين، وإنَّه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري؛ فإنه نعم السلف أنا لك» (١).
وعن فاطمة ﵂ قالت: أسر إلي رسول الله ﷺ : «إنَّ جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنَّه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضرَ أجلي، وإنَّك أول أهل بيتي لحاقًا بي» (٢).
وعن ابن عباس ﵁: «أن رسول الله ﷺ كان يعرض القرآن في كل رمضان مرة إلا العام الذي قبض فيه؛ فإنه عرض عليه مرتين بحضرة عبد الله (أي: ابن مسعود) فشهد ما نسخ منه، وما بدل» (٣)، وعن مجاهد، عن ابن عباس قال: «أي القراءتين ترون كان آخر القراءة؟» قالوا: «قراءة زيد»، قال: «لا، إنَّ رسول الله ﷺ كان يعرض القرآن كل سنة على جبريل فلما كانت السنة التي قبض فيها، عرضه عليه عرضتين، فكانت قراءة ابن مسعود آخرهن» (٤).
وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: «عرض القرآن على رسول الله ﷺ عرضات، فيقولون: إنَّ قراءتنا هذه هي العرضة الأخيرة» (٥).
فهذه المعارضة نوع من أنواع التعاهد للكتاب المجيد، وفيها كان النبي ﷺ يجدد العهد بالكتاب مع أمين الوحي ذي القوة جبريل ﵇.
وقد استُفِيدَ منه: أن يكون لحفظ القرآن معارضة سنوية للقراءة على المشايخ
стр. 46
المتقنين، أو معارضة ثانية بعد ختم القرآن حفظًا، وتزداد عدد مرات المعارضة بحسب حال الطالب، وأفضل أوقاتها في شهر رمضان تأسِّيًا بالنبي ﷺ (١).
• قراءة الحزب:
(الحاء والزاء والباء) أصل واحد وهو تجميع الشيء، فمن ذلك الحزب الجماعة من الناس، والطائفة من كل شيء حزب، يقال: قرأ حزبه من القرآن، والحزب: الورد، وورد الرجل من القرآن والصلاة حزبه، والحزب: «ما يجعلُه الرجل على نفسه من قراءة وصلاةٍ كالورد» (٢).
والأصل في التحزيب ما ثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: كنت أصوم الدهر وأقرأ القرآن كل ليلة، قال: فإمَّا ذكرت للنبي ﷺ ، وإما أرسل إلي فأتيته، فقال لي: «ألم أخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة؟» فقلت: بلى، يا نبي الله، ولم أرد بذلك إلا الخير، قال: «فإنَّ بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام» قلت: يا نبي الله، إني أطيق أفضل من ذلك، قال «فإن لزوجك عليك حقًّا، ولزورك عليك حقًّا، ولجسدك عليك حقًّا» قال: «فصم صوم داود نبي الله ﷺ ، فإنه كان أعبدَ الناس» قال قلت: يا نبي الله، وما صوم داود؟ قال: «كان يصوم يومًا ويفطر يومًا» قال: «واقرأ القرآن في كل شهر» قال قلت: يا نبي الله، إنِّي أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في كل عشرين» قال قلت: يا نبي الله، إني أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في كل عشر» قال قلت: يا نبي الله، إنِّي أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في كل سبع، ولا تزد على ذلك، فإن لزوجك عليك حقًّا، ولزورك عليك حقًّا، ولجسدك عليك حقًّا» قال:
стр. 47
فشددت، فشدد علي. قال: وقال لي النبي ﷺ : «إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر» قال: «فصرت إلى الذي قال لي النبي ﷺ ، فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله ﷺ » (١).
وعن أوس بن حذيفة، قال: قدمنا على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، فنزلوا الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل رسول الله ﷺ بني مالك في قبة له، فكان يأتينا كل ليلة بعد العشاء فيحدثنا قائمًا على رجليه، حتى يراوح بين رجليه وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش ويقول: «ولا سواء، كنا مستضعفين مستذلين، فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم، نُدَال عليهم ويدالون علينا»، فلما كان ذات ليلة أبطأ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه، فقلت: يا رسول الله لقد أبطأت علينا الليلة قال: «إنه طرأ علي حزبي من القرآن فكرهت أن أخرج حتى أتمه»، قال أوس: فسألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: (ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل) (٢).
стр. 48
ففي هذين الحديثين أصلٌ لتحزيب القرآن، وتقسيمه حتى يسهل تعاهده، وقد اشتهر هذا التحزيب عند الصحابة ﵃.
فقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يقسمون القرآن ويحزبونه، قالت عائشة ﵂: «إني لأقرأ جزئي - أو قالت: حزبي - وإني لمضطجعة على السرير» (١).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، اقرؤه في سبع، ويحافظ الرجل كل يوم وليلة على جزئه» (٢).
قال ابن تيمية: «فالصَّحابة إنما كانوا يحزبونه سورًا تامة، لا يحزِّبون السورةَ الواحدة».
ثم قال: «وفيه أنَّهم حزبوه بالسور وهذا معلوم بالتواتر؛ فإنَّه قد علم أن أول ما جزئ القرآن بالحروف تجزئة ثمانية وعشرين وثلاثين وستين، هذه التي تكون رءوس الأجزاء والأحزاب في أثناء السورة وأثناء القصة ونحو ذلك، كان في زمنِ الحجاج وما بعده وروي أنَّ الحجاج أمر بذلك.
ومن العراق فشا ذلك، ولم يكن أهل المدينة يعرفون ذلك.
وإذا كانت التجزئة بالحروفِ محدثة من عهد الحجاج بالعراق، فمعلومٌ أن الصحابة قبل ذلك على عهد النبي ﷺ وبعده كان لهم تحزيب آخر؛ فإنهم كانوا يقدرون تارة بالآيات فيقولون: خمسون آية، ستون آية. وتارة بالسور، لكن
стр. 49
تسبيعه بالآيات لم يروه أحد ولا ذكره أحد فتعين التحزيب بالسور، … والمقصود أن التحزيب بالسورة التامة أولى من التحزيب بالتجزئة» (١).
• قراءة الصلاة:
ومن المواضع التي كان النبي ﷺ يتعاهد فيها القرآن الكريم الصلاة المفروضة سواء كانت سرية أو جهرية وكذلك النوافل.
стр. 50
ومن ذلك ما جاء عن جبير بن مطعم ﵁ قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ : «قرأ في المغرب بالطور» (١).
وعن أبي سعيد الخدري قال: «كنا نحزر قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة (الم تنزيل السجدة)، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر وفي الأُخرَيين من العصر على النصف من ذلك» (٢).
وعن أبي برزة: «كان النبي ﷺ يصلي الصبح وأحدنا يعرف جليسه، ويقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة» (٣). والأحاديث في هذا كثيرة.
• القيام بالكتاب:
قد أشار الله إلى أفضل طرق المعاهدة، والتي ينبغي لحافظ القرآن الاعتناء بها، وهي قيام الليل بالمحفوظ من القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وإنَّ الليل مظنة الحضور والفهم وصفاء النفس وتفريغ القلب من العلائق والشواغل (٤).
стр. 51
والنبي ﷺ هو المخاطب بذلك، وبقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٤].
وكان ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه (١)، وكان يطيلُ القراءة في صلاته؛ كما جاء عن حذيفة، قال: «صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ … » (٢)، وعن عوف بن مالك، يقول: قمت مع رسول الله ﷺ فبدأ فاستاك، ثم توضأ، ثم قام يصلي وقمت معه، فبدأ فاستفتح البقرة لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف يتعوذ، ثم ركع فمكث راكعًا بقدر قيامه، يقول في ركوعه: «سبحان ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء والعظمة» ثم قرأ آل عمران، ثم سورة، ففعل مثل ذلك» (٣)، ثم يوجه النبي ﷺ أصحابه وهو القدوة في ذلك، بأنه «وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه» (٤)، فتبين من هذا الحديث أن من يقوم بالقرآن يكون حاضر الذهن متذكرًا لآياته، متعاهدًا له.
يقول الشيخ عطيه سالم ﵀: «وقد سَمعتُ من الشيخ (٥) -رحمة الله تعالى علينا وعليه- قوله: لا يثبتُ القرآن في الصدر، ولا يسهل حفظه وييسر فهمه إلا
стр. 52
القيام به من جوفِ الليل، وقد كان - رحمه الله تعالى - لا يترك ورده من الليل صيفًا أو شتاء» (١).
وقد نهج الصحابة ﵃ نهج رسول الله ﷺ في معاهدة القرآن الكريم بتلاوة المحفوظ في صلاة الليل، كما ثبت «أنَّ أبا موسى كان بين مكة والمدينة، «فصلى العشاء ركعتين، ثم قام فصلى ركعة أوتر بها، فقرأ فيها بمائة آية من النساء»، ثم قال: ما ألَوت أن أضع قدمي حيث وضع رسول الله ﷺ قدميه وأنا أقرأ بما قرأ به رسول الله ﷺ » (٢)، وكان ابن عمر ﵄ يقرأ البقرة في ركعة وكان بطيء القراءة (٣).
وقد سار السلف الصالح في معاهدة القرآن بهذا المنهج، حتى عُرِفَ بينهم، كما قال أبو عبد الله بن بشر القطان: «ما رأيت أحسن انتزاعًا لما أراد من آي القرآن من أبي سهل بن زياد وكان جارنا، وكان يديم صلاة الليل والتلاوة، فلكثرة درسِه صار القرآن كأنَّه بين عينيه» (٤).
تأمَّل هذا الوصف: «صار القرآن كأنه بين عينيه»، أيُّ قلب كان يحمل، وأي نور كان يرى به، رحمة الله علينا وعليه.
• التعاهد العام حضرًا وسفرًا:
ومن تعاهد النبي ﷺ للقرآن الكريم قراءته على الدابة، كما جاء عن عبد الله بن مغفل، قال: «رأيت النبي ﷺ يقرأ وهو على ناقته أو جمله، وهي
стр. 53
تسير به، وهو يقرأ سورة الفتح - أو من سورة الفتح - قراءة لينة يقرأ وهو يرجع» (١).
وفيه يظهر حرصه ﷺ على تعاهد القرآن حتى على ظهر دابته، وفي حال سفره.
هذا هو القرآن، فتعاهده، ولا تغفل عنه، واصبر على نفسك حتى تذوق حلاوة التعاهد، فإن ذقته فلا تكن من المحرومين، وازدد من الهدى والنور، وسل ربك التوفيق وألا يسلبك حلاوة القرآن.
стр. 54
«ما يمنع أحدكم إذا رجع من سوقه، أو من حاجته إلى أهلِه أن يقرأ القرآن فيكون له بكل حرفٍ عشر حسنات»
ابن عباس
[الزهد، لابن المبارك: (٢٧٨)]
стр. 55
وأن أتلو القرآن!
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)﴾ [النمل: ٩١ - ٩٢].
وهذه التلاوة هي الوظيفة التي جاء بها صلوات الله وسلامه عليه، تلاوة الكتاب، وتلاوة الكتاب فقط، وتلاوة الكتاب فحسب.
تلك التلاوة التي تبعث في قلبك النور، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.
تلك التلاوة التي تمدك بالحياة، ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢].
تلك التلاوة التي تغمرك بالجمال، والذي نفسه بغير جمال .. لا يرى في الوجود شيئًا جميلًا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾ [فاطر: ٢٩].
стр. 56
تلاوة الكتاب طريق إلى التجارة الرابحة.
والتالون للكتاب تلاوة حقيقية هم الذين يتبعونه في أوامره فيمتثلونها، وفي نواهيه، فيتركونها، وفي أخباره، فيصدقونها ويعتقدونها، ولا يقدِّمون عليه ما خالفه من الأقوال، ويتلون أيضًا ألفاظه، بدراسته، ومعانيه، بتتبعها واستخراجها.
«فحقيقةُ التلاوةِ في هذه المواضعِ هي التلاوةُ المطلقةُ التَّامَّةُ، وهي تلاوةُ اللفظِ والمعنى؛ فتلاوةُ اللفظِ جزءُ مُسمى التلاوةِ المُطلقةِ، وحقيقةُ اللفظِ إنما هي الاتباعُ، يقال: اتلُ أثر فلانِ، وتلوتُ أثرهُ، وقفوتُهُ وقصصتُهُ، بمعنى تَبعتُهُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس ١: ٢]، أي: تَبعَها في طلوع بعد غَيبتها، ويُقال: جاءَ القومُ يتلو بعضهم بعضًا، أي: يتبع، ويُسمَّى تالي الكلام تاليًا، لأنَّهُ يُتبعُ بعضَ الحروف بعضًا، لا يُخرجُها جُملةً واحدةً، بل يُتبعُ بعضها بعضًا مُرتبةً، كُلَّما انقضى حرفٌ أو كلمةٌ أتبعهُ بحرفٍ آخرَ وكلمةٍ أُخرى، وهذه التِّلاوةُ وسيلةٌ وطريقٌ.
والمقصودُ التِّلاوةُ الحقيقيةُ، وهي تلاوَةُ المعنى واتِّباعُهُ؛ تصديقًا بخبرهِ وائتمارًا بأمرهِ، وانتهاءً عن نهيهِ، وائتمامًا به، حيثُما قادكَ انقدتَ معه، فتلاوةُ القُرآنِ تتناولُ تلاوةَ لفظهِ ومعناهُ، وتلاوةُ المعنى أشرفُ من مجرَّد تلاوةِ اللفظِ، وأهلُها هم أهلُ القرآن الذين لهم الثناءُ في الدنيا والآخرة، فإنهم أهلُ تلاوةٍ ومتابعةٍ حقًّا» (١).
والتلاوة التي ننشدها هي التلاوة بمنهج التلقي، يقول تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦].
стр. 57
«كثيرون هم أولئك الناس الذين يتلون القرآن اليوم، أو يستمعون له على الإجمال، على أشكال وأغراض مختلفة. ولكن قليل منهم من (يَتَلَقَّى) القرآن!
وإنما يؤتي القرآنُ ثمارَ الذكر حقيقةً لمن تَلَقَّاهُ! وإنما كان رسول الله ﷺ يَتَلَقَّى القرآن من ربه، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦].
ولا يزال القرآن معروضًا لمن يتلقاه، وليس لمن يتلوه فقط! (١)
وتلقي القرآن بمعنى: استقبال القلب للوحي، على سبيل الذِّكْرِ.
وهو عام في كل مؤمن أخذ القرآن بمنهج التلقي، فذلك المنهج هو الذي به تنبعث حياة القلوب، لأنها تتلقى آنئذ القرآن (روحًا) من لدن الرحمن، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣].
و (تلقِّي القرآن) بمعنى استقبال القلب للوحي، على سبيل الذِّكْرِ؛ إنما يكون بحيث يتعامل معه العبد بصورة شهودية، أي كأنما هو يشهد تنزله الآن غضًّا طريًّا! فيتدبره آيةً، آيةً، باعتبار أنها تنزلت عليه لتخاطبه هو في نفسه ووجدانه، فتبعث قلبه حيا في عصره وزمانه! ومن هنا وصف الله تعالى العبد الذي (يتلقى القرآن) بهذا المعنى؛ بأنه (يُلْقِي) له السمع بشهود القلب! قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي
стр. 58
ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، ذلك هو الذاكر حقًّا، الذي يحصل الذكرى ولا يكون من الغافلين.
أن تتلقى القرآن: معناه إذن؛ أن تصغي إلى الله يخاطبك! فتبصر حقائق الآيات وهي تتنزل على قلبك روحًا. وبهذا تقع اليقظة والتذكر، ثم يقع التَّخَلُّقُ بالقرآن، على نحو ما هو مذكور في وصف رسول الله، من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂، لما سئلت عن خُلقه؛ فقالت: «كان خُلُقُهُ القرآنَ!» (١).
وأنْ تتلقى القرآن: معناه أيضا أن تتنزل الآيات على موطن الحاجة من قلبك ووجدانك! كما يتنزل الدواء على موطن الداء! فآدم ﵇ لما أكل هو وزوجه من الشجرة المحرمة؛ ظهرت عليهما أمارة الغواية؛ بسقوط لباس الجنة عن جسديهما! فظل آدم ﵇ كئيبًا حزينًا، قال تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا! وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]. ولم يزل كذلك حتى (تلقَّى) كلمات التوبة من ربه فتاب عليه؛ فكانت له بذلك شفاءً! وذلك قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم﴾ [البقرة: ٣٧].
стр. 59
فهو ﵇ كان في حاجة شديدة إلى شيء يفعله أو يقوله؛ ليتوب إلى الله، لكنه لا يدري كيف؟ فأنزل الله عليه - برحمته تعالى - كلمات التوبة؛ ليتوب بها هو وزوجه إلى الله تعالى، وهي - كما يقول المفسرون- قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] فبمجرد ما أن تنزلت الآيات على موطن الحاجة من قلبه؛ حتى نطقت بها الجوارح والأشواق؛ فكانت له التوبة خُلُقًا إلى يوم القيامة! وكان آدم ﵇ بهذا أول التوابين! وذلك أخذه كلمات التوبة على سبيل (التلقي): (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ) [البقرة: ٣٧]!
فعندما تقرأ القرآن إذن؛ استمع وأنصت! فإن الله ﷻ يخاطبك أنت! وادخل بوجدانك مشاهد القرآن، فإنك في ضيافة الرحمن! هناك حيث ترى من المشاهد ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر!
فاقرأ إذن كما استطعت وتعلم؛ لكن بحضور قلبي تام؛ كي تتزكى. فقد رأيت أن التلاوة بدء فعله من التعليم والتزكية، كما مر في قوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ١٦٤﴾ [آل عمران: ١٦٤]. فالتلاوة نور في نفسها. إنها - لو أبصرتها حقًّا - صلة مباشرة برب العالمين؛ ذكرًا ومناجاة. إنَّ العبد التالي لكتاب الله متكلم بكلام الله. وهذا وحده معنى عظيم في نفسه، فتدبر! وهو يمهد القلب ويهيئه للخطوات التربوية التالية.
إنَّ القرآن لا يشتغل حقيقةً؛ إلا إذا تحرك به قلب العبد المؤمن! نعم! واشتعل له وجدانُه! وتهيأ كيانُه كلُّه للاشتعال! فالمعاناة الإيمانية النابعة من صدق الإقبال على الله، وشدة الافتقار إليه تعالى؛ هي وحدها الكفيلة بتهيئة النفس وتصفيتها؛ حتى تصلح مرآتها لتعكس أنوار حقائق الإيمان، الكامنة في القرآن، وتستدر أسرار العرفان المكتنزة فيه! إنها هي وحدها تتيح للعبد الصادق تفجير زناد القرآن، وإشعال زيته الوقاد! ذلك أن الله جعل قلب العبد المؤمن هو المحرِّك الذي يُشَغِّلُ قاطرة الإيمان، ولا حركة إلا بِمُحَرِّك! فكيف ينطلق النور؟ وكيف يتوهج القرآن؟ وهذا القلب جامد هامد، لا تهب به رياح الأشواق؟» (١).
فتأثر العبد بالتلاوة؛ «أن يصير بصفة الآية المتلوة، فعند الوعيد وتقييد المغفرة بالشروط يتضاءل من خيفته كأنه يكاد يموت، وعند التوسع ووعد المغفرة
стр. 60
يستبشر كأنه يطير من الفرح، وعند ذكر الله وصفاته وأسمائه يتطأطأ خضوعًا لجلاله واستشعارًا لعظمته، وعند ذكر الكفار ما يستحيل على الله كذكرهم لله ولدًا وصاحبة - يغضُّ صوته، ويكسر في باطنه حياء قبح مقالتهم، وعند وصف الجنة ينبعث بباطنه شوقًا إليها، وعند وصف النار ترتعد فرائصه خوفًا منها» (١).
ولو سألت: لماذا لا تلتذ وتتأثر بالقرآن؟!
وهل التأثر به هو البكاء لصوت القارئ؟!
فالجواب: «أنَّ القرآن هدًى كله، وهو كلُّ الهدى.
ومن صفات ما كان كذلك: أنَّه بذاته مؤثّر في السامع (غير المعاند ولا المستكبر)، ولا يشترط في ذلك طهارة القلب من كل آفة!
ولو كان يشترط للتأثر بالقرآن طهارةُ القلب من كل آفة؛ لما كان القرآن هو الهادي الشافي!
ولكان في القول بذلك قول بالدور السبقي العدمي المستحيل، فحقيقته: القول باشتراط طهارة القلب قبل استماع القرآن؛ واشتراط استماع القرآن قبل طهارة القلب!
فلماذا لا تتأثر إذن بالقرآن، في ورد القراءة والصلاة؟
هذا فرض محال!
مهما استمعتَ إلى القرآن أو قرأتَه فأنتَ آخذ في الاهتداءِ بتنقية المحل، وتبديد ظلمته واستبدال النور به، وتخليته من الران الذي أكسبتَه إياه بنفسك!
стр. 61
حتى إذا نقَّيتَ المحل وطهَّرتَه؛ كان الاهتداء بالقرآن بزيادة نور القلب، فيحصل التلذذ التام بحصول النور التام، ويحصل الاهتداء التام بعد زوال أثر المعصية زوالا تامًّا!
ولا بد أن يعقبه غيابك عن شهود ألم الوقوف، وتعداد الدقائق، في الصلاة وفي التلاوة!!
فالاهتداء بالقرآن ليس هو حصول النور فقط، بل تبديد الظلام أيضًا، وهي هداية أسبق وأهم، وأطول وأجهد.
ولأجل ما فيها من عسرة؛ فإن كثيرًا من النَّاس لا يصبر عليها، ربما لأجل السأم، أو الانصياع لداعي الهوى، أو الشهوة، أو غير ذلك.
لكن أكثر النَّاس لا يعي أنَّه بحاجة إلى مجاهدة طويلة وصبر حتى يزيل أثر الغفلة والذنب من قلبه، ثم يستمتع بالقرآن والصلاة!
والفقيه حقًّا من يعي ذلك، ثم يجاهد نفسه لإصلاح المحل، وتنقيته، مهما طال به الزمان.
• قال الإمام الكبير محمد بن المنكدر: «كابدتُّ نفسي أربعين سنة، حتى استقامت»! (١)
• وقال الرباني ثابت البناني: «كابدتُّ الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة»! (٢)
ونحو ذلك عن الفقهاء حقًّا كثير.
стр. 62
وهذا الجهاد، هو الجهاد الأفرض، والأعظم، وما سواه تابع له!
إذ هو في الحقيقة: أن تمتلك نفسك، فتقودها، ولا تملكك فتسحبك!
ووالله إنَّ ظنَّك في نفسك أن تَثبتَ في ساحة القتال، وأنت لا تملكُها في ركعات وقراءة أعذب كلام وأحلاه، ولا تملكها في كف الأذى عنها، وقد علمتَ أنَّه أذاها وهلاكها؛ لهو من أعظم الجهل وظن السوء والجاهلية بالله وشرعه، والأمانيِّ الكاذبة!
وقد قال النبي ﷺ : «المجاهدُ من جاهد نفسه في طاعة الله» (١).
قال التقيُّ ابن تيمية شيخ الإسلام ﵀: «جهادُ النفس والهوى؛ أصلُ جهاد الكفار، والمنافقين!
فإنه لا يقدر على جهادهم، حتى يجاهدَ نفسَه وهواه أولا، حتى يخرج إليهم» (٢)!
وقال الشمس ابن القيم قدس الله روحه: «وأفرضُ الجهاد؛ جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا!
فمن جاهد هذه الأربعة في الله؛ هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد؛ فاتَه مِنْ الهدى بحسب ما عطَّل» (٣)!
وقال أيضًا: «لما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعًا على جهاد العبد نفسه في ذات الله، كما قال النبي ﷺ : «المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله،
стр. 63
والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (١)؛ كان جهاد النفس مقدمًا على جهاد العدو في الخارج، وأصلًا له!
فإنه ما لم يجاهد نفسَه أولا، لتَفعلَ ما أُمرَت به، وتَتركَ ما نُهيَت عنه، ويحاربَها في الله؛ لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج.
فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه، وعدوُّه الذي بين جنبيه قاهرٌ له، متسلّط عليه، لم يجاهده، ولم يحاربه في الله؟!
بل لا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يجاهدَ نفسَه على الخروج» (٢) انتهى!
فالمقصود:
أولًا: لا تعجل على نفسك، واعلم أنَّ طريق استقامة النفس طويلة، وشاقة.
ثانيًا: بقدر مكابدتك نفسَك وزجرها عما تحب؛ تملكها، وبقدر ملكك لنفسك؛ تستطيع أن تأطرها على الحقّ أطرًا.
ثالثًا: إذا أردت الانتفاع بالقرآن حقًّا؛ فعليك أن تعمل على جهتين:
١ - امنع الأذى عن قلبك، وإنما يدخل الأذى إلى القلب رأسًا بلا واسطة من العين والأذن، وشرحه يطول، ودليله في القرآن، فلا تستمع ولا تنظر إلى الكذب ولا الزور، وما أكثر ذلك.
ثم لا تأكل السحت وأقلل من فضول الكلام، بل؛ امنعه!
стр. 64
٢ - عرِّض قلبك لهدى الوحي أطول فترة ممكنة، ولا تسأم، ولا تعجل، ولا تقل: هلكت!
رابعًا: التأثُّر والتلذذ بالقرآن ليس هو البكاء مع الصوت الحسن، الذي رأيتُ بعضَ الأعاجم يفعله تأثرًا بحسن أداء القارئ، وهو لا يفهم حرفًا مما قرئ!
بل هذا من جنس طرب النفوس بالموسيقى والألحان.
إنَّما علامة المتلذذ بالقرآن ألا يفقد اللذة من أي قارئ يحسن أحكام التلاوة، وإن زاد تلذذه بحسن الصوت.
نعم، لا بأس بتتبع حسن الصوتِ في المساجد ولو بعُدت، فقط من باب مصانعة النفس والتحايل عليها!
وعدم البأس مشروط بعلم فاعل ذلك أنَّه يصانع نفسه ويحايلها، وأنَّه لا بد أن يرتقي عن هذه المنزلة الدون!
أما المبالغات والتهويلات التي يعيشها بعض الناس، حتى يضيّع نصف الليل في التنقل من وإلى المسجد، ويمر في طريقه على عشرات المساجد التي يقرأ الناس فيها القرآن، ليس التوراة؛ فلا!
أخيرًا:
جهاد النفس والهوى والشيطان؛ لا ينقطع إلا بالموت، بخلاف غيره!
فوطِّن نفسك على استمراره، واعلم أنَّه لا بد من غفلات ورقدات، ولكن لا تطل النوم!
стр. 65
قال ابن تيمية: «جِهَاد النَّفس أعمال تعملها النَّفس المزكاة فتزكو بذلك أيضًا» (١)» (٢).
إنَّ القرآن مشروع العمر، وبرنامج العبد في السير إلى الله إلى أن يلقى الله، وليس المقصود أن تدرك الهدف كله، لكن يكفيك أن تموت وأنت على الطريق!
стр. 66
«ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله بعقله، وتدبره بقلبه = وجد فيه من الفهم والحلاوة والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام لا منظومه ولا منثوره»
ابن تيمية
[اقتضاء الصراط المستقيم: (٢/ ٢٧٠)]
стр. 67
من أراد العلم .. فليثور القرآن
مصطلح (تثوير القرآن) من المصطلحات التي أطلقها الإمام الحبر صاحب النبي ﷺ = عبد الله بن مسعود، وذلك فيما رواه غير واحد عن عبد الله بإسناد صحيح، قَالَ: «إذا أردتم العلم فأثيروا القرآن، فإنَّ فيه علم الأولين والآخرين»، وقد وردَ بألفاظٍ متعددةٍ منها: «من أراد علم الأولين والآخرين فليثوِّر القرآن»، وفي رواية: «ثَوِّرُوا القرآن؛ فإنَّ فيه علم الأولين والآخرين» (١).
وهذا الأثرُ اللطيف يبين لنا ما كان عليه السلف ﵃ من حال مع كتاب الله تعالى، وكيف لا وهو حبل الله المتين!
وقد كانوا على علم جم بهذا القرآن العظيم، قال ابن عباس: «لو أردتُّ أن أملي وِقر بعير على الفاتحة لفعلت»! (٢).
ومصطلح (تثوير القرآن) يعبر عن ضرب من ضروب تلقي الكتاب، وتلاوته حق التلاوة.
стр. 68
وقد اختلفت عبارات أهل العلم في بيان هذا المصطلح، وإن اتفقت معانيهم، فقال ابن عطية: «وتثوير القرآن: مناقشته ومدارسته والبحث فيه، وهو ما يعرف به» (١).
ونقل القرطبي عن بعض العلماء أن تثوير القرآن: «قراءته ومفاتشة العلماء به» (٢).
ونقل ابن عجيبة عن الغزالي أنَّه (التفهُّم)، وهو: «أن يستوضح كل آية ما يليق بها إذ القرآن مشتمل على ذكر صفات الله تعالى، وذكر أفعاله، وذكر أحوال أنبيائه ﵈، وذكر أحوال المكذِّبين، وكيف أُهلكوا، وذكر أوامره وزواجره، وذكر الجنة والنار» (٣).
ونقل الزركشي عن بعض العلماء أن التثوير «لا يحصلُ بمجرَّدِ تفسير الظَّاهر» (٤).
وبوب عليه أبو الليث السمرقندي: «باب الحث على طلب التفسير» (٥).
ولو أضفنا لذلك ما في كلمة الإثارة من التقليب والنظر في الوجوه، ومنه ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ [الروم: ٩]، وقوله: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٧١]، وهو تقليبها بالحرث والزراعة، وأن المرء لن يفقه القرآن حق الفقه حتى يرى للقرآن وجوهًا.
стр. 69
= لاجتمع عندنا من معاني المصطلح ما يصلح أن ننسجه بأن نقول: إنَّ تثوير القرآن ضربٌ من ضروب التدبر لكتاب الله الكريم، وينطلق من التالي:
١ - معرفة معنى الآية.
٢ - إثارة الأسئلة على النفس.
٣ - مفاتشة العلماء، ومناقشتهم في معنى الآية.
٤ - التأمل العميق، الذي يتلوه العمل.
وإليك شيئًا من تفصيل المعاني السابقة.
أولًا: معرفة معنى الآية.
وذلك على سبيل الإجمال، فأول ما ينبغي أن يفعله السالك أن يفهم معنى الآية على سبيل الإجمال، لكي لا يشذ فيأتي بما لا تدل الآية عليه بطريق من الطرق المعتبرة في التفسير، وهي:
١ - التفسير على اللفظ.
٢ - التفسير على المعنى.
٣ - التفسير على الإشارة والقياس.
ولذا فيلزم لمريد التثوير، بعد معرفة المعنى الإجمالي، إن أراد الارتقاء = أن يتعرَّف على أقوال السلف وأهل العلم في تفسير الآية، ثم يثير الأسئلة على نفسه، وهي المرحلة الثانية.
стр. 70
ثانيًا: إثارة الأسئلة على نفسه.
وهي من أهم مراحل التثوير، إذ مما ينبغي على القارئ فعله = أن يثير الأسئلة على نفسه ليحصل على فهم أعمق للكتاب المجيد، فإذا قرأ القارئ فاتحةَ الكتابِ بتدبُّرٍ يُثوِّرُ به النصَّ القرآنيَّ = فإنَّ من الممكنِ أن تثورَ في نفسِهِ الأسئلة التالية:
- ما فائدَةُ افتتاحِ أول كتابِ اللهِ بالحمدِ المطلقِ للهِ في قولِهِ تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ٢﴾ [الفاتحة: ٢]؟!
- وما الآياتُ التي ورد فيها الحمدُ؟!
- وما مساقاتُ الحمدِ؟!
فالله سبحانه قالَ في مفتتح كتابه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ٢﴾ [الفاتحة: ٢]، وقالَ في موضعٍ آخرَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ١﴾ [الأنعام: ١]، وَفِي موضعٍ ثالثٍ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ١﴾ [فاطر: ١] ..
- ولماذا قدم الله ذكر الرحمة على ذكر ملكه ليوم الدين؟!
- ولم يدعو المرء بلفظ الجمع (اهدنا)؟!
- وما الصِّراط المستقيم، وما صفات أهله؟!
وهكذا .. فإن المقصودَ من ذلكَ أنَّ الإنسانَ حينما يبدأُ يسألُ هذه الأسئلةَ ويُسَجِّلُهَا = سيجدُ أنَّهُ خلالَ قراءَتِهِ للقرآنِ سنةً بعدَ سنةٍ يكونُ علمُه من الاستنباطاتِ والفوائدِ واللطائفِ والعمل الشيءَ الكثيرَ، وبعد ذلك ينتقل للمرحلة الثالثة، وهي: المدارسة، إما مع إخوانه، أو مع أهل العلم.
стр. 71
ثالثًا: مفاتشةُ العلماء، والأقران، ومناقشتهم في تفسير الآيات الكريمة.
وقد اهتم السلف بهذا جدًّا، ومما يدل على ذلك أنهم كانوا يعقدون مجالس خاصة لسماع القرآن من الحفاظ العلماء، فإن: «المطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين» كما يقول ابن تيمية (١).
وقال: «وهذا كان سماع سلف الأمة، وأكابر مشايخها وأئمتها، كالصحابة والتابعين ومن بعدهم من المشايخ: كإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشي، وأمثال هؤلاء.
وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى الأشعري يا أبا موسى: ذكرنا ربنا!، فيقرأ، وهم يسمعون ويبكون.
وكان أصحاب محمد إذا اجتمعوا، أمروا واحدًا منهم أن يقرأ القرآن، والباقي يستمعون.
وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ مر بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ، فجعل يستمع لقراءته، وقال: لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود، وقال: مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك، فقال: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرًا (٢)، أي لحسنته لك تحسينًا .. ولهذا السماع من المواجيد العظيمة، والأذواق الكريمة، ومزيد المعارف والأحوال الجسيمة= مالا يسعه
стр. 72
خطاب، ولا يحويه كتاب، كما أن في تدبر القرآن وتفهمه من مزيد العلم والإيمان مالا يحيط به بيان» (١).
ولم تكن قراءة أبي موسى إلا قراءة عالم لعلماء يتفهمون عن طريق هذا السماع كلام ربهم سبحانه، وينزلونه على أدوائهم فتحدث الأثر المطلوب.
وكانوا يعقدون مجالس للتثوير، والمذاكرة، وعرض الفهوم في الآيات الكريمة، ومنه: ما ورد عن ابن عباس، قال: «كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأنَّ بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله، فقال عمر: إنه من قد علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رُئِيتُ (٢) أنَّه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ [النصر: ١]؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا، وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: «هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له»، قال: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ [النصر: ١] «وذلك علامة أجلك»، ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ [النصر: ٣]، فقال عمر: (ما أعلم منها إلا ما تقول)» (٣).
وكانوا يعقدون المجالس لمذاكرة الكتاب وتدارسِه، ومنه: قال ابن زيد في قوله: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم﴾ [البقرة: ٢٠٦] إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ٢٠٧﴾ [البقرة: ٢٠٧] قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا صلى السبحة
стр. 73
وفرغ دخل مربدًا له، فأرسل إلى فتيان قد قرءوا القرآن، منهم ابن عباس، وابن أخي عيينة، قال: فيأتون فيقرءون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف. قال فمروا بهذه الآية: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم﴾ [البقرة: ٢٠٦]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ٢٠٧﴾ [البقرة: ٢٠٧]، قال ابن زيد: وهؤلاء المجاهدون في سبيل الله. فقال ابن عباس، لبعض من كان إلى جنبه: اقتتل الرجلان. فسمع عمر، ما قال، فقال: وأي شيء قلت؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين. قال: ماذا قلت؟ اقتتل الرجلان؟ قال: فلما رأى ذلك ابن عباس، قال: أرى هاهنا من إذا أمر بتقوى الله أخذته العزة بالإثم، وأرى من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله؛ يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشتري نفسي فقاتله، فاقتتل الرجلان. فقال عمر: لله بلادك يا ابن عباس» (١).
ومن شأنهم سؤال العلماء بالكتاب أهل الرسوخ عنه، ورد كلام بعضهم لبعض للوصول للمراد بالآية الكريمة، ومنه: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، حدثه قال: «بينما أنا في الحجر جالس، أتاني رجل يسأل عن ﴿العاديات ضبحا﴾ [العاديات: ١] فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم. فانفتل عني، فذهب إلى علي بن أبي طالب ﵁ وهو تحت سقاية زمزم، فسأله عن ﴿العاديات ضبحا﴾ [العاديات: ١] فقال: سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت عنها ابن عباس، فقال: الخيل حين تغير في سبيل الله، قال: اذهب فادعه لي؛ فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك به، والله لكانت أول غزوة في الإسلام لبدر، وما
стр. 74
كان معنا إلا فرسان: فرس للزبير، وفرس للمقداد فكيف تكون العاديات ضبحًا؟! إنما العاديات ضبحًا من عرفة إلى مزدلفة إلى منى؛ قال ابن عباس: فنزعت عن قولي، ورجعت إلى الذي قال علي ﵁» (١).
وهذه المجالس تثمر فائدة كبرى، مع المعرفة بطرائق الاستنباط، وما يترتب على ذلك من عمق في التأمل، وهي المرحلة التالية.
رابعًا: التأمل العميق.
وهذا التأمل يتلوه العمل، ومما يعين في هذه المرحلة: أن يعتني بعلوم السورة، وعلوم الآية، ومن العلوم المتعلقة بالسورة:
١ - اسم السورة، أو أسماؤها إن كان لها أكثر من اسم.
٢ - مكان نزول السورة، وزمان نزولها (المكي والمدني).
٣ - عدد آي السورة، وعدد كلماتها وحروفها.
٤ - فضائلها، إن كان لها فضائل ثابتة.
٥ - مناسبة السورة لما قبلها، ومناسبة فاتحتها لخاتمتها، ومناسبات موضوعاتها بعضها مع بعضٍ.
٦ - موضوعات السورة.
وأما مجمل علوم الآية، فأذكر منها:
١ - تفسيرها، وذلك ما مضى في القسم الأول.
стр. 75
٢ - فضلها، إن وُجِدَ.
٣ - اسمها، إن وُجِدَ.
٤ - مكان نزولها وزمانه.
٥ - قراءاتها، إن وُجد فيها اختلاف قراءات.
٦ - إعرابها.
٧ - أحكامها التشريعية (من الأحكام الفقهية، والآداب والسلوك).
٨ - أحكامها العقدية.
٩ - ناسخها ومنسوخها (على اصطلاح السلف).
١٠ - وقوفها.
١١ - أسباب نزولها.
١٢ - إعجازها ووجوه بلاغتها (١).
= والانطلاق من هذه المعلومات إلى إدراك أعمق لهدايات القرآن، ومقاصده.
إنَّ «مَنْ جمع القُرآنَ؛ فقد حَمَلَ أَمرًا عَظِيمًا، وَقَدْ أُدرِجَت النُّبُوَّةُ بين جَنبَيهِ؛ إِلَّا أَنَّهُ لَا يوحى إليه» (٢)، فينبغي له أن يستعمل الجد في تفهم هذا الكتاب، وحمل رسالاته، وتبليغ هذه الرسالات التي درست في هذه الأزمان.
ومما يعين على تثوير الأسئلة، وحسن الفهم، قراءة القرآن في سكون وهدوء، وفي الحديث «إني لأَعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون