← Акыда

Акыда · id 142136

مسائل العقيدة في كتاب التوحيد من صحيح البخاري

يوسف الحوشان

Полный текст (251 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

جامعة الملك سعود كلية التربية قسم الثقافة الإسلامية مسائل العقيدة في كتاب التوحيد من صحيح الإمام البخاري (عرض ودراسة) - بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير في العقيدة - إعداد الطالب يوسف بن حمود حوشان الحوشان إشراف أ. د. عبد العزيز سيف النصر عبد العزيز ١٤١٧ هـ - ١٤١٨ هـ

стр. 2

المقدمة الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأرسل إلينا أفضل الأنبياء والمرسلين، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس. والصلاة والسلام على عبده ورسوله الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحي يوحى. وبعد؛ فقد كان المسلمون حتى وفاة النبي ﷺ وصدر من عصر الصحابة -رضوان الله عليهم- على منهاج واحد، وسبيل متحد في الاعتقاد والأحكام، ولهذا كان بينهم من الوفاق العلمي والاتفاق العملي ما يجعلهم قدوة الأمة، يعض على أقوالهم بالنواجذ. مصدرهم الذي يعتمدون: الكتاب والسنة؛ عنهما يصدرون، وإليهما يتحاكمون، وبهما يحتجون، لم يعرضوا عن نصوص الوحي، ولم يعارضوها، ولم يعطلوها ولم يحرفوها، ولا يقبلون من أحد - ولو علت في النفوس منزلته - مقالة في الدين حتى يأتي بشاهدين: الكتاب والسنة. وقد أكمل الله لهم الدين فلم يزيدوه، وقد أتمه لهم فلم ينقصوه، وقد رضيه لهم فلم يسخطوه، وأصل الدين وأساسه معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته، ومعرفة ما يجب له على عباده. ولا يجوز لأحد أن يظن برسول الله ﷺ أنه لم يبين ما يجب على المؤمن اعتقاده بربه، لأن هذا هو الذي أُمر بتبليغه، قال شيخ الإسلام ﵀ " من المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب بالحق؛ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبساً مشتبها، ولم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وما يجوز عليه، وما يمتنع

стр. 3

عليه، فإن معرفة هذا أصل الدين، وأساس الهداية وأفضل الأعمال، فكيف يكون القرآن والرسول والصحابة، وهم أفضل الخلق بعد النبيين - لم يحكموا هذا الباب اعتقاداً وقولاً". (١) ولما بدأ الانحراف عن هذا المنهج كان لورثة الأنبياء الأئمة العلماء مقاومة لهذا الانحراف وتقويماً له وكان أول أعمالهم بعد جمع القرآن، جمع الأحاديث النبوية والآثار السلفية عن أصحاب وتابعي خير البرية، ويصف ذلك العلامة المباركفوري بقوله: " إن أول عمل عمله العلماء التابعون المحدثون في هذه الأيام المظلمة أن دونوا علوم الحديث على الأصول الصحيحة، وألفوا وصنفوا". (٢) ومن كبار علماء أهل السنة وأئمة الهدى الجامعين لميراث خير الورى، أمير المؤمنين في الحديث (أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري) المتوفى سنة ٢٥٦ هـ. فإنه أجهد نفسه في جمع ما صح عن رسول الله ﷺ وبوبه وهذبه وصنفه على ابتكار عجيب وفقه بزَّ به من قبله وأعجز من بعده، حتى قيل: أعيا فحول العلم حلّ رموز ما أبداه في الأبواب من أسرار وأفراد لمهمات العقيدة أبواباً، كان من أهمها كتاب التوحيد، وهو آخر جامعه الصحيح. وقد اشتمل على مسائل كثيرة نهج في ترتيبها نهجاً فريداً في التبويب بآية أو حديث ويتبعه بما يستنبطه منه بإيراد حديث أو أثر يدل على ترجمة الباب، وقد حوى هذا الكتاب ثمانية وخمسين باباً (٥٨) اشتملت على إحدى وثمانين ومأتي حديث وأثر (٢٨١).

стр. 4

ولا يخفى ما لهذا الجامع العظيم من شروح كثيرة واختصارات وحواش جاوزت الـ (١١٥) ما بين مطبوع ومخطوط. (١) وكتاب التوحيد داخل ضمن هذه المنظومة العظيمة، ولكن كثيراً مِمَن تولى شرحه يلاحظ عليه عدم الالتزام بمنهج البخاري في مسائل العقيدة، فكثيرٌ من الصفات التي يثبتها البخاري مستدلاً عليها بنص من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، غالب الشراح يحاولون ردها، إما بتأويلها، أو بدعوة في الإجماع على خلافها، أو التصرف بمنهج البخاري: كرد حديث الآحاد في العقيدة، ونحو ذلك. وقد تبين لي هذا من مطالعة بعض شروح البخاري المتداولة. مثال ذلك: في أول شرح للبخاري وهو (أعلام الحديث) للإمام الخطابي -رحمه الله تعالى- فعند " باب ما جاء في قوله : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [سورة النساء: ١٦٤] قال: وليس في هذا الكتاب حديث أشنع ظاهراً وأبشع مذاقاً من هذا الحديث - يعني حديث أنس في الإسراء والمعراج وفرض الصلاة- ورجح ﵀ أنه حكاية من أنس أو غيره - ثم قال - وأيهما صح هذا القول عنه وأضيف إليه فقد خالفه فيه عامة السلف المتقدمين والعلماء وأهل التفسير والتأويل منهم ومن المتأخرين (٢) وفي هذا تجاوز من الإمام الخطابي تجاوز الله عنا وعنه.

стр. 5

وكقول ابن بطال -رحمه الله تعالى- في حديث (لا شخص أغير من الله) قال: " أجمعت الأمة على أن الله تعالى لا يجوز أن يوصف بأنه شخص لأن التوقيف لم يرد به" (١)، بينما في المسألة كلام طويل، وقد بوب له البخاري -رحمه الله تعالى-. ومثل هذا يرد في بعض الشروح وهو ما أدى إليه اجتهادهم - يرحمهم الله جميعاً-. ولكنه خلاف قول السلف فلهم أجر الاجتهاد - إن شاء الله - وهو مغمور في بحر حسناتهم الكثيرة وخدمتهم لسنة النبي ﵊، فنسأل الله لهم الرحمة والمغفرة. قال خاتمة الحفاظ ابن حجر ﵀ في مثل هذا: " ورد الروايات الصحيحة والطعن في أئمة الحديث الضابطين مع إمكان توجيه ما ردوا من الأمور التي أقدم عليها كثير من غير أهل الحديث، وهو يقتضي قصور فهم من فعل ذلك منهم". (٢) ويستحضر هنا دقة البخاري -رحمه الله تعالى- حينما ألف الصحيح وأن شرطه سلامة المعتقد، فقال: " كتبت عن ألف وثمانين نفساً ليس فيهم إلا صاحب حديث، وقال: لم أكتب إلا عن من قال الإيمان قول وعمل يزيد وينقص". (٣) وانتظاماً في هذا السلك المشرّف وهذا الطريق السالك لمن دعى لهم النبي ﵊ بالنضارة وهم أهل السنة والحديث، حاولت السير في ركبهم باستخراج مسائل العقيدة من كتاب التوحيد في هذا الجامع العظيم وإبرازها وبيان فقه الإمام البخاري فيها لأسباب عدة بيانها فيما يلي:

стр. 6

أهمية وأسباب اختيار الموضوع: ١ - أن الجامع الصحيح له قصب السبق في تقديمه أصلاً للاعتقاد بعد القرآن الكريم. ٢ - إبراز الطريقة السلفية في الاعتقاد والاقتصار على المصدرين الأساسيين في التلقي وتفرع غيرهما عنهما. ٣ - إظهار جهود الإمام البخاري في العقيدة لا محدثاً فقيهاً فقط. ٤ - إظهار طريقة الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في استنباطه للمسائل العقدية وتميزه في ذلك. ٥ - بيان مخالفة بعض الشروح لمنهج الإمام البخاري في بعض مسائل العقيدة وتوجيه ذلك على منهج السلف. ٦ - إبراز الكتاب لجهد البخاري في فترة عصيبة للأمة وهي - فتنة خلق القرآن- وبيان موقفه منها، حيث ضرب بسهم وافر فيها، بل وامتحن بسببها.

стр. 7

أهداف البحث: وهي فيما يلي: ١ - استخراج مسائل الاعتقاد من كتاب التوحيد في صحيح البخاري وتبويبها ثم الكلام عليها. ٢ - إظهار مراد البخاري منها بالجمع بين ترجمة الباب والأدلة التي ساقها. ٣ - دراسة هذه المسائل وبيان وجه الحق فيها والرد على المخالفين في ضوء معتقد السلف الصالح قدر الطاقة. منهج البحث: المنهج الاستقرائي للمسائل والتحليلي للنصوص، وهنا لابد من التمسك بغرض البخاري من الترجمة إذ بدون ذلك لا يمكن حصر مسائل العقيدة من جميع النصوص في رسالة واحدة، بل في عدة رسائل، فالموضوعات كثيرة، والشواهد كثيرة جداً - من حيث هي نصوص - وسأقتصر على تبويب البخاري وغرضه من الترجمة حتى يمكن حصر الموضوع، وأرجو أن أتمكن من ذلك - بإذن الله-.،

стр. 8

خطة البحث: تتكون خطة البحث من مقدمة وتمهيد وبابين وملحق وخاتمة وفهارس متعددة. المقدمة: وقد سبق بيانها. التمهيد: وفيه مبحثان: المبحث الأول: حياة البخاري وفيه ثمانية مطالب: المطلب الأول: اسمه ونسبه ومولده المطلب الثاني: نشأته وسيرته العلمية. المطلب الثالث: شيوخه وتلاميذه. المطلب الرابع: مؤلفاته. المطلب الخامس: شمائله. المطلب السادس: علمه وثناء الأئمة عليه. المطلب السابع: محنته في مسالة اللفظ. المطلب الثامن: وفاته. المبحث الثاني: التعريف بالجامع الصحيح وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: اسمه وموضوعه. المطلب الثاني: سبب ومدة ومكان تأليفه.

стр. 9

المطلب الثالث: منهج البخاري في تصنيف الجامع ومكانته. المطلب الرابع: قيمة كتاب التوحيد بين أبواب الجامع وعناية العلماء به.

стр. 10

الباب الأول: دراسة مسائل العقيدة في كتاب التوحيد وفيه أربعة فصول الفصل الأول: التوحيد والرد على الجهمية وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: جهود العلماء في التأليف فيه. المبحث الثاني: تعريف التوحيد. المبحث الثالث: تعريف الجهمية. الفصل الثاني: أول واجب على المكلفين. الفصل الثالث: الأسماء الحسنى وفيه خمسة مباحث. المبحث الأول: إثبات الأسماء الحسنى، وفيه مطلبان: المطلب الأول: إثباتها وأقسامها. المطلب الثاني: دلالتها على الذات المبحث الثاني: مسألة الاسم والمسمى. المبحث الثالث: عَدّ الأسماء الحسنى وإحصاؤها. المبحث الرابع: الأسماء التي ذكرها البخاري. المبحث الخامس: إطلاق بعض النعوت على الله وفيه أربعة مطالب:

стр. 11

المطلب الأول: إطلاق الذات على الله المطلب الثاني: إطلاق النفس على الله المطلب الثالث: إطلاق الشيء على الله المطلب الرابع: إطلاق الشخص على الله الفصل الرابع: من أحكام الأسماء الحسنى وفيه مبحثان: المبحث الأول: السؤال بالأسماء الحسنى والاستعاذة بها. المبحث الثاني: الحلف بالأسماء الحسنى.

стр. 12

الباب الثاني: الصفات الإلهية ويشتمل على تمهيد وخمسة فصول: التمهيد: تعريف الصفة وأقسام الناس فيها. الفصل الأول: الصفات الذاتية وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: ما ورد في السمع والبصر. المبحث الثاني: ما ورد في العلم والقدرة وفيه مطلبان: المطلب الأول: ما ورد في العلم. المطلب الثاني: ما ورد في القدرة. المبحث الثالث: ما ورد في المشيئة والإرادة. المبحث الرابع: الصفات (الخبرية) وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: ما ورد في الوجه. المطلب الثاني: ما ورد في العين. المطب الثالث: ما ورد في اليدين والأصابع. الفصل الثاني: الصفات الفعلية وفيه مباحث: المبحث الأول: الصفات الاختيارية [شبة قيام الحوادث بذاته تعالى]. المبحث الثاني: ما ورد في الاستواء على العرش. المبحث الثالث: ما ورد في العلو.

стр. 13

الفصل الثالث: ما ورد في الرؤية. الفصل الرابع: ما ورد في صفة الكلام. الفصل الخامس: ما ورد في أفعال العباد. ملحق في بيان منهج البخاري ﵀ في بيان مسائل العقيدة وردّه على المخالفين. - الخاتمة: وفيها أهم النتائج وبعض التوصيات. - المراجع. - الفهارس المتنوعة.

стр. 14

بعض الضوابط التي سرت عليها: ١ - خرجت الآيات من القرآن الكريم. ٢ - خرجت الأحاديث التي في غير البخاري؛ أما ما كان في البخاري فلم أتعرض لما كان في كتاب التوحيد لأنه مجال البحث ولا تخلو منه صفحة وأما ما كان في غيره أبين مكانه (وإيراد الجميع مؤذنٌ بصحته إذ أجمعت الأمة على قبول ما في الصحيح) ويكون أتعزو برقم الحديث في المصادر الأخرى. ٣ - ما يورده البخاري معلقاً أشير إلى من وصله أن كان مما وقع فيه الخلاف خاصة أن ابن حجر قد تولى وصل جميع المعلقات في الصحيح في كتابه تغليق التعليق. ٤ - ترجمت لغير المشهورين من الأعلام خاصة من لهم صلة في المباحث وعرفت بالطوائف والبلدان المبهمة والألفاظ الغريبة. ٥ - أكثرت من النقول عن أئمة السلف في توضيح مسائل العقيدة لبيان موافقة البخاري لهم، خاصة من تقدمه منهم وصدرت كلامهم إذ أن مجال العقيدة مما يخشى أن يزل به بنان أو يعجز عنه البيان مع التوضيح والمناقشة عند الحاجة. ٦ - اكتفيت في تفصيل بعض المسائل المشهورة إلى الإحالة إلى المصادر التي تناولتها. ٧ - أخرت البيان المتعلق بالمصادر والمراجع إلى الفهرس المخصص لها حتى لا تتضخم الحواشي. ٨ - لكثرة النقل عن الإمام ابن حجر الشافعي ﵀ اكتفي بقول (قال الحافظ).

стр. 15

وفي الختام أحمد الله وهو للحمد أهل أن أعانني على إكمال هذا البحث على ما فيه من ضعف البشر وقصر النظر فما فيه من صواب فهو محض فضله على عبده المسكين وأسأل الله أن يعفو عن الزلل. ثم أشكره شكر العارف بنعمته وأسأله المزيد منها. وأترحم على والدي الكريمين وأسأل الله أن يجزيهما عني خير الجزاء وألا يحرمهما جزاء ما ربيا وعلما، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم. كما أشكر القائمين على جامعة الملك سعود ممثلة بكلية التربية وقسم الثقافة الإسلامية فيها فجزى الله القائمين على ذلك خيراً. كما أشكر أساتذتي الكرام ومشايخي الفضلاء على ما أولوه من رعاية ونصح خلال مدة الدراسة. وأخص منهم بالذكر فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو الغيط الفرت الذي كان مع هذا البحث فكرةً وبحثاً وتشجيعاً وعنايةً بالباحث فجزاه الله عنى أفضل الجزاء. وأجد القلم عاجزاً والبيان قاصراً عن شكر أستاذي فضيلة الأستاذ الدكتور عبدا لعزيز سيف النصر المشرف على الرسالة الذي كان بحق الموجه والمشرف المتمكن علماً وتواضعاً وتشجيعاً وتذليلاً لكثير من الصعوبات التي واجهت هذا البحث فأسال الله أن يجعل ما فعله صلاحاً في نفسه وولده وأن يجزيه عني خير الجزاء وأشكر سلفاً الأستاذ الدكتور شوقي إبراهيم على تلطفه في قبول مناقشة البحث وتشجيعه المستمر وعنايته بهذا البحث.

стр. 16

كما أشكر كل من ساعدني في هذا العمل بأي وسيلة، وإن كنت خاصاً أحداً بذكر - وكلهم أهل لذلك - ففضيلة المشايخ: د. إبراهيم الصبيحي ود. عبد الرحمن المحمود ود. محمد الوهيبي. ثم الشكر الخاص/ لأشقائي الذين كانوا الطاقة المعينة بعد الله لإكمال هذا البحث فلا حرمهم الله أجر ذلك فجز الله الجميع خير الجزاء وأجزل لهم في الدارين العطاء. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.، ،

стр. 17

التمهيد المبحث الأول: حياة البخاري المطلب الأول: اسمه ونسبه ومولده المطلب الثاني: نشأته وسيرته العلمية المطلب الثالث: شيوخه وتلاميذه المطلب الرابع: مؤلفاته المطلب الخامس: شمائله المطلب السادس: علمه وثناء الأئمة عليه المطلب السابع: محنة الإمام البخاري في [مسألة اللفظ] المطلب الثامن: وفاته

стр. 18

المبحث الأول: حياة البخاري المطلب الأول: اسمه ونسبه ومولده: هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي (مولاهم) البخاري وبردزبة مجوسي مات عليها (١). والمغيرة بن بردزبة أسلم على يدي يمان الجعفي والي بخاري فنسب إليه البخاري، لأنه مولاه من فوق ولاء إسلام - على قول من يقول بالولاء لمن أسلم -. ووالده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم، كان من العلماء الورعين ذكره ابنه الإمام البخاري في تاريخه. (٢)

стр. 19

وقال: رأى حماد بن زيد (١)، وصافح ابن المبارك بكلتا يديه، وقد سمع من الإمام مالك بن أنس وروى عن حماد بن زيد وعبد الله المبارك. وروى عنه أحمد بن حفص قال: دخلت عليه عند موته، فقال: لا أعلم في جميع مالي درهماً من شبهة. قال ابن حفص: فتصاغرت إلى نفسي عند ذلك. وقد علق البخاري على قول والده بقوله: إن أصدق ما يكون المرء عند موته. ولد الإمام ﵀ في بيت علم وفضل وصلاح ببخارى (٢) يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر شوال سنة ١٩٤ هـ، كما سجل ذلك والده بخط يده (٣) وهو يوافق ٢١ يوليه عام ٨١٠ م.

стр. 20

المطلب الثاني: نشأته وسيرته العلمية نشأ الإمام البخاري ﵀ يتيماً في حجر أمه هو وأخوه أحمد، وقد ابتلي ﵀ بفقد البصر صغيراً ثم رد الله بصره، فقد رأت أمه في المنام إبراهيم ﵇، فقال لها: يا هذه قد ردَّ الله على ابنك بصره لكثرة بكائك، أو لكثرة دعائك. فأصبح وقد رد بصره. (١) وربما عاوده هذا البلاء في أثناء طلبه للعلم قال مرة: لما بلغت خرا سان أصيب بصري فعلمني رجل أن أحلق رأسي وأغلفه بالخطمي (٢) ففعلت فرد الله علي بصري. (٣) وقد سأله وراقه محمد بن أبي حاتم (٤) عن نشأته في طلب العلم، فأجاب عن نفسه فقال: ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب، قال: كم كان سنك؟ فقال: عشر سنين أو أقل ثم خرجت من الكتاب بعد العشر. قال: وكنت أختلف إلى الفقهاء بمرو وأنا صبي، فإذا جئت استحي أن أسلم عليهم، فقال لي مؤدب من أهلها: كم كتبت اليوم؟ فقلت: اثنين أردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخ منهم: لا تضحكوا، فلعله يضحك منكم يوماً. قال: وكنت أختلف إلى الداخلي (٥) وغيره. فقال يوماً فيما يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، فقلت له: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم فانتهرني، فقلت له ارجع إلى

стр. 21

الأصل فدخل فنظر فيه ثم خرج فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت هو الزبير بن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم مني وأحكم كتابه وقال: صدقت وقد سئل البخاري ابن كم كنت حين رددت عليه، قال: ابن إحدى عشرة سنة. قال: فلمّا طعنت في ست عشرة سنة كنت قد حفظت كتب ابن المبارك (١) ووكيع (٢) وعرفت كلام هؤلاء (قال الحافظ يعني أصحاب الرأي). قال: أبو بكر بن الأعين (٣): كتبنا عن البخاري على باب محمد بن يوسف الفريابي (٤) وما في وجهه شعرة فقلنا ابن كم أنت؟ قال ابن سبع عشرة سنة، ثم خرج ﵀ إلى الحج ورجع أخوه بأمه وبقى بمكة يكتب عن علمائها، وكان ذلك سنة (٢١٠ هـ). قال البخاري: دخلت على الحميدي (٥) وأنا ابن ثمان عشرة سنة وبينه وبين آخر اختلاف في حديث، فلما بصر بي الحميدي قال: قد جاء من يفصل بيننا فعرضا عليَّ فقضيت للحميدي على من يخالفه. قال وجعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك أيام عبد الله بن موسى ثم سافرت إلى المدينة وصنفت فيها كتاب التاريخ الكبير. قال: وصنفت كتاب التاريخ إذاك

стр. 22

عند قبر النبي ﷺ في الليالي المقمرة وقلَّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهت تطويل الكتاب. ثم واصل ﵀ الترحال في طلب الحديث ولقاء العلماء، وكانت البصرة أول مستقر له حيث مكث فيها خمس سنين يصنف ويحصل ويحج في كل سنة ثم يرجع إلى البصرة. قال ﵀: دخلت الشام ومصر والجزيرة مرتين والبصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع المحدثين. قال الحاكم (١): أول ما ورد البخاري نيسابور سنة تسع ومائتين (٢٠٩ هـ)، ووردها في الأخير سنة خمسين ومائتين (٢٥٠ هـ) أقام بها خمس سنين يحدث على الدوام. وقال البخاري ﵀ ما جلست للحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم وحتى نظرت في عامة كتب الرأي وحتى دخلت البصرة خمس مرات أو نحوها، فما تركت بها حديثاً صحيحاً إلا كتبته إلاّ ما لم يظهر لي. ومازال على هذه السيرة يجمع ويصنف فمن الغرب حيث الأخذ عن علماء مصر إلى المشرق حيث (مرو) وبلخ وهراة ونيسابور والري وجبال خرا سان مروراً بالحرمين والجزيرة والشام والكوفة والبصرة وبغداد، أما بخارى وسمرقند وطشقند فهي موطنه. قال الحاكم: " فقد رحل البخاري إلى هذه البلاد المذكورة في طلب العلم وأقام في كل مدينة على مشايخها قال: وإنما سَمّيت من كل ناحية جماعة من المتقدمين ليستدل به على عالي إسناده حتى حق له أن يقول: كتبت عن ألف شيخ من العلماء وزيادة، وليس عندي حديث إلاّ أذكر إسناده.

стр. 23

المطلب الثالث: شيوخه وتلاميذه قَدّمنا كلامه ﵀ في تعداد كثرة شيوخه، ويمكن تعدادهم ونسبتهم باعتبار الأقاليم والأمصار التي رحل إليها وجمع من علمائها. فأول سماعه ببخارى من عبد الله بن محمد الجعفي ومحمد بن سلام وجماعة وعمرو بن عبدان بن عثمان وعلي بن شفيق وهكذا من بالكوفة وبغداد، ويمكن تقسيمهم كما ذكر الإمام النووي وابن حجر باعتبار طبقاتهم. قال النووي: روينا عن أبي الفضل المقدسي (١) قال: الذين حدث عنهم البخاري في صحيحه خمس طبقات: الأولى: من حدثه عن التابعين مثل محمد بن عبد الله الأنصاري، ومكي بن إبراهيم، وأبو عاصم النبيل وعبيد الله بن موسى وأبي نعيم وغيرهم. والثانية: من كان في عصر هؤلاء لكن لم يسمع من ثقات التابعين كآدم ابن أبي إياس وأبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر وسعيد بن أبي مريم وأمثالهم. الثالثة: وهي الوسطى من مشايخه، وهم من لم يلق التابعين بل أخذ من كبار تبع الأتباع كسليمان بن حرب وقتيبة بن سعيد ونعيم بن حماد وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن

стр. 24

حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة وأمثالهم (وقد شاركه مسلم في الأخذ عنهم). الرابعة: رفقاؤه في الطلب ومن سمع قبله قليلاً كمحمد بن يحيى الذهلي وأبي حاتم الرازي ومحمد بن عبد الرحيم الملقب بـ (صاعقة) وعبد بن حميد وقد أخرج من هؤلاء ما فاته عن مشايخه أو لم يجده عند غيرهم. الخامسة: قوم في عداد طلبته سناً وإسناداً ووفاةً سمع منهم للفائدة، كعبد الأعلى وحسين المقدسي وابن أبي العاص الخوارزمي وغيرهم. قال المقدسي: ونبهنا بهذه الطبقات المختصرة لئلا يظن من لا معرفة له إذا حدث البخاري عن مكي عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة ثم حدث في موضع آخر عن قتيبة عن بكر بن مضر عن عمرو بن الحارث عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة ﵁ أن الإسناد الأول سقط منه شيء وعلى هذا سائر الأحاديث. (١) قال الحافظ وعمل في الرواية عنهم مما روى عثمان بن أبي شيبة عن وكيع قال: لا يكون الرجل عالماً حتى يحدث عمن هو فوقه وعمن هو مثله. وروى المقدسي هذا عن البخاري نفسه ﵀. (٢)

стр. 25

تلاميذه: يصعب الإحاطة بتلاميذ البخاري وبمن أخذ عنه، فقد تصدر للتحديث وهو صغير فكثر الآخذون عنه. فأهل البصرة أول ما قدم عليهم، كانوا يَعْدون في الطرقات خلفه في طلب الحديث حتى يغلبوه على نفسه ويجلسوه في بعض الطريق فيجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن يكتب عنه وهو إذ ذاك شاب لم يخرج وجهه (١)، ومرة أخرى يقدم البصرة فينادي المنادي يا أهل العلم قد قدم محمد بن إسماعيل، فيقومون فيرون شاباً لم يكن في لحيته شيء من البياض يصلي خلف الأسطوانة في جامع البصرة، ويسألونه الإملاء، فيجلس لهم بالغداة وقد حضر الفقهاء والمحدثون والحفاظ والنظار حتى اجتمع قريب من كذا وكذا ألف. (٢) وفي بغداد يذكر مستمليه: صالح بن محمد البغدادي فيقول: كنت استملي له ويجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألف، ويذكر نحو هذا محمد بن يوسف بن عاصم، فيقول: رأيت لمحمد بن إسماعيل ثلاثة مستملين ببغداد وكان قد اجتمع في مجلسه زيادة على عشرين ألف رجل. (٣) قال محمد بن يوسف الفربري (٤): سمع الصحيح من البخاري تسعون ألف رجل فما بقي أحد يروي عنه غيري. (٥)

стр. 26

وسنقتصر على من روى عنه من الأعلام ﵏ جميعاً. فمنهم: الإمام مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح (ت ٢٦١ هـ). والإمام أبو عيسى الترمذي محمد بن عيسى بن سورة صاحب السنن (ت ٢٧٩ هـ). وأبو عبد الرحمن النسائي أحمد بن شعيب (ت ٣٠٣ هـ)، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان (ت ٢٧٧ هـ). والإمام أبو إسحاق إبراهيم الحربي (١) صاحب الإمام أحمد. وصالح بن محمد (جزرة) (٢)، وإمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة (ت ٣١١ هـ). والإمام يحيى بن محمد بن صاعد (٣) وغيرهم من الأئمة.

стр. 27

المطلب الرابع: مؤلفاته (١) علمنا من كلامه ﵀ تبكيره في التصنيف فقال: فلما طعنت في ثمان عشرة جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم وذلك أيام عبيد الله بن موسى وصنفت كتاب التاريخ إذ ذاك عند قبر رسول الله ﷺ في الليالي المقمرة. (٢) وسأورد ما وقفت عليه منسوباً له مع بيان مكانه وطبعه قدر الإمكان، وسأبدأ بالكتب المطبوعة: ١ - الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه، والمعروف بصحيح البخاري وسنفرد الكلام عليه. ٢ - الأدب المفرد مطبوع بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ثم توالت طبعاته ثم حققه محمد هشام البرهاني عام ١٤٠١ ثم توالت عليه الشروح وآخر من اعتنى به العلامة الألباني، وله شرح بعنوان (فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد لفضل الله الجيلاني، خرجه وصححه محب الدين الخطيب وآخر طبعة له سنة ١٤٠٧ هـ. ٣ - التاريخ الكبير: موسوعة في أسماء الرجال وهو من أول ما صنف في هذا الفن مستوعباً للرواة من سبقه ومن عاصره وكل من جاء بعده عالة عليه وهو الذي لمّا نظر فيه الإمام إسحاق بن راهويه أدخله على الأمير عبد الله بن طاهر (٣) وقال له: أيها الأمير ألا أريك سحراً؟ فنظر فيه عبد الله بن طاهر فتعجب منه وقال: لست أفهم تصنيفه وحق للعباس بن سعيد أن يقول: لو أن رجلاً كتب ثلاثين ألف حديث لما استغنى

стр. 28

عن كتاب التاريخ تصنيف محمد بن إسماعيل البخاري، وقد ألفه ﵀ عند قبر رسول الله ﷺ في الليالي المقمرة. ٤ - التاريخ الأوسط ٥ - التاريخ الصغير وطبع في الهند سنة ١٣٠٦ هـ. وقد أشار البخاري ﵀ إلى هذه التآليف فقال: "لقد صنفت كتاب التاريخ ثلاث مرات"، ولعله يقصد هذه الثلاثة. ٦ - كتاب الضعفاء، طبع في حيدر اباد الدكن في الهند سنة ١٣٢٣ هـ. ثم حققه بوران الضناوي عام ١٤٠٤ هـ عن دار عالم الكتب. ٧ - خلق أفعال العباد. طبع مع العلو للذهبي سنة ١٣٠٦ هـ بتحقيق شمس الحق العظيم أبادي. ثم حققه د. عبد الرحمن عميرة وأخيراً ظهرت افضل الطبعات عناية وتحقيقاً وفهرسة للشيخ بدر البدر وطبع في الكويت أكثر من طبعة عن الدار السلفية. قال ابن كثير: " كان قد وقع بين محمد بن يحيى الذهلي وبين البخاري في ذلك كلام وصنف البخاري في ذلك كتاب خلق أفعال العباد". (١) ٨ - رفع اليدين في الصلاة: طبع في الهند ثم في القاهرة طبعات غير معتنى بها ثم خرج تحقيق بعنوان (قرة العين في رفع اليدين في الصلاة) تحقيق أحمد الشريف عن دار الأرقم في الكويت سنة ١٤٠٤ هـ. ٩ - القراءة خلف الإمام: طبع في المدينة باسم (خير الكلام في القراءة خلف الإمام) سنة ١٤٠٥ هـ ثم طبع في بيروت وغيرها.

стр. 29

١٠ - الأسماء والكنى: طبع في دائرة المعارف الهندية سنة ١٣٦٠ هـ. أما كتبه المخطوطة: ١١ - التفسير الكبير: وقد ذكره وراقة فقال: رأيته استلقى ونحن (بفربر) في تصنيف كتاب التفسير. ١٢ - الجامع الكبير ذكره ابن طاهر. ١٣ - بر الوالدين وقع لابن حجر بإسناد متصل. ١٤ - العلل ذكره ابن مندة ١٥ - الفوائد ذكره الترمذي في أثناء كتاب المناقب من جامعه (صـ ٤٩٢). ١٦ - قضايا الصحابة والتابعين وهو من أوائل مؤلفاته وهو ابن ثمان عشرة سنة. ١٧ - المبسوط. ١٨ - الهبة: قال وراقه: عمل كتاباً في الهبة فيه نحو خمسمائة حديث. ١٩ - الوحدان: وهم الصحابة الذين ليس لهم إلاّ حديث واحد. ٢٠ - الأشربة: ذكره الإمام الدارقطني في كتاب المؤتلف والمختلف (٤/ ٩٧٣). ٢١ - أخبار الصفات: ذكره فؤاد سزكين في تاريخ التراث العربي (١/ ١/٢٥٩). ٢٢ - الاعتقاد: رواها الإمام اللالكائي من طريق عبد الرحمن البخاري، قال سمعت محمد بن إسماعيل ثم روى له معتقده، انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ١/ ١٩٣ - ١٩٧. ٢٣ - أخبار الصفات: وهي في المكتبة الظاهرية برقم حديث ٢٠٠ ذُكر في فهرس مجلة معهد المخطوطات (١/ ١٣٧). قال البخاري ﵀: أقمت بالبصرة خمس سنين معي كتبي أصنف وأحج وأرجع من مكة إلى البصرة.

стр. 30

قال: وأنا أرجو أن يبارك الله تعالى للمسلمين في هذه المصنفات. (١) وقد استجاب الله لدعائه خاصة في كتابه الذي يعد أصح الكتب المؤلفة في الأحاديث وهو ما سنفرد الكلام عنه- إن شاء الله-. المطلب الخامس: شمائله البخاري ﵀ تربى في بيئة صالحة، فقد قال أحمد بن حفص (٢): دخلت على إسماعيل والد أبي عبد الله عند موته فقال: لا أعلم في مالي درهماً حراماً ولا درهماً من شبهة. فلا عجب - بعد توفيق الله- أن ينشأ البخاري صالحاً في هذه البيئة الصالحة. وكان من زهده ﵀ أن قال: ما توليت شراء شيء قط ولا بيعه. كنت آمر إنساناً فيشتري لي فقيل لي: ولم؟ قال: لما فيه من الزيادة والنقصان والتخليط. قال وراقه: رأيته استلقى (بفربر) (٣) في تصنيف كتاب التفسير وكان اتعب نفسه في ذلك اليوم في التخريج، فقلت له: إني أراك تقول: ما أثبت شيئاً بغير علم فما الفائدة في الاستلقاء؟ فقال: أتعبت نفسي اليوم. وهذا ثغر خشيت أن يحدث حدثٌ من أمر العدو فأحببت أن أستريح وآخذ أهبة، فإذا غافصنا (٤) العدو كان بنا حراك. وكان ﵀ ذا زهد وورع، قال مرة لأبي معشر الضرير (٥) اجعلني في حل يا أبا معشر فقال: من أي شيء يا أبا عبد الله، قال: رويت حديثاً يوماً فنظرت إليك وقد أعجبت به وأنت تحرك رأسك ويديك فتبسمت من ذلك، فقال: أنت في حل يرحمك الله يا أباعبدالله.

стр. 31

وكان يراقب الله فيما يؤلف ويحدث حتى قال مرة: الحامد والذام عندي سواء أو قال واحد. وقال: إني أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني إني اغتبت أحداً. وهو بيّن لمن نظر في كتبه في الرجال فإنه أبلغ ما يقول في الرجل الساقط أو المتروك: فيه نظر أو سكتوا عنه وإن بالغ قال منكر الحديث، وقد قال: كل من قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه. وله عناية بالعبادة، فقد صلى ذات يوم فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة فلما قضى صلاته قال: انظروا أي شيء آذاني في صلاتي، فنظروا فإذا الزنبور قد ورَّمه في سبعة عشر موضعاً ولم يقطع صلاته قال: كنت في آية فأحببت أن أتمها. وكان قليل الأكل جداً كثير الإحسان إلى الطلبة مفرط الكرم مرض في آخر عمره فعرضوا ماءه على الأطباء فقالوا: إن هذا الماء يشبه ماء بعض أساقفة النصارى فإنهم لا يأتدمون فصدقهم في قولهم وقال: لم ائتدم منذ أربعين سنة، فسئلوا عن علاجه فقالوا: علاجه الأدم، فامتنع حتى ألح عليه المشايخ وأهل العلم إلى أن أجابهم أن يأكل مع الرغيف سكرة. قال الحسن السمرقندي: كان محمد بن إسماعيل مخصوصاً بثلاث خصال: كان قليل الكلام وكان لا يطمع فيما عند الناس وكان لا يشتغل بإمور الناس. وشمائله ﵀ كثيرة، زهداً وعبادةً وكرماً وإحساناً إلى طلبة العلم ﵀ رحمة واسعة.

стр. 32

المطلب السادس: علمه وثناء الأئمة عليه: أشتهر الإمام البخاري ﵀ بطلب العلم المبكر مع الحفظ والإتقان، فقد كان يختلف مع بعض أقرانه إلى مشايخ البصرة وهو غلام فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام قالوا: فلمناه بعد ستة عشر يوماً، فقال: قد أكثرتم عليّ فاعرضوا عليّ ما كتبتم فأخرجناه فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه. وقصته مع أهل بغداد أشهر من أن تورد في قوة حفظه وسعة علمه لمّا امتحنوه بمائة حديث مغلوطة الأسانيد فردها إلى أصولها في مجلس واحد. وقد أثنى عليه علماء زمانه وأكبروه واعترفوا له بالفضل، قال الإمام أحمد بن حنبل: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل. وقال الإمام قتيبة بن سعيد (١): جالست الفقهاء والزهاد والعباد فما رأيت منذ عقلت مثل محمد بن إسماعيل وهو في زمانه مثل عمر في الصحابة، وسئل قتيبة عن طلاق السكران: فدخل محمد بن إسماعيل، فقال قتيبة للسائل: هذا أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني (٢) قد ساقهم الله إليك، وأشار إلى البخاري. وقال نعيم بن حماد (٣): محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة. وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل.

стр. 33

وقال الترمذي: لم أر أحداً بالعراق ولا بخرا سان في معرفة العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل. وقال الدارقطني (١): لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء. ولما ذكر لعلي بن المديني قول البخاري: ما تصاغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني. قال علي: ذروا قوله هو ما رأى مثل نفسه، وكلام العلماء قديماً وحديثاً أكثر من أن يستوعب ولكن هذا طرف من باب واسع. (٢)

стр. 34

المطلب السابع: محنة الإمام البخاري في [مسألة اللفظ] عاش البخاري ﵀ في الفترة التي تسلط فيها الجهمية والمعتزلة على خلفاء بني العباس ابتداءً من المأمون ثم المعتصم فالواثق فزينوا لهم القول بخلق القرآن وامتحن فيها العلماء. وليس بخاف ما حصل للإمام أحمد من ضرب وحبس بل وصل الأمر إلى القتل كما حصل لأحمد بن نصر الخز اعي (١)، الذي قتله الواثق بيده. (٢) وكان البخاري وهو من تلاميذ الإمام أحمد قد امتحن ولكن ليس بقضية خلق القرآن بل في مسألة تفرعت عنها أول من تكلم بها الحسين الكرابيسي (٣)، وهي قوله (لفظي بالقرآن مخلوق) ولمّا سئل الإمام أحمد عن ذلك، قال: هذا شرٌ من قول الجهمية من زعم هذا فقد زعم أن جبريل تكلم بمخلوق وجاء إلى النبي ﷺ بمخلوق. (٤) ولمّا دخل الإمام البخاري نيسابور كان فيها إماماً عظيماً من أئمة أهل السنة هو الإمام محمد بن يحيى الذهلي (٥) وكان من ثقات المحدثين أثنى عليه الأئمة وعدلوه وقد أخذ عنه البخاري وروى له في صحيحه وزامله في الطلب. فلما استقبله الأهالي الاستقبال العظيم قال هذا الإمام المتبوع _ أعني الذهلي-: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه فظهر الخلل في مجالس الذهلي. وقال مرة: لا تسألوه عن شيء من الكلام فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن عليه وقع بيننا وبينه وشمت بنا كل ناصبي ورافضي وجهمي ومرجئي بخرا سان. فازدحم الناس على البخاري حتى امتلأت السطوح فقام إليه رجل وسأله عن اللفظ في القرآن فأعرض عنه البخاري مرتين ثم سأله فقال: أفعالنا مخلوقة وألفاظنا من أفعالنا، قال: فوقع بين الناس اختلاف - مع زحمة المكان- فقال بعضهم: قال لفظي بالقرآن مخلوق، وقال بعضهم لم يقل فوقع بينهم خلاف. (٦) وفي رواية أنه قال: القرآن كلام الله غير مخلوق وأفعال العباد مخلوقة والامتحان بدعة. (٧) فقال الذهلي: من زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع ولا يجالس ولا يكلم ومن ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل فاتهموه فإنه لا يحضر مجلسه إلاّ من كان على مذهبه. (٨) حينئذ وقعت الوحشة وانقطع الناس عن مجلس البخاري إلاّ مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة (٩) فإنهما فضلا مجلس البخاري على مجلس الذهلي. ثم إن الإمام الذهلي أطلق: أن من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا، يعني أنه لا يجيز له الرواية عنه خاصة أنه يوحي إلى أن من ذهب إلى البخاري فلا يروي عني.

стр. 35

فقام مسلم ﵀ على رؤوس الناس وبعث إلى الذهلي كل ما رواه عنه على ظهر جمل. وحين سئل البخاري لم يفعل الذهلي به ذلك أجاب " كم يعتري محمد بن يحيى الحسد في العلم والعلم رزق الله يعطيه من يشاء"، فقال له السائل: هذه المسألة تحكي عنك؟ فقال: يا بني هذه مسألة مشئومة رأيت أحمد بن حنبل وما ناله في هذه المسألة وجعلت على نفسي أن لا أتكلم فيها. (١) وهذا هو الصحيح فإن الإمام لم يدخل هذه المسألة بهذا التصور بل وضَّح ودلَّل وأفاد فقد سمعه الإمام محمد بن نصر المر وزي (٢) يقول: من زعم أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله. فقال الراوي: يا أبا عبد الله قد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه، فقال: ليس إلاّ ما أقول وأحكي لك عنه. (٣) فهذا الإمام المر وزي ينقل هذا عن البخاري، ومن يطالع آخر كتابه الصحيح، أعني (التوحيد) خاصة آخره مع الكتاب الذي ألفه لبيان مقصده من قوله أفعالنا مخلوقة وهو كتاب (خلق أفعال العباد) عرف مقصد هذا الإمام الكبير. وسيأتي لذلك مزيد تفصيل لهذا الكلام عن مسألة اللفظ من مسائل كتاب التوحيد وتفصيل كلام الأئمة.

стр. 36

وأكتفى هنا بقوله في كتاب خلق أفعال العباد ما أسنده عن يحيى بن سعيد قوله (ما زلت أسمع من أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة) قال البخاري معلقاً: " حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة، فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب فهو كلام الله ليس بخلق (١)، وهكذا خشي البخاري على نفسه عندما سمع تهديد الذهلي بقوله (لا يساكنني في بلد) فخرج ومعه مسلم بن الحجاج حتى أن بعض المؤلفين في الجرح والتعديل من الأئمة من طلاب الذهلي، كابن أبي حاتم ترك الرواية عنه، قال في الجرح والتعديل " سمع منه أبي وأبوزرعة ثم تركاه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى الذهلي إنه أظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق. (٢) قال الذهبي: إن تركا حديثه أو لم يتركاه البخاري ثقة مأمون محتج به في العالم. (٣) وتعجب السبكي (وحق له) من هذا الكلام في ترك البخاري فقال: فيا لله والمسلمين أيجوز لأحد أن يقول: البخاري متروك؟ ؟ وهو حامل لواء الصناعة ومقدم أهل السنة والجماعة ثم يا لله والمسلمين أتجعل ممادحه مذام؟ فإن الحق في مسألة اللفظ معه إذ لا يستريب عاقل من المخلوقين في أن تلفظه من أفعاله الحادثة التي هي مخلوقة لله تعالى، وإنما أنكرها الإمام أحمد ﵀ لبشاعة لفظها. (٤)

стр. 37

وأقول: رحم الله إمام الأئمة ومقدم الأمة محمد بن إدريس الشافعي حين سأله المزني عن مسألة من الكلام، فقال: سلني عن شيء إذا أخطأت فيه قلتَ أخطأت، ولا تسألني عن شيء إذا أخطأت فيه قلت كفرت. (١) قالها ﵀ فراراً من الخوض فيما لم يرد عن الله ورسوله من الإمتحان في أمور العقيدة.

стр. 38

المطلب الثامن: وفاته بعد هذه الحياة الحافلة بطلب العلم وحفظه ونشره بين أقطار المسلمين مع ما حصل له من المحن في آخر عمره خاصة مع أمير بخارى خالد الذهلي الذي طلب منه أن يقرئه الجامع الصحيح فامتنع تكريماً للعلم، وقال لرسوله: إني لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين فإن كانت له حاجة إلى شيء منه فليحضرني في مسجدي أو في داري فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان فامنعني من المجلس ليكون لي عذر من الله يوم القيامة أني لا أكتم العلم. (١) فكانت هذه الحادثة سبباً للوحشة بينهما فنفاه الأمير من مسقط رأسه ومربع صباه وملتقى أهله وما أشدها أن يكون الظلم من ذوي القربى، والطرد من موطن الأهل ولكن (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون) فذهب إلى (خرتنك) من قرى سمرقند وهي على فرسخين منها (٢) وكان له بها أقرباء فنزل عندهم. وقد سمعه بعضهم في ليلة يدعو بعد صلاة الليل: اللهم قد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك، قال: فما تم الشهر حتى قبضه الله. قال ورّاقه: سمعت غالب بن جبريل - وهو الذي نزل عليه البخاري- يقول: أقام عندنا أياماً فمرض واشتد به المرض حتى جاء رسول من أهل سمرقند يلتمسون منه الخروج إليهم فأجاب ثم تهيأ للركوب فلبس خفيه وتعمم فلمّا مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها وأنا آخذ بعضده ورجل آخر معي يقود الدابة ليركبها، فقال ﵀: أرسلوني قد ضعفت فدعا بدعوات ثم اضطجع فقضى ﵀، فسال منه العرق شيء لا يوصف فما سكن منه

стр. 39

العرق (١) إلى أن أدرجناه في ثيابه وكان فيما أوصانا: أن كفنوني بثلاثة أثواب بيض ليس بها قميص ولا عمامة ففعلنا ذلك (٢)، وكان ذلك ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة عيد الفطر بعد أن أكمل صيام رمضان ودفن يوم الجوائز يوم عيد المسلمين العظيم بعد صلاة الظهر يوم السبت غرة شوال عام ست وخمسين ومائتين (٣) فصارت مدة حياته اثنين وستين سنة إلاّ ثلاثة عشر يوماً. ﵀ رحمة واسعة. ولم تذكر لنا المصادر شيئاً عن نسله بل غاية ما فيها أنه تسرى بجارية ثم بعد مدة أعتقها، ولكن بقي له (علم ينتفع به). نسأل الله أن يجمعنا وإياه ووالدينا في جنات النعيم.

стр. 40

المبحث الثاني التعريف بالجامع الصحيح المطلب الأول: اسمه وموضوعه. المطلب الثاني: سبب ومدة ومكان تأليفه. المطلب الثالث: منهجه في تصنيف صحيحه ومكانته. المطلب الرابع: قيمة كتاب التوحيد بين أبواب الصحيح وعناية العلماء به
следующие страницы →