وغرضه حتى لا تستقر في قلوب الضعفاء، وقد استعمل هذا في عدة مواضع من كتاب التوحيد فقال: " باب قوله ﴿كل يوم هو في شأن﴾ الرحمن ٢٩، وقوله ﴿وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ الأنبياء ٢، وقوله ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً﴾ الطلاق ١، وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى ١١، فقد بيّن بأوجز عبارة وأوضح دليل مسألة قيام الحوادث وأنه يكفي في دفعها رفع تصور المشابهة بين الخالق والمخلوق.
وما كان ﵀ يذكر الشبهة بل ربما حذر منها ومن عدم حكايتها تهويلاً لها واشفاقاً من سماعها، فكان ينقل قول ابن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية.
وقال البخاري محذراً منهم: ما أبالي صليت خلف الجهمي والرافضي أم صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يسلم عليهم، ولا يعادون، ولا يناكحون، ولا يشهدون، ولا تؤكل ذبائحهم.
خامساً: الاحتجاج بموافقة العقل الصريح للنص الصحيح
ولم يغفل البخاري الاستنباط العقلي والحوار الجدلي الواقف على أرضية الكتاب والسنة، فالبخاري كثيراً ما يعرض بقياس الشاهد على الغائب، ويؤكد على قياس الأولى فيقول:
- وإن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين.
- ويقول قال تعالى ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً﴾ البقرة ٢٢، وما ذكر في خلق أفعال العباد واكسابهم.
стр. 247
- ويقول ذكر الله غير ذكر العباد، ذكر الله بالأمر، وذكر العباد بالدعاء.
ويستنبط البخاري من النصوص أدلة عقلية على مقصوده، فيقول [ماذا قال ربكم قالوا الحق] قال البخاري: ولم يقل ماذا خلق ربكم؟
وتراه في إثبات صفة العلو يورد آيات عروج الملائكة، وصعود الكلم الطيب ونزول الملائكة.
وقال: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله﴾ الأنعام ١٩.
قال البخاري فسمى نفسه شيئاً وسمى النبي ﷺ القرآن شيئاً وهو صفة من صفاته.
وكذلك في إثبات صفة العزة لله، أورد أحاديث الحلف بالعزة، كقول أيوب (وعزتك) أراد البخاري أن الحلف بالعزة والصفات، وأن ذلك من أحكام الصفات؛ لأن لها أحكام الذات.
وهكذا فالبخاري ﵀ من مجتهدي سلف الأمة أثبت لله صفاته من غير تأويل ولا تحريف وآمن باسمائه وأحكامها، ونفى عن الله النقص، وأثبت خلق الله لافعال عباده وأن العباد لهم تصرف في أفعالهم مع عدم خروجهم عن قدر الله، كل ذلك باسلوب عميق وفهم دقيق ومنهج غير متباين من أول الكتاب إلى آخره.
يقول د. علي سامي النشار: وللبخاري منهج في الاستدلال في غاية الدقة، وذلك أن يورد النصوص من القرآن والسنة. وما هذا المنهج إلاّ منهج استقرائي شديد التتبع للنصوص وفحصها والاستنتاج منها بكل حذر ودقة واحتياط، ولم نر لأحد من المؤلفين هذه الدقة المنهجية التي سار عليها البخاري. (١)
стр. 248
الخاتمة
الحمد لله الذي يسر وأعان على إتمام هذا البحث في عرض ودراسة مسائل العقيدة عند الإمام البخاري من خلال كتاب التوحيد، آخر كتاب في جامعه الصحيح.
وقد توصلت من خلال دراسة أبوابه وأحاديثه إلى ما يلي:
١ - أن العقيدة الصحيحة التي هي أساس الدين مصدرها الكتاب والسنة، وما بني على غيرها فهو على جرفٍ هار.
٢ - إن الإمام البخاري كان من أئمة الحديث رواية ودراية، فقيهاً ملماً بإصول اعتقاد أهل السنة والجماعة على فهم السلف الصالح سائراً على نفس الطريق، لم يشذ عنهم.
٣ - لم يدخل ﵀ في متاهات علم الكلام وأهله بل ذمهم بأنهم بدلوا كلام الله وشبهوه بخلقه في قياسهم فيما اعتقدوه تنزيهاً له.
٤ - سلك ﵀ مسلك السلف في الإستدلال في إثبات صفات الله وأسماءه الحسنى بالكتاب والسنة، وفهم السلف لهذه النصوص، فهو يستدل بهم في كتابه.
٥ - لا يفهم من كلامه التعطيل ولا التحريف، بل الإثبات ونفي الكيفية.
٦ - أثبت ﵀ الأسماء الحسنى ونبه على أنها توقيفية، وأن مأخذها الكتاب والسنة، ورأى أن أحصاءها حفظها، وليست محصورة بعدد معين.
стр. 249
٧ - أثبت ﵀ جميع صفات الله الذاتية والفعلية، ولم يؤل الصفات الخبرية، بل أثبت الوجه واليد والأصابع والعين والنزول وغيرها ﵀.
٨ - أثبت ﵀ رؤية المؤمنين لربهم وأنها ممكنة في الآخرة، واستدل لها بالكتاب والسنة.
٩ - أثبت أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأنه صفة من صفاته، وأن الله تكلم بكلام قديم متى شاء تكلم به، وأنه يتكلم مع من يشاء، فتكلم مع الأنبياء وأهل الجنة ومع الملائكة، وأن كلامه يتفاضل وأن بعضه أفضل من بعض، وأن الله يتكلم بحرف وصوت كما يليق بجلاله.
١٠ - كان له موقف من مسألة اللفظ أُتهم به وهو منه بريء، وكان يقول إن التلاوة غير المتلو، فالتلاوة فعل القاري والمتلو كلام الباري.
١١ - تكلم ﵀ في أفعال العباد وفرق بينها وبين أفعال الله، وبيّن أن أفعال الرب غير مخلوقة، وأن المخلوق هو المنفصل عنه الكائن بفعله وأمره وتكوينه، وبيّن أن أفعاله كصفاته داخلة في مسمى اسمه ليست منفصلة خارجة مكونة، بل وضح أن بها يقع التكوين، فوافق بهذا التفصيل أئمة المسلمين، بل نقل في كتابه (خلق أفعال العباد) جماعة كثيرة من السلف عدهم هناك وأنهم يقولون معه بهذا القول.
١٢ - الضابط الذي استعمله ﵀ في جميع مسائله ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ وهو ضابط السلف في التعرض لمسائل الإعتقاد.
стр. 250
١٣ - أبان للباحث مخالفة غالب شراح البخاري لغرضه من التراجم، وبأن ذلك من النظر في استدلاله وتأويل الشراح له، واتضح كثيراً عند الرجوع إلى تصريحه في كتابه (خلق أفعال العباد)
ويقترح الباحث في نهاية هذا البحث:
١) تدريس كتاب التوحيد للبخاري كمقرر دراسي في الجامعات خاصة أهل الاختصاص في أقسام العقيدة، حيث تميز بعدة مميزات:
١ - صفاء العقيدة وسلامتها.
٢ - جودة الترتيب ودقة التبويب.
٣ - شحذ أذهان الطلاب لمعرفة المسائل والتراجم.
٢) تشجيع الباحثين على بيان مسائل الاعتقاد من كتب الحديث، مع العناية بالصحيح منها، إذ هي المصدر الثاني للتشريع، وكتابة الرسائل الجامعية فيها.
٣) تنبيه الباحثين على وجوب موافقة كتب السنة في الاعتقاد، كما وافقوها في مسائل العبادات، وحث المسلمين على أخذ عقائدهم من صحيح البخاري، وكتب السنن الأصلية بعيداً عن تعقيدات كتب الكلام وآراء الأنام.
стр. 251
وفي الختام هذا جهد المسكين وبضاعته المزجاة، اجتمع فيها ضيق الوقت وقصر الباع وليس هذا تواضعاً، بل هذا الواقع. فأسأل الله أن لا يحرمنا ما فيه من أجر، فما فيه من خير فمن الله، وما فيه من نقص فمن نفسي والشيطان، والله ورسوله منه بريئان، والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله على نبينا محمد.، ،