← Акыда

Акыда · id 142136

مسائل العقيدة في كتاب التوحيد من صحيح البخاري

يوسف الحوشان

Полный текст (251 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

كأني غير منكر له وأخرت قضاء حاجته حتى ضاق صدره فرفع رأسه إلى السماء وقال: يا الله فقلت له: أنت محقق! لمن ترفع رأسك؟ وهل فوق عندك أحد؟ فقال: استغفر الله ورجع عن ذلك لما تبين له أن اعتقاده يخالف فطرته ثم بينت له فساد هذا القول فتاب من ذلك ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم (١) ولعظم هذه المسألة وظهورها لدى أئمة أهل العلم أفردوها بالتأليف كابن قدامة في (إثبات صفة العلو) وابن القيم (اجتماع الجيوش الإسلامية) والذهبي (العلو للعلي الغفار) وغيرهم ممن جعلها ضمن مسائل العقيدة ﵏ جميعاً وقبلهم جميعاً أشار اليها امامنا البخاري ونوع في الأدلة عليها وساق الارشادات البديعة والاستنباطات من النصوص وأورد الأدلة العقلية التي فهمها من كلام الله وكلام رسول الله ﷺ

стр. 212

الفصل الثالث: ما ورد في الرؤية رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة بأبصارهم من المسائل التي تضافرت عليها النصوص وتواترت فيها الآثار وقام عليها إجماع سلف الأمة وسألوا الله أن لا يحرمهم النظر إليه ولكن أبا جهم ومن تبعه من المعتزلة وغيرهم إلا نفي الرؤية وحجتهم " إن إثبات الرؤية يؤدي إلى حدوث الله لان الشيء إنما يرى إذا كان مقابلاً أو حالاً في المقابل وهذه من صفات الأجسام فيوجب ذلك أن يكون الله تعالى جسماً وإذا كان جسماً صار محدثاً وإذا كان جسماً تجوز عليه الحاجة. (١) وكان ذلك أصلاً من قول جهم الذي نفى الرؤية أحد أصوله كما نقل لنا ذلك الإمام احمد ﵀ في رده على الجهمية فذكر أن الجهم بنى اصل كلامه على ثلاث آيات تشتبه معانيها على من لا يفهمها وذكر منها آية نفي الإدراك لينفي بها الرؤية والمباينة قال تعالى ﴿لا تدركه الأبصار﴾ الأنعام ١٠٣ (٢) ونفى الرؤية عن الله مع النصوص الواردة الكثيرة مؤذن بكفرنا فيه وقد نقل هذا عن الإمام احمد ﵀ أنه قال: من قال أن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر عليه لعنة الله وغضبه من كان من الناس. (٣) وليس للنافين للرؤية إلا تأويل بعض الأدلة أو التعليق بمفهوم بعضها كقوله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ أو حجة. أن الرؤية توجب كون المرئي محدثاً حالاً في مكان فأولوا قوله ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ القيامة ٢٢ - ٢٣، بأنها منتظرة وهذا خلاف تفسيرها الذي

стр. 213

أثُر عن السلف قال ابن عباس “ مسرورة إلى ربها (ناظرة) قال تنظر إلى ربها، ومثله عن الحسن البصري ومجاهد وعكرمة. (١) قال الإمام أبو الحسن الأشعري " ولا يجوز أن يكون عني نظر الانتظار لان النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه (٢) قال وهذا مما يبطل قول المعتزلة: لان نظر الانتظار لا يكون مقروناً بقوله (إلى) لأنه لا يجوز عند العرب أن يقولوا في نظر الانتظار (إلى) (٣) وقد قيل للإمام مالك: أن أقواماً يقولون تنظر ما عنده فقال: بل تنظر إليه نظراً (٤) وأما قولهم أن قوله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ فيه نفي للرؤية لأن الآية عامة عندهم فهذا لا يسلم لهم لان المنفي هنا هو الإدراك فالإدراك هو الإحاطة ونفي الإحاطة لا يستلزم نفي الرؤية فقد تقع الرؤية بدون الإدراك وقد يقع إدراك بلا رؤية. فقوم موسى قالوا له (إنا لمدركون) مع قوله ﴿فلما تراءى الجمعان﴾ فقال موسى (كلا إن معي ربي سيهدين) فنفى موسى ﵇ الإدراك مع إثبات الترائي. وهذا هو تفسير ابن عباس لما تكلم في الرؤية فقال له رجل أليس قال الله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ فقال له ألست ترى السماء قال بلى قال أتراها كلها قال: لا فبين له أن نفي الإدراك لا يقتضي نفي الرؤية. (٥)

стр. 214

وما دليلهم العقلي إن الرؤية توجب تجسيم وحدوث المرئي فهذه على جميع منكري الصفات من قياسهم الأمور الغيبية على ما ألفوه في دنياهم وقياس الخالق بالمخلوق. قال ابن بطال (وما تمسكوا به فاسد لقيام الأدلة على أن الله تعالى موجود والرؤية في تعلقها بالمرئي بمنزلة العلم في تعلقه بالمعلوم فإذا كان تعلق العلم بالمعلوم لا يوجب حدوثه فكذلك المرئي. (١) هذه هي أقوي أدلة المعترضين للرؤية ولأهل السنة الآيات الصريحة والأحاديث الكثيرة في هذه الكرامة التي يمن الله بها على عباده. وقد بوب البخاري بهذه الآية فقال: باب قول الله تعالى ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة﴾ القيامة ٢٢، ٢٣. وقد تقدم قول السلف فيها وقد بلغ الإمام أحمد أن رجلاً قال: إن الله لا يرى في القيامة فقال: لعنه الله من كان من الناس - أليس الله يقول ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ وقال ﴿كلا انهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون﴾ (٢) المطففين ١٥. ثم ساق الإمام البخاري ﵀ الأدلة من السنة على الرؤية منها حديث جرير ﵁ قال: كنا جلوساً عند النبي ﷺ إذا نظر إلى القمر ليلة البدر قال: " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته " الحديث. والحديث الآخر: " إنكم سترون ربكم عياناً ". وحديث: " إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته".

стр. 215

وفي هذه الأحاديث تأكيد من رسول الله ﷺ للرؤية بأن وبالفعل المضارع المسبوق بالسين وبقوله (كما ترون هذا القمر) مع إشارته إليه فأي بيان بعد ذلك. وقوله (لا تضامون) بفتح التاء وتشديد الميم والمعنى إنكم ترون ربكم رؤية واضحة لا تحتاجون في رؤيته أن ينضم بعضكم إلى بعض لتتساعدوا على الرؤية كما يقع عند رؤية الأمور الخفية. (١) وقوله (إنكم سترون ربكم عياناً) ومعناه عياناً أي بأعينكم وهذا الحديث ذو دلالة واضحة، وقوله (إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا) يعني القمر فيه دلالة على أن الرؤية ستقع يوم القيامة وليس هناك تشبيه للمرئي بالمرئي بل تشبيه بالرؤية للرؤية ثم ساق ﵀ حديث أبي هريرة الطويل وفيه: الذي دلالته من أوضح الدلالات حيث سأل الصحابة الرسول ﷺ هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فأجابهم " هل تضارون في القمر ليلة البدر " فقالوا: لا يا رسول الله قال: (فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب) فقالوا لا يا رسول الله، فقال: (فإنكم ترونه كذلك) وهنا بين ﵊ انهم سيرونه كما يرون القمر ليلة البدر والشمس ليس دونها سحاب. وفي سياق الحديث: (فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه)، فانهم سيرونه ﵎ على صورته اللائقة بجلاله وقد أطال أهل العلم الكلام في الصورة.

стр. 216

وقد أمر أئمة السلف بإجراء هذه الصفة كغيرها من الصفات فقد سئل الإمام احمد عن حديث خلق الله آدم على صورته فقال: لا تفسره ما لنا أن نفسره كما جاء الحديث وقال أيضاً: سمعت الحميدي (١) بحضرة سفيان بن عيينة فذكر هذا الحديث " خلق الله على صورته " فقال: من لا يقول بهذا فهو كذا وكذا يعني من الشتم وسفيان ساكت لا يرد عليه شيئاً. (٢) وقد قال الإمام ابن قتيبة، أو الذي عندي والله تعالى اعلم أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين وإنما وقع الألف لتلك لمجيئها في القرآن وقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن ونحن نؤمن بالجميع ولا نقول في شيء منه بكيفية ولاحد (٣) ثم ساق البخاري رواية أبي سعيد الخدري لحديث الرؤية وفيه " فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فلا يكلمه إلا الأنبياء فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونها فيقولون الساق فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن " الحديث فيقال في الصورة والساق ما يقال في بقية الصفات كما تقدم في الصفات الذاتية والله أعلم ثم يسوق ﵀ حديث انس في الشفاعة وشاهده فيها قوله ﵇ “ فاستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجداً ".

стр. 217

وقد كرره في الحديث ثلاث مرات فالنبي ﵊ سوف يراه وكذلك غيره من المؤمنين. وكذلك حديث انس حين جمع الرسول ﷺ الأنصار في قبة وقال لهم (اصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض) فقد ذكر اللقاء هو ما يقتضي الرؤية والمعاينة. ثم أورد حديث ابن عباس في دعاء صلاة التهجد وفيه (أنت الحق وقول الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق) فاللقاء يتضمن الرؤية وهو شاهد البخاري في هذا الحديث. ثم أورد حديث عدي بن حاتم: ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه). فليس بين العبد وبين الرب ما يمنع رؤيته إذ المؤمن لا يحجب بعكس الكافر الذي قال فيه ﴿كلا انهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون﴾. ثم حديث (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهة في جنة عدن، ففيه قرب لقاء المؤمنين بربهم ورؤيتهم له وبينه وبينهم حجاب الكبرياء فإذا أذن لهم رفع رداء الكبرياء وعن وجهه كما هو ظاهر الحديث - والله أعلم. وهكذا ساق بقية الأحاديث ﵀ بمثل هذه الشواهد. (١)

стр. 218

الفصل الرابع: ما ورد في صفة الكلام أخذت صفة الكلام وما يتبعها من مسألة خلق القرآن وغيرها حيزاً كبيراً في الفكر الإسلامي ولا نبالغ إذا قلنا من أنها من المسائل التي افترقت فيها أهل الفرق بين بعضها البعض في الفرقة الواحدة تجد الاختلاف الكبير، حتى أن (الايجي) يذكر أن علم الكلام إنما سمي بذلك للاختلاف في هذه الصفة. (١) أما من ينكر هذه الصفة فهو من أنكر غيرها من صفات الله ﵎ وبنفس الحجج السابقة، فالجهمية والمعتزلة متفقون في نفي الكلام عن الله من أنه صفة له فالمعتزلة يقولون أنه متكلم حقيقة وحقيقة ذلك عندهم أنه خلق كلاماً في غيره. (٢) والجهمية تارة يصرحون بنفي أن يكون متكلماً حقيقة (٣) وتارة يقرون باللفظ ويقرونه بأنه خلق في غيره كلاماً. قال شيخ الإسلام: والجهمية تارة يبوحون بحقيقة القول فيقولون: إن الله لم يكلم موسى تكليماً ولا يتكلم وتارة لا يظهرون هذا اللفظ لما فيه من الشناعة والمخالفة لدين الإسلام

стр. 219

واليهود والنصارى فيقرون باللفظ ولكن يقرونه بأنه خلق في غيره كلاماً (١) وهنا نعلم أن الجهمية والمعتزلة متفقون على أن الكلام لا يقوم به تعالى وان ما يضاف إليه من كلام هو الحروف والأصوات التي يخلقها في غيره فالقرآن مفعول محدث إلا أن الجهمية ينفون أن يكون الله متكلماً حقيقة رغم تصريحهم بذلك أحياناً والمعتزلة يثبتون أنه متكلم حقيقة إذ كان خالق الكلام في غيره يسمى عندهم متكلماً حقيقة قال القاضي عبد الجبار (ولا خلاف بين جميع أهل العدل أن القرآن مخلوق محدث مفعول لم يكن ثم كان) (٢) وهناك رأي آخر في هذه المسألة إذ لم يكن في ذلك الوقت غير أهل السنة ومخالفيهم من الجهمية والمعتزلة حتى جاء ابن كلاب فقال إن كلام الله قديم وأنه معنى واحد وأنه لا يتعلق بمشيئته الله وإرادته. قال الإمام أبو نصر السجزي (فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل وهم لا يخبرون أصول السنة ولا ما كان السلف عليه ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك. - إلى أن قال - قالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام وانما سمى ذلك كلاماً على المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه وحقيقة الكلام: معنى قائم بذات المتكلم. . . قال: ثم خرجوا من هذه إلى أن إثبات الحرف والصوت في كلامه سبحانه تجسيم واثبات اللغة فيه تشبيه. (٣)

стр. 220

ويريد ابن كلاب ومن وافقه إن الحروف والأصوات حكاية عن كلام الله خلقها الله لتدل على ذلك المعنى القائم بذاته تعالى وهو أربعة معان: الأمر والنهي والخبر والإستخبار إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً وان عبر عنه بالعبرية كان توراة، واصل كلامه قائم على نفيه للصفات الاختيارية هروباً من القول بحلول الحوادث. قال الإمام أبو الحسن الأشعري مفصلاً مذهبه: قال عبد الله بن كلاب إن الله لم يزل متكلماً، وان كلام الله سبحانه صفة له قائمة به وأنه قديم بكلامه وان كلامه قائم به كما إن العلم قائم به والقدرة قائمة به وهو قديم بعلمه وقدرته وان الكلام ليس بحروف ولا صوت ولا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض وأنه معنى واحد بالله وان الرسم هو الحروف المتغايرة، وقال ابن كلاب: إن معنى قوله تعالى ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ التوبة ٦ معناه: حتى يفهم كلام الله، قال الأشعري: (ويحتمل على مذهبه أن يكون معناه حتى يسمع التالين يتلونه) (١) وأما السلف فهم يؤمنون أن الكلام صفة قائمة به سبحانه غير بائنة عنه، لا ابتداء لاتصافه بها ولا انتهاء يتكلم بها بمشيئته واختياره ولا يشبه كلام المخلوقين وكلامه احسن الكلام ويكلم به من شاء من خلقه: من ملائكته ورسله وسائر عباده بواسطة إن شاء أو بغيرها، ويسمعه على الحقيقة من شاء من ملائكته ورسله ويسمعه عباده في الدار الآخرة بصوت نفسه كما أنه كلم موسى بصوت، وكما أن كلامه لا يشبه كلام المخلوقين فان صوته لا يشبه أصواتهم وكلماته لا حصر ولا نهاية لها، وكلامه ينقسم ويتبعض ويتجزأ فالقرآن من كلامه والإنجيل من كلامه والقرآن غير التوراة والإنجيل والفاتحة بعض القرآن وآية الكرسي بعض

стр. 221

سورة البقرة وكلامه يتفاضل فيكون بعضه افضل من بعض فآية الكرسي أفضل من غيرها من الآيات، وكلامه يتعاقب يتلو بعضه بعضاً، كل ذلك غير مخلوق بألفاظ وحروف ولا تشبه كلام المخلوقين وأصوات العباد وحركاتهم بالقرآن وورق المصحف وجلده ومداد الكتابة كل ذلك مصنوع مخلوق، والمؤلف من الحروف المنطوقة المسموعة المسطورة المحفوظة كلام الله تعالى غير مخلوق بحروفه ومعانية. (١) هذا جملة ما فهمته من تبويب البخاري ﵀ لهذه المسائل مع النظر في كلام الإمام أحمد وأبى داود وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم من الأئمة ممن كتب في هذه المسألة ولهم على كل فقرة دليل وعلى كل شبهة ردّ والحمد لله ولطول هذه المسائل التي تحتمل رسالة خاصة، فاستقتصر على أهم الشبه التي تمسك بها المخالفون ثم التعرض لثلاث مسائل مهمة هي: مسألة خلق القرآن، ومسألة اللفظ ومسألة أفعال العباد وهي ما أفرد لها البخاري كتاباً مستقلاً سآتي على أهم مسائله وهو (خلق أفعال العباد) وقد ألفه لهذه المسألة أعني الخلاف في مسألة الكلام. (١) إثبات صفة الكلام: أدلة أهل السنة على هذه الصفة كثيرة منها: - قوله تعالى ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله﴾ التوبة ٢٥٣. - قوله تعالى ﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾ النساء ١٦٤. - قوله تعالى ﴿ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾ الأعراف ١٤٣.

стр. 222

وقوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ التوبة ٦. ومن السنة الشريفة حديث أبي هريرة في احتجاج آدم وموسى فقال له آدم: (يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده). (١) وحديث ابي هريرة قال: قال ﷺ (فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه. (٢) ومن كلام الصحابة قول عائشة ﵂ في قصة الإفك (ووالله ما كنت أظن أن الله ينزل براءتي وحياً يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى). (٣) وعن فروة بن نوفل الأشجعي (٤) قال: كنت جاراً لخباب فخرجنا يوماً من المسجد وهو آخذ بيدي فقال: " يا هناه، تقرب إلى الله ما استطعت فانك لن تقّرب إليه بشيء ٍ أحب إليه من كلامه - يعني القرآن - ". (٥) إلى غير ذلك من آثار التابعين ﵏. وأما باقي المسائل فستكون ضمن الموضوعات التي أشرت إليها آنفاً حيث سأكتفي بكلام الإمام البخاري ﵀.

стр. 223

أولاً: مسألة خلق القرآن: أول ظهور لهذه المسألة وهذه الفتنة كان في أواخر عهد بني أمية على يد الجعد بن درهم وأخذها عنه الجهم بن صفوان فنسبت إليه، وفي أوائل العهد العباسي في بداية القرن الثالث أثار هذه المسألة بشر المريسي وأخذها عنه ابن أبي دؤاد (١) والذي كان قاضياً للمأمون فاستغل السلطة السياسية التي أجبرت الناس على هذا القول، قال الذهبي - وكان المأمون يجل أهل الكلام ويتناظرون في مجلسه (٢) وقد خاض معركة شرسة مع أئمة السنة لجعل هذه المسألة عقيدة عامة المسلمين بل وتدرس في الكتاتيب ولا يخفى مقام الإمام أحمد في هذه المسألة وخلف المأمون المعتصم الذي زاد على أخيه بتعذيب الأئمة في ذلك ثم خلفه ابنه الواثق - الذي نهج نهج من سبقه ثم كشف الله الغمة بأخيه المتوكل وقطع داء هذه الفتنة واعز الله به أهل السنة وكان ذلك كله في حياة الإمام البخاري يشهده ويعاصره إذ بداية هذه المسألة كانت سنة ٢١٨ هـ حتى سنة ٢٣٣، وقد توفى البخاري ﵀ سنة ٢٥٦ هـ. وقد انقسم الناس عند ظهور هذه الفتنة إلى أربعة أقسام: ١ - أهل الحق وأهل السنة والجماعة الذي قالوا: إن القرآن كلام الله غير مخلوق. ٢ - الجهمية والمعتزلة ومن سار على طريقتهم قالوا القرآن مخلوق. ٣ - الواقفة وهم فئة قالت: لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق. ٤ - اللفظية: الذين قالوا: كلام الله غير مخلوق وألفاظنا به مخلوقة.

стр. 224

أما أهل السنة فأدلتهم أكثر من أن تحصر وقدمت شيئا منها. (١) وسأتعرض للمخالفين باختصار أما الجهمية والمعتزلة فانهم يقولون بان القرآن مخلوق وأدلتهم من مفهوم بعض الآيات كقوله تعالى ﴿الله خالق كل شيء﴾ الرعد ١٦ - والقرآن داخل في هذا العموم. ويرد عليهم بأن عموم (كل) إنما هو بحسب الموضع الذي ترد فيه، فـ (بلقيس) (أوتيت من كل شيء) ولم تؤت ملك سليمان ولا غيره وقد قال الله أيضاً ﴿قل أي شيء اكبر شهادة قل الله﴾ الأنعام ١٩، فسمى الله نفسه شيئاً والمخلوق شيء عندهم والله هو الخالق وليس بمخلوق وصفاته تابعة لذاته والقرآن كلامه وكلامه صفته وصفته غير مخلوقة وهنا يتضح خطأ المعتزلة في هذا الاستدلال خاصة أنه يناقض أصلهم في أن أفعال العباد عندهم غير مخلوقة فأخرجوها من عموم (كل) في دليلهم وادخلوا صفة الله فبان اضطرابهم. ثم استدلوا بقوله تعالى ﴿إنا جعلناه قرآنا عربياً﴾ الزخرف ٣، قالوا والجعل الخلق. ويرد عليهم بان الجعل يأتي متعدٍ إلى مفعول وإلى مفعولين فهو يستعمل بمعنى خلق إذا تعدى إلى مفعول واحد كقوله تعالى ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ الأنعام ١. وربما تعدى إلى مفعول واحد ولا يكون بمعنى خلق كقوله تعالى: ﴿وجعلوا لله شركاء﴾ الأنعام ١٠٠. لكن إن تعدى إلى مفعولين فلا يكون بمعنى (خلق) بأي حال كقوله تعالى: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا﴾ الأنبياء ٧٣. ومثله قوله تعالى وهذا استدلال المعتزلة ﴿إنا جعلناه قرآناً عربياً﴾ فالمفعول الأول الضمير والثاني) (قرآناً) والمعنى قلناه قرآناً عربياً أو بيناه. قال الإمام احمد في ذلك (فقد قال الله تعالى ﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾ أفخلقهم؟ (٢) وقد أطال الأئمة في بيان كفر من قال بخلق القرآن، قال الإمام أحمد: من قال القرآن مخلوق فهو عندنا كافر. وقال حين سئل عمن يقول القرآن مخلوق؟ فقال: كنت لا أكفرهم حتى قرأت آيات من القرآن ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾ البقرة ١٢٠ ﴿بعد الذي جاءك من العلم﴾ آل عمران ٦١، ﴿أنزله بعلمه﴾ النساء ١٦٦، فالقرآن من علم الله ومن زعم أن علم الله مخلوق فهو كافر (٣) وقد عقد الإمام الدارمي فصلا في الرد على الجهمية فقال: باب الاحتجاج في إكفار الجهمية. (٤) وأما الواقفة: وهم الذين وقفوا فانهم لم يقولوا مخلوق لا غير مخلوق. قال الدارمي: ومع وقوفهم لم يرضوا حتى نسبوا إلى البدعة من خالفهم سواء من قال القرآن مخلوق أو غير مخلوق (٥) وأول ظهور هذه المسألة كان في زمن الإمام أحمد وكان إمامهم رجل من أهل العلم يقال له محمد بن شجاع الثلجي (٦) وهو من تلاميذ بشر المريسي وكانوا يسمونه (ترس الجهمية)

стр. 225

ثم اظهر التوبة من صحبة المريسي ثم اظهر الوقف ولم يقبل منه الإمام أحمد هذه التوبة لأنه كان يشنع على أهل السنة ويضع عليهم الأحاديث وقد كذب على الإمام أحمد غير مره (١) ومذهبه في أن القرآن كلام الله وهو مُحَدث كان بعد أن لم يكن وبالله كان وهو الذي أحدثه وامتنع عن إطلاق القول بأنه مخلوق أو غير مخلوق (٢)، وقد شنع الأئمة على الواقفة وانهم شر من الجهمية وانهم شكاك يستترون بالوقف ويخدعون الناس فإنهم إذا يقفوا لم يعرف الناس مذهبهم فيستميلون العامة بهذا القول وأما الجهمية فقد بان أمرهم وعرفهم الناس فيجتنبونهم، وقد تصدى لهم الإمام أحمد وشدد عليهم وقال (من شك فقد كفر) (٣)، وقال أيضاً (هؤلاء شر من الجهمية إنما يريدون رأى جهم) وقال الإمام إسحاق بن راهوية فيمن يقف (هو عندي شر من الذي يقول مخلوق لأنه يقتدي به غيره). (٤) وقد أطال النقاش معهم الدارمي في رده على الجهمية وفرق بين من كان من أهل الكلام والعناد وبين من لم يكن من أهل الكلام فأنه يعلم ويبصر ويقال له: القرآن كلام الله غير مخلوق فان امتنع فهو من الجهمية. وقد سئل الإمام أحمد عن من وقف ولم يقل " غير مخلوق " قال: أنا أقول: القرآن كلام الله فقال: يقال له: إن العلماء يقولون غير مخلوق فان أبى؛ فهو جهمي. (٥)

стр. 226

وقال: من كان منهم يحسن الكلام فهو جهمي (١) - وقال أبو داود ﵀ ورأيت الإمام أحمد سلم عليه رجل من أهل بغداد ممن وقف فيما بلغني فقال له: اغرب؛ لا أراك تجيء إلى بابي) في كلام غليظ ولم يرد ﵇ وقال: ما أحوجك إلى أن يصنع بكل كما صنع عمر بن الخطاب ﵁ بصبيغ ودخل بيته وردّ الباب. (٢) قال ابن قتيبة مبيناً حال الاختلاف في وقته وكان معاصراً لهذه المقولة (ولم أر في هذه الفرق ممن أمر بالسكوت والتجاهل بعد هذه الفتنة وإنما يجوز أن يؤمر بهذا قبل تفاقم الأمر ووقوع الشحناء وليس في غرائز الناس احتمال الامساك عن أمر في الدين قد انتشر هذا الانتشار، وظهر هذا الظهور. ولو امسك عقلائهم ما امسك جهلاؤهم، ولو أمسكت الألسنة ما أمسكت القلوب، ثم قال ﵀: وكل من ادعى شيئاً أو انتحل نحلة فهو يزعم أن الحق فيما ادعى وفيما انتحل خلا الواقف الشاك فأنه يقر على نفسه بالخطأ لأنه يعلم أن الحق في أحد الأمرين اللذين وقف بينهما (٣)، وهكذا عد الأئمة الواقفة من الجهمية ومن أهل البدعة. ولعظم هذه المسألة أطال الإمام اللالكائي في عدّ من تكلم من السلف في هذه المسألة فأطال وافاد ﵀ (٤) وأما اللفظية: فان مسألة اللفظ بالقرآن من المسائل الدقيقة خاصة إنها حصلت بين جماعة من أهل السنة وأفاضل العلماء كما قال شيخ الإسلام (ومسألة اللفظ بالقرآن قد

стр. 227

اضطرب فيها أقوام لهم علم وفضل ودين وعقل وجرت بسببها مخاصمات ومهاجرات بين أهل الحديث والسنة). (١) وإلا فالأصل في هذه المسألة إنها ليست من مأثور صحابة رسول الله ﷺ ولا تابعيهم كما قال الإمام الطبري " وأما القول في ألفاظ العباد بالقرآن فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي مضى ولا تابعي قضى ". (٢) فمن أين جاءت هذه المسألة الحادثة ومتى بدأت؟ أول من عرف عنه هذه المسألة أبو علي الحسين بن علي الكرابيسي فقيه معاصر للإمام أحمد كان مشتغلاً بالعلم وصحب الإمام الشافعي وهو أول من قال " لفظي بالقرآن مخلوق " فبلغ قوله الإمام أحمد فأنكره وقال: بدعة ثم قال الإمام أحمد: إنما بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها وتركوا الآثار. (٣) وهذه المسألة دقيقة بين العلماء فهماً وقولاً ولذلك قال ابن قتيبة " وإنما اختلفوا في فرع لم يفهموه لغموضه ولطف معناه فتعلق كل فريق منهم بشعبة منه. (٤) ولما قال الكرابيسي لفظنا بالقرآن مخلوق أراد بعض أهل السنة أن يردوا عليه فقال ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة فردوا البدعة ببدعة. ولبيان حقيقة هذه المسألة العظيمة وأن منشأ النزاع فيها الذي - كما يصفه ابن تيمية - لا يكاد ينضبط أنه يعود إلى أصلين: أحدهما: أن أفعال العباد مخلوقة.

стр. 228

والثاني: مسألة تلاوة القرآن وقراءته واللفظ به هل يقال مخلوق أو غير مخلوق؟ وقد نص الإمام أحمد على رد المقالتين هو وسائر أئمة السنة من المتقدمين والمتأخرين. (١) ثم انقسم الناس بعد ذلك في هذه المسألة إلى ثلاثة أقسام: ١ - اللفظية النافية: وهم الذين يقولون إن ألفاظنا بالقرآن مخلوقة والتلاوة غير المتلو والقراءة غير المقروء ونسب هذا القول إلى غير واحد من المعروفين بالسنة والحديث: كالحسين الكرابيسي ونعيم بن حماد، والبويطي (٢)، والحارث الحاسبي. ٢ - اللفظية المثبتين: وهم الذين يقولون إن ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة والتلاوة هي المتلو والقراءة هي المقرئ ونسب هذا القول إلى غير واحد من المنتسبين إلى السنة والحديث، منهم: الإمام الذهلي، وأبو حاتم الرازي وأبو عبد الله بن منده وأبو نصر السجزي وغيرهم. ٣ - الذين لا يقولون بكل ذلك بل القرآن كلام الله غير مخلوق ولا التلاوة هي المتلو مطلقاً ولا غير المتلو مطلقاً. وقالوا: من قال لفظي بالقرآن وتلاوتي أو قراءتي مخلوقة فهو جهمي ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع. (٣) وقد نسب زوراً إلى الإمام البخاري أنه قال: لفظي بالقرآن مخلوق وقد قدمنا في ترجمته براءته من ذلك من قوله هو، وابين كلامه هنا في هذه المسألة من كتابة الجامع الصحيح

стр. 229

ومابوب به لأجل هذه المسألة أثناء هذا البحث إن شاء الله فليس هناك اختلاف بينه وبين الإمام أحمد. . ونشير هنا إلى أن الإمام أحمد ابتلى باللفظية النافية وردّ عليهم أكثر من غيرهم لوجهين: أحدهما أن قولهم يفضي إلى زيادة التعطيل والنفي. وجانب النفي - أبدا - شر من جانب الإثبات؛ فان الرسل جاءوا بالإثبات المفصل في صفات الله وبالنفي المجمل فوصفوه بالعلم والرحمة والقدرة والحكمة والكلام والعلو وغير ذلك من الصفات، وفي النص ﴿ليس كمثله شيء﴾ ﴿ولم يكن له كفواً أحد﴾ وأما الخارجون عن حقيقة الرسالة: من الصابئة - الفلاسفة والمشركين وغيرهم ومن تجهم من إتباع الأنبياء فطريقتهم (النفي المفصل) ليس كذا، ليس كذا. وفي الإثبات أمر مجمل ولهذا يقال: المعطل أعمى والمشبه أعشى فأهل التشبيه مع ضلالهم خير من أهل التعطيل (والوجه الآخر) أن الإمام أحمد ابتلى بالجهمية المعطلة فهم خصومه فكان همه منصرفاً إلى رد مقالاتهم دون أهل الإثبات فان لم يكن في ذلك الوقت والمكان من هو داع إلى زيادة في الإثبات كما ظهر من كان يدعو إلى زيادة في النفي والإنكار يقع بحسب الحاجة والبخاري لما ابتلى (باللفظية المثبتة) ظهر إنكاره عليهم كما ظهر لنا من تراجم كتاب التوحيد وكما في خلق أفعال العباد. (١) وقد أجمل الإمام الذهبي خلاف هذه المسألة فقال فيمن قال لفظي بالقرآن مخلوق " أن قال: لفظي وعني به بالقرآن فنعم وان قال لفظي قصد به تلفظي وصوتي وفعلي أنه مخلوق فهذا مصيب فالله تعالى خالقنا وخالق أفعالنا وأدواتنا لكن الكف عن هذا هو السنة ويكفي المرء

стр. 230

أن يؤمن بان القرآن العظيم كلام الله ووحيه وتنزيله على قلب نبيه ﷺ وأنه غير مخلوق ومعلوم عند كل ذي ذهن سليم إن الجماعة إذا قرؤوا السورة انهم جميعاً قرؤوا شيئاً واحداً وان أصواتهم وقراءتهم وحناجرهم أشياء مختلفة، فالمقروء كلام ربهم وقراءتهم وتلفظهم ونغماتهم متباينة ومن لم يتصور الفرق بين التلفظ والملفوظ فدعه وأعرض عنه. (١) وهنا سنبين موقف البخاري لصفة الكلام وما يلحق بها عرض لأبواب البخاري في هذه المسائل: ١ - القرآن كلام الله حقيقة. وبوب له بقوله (باب قول الله تعالى، يريدون أن يبدلوا كلام الله وقوله ﴿أنه لقول فصل﴾ ثم ينوع ﵀ في بيان كلامه تعالى فيورد الأحاديث القدسية النزول وقوله قال الله أنفق أنفق عليك. ومثله حديث النزول وفيه: يقول الله ٢ - ثم يبين ان كلامه قديم ويتكلم متى شاء سبحانه فقال باب ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين﴾ وبين في حديث أبي هريرة (إن رسول الله ﷺ قال: (لما قضى الله الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي) فبين أن كلمة الله سبقت وجود الرسل والمرسل إليهم فهي قبل الخلق وهذا ما أشار إليه البخاري (في خلق أفعال العباد) فقال (إنما قولنا لشيء إذا أردناه آن نقول له كن فيكون) قال: فاخبر أن أول خلق خلقه بقوله فاخبر أن كلامه قبل خلقه. (٢)

стр. 231

٣ - وباب " وكلم الله موسى تكليماً " وفيه أحاديث اثبات لفظ التكلم من الله خاصة حديث الإسراء الطويل وكلام النبي ﷺ مع الله ثم بين ﵀ أن القرآن منزل غير مخلوق لان القرآن من علم الله وعلم الله غير مخلوق وهذا استدلال لطيف منه فقال (باب قوله ﴿أنزله بعلمه والملائكة يشهدون﴾ وفيه أحاديث منها (آمنت بكتابك الذي أنزلت) ومنها (اللهم منزل الكتاب) وغيرها. ٤ - وبين: أن كلامه متى شاء ومع من شاء. فبوب بكلامه مع الملائكة ومع الأنبياء فقال: باب في المشيئة والإرادة ثم أورد الأحاديث الكثيرة الدالة على مشيئة الله وبوب بـ: كلام الرب مع جبريل ونداء الله الملائكة. واورد قول معمر ﴿وانك لتلقى القرآن﴾ النمل ٦٠ أي: يلقى عليك وتلقاه انت أي تأخذه عنهم ومثله ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾ البقرة ٣٧. وحديث (إن الله إذا احب عبداً نادى جبريل) وغيره من كلام الله مع ملائكته متى شاء وان كلامه في الآخرة يوم القيامة يقع مع الأنبياء وغيرهم فقال: باب كلام الرب يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم وساق ﵀ أحاديث الشفاعة وفيه (يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع) وحديث (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان). ثم ينوع ﵀ فيأتي بكلامه أيضاً مع أهل الجنة ويبوب لذلك ويورد حديث (إن الله يقول لاهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك وسعديك. . الحديث). ٥ - ويأتي ﵀ إلى مسألة مهمة وهي أن كلام الله بحرف وصوت.

стр. 232

وقوله هذا هو قول أهل السنة من قبله أن كلام الله بحرف وصوت وان صوته لا يشبه صوت المخلوقين وقد فصل البخاري هذه المسألة بالتبويب والأحاديث اجمل تفصيل. وأسوق قبل ذلك كلام الأئمة في هذه المسألة، قال عبد الله بن احمد قلت لأبي: إن هاهنا من يقول: إن الله لا يتكلم بصوت فقال: يا بنى هؤلاء الجهمية زنادقة إنما يدورون على التعطيل (١) وقال: سألت ابي عن قوم يقولون لمّا كلم الله موسى لم يتكلم بصوت؛ فقال أبي: بلى إن ربك تكلم بصوت، هذه الأحاديث نرويها كما جاءت. (٢) وقال الإمام السجزي (وليس في وجود الصوت من الله تعالى تشبيه بمن يوجد الصوت منه من الخلق كما لم يكن في إثبات الكلام له تشبيه بمن له كلام من خلقه. (٣) وأكد مثل ذلك الإمام عبد القادر الجيلاني ﵀ قال: فالأخبار تدل على أن كلام الله صوت ولا كصوت الآدميين (٤) وقد فصل الحافظ ابن حجر ﵀ في هذه المسألة ونظر إلى تأويل البيهقي وغيره بعين الإنصاف خاصة من تضعيف حديث البخاري في إثبات الصوت وقال " إذا اثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به". (٥) قال الإمام البخاري، باب قوله تعالى ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾ سبأ ٢٣، قال

стр. 233

البخاري ولم يقل: ماذا خلق ربكم ثم أورد شاهداً للآية من كلام ابن سعود " فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت وعرفوا أنه الحق ". ثم بين ﵀ إن صوته لا يشبه أصوات خلقه وهو ما نص عليه في (خلق أفعال العباد) فقال بعد حديث الباب وهو (يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب). قال البخاري: وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق لان صوت الله جل ذكره يسمع من بعد كما يسمع من قرب؛ وان الملائكة يصعقون من صوته فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا وقال الله ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً﴾ البقرة ٢٢. فليس لصفة الله ند، ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين. (١) ولاجل كلامه السابق هذا نعلم سبب إدخاله باب ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً﴾ بعد أن ساق أبواب الكلام والصوت واللفظ وغيرها فرحمه الله من إمام حصيف أراد التنبيه على ذلك حيث صرح هو بذلك في (خلق أفعال العباد). ٦ - ويفرد الإمام البخاري عدة أبواب لينبه على مسألة مهمة كانت معاصرة له وهي مسألة من يقول إن القرآن حكاية عن كلام الله وهل ينتقل من مكان إلى مكان وهل هو عبارة واحدة بسيطة. وهذا ردّ منه ﵀ على الكلابية ومن تبعهم الذين يرون ان القرآن العربي ليس هو كلام الله وإنما كلامه المعنى القائم بذاته والقرآن العربي خلق ليدل على ذلك المعنى وأيضاً الرد على الكرامية الذين يقولون أنه تكلم بالقرآن بعد أن لم يكن متكلماً.

стр. 234

فقال: باب قوله تعالى ﴿يريدون ان يبدلوا كلام الله﴾ الفتح ١٥، ثم اتبعه بأبواب كلام الله مع الأنبياء يوم القيامة مع الملائكة ومع جبريل ومع غيرهم تدل على انتقال كلامه وهذا رد على الكلابية بخلاف قول المعتزلة الذين يرون انتقاله لكن على مذهبهم أنه مخلوق وقال: باب قوله ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين﴾ الصافات ١٧١، فكلامه قبل خلقه فأنه يخلق بالأمر كن فهو متكلم وليس كما قالت الكرامية أنه تكلم بعد أن لم يكن متكلم. ٧ - وأما موقف البخاري من مسألة اللفظ في كتاب التوحيد فأنه أطال فيها النفس ونوع فيها الأدلة لكي يبين موقفه ﵀ بالأدلة الصريحة. وهنا انقل كلاماً نفيساً كمقدمة لكلام البخاري وهو ما قاله الإمام ابن قيم الجوزية قال: الحق ما عليه أئمة الإسلام كالإمام أحمد والبخاري واهل الحديث: إن الصوت صوت القاري والكلام كلام الباري وقد اختلف الناس هل التلاوة غير المتلو أو هي المتلو؟ على قولين، والذين قالوا التلاوة هي المتلو فليست حركات الإنسان عنهم هي التلاوة وإنما أظهرت التلاوة وكان سبباً لظهورها وإلاّ فالتلاوة عندهم هي نفس الحروف والأصوات هي القديمة، والذين قالوا: التلاوة غير المتلو طائفتان: إحداهما: قالت: التلاوة هي هذه الحروف والأصوات المسموعة وهي مخلوقة والمتلو هو المعنى القائم بالنفس وهو قديم وهذا قول الاشعري. (١) والطائفة الثانية: قالوا: التلاوة هي قراءتنا وتلفظنا بالقرآن والمتلو هو القرآن العزيز المسموع بالآذان بالآداء من (في) رسول الله ﷺ وهذا قول السلف وأئمة السنة والحديث

стр. 235

فان قيل: فإذا كان الأمر كما قررتم فكيف أنكر الإمام أحمد على من قال: لفظي بالقرآن مخلوق وبدّعة ونسبه إلى التجهم، وهل كانت محنة ابي عبد الله البخاري إلاّ على ذلك حتى هجره أهل الحديث ونسبوه إلى القول بخلق القرآن. قيل: معاذ الله أن يظن بأئمة الإسلام هذا الظن الفاسد، فقد صرح البخاري في كتابه (خلق أفعال العباد) (١) وفي آخر الجامع بان القرآن كلام الله غير مخلوق. فخفي تفريق البخاري وتمييزه على جماعة من أهل السنة والحديث ولم يفهم بعضهم مراده (٢)، وهذا هو عين ما أشار إليه البخاري ﵀ حاكياً ما نقل عنه أنه لم يفهم فقال: " ونحن على قول عمر حيث يقول: اني قائل مقالة قدر لي أن أقولها فمن عقلها ورعاها فليحدث بها حتى تنتهي به راحلته ومن خشي ألا يعيها فاني لا أحل له أن يكذب عليّ (٣)؛ والبخاري ميز في هذه المسألة وأشبعها ﵀ وفرق بين ما قام بالرب وبين ما قام بالعبد وأوقع المخلوق على تلفظ العباد وأصواتهم وحركاتهم وإكسابهم ونفى اسم الخلق عن الملفوظ وهو القرآن الذي سمعه جبريل من الله وسمعه محمد ﷺ من جبريل. (٤) وسأعرض لتبويبه واستشهاده ﵀ في هذه المسألة ووجه الاستشهاد والله المستعان. فقال: باب قوله تعالى ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً﴾ البقرة ٢٢ وقوله ﴿ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لان أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من المشركين﴾ الزمر ٦٥.

стр. 236

قال الحافظ: وغرضه هنا الرد على من لم يفرق بين التلاوة والمتلو وقال: باب ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ القيامة ١٦، وفعل النبي ﷺ حيث ينزل الوحي وذكر حديث ابن عباس كان يعالج من شدة التنزيل وكان يحرك شفتيه: فانزل الله ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرأنه﴾ قال: جمعه في صدرك ثم تقرؤه فإذا قرأناه فاتبع قرأنه قال الحافظ: " وهذا من أوضح الأدلة على أن القرآن يطلق ويراد به القراءة فان المراد بقوله ﴿قرأنه﴾ في الآيتين القراءة لا نفس القرآن. وقال: باب ﴿واسروا قولكم أو اجهروا به﴾ الملك ١٣، وفيه نزل قوله ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ الإسراء ١١٠، أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن - الحديث. قال ابن المنير: إنما قصد البخاري الإشارة إلى النكتة التي كانت سبب محنته بمسألة اللفظ فأشار بالترجمة إلى أن تلاوة الخلق تتصف بالسر والجهر وذلك يستدعي كونها مخلوقه (١) ومثل ذلك في الباب الذي يليه، باب قول النبي ﷺ (رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار ورجل يقول لو أتيت مثل ما أوتى هذا فعلت مثل ما يفعل. قال البخاري: فبين أن قيامه بالكتاب فعله (٢) ثم قال وقال تعالى: ﴿ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم والوانكم﴾ الروم ٢٢، قال البخاري بعد هذه الآية في خلق أفعال العباد: فمنها العربي ومنها العجمي فذكر اختلاف الألسنة والألوان وهو كلام العباد (٣) وهكذا في جملة أبواب يبين فيها كلها إن القراءة فعل القاري ومتصفة بما تتصف الأفعال به ومتعلقة بالظروف المكانية والزمانية أسوة بالأفعال كلها، وقد ختم ﵀ صحيحه

стр. 237

بالحديث العظيم كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان وبوب لها بقوله: باب قول الله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط﴾ الأنبياء ٤٧ وقال: وان أعمال بني آدم وقولهم يوزن؛ قال ابن القيم: مراد ابي عبد الله بهذا الاستدلال أن النقل في الميزان والخفة على اللسان متعلق بفعل العبد وكسبه وهو صوته وتلفظه لا يعود إلى ما قام بالرب تعالى من كلامه وصفاته؛ ثم قال: والبخاري اعلم بهذه المسألة وأولى بالصواب فيها من جميع من خالفه وكلامه أوضح وامتن من كلام ابي عبد الله، فان الإمام أحمد سد الذريعة حيث منع إطلاق لفظ المخلوق نفياً وإثباتاً على اللفظ - فالذي قصده احمد - إن اللفظ يراد به أمران، أحدهما الملفوظ نفسه وهو غير مقدور للعبد ولا فعل له (والثاني) التلفظ به والآداء له وفعل العبد فإطلاق الخلق على اللفظ قد يوهم المعنى الأول وهو خطأ واطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الثاني وهو خطأ فمنع الإطلاقين (١)؛ وأما البخاري ﵀ فقد فصل وبين واشبع الكلام دفاعاً عما اتهم به ونصحاً للمسلمين من الاختلاف وتبديع بعضهم لبعض قال ﵀: وحرم الله أهل الأهواء كلهم ان يجدوا عند أشياعهم أو بأسانيدهم حكماً من أحكام الرسول ﷺ أو فرضاً أو سنة من سنن المرسلين إلاّ ما يعتلون بأهل الحديث اذ بدالهم كالذين جعلوا القرآن عضين فآمنوا ببعض وكفروا ببعض فمن ردّ بعض السنن مما نقله أهل العلم فيلزمه أن يرد باقي السنن حتى يتخلى عن السنن والكتاب وأمر الإسلام اجمع والبيان في هذا كثير (٢)

стр. 238

الفصل الخامس: ما ورد في أفعال العباد تكلم الإمام البخاري في مسألة أفعال العباد وأنها مخلوقة لله وان العبد له مشيئة وليس مسلوباً لها وأطال في هذه المسألة وألف لها كتاباً خاصاً، ولأنها داخلة من وجه في مسألة اللفظ سأقتصر على أهم الأقوال فيها خاصة حين يعرضها الإمام البخاري بنفسه فيقول: اختلفت الناس في الفاعل والمفعول والفعل: فقالت القدرية: الأفاعيل من البشر ليست من الله. وقالت الجبرية: الأفاعيل كلها من الله. وقالت الجهمية: الفعل والمفعول واحد لذلك قالوا: لكن مخلوق. وقال أهل العلم: التخليق فعل الله وأفاعيلنا مخلوقة لله لقوله تعالى ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به أنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق﴾ الملك ١٤. - ثم يضيف موضحاً - يعني السر والجهر من القول. ففعل الله صفة الله والمفعول غيره من الخلق ويقال: لمن زعم اني لا أقول: القرآن مكتوب في المصحف ولكن القرآن بعينه في المصحف يلزمك أن تقول: ان من ذكر الله في القرآن من الجن والإنس والملائكة والمدائن ومكة والمدينة وغيرهما، وإبليس وفرعون وهامان وجنودهما والجنة والنار عاينتهم بأعيانهم في المصحف لان فرعون مكتوب فيه كما أن القرآن مكتوب ويلزمك أكثر من هذا حيث يقول في المصحف وهذا أمرٌ بين لأنك تضع يدك على الآية وتراها بعينيك ﴿الله لا اله إلا هو الحي القيوم﴾ البقرة ٢٥٥ فلا يشك عاقل بان الله هو المعبود وقوله ﴿الله لا اله إلا هو الحي القيوم﴾ هو قرآن.

стр. 239

وكذلك جميع القرآن هو قوله والقول صفة القائل موصوف به فالقرآن قول الله والقراءة والكتابة والحفظ للقرآن هو فعل الخلق لقوله ﴿فاقرأوا ما تيسر منه﴾ (١) المزمل ٢٠، وهنا نرى الإمام البخاري ناقش هذه المسألة تبعاً لمسألة اللفظ؛ كما بوب لذلك بقوله" باب قوله تعالى: ﴿واسروا قولكم أو اجهروا به أنه عليم بذات الصدور﴾ وأراد بهذه الآية أن أفعال الله وأوصافه لا تشتبه بأفعال العباد وأوصافهم، فان أقوال العباد الموصوفة بأنهم يجهرون بها أو يسرونها هي أقوالهم وأعمالهم. أما كلامه وفعله فلا يكون وصفاً للعباد بأنه قولٌ لهم أو فعل لهم. وقد قال الإمام أحمد أفاعيل العباد مخلوقة وأفاعيل العباد بقضاء وقدر. وقال: الاستطاعة لله والقوة ما شاء الله كان من ذلك وما لم يشأ لم يكن ليس كما يقول هؤلاء - يعني المعتزلة - الاستطاعة إليهم. (٢) وسأله حنبل مرة: أفاعيل العباد مخلوقة قال: نعم مقدرة عليهم بالشقاء والسعادة، فأهل السنة يخالفون الجهمية الجبرية والمعتزلة القدرية ويعتقدون أن الله خالق أفعال العباد ولا خالق

стр. 240

سواه وليس بوسع المخلوق أن يخلق فعله - وهنا تنبيه - وهو أننا إذ قلنا إن الله خالق أفعال العباد فليس معنى هذا أنه يجوز أن يتصف بها أو تعود أحكامها إليه، لكنها تعود للإنسان الذي فعلها وقامت به وصارت فعلاً له، لان من لم يفرق بين فعل الله حقيقة وفعل العبد حقيقة يلزمه أحد محذورين. الأول: أن يصف الله بأفعال عباده ومعلوم ما فيها من ظلم وكذب. الثاني: أن ينفي عن الله ما أثبته لنفسه من أنه خالق كل شيء. وهذان أمران عظيمان فالله لا يوصف بشيء من مخلوقاته بل صفاته قائمة بذاته وقد أكثر البخاري ﵀ من الاستدلال أن أهل العلم يفرقون بين الخلق والمخلوق، فقد تدرج ﵀ في هذه المسألة فقال (باب ما جاء في قوله ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾ الأعراف ٥٦، فبين أن الرحمة صفة ذات له كقوله تعالى ﴿وربك الغني ذو الرحمة﴾ ١٣٢ الأنعام؛ وتكون مفعولاً له مخلوقاً ثم أورد حديث في بعض طرقه (هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده) ومراده بيان أن الرحمة تطلق على المخلوق فتكون مخلوقة لله مفعولاُ له ومثله باب قول الله تعالى ﴿إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا﴾ فاطر ٤١، فاثبت فيه جنس الفعل في قوله ﴿يمسك﴾ وهذا مدخل لطيف على أنه فعال لما يريد ونبه عليه رداً على المعتزلة وغيرهم، وعلق بقوله في خلق أفعال العباد (إلاّ المعتزلة: فإنهم ادعوا أن فعل الله مخلوق وان أفعال العباد غير مخلوقة وهذا خلاف علم المسلمين. (١)

стр. 241

ثم صرح ﵀ في باب - ما جاء في تخليق السموات والأرض وغيرها من الخلائق وهو فعل الرب ﵎ وأمره - فالرب بصفاته وفعله وأمره (وكلامه) (١) هو الخالق المكون غير مخلوق وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون فبين ﵀ أوضح بيان أن التخليق فعل الله والمخلوقات وقعت بفعل الله والمخلوق ليس هو فعل الله وإنما مفعوله؛ ووضح ذلك في خلق أفعال العباد فقال: وأما الفعل من المفعول فالفعل إنما هو أحداث الشيء والمفعول هو الحدث لقوله ﴿خلق السموات والأرض﴾ الأنعام ٧٣، فالسموات والأرض مفعولة وكل شيء سوى الله بقضائه فهو مفعول فتخليق السموات فعله لأنه لا يمكن أن تقوم سماء بنفسها من غير فعل الفاعل وإنما تنسب السماء إليه لحال فعله ففعله من ربوبيته حيث يقول كن فيكون ولكن من صنعته وهو الموصوف به كذلك قال: رب السموات ورب الأشياء وقال النبي ﷺ " رب كل شيء ومليكه ". (٢) قال ابن القيم معلقاً على كلام البخاري في تبويبه: وهذه الترجمة من أدّل شيء علي دقة علمه ورسوخه وهي فصل في مسألة الفعل والمفعول وقيام أفعال الرب وانها غير مخلوقة وان المخلوق هو المنفصل عنه الكائن بفعله وأمره وتكوينه. وفرق بين ما يقوم بالرب وما لا يقوم به وبيّن أن أفعاله كصفاته داخلة في مسمى اسمه ليست منفصلة خارجة مكونة بل بها يقع التكوين (٣) وقد اكتفيت في بيان مراد البخاري من كلامه هو ان كان بعيداً عن أقوال الشراح ولا يخفى أهمية ذلك حتى قال الحافظ في مثل هذه المسألة " ثم وجدت بيان مراده في كتابه الذي

стр. 242

أفرده في خلق أفعال العباد " (١) وبعد ذكره لتأويل ابن بطال لكلام البخاري في هذه المسألة قال الحافظ " ولم يعرج على ما أشار إليه البخاري فله الحمد على ما انعم. (٢) وبهذا اختم هذا المبحث واسأل الله التوفيق والسداد.

стр. 243

ملحق في منهج البخاري ﵀ في بيان مسائل العقيدة ورده على المخالفين تميز الإمام البخاري ﵀ في بيانه لمسائل العقيدة ورده على المخالفين بمميزات تجمعه مع أئمة السلف الكبار الذين يقتدى بهم، ذلك ما فهمته من كتاب التوحيد وما نص عليه في (خلق أفعال العباد)، فمن ذلك: أولاً: تعظيمه للآثار ١ - ويتمثل ذلك باحتجاجه بالكتاب الكريم والسنة المطهرة، فالآية الصريحة يبوب بها لكي يتضح مراده منها، لا يأولها ولا يحرفها، فيورد آيات الصفات مرتبة ويتبعها بالأحاديث الصريحة لا يفرق بين ما كان منه متواتراً أو أحاداً، إذ الجميع عنده بمنزلة واحدة إذا كانت صحيحة، وأن كان في عرضه لمسائل العقيدة يتحرز من أولئك الذين لا يقبلون خبر الواحد، فيبوب بآيات غالباً ليوحي أن هذه المسألة ثابتة بالقرآن أصلاً. ٢ - الاحتكام إلى هذه الآثار في حالة الإختلاف، ولذلك كثيراً ما يورد قوله تعالى ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ النساء ٥٩، وقوله ﵊ (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ)، وكان يقول: فافترقوا على أنواع جهلاً بلا حجة أو ذكر إسناد وكله من عند غير الله.

стр. 244

٣ - الرجوع في هذه الآثار إلى تفسير السلف فهو ينقل عن الصحابة في التفسير وعن تابعيهم كما في الإستواء عن أبي العالية وعن مسروق (١) وقبلهما عن ابن عباس وغيره من السلف. ٤ - بيانه للأدلة غير الصريحة والرد عليها بإيراده للآيات والأحاديث الصحيحة مقابلة للآراء البشرية والفهم المخالف، فالآية التي يفهمونها على غير وجهها يتبعها بالحديث الذي يوضحها كقوله ﴿إلى ربها ناظرة﴾ اتبعها بقوله ﷺ (إنكم سترون ربكم) وهكذا في أمثلة كثيرة. ثانياً: الاحتكام إلى اللغة العربية ولذلك تجده ﵀ كثيرا ما يورد كلام أئمة اللغة خاصة اكثاره عن ثلاثة منهم: ابن الأعرابي والفراء وأبي عبدالقاسم بن سلام في مواضع كثيرة من صحيحه. قال: وإن لم يعلم هذا المعترض اللغة فليسأل أهل العلم من أصناف الناس. وقال: وما تحملنا على كثرة الإيضاح والشرح إلاّ معرفتنا بعجمة كثير من الناس، ثم نقل قول الحسن: إنما أهلكتكم العجمة. وقال البخاري أيضاً: إن أ: ثر مغاليط الناس من هذه الأوجه، الذين لم يعرفوا المجاز من التحقيق، ولا الفعل من المفعول، ولا الوصف من الصفة.

стр. 245

ثالثاً: التمسك بالألفاظ الشرعية وبيان مراد المتكلم فالبخاري مثل السلف لا يقولون بشيء لم يرد، وإذا تكلم متكلم يستوضحون منه مراده، فقد بوب ﵀ لمسألة من يقول القرآن غير الله، وهي مسألة حادثة، فقال: باب قوله تعالى ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ الفتح ١٥. وقال ﵀: وأما قوله فهل يرجع إلى الله إلاّ باللفظ الذي تلفظ به، فإن كان الذي تلفظ به قرآناً فهو كلام الله، قيل له: ما قولك تلفظ به؟ فإن اللفظ غير الذي تلفظ به لأنك تلفظت بالله وليس الله هو لفظك. والبخاري ماهر في شرح المصطلحات الشرعية موضح لها، حتى يفهم المتلقي، فيقول: باب ذكر الله بالأمر. وذكر العباد بالدعاء والتضرع والرسالة والبلاغ، ثم يدلك لكل ذلك. ويقول في موضع آخر: فقوله تعالى ﴿فاذكروا الله كذكركم آباءكم﴾ البقرة ٢٠٠، يشرح أن ذكر العبد ربه غير ذكر الله عبده؛ لأن ذكر العبد الدعاء والتضرع، وذكر الله الإجابة، كما قال الله وقال النبي ﷺ : (إني لا أقول إلاّ ما في القرآن). رابعاً: الإيجاز في عرض الشبهة وجوابها

стр. 246

وغرضه حتى لا تستقر في قلوب الضعفاء، وقد استعمل هذا في عدة مواضع من كتاب التوحيد فقال: " باب قوله ﴿كل يوم هو في شأن﴾ الرحمن ٢٩، وقوله ﴿وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ الأنبياء ٢، وقوله ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً﴾ الطلاق ١، وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى ١١، فقد بيّن بأوجز عبارة وأوضح دليل مسألة قيام الحوادث وأنه يكفي في دفعها رفع تصور المشابهة بين الخالق والمخلوق. وما كان ﵀ يذكر الشبهة بل ربما حذر منها ومن عدم حكايتها تهويلاً لها واشفاقاً من سماعها، فكان ينقل قول ابن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. وقال البخاري محذراً منهم: ما أبالي صليت خلف الجهمي والرافضي أم صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يسلم عليهم، ولا يعادون، ولا يناكحون، ولا يشهدون، ولا تؤكل ذبائحهم. خامساً: الاحتجاج بموافقة العقل الصريح للنص الصحيح ولم يغفل البخاري الاستنباط العقلي والحوار الجدلي الواقف على أرضية الكتاب والسنة، فالبخاري كثيراً ما يعرض بقياس الشاهد على الغائب، ويؤكد على قياس الأولى فيقول: - وإن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين. - ويقول قال تعالى ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً﴾ البقرة ٢٢، وما ذكر في خلق أفعال العباد واكسابهم.

стр. 247

- ويقول ذكر الله غير ذكر العباد، ذكر الله بالأمر، وذكر العباد بالدعاء. ويستنبط البخاري من النصوص أدلة عقلية على مقصوده، فيقول [ماذا قال ربكم قالوا الحق] قال البخاري: ولم يقل ماذا خلق ربكم؟ وتراه في إثبات صفة العلو يورد آيات عروج الملائكة، وصعود الكلم الطيب ونزول الملائكة. وقال: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله﴾ الأنعام ١٩. قال البخاري فسمى نفسه شيئاً وسمى النبي ﷺ القرآن شيئاً وهو صفة من صفاته. وكذلك في إثبات صفة العزة لله، أورد أحاديث الحلف بالعزة، كقول أيوب (وعزتك) أراد البخاري أن الحلف بالعزة والصفات، وأن ذلك من أحكام الصفات؛ لأن لها أحكام الذات. وهكذا فالبخاري ﵀ من مجتهدي سلف الأمة أثبت لله صفاته من غير تأويل ولا تحريف وآمن باسمائه وأحكامها، ونفى عن الله النقص، وأثبت خلق الله لافعال عباده وأن العباد لهم تصرف في أفعالهم مع عدم خروجهم عن قدر الله، كل ذلك باسلوب عميق وفهم دقيق ومنهج غير متباين من أول الكتاب إلى آخره. يقول د. علي سامي النشار: وللبخاري منهج في الاستدلال في غاية الدقة، وذلك أن يورد النصوص من القرآن والسنة. وما هذا المنهج إلاّ منهج استقرائي شديد التتبع للنصوص وفحصها والاستنتاج منها بكل حذر ودقة واحتياط، ولم نر لأحد من المؤلفين هذه الدقة المنهجية التي سار عليها البخاري. (١)

стр. 248

الخاتمة الحمد لله الذي يسر وأعان على إتمام هذا البحث في عرض ودراسة مسائل العقيدة عند الإمام البخاري من خلال كتاب التوحيد، آخر كتاب في جامعه الصحيح. وقد توصلت من خلال دراسة أبوابه وأحاديثه إلى ما يلي: ١ - أن العقيدة الصحيحة التي هي أساس الدين مصدرها الكتاب والسنة، وما بني على غيرها فهو على جرفٍ هار. ٢ - إن الإمام البخاري كان من أئمة الحديث رواية ودراية، فقيهاً ملماً بإصول اعتقاد أهل السنة والجماعة على فهم السلف الصالح سائراً على نفس الطريق، لم يشذ عنهم. ٣ - لم يدخل ﵀ في متاهات علم الكلام وأهله بل ذمهم بأنهم بدلوا كلام الله وشبهوه بخلقه في قياسهم فيما اعتقدوه تنزيهاً له. ٤ - سلك ﵀ مسلك السلف في الإستدلال في إثبات صفات الله وأسماءه الحسنى بالكتاب والسنة، وفهم السلف لهذه النصوص، فهو يستدل بهم في كتابه. ٥ - لا يفهم من كلامه التعطيل ولا التحريف، بل الإثبات ونفي الكيفية. ٦ - أثبت ﵀ الأسماء الحسنى ونبه على أنها توقيفية، وأن مأخذها الكتاب والسنة، ورأى أن أحصاءها حفظها، وليست محصورة بعدد معين.

стр. 249

٧ - أثبت ﵀ جميع صفات الله الذاتية والفعلية، ولم يؤل الصفات الخبرية، بل أثبت الوجه واليد والأصابع والعين والنزول وغيرها ﵀. ٨ - أثبت ﵀ رؤية المؤمنين لربهم وأنها ممكنة في الآخرة، واستدل لها بالكتاب والسنة. ٩ - أثبت أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأنه صفة من صفاته، وأن الله تكلم بكلام قديم متى شاء تكلم به، وأنه يتكلم مع من يشاء، فتكلم مع الأنبياء وأهل الجنة ومع الملائكة، وأن كلامه يتفاضل وأن بعضه أفضل من بعض، وأن الله يتكلم بحرف وصوت كما يليق بجلاله. ١٠ - كان له موقف من مسألة اللفظ أُتهم به وهو منه بريء، وكان يقول إن التلاوة غير المتلو، فالتلاوة فعل القاري والمتلو كلام الباري. ١١ - تكلم ﵀ في أفعال العباد وفرق بينها وبين أفعال الله، وبيّن أن أفعال الرب غير مخلوقة، وأن المخلوق هو المنفصل عنه الكائن بفعله وأمره وتكوينه، وبيّن أن أفعاله كصفاته داخلة في مسمى اسمه ليست منفصلة خارجة مكونة، بل وضح أن بها يقع التكوين، فوافق بهذا التفصيل أئمة المسلمين، بل نقل في كتابه (خلق أفعال العباد) جماعة كثيرة من السلف عدهم هناك وأنهم يقولون معه بهذا القول. ١٢ - الضابط الذي استعمله ﵀ في جميع مسائله ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ وهو ضابط السلف في التعرض لمسائل الإعتقاد.

стр. 250

١٣ - أبان للباحث مخالفة غالب شراح البخاري لغرضه من التراجم، وبأن ذلك من النظر في استدلاله وتأويل الشراح له، واتضح كثيراً عند الرجوع إلى تصريحه في كتابه (خلق أفعال العباد) ويقترح الباحث في نهاية هذا البحث: ١) تدريس كتاب التوحيد للبخاري كمقرر دراسي في الجامعات خاصة أهل الاختصاص في أقسام العقيدة، حيث تميز بعدة مميزات: ١ - صفاء العقيدة وسلامتها. ٢ - جودة الترتيب ودقة التبويب. ٣ - شحذ أذهان الطلاب لمعرفة المسائل والتراجم. ٢) تشجيع الباحثين على بيان مسائل الاعتقاد من كتب الحديث، مع العناية بالصحيح منها، إذ هي المصدر الثاني للتشريع، وكتابة الرسائل الجامعية فيها. ٣) تنبيه الباحثين على وجوب موافقة كتب السنة في الاعتقاد، كما وافقوها في مسائل العبادات، وحث المسلمين على أخذ عقائدهم من صحيح البخاري، وكتب السنن الأصلية بعيداً عن تعقيدات كتب الكلام وآراء الأنام.
следующие страницы →