стр. 141
← Улюм аль-хадис следующие страницы →
Улюм аль-хадис · id 142182
المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق
راوية بنت عبد الله بن علي جابر
Полный текст (604 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 142
تعريف الترمذي (ت ٢٧٩ هـ):
قال الترمذي ﵀ في آخر كتابه الجامع: "كلُّ حديث يُرْوى لا يكون في إسناده من يُتَّهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًا، ويُرْوى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن." (١)
تعريف الخطابي (ت ٣٨٨ هـ):
عرّفه الخطابي ﵀ وذلك بعد أن ذكر أقسام الحديث وعرّف بالصحيح منها ثم أتبعه بتعريف الحسن- فقال: "والحسن منه ما عُرِف مخرجه (٢)
стр. 143
стр. 144
стр. 145
"فإن الحسن معناه الذي له حال بين حالي الصحيح والضعيف" (١)
وقال في موضع آخر من كتابه بشيء من التفصيل: "ونعني بالحسن، ما له من الحديث منزلة بين منزلتي الصحيح والضعيف، ويكون الحديث حسنا هكذا، إما بأن يكون أحد رواته مختلفا فيه؛ وثقه قوم وضعفه آخرون، ولا يكون ما ضعف به جرحا مفسراً، فإنه إن كان مفسراً، قدم على توثيق من وثقه، فصار به الحديث ضعيفا.
وإما بأن يكون أحد رواته؛ إما مستورا وإما مجهول الحال." (٢)
стр. 146
стр. 147
تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):
قال ابن الصلاح ﵀: " الحديث الحسن قسمان:
أحدهما: الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذب في الحديث، أي لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث ولا سبب آخر مفسق، ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا، وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل.
القسم الثاني: أن يكون راويه من المشهورين (١) بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرا (٢)، ويعتبر في كل هذا - مع سلامة الحديث من أن يكون شاذا ومنكرا - سلامته من أن يكون معللا.
وعلى القسم الثاني يتنزل كلام الخطابي." (٣)
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
لقد قسّم ابن الصلاح الحديث الحسن إلى قسمين، وإن لم يميّز كل قسم باسم خاص، لكنه اشترط في أحدهما مجيئه من طرق أخرى، ولم يشترط في الآخر ذلك. (٤)
стр. 148
ودارت أغلب تعريفات من جاء بعده حول اختصار أو تعقّب أو دمج ما جاء في تعريفه،
فممن اختصر تعريفه النووي (ت ٦٧٦ هـ) (١)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) إلا أنه تعقّب ابن الصلاح في إيراده تعريف الترمذي للحسن، واستنكر وجوده في كتب الترمذي، ولعل ذلك سهوٌ منه ﵀ (٢).
وقد أشار ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (٣) -وتبعه في ذلك تلميذه الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) (٤) - إلى الاضطراب الحاصل في تحرير معنى الحديث الحسن، مما دعا الذهبي -أثناء مناقشته للتعريفات- إلى أن يصوغ ثلاثة تعريفات (٥) ذكرها مبثوثةً أثناء مناقشاته
لتعريفات من سبقه، كان أولها أنه قال: "الحسن ما ارتقى عن درجة الضعيف، ولم يبلغ
стр. 149
درجة الصحة." (١) ثم أتبعه بقوله: "وإن شئت قلت: "الحسن ما سلم من ضعف الرواة" (٢)، ثم عاد وقال: "إن الحسن ما قصر سنده قليلا عن رتبة الصحيح." (٣)، وقريب منه اختيار ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) حيث اقتصر في كتابه التذكرة- بقوله: "والحسن: ما كان إسناده دون الأول (٤) في الحفظ والإتقان" (٥)، فهو يُرجّح إطلاق الحسن على القسم الذي يلي الصحيح، ويؤكد هذا الاختيار، اختصاره لتعريف ابن الصلاح في كتابه المقنع، وتعقّبه له في القسم الذي نزّله على تعريف الترمذي فقال: "في هذا نظر، لأن الأصح أن رواية المستور الذي لم تتحقق أهليته مردودة، فكيف يجعل ما يرويه من قسم الحسن، ويُنزّل عليه كلام الترمذي، وليس في كلامه ما يدل عليه، لكون الاحتجاج لم يقع به وحده" (٦).
ويُعدّ من أبرز تعريفات الحسن، والتي جمعت بين قسميه:
تعريف ابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) حيث قال -في كتابه المنهل-: "ولو قيل الحسن كل حديث خال من العلل وفي سنده المتصل مستور له به شاهد أو مشهور قاصر عن درجة
стр. 150
الإتقان" (١)، ثم اختصره بقوله: " ما اتصل سنده وانتفت علله في سنده مستور وله شاهد أو مشهور غير متقن" (٢)، وقريب منه -نوعاً ما- تعريف الطيبي (ت ٧٤٣ هـ) في -كتابه الخلاصة- حيث قال: "مُسند من قَرُب من درجة الثقة أو مُرسَل ثقة، ورُوِي كلاهما من غير وجه، وسَلِم عن شذوذ وعلة" (٣).
ثم جاء ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) وسمّى أحدهما بالحسن لذاته، والآخر الحسن لغيره، فبعد أن عرّف الحديث الصحيح لذاته بقوله: "خبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند،
غير معلل ولا شاذ: هو الصحيح لذاته" أردفه ببيان ما يفارق فيه الصحيح الحسن فقال: "فإن خف الضبط: فالحسن لذاته" (٤).
ويظهر كامل التعريف في جوابه لمن سأله حدّ الحديث الحسن، فقال: "إن كان المراد بالسؤال عن الحديث الذي يوصف بالحسن لذاته، فله حد على طريق التعريف الذي يقتنع
стр. 151
به الفقهاء والمحدثون، وهو: الحديث المتصل السند برواة معروفين بالصدق في ضبطهم قصور عن ضبط رواة الصحيح، ولا يكون الحديث معلولاً، ولا شاذاً" (١).
وأما ما يخص تعريف الحسن لغيره فقد قال: "ومتى توبع السيِّئ الحفظ بمعتبر: كأن يكون فوقه، أو مثله، لا دونه، وكذا المختلط (٢) الذي لم يتميز، والمستور، والإسناد المرسل، وكذا المدلس إذا لم يعرف المحذوف منه صار حديثهم حسنا، لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع، من المتابِع والمتابَع" (٣).
وبهذا يكون ابن حجر قد أطلق على كل قسم من أقسام الحسن - التي سبقه إلى بيان قسميها ابن الصلاح- تسمية خاصة، فأطلق على أحدهما الحسن لذاته حين لم يحتج إلى المعاضدة، وأطلق على الآخر حين احتاج إليها الحسن لغيره.
وقد ماثل تعريف الشُّمُني (٤) (ت ٨٧٢ هـ) للحديث الحسن تعريف ابن حجر إلا أنه زاد
стр. 152
عليه في - حال راوي الحسن لذاته- بقوله: "وارتفع عن حال من يُعدّ تفرده منكراً" (١).
وقد جمع السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) بين قسمي الحسن فقال: "وأما مطلق الحسن فهو الذي اتصل سنده بالصدوق الضابط المتقن غير تامهما، أو بالضعيف بما عدا (المفسِّق (كالكذب (إن لم يفحش خطأ سيِّئ الحفظ ((٢) إذا اعتضد مع خلوهما عن الشذوذ والعلة". (٣)
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
سرد ابن الصلاح في نوع الحديث الحسن تعريف الخطابي، واتبعه بتعريف الترمذي، ثم ذكر تعريف ابن الجوزي دون أن ينسبه، إلا أن ما ذكره من التعريفات لم يشفِ غليله كما ذكر، فتعقّب ذلك بعد إمعانه النظر، وقسّم الحديث الحسن إلى قسمين، وذكر لكل قسم منه قيود، وأنزل أحدهما على تعريف الترمذي، والآخر على تعريف الخطابي.
وقد أطال- ﵀ في عبارات التعريف شرحاً وتفصيلاً، فتعقّبه من جاء بعده استدراكاً وجمعاً واختصاراً.
فأما القسم الأول والذي نزّل عليه تعريف الترمذي، فقد قال فيه:
стр. 153
" الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذب في الحديث، أي لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث ولا سبب آخر مفسق، ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا" (١)
وبتأمله فإن أبرز القيود التي يدور حولها التعريف ما يلي:
- ألّا تقل مرتبة رواة إسناده عن درجة الستر للراوي، فلا يكون كثير الغفلة ولا متهماً بالكذب.
- وأن يروى هذا الحديث من غير وجه نحوه أو مثله، أو ما يُعرف بوجود الشاهد أو المتابع.
- مع السلامة من الشذوذ والنكارة (ومذهب ابن الصلاح اعتبارهما بمعنى واحد).
- والسلامة من العلة.
وأما القسم الثاني والذي نزّل عليه تعريف الخطابي، فقد قال فيه: "أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرا، ويعتبر في كل هذا - مع سلامة الحديث من أن يكون شاذا ومنكرا - سلامته من أن يكون معللا" (٢).
وبتأمله فإن أبرز القيود التي يدور حولها ما يلي:
- ألّا تقل مرتبة رواة إسناده عن درجة الشهرة بالصدق والأمانة، والتي تقصر عن رواة الصحيح في الحفظ والاتقان قصوراً لا يُنكر به تفرّد الراوي بالحديث إذا تفرّد به.
стр. 154
- ويضاف إلى ذلك من القيود: السلامة من الشذوذ والنكارة (ومذهب ابن الصلاح اعتبارهما بمعنى واحد).
- والسلامة من العلة.
وقد اشترك كلا القسمين -الحسن لذاته ولغيره- في قيديّ السلامة من الشذوذ والنكارة، والسلامة من العلة، وانفرد كل منهما بوصف خاص براويه، فمن كان راويه مشهوراً بالصدق قاصراً في حفظه وضبطه عن ضبط رواة الصحيح قصوراً يسيراً، بحيث لا يُعدّ ما تفرّد به منكراً، لم يحتج حديثه للمعاضدة، بينما من وصف بكونه مستوراً لم تتحق أهليته احتاج حديثه للمعاضدة.
فالقيود التي يُحتاج إلى إيضاحها وتحريرها وبيان حدودها-بعد جمع المتفق عليه في القسمين كليهما -هي كالآتي:
قيد الشهرة للراوي بالصدق والأمانة. (١)
قيد الستر للراوي.
قيد المتابعة والمعاضدة.
قيد السلامة من الشذوذ والنكارة.
قيد السلامة من العلة.
стр. 155
القيد الأول: قيد الشهرة للراوي بالصدق والأمانة (١):
سبق في قيد الشهرة بالطلب في فصل الحديث الصحيح بيان معنى الشهرة في اللغة، وأنها تأتي بمعنى الوضوح والبيان والانتشار والذيوع. (٢)
وفي الاصطلاح فإن شهرة الراوي يراد بها: خروجه عن حد الجهالة، (٣) سواء باشتهار شخصه فيخرج عن جهالة العين، أو باشتهار حاله فيخرج عن جهالة الحال.
والشهرة درجات، وأعلى درجاتها شهرة الراوي بالعدالة والإمامة والحفظ (٤) شهرة تغنيه عن تزكية المعدّلين، فقد عقد الخطيب باباً في كتابه الكفاية في أن المحدث المشهور
بالعدالة والثقة والأمانة لا يحتاج إلى تزكية المعدل، ومثّل لهم بعدد من الأئمة والحفاظ كالإمام مالك، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، فهؤلاء كما قال: "لا يُسأَل عن عدالتهم، وإنما يُسأَل عن عدالة من كان في عداد المجهولين، أو أشكل أمره على الطالبين". (٥)
стр. 156
ثم يأتي بعد ذلك الشهرة بطلب الحديث والعناية به وإتقانه (١)، والتي تدل على تمام ضبط الراوي لمروياته، وقد سبق معنا- في تحرير قيد الشهرة بالطلب- حث الخطيب البغدادي طلاب العلم أن يتخيّروا من الشيوخ من اشتهر بطلب الحديث والعناية به، والمشار إليه بالإتقان والمعرفة (٢). بل إن هذه الشهرة ذكرها ابن حجر من ضمن شروط استحقاق الراوي لقب الحافظ، بحيث يكون مشهوراً بطلب الحديث والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف. (٣)
ثم هناك شهرة أدنى مرتبة منهما وهي: الشهرة بالصدق دون بلوغ الغاية في الضبط والإتقان، (٤) فهذه هي درجة الشهرة المطلوبة في راوي الحديث الحسن، قال الطيّبي -مبيّناً مراد الخطابي بقوله -في الحسن-: (واشتهر رجاله) -: " وأما قول الخطابي، فالمراد به، أن رجاله مشهورون عند أرباب هذه الصناعة بالصدق، وبنقل الحديث ومعرفة أنواعه،
стр. 157
وحيث كان مطلقا من قيد العدالة والضبط، دل على انحطاطهم عن درجة رجال الصحيح". (١)
وكذلك نقل البقاعي عن شيخه ابن حجر في شرحه لقيد (واشتهر رجاله) أن مراد الخطابي بالشهرة في الحديث الحسن اشتهار رواته "بالصفات المتوسطة بين صفات الصحيح والضعيف، فلا يشترط أن يبلغوا الاتقان المشروط في رواة الصحيح، بل يكون إتقانهم دون ذلك، ولا ينزلون في خفة الضبط إلى القدر الموصل إلى الضعيف" (٢).
فهذه الدرجة من الشهرة، وهي الشهرة بصفات متوسطة بين الصحة والضعف هي المطلوبة في راوي الحديث الحسن (٣).
ثم تتدنى مراتب الشهرة إلى أن تصل لأدنى درجاتها وهي وصف الراوي بالشهرة مُطلقاً دون قيد، فيوصف بلفظ (مشهور) "وهي مفردة دالة بأصل استعمالها على دفع جهالة العين، لكنها لا تفيد التعديل الذي يثبت معه حديث الراوي، وإنما تنفع في تقوية أمره بقدرٍ ما، إذا سَلِم الراوي من قادح" (٤)، وهذه شهرة نسبيّة حيث عُرِفت عين الراوي، وجُهِلت عدالته، وهو ما يطلق عليه لفظ (مجهول الحال) أو (المستور)، فأدنى درجات الشهرة
стр. 158
تتداخل مع درجة الستر للراوي، وتحتاج إلى مزيد من الإيضاح يأتي معنا في تحرير قيد الستر للراوي.
وبالنظر في تعريف أحد قسمي الحديث الحسن عند ابن الصلاح - والذي نزّل عليه تعريف الخطابي، وأطلق عليه ابن حجر الحسن لذاته- نجده وصف الرواة بكونهم من المشهورين بالصدق، وبالبحث عن أمثلة لأحاديث حسنها الخطابي في كتابه معالم السنن -الذي ذكر فيه هذا التعريف- وجدته أطلق وصف الحسن على حديثين، أما الحديث الأول: وهو قول النبي ﷺ : ((وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ تَحْضُرِ الْعَصْرُ،
وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، ... )) (١) ورواته سلسلة من الحفاظ المتقنين وهم ذاتهم من أخرج الإمام مسلم هذا الحديث من طريقهم، وتحسين الخطابي له دلالة على أنه أطلق وصف الحسن على حديث الحفاظ المتقنين الذين هم شرط الصحيح، وهم أعلى وأتمّ ضبطاً من الرواة المشهورين بالصدق.
والحديث الثاني الذي حسنه الخطابي وهو حديث: ((لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ، ... )) (٢) وهو
стр. 159
стр. 160
وفي هذا الإسناد -الذي حسنه الخطابي- الراوي: مَطَر الوراق (١)، وهو راوٍ مختلف فيه قال عنه الذهبي: " مَطَر من رجال مسلم، حسن الحديث" (٢) بالإضافة إلى أنه توبع في هذا الحديث بمن هو مثله أو أقوى منه، فيكون رواة الحديث الذي حسّنه
الخطابي متفاوتين من حيث القوة في مراتب رواة الحسن بين أعلاها - والذي يجعلها بعضهم ضمن الصحيح- وأدنى منها مما يحتاج للمعاضدة والمتابعة؛ ليَحسُن حديثه. (٣)
ونجد كذلك ابن الملقن يستدل في نوع الحسن بمثالين من تحسين البخاري، فقال:
"قلت: قد حسّن البخاري حديث أسامة بن زيد (٤) عن نافع (٥) عن ابن عمر (٦) عن النبي ﷺ أنه قال في السواك: ((ناوله أكبر القوم)) (٧) قال الترمذي: "سألت محمدا عن هذا
стр. 161
الحديث؟ فقال: "حديث حسن" انتهى. وأسامة مختلف فيه، وهو من رجال مسلم. وحسّن أيضا حديث موسى بن عقبة عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس رفعه:
((إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء)) (١) الحديث، قال الترمذي: "سألت محمدا عنه؟ فقال: حديث حسن، وموسى سمع من صالح قديما" (٢) انتهى.
ثم عقّب ابن الملقن بقوله: "وله شاهد نحوه من حديث المسيء صلاته، فلهذا صار حسنا، بل ينبغي أن يكون صحيحا." (٣)
ويدل استدلال ابن الملقن بهذين المثالين، وإتباعه أحدهما بالشواهد التي بمجموعها-عنده- ارتقى الحديث للصحة، ثم اقتصاره في كتابه التذكرة على ذكر قسم واحد للحسن- وهو الذي أطلق عليه تلميذه مسمّى الحسن لذاته، - أن ابن الملقن يُرجّح إطلاق الحسن على القسم الذي يلي الصحيح في القوة والمرتبة.
ومن الأمثلة أيضاً على الرواة الذين وصفت أحاديثهم بالحسن ما يلي:
стр. 162
- محمد بن عمرو بن علقمة (١)، قال عنه ابن الصلاح: "من المشهورين بالصدق والصيانة، لكنه لم يكن من أهل الإتقان، حتى ضعفه بعضهم من جهة سوء حفظه، ووثقه بعضهم لصدقه وجلالته، فحديثه من هذه الجهة حسن" (٢)
ومنهم من جعل رواة الحديث الحسن على مراتب وهو الذهبي حيث قال: "أعلى مراتب الحسن:
- بَهز بن حكيم (٣)، عن أبيه (٤)، عن جده (٥).
- وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
стр. 163
стр. 164
ويشهد لذلك حديث محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي - الذي ذكره الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري (١) - وذكر تخريج أصحاب السنن له وتصحيح الترمذي وابن خزيمة والحاكم وقول الدارقطني: إسناده حسن متصل، وقول البيهقي: إسناده حسن
صحيح، ثم قال: "هذه الزيادة تفرد بها ابن إسحاق، لكن ما ينفرد به وإن لم يبلغ درجة الصحيح، فهو في درجة الحسن إذا صرح بالتحديث، وهو هنا كذلك، وإنما يصحح له من لا يفرق بين الصحيح والحسن، ويجعل كل ما يصلح للحجة صحيحا، وهذه طريقة ابن حبان ومن ذكر معه". (٢)
بل إن الحاكم في كتابه المدخل إلى الإكليل قد صرّح بذكر بعض من هؤلاء الرواة ضمن رواة الصحيح، أو من مراتب رواة الصحيح، حيث قال:
"القسم الخامس: من الصحيح المتفق عليه: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم، ولم يتواتر الرواية عن آبائهم وأجدادهم إلا عنهم، كصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وأياس بن معاوية بن قرة المزني (٣) عن أبيه (٤) عن جده (٥)، وجد بهز بن حكيم معاوية بن حيدة القشيري، وجد عمرو بن
стр. 165
شعيب عبدالله بن عمرو بن العاص السهمي، وجد إياس ابن معاوية قرة بن عبدالله (١) المزني.
ثم قال: جماعتهم صحابيون وأحفادهم ثقات، والأحاديث على كثرتها محتج بها في كتب العلماء." (٢)
وقد نبّه ابن الصلاح إلى صنيع الحاكم ومن وافقه فقال: "من أهل الحديث من لا يفرد نوع الحسن، ويجعله مندرجا في أنواع الصحيح، لاندراجه في أنواع ما يحتج به، وهو الظاهر من كلام الحاكم أبي عبد الله الحافظ في تصرفاته، ... " (٣) إلى أن قال: " ثم إن من سمّى الحسن صحيحا لا ينكر أنه دون الصحيح المقدم المبين أولا، فهذا إذاً اختلاف في العبارة دون المعنى، والله أعلم." (٤)
وصنيع الحاكم في ذكر هؤلاء الرواة ضمن مراتب الصحيح منسجم مع تصنيفه لكتابه
"معرفة علوم الحديث" حين لم يذكر الحديث الحسن ضمن الأنواع الحديثية، على الرغم من كون الخطابي أحد شيوخه إلا أنه لم يقلده بذكر نوع الحديث الحسن ضمن أقسام الحديث، ولعله وجد أن تقسيم الحديث الصحيح إلى عشرة أقسام وبيان المتفق منها
стр. 166
والمختلف فيها يتضمن أنواع الروايات المقبولة، ودرجتها من القَبول، وإن كانت أحكامه في المستدرك لا تخلو من وصف الحديث بالحسن أحياناً. (١)
نخلص مما سبق:
أن الشهرة درجات أعلاها شهرة الراوي بالعدالة والإمامة والحفظ، وهذه الشهرة من أعلى درجات موثوقية الرواة، ولا يُحتاج معها إلى تزكية المعدلين، ثم تليها شهرة بطلب الحديث والعناية به، وإتقانه، وهي إحدى شروط استحقاق الراوي لقب الحافظ عند ابن حجر، ثم تليها شهرة بالصدق دون بلوغ الغاية في الضبط والإتقان، وهي درجة متوسطة في الإتقان والضبط بين رواة الصحيح ورواة الضعيف، وهي الشهرة الموصوف بها رواة الحديث الحسن لذاته، ثم تتدنى درجات الشهرة إلى أن تصل إلى وصف الراوي بالشهرة مطلقاً دون تقييد الشهرة بوصف، فيُرفع بها عن الراوي جهالة عينه، لكنها لا تفيد تعديله.
ويظهر من أمثلة الرواة والأحاديث التي وردت خلال هذا المبحث، أن رواة هذا القسم من الحسن، والذين وصفهم ابن الصلاح بالشهرة بالصدق والأمانة، وبقصورهم عن رواة الصحيح في الحفظ والإتقان، تتفاوت أحاديثهم في القوة بين الصحة والحُسن، إلا أنها في الأغلب تقصر عن الصحيح المتفق عليه، وذلك لقصور ضبط الرواة، أو لخفة ضبطهم كما وصفهم ابن حجر.
стр. 167
القيد الثاني: قيد الستر للراوي:
المستور:
لغة: اسم مفعول من (ستر)، أي أخفى وغطّى.
ورجل (مستور) و (ستير) أي: عفيف. (١)
وقيل: " (المستور) العفيف، ومن لا يُدرَى حاله" (٢).
وفي الاصطلاح (٣):
المستور عند ابن الصلاح: هو "الذي جُهلت عدالته الباطنة، وهو عدلٌ في الظاهر" (٤)
وعند ابن حجر المستور هو مجهول الحال، وهو: "من روى عنه اثنان فصاعداً، ولم يُوثق" (٥)، وهذا التعريف موافق لتعريف المستور عند ابن القطان، إلا أن المستور عنده
стр. 168
غير مجهول الحال، فمجهول الحال عند ابن القطان من لم يروِ عنه غير راوٍ واحد، وهو ما يسميه ابن حجر مجهول العين. (١)
قال الزركشي: " المستور وهو غير المشتهر" (٢)، وقد أشار الذهبي إلى أن من صفات المستور عدم اشتهاره بين نقاد الحديث بالعناية بعلم الحديث. (٣)
وما سبق من تعريفات المستور تدور حول جهالة حاله أو جهالة عدالته الباطنة، إلا أن ابن الوزير (٤) حين عرّف المستور قال:
" المستور في عرف المحدثين من قصر عن المتواترة عدالتهم أو المشهور شهرة تقرب من التواتر، أو من قصر عن الحفاظ في مرتبة الإتقان والضبط العظيم" (٥)، ونجده قد
стр. 169
نسب هذا التعريف لعرف المحدثين (١)، ولعله استقى ذلك من وصف الإمام مسلم لطبقة من الرواة وصفهم بالستر- وذلك في مقدمة صحيحه- فقال:
"فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس (٢)، أتبعناها أخباراً يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان، كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم، فإن اسم الستر، والصدق، وتعاطي العلم يشملهم كعطاء ابن السائب (٣)، ويزيد بن أبي زياد (٤)، وليث بن أبي سُليم (٥)، وأضرابهم من حُمَّال الآثار، ونُقَّال الأخبار، فهم وإن كانوا بما وصفنا من
العلم، والستر عند أهل العلم معروفين،
стр. 170
فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان، والاستقامة في الرواية يفضلونهم في الحال والمرتبة." (١)
فمسلم ﵀ جمع في وصفه للقسم الثاني من الرواة بين الستر والصدق وتعاطي العلم، ونبّه إلى كونهم أدنى منزلة من المرتبة الأولى، وهم أهل الحفظ والإتقان، وهو بذلك قد جمع بين وصف الستر والشهرة (٢) حين قال: "تعاطي العلم يشملهم" وقال: "وإن كانوا بما وصفنا من العلم، والستر عند أهل العلم معروفين"، وتبعه ابن الصلاح حين شرح كتابه فوصف هؤلاء الرواة بالستر والتوسط في الحفظ والإتقان، فقال:
" ذكر مسلم ﵀ أولاً: أنه يقسم الأخبار ثلاثة أقسام:
الأول: ما رواه الحفاظ المتقنون.
والثاني: ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والإتقان.
والثالث: ما رواه الضعفاء والمتروكون" (٣)
وقد يُستشكل صنيع ابن الصلاح ومتابعته للإمام مسلم في وصفه لطبقة الرواة الثانية وجمعه بين الستر والتوسط في الحفظ والإتقان، رغم أن اصطلاحه في المستور هو:
стр. 171
"الذي جُهلت عدالته الباطنة، وهو عدلٌ في الظاهر" (١)، ولعل في صنيعه إشارة إلى تعدد معاني الستر والوصف بالمستور بين اللغة والاصطلاح، والإطلاق والتقييد.
والمتأمل لحال الرواة الذين وصفهم مسلم بالستر يجدهم ليسوا ممن جُهلت عدالتهم وضبطهم؛ بل توافرت أقوال نقّاد الحديث في بيان حالهم من الجرح والتعديل، وعدّهم مسلم في المرتبة الثانية بعد رواة الصحيح من الحفاظ المتقنين، ووصفهم ابن الصلاح بالتوسّط في الحفظ والإتقان.
ونجد ابن الصلاح كذلك حين عرّف أحد أقسام الحسن قال: "الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذب في الحديث، أي لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث ولا سبب آخر مفسق ... " (٢).
فقد وصف المستور بأنه لا يكون مغفلاً ولا كثير الخطأ، ولم يظهر منه تعمّد الكذب، ولا سبب آخر مفسّق، فالمستور بهذا الوصف قد ظهر جانب من عدالته وكذلك ضبطه، فهذا أحد معاني الستر المقيّدة بنفي بعض الأوصاف المُؤثرة في ضبط الرواة.
وقد يُقصد بوصف الستر كذلك: "الرجل الفاضل النبيل العفيف الكريم في قومه، وما شابه هذه الكلمات" (٣)، وقد جاء ذلك في بعض كتب التراجم، وهذا من استعمالهم الكلمة
стр. 172
استعمالاً لغوياً، أي بمعنى: "لم يظهر منه ما يُعاب عليه، ولم يريدوا المعنى الاصطلاحي الذي وُصف بنوع من أنواع الجهالة ... وفي تاريخ بغداد أمثلة كثيرة جداً يوصف فيها الثقة بالمستور (١).
فكل ذلك استعمال للكلمة استعمالاً لُغوياً لا اصطلاحياً، ومن ذلك أيضاً: قول مسلم في مقدمة صحيحه أن عطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سُليم، وأضرابهم من الموصوفين بعدم الحفظ: إن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم" (٢)
وبالنظر إلى ما سبق من معاني تعددت للموصوفين بالستر نجد وصف المستور يتّسع ليشمل طبقات من مراتب الرواة تبدأ بأدناها وهو مجهول الحال - وهو الذي عُرفت عينه وجُهلت عدالته (٣) - وهذا في حال إرادة المعنى الاصطلاحي من الستر، وإذا أُريد المعنى اللغوي فيراد به الرجل الفاضل الثقة، والذي لم يظهر منه ما يُعاب، وإذا جُمع مع الستر أوصاف تدل على الصدق والإتقان، فيراد به الدرجة المتوسطة من الرواة في الحفظ والإتقان، والله أعلم.
وإطلاق لفظ الستر على الراوي - دون تقييد بأوصاف أخرى- يتداخل إلى حد كبير مع ما ذكرنا سابقاً من وصف الشهرة مُطلقاً - دون تقيد بالعدالة أو الطلب أو الصدق- فمطلق الستر، ومطلق الشهرة أفادا رفع جهالة العين عن الراوي ولم يفيدا تعديله؛ إلا أن أحدهما
стр. 173
وهو المستور روى عنه اثنان فأكثر- لكن لم يبلغ الرواة عنه عدداً يشهرون به أمره (١) بينما "المشهور بحال من الأحوال لا بد من أن يكون روى عنه تلك الحال من بلغوا الكثرة التي تُصيّره في عداد المشهورين فلا يكون حينئذ مجهول العين" (٢).
ومما يدلل على أثر قلة حديث الراوي، أو قلة من يرون عنه في شهرته ومعرفته، قول ابن حبان في ترجمة (عبدالله بن المؤمل المخزومي) (٣): "كان قليل الحديث، منكر الرواية، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد؛ لأنه لم يتبين عندنا عدالته فيقبل ما انفرد به؛ وذاك أنه قليل الحديث، لم يتهيأ اعتبار حديثه بحديث غيره لقلته فيحكم له بالعدالة أو الجرح، ولا يتهيأ إطلاق العدالة على من ليس نعرفه بها يقيناً فيقبل ما انفرد به، فعسى نحل الحرام ونحرم الحلال برواية من ليس بعدل، أو نقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل اعتماداً منا على رواية من ليس بعدل عندنا، كما لا يتهيأ إطلاق الجرح على من ليس يستحقه بإحدى الأسباب التي ذكرناها من أنواع الجرح في أول الكتاب" (٤).
стр. 174
و"لذا كان أئمة الجرح والتعديل ينبهون كثيراً على قلة حديث الراوي أو كثرته؛ ليعرف محله في الاعتناء بهذا العلم من عدمه، وليعتبر ذلك في تمحيص رواياته." (١)
فاسم الستر عام يشمل مطلق المستور -من عُرفت عينه ولم يوثق- وأهل الفضل والنبل والعفة، ومن عُرفت عدالته الظاهرة وجُهلت عدالته الباطنة، ومن اُختلف فيه ولم يترجّح أمره فتوقّف فيه. ومن ارتفعت عنه الجهالة ولم يُجرّح، قال الذهبي:
"وقد اشتهر عند طوائف من المتأخرين (٢) إطلاق اسم (الثقة) على: من لم يجرح، مع ارتفاع الجهالة عنه. وهذا يسمى: (مستورا)، ويسمى: (محله الصدق)، ويقال فيه: (شيخ) ". (٣)
ولعل شمول معنى الستر هو الذي دعا الزركشي لوصف راوي الحسن بشكل عام بالمستور، حيث قال: "ولهذا فرّق المحدثون بين الصحيح والحسن والضعيف، فالصحيح رواية العدل، والحسن رواية المستور، والضعيف رواية المجروح" (٤) فبالرغم من تقسيم المتأخرين الحسن لقسمين-قسم لرواية المشهور بالصدق، وقسم لرواية المستور- إلا أنه لم يُشر لذلك، بل اكتفى بالتعبير عن الحديث الحسن برواية المستور؛ لشمولها درجات رواة الحسن لذاته ولغيره، وذلك حسب السياق والقرينة التي تقترن بهذا الوصف. (٥)
стр. 175
أمثلة لهؤلاء الرواة:
بعد أن ذكر الذهبي أمثلة للرواة في أعلى مراتب الحديث الحسن، وأقربها للصحة، أتبعها بذكر أمثلة لرواة تتردد أحاديثهم بين الحسن والضعف فقال:
"ثم بعد ذلك، أمثلة كثيرة يتنازع فيها: بعضهم يحسنونها، وآخرون يضعفونها. كحديث الحارث بن عبدالله (١)، وعاصم بن ضمرة (٢)، وحجاج بن أرطاة (٣)، وخصيف (٤)، ودراج
стр. 176
أبي السمح (١)، وخلق
سواهم." (٢)، وبالنظر في أقوال النقاد في الرواة السابقين، نجدهم كما ذكر الذهبي تتردد بين التحسين والتضعيف.
نخلص مما سبق:
أن لفظ المستور ذو معنى واسع يتنوّع بحسب السياق والقرينة، وتتفاوت مراتب ستر الرواة بين:
- إرادة المعنى اللغوي، فيصاحب الستر وصف الثقة أو الصلاح بشكل عام: أي لم يظهر منه ما يُعاب عليه.
- وبين إرادة التوسط في الحفظ والإتقان خاصة إذا جاء في مقابلة رواة الصحيح الضابطين المتقنين.
- وبين مطلق الستر وعدم الاشتهار، فهو عدلٌ في الظاهر مجهول عدالة الباطن، وقد يُراد به خفاء أمره وقلة الرواة عنه، أو اختلافهم في الترجيح بين تعديله وجرحه.
وظهر من الأمثلة المذكورة للرواة المستورين تفاوت حديثهم بين التحسين والتضعيف، ولعل شمول معنى الستر هو الذي دعا الزركشي لوصف راوي الحسن بشكل عام
стр. 177
بالمستور، حيث قال: "ولهذا فرّق المحدثون بين الصحيح والحسن والضعيف، فالصحيح رواية العدل، والحسن رواية المستور، والضعيف رواية المجروح." (١)، والله أعلم.
القيد الثالث: قيد المتابعة والمعاضدة (٢) (يُروى من غير وجه):
جاء في تعريف الترمذي للحسن قوله: "ويُروى من غير وجه" وتبعه على ذلك ابن الصلاح (٣)، وهذه العبارة تشير إلى بعض المصطلحات التي تتردد في كتب الحديث وعلومه للمرويات المعاضدة لبعضها، ومن ذلك مصطلح المتابعة، والشاهد، وطريقة التوصّل إليهما وهو ما يُسمى بالاعتبار (٤).
قال ابن الصلاح - مُفسراً قول الترمذي "ويُروى من غير وجه"- بقوله: "ويكون متن الحديث مع ذلك قد عُرِف بأن رُوِي مثلُه أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد
بمتابعة من تابع راوِيه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا" (٥)
стр. 178
ومن هذه المصطلحات التي وردت في كلام ابن الصلاح، مصطلح المتابعة والشاهد.
ومعنى المتابعة لغة:
مأخوذة من تابع، ويأتي بمعنى الموالاة، والموافقة، والإتقان والإحكام.
تابع عمله أو كلامه، أي: والاه وأتقنه وأحكمه وأحسنه. (١)
اصطلاحاً:
أن يشارك راوي الحديث في روايته أو يوافقه راوٍ آخر يصلح للاعتبار.
فإن كانت المشاركة في جميع الإسناد -أي: حصلت للراوي في شيخه- فهي متابعة تامة، وإن كانت في أثناء الإسناد -أي: حصلت لشيخه فمن فوقه- فهي قاصرة. (٢)
"ولا اقتصار في هذه المتابعة - سواء كانت تامة أم قاصرة- على اللفظ، بل لو جاءت بالمعنى كفى، لكنها مختصة بكونها من رواية ذلك الصحابي" (٣).
ومعنى الشاهد لغة:
اسم فاعل من (شهد)، وهو " أصل يدل على حضور وعلم وإعلام" (٤)
стр. 179
والشاهد: الدليل، ومن يؤدي الشهادة. (١)
اصطلاحاً:
أن يُروى حديث آخر بلفظه أو معناه من حديث صحابي آخر. (٢)
"وخصّ قوم المتابعة بما حصل باللفظ، سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لا، والشاهد بما حصل بالمعنى كذلك. وقد تطلق المتابعة على الشاهد، وبالعكس، والأمر فيه سهل." (٣)
والغرض من المتابعات والشواهد للحديث تقويته، ويُضاف لذلك أغراض أخرى " تكثير طرق الحديث، وبيان التواتر من الصحابة ﵃، أو إثبات الزيادات في المتن، أو توضيح بعض غموضه، أو لبيان الزمان والمكان وغيرها." (٤)
ومن الأمثلة التي ذُكِرت للمتابعة:
قول ابن الصلاح: "الاعتبار في الأخبار مثاله (٥): أن يروي حماد بن سلمة (٦) حديثا لم
стр. 180
يتابع عليه، عن أيوب (١)، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
فينظر: هل روى ذلك ثقة غير أيوب عن ابن سيرين؟ فإن وجد علم أن للخبر أصلا يرجع إليه، وإن لم يوجد ذلك فثقة غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة، وإلا فصحابي غير أبي هريرة رواه عن النبي ﷺ ، فأي ذلك وجد يعلم به أن للحديث أصلا يرجع إليه، وإلا فلا.
قلت: فمثال المتابعة أن يروي ذلك الحديث بعينه عن أيوب غير حماد، فهذه المتابعة التامة، فإن لم يروه أحد غيره عن أيوب لكن رواه بعضهم عن ابن سيرين أو عن أبي
هريرة، أو رواه غير أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، فذلك قد يطلق عليه اسم المتابعة أيضا، لكن تقصر عن المتابعة الأولى بحسب بعدها منها، ويجوز أن يسمى ذلك بالشاهد أيضا.
فإن لم يُرو ذلك الحديثُ أصلا من وجه من الوجوه المذكورة، لكن رُوِي حديث آخر بمعناه فذلك الشاهد من غير متابعة." (٢)