← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 142182

المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق

راوية بنت عبد الله بن علي جابر

Полный текст (604 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أبي السمح (١)، وخلق سواهم." (٢)، وبالنظر في أقوال النقاد في الرواة السابقين، نجدهم كما ذكر الذهبي تتردد بين التحسين والتضعيف. نخلص مما سبق: أن لفظ المستور ذو معنى واسع يتنوّع بحسب السياق والقرينة، وتتفاوت مراتب ستر الرواة بين: - إرادة المعنى اللغوي، فيصاحب الستر وصف الثقة أو الصلاح بشكل عام: أي لم يظهر منه ما يُعاب عليه. - وبين إرادة التوسط في الحفظ والإتقان خاصة إذا جاء في مقابلة رواة الصحيح الضابطين المتقنين. - وبين مطلق الستر وعدم الاشتهار، فهو عدلٌ في الظاهر مجهول عدالة الباطن، وقد يُراد به خفاء أمره وقلة الرواة عنه، أو اختلافهم في الترجيح بين تعديله وجرحه. وظهر من الأمثلة المذكورة للرواة المستورين تفاوت حديثهم بين التحسين والتضعيف، ولعل شمول معنى الستر هو الذي دعا الزركشي لوصف راوي الحسن بشكل عام

стр. 177

بالمستور، حيث قال: "ولهذا فرّق المحدثون بين الصحيح والحسن والضعيف، فالصحيح رواية العدل، والحسن رواية المستور، والضعيف رواية المجروح." (١)، والله أعلم. القيد الثالث: قيد المتابعة والمعاضدة (٢) (يُروى من غير وجه): جاء في تعريف الترمذي للحسن قوله: "ويُروى من غير وجه" وتبعه على ذلك ابن الصلاح (٣)، وهذه العبارة تشير إلى بعض المصطلحات التي تتردد في كتب الحديث وعلومه للمرويات المعاضدة لبعضها، ومن ذلك مصطلح المتابعة، والشاهد، وطريقة التوصّل إليهما وهو ما يُسمى بالاعتبار (٤). قال ابن الصلاح - مُفسراً قول الترمذي "ويُروى من غير وجه"- بقوله: "ويكون متن الحديث مع ذلك قد عُرِف بأن رُوِي مثلُه أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راوِيه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا" (٥)

стр. 178

ومن هذه المصطلحات التي وردت في كلام ابن الصلاح، مصطلح المتابعة والشاهد. ومعنى المتابعة لغة: مأخوذة من تابع، ويأتي بمعنى الموالاة، والموافقة، والإتقان والإحكام. تابع عمله أو كلامه، أي: والاه وأتقنه وأحكمه وأحسنه. (١) اصطلاحاً: أن يشارك راوي الحديث في روايته أو يوافقه راوٍ آخر يصلح للاعتبار. فإن كانت المشاركة في جميع الإسناد -أي: حصلت للراوي في شيخه- فهي متابعة تامة، وإن كانت في أثناء الإسناد -أي: حصلت لشيخه فمن فوقه- فهي قاصرة. (٢) "ولا اقتصار في هذه المتابعة - سواء كانت تامة أم قاصرة- على اللفظ، بل لو جاءت بالمعنى كفى، لكنها مختصة بكونها من رواية ذلك الصحابي" (٣). ومعنى الشاهد لغة: اسم فاعل من (شهد)، وهو " أصل يدل على حضور وعلم وإعلام" (٤)

стр. 179

والشاهد: الدليل، ومن يؤدي الشهادة. (١) اصطلاحاً: أن يُروى حديث آخر بلفظه أو معناه من حديث صحابي آخر. (٢) "وخصّ قوم المتابعة بما حصل باللفظ، سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لا، والشاهد بما حصل بالمعنى كذلك. وقد تطلق المتابعة على الشاهد، وبالعكس، والأمر فيه سهل." (٣) والغرض من المتابعات والشواهد للحديث تقويته، ويُضاف لذلك أغراض أخرى " تكثير طرق الحديث، وبيان التواتر من الصحابة ﵃، أو إثبات الزيادات في المتن، أو توضيح بعض غموضه، أو لبيان الزمان والمكان وغيرها." (٤) ومن الأمثلة التي ذُكِرت للمتابعة: قول ابن الصلاح: "الاعتبار في الأخبار مثاله (٥): أن يروي حماد بن سلمة (٦) حديثا لم

стр. 180

يتابع عليه، عن أيوب (١)، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . فينظر: هل روى ذلك ثقة غير أيوب عن ابن سيرين؟ فإن وجد علم أن للخبر أصلا يرجع إليه، وإن لم يوجد ذلك فثقة غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة، وإلا فصحابي غير أبي هريرة رواه عن النبي ﷺ ، فأي ذلك وجد يعلم به أن للحديث أصلا يرجع إليه، وإلا فلا. قلت: فمثال المتابعة أن يروي ذلك الحديث بعينه عن أيوب غير حماد، فهذه المتابعة التامة، فإن لم يروه أحد غيره عن أيوب لكن رواه بعضهم عن ابن سيرين أو عن أبي هريرة، أو رواه غير أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، فذلك قد يطلق عليه اسم المتابعة أيضا، لكن تقصر عن المتابعة الأولى بحسب بعدها منها، ويجوز أن يسمى ذلك بالشاهد أيضا. فإن لم يُرو ذلك الحديثُ أصلا من وجه من الوجوه المذكورة، لكن رُوِي حديث آخر بمعناه فذلك الشاهد من غير متابعة." (٢)

стр. 181

ما سبق كان بياناً لمعنى المتابعة والشاهد، ومثال توضيحي ذكره ابن الصلاح أشار فيه إلى أن الشاهد قد يُطلق على المتابعة، وأيّده على ذلك ابن حجر فقال: "وقد تطلق المتابعة على الشاهد، وبالعكس، والأمر فيه سهل." (١)، فالاختلاف بينهم دائر على راوي الحديث من الصحابة، هل رُوِي الحديث من طريقه أو من طريق صحابي آخر؟ ، وعلى متن الحديث، هل رُوِي بلفظه أو معناه؟ "ويستفاد من ذلك كله التقوية." (٢) وقد أشار ابن رجب (٣) ﵀ إلى أن المعاضدة لا تقتصر على الأحاديث المرفوعة بل يحتمل كلام الترمذي التقوية بالموقوف حيث قال: "وقول الترمذي ﵀ يُروى من غير وجه نحو ذلك، لم يقل عن النبي ﷺ فيحتمل أن يكون مراده عن النبي ﷺ ويحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره، وهو أن يكون معناه يُروى من غير وجه، ولو موقوفاً، ليستدل بذلك على أن هذا المرفوع له أصل يعتضد به" (٤).

стр. 182

أي: أن المراد البحث عن ما يعضد الحديث ويقويه سواء كان حديثاً مرفوعاً للنبي ﷺ أو موقوفاً على الصحابي ﵁. (١) وقد شمل صنيع الترمذي في كتابه في بيان مراده من الرواية من غير وجه- المتابعات والشواهد، فقد أشار لورود أحاديث من غير وجه عن النبي ﷺ (٢) - أي: الشواهد- وكذلك ورودها من غير وجه عن أحد الصحابة (٣) ﵃ أي: المتابعات.

стр. 183

وقد يشير إلى الشواهد بنوعيها - شواهد باللفظ وشواهد بالمعنى- بقوله: وفي الباب عن فلان وفلان، قال العراقي: "وهكذا يفعل الترمذي في الجامع حيث يقول وفي الباب عن فلان وفلان، فإنه لا يريد ذلك الحديث المعين، وإنما يريد أحاديث أخر يصح أن تكتب في ذلك الباب، وإن كان حديثاً آخر غير الذي يرويه في أول الباب، وهو عمل صحيح إلا أن كثيراً من الناس يفهمون من ذلك أن من سمى من الصحابة يروون ذلك الحديث بعينه الذي رواه في أول الباب بعينه، وليس الأمر على ما فهموه بل قد يكون كذلك وقد يكون حديثا آخر يصح إيراده في ذلك الباب." (١) وليس في تعريف الترمذي للحسن تحديد عدد معين للأوجه والطرق المطلوبة لتحسين الحديث؛ حيث "أطلق الترمذي كلامه ولم يحدد الحد الأدنى من تعدد الوجوه الأخرى التي تلزم لتحسين الحديث، ولكن يُفهم من ذلك أنه يتحقق عنده بأدنى شيء وأقله، وعلى هذا فيكون الحديث المراد تحسينه إذا شهد له حديث آخر نحوه تقوّى بذلك واستحق التحسين. إلى هذا ذهب ابن الصلاح (٢)، وابن تيمية (٣)، والعراقي (٤)، وابن حجر (٥)، بأن الحديث إذا رُوي من وجهين كان حسنًا عند الترمذي." (٦)

стр. 184

والمتأمل لصنيع الترمذي في جامعه يجده لم يَقصُر تحسينه للأحاديث التي رُويت من غير وجه، بل أكثر ما اُنتقِد عليه - في تعريفه- تحسينه لأحاديث جاءت منفردة، وجمعه بين وصفيّ الحُسن والغرابة للحديث الواحد. (١) وقد تعددت أجوبة العلماء في توجيه ذلك، ومنها: - ما أجاب به شيخ الإسلام ابن تيمية بأن الحديث قد يكون غريباً في أصله ثم تتعدد الطرق عن التابعي، فيجمع بين غرابة الأصل، والحُسن لتعدد طرقه بعد ذلك، فقال: "وأما الحسن في اصطلاح الترمذي فهو: ما رُوِي من وجهين، وليس في رواته من هو متهم بالكذب ولا هو شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة. فهذه الشروط هي التي شرطها الترمذي في الحسن، لكن من الناس من يقول: قد سُمِّى حسنا ما ليس كذلك، مثل حديث يقول فيه: حسن غريب؛ فإنه لم يرو إلا من وجه واحد وقد سماه حسنا، وقد أجيب عنه بأنه قد يكون غريبا. لم يرو إلا عن تابعي واحد، لكن رُوِي عنه من وجهين فصار حسنا لتعدد طرقه عن ذلك الشخص وهو في أصله غريب." (٢) - وأجاب ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي بأن المراد أن يُروى معناه من غير وجه، لا نفس اللفظ، فقال: "لا يشكل قوله: "حديث حسن غريب"، ولا قوله: "صحيح حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، لأن مراده أن هذا اللفظ لا يُعرف إلا من هذا الوجه، لكن لمعناه شواهد من غير هذا الوجه، وإن كانت شواهد بغير لفظه." (٣)

стр. 185

- وأجاب ابن حجر بأن الترمذي حين عرَّف الحسن في كتابه اقتصر على نوع منه، حيث قال: "فإن قيل: قد صرح الترمذي بأن شرط الحسن أن يُروى من غير وجه؛ فكيف يقول في بعض الأحاديث: "حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه"؟ . فالجواب: أن الترمذي لم يُعرِّف الحسن مطلقا، وإنما عرَّف نوعا خاصا منه وقع في كتابه، وهو ما يقول فيه: "حسن"، من غير صفة أخرى" (١) - ومن الأجوبة أيضاً: ما ذكره العراقي في شرحه لألفيته حيث قال: " (قلتُ وقد حسَّن بعض ما انفرد). هذا من الزوائد على ابن الصلاح. وهو إيرادٌ على الترمذي، حيث اشترط في الحسن أن يُروى من غير وجه نحوه. ومع ذلك فقد حسَّن أحاديث لا تُروى إلا من وجه واحدٍ، كحديث إسرائيل (٢)، عن يوسفَ بن أبي بردة (٣)، عن أبيه (٤)، عن عائشة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال:

стр. 186

غفرانك)). فإنَّه قال فيه: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة. قال: ولا يُعرفُ في هذا الباب إلا حديثُ عائشة. (١) وأجاب أبو الفتح اليعمري عن هذا الحديث (٢) بأنّ الذي يحتاج إلى مجيئِه من غير وجه ما كان راويه في درجة المستور ومن لم تثبت عدالته" (٣). وقد توصّل الدكتور خالد الدريس إلى: "أنّ ما يقول الترمذي فيه: "حسن غريب" لا يخلو من حالتين: ١ - ما توجد له متابعات أو شواهد، ولو بعموم المعنى.

стр. 187

٢ - ما لا توجد له متابعات وشواهد، ولكن السند قوي لذاته لا يحتاج لعاضد." (١) وتوصّل كذلك إلى أن اشتراط تعدد الطرق - (يُروى من غير وجه) في الحديث الحسن عند الترمذي-: شرط أغلبي لا كُلّي، واستدل على ذلك بتحسين الترمذي لأحاديث لا يوجد فيها أي مغمز سوى رواة من أهل الصدق قد خفّ ضبطهم ... ، ومن ذلك مثلاً: أحاديث لبهز بن حكيم، وأحاديث لعمرو بن شعيب ... إلخ. (٢) والحديث الحسن الذي لا يحتاج للمعاضدة هو ما أُطلِق عليه الحسن لذاته (٣)؛ وما يحتاج للمعاضدة هو الحسن لغيره؛ لذا حين قسَّم ابن الصلاح الحديث الحسن إلى قسمين نجده: وافق الترمذي في اشتراط مجيء الحديث من وجه آخر- وذلك في أحد قسميّ الحسن، - حيث جعله قيداً لرواية المستور الذي لم تتحقق أهليته. ولم يشترطه في القسم الآخر الذي هو من رواية المشهور بالصدق، وتبعه في ذلك ابن جماعة، وابن سيد الناس (٤)، إلا أن الطّيّبي حين تعقّب من سبقه وعرّف الحسن اشترط المعاضدة للقسمين (٥).

стр. 188

وأمّا ابن حجر فقد وافق ابن الصلاح في تقسيم الحديث الحسن لقسمين، أطلق على أحدهما الحسن لذاته؛ لقوته وعدم احتياجه للمعاضدة، والآخر الذي اكتسب الحُسن بمعاضدة غيره له هو الحسن لغيره. ومما ينبغي الإشارة إليه أنّ الضعف يتفاوت في درجاته (١)، فليس كلُّ ضَعفٍ قابلاً للانجبار، قال ابن الصلاح: "ليس كل ضعفٍ في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت: فمنه ضعف يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة. فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم يختل فيه ضبطه له. وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل، يزول بروايته من وجه آخر (٢).

стр. 189

ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك؛ لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته. (١) وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب، أو كون الحديث شاذا. وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك، فإنه من النفائس العزيزة. والله أعلم." (٢) وعقّب ابن حجر على ذلك بقوله: "لم يذكر للجابر ضابطا يعلم منه ما يصلح أن يكون جابرا أو لا، والتحرير فيه أن يقال: إنه يرجع إلى الاحتمال في طرفي القَبول والرد، فحيث يستوي الاحتمال فيهما فهو الذي يصلح لأن ينجبر، وحيث يقوى جانب الرد فهو الذي لا ينجبر. وأما إذا رجح جانب القَبول فليس من هذا، بل ذاك في الحسن الذاتي، والله أعلم" (٣). فيُفهم من ذلك أن ما يصلح للاعتبار من الأحاديث يُشترط فيها: - ألا يكون ضعفها شديداً بحيث لا ينجبر هذا الضعف بمجيئه من طرق أخرى. - وألا يكون المتابِع منحطاً عن هذه الدرجة، بل لابد من أن يكون المتابَع والمتابِع مما يصلح كلاهما للاعتبار، ويجبر كلا منهما ضعف الآخر.

стр. 190

وقد أوضح ابن حجر ذلك بذكر أمثلة للرواة التي تنجبر روايتهم، وترتقي للحسن بمجيئها من طريق آخر مثلها أو نحوها، فقال في كتابه النزهة: "ومتى توبع السيِّئ الحفظ (١) بمُعتبر: كأن يكون فوقه، أو مثله، لا دونه، وكذا المختِلط الذي لم يتميز (٢)، والمستور، والإسناد المرسل (٣)، وكذا المدلَّس إذا لم يُعرف المحذوف منه (٤) صار حديثهم حسنا، لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع، من المتابِع والمتابَع؛ لأن كل واحدٍ منهم

стр. 191

احتمال أن تكون روايته صوابا، أو غير صواب، على حد سواء، فإذا جاءت من المعتبرين روايةٌ موافقةٌ لأحدهم رَجَح أحد الجانبين من الاحتمالين المذكورين، ودل ذلك على أن الحديث محفوظ؛ فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول. ومع ارتقائه إلى درجة القبول فهو مُنحَطٌّ عن رتبة الحسن لذاته، وربما توقف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن عليه." (١) ولعل ابن حجر ﵀ يُشير بعبارته الأخيرة - والتي تفيد توقف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن على الحديث الضعيف المعتضد بغيره- إلى ما نقله الزركشي وعزاه لابن سيّد الناس، - من أن المتابِع إذا كان بمنزلة المتابَع في الضعف ومساوياً له، فإنه قد يقويه لكنها قوة لا تخرجه عن حيّز الضعف- فقال: "الحق في هذه المسألة أن يقال: إما أن يكون الراوي المتابِع مساويا للأول في ضعفه أو منحطا عنه أو أعلى منه، فأما مع الانحطاط فلا تفيد المتابعة شيئا وأما مع المساواة فقد تقوي، ولكنها قوة لا تخرجه عن رتبة الضعيف، بل الضعيف يتفاوت فيكون الضعيف الفرد أضعف رتبة من الضعيف المتابَع، ولا يتوجه الاحتجاج بواحد منهما، وإنما يظهر أثر ذلك في الترجيح، وأما إن كان المتابِع أقوى من الراوي الأول، إن أفادت

стр. 192

متابعته ما دفع شبهة الضعيف عن الطريق الأول، فلا مانع من القول بأنه يصير حسناً". (١) فالحديث الضعيف الصالح للاعتبار إذا توبع بما دونه لا يتقوّى، وإذا توبع بمثله يتقوى ويرتقي للحسن لغيره، وعند ابن سيد الناس - يتقوى قوة لا تخرجه عن وصف الضعف، بل يَشترط لوصفه بالحُسن أن يكون المتابِع أقوى منه. أما البلقيني فكان رأيه معاكساً لرأي ابن سيد الناس، حيث أشار إلى أنه: "لا يقال: ينجبر بأن يُروى من وجه صحيح؛ لأن الكلامَ فيما إذا رُوِي بطرقٍ كلُّ منها مثلُ الأخرى في ذلك الضعف." (٢) ومفهوم كلامه أن الضعيف ينجبر بما يماثله في الضعف، أما إن ورد من طريق صحيح، فلا يُقال أنه انجبر به؛ لأن الاعتماد حينئذ على الصحيح. (٣) وعليه فإن الضعيف الصالح للاعتبار: - إذا توبع بأقوى منه ارتقى إلى الحسن لغيره عند ابن سيد الناس وابن حجر، ومن وافقهم في ذلك، بينما رأى البلقيني أن الاعتماد في هذه الحالة يكون على الحديث القوي، ولا يُقال أن الضعيف انجبر به. - أما إذا تُوبع بمثله فإنه ينجبر ويرتقي إلى الحسن لغيره، بينما عند ابن سيد الناس فإنه يتقوى قوة لا تخرجه عن حيّز الضعف. - وإذا توبع الضعيف الصالح للاعتبار بما هو أدنى منه، فإنه لا يتقوى بذلك ولا ينجبر على ما سبق من كلام نقاد الحديث، .

стр. 193

- فإن جاء هذا الحديث شديد الضعف من طرق متعددة، فهناك من يرقّيه من كونه ضعيفاً منكراً لا يجوز العمل به بحال إلى الضعيف الذي يجوز العمل به في فضائل الأعمال، حيث قال ابن حجر: "الضعف يتفاوت، فإذا كثرت طرق حديث رجح على حديث فرد، فكون الضعف الذي ضَعفُه ناشئٌ عن سوء حفظ رواته إذا كثرت طرقه ارتقى إلى مرتبة الحَسن، والذي ضَعفُه ناشئٌ عن تُهمة أو جهالة إذا كثرت طرقه ارتقى عن مرتبة المردود المنكر الذي لا يجوز العمل به بحال إلى رتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في فضائل الأعمال." (١) وقد تتابع بعض تلامذة ابن حجر ﵏ كالبقاعي (٢) والسخاوي (٣) وتبعهم السيوطي (٤) في الإشارة إلى هذا الرأي في كتبهم، وصرّحوا فيه بارتقاء الحديث بمجموع ذلك إلى مرتبة الحسن. دون أن يتعقّبوا هذا القول، بل أكّده السيوطي في ألفيته فقال: .................. كما ... يَرْقَى إِلى الحُسْنِ الذي قد وُسِمَا ضَعفًا لِسُوءِ الحِفظِ أَو إِرسَالٍ أو ... تَدليسٍ أو جَهالةٍ إِذا رَأَوا مَجِيئَهُ من جِهةٍ أُخرى، وما ... كان لِفِسقٍ او يُرَى مُتَّهَمَا يَرْقَى عن الإنكار بالتَّعَدُّدِ ... بل رُبَّما يَصيرُ كالذي بُدِي (٥)

стр. 194

بينما أقوال من سبقه تنفي تقوية الحديث الواهي بكثرة الطرق، منها: قول ابن جماعة في المنهل الروي: "وأما الضعيف لكذب راويه وفسقه فلا ينجبر بتعدد طرقه" (١)، وكذلك قول ابن رجب في شرحه للعلل: "وتسمية الحديث الواهي التي تعددت طرقه حسناً، لا أعلمه وقع في كلام الترمذي في شيء من أحاديث كتابه" (٢). وسيأتي مزيد إيضاح لذلك في الفصل الخاص بالحديث الضعيف بإذن الله. نخلص مما سبق: أنَّ قيد (يُروى من غير وجه) في تعريف الترمذي للحسن عنده، هو ما يُفسّر باشتراط المعاضدة للحديث، وتتنوع هذه المعاضدة بين المتابعات والشواهد سواء باللفظ أو بالمعنى، والغرض منها تقوية الأحاديث وجبر ضعفها. ولا يُشترط في المعاضدة عدد معين، بل يكفي على الراجح مجيئه من طريق آخر. وإنما يُشتَرط صلاحيتها للاعتبار والاعتضاد، وضابط ذلك يرجع كما ذكر ابن حجر ﵀: "إلى الاحتمال في طرفي القبول والرد، فحيث يستوي الاحتمال فيهما فهو الذي

стр. 195

يصلح لأن ينجبر، وحيث يقوى جانب الرد فهو الذي لا ينجبر. وأما إذا رجح جانب القبول فليس من هذا، بل ذاك في الحسن الذاتي." (١) فما أُطلِق عليه الحسن لذاته ترجّح فيه جانب القَبول، وإن وُجد عاضد له زادت قوته والتحق بالصحيح لغيره. بينما الضعيف ضعفاً يسيراً - حيث يستوي فيه الاحتمال بين القبول والرد- هو الذي يحتاج المعاضَدة؛ لترجيح جانب القبول، وهو الذي يَصلُح للانجبار بعكس الضعيف ضعفاً شديداً حيث ترجّح فيه جانب الرد. واختلفوا - في مرتبة المُعاضِد من المتابِع أو الشاهِد؛ لينجبر به الضعف اليسير، ويصبح الحديث بمجموعهما حسناً لغيره- هل يُشترط فيه أن يكون مساوياً لمرتبة المتابَع أو أعلى منه أو أدنى؟ - أما في حال كونه أعلى منه وأقوى فهناك من جعله جابراً للمتابَع وعاضداً له فيُرقِّيه للحسن لغيره، وهناك من رأى أنه لا يَجبُر ضعفه، ولا يُصبِح بمجموعهما حسناً؛ لأن الاعتماد في هذه الحالة على القوي الصحيح دون الضعيف. - وأما في حال كون المتابَع والمتابِع متساويين ومتماثلين في الضعف اليسير، فعند بعضهم يتقوّى قوة لا تخرجه عن حيّز الضعيف، واعتبر آخرون أنه يتقوّى ويصبح بمجموعهما حسناً لغيره. - وأما إن كان المتابِع مُنحَطاً عن درجة المتابَع وأدنى منه، فلا يجبره ولا يُلتفَت إليه، وهناك رأي لابن حجر - وتبعه بعض تلامذته في ذلك- وهو: في حال كثرت طرق المتابِع الضعيف ضعفاً شديداً، فإن كثرة الطرق تكسبه قوة بحيث يرتقي عن كونه منكراً أو لا أصل له، وأضافوا: "بل ربما كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجة المستور والسيئ الحفظ، بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف

стр. 196

قريب محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن" (١)، وفيما قاله ﵀ نظر، إذ كثرة الطرق الواهية لا تزيد الحديث إلا وهناً وضعفاً، وكذلك يخالف ما عليه كبار أئمة النقد المتقدمين. (٢) والله تعالى أعلم. وكان من أكثر ما اُنتقد على الترمذي في تعريفه، اشتراط تعدد الطرق في الحديث الحسن، بينما جمع في أحكامه على بعض الأحاديث بين وصفيّ الحسن والغرابة للحديث الواحد، وقد تعددت أجوبة العلماء في توجيه صنيعه ﵀، من ذلك: - جواب شيخ الإسلام ابن تيمية بأن الحديث قد يكون غريباً في أصله، ثم تتعدد الطرق ... عن التابعي، فيجمع بين الغرابة في الأصل، والحُسن لتعدد طرقه بعد ذلك. - وكان جواب ابن رجب بأن المراد أن يُروى معناه من غير وجه، لا بنفس اللفظ، فهذا اللفظ لا يُعرف إلا من هذا الوجه، لكن لمعناه شواهد بغير لفظه. - وأجاب ابن حجر بأن الترمذي حين عرَّف الحسن في كتابه اقتصر على نوع خاص، وهو ما يقول فيه (حسن) من غير صفة أخرى. - وأجاب أبو الفتح اليعمري بأنّه لا يُشترط في كل حديث يصفه الترمذي بالحسن مجيئه من غير وجه، إنما الذي يحتاج إلى مجيئِه من غير وجه ما كان راويه في درجة المستور ومن لم تثبت عدالته. - وتوصّل بعض الباحثين إلى أن اشتراط تعدد الطرق في الحديث الحسن عند الترمذي: شرط أغلبي لا كُلّي، واستدل على ذلك بتحسين الترمذي لأحاديث لا يوجد فيها أي مغمز

стр. 197

سوى رواة من أهل الصدق قد خفّ ضبطهم، أي أن وصف الحديث بكونه حسناً عند الترمذي لا يختص بالحسن لغيره، بل يدخل فيه الحسن لذاته (١)، والله أعلم. القيد الرابع: قيد السلامة من الشذوذ والنكارة (٢): أولاً: السلامة من الشذوذ: سبق الإشارة إلى معاني الشاذ في اللغة والاصطلاح - وذلك عند الحديث عن قيود الحديث الصحيح- وأن الشذوذ في الاصطلاح يتراوح بين معانٍ ثلاثة هي: مخالفة الثقات، أو تفرّدهم، أو التفرّد بشكل عام. وقد نصّ الترمذي باشتراط نفي الشذوذ في تعريفه للحديث الحسن، لكنه لم يحدد معنى الشذوذ، ولم يصف أي حديث في جامعه بالشذوذ، مما جعل تحديد مراده من هذا الاصطلاح أمراً صعباً؛ لا سيما وأن المحدثين لم يتفقوا على تعريف واحد للشذوذ. (٣) وقد اجتهد العلماء في تفسير مُراد الترمذي بالشذوذ على ثلاث مذاهب: - المذهب الأول: تفسيره بالمخالفة (٤)،

стр. 198

وقال بذلك كلٌ من: ابن تيمية (١)، والزركشي (٢)، وابن رجب (٣)، وابن حجر (٤). - المذهب الثاني: فسّره بالتفرّد: وقال به ابن الصلاح (٥)، ومن سار على نهجه في تلخيص كتابه أو شرحه دون تعقيب، إلا أن الحافظ ابن حجر تعقَّب هذا التفسير لمعنى الشذوذ فقال في كتابه النكت على ابن الصلاح: "قوله (٦): حكاية عن بعض المتأخرين (٧) أنه زعم أن قول الترمذي: ولا يكون شاذا "زيادة لا حاجة إليها، لأن قوله يُروى من غير وجه يغني عنه، ثم قال: فكأنه كرره بلفظ مباين". أقول: ليس في كلامه تكرار بل الشاذ عنده ما خالف فيه الراوي من هو أحفظ منه أو أكثر سواء انفرد به أو لمن ينفرد، كما صرح به الشافعي ﵁. وقوله: يُروى من غير وجه شرط زايد على ذلك. وإنما يتمشى ذلك على رأي من يزعم أن الشاذ ما تفرد به الراوي مطلقا. وحمل كلام الترمذي على الأول أليق؛ لأن الحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد، ولا سيما في التعاريف - والله أعلم" (٨).

стр. 199

- المذهب الثالث: ما ذهب إليه ابن سيّد الناس حيث جمع بين المعنيين (١) ولم يرجّح أحدهما على الآخر، فقال - بعد أن ذكر معاني الشاذ في الاصطلاح: "والذي يظهر من كلام الترمذي التوسع في ذلك، وأن تفرد المستور داخل في مسمى الشاذ." (٢) ثم قال بعد ذلك- وهو يظهر تردده في الجزم بالمراد من الشذوذ في تعريف الترمذي-: " إن كان الترمذي يرى الشذوذ: تفرد الثقة أو المستور، من غير اشتراط لمخالفة ما روى الناس، كما اشترط الشافعي، فالشرطان واحد وقوله: "ويُروى من غير وجه نحو ذلك"، تفسير

стр. 200

لقوله: ولا يكون شاذًا، وإن كان [يرى] تفسير الشذوذ بمخالفة الناس، فيستقيم أن يكونا شرطين." (١) وقد ذهب أحد الباحثين إلى أن الخلاصة من مراد الترمذي بالشاذ هو: - أن لا يتفرد الراوي - الذي هو دون الثقة- بالحديث إن كان ممن لا يقوى حاله على التفرّد. - وأن لا يخالف الراوي الثقة غيره إن كان ممن يسمح حاله بالتفرّد. - وأن لا يعارض هذا الحديث أصلاً من الأصول. (٢) ما سبق كان بياناً لبعض الاجتهادات في تفسير مراد الترمذي بنفي الشذوذ في حد الحديث الحسن، أما الخطابي فلم ينص على نفي الشذوذ في تعريفه، لكن قد يُشير إليه قوله: "يقبله أكثر العلماء" إذ الشاذ مردود عندهم، ويُضاف إليه ما ذكره البقاعي من أن: "قول الخطابي: "ما عرف مخرجه" يُخرِج المعلل فإنه لم يُعرف مخرجه، والشاذ قسم من أقسام المعلل، والمنكر معلل على كل حال." (٣) ورغم اختصار ابن الجوزي لتعريف الحسن إلا أن مفهوم قوله: "ما فيه ضعف قريب محتمل" (٤) يتضمن نفي الشذوذ المُسبب لضعف الحديث ضعفاً لا يُحتمل، هذا عدا أنه أضاف "ويصلح البناء عليه والعمل" بينما الشاذ لا يصلح لذلك.

стр. 201

وماثل تعريف ابن دحية (١) في شقٍ منه تعريف ابن الجوزي مع إضافة شروط في الراوي دون المروي مما حدا بابن حجر للتعقيب بقوله: "وهو جيد بالنسبة إلى النظر في الراوي لكن صحة الحديث وحسنه ليس تابعا لحال الراوي فقط، بل لأمور تنضم إلى ذلك من المتابعات والشواهد وعدم الشذوذ والنكارة، فإذا اعتبر في مثل هذا سلامة راويه الموصوف بذلك من الشذوذ والإنكار كان من أحسن ما عرف به الحديث الحسن الذاتي لا المجبور على رأي الترمذي، والله أعلم." (٢) والفرق بين تعريف ابن الجوزي وابن دحية، أن الأول رغم اختصاره إلا أنه كان عاماً شاملاً للراوي والمروي على حد سواء، بينما الثاني جعل الضعف خاصاً بالراوي، فتعقّبه ابن حجر لذلك، والله أعلم. أما ابن القطان فمما "يؤخذ عليه في تعريفه أنه لم يتعرّض للاتصال أو عدم الشذوذ والسلامة من العلة، ولكن يُجاب على ذلك بأن ابن القطان يرى هذه الأمور موجبة لضعف الحديث وإن كان لم يذكر هذا في كلامه على الحسن، لكن عُرِف ذلك في مواضع أخرى (٣) إلا أن له بعض الآراء الخاصة تخالف جمهور المحدثين في العلة." (٤) وقد استنتج الدكتور أكرم بلعمري معنى الشذوذ عند ابن القطان عن طريق دراسة آرائه وأقواله في المسائل المتعلّقة تعلّقاً وطيدا بمبحث الشاذ، كزيادة الثقة وتعارض الوصل

стр. 202

والإرسال والوقف والرفع، فمن خلال ذلك - كما ذكر- حدّد مفهوم الشاذ عند ابن القطان الفاسي بأنه: "مخالفة الراوي لغيره مخالفة منافية يلزم من قبولها ردّ رواية الأحفظ أو رواية الجماعة. ويتوسع في ذلك فيشمل مخالفة الضعيف، فإن رُدّت مخالفة الثقة بالقرينة فمن باب أولى تُردّ مخالفة الضعيف بها." (١) أما من جاء بعد ابن الصلاح: - فهناك من لم يصرح بنفي الشذوذ في حدّ الحديث الحسن؛ إلا أنه داخل في مفهوم تعريفه، ومن ذلك: تعريف ابن جماعة (٢)، إذ اكتفى بنفي العلل، والشذوذ نوع منها، (٣) وكذلك ابن الملقّن في كتابه التذكرة (٤)، فإن نفي الشذوذ داخل في تعريفه المجمل، خاصة أنه اكتفى بذكر تعريف واحد مجمل للحسن، ويريد به الحسن لذاته، وأشار فيه إلى موضع الافتراق بين الصحيح والحسن بشيء من الدقة حيث حصر ذلك في ضبط الراوي، أما ما عدا ذلك فيبقى كما

стр. 203

اشترطه في تعريفه للصحيح من سلامة الإسناد والمتن من الطعن، والشذوذ يطعن في سلامتهما. - وهناك من صرّح بنفي الشذوذ عن قسم واحد من أقسام الحديث الحسن دون الآخر، حيث صرّح بنفيه عن الحسن لذاته ابن حجر في تعريفه (١)، وتبعه الشّمُني في ذلك، وزاد في وصف راويه بقوله: "وارتفع عن حال من يُعدّ تفرده منكراً" (٢). أما ما يخص تعريف الحسن لغيره، فإذا حملنا معنى الشذوذ على ما اعتمده ابن حجر واختاره في النخبة، وهو: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، فإن الشذوذ إنما يكون في أحاديث الثقات، والحسن لغيره في أصله ضعيف انجبر بمثله أو نحوه فلم يصرّح بنفي الشذوذ فيه. وفي حال فُسِّر الشذوذ بالمعنى الثاني الذي عزاه ابن حجر لبعض أهل الحديث-وهو: تفرد الراوي سيِّئ الحفظ، - فإن تعريفه للحسن لغيره يتضمنه، وإن لم يصرّح به؛ لأن من شروطه في الحسن لغيره أن يكون ضعفه مُنجبِراً، ويُتابَع بمُعتَبر، فاشتراط المتابِع المُعتبر هنا ينفي التفرّد، وبالتالي ينتفي الشذوذ بانتفاء التفرّد، والله أعلم. - أما ابن الصلاح - ومن تبعه وسار على نهجه- فالشذوذ عندهم على قسمين: "أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف." (٣) والحسن عنده على قسمين كذلك، وفي تعريفه نفى الشذوذ عن القسمين كليهما (الحسن لذاته ولغيره)، ويظهر أنه أراد في كل قسم معنى للشذوذ دون الآخر.

стр. 204

ففي القسم الذي نزّله على تعريف الترمذي، وقال فيه: "ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا ... "، فهو هنا صرّح بأن نفي الشذوذ مرادف لقوله "ويُروى من غير وجه" أي أنه نفي للتفرد. بينما في القسم الثاني، والذي نزّله على تعريف الخطابي، اشترط في راويه أن يكون من مرتبة من لا يُستنكر تفرّده، فقال: "وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرا"، والشذوذ والنكارة عند ابن الصلاح بمعنى واحد، فإذا كان تفرّد رواة هذا القسم لا يُعدّ منكراً ولا شاذاً، فيُحمل اشتراط نفي الشذوذ هنا على المعنى الثاني الذي قرره من معاني الشاذ اصطلاحاً، وهو المخالفة، والله تعالى أعلم. (١) ثانياً: السلامة من النكارة (٢): النكارة تأتي في اللغة بمعنى: الدهاء، والأمر الشديد أو الصعب، والنكرة: خلاف المعرفة، والمنكر: ضد المعروف. ونكر الشيء وأنكره: لم يقبله قلبه، ولم يعترف به لسانه. (٣)

стр. 205

والمنكر في الاصطلاح: عند ابن الصلاح بمعنى الشاذ حيث قال: "المنكر ينقسم قسمين على ما ذكرناه في الشاذ؛ فإنه بمعناه" (١). أما ابن حجر فقد عرّف الشاذ ثم أتبعه بتعريف المنكر فقال: " وإن وقعت المخالفة مع الضعف؛ فالراجح يقال له: المعروف، ومقابله يقال له: المنكر" (٢)، فالمنكر عنده: ما رواه الضعيف مخالفاً به من هو أولى منه. وأشار كذلك إلى الإطلاقات الأخرى للمنكر، ومنها: إطلاقهم المنكر على مجرد التفرد، إلا أنه ذكر معياراً لذلك فقال: "حيث لا يكون المتفرد في وزن من يُحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده" (٣)، ويُشير بذلك إلى اختلاف الحكم بالنسبة للحديث الفرد، فليس كل تفرد منكر (٤)، ثم أعقب كلامه ببيان موطن الاختلاف بين المنكر والشاذ فقال: "وإنما اختلافهما في مراتب الرواة، فالصدوق إذا تفرد بشيء لا متابع له ولا شاهد، ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في حد الصحيح والحسن، فهذا أحد قسمي الشاذ، فإن خولف من هذه صفته مع ذلك كان أشد في شذوذه، وربما سماه بعضهم منكراً، وإن بلغ تلك الرتبة في الضبط، لكنه خالف من هو أرجح منه في الثقة والضبط، فهذا القسم الثاني من الشاذ وهو المعتمد في تسميته. وأما انفرد المستورُ، أو الموصوفُ بسوء الحفظ، أو المضعفُ في بعض مشايخه دون بعض، بشيء لا متابعَ له ولا شاهدَ، فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث. وإن خولف في ذلك، فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين.

стр. 206

فبان بهذا فصل المنكر من الشاذ وأن كلا منهما قسمان يجمعهما مطلق التفرد أو مع قيد المخالفة، والله أعلم". (١) وخلاصة كلامه: أن الراوي الصدوق إذا كان ضبطه في مرتبة رواة الصحيح والحسن، ثم خالف من هو أرجح منه فيُحكم على روايته بالشذوذ، وهذا هو المعتمد في تسمية الشاذ. وإذا كان ضبط الراوي الصدوق أقل مما يُشترط في الصحيح أو الحسن ثم تفرّد بالرواية، فروايته شاذة على قول، فإن خالف هذا الراوي من هو أولى منه كان شذوذه أشد، وهناك من يحكم بالنكارة على هذه الرواية. (٢) أما الراوي الضعيف في بعض شيوخه أو الموصوف بسوء الحفظ (٣) أو المستور-بمعناه عند ابن حجر (٤) - إذا تفرّد بالرواية، فروايته منكرة على قول كثير من أهل الحديث، وإذا خالف بروايته من هو أولى منه، فهذا هو القسم الثاني من المنكر، وهو المعتمد عند الأكثرين. ويظهر من كلام ابن حجر- ﵀ أن الراوي كلما نزلت مرتبته عن الرواة المتقنين-رواة الصحيح والحسن- وضعف ضبطه، كان المعتمد عند الأكثر إطلاق النكارة على تفرده أو مخالفته؛ لذا فرّق بين رواة الشاذ والمنكر، فذكر أن المعتمد إطلاق الشاذ على رواية المقبول إذا خالف من هو أولى منه، وإطلاق النكارة على رواية الضعيف إذا وقعت منه المخالفة للأَولى.

стр. 207

وبتأمل تعريف ابن الصلاح للصحيح وللحسن، نجده: - نفى الشذوذ في حدّ الصحيح، إذ راوي الصحيح يكون على درجة عالية من الثقة والضبط فغالباً لا يُستنكر منه التفرّد. بينما في تعريفه للحسن: قرن نفي الشذوذ بالنكارة في قسميّ الحسن. - ففي القسم الذي نزّله على تعريف الترمذي: قال: "ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا ... " فجعل نفي الشذوذ والنكارة ثمرة لاشتراط تعدد طرق الحديث ومجيئه من طريق آخر. (١) - بينما في القسم الذي نزّله على تعريف الخطابي صرّح بأن راويه في مرتبة من لا يُعدّ تفرده منكراً، وقوله هذا يُعدُّ نفياً ضمنياً للنكارة التي هي بمعنى التفرد، ثم إن تكراره لنفي النكارة في حد الحسن بقوله: "ويعتبر في كل هذا - مع سلامة الحديث من أن يكون شاذا ومنكرا - سلامته من أن يكون معللا." (٢) إما أن: يُحمل على التأكيد، أو على المعنى الآخر للنكارة وهي المخالفة، وبهذا يكون قد نفى النكارة عن قسمي الحديث الحسن كليهما.

стр. 208

- أما ابن حجر فلم يتطرق لنفي النكارة في الصحيح ولا في الحسن، وعلّل ذلك بقوله: "أن المنكر على قسميه عند من يخرجُ الشاذَّ هو أشد ضعفا من الشاذ. فنسبة الشاذ من المنكر نسبة الحسن من الصحيح فكما يلزم من انتفاء الحسن عن الإسناد انتفاء الصحة؛ كذا يلزم من انتفاء الشذوذ عنه انتفاء النكارة" (١). وكذلك فإن تعريف المنكر عنده هو: مخالفة الضعيف لمن هو أولى منه، وكونه لم يشترط في تعريف الحسن لذاته نفي النكارة؛ لأن رواة الحسن لذاته ليسوا ضعفاء، إنما هم في مرتبة تقلّ قليلاً عن مرتبة رواة الصحيح عنده. أما الحسن لغيره فمن شروطه أن يكون ضعفه منجبراً؛ بينما المنكر لا ينجبر في جميع أحواله؛ إذ يتراوح عنده بين تفرّد ضعيف لا يُحتمل تفرّده- ففي هذه الحالة لم يتحقق شرط المتابعة - وبين ضعيف خالف من هو أولى منه، وكليهما لا ينجبران، فانتفى شرط النكارة باشتراط انجبار الضعف؛ لذا لم يكن هناك داعٍ لاشتراطه في حد الحسن عند ابن حجر، والله أعلم. نخلص مما سبق: أن من المعاني التي يأتي بها الشذوذ في اللغة معنى التفرّد، والمخالفة، وهي كذلك في الاصطلاح، وقد استعمل ابن الصلاح المعنيين في تعريف الشاذ اصطلاحاً -إذ جعله على قسمين- بينما اختار ابن حجر لتعريف الشاذ أنه: مخالفة المقبول لمن هو أولى منه، وذكر أنه هو المعتمد عند أهل الاصطلاح (٢)، وفرّق بين الشاذ والمنكر خلافاً لابن الصلاح الذي جعلهما بمعنى واحد.

стр. 209

واختلف من جاء بعد الترمذي في تفسير معنى الشذوذ في تعريفه للحسن، فهناك من فسّره بالمخالفة، وهناك من فسّره بالتفرّد، وهناك من جمع بينهما -أي: بين المخالفة والتفرّد كمعنى للشذوذ- دون مُرجِّح. فبالنسبة لاشتراط نفي الشذوذ في تعريفات الحسن: فإن غالب التعريفات يدخل فيها اشتراط نفي الشذوذ إما نصاً أو مفهوماً، ويتردد فيها المعنى المراد بالشذوذ -بين التفرّد أو المخالفة- حسب السياق أو نوع الحسن -لذاته أو لغيره- الوارد به، والله أعلم. أما بالنسبة لاشتراط نفي النكارة في تعريفات الحسن: فإن ابن الصلاح قد صرّح في قسميّ الحسن بنفي النكارة تبعاً لنفي الشذوذ؛ لأن المنكر عنده بمعنى الشاذ. أما ابن حجر فلم يتطرق لنفي النكارة في الحسن بقسميه بل اكتفى بنفي الشذوذ عن الحسن لذاته تبعاً لاشتراطه ذلك في الصحيح. واشترط في الحسن لغيره أن يكون ضعفه منجبراً، وفي كلا القسمين- سواء في الحسن لذاته أو الحسن لغيره- لم يبلغ الراوي عنده من الضعف ما يستدعي نفي النكارة، لأن المنكر أشدّ ضعفاً عنده من الشاذ، (١) والله أعلم. القيد الخامس: قيد السلامة من العلّة: سبق الحديث عن قيد السلامة من العلة ضمن قيود الحديث الصحيح، وسيأتي مزيد تفصيل في الفصل الخاص بالحديث المعلل، ولا بأس بشيء من الإيجاز في الإشارة إلى

стр. 210

معنى العلة لغة واصطلاحاً، فالعلة في اللغة: تتراوح معانيها بين المرض والضعف، والعائق يعوق صاحبه. (١) وفي الاصطلاح، العلة: سبب خفي غامض يقدح في صحته (٢)، وهي غالباً ما يُكشف عنها في الأحاديث التي ظاهرها الصحة، حيث قال ابن الصلاح: "الحديث المعلل هو الحديث الذي اُطُّلِع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها. ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر." (٣) وسبقه إلى ذلك الحاكم بقوله: "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير." (٤) فالعلة تتطرق إلى الحديث الذي ظاهره الصحة بشكل عام، وقد أشار ابن الصلاح إلى أنها قد تُطلق على غير ذلك فقال: "ثم اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من

стр. 211

العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل، ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح." (١) وبالنظر إلى اشتراط هذا القيد في حد الحديث الحسن: - فإن الترمذي حين عرّف الحسن عنده لم يُصرّح بنفي العلة، واكتفى بنفي الشذوذ، وهو نوع من العلل الخفية، والذي يُقاس عليه ما يشبهه من أنواع الضعف الشديد غير المنجبر، فيُفهم من ذلك اشتراطه نفي ما يُعِلُّ الحديث ويضعفه بما لا ينجبر بمجيئه من طريق آخر (٢)؛ خاصة وأن الترمذي "إمام من أئمة نقد الحديث وبيان علله، ولا يمكن أن يُحسِّن حديثاً فيه علة يعلمها" (٣). - أما الخطابي فإن قوله: " (ما عرف مخرجه) يُخرِج المعلل، فإنه لم يعرف مخرجه" (٤)، وتبعه الميانشي وزاد بقوله: "فإنه يحسن الاحتجاج به" والحديث المعلل يرده النقاد ولا يحتجون به. وابن الجوزي اشترط أن يكون الضعف في الحديث محتملاً، والعلة تقدح في صحة الحديث فلا يُحتمل ضعفه.

стр. 212

والحديث الحسن عند ابن القطان أعلى من الضعيف، وهو يَردُّ الحديث لوجود جَرْح مُفسّر في الراوي، فمن باب أولى أن يردّه لوجود علة تقدح في صحته. (١) - أما ابن الصلاح فإنه حين عرّف الحسن جعله على قسمين: نزّل أحدهما على تعريف الترمذي، والآخر على تعريف الخطابي، وممن جاء بعده من فهم منه اشتراط نفي العلة عن القسمين كليهما، واشترط القيد فيهما، وهناك من اقتصر على اشتراطه في الحسن لذاته دون الحسن لغيره. فَمِن مَن فهم اشتراط ابن الصلاح -السلامة من العلة في الحديث الحسن بقسميه-: ابن جماعة (٢)، وتبعه الطيّبي (٣)، وكذلك العراقي حيث قال في ألفيته: "وقال بان لي بإمعان النظر ... أن له قسمين كل قد ذكر قسما، وزاد كونه ما عللا ... ولا بنكر أو شذوذ شملا" (٤)

стр. 213

ومن شرحها بعده أوضح هذا المفهوم، حيث قال البقاعي: " (وزاد كونه ما عللا) إلى آخره، نفي العلة، والنكارة زيادة على كل منهما" (١). وقال السخاوي في شرحه لألفية العراقي: " (وزاد) أي ابن الصلاح في كل منهما (كونه ما عللا ولا بنكر أو شذوذ) أي: بكل منهما" (٢)، بل صرّح السخاوي في تعريفه لمطلق الحسن- والذي ضم قسميه- باشتراط السلامة من العلة في القسمين معاً (٣). أما ابن حجر فقد اعترض على اشتراط السلامة من العلة في الحسن لغيره، فقال متعقّباً تعريف ابن جماعة: "اشتراط نفي العلة لا يصلح هنا؛ لأن الضعف في الراوي علة في الخبر والانقطاع في الإسناد علة الخبر، وعنعنة المدلس علة في الخبر، وجهالة حال الراوي علة في الخبر، ومع ذلك فالترمذي يحكم على ذلك كله بالحسن إذا جمع الشروط الثلاثة (٤) التي ذكرها، فالتقييد بعدم العلة يناقض ذلك والله أعلم." (٥) ويدل تعقّب ابن حجر لابن جماعة دون ابن الصلاح، على أنه يرى أن ابن جماعة هو من زاد هذا القيد في الحسن لغيره، وأن تعريف ابن الصلاح لا يتضمنه، وإلا كان الأولى أن يتعقّب ابن الصلاح؛ لأنه العمدة في ذلك.

стр. 214

وبالنظر إلى اشتراط السلامة من العلة في الحديث الحسن: - فأمّا ما يخص الحسن لذاته-والذي يدخله بعضهم ضمن مراتب الصحيح، - فإن اشتراط خلوه من العلة تابع لاشتراط ذلك في الصحيح؛ لأن العلة تطعن في الصحة، واشتراط ذلك ظاهر أو مفهوم في تعريف ابن الصلاح ومن سبقه أو لحقه. - وأما تعريف الحسن لغيره، والذي فيه ضعفٌ انجبر بالمعاضدة بمثله أو نحوه، فإن اشتراط خلوه من العلل قد يُلبِس من جهة اصطلاحهم بأن العلة تتطرق إلى الإسناد الذي ظاهره الصحة، بينما إسناد الحديث الحسن لغيره في أصله ضعيف، وإنما يكتسب القوة من الاعتضاد، وهذا الاعتضاد - كما جاء في قيد المعاضدة- قد يُخرج الحديث عن حيّز الضعف، وقد يُقويه قوة لا تخرجه عنه؛ لذا أجد أن اعتراض ابن حجر على اشتراط السلامة من العلة - في تعريف الحسن لغيره، والذي نُزِّل على تعريف الترمذي- وجيهاً، وأن الرد عليه بأن العلة حسب الاصطلاح رد ضعيف (١)؛ لأن نفي العلة بالمعنى الاصطلاحي غير متحقق في الحسن لغيره، حيث ظاهره الضعف، والعلة إنما تتطرق للحديث الذي ظاهره الصحة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى: فإن نفي العلة بمعناها اللُّغوي - الذي يشمل كل ما يُمرض الحديث- غير ظاهر كذلك في الحديث الحسن لغيره؛ لأنه يُوصَف بكونه ضعيف ضعفاً منجبراً، حيث يكون ضعفه إما بسبب الانقطاع في السند أو الإرسال أو سوء حفظ الراوي، ونحو ذلك، مما يُعده نقاد الحديث من العلل الظاهرة التي يُعلّ بها الحديث، وإن كان الاصطلاح قد استقرّ على حصر تعريف العلة بالعلل الخفية القادحة.

стр. 215

قال الدكتور الدريس: "والذي أراه أن اشتراط نفي العلة لا يصلح في الحديث المعتضد بمثله، والُحسَّن بمجموع طرقه الضعيفة، وذلك لأن العلة ميدانها الحقيقي أحاديث الثقات المحتج بهم ولا أدلّ على ذلك من قولهم في تعريفها (مع أن الظاهر السلامة منها) والأحاديث المضعفة بسبب سوء حفظ رواتها أو جهالتهم أو لانقطاع في أسانيدها يُعدّ السبب القادح فيها ظاهراً وليس غامضاً أو خفياً" (١) فاشتراط نفي العلة عن الحسن لغيره غير متوجّه على المعنى الاصطلاحي للعلة ولا على المعنى العام لها؛ ولعل ذلك هو الذي حذا بابن حجر ﵀ بأن يعترض على اشتراط الخلو من العلة في حدّ الحسن لغيره، ويرى أن اشتراط الضعف المحتمل فيه كافٍ عن اشتراط نفي العلة، والله أعلم. نخلص مما سبق: العلة ذات مدلول واسع عند الأئمة المتقدمين، فكل قادح في صحة الحديث سواء كان ظاهراً أم خفياً يُعتبر مما يُعِلُّ الحديث ويضعفه، وإن استقرّ اصطلاح المتأخرين على تضييق مدلول العلة؛ لتكون خاصة بالسبب الخفي الذي يقدح في بعض الروايات التي ظاهرها الصحة (٢). وبالنظر إلى اشتراط سلامة الحديث الحسن من العلة، فسواء أُريد بها المعنى الاصطلاحي أو المعنى العام، فذلك متوجه إلى القسم الموسوم بالحُسن لذاته، والذي هو من أدنى مراتب الصحيح، ويُشكل اشتراط نفيها في الحسن لغيره، إذ أنه من الضعيف المُنجبر، والعلة في الاصطلاح إنما تتطرق للأحاديث التي ظاهرها الصحة، والحديث هنا ضعيف جُبر بالمتابعة والمعاضدة بمثله، وقد سبق معنا - في قيد المعاضدة- أن المعاضدة
следующие страницы →