← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 142182

المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق

راوية بنت عبد الله بن علي جابر

Полный текст (604 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

القيد الرابع: السلامة من الشذوذ (نفي الشذوذ) (١): الشذوذ في اللغة: يأتي بمعنى: الانفراد والمفارقة. (٢) وقد اُختلف في تعريف الشاذ في الاصطلاح إلى ثلاث معانٍ رئيسية حسب ما ذكرها ابن الصلاح في مقدمته فنقل عن الشافعي قوله: "ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس" (٣). ثم نقل تعريف الخليلي (٤) للشاذ بأن "الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة. فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به" (٥). وأتبعه بقول الحاكم: "أن الشاذ هو الحديث الذي يتفرد به ثقة من الثقات، وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة" (٦). وعقّب بتوضيح أكثر لمراد الحاكم بمعنى الشذوذ، والفرق بين الشاذ والمعلل فقال: "وذكر أنه يغاير المعلل من حيث إن المعلل وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقف فيه على علته كذلك" (٧).

стр. 72

وبعد أن ذكر ابن الصلاح مذاهب العلماء في الحديث الشاذ- وتعقّب واستدرك-؛ خلص ﵀ إلى أن جعل الشاذ على قسمين، فقال: "الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف. والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف." (١) وقد سبق في تحرير قيد ضبط الرواة في الصحيح تضمّن تعريفات الأئمة لاشتراط الضبط في الراوي سواء: بالتنصيص على ذلك، أو بصنيعهم في تعليل الحديث أو تضعيفه أو نزوله عن رتبة الصحيح؛ لانخرام شرط ضبط راويه؛ وعليه فيخرج من حدّ الصحيح القسم الثاني الذي ذكره ابن الصلاح لنوعيّ الشذوذ وهو: - (الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط) - باشتراط ضبط الرواة أو تمامه (٢)، ويقتصر معنى الشذوذ المنفي في الصحيح على القسم الأول وهو: الفرد المخالف.

стр. 73

وهذا ما أكده كلٌ من الزركشي وابن حجر - في تنكيتهما على كتاب ابن الصلاح- حين شرحا قيد نفي الشذوذ في حدّ الحديث الصحيح، فذكرا أن المراد بالشذوذ المنفي في حدّ الصحيح هو: المخالفة (١). ورجحه السيوطي أيضاً فقال: "قيل: لم يفصح بمراده من الشذوذ هنا، وقد ذكر في نوعه ثلاثة أقوال؛ أحدها: مخالفة الثقة لأرجح منه. والثاني: تفرد الثقة مطلقاً. والثالث: تفرد الراوي مطلقاً. ورد الأخيرين؛ فالظاهر أنه أراد هنا الأول." (٢) وبالنظر في تعريفات الأئمة للحديث الصحيح، وما وضعوه من شروط في الراوي والمروي، نجد أن قيد نفي الشذوذ قد ذكره الشافعي حين نفى عن الراوي للصحيح وصف التدليس وعطف عليه نفي المخالفة بقوله: "برياً من أن يكون مدلساً، يحدث عمّن لقي ما لم يسمع منه، ويحدث عن النبي ﷺ ما يحدث الثقات خلافه عن النبي ﷺ " أي: وبريّاً من المخالفة كذلك، وتحديث الثقة بما يخالف رواية الثقات هو ما اختاره الشافعي تعريفاً للشذوذ. أما الحميدي فقد عدد ما قد يُردّ به حديث الراوي من: الوهم، والكذب، والنسيان، وغير ذلك إلى أن قال: "وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال", وفي موضع آخر نجده يتحدث عن ضبط الراوي وحفظه لكتابه، وصيانة مروياته عن المخالفة، وذلك لما للمخافة من أثر في ردّ الحديث وطرحه، فقال:

стр. 74

"من اقتصر على ما في كتابه فحدث به، ولم يزد فيه ولا ينقص منه ما يغير معناه، ورجع عما يخالف فيه بوقوف منه عن ذلك الحديث، أو عن الاسم الذي خولف فيه من الإسناد ولم يغيره، فلا يطرح حديثه ولا يكون ضارا ذلك له في حديثه؛ إذا لم يرزق من الحفظ والمعرفة بالحديث ما رزق غيره إذا اقتصر على كتابه، ولم يقبل التلقين (١)." (٢) فما ذكره الحميدي يتضمن اشتراطه خلو حديث الراوي من المخالفة في المتن والإسناد لكيلا يُردّ، وإن لم يُسمّ ذلك شذوذاً. أما مسلم فلم ينص على نفي الشذوذ - في مقدمة صحيحه- في حين أن ابن الصلاح قال: "شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالما من الشذوذ ومن العلة وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر" (٣)، ولعله استنتج ذلك من صنيع الإمام مسلم في كتابه الصحيح، أو فهمه من مقدمته لكتاب التمييز؛ حيث أوضح الإمام مسلم أن المخالفة من الراوي- وإن كان حافظاً- لغيره من الرواة الحفّاظ؛ تنفي الصحة عن الحديث - وإن لم يسمّه شذوذاً- فقال: "فيُعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ، دون الواحد المنفرد وإن كان حافظاً." (٤)

стр. 75

وقد نقل السيوطي تعقيب ابن حجر - لما ذكره ابن الصلاح، وتخريجه له- بقوله: "ولم يتبين لي أخذه انتفاء الشذوذ من كلام مسلم، فإن كان وقف عليه من كلامه في غير مقدمة صحيحه فذاك، ... قال: ثم ظهر لي مأخذ ابن الصلاح، وهو أنه يرى أن الشاذ والمنكر اسمان لمسمى واحد. وقد صرح مسلم بأن علامة المنكر أن يروي الراوي عن شيخ كثير الحديث والرواة شيئا ينفرد به عنهم، فيكون الشاذ كذلك فيشترط انتفاؤه." (١) وكذلك لم ينص ابن خزيمة على اشتراط نفي الشذوذ في حدّ الصحيح، ولكن قد يدخل ذلك ضمناً في نفيه تجريح الراوي بشكل عام -كما سبق في قيد الضبط- وقد يدخل ضمناً

стр. 76

كذلك في شرط انتفاء العلة - كما سيأتي في قيد نفي العلة- بل إن صنيعه في صحيحه وتعليله لأحاديث بسبب مخالفة الراوي أو تفرّده غير المحتمل يشهد لذلك. (١) أما تلميذه ابن حبّان فله نقول كثيرة في كتابيه (الثقات) و (المجروحين) يُبيّن فيها أثر مخالفة الراوي للثقات في ردّ ذلك الحديث الذي وقعت فيه المخالفة (٢)، وأثر كثرة مخالفة

стр. 77

الراوي للثقات في ترك الاحتجاج بخبره، ومتى يُحتمل تفرّد الراوي؟ ومتى لا يُحتمل منه ذلك؟ . (١) أما الشذوذ عند الحاكم فهو في الغالب إذا أطلقه على الحديث أُريد به التفرّد الذي يُستغرب ويُستنكَر لغموضٍ في علته، وكان شذوذاً مردوداً، وإن قُرن وصف الشذوذ بالصحة أُريد

стр. 78

به المعنى اللغوي للشذوذ، وهو: التفرّد والانفراد، يدل على ذلك الأحاديث التي وصفها بالشذوذ في كتبه. (١) أما بالنسبة لمخالفة الراوي لغيره من الثقات، فإنه وإن لم يُسمّه شذوذاً، فإنه قد صرّح بأن المخالفة من الراوي سبب لردّ حديثه، حيث قال في كتابه معرفة علوم الحديث في النوع الثامن عشر بيان معرفة الجرح والتعديل: "وأصل عدالة المحدث أن يكون مسلماً لا يدعو إلى بدعة، ولا يعلن من أنواع المعاصي ما تسقط به عدالته، فإن كان مع ذلك حافظا لحديثه، فهي أرفع درجات المحدثين، وإن كان صاحب كتاب فلا ينبغي أن يحدث إلا من أصوله، وأقل ما يلزمه أن يحسن قراءة كتابه على ما ذكرته في أول هذا الكتاب من علامات الصدق على الأصول، وإن كان المحدث غريباً لا يقدر على إخراج أصوله فلا يكتب عنه إلا ما يحفظه إذا لم يخالف الثقات في حديثه، فإن حدث من حفظه بالمناكير التي لا يتابع عليها لم يؤخذ عنه" (٢)

стр. 79

وقال السخاوي فيما يخص اشتراط نفي الشذوذ والعلة من حدّ الصحيح: "وهذان: الرابع والخامس من الشروط، ... وهما سلبيان بمعنى اشتراط نفيهما، ولا يخدش في ذلك عدم ذكر الخطابي لهما; إذ لم يخالف أحد فيه." (١) ويشير كلامه إلى أن عدم ذكر الخطابي لهما في تعريفه للصحيح لا يدل على عدم اشتراط نفيهما لصحة الحديث؛ بل إن تعليله أحاديث في كتابه معالم السنن للتفرّد غير المحتمل من الراوي أو مخالفته يدل على اعتباره لذلك (٢). أما من جاء بعد ابن الصلاح، فقد تابعه معظمهم في ذكر هذا القيد في حدّ الصحيح، ونصّوا عليه سوى من أجمل تعريفه، واقتصر على اشتراط السلامة من القدح أو الطعن في السند والمتن بشكل عام- وقد يدخل نفي الشذوذ في ذلك ضمناً- كابن الملقّن (٣) في التذكرة، بينما نصّ على ذلك في كتابه المقنع. نخلص مما سبق: أن ابن الصلاح أشار إلى أن أبرز تعريفات الحديث الشاذ عند العلماء تدور حول معانٍ ثلاثة:

стр. 80

١ - مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه. ٢ - تفرد الثقة بما لا أصل له ولا متابع. ٣ - تفرد الشيخ (وهو ما دون مرتبة الثقة) بما لا متابع له. وبالرغم مما قد يظهر من اختلاف في تعريف الأئمة للشذوذ والحديث الشاذ؛ إلا أنهم شبه مجمعين على أن مخالفة الراوي للثقات - وإن لم يُطلق عليها بعضهم وصف الشذوذ- فهي مؤثرة وقادحة في صحة الحديث؛ لذا فإن أغلب من سبق ابن الصلاح اشترط لثبوت الرواية: ضبط الراوي، وعدالته، وعدم وقوع الوهم منه، وعدم مخالفته للثقات، وغير ذلك من الشروط والصفات التي تدل على ضبط الراوي وإتقانه، وإن لم ينصّوا على نفي الشذوذ بلفظه. بينما غالب تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح تضمنت نفي الشذوذ في حد الحديث الصحيح، وأشاروا إلى أن المراد بالشذوذ هنا هو المخالفة؛ حيث رجّح ابن القيم (١) تعريف الشافعي للشاذ فقال: "إنما الشذوذ: أن يخالف الثقات فيما رووه فيشذ عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة حديثا منفرداً به- لم يرو الثقات خلافه-: فإن ذلك لا يُسمّى شاذاً، وإن اصْطُلِح على تسميته شاذاً بهذا المعنى لم يكن هذا الاصطلاح موجبا لرده ولا مُسوّغاً له." (٢) يُشير بذلك: إلى أن إطلاق وصف الشذوذ على تفرّد بعض الثقات برواية ما لا يُتابع عليه لا يؤثر على صحة الرواية، إنما يؤثر عليها فيما إذا أثبت الراوي عن شيخه شيئاً، فنفاه من هو أحفظ أو أكثر عدداً، أو أكثر ملازمة منه. قال السخاوي: "والمحدثون

стр. 81

يسمونه شاذاً; لأنهم فسروا الشذوذ المشترط نفيه هنا بمخالفة الراوي في روايته من هو أرجح منه، عند تعسر الجمع بين الروايتين، ووافقهم الشافعي على التفسير المذكور، بل صرح بأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، أي: لأن تطرق السهو إليه أقرب من تطرقه إلى العدد الكثير، وحينئذ فرَدُّ قول الجماعة بقول الواحد بعيد" (١)، فمخالفة الثقة لغيره من الثقات في الغالب تكون قرينة الغلط والوهم إلا إن دلت القرائن على قبولها (٢)،

стр. 82

بينما الحال في تفرّد الثقة على العكس ففي الغالب مقبول ما لم تدل قرينة على خطئه أو وهمه. و"بعض الناس يفسرون الشاذ بمفرد الراوي من غير اعتبار مخالفته للثقات كما سبق، ويقولون صحيح شاذ وصحيح غير شاذ، فالشذوذ بهذا المعنى أيضا لا ينافي الصحة كالغرابة" (١) وإطلاق الشذوذ على الحديث الصحيح أو الجمع بين وصفيّ الصحة والشذوذ يُحمَل على المعنى اللغوي كما ذكر ابن القيم (٢)، وهو الانفراد أو التفرّد. ونقل الزركشي عمن سبقه ما يفيد بانقسام الشذوذ إلى محتجٍ به وغير محتجّ، فقال: "كلام الشافعي محمول على حكم الشاذ الذي لا يحتج به، وهو الذي انفرد به ثقة عن غيره مخالف لما رواه الناس ... ثم قال: "وهذا تقسيم لبعضهم الشاذ إلى صحيح وغير صحيح كما فعلوا في العلل، بل قسم بعضهم الشاذ إلى ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف؛ لأن المنفرد إن كان ثقة فصحيح، وإن كان غير ثقة فحسن، وإلا فضعيف." (٣) وأشار السخاوي إلى موقف شيخه ابن حجر من إطلاق الصحة على الشذوذ، فقال: "على أن شيخنا مال إلى النزاع في ترك تسمية الشاذ صحيحا، وقال: غاية ما فيه رجحان رواية على أخرى، والمرجوحية لا تنافي الصحة، وأكثر ما فيه أن يكون هناك صحيح وأصح، فيُعمَل بالراجح ولا يُعمَل بالمرجوح; لأجل معارضته له، لا لكونه لم تصح طريقه. ولا

стр. 83

يلزم من ذلك الحكم عليه بالضعف، وإنما غايته أن يتوقف عن العمل به" ثم أردف ذلك بقوله: "وبالجملة فالشذوذ سبب للترك إما صحة أو عملا". (١) ولا ريب أن التفصيل في معنى الشذوذ وأثره، والأمثلة عليه يحتاج مزيداً من البسط والتحرير، سيأتي شيء من ذلك في الفصل الخاص بالحديث الشاذ بإذن الله. القيد الخامس: السلامة من العلّة (نفي العلة): العلة في اللغة: تتراوح معانيها بين المرض والضعف، والعائق يعوق صاحبه، أو حدث يشغله عن وجهه. (٢) ومعنى العلة في الحديث اصطلاحاً: "عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه، فالحديث المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها. ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر." (٣) أكّد على ذلك الحاكم بقوله: "وإنما يُعلَّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له

стр. 84

علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولاً، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير." (١) قال الخطيب البغدادي: "والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يُجمَع بين طرقه، ويُنظر في اختلاف رواته، ويُعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط." (٢) وبالنظر إلى تعريفات الأئمة للصحيح نجد أن: الشافعي والحميدي لم ينصّا على نفي العلة صراحة بل ذكرا من ضمن شروط الراوي والمروي ما يتضمن نفي ما قد يُعلُّ الرواية ويمرضها، ومن ذلك اشتراط عقل الراوي بما يُحدّث، وعلمه بما يحيل المعنى، واشتراط الحفظ والفهم والموافقة لغيره من الثقات وعدم مخالفتهم، ونفي التدليس وما إلى ذلك مما اشترطه الشافعي. أما الحميدي فقد ذكر أنه متى ظهر له وهم الراوي أو كذبه أو نسيانه، وما إلى ذلك من علل خفيّة، فإنها تكون سبباً في ردّ الحديث، وعدم قبوله، حيث قال: "والباطن ما غاب عنا من وهم المحدث وكذبه ونسيانه, وإدخاله بينه وبين من حدث عنه رجلاً وأكثر, وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال, فلم نكلف علمه إلا بشيء ظهر لنا, فلا يسعنا حينئذ قبوله لما ظهر لنا منه." (٣)، وصنيعه في مسنده- والذي يظهر دقّته في النقل وبيان بعض الأوهام اليسيرة التي وقع فيها شيخه ابن عيينة، والتنبيه عليها- دليل على حرصه في تنقية الحديث مما قد يضعفه ويوهنه (٤).

стр. 85

أما مسلم فقد اشترط السلامة من العيوب بشكل عام، وأضاف في مقدمة كتابه قوله: "وسنزيد إن شاء الله تعالى شرحاً وإيضاحاً في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح إن شاء الله تعالى." (١)

стр. 86

وابن خزيمة لم يذكر نفي العلة في شرطه للصحيح إلا أنه مارس تعليل بعض الأحاديث أثناء سرده لأحاديث صحيحه. (١) وأما ابن حبان فقد ذكر في مقدمة صحيحه أنه ترك من الأحاديث التي ظاهرها الصحة لعلل خفية، حيث قال: "وقد تركنا من الأخبار المشاهير التي نقلها عدول ثقات لعلل تبين لنا منها الخفاء على عالم من الناس جوامعها." (٢)

стр. 87

وأما الخطابي فلم ينصّ في تعريف الصحيح على اشتراط نفي العلة؛ لكنه بعد أن عرّف الصحيح ثم الحسن ذكر أن سنن أبي داود تجمع هذين النوعين، ثم تطرّق إلى الضعيف، وما فيه علّة تضعفه فأشار إلى خلو الكتاب منه، وإن كان فيه شيء فإن أبا داود "لا يألو أن يبين أمره ويذكر علته ويخرج من عهدته." (١)، وهو يشير إلى استبعاد كل ما فيه علة عن حد الصحيح والحسن (٢). أما الحاكم فلم ينصّ على نفي العلة في وصفه للصحيح، لكنّه قال تحت هذا النوع: "إن الصحيح لا يُعرف بروايته فقط، وإنما يُعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا

стр. 88

النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة؛ ليظهر ما يخفى من علة الحديث" (١)، وجاء كلامه بعد أن ذكر أمثلة لأحاديث ظاهرها الصحة لكنها معلولة بعلل بيّنها (٢)، وهو بهذا يشير إلى العلل الخفية التي تؤثر في صحة الحديث، وأن مذاكرة نقاد الحديث وأهل معرفة علله تعين على تمييز الصحيح من السقيم، فقال - تحت النوع السابع والعشرين من علوم الحديث هذا النوع منه معرفة علل الحديث-: "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير." (٣) قال ابن الصلاح: "ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه." (٤)

стр. 89

وقد ذكر الحاكم للعلة أجناساً عشرة على سبيل التمثيل لا الحصر (١)، ولعله هو أول من أشار إلى اختلاف العلماء - من فقهاء ومحدثين- في هذا القيد -قيد اشتراط نفي العلة في الحديث الصحيح- أو بشكل أدق في ماهية العلة المؤثرة في صحة الحديث، حيث ذكر في المدخل إلى الإكليل في القسم الثالث من الصحيح المختلف فيه: "خبر يرويه ثقة من الثقات عن إمام من أئمة المسلمين فيسنده، ثم يرويه عنه جماعة من الثقات فيرسلونه ... " ثم أعقب بقوله: "فهذه الأخبار صحيحة على مذهب الفقهاء، فإن القول عندهم فيها: قول من زاد في الإسناد أو المتن إذا كان ثقة. فأمّا أئمة الحديث فإن القول فيها عندهم: قول الجمهور الذي أرسلوه لما يخُشى من الوهم على هذا الواحد." (٢) ويُعدّ ما ذكره في هذا القسم مما اُختلف فيه فيعدّه بعض النقاد من أنواع العلل، حيث تُعلّ الرواية المسندة بالمرسلة. بينما نجد الخليلي يسمّي ذلك علة لكنها لا تتنافى عنده مع الصحة، فيطلق عليه: الصحيح المعلول (٣)، حيث يقول: العلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى, لا يمكن حصرها. فمنها أن

стр. 90

يروي الثقات حديثاً مرسلاً , وينفرد به ثقة مسنداً. فالمسند صحيح, وحجة, ولا تضره علة الإرسال" (١). من أجل ذلك عقّب ابن دقيق العيد على تعريف ابن الصلاح بقوله: "ولو قيل في هذا الحدِّ: الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا إلى آخره لكان حسناً، لأَنَّ من لا يشترط بعض هذه الشروط لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف. ومن شَرْطِ الحدِّ أن يكون جامعاً مانعاً." (٢) أما من جاء بعد ابن الصلاح فقد نصّوا على نفي العلة ضمن حدّ الحديث الصحيح سوى من أجمل تعريفه، واقتصر على اشتراط السلامة من القدح أو الطعن كابن الملقن في التذكرة بينما نصّ على ذلك في المقنع كما سبق وأشرنا إلى ذلك في نفي الشذوذ. نخلص مما سبق: أن العلة بشكل عام هي كل ما يمرض الحديث ويُضعفه سواء كانت ظاهرة أم خفية، وبما أن نفي العلة جاء ضمن قيود الحديث الصحيح، والذي اُشترِط في حدّه شروط تخص الراوي والمروي من اشتراط العدالة والضبط واتصال السند ونحوه، فينصرف المعنى

стр. 91

المراد بالعلة هنا - على الأرجح- إلى ما قد يكون سبباً خفياً قادحاً في الصحة، "فالمحدثون إذا تكلموا عن العلة باعتبار أن خلو الحديث منها يعد قيدا لابد منه لتعريف الحديث الصحيح، فإنهم في هذه الحالة يطلقون العلة ويريدون بها المعنى الاصطلاحي الخاص، وهو: السبب الخفي القادح. وإذا تكلموا في نقد الحديث بشكل عام فإنهم في هذه الحالة يطلقون العلة ويريدون بها: السبب الذي يعل الحديث به: سواء كان خفيا أم ظاهرا قادحا أم غير قادح." (١) ولا ريب أن صنيع الأئمة ونقّاد الحديث في مجمله يدل على اشتراطهم خلو الحديث الصحيح مما يُعلّه أو يقدح في صحته، وإن لم ينصّ بعضهم على هذا الشرط إلا أن صنيعه يثبت ذلك، وإنما وقع الاختلاف بينهم في بعض العلل من حيث كونها قادحة في الصحة أو غير قادحة، ولعل ذلك هو الذي دعا بعضهم للجمع بين وصف الصحيح والعلة فأطلق (الصحيح المعلول). وقد أشار ابن دقيق العيد إلى أن ما ذكره ابن الصلاح من قيود للحديث الصحيح إنما تنطبق على المجمع على صحته، وأن هناك من لا يشترط كل هذه القيود، (٢) فاقترح أن يقال - لكي يكون الحدّ جامعاً مانعاً-: "الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا إلى آخره ... " (٣).

стр. 92

وعلى كل حال: "فوجود العلة في الحديث تعني أنه وقع فيه خلل في الاتصال، أو في عدالة الرواة أو ضبطهم، فعاد الأمر إلى (ما اتصل سنده بنقل الثقة) " (١). القيد السادس: اشتراط كونه مُسنداً (٢): المُسنَد بفتح النون في اللغة: مأخوذ من السَّند، وهو "أصل يدل على انضمام الشيء إلى الشيء. يقال سنَدت إلى الشيء أسْنُدُ سُنُودا، واستَنَدت استنَادا. وأسنَدت غيري إسنَادا". (٣) و"السَّنَدُ: ما ارتَفَعَ من الارض ... ، وكلُّ شيء أسنَدت إليه شيئاً فهو مسند" (٤). وللمسند ثلاثة تعريفات: ١ - تعريف الحاكم: "ما اتصل سنده إلى النبي ﷺ ". ٢ - تعريف ابن عبدالبر: "كل حديث مرفوع للنبي ﷺ متصلاً كان أو غير متصل". ٣ - تعريف الخطيب: "ما اتصل سنده على أي وجه كان". نقلها ابن الصلاح (٥)، ولم يرجّح بينها هذه التعريفات، وحين عرّف الحديث الصحيح ذكر لفظ المُسند في حدّه، فقال: "الحديث الصحيح: فهو الحديث المسند الذي يتّصل إسناده"، ورجّح ابن حجر أنه يقصد بالمُسند الحديث المرفوع، فقال: "اُعترض عليه بأنه لو قال: المسند المتصل لاستغنى عن تكرار لفظ الإسناد.

стр. 93

والجواب عن ذلك: أنه إنما أراد وصف الحديث المرفوع؛ لأنه الأصل الذي يتكلم عليه، والمختار في وصف المسند على ما سنذكره أنه الحديث الذي يرفعه الصحابي مع ظهور الاتصال في باقي الإسناد، فعلى هذا لا بد من التعرض لاتصال الإسناد في شرط الصحيح، والله أعلم" (١). وبتأمل تعريف الصحيح عند من سبق ابن الصلاح نجد أن الشافعي لم يشترط في الصحيح أن يكون من قبيل المرفوع فقال: "حتى ينتهى بالحديث موصولا إلى النبي ﷺ أو إلى من انتهي به إليه دونه". أما الحميدي فقد كان جوابه وفق ما وُجِّه إليه من سؤال، فإنه سُئِل عن الحديث المرفوع، فأكّد على اتصال السند إلى النبي ﷺ ، ونصه: "فإن قال قائل: فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله ﷺ ويلزمنا الحجة به؟ ... " إلى أن قال: " حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ "، فقد أجاب وفق منطوق السؤال، ولا يُفهم من ذلك حصره لشروط الصحيح في الحديث المرفوع فقط، وقد ضمّ مسنده نسبة قليلة جداً من الأحاديث الموقوفة، وكان ينبّه إلى أن شيخه ابن عيينة لم يرفعها. (٢)

стр. 94

وأما ابن خزيمة فقد وصف أحاديث كتابه الصحيح، بقوله: "مختصر المختصر، من المسند الصحيح عن النبي ﷺ بنقل العدل عن العدل، موصولا إليه ﷺ ... "، مما يدل على أن شروط الصحة في كتابه إنما تنطبق على الأحاديث المسندة والمرفوعة إلى النبي ﷺ ، وكان ينبّه في حال صحّ الإسناد عنده موقوفاً ولم يصح مرفوعا. (١) وعلى نهج شيخه سار ابن حبان، فقد أشار إلى اعتماده للروايات المسندة المرفوعة في صحيحه بقوله في مقدمته: "كون الخبر عن مثل من وصفنا نعته بهذه الخصال الخمس؛ فيرويه عن مثله سماعا، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ " (٢)، بل جعل وصف المسند المرفوع من صفات الخبر المحتجّ به، فقال: "وأقل ما يثبت به خبر الخاصة حتى تقوم به الحجة على أهل العلم: هو خبر الواحد الثقة في دينه، ... عن الواحد مثله في الأحوال بالسنن وصفاتها، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ سماعاً متصلاً." (٣)، فالمسند المرفوع مقدّم عنده على المرسل والموقوف (٤).

стр. 95

وأيضاً نجد الحاكم يصف الحديث الصحيح في كتابه معرفة علوم الحديث بأنه ما رفعه الصحابي إلى النبي ﷺ ، فقال: "وصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله ﷺ صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة ... "، ومفهوم تعريفه اشتراطه للرفع في صفة الحديث الصحيح، إلا أنه قد ذكر في كتابه المدخل إلى الإكليل ضمن أقسام الحديث الصحيح المختلف فيه المراسيل، وقد اقتصر في تعريفه للمُسند على ما جمع بين صفتي الرفع والوصل (١)، ولعل الجمع بين أقواله بأن حدّ الصحيح المتفق عليه أن يكون مُسنداً، وما فقد

стр. 96

أحد شرطي المُسند من الرفع أو الوصل فمُختلف في صحته، والله أعلم. (١) أما من جاء بعد ابن الصلاح فلم يذكروا هذا القيد في حدّ الصحيح، بل هناك من اتّبع الشافعي في تصريحه بأن الحديث متى ما استوفى شروط الصحة فهو صحيح سواء رُفع إلى النبي ﷺ أو إلى من دونه، كابن كثير حيث قال: "فحاصل حد الصحيح: أنه المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ ، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه، ... " (٢) وقد ضمّت كثير من مصادر كتب السنة الأحاديث والآثار الموقوفة والمقطوعة (٣)، مثل موطأ مالك، ومصنف عبدالرزاق (٤) وابن أبي شيبة (٥)، بل نجد أن ابن حجر ألّف كتاباً

стр. 97

سماه "الوقوف على الموقوف على صحيح مسلم" وقال في مقدمته: "هذه أحاديث موقوفة ومقطوعة تتبعتها من صحيح مسلم، وقد وقع أكثرها في ضمن أحاديث مرفوعة ... " (١) ثم ذكر سبب تأليفه لهذا الجزء بقوله: "وكان الحامل على جمع هذه الأحاديث أنه يقع في بعض مجالس الحديث قول أبي عمرو بن الصلاح في " علوم الحديث " أنه ليس في صحيح مسلم بعد الخطبة والمقدمة إلا الحديث المرفوع الصرف غير ممزوج بالموقوفات، واستدرك من تأخر عن عصر ابن الصلاح عليه أنه وقع في مسلم شيء من الموقوفات على بعض التابعين، وهو: قول يحيى بن أبي كثير (٢): (لا يستطاع العلم براحة الجسد) (٣)." (٤) وقد ذكر أنه تتبع أمثال هذا القول، وجمعه في هذا الكتاب. (٥) نخلص مما سبق: أن الراجح في معنى المسند هو المرفوع المتّصل، وأن المسند المرفوع مقدم في الاحتجاج على المرسل والموقوف؛ لذا غلب في مصنفات المتقدمين اهتمامهم بجمع

стр. 98

الأحاديث المرفوعة وتمييزها عن الموقوفة والمقطوعة، ولعل ذلك سبب ذكر بعضهم -كابن خزيمة وابن حبان- قيد المسند ضمن شروط مروياته في كتابه الذي خصه بجمع الصحيح وتمييزه عن غيره؛ إلا أن لفظ الصحيح غير قاصر على الأحاديث المسندة المرفوعة؛ وإنما يشمل الآثار الموقوفة والمقطوعة إذا جمعت شروط الصحة من اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم وخلت من شذوذ وعلة؛ لذا فإن من جاء بعد ابن الصلاح لم يذكر شرط المُسند ضمن شروط الصحيح بل صرّح ابن كثير فقال: "حاصل حد الصحيح: أنه المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ ، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه، ... " (١)، والله أعلم. الشروط أو القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح: جاء في تعريفات بعضهم للصحيح شروط وقيود لم يصرّح بها ابن الصلاح ضمن تعريفه، من ذلك: نفي التدليس، واشتراط شهرة الرواة في الطلب، واشتراط العدد. قيد نفي التدليس: من القيود الزائدة على شرط الصحيح عند ابن الصلاح، وقد ذكره الشافعي ضمن شروط راوي الحديث المحتجّ به بقوله: "بريّاً من أن يكون مدلسا، يُحدِث عن من لَقِي ما لم يَسمع منه"، وكذلك الحال بابن حبان حيث ذكر شروط من يحتجّ بخبره فقال: " المتعرَّى خبره عن التدليس"، والذهبي -على الرغم من كون كتابه الموقظة مختصر من كتاب شيخه ابن دقيق العيد- إلا أنه حين اختصر تعريفه للصحيح زاد عليه قيد "عدم التدليس".

стр. 99

والتدليس في اللغة من الدّلَس، وهو الظلمة. (١) وهو في الحديث على أنواع منها: تدليس الإسناد، ويُعدُّ من أنواع السقط الخفيّ في الإسناد، والذي عناه الشافعي بقوله: " يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه" (٢) وعرّفه ابن الصلاح بقوله: "وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، موهما أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهما أنه قد لقيه وسمعه منه. ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر." (٣)، وقد تعقّبه ابن حجر حيث قال: "وقوله: عمن عاصره ليس من التدليس في شيء، وإنما هو المرسل الخفي" (٤)، وصوّب التفريق بين المصطلحين، وأشار إلى الفرق بينهما بقوله: "والفرق بين المُدَّلس والمرسل الخفي دقيق، ... وهو أن التدليس يختص بمن روى عمن عُرِف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره، ولم يُعرَف أنه لقيه، فهو المُرَسل الخفي. ومن أدخل في تعريف التدليس المعاصرة ولو بغير لُقِيّ، لزمه دخول المرسل الخفي في تعريفه، والصواب التفرقة بينهما." (٥) وعليه فالتدليس نوع من علل الإسناد التي قد تؤثر في اتصاله، وسبق معنا أن اشتراط الاتصال في السند شرط من شروط الحديث الصحيح المتفق عليه، وقد اشترطته أغلب

стр. 100

تعريفات الصحيح إمّا صراحة أو ضمناً، ويكون اشتراط نفي التدليس من باب التأكيد على أهمية الاتصال، والتأكد من خلو السند من الانقطاع الظاهر أو الخفي. فهذا القيد مُتضمَن في قيود الصحيح السابق ذكرها من حيث اشتراط الاتصال، واشتراط نفي العلل القادحة، فقد أشار مسلم في مقدمة صحيحه - وذلك في معرض حديثه عن الاحتجاج بالإسناد المعنعن- بأن نقاد الحديث من السلف لم يفتشوا عن موضع السماع في الأسانيد إلا إذا كان الراوي ممن عُرف بالتدليس في الحديث وشُهِر به، فقال: "وإنما كان تَفقُّد من تفقَّد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم، إذا كان الراوي ممن عُرِف بالتدليس في الحديث، وشُهِر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس (١)." (٢) وكذلك كان ابن خزيمة يتوقّف في تصحيح بعض الأحاديث، ويُعِلُّها بتدليس بعض رواتها. أمّا ابن حبّان فقد تشدّد في قبول رواية المدلّسين- ولو كانوا ثقات- إلا إذا صرّحوا بالسماع، ولم يستثن سوى سفيان بن عيينة (٣)؛ لأنه عُرِف أنه لم يُدلِّس إلا عن ثقة. (٤)

стр. 101

وقد أجاب عمّا جاء في صحيحه من رواية المدلسين دون تصريح منهم بالسماع بقوله: "فإذا صحَّ ـ عندي ـ خبر من رواية مُدلِّسِ أنه بَيَّنَ السماع فيه، لا أبالي أن أذكُرَه من غير بيان السماع في خبره بعد صِحَّتِه عندي من طريق آخر." (١) وأما الحاكم فقد ذكر في كتابه "المدخل إلى الإكليل" تحت القسم الثاني من الصحيح المختلف في صحته: "روايات المدلسين إذا لم يذكروا إسماعهم في الرواية" أن جماعة من أئمة أهل الكوفة صححوها، وردّها جماعة من أئمة أهل المدينة، ثمّ مثّل للمراد بالتدليس إلى أن قال: "وأخبار المدلسين كثيرة، وضبط الأئمة عنهم ما لم يُدلِّسوا، والتمييز بين ما دلسوا وما لم يُدلِّسوا ظاهر في الأخبار." (٢) والمدلسون من حيث قبول روايتهم أو ردّها على أجناس ومراتب: فقد ذكر الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث" أجناساً ستة للمدلسين (٣)، وفرّق كذلك الخطيب البغدادي بين أنواع المدلسين وذكر مذاهب العلماء في خبر المُدلِس بين القَبول والرد، وبين الإكثار من التدليس والإقلال منه، وبين التدليس عن ثقة أو عن غير ثقة، وعن التصريح المُدلِس بالسماع وعدمه، وقد صحّح مذهب من يشترط التصريح بالسماع. (٤)

стр. 102

ثم جاء العلائي (١) وجمع أسماء ثمانية وستين ممن وُصفوا بالتدليس، مرتّبين على حروف المعجم، وصنّفهم إلى خمس طبقات ومراتب - مستفيداً ممن سبقه في ذلك- وبيّن اختلاف الحكم على رواياتهم باختلاف طبقاتهم (٢)، وقد قام الحافظ ابن حجر بتلخيص ذلك، وجعلهم على خمس مراتب: - الأولى: لمن لم يوصف بذلك إلا نادراً. (٣) - والثانية: لمن احتمل الأئمةُ تدليسَهُ، فأخرجوا له في الصحيح لإمامته، وقلة تدليسه في جنب ما روى، أو لكونه لا يدلس إلا عن ثقة. (٤) - والثالثة: من أكثر من التدليس، فاختلف الأئمة في حديثهم بين: الاحتجاج بما صرحوا فيه بالسماع، أو رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم مطلقاً. (٥). - والرابعة: اتفقوا على عدم الاحتجاج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم على الضعفاء، والمجاهيل (٦). - والخامسة: ردوا حديث من ضُعِّف بأمر آخر سوى التدليس، ولو صرحوا بالسماع (٧). (٨)

стр. 103

فحكم رواية المُدلِّس تختلف باختلاف طبقته ومرتبته فمنهم من يُحتمل تدليسه، ومنهم من يُردّ، ومنهم من يُقبل تدليسه إذا صرّح بالسماع. (١) وأمّا ما جاء في الصحيحين من روايات المدلسين فهي على النحو الآتي: -إمّا أن يكونوا من أهل المرتبتين الأولى والثانية، فهؤلاء احتمل الأئمة تدليسهم. - وأمّا أن يكونوا ممن اشترط الأئمة تصريحهم بالسماع لقبول مروياتهم، فما جاء في الصحيحين من رواية هؤلاء أُجيب عنه بأنه: "محمول على ثبوت السماع عندهم فيه من جهة أخرى، إذا كان في أحاديث الأصول لا المتابعات تحسينا للظن بمصنفيها." (٢) قال الحافظ ابن حجر في كتابه النكت: "فإنا نعلم في الجملة أن الشيخين لم يخرجا من رواية المدلسين بالعنعنة إلا ما تحققا أنه مسموع لهم من جهة أخرى". (٣)، وزاد السيوطي

стр. 104

قوله: "وإنما اختار صاحب الصحيح طريق العنعنة على طريق التصريح بالسماع؛ لكونها على شرطه دون تلك." (١) نخلص مما سبق: أن زيادة قيد نفي التدليس في حدّ الصحيح زيادة من باب التأكيد على اتصال السند، وعدم انقطاعه، سواءً كان الانقطاع جليّاً فيخرج باشتراط اتصال السند، أو كان خفيّاً فيخرج باشتراط نفي العلّة، فقد تضمّن كل من: شرطيّ اتصال السند ونفي العلة - للحديث الصحيح- هذا القيد؛ لذا لم ينشط لذكره كل من جاء بعد ابن الصلاح سوى الذهبي ﵏ جميعاً. قيد الشهرة في الطلب: من القيود التي زيدت في شرط الصحيح، قال الحافظ ابن حجر: "زاد الحاكم في علوم الحديث في شرط الصحيح أن يكون راويه مشهورا بالطلب، ... " (٢) ومعنى الشهرة في اللغة: الوضوح والبيان والانتشار والذيوع. (٣) وفي الاصطلاح: شهرة الراوي تعني خروجه عن حد الجهالة. (٤)

стр. 105

والشهرة بشكل عام شيوع أمر الراوي وانتشاره بين نقاد الحديث، فإن كان هذا الشيوع ثناءً ومدحاً كان إثباتاً لعدالته، وإن كان ذماً وقدحاً كان نفياً لها. (١) قال ابن الصلاح: "فمن اشتهرت عدالته بين أهل النقل أو نحوهم من أهل العلم، وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة، استغني فيه بذلك عن بينة شاهدة بعدالته تنصيصا." (٢) والمراد بالشهرة بالطلب -في هذا القيد-: أن يكون للراوي "مزيد اعتناء بالرواية؛ لتركن النفس إلى كونه ضبط ما روى" (٣)، أي شهرة بالطلب مقيّدة بالضبط والإتقان،

стр. 106

تجمع بين عدالة الراوي وضبطه وإتقانه والشهرة فيهما، وهي شهرة تزيد على ما ذهب إليه ابن عبدالبر (١) في تعديله للرواة ممن عُرف بحمل العلم ومجالسة العلماء، ولم يُجرّح (٢)، فمن اشترط في رواة الصحيح شهرتهم بالطلب إنما قيّدها بالضبط والإتقان، بينما من عدّلهم ابن عبدالبر لشهرتهم بالطلب، تُوقِّف في أمر ضبطهم إلى أن يتبيّن حالهم بعد اختبار مروياتهم. ويشير إلى قيد الإتقان مع الشهرة الخطيب البغدادي حين ذكر تفاوت الرواة في العلم، وحثّه طالب الحديث أن يتخيّر من شيوخه من اتصف بالشهرة في طلب الحديث المُشار إليه بالإتقان، فقال: "درجات الرواة لا تتساوى في العلم، فيقدم السماع ممن علا إسناده على ما ذكرنا، فإن تكافأت أسانيد جماعة من الشيوخ في العلو، وأراد الطالب أن يقتصر على السماع من بعضهم، فينبغي أن يتخيّر المشهور منهم بطلب الحديث، المشار إليه

стр. 107

بالإتقان له والمعرفة به" (١). فأشار إلى أن العلو في مراتب الشيوخ وطلبة العلم يجمع بين الشهرة بالطلب والإتقان والمعرفة. وكذلك حين ذكر الحاكم أقسام الحديث الصحيح، فإنه وصف رواة القسم الأول - المخرّج في الصحيحين- فيما هم دون الصحابي بالشهرة بالثقة والإتقان، بينما اكتفى في الصحابي بالشهرة بالرواية، فقال: "القسم الأول من المتفق عليها اختيار البخاري ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح. ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور (٢) بالرواية عن رسول الله ﷺ وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظا متقنا مشهورا بالعدالة في روايته. فهذه الدرجة الأولى من الصحيح" (٣) هذه الشهرة التي ذكرها الحاكم، فسّرها ابن حجر مُعلِّقاً وموضحاً فقال: " زاد الحاكم في علوم الحديث (٤) في شرط الصحيح أن يكون راويه مشهورا بالطلب، وهذه الشهرة قدر زائد على مطلق الشهرة التي تخرجه من الجهالة. واستدل الحاكم

стр. 108

على مشروطية الشهرة بالطلب بما أسنده (١) عن عبدالله بن عون (٢) قال: (لا يؤخذ العلم إلا ممن شُهِد له عندنا بالطلب) (٣). والظاهر من تصرف صاحبي الصحيح اعتبار ذلك. إلا أنهما حيث يحصل للحديث طرق كثيرة يستغنون بذلك عن اعتبار ذلك - والله أعلم" (٤). وكلام ابن حجر يدل على أن الشيخين اعتبرا هذا الشرط - وهو: الشهرة بالطلب مع الثقة والإتقان- في روايات دون أخرى، فحيث كثرت طرق الحديث الموافقة لرواية الراوي دل على ضبطه وعنايته بالراوية، فيكون في غنىً عن هذا الشرط (٥).

стр. 109

إذ كثرة الطرق الموافقة لرواية الراوي تدل على ضبطه تلك الرواية، وقد أوضح السيوطي- نقلاً عن شيخه ابن حجر- سبب اشتراط الشهرة بالطلب في الراوي (١)، وهو التأكد من ضبط الراوي لما رواه، فقال: "يستغنى بكثرة الطرق عن اعتبار الضبط التام. قال شيخ الإسلام: ويمكن أن يقال: اشتراط الضبط يغني عن ذلك، إذ المقصود بالشهرة بالطلب أن يكون له مزيد اعتناء بالرواية لتركن النفس إلى كونه ضبط ما روى." (٢) فإذا كان الراوي موصوفاً بجودة حفظه وضبطه، فهذا دليل عنايته بالرواية، وشهرته في طلبها، وإنّ اتصاف راوي الصحيح بالضبط أو بتمامه يُغني عن وصفه بالشهرة في الطلب. وبتأمل تعريف الحاكم للصحيح في كتاب "معرفة علوم الحديث"، فإنه عرّف الصحيح بوجه عام، ولم يقيّد ذلك بما أخرجه الشيخان، واقتصر في تعريفه على اشتراط زوال وصف الجهالة من الصحابي راوي الحديث؛ وذلك بأن يروي عنه تابعيان عدلان ثم يتداوله أهل الحديث بالقَبول-أي: وفق شروطهم للصحيح أو المقبول بوجه عام- ولم يَرِد التنصيص بذكر نوع الشهرة - والتي هي قدر زائد عن مطلق الشهرة المخرجة عن الجهالة- في هذا التعريف، فقد اقتصر بقوله "صحابي زائل عنه اسم الجهالة" واكتفى

стр. 110

بوصف الرواة عنه بالعدالة؛ بينما ابن حجر فسّرها بقوله: "زاد الحاكم في علوم الحديث في شرط الصحيح أن يكون راويه مشهورا بالطلب، وهذه الشهرة قدر زائد على مطلق الشهرة التي تخرجه من الجهالة" (١)، ولعله فهم ذلك من مجموع كلام الحاكم في كتبه؛ لأن وصف الشهرة بالإتقان لم يأت في كتاب المعرفة (٢)؛ إنما ذكره الحاكم في كتابه "المدخل إلى الإكليل" - وهو سابق في التأليف عن المعرفة (٣) - حيث قسّم الصحيح إلى أقسام، وجعله على درجات أوّلها وأعلاها ما أخرجه الشيخان، وقد ذكر من أوصافهم الشهرة بالرواية فيما يخص الصحابي، والشهرة بالإتقان والثقة لمن هم دونه، بينما لم يأت ذكر الشهرة في الأقسام الأربعة التي تليها من المتفق على صحته، ولعل وصف الشهرة إنما كان للتأكيد على إتقان وتمام ضبط رواة الصحيحين مقارنة بغيرهم، والله أعلم. وبتأمل ما سبق نستنتج أن للشهرة درجات: فقد عقد الخطيب باباً -في كتابه الكفاية - في أن المحدث المشهور بالإمامة والعدالة والثقة والأمانة لا يحتاج إلى تزكية المُعِّدل، ومثّل لهم بعدد من الأئمة والحفاظ كالإمام مالك وأحمد بن حنبل وغيرهم فهؤلاء كما قال: "لا يُسأَل عن عدالتهم، وإنما يُسأَل عن عدالة من كان في عداد المجهولين، أو أشكل أمره على الطالبين" (٤)، وهذه منزلة عالية من الشهرة في ميزان نقّاد الحديث، وتليها منازل أخرى كالشهرة بالطلب، والشهرة
следующие страницы →