← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 142182

المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق

راوية بنت عبد الله بن علي جابر

Полный текст (604 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

- (النكت الوفية بما في شرح الألفية) للإمام برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي (١) (ت ٨٨٥ هـ)، ويستشهد فيها كثيراً بكلام شيخه ابن حجر، حيث قال: "قيدت فيها ما استفدته من تحقيق تلميذه شيخنا شيخ الإسلام حافظ العصر، أبي الفضل شهاب الدين، أحمد بن علي بن حجر الكناني العسقلاني، ثم المصري الشافعي، قاضي القضاة بالديار المصرية أيام سماعي لبحثها عليه ... " (٢). - ومن شروح الألفية أيضاً: (فتح المغيث شرح ألفية الحديث) للإمام أبي الخير، محمد بن عبدالرحمن بن محمد السخاوي (٣) (ت ٩٠٢ هـ)، وهو أطول شروح الألفية، وأوفاها بالغرض. (٤) - وللحافظ شهاب الدين، أبي الفضل، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) مؤلفات مشهورة في هذا الفن منها: (نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر)، وهو المختصرات المبتكرة في تصنيف علوم الحديث، وشرحه في (نزهة النظر بشرح نخبة الفكر في مصطلح حديث أهل الأثر)، وقال في مقدمته - مُبيّناً سبب تأليفه للمختصر وشرحه-: " سألني بعض الإخوان أن ألخص له المهم من ذلك، فلخصته في أوراق لطيفة، سميتها: "نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر"، على ترتيب ابتكرته، وسبيل انتهجته،

стр. 37

مع ما ضممت إليه من شوارد الفرائد، وزوائد الفوائد. فرغب إلي، ثانيا، أن أضع عليها شرحا يحل رموزها، ويفتح كنوزها، ويوضح ما خفي على المبتدئ من ذلك، فأجبته إلى سؤاله؛ رجاء الاندراج في تلك المسالك، فبالغت في شرحها، في الإيضاح والتوجيه، ونبهت على خفايا زواياها؛ لأن صاحب البيت أدرى بما فيه ... " (١) ولابن حجر كذلك (النكت على كتاب ابن الصلاح ونكت العراقي) قال في مقدمته: "كنت قد بحثت على شيخي العلامة حافظ الوقت أبي الفضل بن الحسين الفوائد التي جمعها على مصنف الشيخ الإمام الأوحد الأستاذ أبي عمرو بن الصلاح، وكنت في أثناء ذلك وبعده إذا وقعت لي النكتة الغريبة، والنادرة العجيبة، والاعتراض القوي طورا، والضعيف مع الجواب عنه أخرى، ربما علّقت بعض ذلك على هامش الأصل، وربما أغفلته. فرأيت الآن أن الصواب الاجتهاد في جمع ذلك، وضم ما يليق به ويلتحق بهذا الغرض وهو تتمة التنكيت على كتاب ابن الصلاح، فجمعت ما وقع لي من ذلك في هذه الأوراق." (٢) وغير ذلك من التآليف التي جاءت بعد ابن الصلاح حيث النضج والاكتمال في تدوين علوم الحديث، وذلك خلال القرن السابع الهجري إلى العاشر، ثم عقبه نوع من الركود وتوقف الاجتهاد في مسائل العلم والابتكار في التصنيف، وامتدّ ذلك الركود من القرن العاشر إلى مطلع القرن الرابع عشر الهجري (٣).

стр. 38

ومع مطلع القرن الرابع عشر الهجري أخرجت المطابع الكثير من المؤلفات المبتكرة النافعة، وتصدّى عدد منهم للرد على شبهات المستشرقين (١) المثارة حول السنة وثبوتها وحجيّتها، فكان من أبرز هذه المصنفات (٢): كتاب (قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث) لمحمد جمال الدين بن محمد القاسمي (٣) (ت ١٣٣٢ هـ)، وكتاب (توجيه النظر إلى أصول الأثر) لطاهر بن صالح الجزائري الدمشقيّ (٤) (ت ١٣٣٨ هـ)، وكتاب (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) لمصطفى بن حسني السباعي (٥) (ت ١٣٨٤ هـ). واستمر العلماء في التصنيف والتأليف في مصطلح الحديث إلى يومنا هذا، اهتماماً بهذا العلم، وتبسيطاً له وتقريباً لطلابه.

стр. 39

وأرجو من الله بمنه وكرمه أن يكون هذا البحث مقتفياً لآثار من سبق، إنه وليّ ذلك والقادر عليه. وبعد هذه الجولة المختصرة في بيان نشأة علم مصطلح الحديث، والإشارة إلى أبرز مصنفاته، نشرع بحول من الله وقوة في الفصل الأوّل من هذا البحث، ونبدأ بما بدأ به ابن الصلاح وهو الحديث الصحيح.

стр. 40

الفصل الأول: الحديث الصحيح المبحث الأول: تعريف الصحيح لغة واصطلاحاً: المطلب الأول: تعريفه لغة: المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني): المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها: المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.

стр. 41

المبحث الأول: تعريف الصحيح لغة واصطلاحاً: المطلب الأول: تعريف الصحيح لغة (١): الصحيح في اللغة من صحَّ يصِح صحَّة، والصحة: ذهاب السقم ونقيضه وخلافه، وهي البراءة من كل عيب ومرض وريب. والجمع صِحاح بالكسر، والصَحيح والصَحاح بالفتح بمعنى واحد أي: غير مقطوع. (٢) فالصحيح في اللغة ضدُّ السقم، ويُراد به الخلو من كل عيب. (٣) المطلب الثاني: تعريف الصحيح اصطلاحاً (حسب الترتيب الزمني): اعتنى بعض علماء الحديث ونقادّه ببيان مفهوم بعض المصطلحات الحديثية المتداولة بينهم، وذلك إما: بتعريفها ووضع حدّ لها، أو بذكر بعض قيودها وشروطها التي تميّزها عن غيرها، وكان مما وجدته في بيان مفهوم الحديث الصحيح (٤) أو شروطه ما يلي:

стр. 42

تعريف الشافعي (ت ٢٠٤ هـ): قال الشافعي: "إذا حدّث الثقة عن الثقة حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ ، فهو ثابت عن رسول الله ﷺ " (١) وقد استطرد ﵀ في ذكر شروط الحديث الصحيح، فقال: "خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهى به إلى النبي ﷺ أو من انتهى به إليه دونه، ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أموراً: منها أن يكون من حدّث به ثقة في دينه، معروفاً بالصدق في حديثه، عاقلاً لما يحدث به، عالماً بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدّي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدّث به على المعنى، لأنه إذا حدث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل به معناه: لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث، حافظاً إن حدث به من حفظه، حافظاً لكتابه إن حدث من كتابه. إذا شرك أهل الحفظ في حديث وافق حديثهم، برياً من أن يكون مدلسا (٢)، يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه، ويحدّث عن النبي ﷺ ما يحدث الثقات خلافه عن النبي ﷺ ،

стр. 43

ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه، حتى ينتهى بالحديث موصولاً إلى النبي ﷺ أو إلى من انتهي به إليه دونه، لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه، ومثبت على من حدث عنه، فلا يستغنى في كل واحد منهم عما وصفت." (١) تعريف الحميدي (٢) (ت ٢١٩ هـ): قال ﵀: " فإن قال قائل: فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله ﷺ ويلزمنا الحجة به؟ قلت: هو أن يكون الحديث ثابتاً عن رسول الله ﷺ , متصلاً غير مقطوع, معروف الرجال, أو يكون حديثاً متصلاً حدثنيه ثقة معروف عن رجل جَهِلْتُه وعَرَفَه الذي حدثني عنه, فيكون ثابتاً يعرفه من حدثنيه عنه حتى يصل إلى النبي ﷺ , وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه: سمعت, أو حدثنا, حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ , وإن أمكن أن يكون بين المحدِّث والمحدَّث عنه واحد أو أكثر, لأن ذلك عندي على السماع لإدراك المُحدِّث من حدث عنه حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ , ولازم صحيح يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا, إذا كان صادقاً مدركاً لمن روى ذلك عنه, ... قال: فهذا الظاهر الذي يُعمل به, والباطن ما غاب عنا من وهم المحدث وكذبه ونسيانه, وإدخاله بينه وبين من حدث عنه رجلاً وأكثر, وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال, فلم نُكلَّف علمه إلا بشيء ظهر لنا , فلا يسعنا حينئذ قبوله لما ظهر لنا منه". (٣)

стр. 44

تعريف مسلم (ت ٢٦١ هـ): وصف الإمام مسلم الأحاديث -التي أودعها في صحيحه- بقوله في مقدمة كتابه الصحيح: "الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث، وإتقان لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد ولا تخليط فاحش، كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين، وبان ذلك في حديثهم". (١) تعريف ابن خزيمة (٢) (ت ٣١١ هـ): قال ﵀ في بداية كتاب الوضوء من كتابه الصحيح: "مختصر المختصر، من المسند الصحيح عن النبي ﷺ بنقل العدل عن العدل، موصولاً إليه ﷺ من غير قطع في أثناء الإسناد، ولا جرح في ناقلي الأخبار، التي نذكرها بمشيئة الله تعالى". (٣)

стр. 45

تعريف ابن حبان (ت ٣٥٤ هـ): ذكر ﵀ في مقدمة صحيحه شروطه في الراوي والمروي فقال: "نملي الأخبار بألفاظ الخطاب بأشهرها إسناداً وأوثَقِها عماداً من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقليها" (١)، وأضاف في نهاية مقدمته: " وقد تركنا من الأخبار المشاهير التي نقلها عدول ثقات لعلل تبين لنا منها الخفاء على عالم من الناس جوامعها." (٢) وقال في شروط رواة صحيحه: "وأما شرطنا في نَقْلَةِ ما أودعناه كتابنا هذا من السنن فإنا لم نحتجَّ فيه إلا بحديث اجتمع في كل شيخ من رواته خمسة أشياء: الأول: العدالة في الدين بالسَّتر الجميل. والثاني: الصدق في الحديث بالشُّهرة فيه. والثالث: العقل بما يُحدِّثُ من الحديث. والرابع: العلم بما يُحيلُ من معاني ما يروي. والخامس: المُتَعَرِّى خبره عن التدليس. فكل من اجتمع فيه هذه الخصال الخمس احتججنا بحديثه وبَنَيْنَا الكتاب على روايته وكل من تعرَّى عن خصلة من هذه الخصال الخمس لم نحتج به." (٣) وقال في مقدمة كتابه "المجروحين" - مختصراً لما فصّله سابقاً-: "وأقل ما يثبت به خبر الخاصة حتى تقوم به الحجة على أهل العلم: هو خبر الواحد (٤) الثقة في دينه، المعروف بالصدق في حديثه، العاقل بما يحدث به، العالم بما يحيل معاني

стр. 46

الحديث من اللفظ، المتبرّي على (١) (هكذا (التدليس في سماع ما يروى عن الواحد مثله في الأحوال بالسنن وصفاتها، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ سماعاً متصلاً." (٢) تعريف الخطابي (٣) (ت ٣٨٨ هـ): عرّف الخطابي الصحيح بقوله: "ما اتصل سنده، وعُدِّلت نقَلتُه" (٤). تعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ): ذكر الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث" تحت النوع التاسع عشر: معرفة الصحيح والسقيم: "وصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله ﷺ صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة (٥)، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل الحديث بالقَبول إلى وقتنا

стр. 47

هذا كالشهادة على الشهادة." (١) تعريف الميانشي (ت ٥٨١ هـ): نقل الميانشي تعريف الحاكم للصحيح، فقال: "وصفة الصحيح: أن يرويه عن رسول الله ﷺ صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل العلم بالقَبول، وهو بمنزلة الشهادة، حكاه الحاكم أبو عبدالله". (٢) تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ): قال ﵀: "أما الحديث الصحيح فهو: الحديث المسند، الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه؛ ولا يكون شاذاً ولا معللاً". (٣)

стр. 48

تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح: أما من جاء بعد ابن الصلاح فمنهم من اختصر تعريفه كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (١)، وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٢)، ومنهم من استدرك وتعقّب كابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (٣)، وتلميذه الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) حيث أضاف قيد نفي التدليس، فقال في كتابه الموقظة: "فالمجمع على صحته إذاً: المتصل السالم من الشذوذ والعلة، وأن يكون رواته ذوي ضبط وعدالة وعدم تدليس" (٤). وأطال ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، في تعريف الصحيح - جامعاً أغلب ما اُستدرِك على من سبقه- فقال: "حاصل حد الصحيح: أنه المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ ، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه، ولا يكون شاذاً، ولا مردوداً، ولا معللاً بعلة قادحة، وقد يكون مشهوراً أو غريباً" (٥)

стр. 49

وبعد أن أطال ابن كثير في تعريف الصحيح، عاد ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) لاختصاره، حيث نجده في كتابه المقنع صاغ تعريف الصحيح بما عرّفه به النووي في التقريب، فقال: "ما اتصل إسناده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة" (١)، ثم عاد واختصره في كتابه التذكرة (٢)، فقال: "الصحيح: ما سلم من الطعن في إسناده ومتنه" (٣). ومن أبرز ما تمت إضافته - لتعريف ابن الصلاح- وصف التمام لضبط الراوي، وأضافه ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) في كتابه نخبة الفكر، فقال: "وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولا شاذ: هو الصحيح لذاته". (٤) ووافق ابن حجر على إضافة هذا الوصف من جاء بعده من تلامذته وغيرهم (٥). المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها: اشتمل تعريف ابن الصلاح للصحيح على عدد من القيود والشروط، فقد اشترط لصحة الحديث أن يكون مُسنداً، وأن يكون الإسناد متصلاً، واشترط في رواته العدالة والضبط،

стр. 50

ونفى عنه الشذوذ والعلة، وهناك من زاد شروطاً أخرى: كاشتراط الشهرة في الرواة، واشتراط تعددهم، ونفي التدليس في روايتهم، وسيأتي إيضاح لكل قيد من هذه القيود، وبيان اتفاقهم على اشتراطها أو اختلافهم في ذلك. وأبدأ أولاً ب قيود الصحيح عند ابن الصلاح ، مؤخرةً اشتراط كونه مسنداً رغم تقدّمه في التعريف لتعلّق إيضاح المراد به بوضوح المراد في القيود الأخرى، ثم ألحقت بها القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح. قيود الصحيح عند ابن الصلاح: القيد الأول: اتصال السند: الاتصال في اللغة: من الوصل، واتصل الشيء بالشيء: لم ينقطع (١)، فالاتصال ضد الانقطاع. وفي الاصطلاح: قال ابن الصلاح تحت النوع الخامس من أنواع علوم الحديث: معرفة المتّصل، "ويقال فيه أيضا: الموصول، ومطلقه يقع على المرفوع (٢) والموقوف (٣). وهو الذي اتصل إسناده، فكان كل واحد من رواته قد سمعه ممن فوقه، حتى ينتهي إلى منتهاه". (٤)

стр. 51

وقال ابن حجر: "المتّصل: ما سلِم إسناده من سقوط فيه، بحيث يكون كل من رجاله سمع ذلك المروي من شيخه." (١) والسَّند في اللغة: "أصل يدل على انضمام الشيء إلى الشيء. يقال سنَدت إلى الشيء أسْنُدُ سُنُودا، واستَنَدت استنَادا. وأسنَدت غيري إسنَادا" (٢)، و"السَّنَدُ: ما ارتفع من الارض ... ، وكلُّ شيء أسنَدت إليه شيئاً فهو مُسنَد" (٣). وفي الاصطلاح: ذكر نقلة الخَبر، أو الطريق الموصلة إلى المتن، وهو رجاله الذين رووه (٤). فمعنى اتصال السند: أن يكون كل راوٍ من الرواة قد تحمّل الحديث عن شيخه بوجه من وجوه التحمّل (٥) الصحيح، ويخرج بهذا القيد ما في سنده نوع انقطاع (٦). واشتراطهم الاتصال في الحديث الصحيح؛ للجهالة بحال الساقط من السند من حيث توفّر شرط الصحيح فيه أو اختلال ذلك، وبتأمل ما ذكره من سبق ابن الصلاح في بيان حد الصحيح، أو شروطه نجد شبه اتفاق على هذا القيد، وإن لم ينصّ بعضهم عليه.

стр. 52

فلقد نصّ الشافعي على شرط الاتصال صراحةً بقوله: "حتى ينتهى بالحديث موصولا إلى النبي ﷺ أو إلى من انتهي به إليه دونه"، (١) وكذلك الحميدي نصّ على الاتصال بقوله: "متصلاً غير مقطوع (٢) "، بل نجده يتحرّى ذلك في مسنده. (٣) أما مسلم فلم ينصّ على شرط الاتصال صراحة لكن كلامه في مقدمة صحيحه يتضمنه حين صحح الحديث المعنعن (٤) وحمله على السماع بقوله: "كل رجل ثقة روى عن مثله

стр. 53

حديثا وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعا كانا في عصر واحد وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام فالرواية ثابتة. والحجة بها لازمة. إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئا." (١) ويرى ﵀ أن التفتيش عن موضع السماع في الأسانيد يكون لمن عُرف عنه التدليس، حيث قال: "وإنما كان تفقُّد من تفقَّد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس." (٢)، وكلامه ﵀ يُدلِّل على حرص الأئمة على التأكد من سلامة الإسناد من السقط والانقطاع، ويدلل على ذلك أيضاً صنيعه في كتابه التمييز، حيث أعلّ أحاديث لانقطاع في سندها (٣).

стр. 54

وقد صرّح ابن خزيمة بهذا الشرط في صحيحه، وعدّ من أسباب إعلاله الحديث وتضعيفه انقطاع سنده وتصريحه بعدم سماع الراوي ممن هو فوقه (١)، بل يستدرك على نفسه في بعض الأحاديث التي اتضحت له علتها -بانقطاع سندها- بعد إخراجه لها فنبّه عليها. (٢) وكذلك صرّح ابن حبان بضرورة اتصال السند لصحة الحديث، ولم تخْلُ تعقيباته بعد بعض مروياته في صحيحه من الإشارة إلى ذلك (٣)، وقد حرص أيضاً على بيان

стр. 55

مسموعات الراوي من عدمها في كتابيه الثقات (١) والمجروحين (٢). وصرّح الخطابي بهذا الشرط، وأعلّ أحاديث وضعّفها -في شرحه لسنن أبي داود- لعلة الانقطاع في سندها. (٣) أما الحاكم -وقد تابعه الميانشي (٤) - فلم ينصّ عليه في تعريفه للصحيح، لكنه أشار إلى أهمية شرط الاتصال؛ للاحتجاج بالرواية، وذلك حين عرّف المُسنَد (٥) في كتابه معرفة

стр. 56

علوم الحديث، وحدّه بكونه المرفوع الموصول، وأردف بقوله: "ثم مع هذه الشرائط أيضاً لا نحكم لهذا الحديث بالصحة، فإن الصحيح من الحديث له شرط نذكره في موضعه إن شاء الله." (١) وقد ذكر ﵀ اختلاف الأئمة في الاحتجاج بغير المتصل، بل عدّ المراسيل (٢)، وأخبار الأئمة الثقات من المدلسين من أقسام الصحيح المختلف فيه، وذلك في كتابه المدخل إلى الإكليل (٣)، هذا فيما يخص روايات الثقات؛ بينما عدّ ضمن طبقات المجروحين، في الطبقة الخامسة: رواة وصلوا أحاديث مرسلة، والطبقة السابعة: رواة أكثروا السماع من شيوخ ثم عمدوا إلى أحاديث لم يسمعوها عنهم فرووها بالسماع، ولم يميزوا بين ما سمعوا وما لم يسمعوا (٤)، وفي تجريح الرواة بما سبق تضمين لاشتراط الاتصال لصحة الإسناد.

стр. 57

أمّا من جاء بعد ابن الصلاح، فقد صرّحت أغلب تعريفاتهم باشتراط الاتصال في السند، بينما تضمّن بعضها ذلك باشتراط السلامة من القدح أو الطعن بشكل عام، فإن كان الانقطاع في السند قادحاً فقد تضمن شرطهم نفيه. (١) نخلص مما سبق: أن الأغلب سواء قبل ابن الصلاح أو بعده قد اشترطوا اتصال السند في الحديث الصحيح إما نصاّ أو ضمناً، مع إشارة الحاكم إلى اختلاف بعضهم في تصحيح بعض المراسيل أو روايات الثقات من المدلسين. (٢) فاشتراط اتصال السند في حدّ تعريف الحديث الصحيح إنما هو في الصحيح المتّفق عليه كما أشار أكثر من واحد من علماء هذا الفن، ويوضح ذلك ما ذكره ابن حجر حين المفاضلة بين موطأ مالك، وصحيح البخاري، حيث قال: "ذلك محمول على أصل اشتراط الصحة، فمالك لا يرى الانقطاع في الإسناد قادحا؛ فلذلك يخرج المراسيل والمنقطعات (٣) والبلاغات (٤) في أصل موضوع كتابه، والبخاري يرى أن الانقطاع علة فلا يخرج ما هذا سبيله إلا في غير أصل موضوع

стр. 58

كتابه كالتعليقات (١) والتراجم (٢)، ولا شك أن المنقطع وأن كان عند قوم من قبيل ما يحتج به، فالمتصل أقوى منه إذا اشترك كل من رواتهما في العدالة والحفظ، فبان بذلك شفوف (٣) (هكذا (كتاب البخاري" (٤). القيد الثاني: العدالة: العدالة في اللغة: مصدر من عَدَلَ يَعْدِلُ، فهو عادِلٌ وعَدْل.

стр. 59

والعدْل من الناس: المرضيُّ من الناس قوله وحكمه، وقيل: المستوي الطريقة. (١) وفي الاصطلاح: تتقارب أقوال العلماء في بيان معنى العدالة، وصفات العَدْل، ومن ذلك: قول الشافعي: "لا أعلم أحداً أُعطي طاعة الله حتى لم يخلطها بمعصية إلا يحيى بن زكريا ﵇, ولا عصى الله فلم يخلط بطاعة, فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المُعدَّل, وإذا كان الأغلب المعصية فهو المُجرَّح." (٢)، فأجمل الشافعي القول في العدْل بأنه من غلبت عليه الطاعة، وفصّل ابن الصلاح صفاته فقال: "أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على: أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلاً ... وتفصيله أن يكون مسلماً، بالغاً، عاقلاً، سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة (٣)." (٤) أمّا ابن حجر فقد عرّف العدل بقوله: "من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة". (٥)

стр. 60

قال الحازمي (١): "قد أجمع أهل العلم على أنه لا يُقبل إلا خبر العدل، وكل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي ﷺ لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، وإمعان النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ ؛ لأن عدالة الصحابي ثابتة معلومة بتعديل الله تعالى لأصحاب النبي ﷺ وإخباره عن طهارتهم، وصفات العدالة هي اتباع أوامر الله تعالى والانتهاء عن ارتكاب ما نهى عنه، وتجنّب الفواحش المسقطة، وتحرّي الحق والتوقّي في اللفظ مما يلثم الدين والمروءة، وليس يكفيه في ذلك اجتناب الكبائر حتى يجتنب الإصرار على الصغائر." (٢) وبالنظر إلى تعريفات الحديث الصحيح نجدها قد تضمنت اشتراط العدالة في الرواة كشرط للصحيح إمّا بالنصّ على لفظ العدل أو ما يقوم مقامه من صفات كالثقة (٣) والاستقامة، وحرصوا على خلوِّ مروياتهم من الرواة المجروحين في عدالتهم، قال الإمام مسلم في مقدمته: "فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم ... " (٤)

стр. 61

وقد صرّح ابن خزيمة بهذا الشرط في صحيحه، وضعّف أحاديث وأعلّها أو توقّف في صحتها لجرح في رواتها أو في أحدهم. (١) ولابن حبان تعريف خاص بالعدل عنده، فقد قال في كتابه الثقات: "العدْل من لم يُعرَف منه الجرح ضد التعديل، فمن لم يُعلَم بجرح فهو عدل إذا لم يبين ضده، إذ لم يُكلَّف الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كُلِّفوا الحكم بالظاهر من الأشياء غير المُغيّب عنهم." (٢)؛ لذا اُنتقد عليه إخراجه لأحاديث رواة مجروحين، إلا أنه برر ذلك بالشروط التي اشترطها في كتابه الثقات حيث أحال عليه، فقال في مقدمة صحيحه:

стр. 62

"وقد احتججنا في كتابنا هذا بجماعة قد قَدَحَ فيهم بعض أئمتنا، فمن أحب الوقوف على تفصيل أسمائهم؛ فلينظر في الكتاب المختصر من (تاريخ الثقات) يجد فيه الأصول التي بنينا ذلك الكتاب عليها، (١) حتى لا يُعرِّجَ على قدح قادح في محدِّث على الإطلاق من غير كشفٍ عن حقيقته." (٢)

стр. 63

وصرّح الخطابي باشتراط العدالة في رواة الصحيح، وأعلّ أحاديث وضعّفها -في شرحه لسنن أبي داود- لاختلال شرط العدالة في بعض رواتها. (١) وقد نصّ ابن الملقن على شرط العدالة في كتابه المقنع، أما في التذكرة فقد كان تعريفه عاماً باشتراط السلامة من الطعن في الإسناد والمتن، ولا شك أن العدالة تدخل ضمناً في تعريفه؛ إذ هي "الركن الأكبر في الرواية" (٢)، وسبق في كلام الحازمي ذِكر الإجماع على اشتراط العدالة في الراوي؛ ليُقبل خبره. نخلص مما سبق: أن اشتراط العدالة أو ما يقوم مقامها في حدّ الصحيح من الشروط المتفق عليها عند أهل العلم. (٣)

стр. 64

القيد الثالث: الضبط: الضبط في اللغة: لزوم الشيء وحبْسه وحفظه وعدم مفارقته. ورجل ضابط: حازم قوي شديد. (١) ويراد بالضبط: اتصاف الراوي باليقظة وعدم الغفلة، وبالحفظ إن حدّث من حفظه، والإتقان إن حدّث من كتابه، مع الدراية بالمعنى إن روى الحديث بغير لفظه. (٢) ومن طرق معرفة ضبط الراوي وحفظه ما ذكره الشافعي فقال: "ويعتبر على أهل الحديث بأن إذا اشتركوا في الحديث عن الرجل بأن يستدل على حفظ أحدهم بموافقة أهل الحفظ، وعلى خلاف حفظه بخلاف حفظ أهل الحفظ له." (٣) قال ابن الصلاح: "يُعرف كون الراوي ضابطاً، بأن نعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان، فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم أو

стр. 65

موافقة لها في الأغلب والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطا ثبتا، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتج بحديثه، والله أعلم" (١). والضبط نوعان، ذكرهما الشافعي بقوله: " حافظاً إن حدث به من حفظه، حافظاً لكتابه إن حدث من كتابه" (٢)، وشرحهما ابن حجر فقال: "والضبط: ضبط صدر: وهو أن يُثبِت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء، وضبط كتاب: وهو صيانته لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه." (٣) وبالنظر في تعريفات الأئمة للحديث الصحيح، نجد منهم من نصّ على اشتراط الضبط وهم كل من جاء بعد ابن الصلاح. وإن كان ابن الملقن لم يُصرّح بهذا الشرط في كتابه التذكرة (٤) لكن ذكره في المُقنع (٥)، ومنهم من ذكر صفات الضابط أو بعضها وهم بعض من جاء قبل ابن الصلاح، فقد ذكر

стр. 66

الشافعي (١) والحميدي (٢) ومسلم من الصفات ما يكون به الراوي ضابطاً لحديثه (٣)، ومنهم من لم ينص عليها كالحاكم، حيث لم ينص على هذا القيد في تعريفه للصحيح في كتابه معرفة علوم الحديث؛ إلا أنه أشار إلى شرط الاتقان في رواة الصحيح حين ذكر أقسام الصحيح في كتابه المدخل إلى الإكليل (٤). وممن لم ينص على قيد الضبط -ممن سبق ابن الصلاح- الإمام الخطابي، وقد نقل السخاوي انتقاد العراقي لذلك، وتعقيب ابن حجر عليه فقال: "ولذلك تعقب المصنف الخطابي في اقتصاره على العدالة، وانتصر شيخنا (٥) للخطابي ; حيث كاد أن يجعل الضبط من أوصافها، لكن قال في موضع آخر (مما ظاهره المخالفة (: إن تفسير الثقة بمن

стр. 67

فيه وصف زائد على العدالة وهو الضبط إنما هو اصطلاح لبعضهم، (ويمكن التئامهما (" (١). وأيّد السيوطي الانتصار للخطابي فقال: "الذي يظهر لي أن ذلك داخل في عبارته، وأن بين قولنا: العدل وعدّلوه فرقاً؛ لأن المغفل المستحق للترك لا يصح أن يقال في حقه: عدّله أصحاب الحديث، وإن كان عدلاً في دينه، فتأمل. ثم رأيت شيخ الإسلام ذكر في نكته معنى ذلك فقال: إن اشتراط العدالة يستدعي صدق الراوي وعدم غفلته وعدم تساهله عند التحمل والأداء." (٢)، ويدلل على ذلك أيضاً صنيع الخطابي في معالم السنن وتضعيفه لأحاديث بسبب وهم رواتها أو اضطرابهم في النقل. (٣)

стр. 68

وقد زاد ابن حجر قيد التمام لصفة الضبط في راوي الصحيح، وتبعه بعض من جاء بعده، ولعل زيادته لهذا القيد ليمايز بين الصحيح والحسن (١)، ولعلها كذلك سبب تعقّبه لابن خزيمة في تعريفه للصحيح حيث قال: "فلم يلتزم ابن خزيمة وابن حبان في كتابيهما أن يخرجا الصحيح الذي اجتمعت فيه الشروط التي ذكرها المؤلف، لأنهما ممن لا يرى التفرقة بين الصحيح والحسن، بل عندهما أن الحسن قسم من الصحيح لا قسيمه؛ وقد صرح ابن حبان بشرطه، وحاصله أن يكون راوي الحديث عدلاً مشهوراً بالطلب غير مدلس سمع ممن فوقه إلى أن ينتهي؛ فإن كان يروي من حفظه فليكن عالماً بما يحيل المعاني؛ فلم يشترط على الاتصال والعدالة ما اشترطه المؤلف -يعني ابن الصلاح- في الصحيح من وجود الضبط ومن عدم الشذوذ والعلة ... " إلى أن قال: "فإذا تقرر ذلك عرفت أن حكم الأحاديث التي في كتاب ابن خزيمة وابن حبان صلاحية الاحتجاج بها لكونها دائرة بين الصحيح والحسن ما لم يظهر في بعضها علة قادحة؛ وأما أن يكون مراد من يسميها صحيحة أنها جمعت الشروط المذكورة في حد الصحيح فلا؛ والله أعلم." (٢)

стр. 69

فابن خزيمة لم ينصّ على شرط الضبط؛ لكنه قد يُفهم من قوله "ولا جرح في ناقلي الأخبار" أنه يشترطه، ويدلل على ذلك صنيعه في كتابه الصحيح، وإعلاله أحاديث بسبب الطعن في ضبط رواتها (١)، وقد يُثار تساؤل حول السبب في انتصار ابن حجر للخطابي وتضمين معنى الضبط في تعريفه للصحيح -رغم عدم تنصيص الخطابي عليه- وفي المقابل تعقّبه لابن خزيمة رغم اشتراطه نفي الجرح عن الرواة؟ ولعل الجواب على ذلك: لأن الخطابي مايز بين الصحيح والحسن، وعرّف كل منهما بتعريف مستقلّ، بينما ابن خزيمة، وتلميذه ابن حبان لم يذكرا ما يفرّقا بين الصحيح والحسن أو كما قال ابن حجر: "لأنهما ممن لا يرى التفرقة بين الصحيح والحسن، بل عندهما أن الحسن قسم من الصحيح لا قسيمه؛ " هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن نفي الجرح عن الرواة لا يعني اتصافهم بأعلى درجات الضبط والإتقان المطلوبة في الصحيح، حيث شرط الصحيح -عند ابن حجر ومن وافقه- يتطلّب مزيد ضبط من الرواة؛ لذا تعقّب ابن خزيمة وابن حبان في ذلك، وهذا لا ينفي اشتراطهم مجمل ضبط الراوي لمروياته. (٢)

стр. 70

قال السخاوي: "وعلى كل حال فاشتراطه (أي: الضبط (في الصحيح لا بد منه، والمراد التام كما فهم من الإطلاق المحمول على الكامل، وحينئذ فلا يدخل الحسن لذاته المشترط فيه مسمى الضبط" (١)، أي بشكل عام، فراويا الحديث الصحيح والحديث الحسن لذاته يجتمعان في اشتراط الضبط، وإنما يتميّز راوي الصحيح عن راوي الحسن لذاته بتمامه. (٢) نخلص مما سبق: أن التنصيص على شرط الضبط في رواة الصحيح إنما كان ظاهراً في تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح؛ بل وزاد ابن حجر وصف التمام على الضبط؛ ليكون مُميزاً لدرجات رواة الصحيح عن الحسن- كما سيأتي بيانه في تعريف الحسن- وأما من كان قبل ابن الصلاح، فقد كانت صفة الضبط للراوي متضمنة لدى بعضهم فيما ذكروه من صفات الرواة، أو من صنيعهم بردّ أحاديث وتعليلها للشك في ضبط الراوي أو سوء حفظه كما في صحيح ابن خزيمة.

стр. 71

القيد الرابع: السلامة من الشذوذ (نفي الشذوذ) (١): الشذوذ في اللغة: يأتي بمعنى: الانفراد والمفارقة. (٢) وقد اُختلف في تعريف الشاذ في الاصطلاح إلى ثلاث معانٍ رئيسية حسب ما ذكرها ابن الصلاح في مقدمته فنقل عن الشافعي قوله: "ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس" (٣). ثم نقل تعريف الخليلي (٤) للشاذ بأن "الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة. فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به" (٥). وأتبعه بقول الحاكم: "أن الشاذ هو الحديث الذي يتفرد به ثقة من الثقات، وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة" (٦). وعقّب بتوضيح أكثر لمراد الحاكم بمعنى الشذوذ، والفرق بين الشاذ والمعلل فقال: "وذكر أنه يغاير المعلل من حيث إن المعلل وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقف فيه على علته كذلك" (٧).

стр. 72

وبعد أن ذكر ابن الصلاح مذاهب العلماء في الحديث الشاذ- وتعقّب واستدرك-؛ خلص ﵀ إلى أن جعل الشاذ على قسمين، فقال: "الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف. والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف." (١) وقد سبق في تحرير قيد ضبط الرواة في الصحيح تضمّن تعريفات الأئمة لاشتراط الضبط في الراوي سواء: بالتنصيص على ذلك، أو بصنيعهم في تعليل الحديث أو تضعيفه أو نزوله عن رتبة الصحيح؛ لانخرام شرط ضبط راويه؛ وعليه فيخرج من حدّ الصحيح القسم الثاني الذي ذكره ابن الصلاح لنوعيّ الشذوذ وهو: - (الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط) - باشتراط ضبط الرواة أو تمامه (٢)، ويقتصر معنى الشذوذ المنفي في الصحيح على القسم الأول وهو: الفرد المخالف.

стр. 73

وهذا ما أكده كلٌ من الزركشي وابن حجر - في تنكيتهما على كتاب ابن الصلاح- حين شرحا قيد نفي الشذوذ في حدّ الحديث الصحيح، فذكرا أن المراد بالشذوذ المنفي في حدّ الصحيح هو: المخالفة (١). ورجحه السيوطي أيضاً فقال: "قيل: لم يفصح بمراده من الشذوذ هنا، وقد ذكر في نوعه ثلاثة أقوال؛ أحدها: مخالفة الثقة لأرجح منه. والثاني: تفرد الثقة مطلقاً. والثالث: تفرد الراوي مطلقاً. ورد الأخيرين؛ فالظاهر أنه أراد هنا الأول." (٢) وبالنظر في تعريفات الأئمة للحديث الصحيح، وما وضعوه من شروط في الراوي والمروي، نجد أن قيد نفي الشذوذ قد ذكره الشافعي حين نفى عن الراوي للصحيح وصف التدليس وعطف عليه نفي المخالفة بقوله: "برياً من أن يكون مدلساً، يحدث عمّن لقي ما لم يسمع منه، ويحدث عن النبي ﷺ ما يحدث الثقات خلافه عن النبي ﷺ " أي: وبريّاً من المخالفة كذلك، وتحديث الثقة بما يخالف رواية الثقات هو ما اختاره الشافعي تعريفاً للشذوذ. أما الحميدي فقد عدد ما قد يُردّ به حديث الراوي من: الوهم، والكذب، والنسيان، وغير ذلك إلى أن قال: "وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال", وفي موضع آخر نجده يتحدث عن ضبط الراوي وحفظه لكتابه، وصيانة مروياته عن المخالفة، وذلك لما للمخافة من أثر في ردّ الحديث وطرحه، فقال:

стр. 74

"من اقتصر على ما في كتابه فحدث به، ولم يزد فيه ولا ينقص منه ما يغير معناه، ورجع عما يخالف فيه بوقوف منه عن ذلك الحديث، أو عن الاسم الذي خولف فيه من الإسناد ولم يغيره، فلا يطرح حديثه ولا يكون ضارا ذلك له في حديثه؛ إذا لم يرزق من الحفظ والمعرفة بالحديث ما رزق غيره إذا اقتصر على كتابه، ولم يقبل التلقين (١)." (٢) فما ذكره الحميدي يتضمن اشتراطه خلو حديث الراوي من المخالفة في المتن والإسناد لكيلا يُردّ، وإن لم يُسمّ ذلك شذوذاً. أما مسلم فلم ينص على نفي الشذوذ - في مقدمة صحيحه- في حين أن ابن الصلاح قال: "شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالما من الشذوذ ومن العلة وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر" (٣)، ولعله استنتج ذلك من صنيع الإمام مسلم في كتابه الصحيح، أو فهمه من مقدمته لكتاب التمييز؛ حيث أوضح الإمام مسلم أن المخالفة من الراوي- وإن كان حافظاً- لغيره من الرواة الحفّاظ؛ تنفي الصحة عن الحديث - وإن لم يسمّه شذوذاً- فقال: "فيُعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ، دون الواحد المنفرد وإن كان حافظاً." (٤)

стр. 75

وقد نقل السيوطي تعقيب ابن حجر - لما ذكره ابن الصلاح، وتخريجه له- بقوله: "ولم يتبين لي أخذه انتفاء الشذوذ من كلام مسلم، فإن كان وقف عليه من كلامه في غير مقدمة صحيحه فذاك، ... قال: ثم ظهر لي مأخذ ابن الصلاح، وهو أنه يرى أن الشاذ والمنكر اسمان لمسمى واحد. وقد صرح مسلم بأن علامة المنكر أن يروي الراوي عن شيخ كثير الحديث والرواة شيئا ينفرد به عنهم، فيكون الشاذ كذلك فيشترط انتفاؤه." (١) وكذلك لم ينص ابن خزيمة على اشتراط نفي الشذوذ في حدّ الصحيح، ولكن قد يدخل ذلك ضمناً في نفيه تجريح الراوي بشكل عام -كما سبق في قيد الضبط- وقد يدخل ضمناً
следующие страницы →