← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14218

الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام

القرافي

Полный текст (296 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 37

السُّؤَالُ الثَّانِي كيف يُمكنُ أن يقال: إِنَّ الله تعالى جعَل لأحدِ أن يُنشئ حُكماً على العِبَاد؟ وهل يُنشئُ الأحكام إِلَّا الله تعالى؟ فهل لذلك نظيرٌ وقع في الشريعة أو ما يُؤنِسُ هذا المكانَ ويُوضِّحه؟ جَوَابُهُ لا غَرْوَ في ذلك ولا نكير (١)، بل الله تعالى قرَّرَ الواجباتِ والمندوباتِ والمحرَّماتِ والمكروهاتِ والمباحاتِ على لسان نبيه ﷺ ، وأَنزل الله عليه في كتابه الكريم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢). ومع ذلك قرَّر في أصل شريعته أنَّ للمكلَّف أن يُنشِئ الوجوبَ فيما ليس بواجب في أصل الشرع، فيَنْقُلَ أيَّ مندوبِ شاء فيَجعلَه واجبًا عليه. وخَصَّصَ ذلك بالمندوبات، وخَصَّص الطريقَ الناقلَ للمندوبات إِلى الواجبات بطريقِ واحدِ وهو النَّذْر. فالنَّذْرُ إِنشاءٌ للوجوب في المندوب.

стр. 38

وقرَّرَ الله تعالى أيضاً الإنشاءَ للمكلَّف في صُورةٍ أخرى، وذلك أن الله تعالى لمَّا شَرَع الأحكام شَرَع الأسباب، وكما جَعَل الأحكام على قسمين: منها ما قرَّره في أصل شَرْعِه كوجوب الصلوات الخمس ونحوِها ومنها ما وَكَلَهُ للمكلَّف، وهو إِيجابُ المندوب بالنذر فكذلك جَعَلَ الأسباب على قسمين: منها ما قرَّره في أصل الشريعة، ومنها ما وَكَل إِنشاءَ سببيَّته إِلى المكلَّف، وهو عامٌ لم يُخصِّصه بمندوبٍ ولا غيره. بل له أن ينشئ السببيَّة في المندوبات والواجبات والمحرَّماتِ والمكروهاتِ والمباحاتِ وما ليس فيه حُكمٌ شرعيٌ البتة (١)، كفعل النائم

стр. 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 40

والساهي والمخطئِ والمجنون والبهيمةِ وحركاتِ الرياح والسُّحبِ والسُّيول ونحوِ ذلك، فإن هذه الأفعال ليس لله تعالى فيها حُكم، ولا تَعلَّقَ بها خطابٌ يقتضي حُكماً ألبتة. ومع ذلك فلكل مكلَّفِ أن يَجعل أيَّ ذلك شاء سبباً لطلاقِ امرأته، أو عتقِ عبده، أو إِيجاب حَجٍّ عليه، أو غيره من العبادات، بطريقِ واحدِ وهو التعليق، فدخولُ الدار مثلاً لم يَجعله الشرعُ في أصل الشريعة سبباً لطلاق امرأةِ أحدٍ ولا عِتقِ عبده، ومَنْ شاء جعَلَه سبباً لذلك. فعمَّم صاحبُ الشرع في هذا الباب جميعَ الأشياء في المجعول سبباً، وخصَّص في الطريقِ المجعولِ به، فعيَّنَه في التعليق، وفي الباب الأوَّل خَصَّصَ فيهما، فعيَّن المجعول فيه في المندوب، وخصَّص الطريقَ بالنذر، فهذا الباب خاص، والأوَّلُ خاصٌّ وعامّ. وإِذا تقرَّر أن الله تعالى جَعَل لكلِّ مكلَّف - وإِن كان عاميّاً جاهلًا - الإِنشاءَ في الشريعة لغير ضرورة، فأولى أن يَجعل الِإنشاءَ للحُكَام مع علمِهم وجلالتِهم (١) لضرورة دَرْءِ العِناد، ودفعِ الفساد، وإِخماد النائرةِ (٢)، وإِبطال الخصومة. فهذان بابانِ مُؤنسانِ بل بطريقِ الأَولى كما ظهر لك. وأمَّا الدليلُ على ذلك فهو الِإجماع من الأئمة قاطبةَ أنَّ حُكْمَ الله تعالى ما حَكَم به الحاكم في مسائل الإجتهاد كما تقدَّم (٣)، وأنَّ ذلك الحكمَ يجبُ

стр. 41

اتبّاعُه على جميع الأمَّة، ويَحرمُ على كل أحَدِ نَقْضُه. وهذا شيء نشأ بعدَ حُكم الحاكم لا قبلَه، لأنَّ الواقعة كانت قبل هذا قابلةَ لجميع الأقوال، ولأنواع النقوض والمخالفات. ولا نعني بالإِنشاء إِلَّا هذا القدر، فقد وَضَح ذلك وبان.

стр. 42

السُّؤَالُ الثَّالِثُ هل لِما ذكرتَه مثالٌ في الوجود غيرُ ما ذكرتَه من القواعد يحصُلُ التأَنيسُ به والِإيضاح؟ جَوَابُهُ مِثالُ الحاكم والمفتي مع الله تعالى - وللهِ المثَلُ الأعلى -: مِثالُ قاضي القُضاة يُولَّي شخصين، أحدُهما نائبُه في الحكم، والآخَرُ تَرْجُمانٌ بينه وبين الأعاجم (١). فالتَّرجمانُ يجبُ عليه اتّباعُ تلك الحروفِ والكلماتِ الصادرة عن الحاكم، ويُخبرُ بمقتضاها من غير زيادة ولا نقص. فهذا هو المفتي يجبُ عليه اتِّباعُ الأدلًّة بعد استقرائها، ويُخبرُ الخلائقَ بما ظهر له منها من غير زيادةِ ولا نقص إِن كان المفتي مجتهدًا، وإِن كان مقلّداً كما في زماننا فهو نائبٌ عن المجتهد في نَقْلِ ما يَخُصُّ إِمامَهُ (٢) لمن يَستفتيه، فهو كلسان إِمامِه والمترجِمِ عن جَنَانه.

стр. 43

ونائبُ الحاكم في الحكم يُنشئ من إِلزام النَّاس وإِبطال الإِلزام عنهم ما لم يُقرِّره مستنيبُه الذي هو القاضي الأصليُّ، بل فوَّض ذلك لنائبه، فهو متَّبع لمستنيبه من وجه، وغيرُ متَّبِع له من وجه. متَّبعٌ له في أنَّه فوَّض له ذلك وقد امتثل، وغير متبع له في أنَّ الذي صدَرَ منه من الِإلزام لم يَتقدَّم مثلُه في هذه الواقعة من مستنيبه بل هو أصلٌ فيه. فهذا مِثالُ الحاكم مع الله تعالى، هو ممتثِلٌ لأمر الله تعالى في كونه فوَّض إِليه ذلك، فيفعله بشروطه. وهو منشئ لأنَّ الذي حَكم به تعيَّن، وتعيُّنُه لم يكن مقرَّراً في الشريعة، وليس إِنشاؤه لأجل الأدلَّة التي تُعتَمدُ في الفتاوى، لأنَّ الأدلَّة يجبُ فيها اتّباعُ الراجح. وها هنا له أن يَحكم بأحدِ القولين المستويين على غير ترجيحِ ولا معرفةٍ بأدلَّةِ القولين إِجماعاً، بل الحاكمُ يَتبعُ الحِجاج (١). والمفتي يَتبعُ الأدلَّة. والمفتي لا يَعتمِدُ على الحِجاج بل على الأدلَّة. والأدلَّةُ: الكتابُ والسُّنَّةُ ونحوُهما (٢). والحِجاجُ: البيِّنَةُ والإقرارُ ونحوهُما (٣). فهذا مِثالُ الحاكمِ والمفتي مع الله تعالى، وليس له أن يُنشئ حُكماً بالهوى واتِّبِاعِ الشهوات بل لا بُدَّ من أن يكون ذلك القولُ الذي حَكَم به قال

стр. 44

به إِمامٌ معتَبَرٌ لدليلٍ معتَبَرٌ (١)، كما أنَّ نائب الحاكم ليس له أن يَحكم بالتشهي عن مُستنيبه.

стр. 45

السُّؤَالُ الرَّابِعُ ظهر الفرقُ بين المفتي والحاكم، فما الفرقُ بينهما وبين الإِمام الأعظم في تصرُّفاته؟ جَوَابُهُ أنَّ الِإمام نِسبتُهُ إِليهما كنسبةِ الكلِّ لجزئه والمركَّبِ لبعضِه. فإِنَّ للِإمام أن تقضي وأن يُفتي كما تقدَّم (١)، وله أن يَفعل ما ليس بفُتْيا ولا قضاءِ كجمع الجيوش، وإِنشاء الحروب، وحَوْزِ الأموال، وصَرْفِها في مصارفها، وتوليةِ الولاة، وقتلِ الطغاة. وهي أمور كثيرة يختصُّ بها لا يشاركه فيها القاضي ولا المفتي. فكلُّ إمامِ: قاضِ ومُفتِ، والقاضي والمفتي لا يَصْدُق عليهما وصف الإِمامة الكبرى. ونبَّهَ على هذه الخصائصِ قولُه ﷺ : "أقضاكم عليّ (٢)، وأعلمُكم

стр. 46

بالحلال والحرامِ معاذُ بن جبل" (١).

стр. 47

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 48

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 49

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 50

وأشار إلى إِمامةِ الصِّدِّيق ﵃ أجمعين - بقوله ﵊: "مُرُوا أبا بكر يُصَلِّي بالناس" (١).

стр. 51

قال العلماء: كان ﷺ يُريدُ أن يَنزِلَ عليه وحْيٌ بإِمامةِ أبي بكر فلم يَنزِل عليه ذلك، فأُلهمَ ﷺ بالتنبيه لوجه المصلحة بالاستنابة في الصلاة، حرصًا على مصلحة الأُمَّة بالتلويح، وأدبًا مع الربوبية بعدمِ التصريح، فكمَلَ له الشَّرَف، وانتظمَتْ له ولأمَّته المصلحة ﷺ .

стр. 52

قال العلماء: وإِذا كان معاذٌ أعلمَ بالحلال والحرام فهو أقضى الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. فما معنى قولهِ ﵊: "أقضاكم عليّ"؟ أجابوا ﵃ بأنَّ القضاءَ يرجع إِلى التفطُّنِ لوجوهِ حِجَاج الخصوم. وقد يكون الإِنسانُ أعلمَ بالحلال والحرام وهو بعيدٌ عن التفطُّنِ للخُدَعِ الصادرة من الخصوم والمكايِدِ والتنُّبهِ لوجه الصواب من أقوال المتحاكمين (١).

стр. 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 54

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 55

فهذا بابٌ آخرُ عظيم يَحتاج إِلى فِراسةِ عظيمة، وفِطنةٍ وافرة، وقريحةٍ باهرة، ودُربةٍ مساعدة، وإِعانةٍ من الله تعالى عاضدة، فهذا كلُّه محتاجٌ إِليه بعد تحصيلِ الفتاوى، فقد يكون الأقضى أقلَّ فُتيا حينئذٍ، فلا تناقُض بين قولهِ ﷺ : "أقضاكم علي"، وبين قولهِ ﷺ : "أعلمُكُم بالحلال والحرام مُعاذُ بن جبل". وظهَرَ حينئذٍ أنَّ القضاءَ يَعْتمِدُ الحِجاج، والفُتيا تَعتمدُ الأدلَّة، وأنَّ تصرُّفَ الِإمامةِ الزائدَ على هذين يَعتمدُ المصلحةَ الراجحة أو الخالصةَ في حقّ الأُمَّة، وهي غيرُ الحُجَّة والأدلَّة. وظَهر أنَّ الِإمامة جُزؤها القضاءُ والفُتيا. ولهذا اشتُرِطَ فيها من الشروط ما لم يُشترط في القُضاة والمفتين، من كونِه قُرَشيًا، عارفًا بتدبير المصالح وسياسة الخلق، إِلى غيرِ ذلك مما نَصَّ عليه العلماء في الإِمامة شَرْطًا وكمالًا. ولذلك قال ﷺ : "الأئمَّةُ من قريش" (١). ولم يقل: القضاةُ من قريش. وما ذلك إِلاَّ لعمومِ السلطان واستيلاء التصرُّفات والاستقلالات. وذلك لِعظَمِ أمرِها وجلالةِ خطرها. وهو دأبُ صاحبِ الشرع، متى عَظُمَ أمرٌ كثَّرَ شَروطَه، ألا ترى أنَّ

стр. 56

النكاح لمَّا كان أعظمَ خطرًا من البيع اشتَرَط فيه ما لم يَشترط في البيع من الشهادةِ والصَّداقِ وغير ذلك؟ وجَوَّز نَقْلَ السِّلَع بغير شهادة ولا عِوَض، بل بالهبةِ والصَّدَقةِ والوقفِ وغيرِ ذلك. ومنَعَ جميعَ ذلك في النكاح لاشتماله على بقاء النوع الِإنساني، وتكثير الدُّريَّة الموحِّدة لله تعالى، والعابدةِ له، والخاضعةِ لجلاله، وما فيه من الأُلفةِ والمودَّةِ والسكون وانتظام المصالح التي نبَّه عليها قولُهُ تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (١). وكذلك اشترَطَ في الطعام ما لم يَشترِط في السِّلع، فلا يُباع كثيرُه بقليله، ولا ناجزُه بمتأخِّره، ولا يُعاقَدُ عليه قبل قبضِه. ولم يَشترِط ذلك في السِّلَع لكونِهِ سببَ قَيامِ بُنْيةِ الأجسام، والمُعِينَ على طاعة الله تعالى بفعل الواجبِ واجتنابِ الحرام. وكذلك اشتَرَط في النَّقْدَين شروطًا كثيرة من المماثلةِ والتناجزِ وغيرِهما، لكونهما أصولَ الأموالِ وقِيَم المُتْلَفات. فكذلك الِإمامة لما عَظُمَ خطرُها اشترَطَ الشارعُ فيها ما لم يَشْترِطه في غيرها، وما عَزَّ شيء وعلا شَرفُهُ إِلاَّ عزَّ الوصولُ إِليه، وكثُرتْ القواطعُ دونه، فالوصولُ إِلى الأمير أيسَرُ من الوزير، وإِلى الوزيرِ أيسرُ من السلطان، وهي عادةُ الله تعالى في خلقهِ وفي شَرْعه (٢)، فسبحان المُحْكِم لنظام المصالح، العالِمِ بدقائقها ومَواردِها ومَصادِرها.

стр. 57

السُّؤَالُ الخَامِسُ إِذا كان حُكمُ الحاكم إِنشاءَ فهل هو نَفسانيّ أو لِسانيّ (١)؟ جَوَابُهُ أنَّه نَفساني، ويَعْضُد ذلك وجهان: أحدُهما: أنَّ حُكمَ الله تعالى إِنما هو كلامُه القائمُ بذاته، وألفاظُ الكتابِ والسُّنَّةِ وغيرِ ذلك إِنما هي أدلَّتُه لا هو، وهذا حُكمُ الله أيضًا غير أنه فوَّضه للحاكم، فكان أيضًا نَفسانيًا قائمًا بنفسِ الحاكم، وقائمًا بذات الله أيضًا، لا أنَّه غيرُ القائمِ بذات الحاكم بل عَيْنُه. فإِنَّ الله تعالى إذا أوجَبَ علينا ما حكَمَ به الحاكمُ فقد قام بذاتهِ تعالى الحُكمُ بذلك كسائر الأحكام، غير أنَّ الحُكمَ القائمَ بنفس الحاكم عَرَضٌ مُحدَث لا يَبقى زمانين، والقائمَ بذات الله تعالى واجبُ الوجود قديمٌ أَزَليّ أبَدي كسائر أحكامه تعالى، كما تقرَّر ذلك في أصولِ الفقه وأصولِ الدين. وثانيهما: أنَّ الذي يَدُلُّ على أنَّ حُكم الحاكمِ نَفساني أنه إِذا حكم فتارةً يُخبِرُ عنه بلسانه فيقول: اشهَدوا عليَّ أني حَكَمتُ بكذا، وتارةً يُسألُ عن ذلك فيشيرُ برأسه أو غيرِ ذلك مما يُفهَمُ عنه به أنه حَكَمَ، وتارةً يَكتُبُ به إِلى حاكمٍ آخر، أو يُحضِرُ مكتوبًا للشهود فيقول: اشهَدُوا عليَّ بمضمونه،

стр. 58

أو يَبعثُ بمكتوب الحاكمِ إِلى الِإقليم الآخَرِ من غير عبارةٍ ولا إِشارة، ويكون ذلك دليلًا على أنه حَكَم. فدَّل ذلك على أنَّ حُكمَه غيرُ لفظِه وكتابتِه وإِشارتِه، وما ذلك إِلَّا الكلامُ النَّفساني، وما عداه دليل عليه كسائرِ ما قام بالنفسِ من الأحكام والأخبار وغيرِهما. فظهر أنَّ حُكمَ الحاكم نَفساني لا لِساني.

стр. 59

السُّؤَالُ السَّادِسُ ١ - إِذا كان الحُكمُ نَفْسانيًا (١)، فهل هو خَبرٌ عن حُكم الله تعالى يَقبَلُ التصديقَ والتكذيب؟ أو إِنشاءٌ لا يَحتملهما؟ ٢ - وما الفَرْقُ بين الإِنشاءِ والخبر؟ ٣ - وهل اللفظُ الدالُّ عليه إِنشاءٌ أو خَبَر؟ وهل بين اللفظِ الدالِّ عليه ولفظِ الشاهد فرق؟ فإِذا قال الحاكم: اشهدُوا عليَّ بكذا، هل هو مِثلُ قولِ الشاهد للحاكم: أشهَدُ عندك بكذا؟ ٤ - وهل بِعتُ واشتريتُ وأنتِ طالق وأنتَ حُرٌّ مِن باب قولِ الشاهد: أشهَدُ بكذا؟ أو مِن باب قولِ الحاكم: اشهَدُوا عليَّ بكذا؟ ٥ - وإِذا كان اللفظُ إِنشاءً فهل جميعُ الألفاظ تَصلُحُ لذلك أم لا؟ ٦ - وإِذا كان حُكمُ الحاكم إِنشاءً للحُكم الشرعيّ، فهل تُتَصوَّرُ فيه الأحكام الخمسةُ كما في أحكام الله تعالى أم لا؟ ٧ - وإِذا كان إِنشاءً (٢)، فهل يجبُ أن يتَّصلَ به اللفظُ الدالُّ عليه كالطلاق، أم لا يَضُرُّ تأخيرُ الِإخبار به والإِشهادِ عليه؟

стр. 60

٨ - وهل اتَّفَق العلماءُ على وقوع الإِنشاء أو فيه خلاف؟ وإِن كان فيه خلافٌ فما وجههُ؟ وما الحقُّ فيه؟ ٩ - وهل الِإنشاءُ إِنشاءٌ بوضع العَرَب أم بالعُرف؟ ١٠ - وهل يَستوي في ذلك اللّسانيُّ والنَّفساني؟ أم يَختصُّ الوضعُ باللساني؟ فهذه عَشَرةُ أسئلةٍ في هذا السؤال.

стр. 61

وَالجَوَابُ عَنِ السُّؤَالُ أنَّ حُكمَ الحاكم ليس خبَرًا يَحتمِلُ التصديقَ والتكذيب (١)، بل إِنشاءٌ لا يَحتملهما، فإِنه إِلزام أو إِذن. ومَنْ أنشأَ إِلزامًا على غيره أو على نفسه، أو أذِنَ لغيره فيِ فعلٍ لا يُقال له: صَدَقتَ ولا كذَبْتَ. وكذلك جميعُ الأوامرِ والنواهي والتخييراتِ والإستفهاماتِ والترجّي والتمنّي والقَسَمِ والنداءِ ونحوِها: لا يَدْخلُها التصديقُ والتكذيبُ، لِمَا فيها من معنى الطَّلَب إِما في الرُّتبة الأولى كالأوامر والنواهي، أو الرُّتبةِ الثانية كالترجِّي والتمنِّي.

стр. 62

وَالجَوَابُ عَنِ السُّؤَالُ الثَّانِي (١) أنَّ الفَرْقَ بين الِإنشاءِ والخَبَرِ من ثلاثةِ أوجهٍ: أحدُها: أنَّ الخبر يَدخله التصديقُ والتكذيب، والإنشاءُ لا يَدخُله ذلك كما تقدَّم. وثانيها: أن الخبرَ تابعٌ لتقرُّرِ مُخبِرِهِ في زمانه، كان ماضيًا أو حالاً أو مستقبلاً. وثالثُها: أنَّ الخبَرَ ليس سبَبَاً لمدلوله. ولا يقتضِي وقوعَه، والإِنشاءُ سببٌ لمدلوله ويتَرتَبُ عليه، كما وقع ذلك في جميع صُوَره، كالطلاقِ لمَّا

стр. 63

كان إنشاءً ترتَّب عليه ما دَلَّ عليه من زوالِ العِصمة وتحريم المرأة. وكذلك جميعُ صُوَر الإنشاء تترتَّبُ على ألفاظِها مدلولاتُها وتَتبعُها، ولا يُتصوَّرُ ذلك في الخبر ألبتةَ.

стр. 64

وَالجَوَابُ عَنِ السُّؤَالُ الثَّالِثْ أنَّ اللفطَ الدالَّ على حُكم الحاكم: تارةً يكون خبرًا إِن قال: قد حَكمتُ بكذا في الصورة الفلانية، لأنَّ هذا اللفظَ يَحْسُن فيه التصديق والتكذيبُ (١)، بحسَبِ ما يُطَّلعُ عليه من حالِهِ وحُسنِ الظنّ به. ولا نَعني بالخبر إِلَّا ما يَحتمِلُ التصديقَ والتكذيب. وتارةً يكون أمرًا إِنشاءً للطلب إن قال: اشهَدُوا عليَّ بكذا، لكنه إِنشاءٌ للطلب من الشهود لأن يَشهدوا عليه، لا إنشاءٌ لحُكمِ الله تعالى، بل هو أمرٌ للشهود كسائر الأوامر الصادرة منه، كما لو قال للشهود: اجلِسوا للشهادة في المكانِ الفلاني، فليس في هذا شيءٌ من حُكمِ الله تعالى أنشأهُ الحاكم، بل هذا طَلبٌ له يَخُصُّه. فظهر أنَّ الحاكم على التقديرين لم يكن لفظه مُنْشئًا للحُكم في تلك الواقعة البتة، بل هو خبَرٌ عن إِنشائه الحُكمَ فيها، أو أمرٌ بتحمُّلِ الشهادة عنه، وأما الحكُم الشرعي ففي نفسه، وقائمٌ بذاته من كلامه النَّفساني، وغيرُهُ دالٌ عليه. نعَمْ قد يَقترن إِنشاءُ الحكم في نفسِه بما يدلُّ عليه، فيُوافِقُ وقتُ إِنشائِهِ وقتَ إِشهاده، وقد يقترقان زمنًا طويلاً وسنين كثيرة، بأن يَحكم في نفسِهِ بشيءِ ثم يُشهِدَ بعدَ ذلك بمُدَّةٍ طويلة.

стр. 65

وَالجَوَابُ عَنِ السُّؤَال الرَّابِعْ أنَّ قولَ الحاكم: حَكمتُ بذلك، واشهَدوا عليَّ بأني حَكمتُ بذلك: ليس إِنشاءً للحكم في تلك الواقعة (١) كما تقدَّم (٢). وأمَّا قولُ الشاهد عند الحاكم: أشهَدُ بكذا عندك، وبه يُرَتِّبُ الحاكمُ على قولِه ثبوتَ الواقعة (٣): فهذا إِنشاءٌ للشهادة عند الحاكم لا يَحتمِلُ التصديق والتكذيب، ولو كانَتْ خبرًا لما جاز أن يُرتَّبَ عليها حُكمٌ من جهة الحاكم في تلك الواقعة، لأنه وَعْدٌ من الشاهد حينئذٍ بأنه يَشهدُ في المستقبل عند الحاكم في تلك الواقعة، والوعدُ بالشهادة لا يَترتب عليه إِلزامُ المشهود به. فظهر حينئذٍ أنَّ لفظَ أداءِ الشهادة إِنشاءٌ للشهادة، ولفظَ الحاكمِ في الإِشهاد أو الِإخبار وَكيفما تَصرَّفَ: ليس إِنشاءً للحُكم. فظهرَ الفرقُ بينهما، وأن قولَ الِإنسان: بِعتُك كذا، أو اشتريتُ منك كذا، وأنتِ طالق، أو أنتَ حُرٌّ، ونحوَ ذلك: من بابِ أداءِ الشهادةِ لا مِن باب إِشهادِ الحاكم، لأنها ألفاظٌ مُنْشِئةٌ لمدلولاتِها وأسبابٌ لها كأداء الشهادة، بخلافِ لفظِ إِشهادِ الحاكم إِنما هو إِخبارٌ صِرْف، أو طلَبٌ لتحمُّلِ الشهادة كما تقدَّم تقريرُه، فظهر الفرق.

стр. 66

وَالجَوَابُ عَنِ السُّؤَالُ الخَامِسْ أنَّ اللفظ انقسم إِلى ما يَصلُحُ للإِنشاء في باب، ولا يَصلُحُ له في باب آخر. وتقريرُه: أنَّ اللفظَ الموضوع لِإنشاء الشهادة هو صيغةُ المضارع، بأن يقول الشاهدُ: أشهدُ. ولو نطَقَ بالماضي فقال: شَهِدتُ بكذا لم يكن إِنشاء، ولم يُرتِّب الحاكمُ عليه شيئًا. وفي العُقودِ المتعيِّنُ لها من اللفظ هو الماضي على العكس من الشهادة (١)، فيقول البائع: بعتُك هذه السِّلْعة بدرهم. ولو قال: أبيعُكَ هذه السِّلْعة بدرهم لكان وعدًا بالبيع لا بيعًا. وكذلك يقول المشتري: اشتريتُ بصيغة الماضي، ولو قال: أَشترِيها بكذا، بصيغةِ المضارع لكان ذلك وعدًا بأنه سيشتريها. وأما صِيَغُ الأوامِر نحوُ اشْتَرِها بكذا فليس إِنشاء (٢). هذا ما يتعلَّق بصِيَغ الأفعال. وأما صِيَغُ أسماء الفاعلين فقد وُضِعَ اسمُ الفاعل للإِنشاء في الطلاق والعتاق، نحو أنتِ طالق، وأنتَ حُرّ. ولم يوضع للإِنشاء في العقود، نحو

стр. 67

أنا بائع، وأنا مشترٍ وواهِبٌ ونحوُها. ولم يوضع أيضًا للإِنشاء في الشهادة، فلو قال: أنا شاهدٌ بكذا لم يكن إِنشاء، هذا في باب العقود والشهادات. وأمَّا بابُ القَسَم فيصحُّ الِإنشاءُ فيه بالماضي والمستقبلِ واسمِ الفاعل، نحو أقسمتُ بالله لأفعلَنَّ، وأُقسمُ بالله لأفعلنَّ، وأنا مُقسِمٌ عليك بالله لتفعلَنَّ. فتلَّخص أنَّ الفعل الماضيَ للإِنشاء في العقود فقط، والمضارعَ للإِنشاء في الشهادات فقط، والقَسَم له المضارعُ والماضِي وغيرُه، فهو أعمُّ الأبوابِ في صِيَغ الإِنشاء.

стр. 68

وَالجَوَابُ عَنِ السُّؤَالُ السَّادِسْ أنَّ حُكمَ الحاكم وإِن كان حُكمًا لله تعالى، فإِنه لا يُتصوَّر فيه الأحكامُ الخمسة، فإِنَّ مقصودَه إِنما هو سَدُّ باب الخصومات، وردُّ الظُّلامات (١). بل يُتصوَّر فيه ما يكون سببًا لذلك (٢) وهو (٣): الوجوبُ، كالحكم بوجوب النفقة للمطلَّقةِ البائن عند مَنْ يراه. والتحريمُ، كالقضاء بفسخ النكاح، فإِنَّ معناه إِبطالُ ما وقع مما يُتوهَّمُ أنه عَقْدٌ يُسبِّبُ الِإباحةَ (٤)، وردُّ المرأة إِلى ما كانت عليه من التحريم. والِإباحةُ، نحوُ القضاء بردِّ الأرضِ مُطلَقةً مَوَاتًا مُباحةً بعدَ زوالِ الإِحياء عند مالكِ ومَنْ يَرى رأيَه. وكذلك الصَّيْدُ والنَّحْلُ والحَمَامُ إِذا توحَّشَ ونحوُها فإِنها إِباحات. وأما الندبُ والكراهةُ فإِنما يقَعُ من الحاكم على سبيل الفتوى لا على سبيل الحكم، نحوُ أمْرِهِ بالمُتعة للمطلَّقةِ - عند الحاكم المالكي - ونحوِها. فإِذا قال الحاكم: الأحسَنُ لكَ أن تفعلَ كذا (٥)، أو يُكرَهُ لكَ أن تفعل كذا، فإِنما هو فتوى من الحاكم لا حُكمٌ يَدْرَأُ الخِصام.

стр. 69

وسبَبُهُ أنَّ النَّدْبَ والكراهَةَ لا يَفصِلان خِصامًا. والحكمُ إِنما شرعه الله للحُكَّام لدَرْءِ الخِصام، ولن يندفع الخصامُ إِلَّا بالإِلزامِ أو الإطلاق كما تقدَّم (١). فيَبطُلُ النزاعُ في الزوجاتِ والنفقاتِ والأراضي وغيرِها (٢)، لأنه (٣) جَزْمٌ من الحاكم. وإِذا جَزَم الحاكم بحكم وحَكَمَ به لا يُنقَض. والنَّدْبُ والكرَاهَةُ حقيقتهُما التردُّدُ بين جواز الفعلِ والترك، فلا تندفع الخصومة. ولا يقال: الِإباحةُ أيضًا متردّدةٌ بين جوازِ الفعل وجوازِ الترك، وهذا هو حقيقتُها، لأنَّا نقول: نَعني بالإِباحة الإِطلاقَ المستلزِمَ لحسم مادَّة النزاع ممن تقدَّم ملكُه، فلا يَبقَى له حُكمُه بعد ذلك (٤)، ولا حُجَّةٌ يَمْنعُ بها غيرَهُ من الإِحياء، بل يصيرُ هو وغيرُه سواءَ في ذلك المكانِ وذلك الصَّيْدِ ونحوِه.

стр. 70

وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالُ السَّابِعْ أنَّ حُكمَ الحاكم لا يجبُ أن يَتَّصل به اللفظ، بل تأخُّرُ الإِشهادِ عن الحكم لا يَقدح، لأنه إِنما هو إِخبار عما فَعَله في نفسه، بخلاف لفظِ المُطَلِّقِ والمُعْتِقِ لا بُدَّ من مُقارنتِه للإِنشاء في النفس، لأنَّ صاحب الشرع جَعَل مجموع الأمرينِ أعني النَّفْسانيَّ واللّسانيَّ سببًا للطلاق على مشهور مذهب مالك. ومَنْ لا يَرى الكلامَ النفسانيَّ معتبَرًا في اللساني كَفَى عنده اللّسانيُّ فقط (١). فعلى هذا المذهبِ يَسقطُ البحثُ في المقارنة، لإنفرادِ اللفظ حينئدٍ عند هذا القائل، والمقارنَةُ لا تكون إِلَّا بين شيئين، واللفظُ وحده حينئدٍ عند هذا القائل: كافٍ، وهو غيرُ مشهورِ مذهب مالك. وقولُ جماعة من العلماء: (إِن صريحَ الطلاقِ كاف لا يُحتاجُ معه إِلى أمير آخر): أي في النَّفْس. فظهر الفرقُ بين لفظِ الحاكم بعدَ الحكم وألفاظِ الطلاقِ وغيرِها، وأنَّ لفظَ الحاكم لا يُشتَرطُ فيه المقارنة، بخلاف غيره. وكذلك كتابةُ الحاكم إِلى حاكم آخر بما حَكم به قد تكون عقيبَ حُكمه، وقد تتأخرُ عن الحُكم، لأنها إِعلام، والإِعلامُ والإِخبارُ قد يَتأخَّرُ عن المخبَرِ عنه (٢).

стр. 71

وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالُ الثَّامِنْ أنَّ العلماء لم يتفقوا على وقوع الإِنشاء في جميع الصُّوَر، بل اتفقوا عليه في القَسَم. فإِذا قال القائل: أقسمتُ بالله لتفعلَنَّ، لا يَحْسُن أن يقال له: صَدَقتَ ولا كَذَبت إِجماعًا، ولا يُحتاجُ في صدقِ هذه الصيغة إِلى تقدُّم قَسَمٍ منه، بل هو مُنشِئٌ للقَسَمِ بقوله: أقسمتُ. وهذا لاخلاف فيه، نَصَّ على ذلك أئمة العربية وغيرُهم. وأما صِيَغُ العقود فقالت الشافعية والمالكية: أنها إِنشاء للبيعِ وغيرِه. وقالت الحنفية: هي إخبارات على أصل وَضْعِها في اللغة (١)، مُحتجِّين بأنَّ أصلَ هذه الصِّيَغ أن تكون خبَرًا، وإِنما الشرعُ (٢) يُقدَّرُ فيها إِذا نَطَق بها

стр. 72

المتكلِّم بمدلولاتها (١)، قبلَ نطقِه بالزمنِ الفَرْد، لضرورةِ تصديقه (٢).

стр. 73

والتقديرُ أولى من النقل لوجهين: أحدُهما. أنَّ النقل يَحتاجُ إِلى غلبة الاستعمال حتى يُنسَخَ الوضعُ الأوَّل ويَحْدُثَ وضع آخر، والتقديرُ يكفي فيه أدنى قرينة، فهو أولى مما فيه تلك المقدِّماتُ الكثيرة، وأولى مما فيه نَسْخ. وثانيهما: أنَّ التقديرَ متفَقٌ عليه في الشريعة بين العلماء، وهو عامّ في الشريعة، كما بيَّنتُه في كتاب "الأُمْنِيَّة في إِدراك النيَّة" (١)، والنقلُ مختلَفٌ فيه، والمتفَقُ عليه أولى من المختلَفِ فيه.

стр. 74

وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالُ التَّاسِعْ أنَّ الحقَّ في هذه المسألة ما قاله الشافعية والمالكية من أنها منقولة (١)، لأنه المتبادِرُ في العُرف عند سماعها، فلا يَفهمُ سامع من قولِه: بعتُ واشتريتُ إِلَّا النَّقلَ، وأنَّ المتكلِّم أنشأ البيعَ بها (٢).

стр. 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →