← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14218

الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام

القرافي

Полный текст (296 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالُ الثَّامِنْ أنَّ العلماء لم يتفقوا على وقوع الإِنشاء في جميع الصُّوَر، بل اتفقوا عليه في القَسَم. فإِذا قال القائل: أقسمتُ بالله لتفعلَنَّ، لا يَحْسُن أن يقال له: صَدَقتَ ولا كَذَبت إِجماعًا، ولا يُحتاجُ في صدقِ هذه الصيغة إِلى تقدُّم قَسَمٍ منه، بل هو مُنشِئٌ للقَسَمِ بقوله: أقسمتُ. وهذا لاخلاف فيه، نَصَّ على ذلك أئمة العربية وغيرُهم. وأما صِيَغُ العقود فقالت الشافعية والمالكية: أنها إِنشاء للبيعِ وغيرِه. وقالت الحنفية: هي إخبارات على أصل وَضْعِها في اللغة (١)، مُحتجِّين بأنَّ أصلَ هذه الصِّيَغ أن تكون خبَرًا، وإِنما الشرعُ (٢) يُقدَّرُ فيها إِذا نَطَق بها

стр. 72

المتكلِّم بمدلولاتها (١)، قبلَ نطقِه بالزمنِ الفَرْد، لضرورةِ تصديقه (٢).

стр. 73

والتقديرُ أولى من النقل لوجهين: أحدُهما. أنَّ النقل يَحتاجُ إِلى غلبة الاستعمال حتى يُنسَخَ الوضعُ الأوَّل ويَحْدُثَ وضع آخر، والتقديرُ يكفي فيه أدنى قرينة، فهو أولى مما فيه تلك المقدِّماتُ الكثيرة، وأولى مما فيه نَسْخ. وثانيهما: أنَّ التقديرَ متفَقٌ عليه في الشريعة بين العلماء، وهو عامّ في الشريعة، كما بيَّنتُه في كتاب "الأُمْنِيَّة في إِدراك النيَّة" (١)، والنقلُ مختلَفٌ فيه، والمتفَقُ عليه أولى من المختلَفِ فيه.

стр. 74

وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالُ التَّاسِعْ أنَّ الحقَّ في هذه المسألة ما قاله الشافعية والمالكية من أنها منقولة (١)، لأنه المتبادِرُ في العُرف عند سماعها، فلا يَفهمُ سامع من قولِه: بعتُ واشتريتُ إِلَّا النَّقلَ، وأنَّ المتكلِّم أنشأ البيعَ بها (٢).

стр. 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 76

ومتى حَصَل التبادُرُ كان الحقُّ أنَّ اللفظ موضوعٌ لما يَتبادَرُ إِليه الذهنُ لأنه الراجح، والمصيرُ إِلى الراجح واجبٌ وإِن كان على خلافِ الأصل. ألا ترى أنَّ المجاز على خلاف الأصل، وإِذا رَجَح بالدليل وَجَب المصيرُ إِليه. وكذلك التخصيصُ والِإضمارُ وسائرُ الأمور التي هي على خلاف الأصل، متى رَجَحتْ وَجَب المصيرُ إِليها إِجماعًا، فيجبُ المصيرُ إِلى النقلِ لأنه الراجحُ في العُرف.

стр. 77

وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالُ العَاشِرْ أنَّ كونَ الصّيغَة للإِنشاء: تارةً تكون بوضع العَرَب كالقَسَم، وتارةً تكون بوضع أهل العُرف كصِيَغ الطلاق وغيرها (١). ولذلك فإِن صريحَ الطلاق (٢) قد يُهجَرُ فيصيرُ كناية، وقد تَشتهرُ الكنايةُ فتصيرُ كالصريح للإِنشاء، ولذلك قلنا: إِن قول القائل: أنتِ طالق صريحٌ مستغنٍ عن النيَّة، وأنت مُطْلَقة (٣) ليس صريحًا بل لا بُدَّ فيه من النيَّة مع اشتراك الصيغتين في الطاء واللام والقاف، وما ذاك إِلَّا أنَّ أهل العرف وضعوا أنتِ طالق للإِنشاء، وبَقَّوْا أنتِ مُطْلَقة (٤) على وَضْعِه اللغوي خَبَرًا فلم يَحصُل به طلاقٌ إِلَّا بالقصد لذلك. وأمَّا القَسَم فلم يزل في الجاهلية والِإسلام وجميعِ الأيام لِإنشاء القَسَم، فظهر أن الوضع فيهما مختلِف، وأنَّ أحدَهما لُغوي والآخَرَ عُرفي. وأمَّا كونُ الكلام النَّفساني إِنشاءً في حكمِ الحاكم والطلاقِ والعَتاقِ وغيرِ ذلك من مَوارد الإِنشاء، فلا يَدخله وضعٌ لا عُرفي ولا لغوي، فإِنَّ

стр. 78

الأوضاع لا تَدخلُ في النفساني، وإِنما تَدخل في الألفاظ. والخبَرُ والطَّلَبُ والِإنشاءُ وغيرُها في الكلام النفساني لذات الكلام النفساني، لا بوضع واضع. ولذلك كان عند جميع الأُمَم من العرب والعجم وجميعِ أربابِ الألسنةِ المختلِفَة الخبَرُ والطلبُ والتخييرُ وجميعُ أنواع الكلام في أنفسِها سواءً، لا تَختلفُ باختلافِ لغاتها وأطوارِها، فدَلَّ ذلك على أنها لِذاتِها كذلك، لا لوَضْعِها. كما أنَّ أنواعَ الاعتقادات والشكوكِ والظنون وجميعَ أحوال النفوس في جميع الأمم سواءٌ لا تَختلف. وما ذاك إِلَّا أنها لِذاتِها كذلك، كما نقولُه في جميع خصائص الأجناس من السَّواد والبياض والطُّعوم والروائح: إِنها غيرُ مُعلَّلة، بل لا يُمكِن أن تكون إِلَّا كذلك لذواتها، وإِن كانت لا تقَعُ جميعُها إِلَّا بقدرة الله تعالى. ولذلك يقول العلماء: إِنَّ انقلاب الحقائقِ مُحال، ولو كانت بالوَضْع لكان انقلابُها جائزًا، لأن ما بالجَعْل يَقبلُ النقلَ والتحويل. فكمَلَت الأسئلة بهذه العَشَرةِ خمسةَ عَشرَ سؤالًا.

стр. 79

السُّؤَالُ السَّادِسُ عَشَرْ ما الفرقُ بين حُكمِ الحاكم في المُجمَعِ عليه، فإِنه لا يُنقَض؟ وبين حُكمِه في المختلَفِ فيه، فإِنه لا يُنقَض أيضًا؟ والِإجماعُ في المسألتين، فهل المانعُ واحدٌ أو مختلِف؟ فإِن كان الإِجماعَ فهو واحد، وإِن كان ثَمَّ مانعٌ آخرُ فما هو؟ جَوَابُهُ أنَّ الِإجماع مانعٌ فيهما، واختَصَّ حُكمُه في مسائلِ الخلاف بمانعٍ آخر. وتقريرُه: أنَّ الله تعالى جعَلَ للحُكَّام (١) أن يحكموا في مسائل الإجتهاد بأحَدِ القولين، فإِذا حكموا بأحدهما كان ذلك حُكمًا من الله تعالى في تلك الواقعة. وإِخبارُ الحاكم بأنه حكَمَ فيها: كنصّ من الله ورَدَ، خاصٍّ بتلك الواقعة، مُعارِضٍ لدليل المخالِفِ لِما حَكَم به الحاكمُ في تلك الواقعة. مِثالُه قال مالك: دلَّ الدليلُ عندي على أن القائلَ لامرأةٍ: إِن تزوَّجتكِ فأنت طالقٌ ثلاثًا، فإِذا تزوَّجَها طلَقَتْ ثلاثًا، ولا يصحُّ له عليها عقدٌ إِلَّا بعدَ زَوْج. فاتَّفق أن ذلك القائل تزوَّجها وأقام معها على مذهب الشافعي وطلَّقها واحدةً، وبانَتْ منه بانقضاء العِدَّة، ثم عَقَدَ عليها، فرُح ذلك العقدُ لحاكم

стр. 80

شافعيٍّ فحَكَمَ بصحته: صار هذا نصَّاً مِن قِبَل صاحب الشرع في خصوص هذا الرجل الحالف، دون غيرِهِ من الحالفين الذين لم يتصل بهم حكمُ حاكم، لأنَّ الله تعالى قرَّره بالِإجماع، وما قرَّره الله تعالى بالِإجماع فقد دلَّ دليلٌ قطعي مِن قِبَل صاحب الشرع عليه. فتَحقَّق التعارُضُ بَيْنَ الدليلِ الدالِّ عند مالك على أنَّ أنكحة المُعَلِّقين على هذه الصُّورة باطلة، وبَيْنَ هذا الدليل الواردِ في هذه الصورة، وهو أخصُّ من الدليل العام الذي لمالك، لتناوله جميع الصور وهذا يَتناولُ هذه الصُّورةَ خاصّة. ومتى تعارَض الخاصُّقُ والعامُّ يُقدَّمُ الخاصُّ على العام، فلو قلنا: يُنقَضُ هذا الحكمُ لَزِمَ مخالفةُ هذه القاعدة أيضًا مع مخالفةِ الإِجماع، وكذا يَبْطُلُ النَّصُّ الخاصُّ المُعارِضُ للدليل العام، وهو محذورٌ غيرُ محذورِ الإِجماع. فظهر حينئذٍ أنَّ في مسائل الخلاف - إِذا حكَمَ فيها الحاكم - مانِعَينِ من النقص، وفي المُجمَعِ عليه مانعٌ واحدٌ. ومِن العَجَب كيف صار المختلَفُ فيه أقوى من المجمَع عليه؟ وظهر أيضًا أن عدَمَ نقضِ حُكمِ الحاكم في مسائل الخلاف راجعٌ إِلى قاعدةٍ أصولية، وهي تقديمُ الخاصّ على العامّ من الأدلَّة الشرعية. وهذا موضعٌ حسَنٌ فتَنَبَّهْ له.

стр. 81

السُّؤَالُ السَّابِعُ عَشَرْ إِذا حَكم الحاكم بمُدْرَكٍ مختلَفٍ فيه (١)، كشهادة الصّبيان، أو الشاهدِ واليمين، أو العوائدِ المختلَفِ في اعتبارها، كعادةِ الأزواج في النفقة، هل هي عادةٌ تُصَيّرُ القولَ قول الزوج أم لا؟ وهل يكون ذلك حُكمًا بذلك المُدرَك أم لا؟ وهل لأحدٍ نقضُهُ لبُطلانِ المُدرَكِ عنده ويقول: هذا الحكمُ عندي بغير مُدرَك فإِنَ شهادةَ الصبيان والعَدَمَ سواء، والحكمُ بغير مُدرَك يُنقَضُ إِجماعًا، فأنقُضُ هذا الحكم؟ أم ليس لأحدٍ ذلك؟ جَوَابُهُ أن المُدْرَك المختلَف فيه قسمان: تارةً يكونُ في غاية الضعف، فهذا يُنقَضُ قضاءُ القاضي إِذا حَكَمَ به، لأنه لا يَصْلُح أن يكون مُعارِضًا للقواعد الشرعية، فيكون هذا الحُكم على خلاف القواعد، وما كان على خلاف القواعد الشرعية من غير مُعارِضٍ يُقَدَّمُ عليها نُقِضَ إِجماعًا. وإِن كان المُدْرَك متقاربًا مع ما يُعارِضُه في الشريعة: فهاهنا خِلافان أحدُهما في المُدرَك، والآخَرُ في الحكم المترتب عليه. فإِذا حَكَم الحاكم

стр. 82

بذلك الحكم الذي يقتضيه ذلك المُدرَكُ امتَنَع نقضُ ذلك الحكم، لاتصال حكم الحاكم به. وليس حكمُه بأحدِ القولين في الحكم حكمًا منه بأحدِ القولين في المُدرَك، ولو كان كذلك لامتنع الخلافُ بعد ذلك في الشاهد واليمين، لكون بعض الحكام حكَم به، لكنه لا يرتفع الخلافُ في هذه المداركِ أبدًا إِلَّا أن ينعقدَ إِجماعٌ في عصر من الأعصار على أحدِ القولين فيها. فظهر حينئذٍ أنَّ الحكم بالمُدْرَكِ المختلَفِ فيه ليس حكمًا بالمُدْرَك، بل بمقتضاه. ويُوضحهُ أن الحاكم لم يقصد الإِنشاء في نفسه إِلَّا في إِثرِ ذلك المُدرَك، لا في ذلك المُدرَك، بل القضاء في المدارك مُحال، لأنَّ النزاع فيها ليس من مصالح الدنيا بل من مصالح الآخرة (١). وتقريرُ قواعدِ الشريعة وأصولِ الفقه: كلُّهُ من هذا الباب، لم يَجعل الله تعالى لأحدٍ أن يَحكمَ بأحد القولين فيه ويُعيّنَه بالحكم (٢)، بل إِنما يَجعَلُ له أن يُفتي بأحد القولين، والفُتْيا لا تَمنَعُ خصمَهُ أن يُفتي بما يراه أيضًا، بخلاف الحُكم يَمنَعُ خصمَه من مذهبه، ويُلجئهُ إِلى القول المحكوم به. وقولُهُ (٣): (إِنَ الحاكم حكَمَ بغير مُدْرَك): ممنوعٌ، بل كلُّ مُدرَكٍ مختلفٍ فيه اختلافًا متقاربًا، كلا القولينِ في ذلك المُدرَك معتَبرٌ شرعًا عند

стр. 83

مَنْ رآه مِن حاكمِ أو مُفْتٍ، فلا معنى لقوله: (حكَمَ بغير مُدرَك)، بل إِنما يصحُّ ذلك إِذا حكمَ بما هو في غاية الضعف كما تقدم (١)، أمَّا في المُدرَك المتقاربِ الخلاف فلا.

стр. 84

السُّؤَالُ الثَّامِنُ عَشَرْ هل يُتصوَّرُ أن يَحكمُ الحاكمُ بحكمٍ مختلَفٍ فيه والمُدرَكُ مُجمَعٌ عليه، أم لا يُتصوَّرُ أن يَحكم بحكمٍ مختلفٍ فيه إِلَّا لِمُدركَينِ مختلِفَين متعارضَين لأنه المتصوَّر؟ وكيف يكون الحكمُ مختلفًا فيه والمُدرَكُ متفقٌ عليه؟ بل إِن اتفَقَا (١) على المُدرك اتفقا في الحكم. جَوَابُهُ نعَمْ يُتصوَّرُ أن يَحكم بحكمٍ مختلَفٍ فيه والمُدْرَكُ متفَق عليه، وأن يَحكم بحكمٍ متفَقٍ عليه والمُدرَكُ مختلَف فيه طردًا وعكسًا. لأنَّ المُدرَك إِن أُريدَ به ما يَعتمدُ عليه الحاكمُ من الحجاج كالبيِّنةِ ونحوها، دون أدِلَّةِ الفتاوى كالكتاب والسُّنَّة: يجوزُ أن يكون المُدرَكُ مجمَعًا عليه والحكمُ مختلفًا فيه، كما إِذا شَهِدَ عنده عَدْلانِ بالرضاع بين الرجل وامرأته بمَضَّةٍ واحدة، أو أنه علَّقَ طلاقَ امرأته قبل العقد عليها، فإِنه يَحكمُ بفَسْخِ النكاح وإِبطالِه. وهذا الحكمُ في الصورتين مختلَفٌ فيه، والحُجَّةُ وهي الشاهدان مُجمَعٌ عليها. وعكسُهُ تكون الحُجَّة مختلَفًا فيها والحكمُ متفق عليه نحوُ حكمِه بالشاهدِ واليمين في القِصاصِ في الجِراح، فإِنَّ القصاص في الجراح متفقٌ

стр. 85

عليه، ولكنْ إِثباتُهُ بالشاهدِ واليمينِ أكثرُ العلماءِ على مَنْعه، وهو مشهورُ مذهبِ مالك ﵀. فقد تُصوِّرَ الأمرانِ في المُدرَكِ بمعنى الحُجَّة. وأما إن أُريد بالمُدرَكِ الدليلُ الذي هو مستند الفتاوى عند المجتهدين: فقد يكون الحكمُ مختلَفًا فيه والمُدرَكُ متفقًا عليه، ويقَعُ الخلافُ: إِمَّا لأنه دَلَّ عند الخصم على نقيضِ ما دل عليه عند الآخر، وإِمَّا لقوله بمُوجَبِه (١)، وإمَّا لإِعتقادِهِ نَسْخَه، أو أنه معارَضٌ بما لا يراه الآخَرُ مُعارِضًا له. كما يَحكمُ الحنفيُّ ببطلان وقفِ المنقول (٢)، بناءً على قولِه تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ (٣). والوقفُ عنده سائبة، مع أنَّ الكتاب العزيز متفَقٌ على كونه حُجَّة. ويحكمُ الشافعيُّ بصحةِ استمرار نكاحِ المُعَلِّق قبلَ الملك بناء على قوله ﷺ "الطَّلاقُ لمن مَلَكَ السَّاق" (٤). وبفَسْخِ البيع بناءً على خيارِ المجلس مع الإتفاقُ على الحديث فيه، ونظائرهُ كثيرة.

стр. 86

وقد يكون الحكمُ متفقًا عليه والمدرَكُ مختلفًا فيه بأن يكون في الواقعةِ حديثان، كل واحد منهما صحيحُ عند أحدِ القائلَينِ بذلك الحكم، غيرُ صحيح عند الآخر، فيتفقانِ على الحكم بناء على الحديثين، ويختلفانِ في المُدرَك. فظهر أنه لا يَلْزَمُ من الإتفاق على المُدرَك الإتفاق على الحكم ولا بالعكس.

стр. 87

السُّؤَالُ التَّاسِعُ عَشَرْ قولُ الفقهاء: إِذا حكَمَ الحاكمُ في مسائل الخلاف لا يُنقَض حُكمُه، هل يتناوَلُ ذلك المَدارِكَ المجتهَدَ فيها؟ وهل هي حُجَّة أم لا؟ وهل يُتصوَّرُ الحكمُ فيها أم لا؟ وهل هذه العبارةُ على إطلاقها أم يُستثنَى منها بعضُ المختلَفِ فيه؛ وإِذا استُثني منها بعضُ المختلَفِ فيه هل يُستثنَى معه المدارِكُ المختلَفُ فيها أم لا؟ جَوَابُهُ أنَّ هذه العبارة مخصوصة (١)، وقد نصَّ العلماء على أن حُكمَ الحاكم لا يَستقرُّ في أربعةِ مواضعَ ويُنقَضُ: إِذا وقع على خلاف الِإجماعِ، أو القواعدِ، أو النصِّ، أو القياس الجليّ (٢). وهذه الثلاثة الأخيرة هي من مسائل الخلاف، وإِلأَ لم يكن إِلاًّ قسمٌ واحد، وهو المُجمَعُ عليه، فخرَجَ من إِطلاقهم بنصوصهم هذه الصُّورُ الثلاث. وأما المَدارِكُ المجتَهدُ في كونها حُجَّةً أم لا: فلا تندرجُ في عمومِ قولهم الذي قصدوه، لأنَ مقصودَهم الفروعُ التي يقعُ التنازُعُ فيها بين الناس لمصالح الدنيا.

стр. 88

وأدِلَّةُ الشريعة وحِجاجُ الخصومةِ المختلَفُ فيها كالشاهدِ واليمينِ ونحوه: إنما وقَع النِّزاعُ فيه لأمر الآخرة، لا لمصلحةِ تعودُ على أحدِ المتنازِعَينِ في دنياه، بل النِّزاعُ فيها كالنزاع في العبادات. ومقصودُ كل واحد من المتنازِعَينِ ما يتقرَّرُ في قواعد الشريعة على المكلَّفين إِلى يوم القيامة، لا شيءٌ يَختصُّ به هو، فلا تندرجُ في قولِ الفقهاءِ هذه الصُّوَرُ أصلاً. واعلم أنَّ معنى قول العلماء: إِنَّ حُكمَ الحاكم يُنقَضُ إِذا خالف القواعدَ أو النصوصَ أو القياسَ الجلي: إِذا لم يعارِض القواعدَ أو القياسَ الجليَّ أو النصَّ ما يُقدَّمُ عليه، وإلاَّ فإذا حَكَم بعقدِ السَّلَم أو الِإجارة أو المساقاة، فقد حَكَم بما هو على خلاف القواعد الشرعية، لكنْ لِمُعارِضٍ راجح فلا جَرَمَ لا يُنقَض، وإِنما النقضُ، عند عدم المُعارِضِ الراجحِ فاعلم ذلك.

стр. 89

السُّؤَالُ الْعِشْرُونْ هل المانعُ من نقضِ حكم الحاكم ما يقوله بعضُ الفقهاء: من أنَّ نَقْضَه يؤدّي إِلى بقاء الخصوماتِ؟ أو أَمرٌ آخر. جَوَابُهُ أنَّ المانع غيرُ ما ذكره بعضُ الفقهاء، وهي قاعدةٌ مقرَّرة في أصول الفقهِ وقواعدِ الشرع، وهي أنه إِذا تعارض الخاصُّ والعامّ قُدِّم الخاصّ على العامّ. وقد تقدَّم بَسْطُه في الفرق بين حُكمه بالمُجمَع عليه وبين حُكمه بالمختلَفِ فيه (١)، مع أنَّ كليهما لا يُنقَضُ إِجماعًا. وتخريجُ الأحكام على القواعد الأصوليَّة الكليَّة أولى من إِضافتها إلى المناسبات الجزئية، وهو دأبُ فُحولِ العلماء دون ضَعفَةِ الفقهاء.

стр. 90

السُّؤَالُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونْ هل مِن شَرْطِ حُكمِ الحاكم الذي لا يُنقَض، أن يكون في صُوَرِ النِّزاع، أم يكفي فيه أن يكون قابلاً للنَزاع والخِلاف، وإِن لم يقع فيه خلاف؟ جَوَابُهُ أنَّ وقوعَ الخلاف ليس شرطًا، بل إِذا كانت الصورةُ مسكوتًا عنها، وقد حَكمَ فيها الحاكمُ بما هي قابلة له: لا يُنقَض، وإِن حَكَم بالمسكوتِ عنه بما هو خلافُ القواعد: نُقِض، ولا فَرْقَ في عدمِ النقض بين المسكوتِ عنه وبين ما قد وَقَعَ فيه الخلاف.

стр. 91

السُّوَالُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونْ هل يجبُ على الحاكم أن لا يَحكم إِلَّا بالراجح عنده؟ كما يجب على المجتهد (١) أن لا يُفتي إِلَّا بالراجح عنده؟ أَوْ لَهُ أن يَحكم بأحدِ القولين وإِن لم يكن راجحًا عنده (٢)؟ جَوَابُهُ أنَّ الحاكم إِن كان مجتهِدًا فلا يجوز له أن يَحكم أو يُفتي إلَّا بالراجح عنده، وإِن كان مقلِّدًا جاز له أَنْ يُفتي بالمشهور في مذهبه، وأَنْ يَحكُمَ به وإِن لم يكن راجحًا عنده، مقلِّدًا في رجحانِ القول المحكوم به إِمامَهُ الذي يُقلِّدُه، كما يُقلِّدُه في الفُتْيا. وأما اتّباعُ الهوى في الحكم أَو الفُتْيَا فحرامٌ إِجماعًا. نعَمْ اختلف العلماء فيما إِذا تعارضت الأدلَّةُ عند المجتهدِ وتساوَتْ، وعجَزَ عن الترجيح هل يتساقطان أو يَختارُ واحدًا منهما يُفتي به؟ قولانِ للعلماء. فعلى القولِ بأنه يَختارُ أحدَهما يُفتي به: له أن يختار أحدَهما يَحكمُ به، مع أنه ليس أرجحَ عنده بطريقِ الأولى، لأنَ الفُتْيَا شَرْعٌ عام على

стр. 92

المكلّفين إِلى قيام الساعة، والحكمُ يختصُّ بالوقائع الجزئية الخاصَّة فتجويزُ الاختيار في الشرائع العامَّة أولى أن يجوز في الأمور الجزئية الخاصَّة، وهذا مقتضى الفقهِ والقواعد الشرعية. ومن هذا التقرير يُتصوَّرُ الحكمُ بالراجح وغيرِ الراجح، وليس ذلك اتّباعًا للهوى، بل ذلك بعدَ بَذْلِ الجهدِ والعجزِ عن الترجيحِ وحصولِ التساوي، أمَّا الحكمُ أو الفُتيا بما هو مرجوحٌ فخلافُ الإِجماع (١).

стр. 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 94

السُّؤَالُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونْ إِذا قلتم: إِنَ حُكمَ الحاكم إِنشاءٌ في النفس، والنَّذْرُ أيضًا إِنشاءُ حُكمٍ لم يكن متقررًا فقد استويا في الإِنشاء وأنَّ كليهما يَتعلَّقُ بجُزْئيٍّ دون شَرْعٍ عامّ، فهل بينهما فَرْقٌ أو هما سَواء؟. جَوَابُهُ أنَّهما وإِن استويا في معنى الإِنشاء فبينهما فروق: أحدُها: أنَّ العُمدة الكبرى في النَّذرْ ونحوِه هو: اللفظ، فإِنه هو السبب الشرعي الناقلُ لذلك المندوبِ المنذورِ إِلى الوجوب، كما أنَّ سبَبَ حُكمِ الحاكم إِنما هو الحُجَّة، وحُكمُ الحاكم مستقلٌّ دون نطق والقولُ الواقعُ بعد ذلك إِنما هو إِخبارٌ بما حَكَم به، وأمْرٌ بالتحمُلِ عنه للشهادةِ في ذلك. وثانيها: أنَّ النَّذْرَ إِلزامٌ لمُنشئِه، والحكمَ إِلزامٌ للغير. وثالثُها: أنَّ حُكمَ الحاكم قد يكون إِطلاقًا وإِبطالاً وإِباحة، كما في الحكم بإِبطال الملك مِن الأراضي بعد ذهابِ الإِحياء عنها، ولا يتعيَّنُ حُكمُ الحاكم للإِلزام، بل قد يكون إِلزامًا وقد لا يكون إِلزامًا، وأمَّا النَّذْرُ فلا يقع إِلَّا إِلزامًا. ورابُعها: أن الحُكمَ قد يكونُ مقصودُهُ التحريم كفَسْخِه للنكاح، فإن مقصوده التحريمُ على الزوج، وأمَّا النَّذْرُ فلا يكون مقصودُهُ التحريم بل الوجوب.

стр. 95

فإِن قيل: مَنَ نَذَر تَرْكَ مكروهٍ فقد حرَّمه على نفسه، فقد تعلَّق النَّذْرُ بالتحريم؟ قلنا: المقصودُ الوجوب، لأنَّ تَرْكَ المكروه مندوب، فنَقَلَ النَّذْرُ ذلك المندوبَ إلى الوجوب.

стр. 96

السُّؤَالُ الرَّابِع وَالْعِشْرُونْ المجتهِدُ إِذا كان حاكمًا فهو يُفتي باجتهادِه، ويَحكمُ باجتهادِه. فالإِخبارانِ صادرانِ عن اجتهاد، فما الفرقُ بينهما لا سيَّما في واقعة لم تتقدَّمْ فيها فُتْيَا ولاحُكم؟ وهو يُخبِرُ في الفُتيا والحُكم عما لَزِمَ المكلَّفَ في تلك الواقعة، ولا يُفرِّقُ بأنَّ الحُكمَ لا يُنقضُ والفُتْيَا قابلة للمخالفة، فإِنَّ امتناع النقض فَرْعُ معرفةِ كونهِ حُكمًا؟ جَوَابُهُ أنَّ الفرق بين الحالتين أنه في الفُتيا يُخبِرُ عن مقتضَى الدليلِ الراجحِ عنده، فهو كالمترجِمِ عن اللَّهِ تعالى فيما وجَدَهُ في الأدِلَّةِ، كتَرْجُمانِ الحاكمِ يُخبرُ الناسَ بما يجدُه في كلام الحاكم أو خطِّه، وهو في الحكم يُنشئُ إِلزامًا أو إِطلاقًا للمحكومِ عليه، بحسبِ ما يَظهر له من الدليلِ الراجحِ والسبَبِ الواقع في تلك القضيَّة الواقعة. فهو: إِذا أخبَرَ الناس أَخبرَهُم بما حكمَ به هو، لأنَّ الله فوَّض إِليه ذلك، بما وَرِثَهُ عن رسول الله ﷺ مما في قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١). وإِذا أخبَرَ الناسَ بالفُتيا أخبرَهُم عن حكمِ الله الذي فهِمَهُ عن الله في أدلَّة الشريعة، فهو في مَقام الحُكمِ كنائب الحاكمِ يَحكمُ

стр. 97

بنفسه، ويُنشئُ الإِلزامَ والإِطلاقَ بحسبِ ما يقعُ له من الأسبابِ والحِجاج، لأنَّ مُستنِيبَه جَعَل له ذلك، بخلاف الترجمان الذي جُعِلَ مُتَبِعًا لا مُنشِئًا. وكما أنَّ نائب الحاكم يُخبِرُ عن إِلزام نفسه، كذلك الحاكمُ المجتهدُ في الشريعة يُخبِرُ عن إِلزام نفسه، لأنه نائبُ اللَّهِ في أرضه على خلقه، وفَوَّض إِليه الإِنشاءَ للأحكام بين الخلق، ويَصيرُ ما أنشأه كنصٍّ خاصًّ واردٍ الآن مِن قِبَل الله في هذهِ الواقعة، ولذلك لا يُنقَض، لأنَّ الخاصَّ مقدَّم على العام، كما تقدَّمَ بيانُه وبَسْطُه (١). فهذا هو الفرقُ بين حُكم الحاكم باجتهاده وبين فُتياه باجتهاده.

стр. 98

السُّؤَالُ الخَامِسِ وَالْعِشْرُونْ ما الفرقُ بين تصرُّفِ رسولِ الله ﷺ بالفُتيا والتبليغ، وبين تصرُّفِه بالقضاء، وبين تصرُّفِه بالِإمامة؟ وهل آثارُ هذه التصرُّفات مختلِفةٌ في الشريعة والأحكامِ أو الجميعُ سواءٌ في ذلك؟ وهل بين الرسالة وهذه الأمور الثلاثةِ فَرْقٌ أو الرسالةُ عَيْن الفُتيا؟ وإِذا قلتم: إِنها عَيْن الفُتيا أو غيرُها، فهل النُبوَّة كذلك أو بينها وبين الرسالة فَرْقٌ في ذلك؟ فهذه مقامات جليلة، وحقائقُ عظيمة شريفة، يَتعيَّن بيانُها وكشفُها والعنايةُ بها، فإِنَّ العلم يَشْرُفُ بشرف المعلوم (١). جَوَابُهُ أنَّ تصرُّف رسول الله ﷺ بالفُتْيا هو إِخبارُه عن الله تعالى بما يَجِدُهُ في الأدلَّةِ من حُكم الله تبارك تعالى، كما قلناه في غيره ﷺ من المُفتين. وتصرُّفُهُ ﷺ بالتبليغ هو مقتضى الرسالة، والرسالَةُ هي أَمْرُ الله تعالى له بذلك التبليغ. فهو ﷺ يَنْقُلُ عن الحقّ للخلقِ في مقامِ الرسالةِ: ما وَصَل إِليه عن الله تعالى. فهو في هذا المقام مبلِّغٌ وناقلٌ عن الله تعالى. ووَرِثَ عنه ﷺ هذا المقامَ المحدِّثون رُواةُ الأحاديثِ النبويةِ وحَمَلَةُ الكتابِ العزيز لتعليمه

стр. 99

للناس، كما وَرِثَ المفتي عنه ﷺ الفُتْيا. وكما ظهَرَ الفرقُ لنا بين المفتي والراوي، فكذلك يكون الفرقُ بين تبليغه ﷺ عن رَبِّه وبين فتياه في الدين. والفرقُ هو الفرقُ بعينه، فلا يَلْزَمُ من الفُتيا: الروايةُ، ولا مِن الرواية: الفُتيا، من حيث هما روايةٌ وفُتيا. وأما تصرُّفُه ﷺ بالحُكم فهو مغايرٌ للرسالة والفُتيا. لأنَّ الفُتيا والرسالة تبليغٌ محضٌ واتِّباعٌ صِرْف، والحكمُ إِنشاءٌ وإِلزامٌ من قِبلَهِ ﷺ بحسب ما يَسْنَح من الأسباب والحِجَاج، ولذلك قال ﷺ : "إِنكم تختصمون إِلي، ولعلَّ بعضَكم أن يكون ألحنَ بحُجَّتِه من بعض؟ فمن قَضَيتُ له بشيء من حق أخيه فلا يأخذْه إِنما أقتطع له قطعةً من النار! " (١).

стр. 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 101

دَلَّ ذلك على أن القضاء يَتْبَعُ الحِجاجَ وقوَّة اللَّحَنِ بها، فهو ﷺ في هذا المقام مُنشِئ، وفي الفُتيا والرسالةِ مُتَّبِعٌ مُبلِّغٌ، وهو في الحكم أيضاً مُتبعٌ لأمرِ الله تعالى له بأنْ يُنشِئَ الأحكام على وَفْق الحِجَاجِ والأسباب،

стр. 102

لا أنه مُتَّبعٌ في نَقْلِ ذلك الحكمِ عن الله تعالى، لأنَّ ما فُوِّضَ إِليه من الله تعالى لا يكون منقولاً عن الله تعالى. ثم الفَرْقُ من وجه آخر بين الحكم والفُتيا: أن الفُتيا تَقْبَلُ النَّسْخ، والحكمُ لا يقبلُهُ، بل يقبلُ النقضَ عند ظهور بطلان ما رتِّبَ عليه الحكم، والفُتيا لا تَقْبلُه، فصار مِن خصائص الحكم: النقضُ، ومن خصائص الفُتيا: النَّسخُ. وهذا في فُتياه ﵇ خاصّةً ومَنْ كان في زمانه. وأمّا الفتيا (١) بعد وفاته ﷺ فلا تَقبل النسخ لتقرُّر الشريعة. فهذا أيضاً فَرقٌ حسن بين القضاء والفُتيا من حيث الجملةُ في جنسيهما، غير أنه لا يتَقرُّرُ في كل فردٍ من أفراد الفُتيا، ومتى ثَبَت الفرقُ بين الجنسين حصَلَ الفرقُ بين الحقيقتين فلا لَبْس. وأما الرِّسَالةُ من حيث هي رسالة فقد لا تَقبلُ النسخ، بأن تكون خبراً صِرْفاً. فإنه تقبل التخصيص دون النسخ على الصحيح من أقوال العلماء، وقد تَقبَلُه إِن كانَتْ متضمِّنةً لحكم شرعي. فصارت الرسالةُ أعمَّ من الفُتيا ومُبايِنةً لها. فظهرت الفروق بين الرسالة والفتيا والحكم. وأما النبوَّة فكثيرٌ من الناس مَنْ يَعتقدُ أنها عبارةٌ عن مجرَّدِ الوحي من الله تعالى للنبي، وليس كذلك، بل قد يَحصُلُ الوحيُ من الله تعالى لبعض الخلق من غير نبوّة، كما كان الوحيُ يأتي مريمَ ابنةَ عمران ﵂ في قصه عيسى ﵇، وقال لها جبريل ﵇: ﴿إِنما أنا رَسُولُ رَبّك ليَهَبَ (٢) لكِ غُلاماً زكيَّاً﴾ (٣). وقال في موضع آخر: ﴿إِن الله

стр. 103

يُبَشركِ﴾ (١). مع أنَّ مريم ﵂ ليسَتْ نبيَّةً على الصحيح. وفي"مُسْلم": "إن الله تعالى بَعَثَ مَلَكاً لرجُلٍ على مَدْرَجَتِه، وكان خَرَج لزيارة أخٍ له في الله تعالى، وقال له: إنَ الله تعالى يُعْلِمُك أنه يُحِبُّك لحبّك لأخيك في الله تعالي"الحديث بطوله (٢)، وليس ذلك نُبوَّة. ولو بَعَثَ الله تعالى لأحدِنا مَلَكاً يُخبره بمذهب مالك في واقعة معيَّنةٍ، أو بضالةٍ ذهبَتْ له: لم يكن ذلك نُبوة، وإنما النبوة - كما قاله العلماء الربانيون - أن يُوحِي الله تعالى لبعضِ خَلْقه بحُكمٍ أُنْشئ لمسألةٍ، يختصُ به، كما أوحى الله تعالى لنبيّه محمد ﷺ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (٣). فهذا تكليفٌ لمحمدٍ يَختصُّ به في هذا الوقت. قال العلماء: فهذه نبوَّة وليسَتْ رسالة، فلمَّا أنزل الله تعالى عليه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (٤). كان هذا رسالة، لأنه تكليف يتعلَّقُ بغير الموحَى إليه، فتقدَّمَتْ نبوَّةُ رسولِ اللهِ ﷺ على رسالتِه بمُدَّة، ولذلك قال العلماء: كلُّ رسولٍ نبي، وليس كلُّ

стр. 104

نبيّ رسولاً، لأنَّ كلَّ رسولِ كُلِّفَ تكليفاً خاصاً به وهو تبليغُ ما أُوحي إِليه. فظهَرَ الفرقُ بين النُّبوَّة وبين الرسالة والفتيا والحكم. وأما تصرُّفه ﷺ بالإِمامةِ فهو وصفٌ زائد على النبوَّةِ والرسالة والفُتيا والقضاءِ، لأنَ الإِمام هو الذي فُوّضَتْ إِليه السياسةُ العامةُ في الخلائق، وضَبْطُ مَعاقِدِ المصالح، ودَرْءُ المفاسد، وقَمْعُ الجُنَاة، وقَتْلُ الطُّغَاة، وتوطينُ العِبَاد في البلاد، إِلى غير ذلك مما هو من هذا الجنس. وهذا ليس داخلاً في مفهوم الفُتيا ولا الحُكمِ ولا الرسالةِ ولا النبوَّة، لتحققِ الفُتيا بمجرد الِإخبار عن حُكمِ الله تعالى بمقتضى الأدلة، وتحقُّقِ الحُكم بالتصدّي لفَصْل الخصومات دون السياسة العامَّة، لا سيما الحاكمُ الذي لا قُدْرة له على التنفيذ كالحاكمِ الضعيفِ القُدرة على الملوك الجبابرة، بل يُنشيءُ في نفسه الإِلزام على ذلك المَلِك العظيم، ولا يَخْطُرُ له السعيُ في تنفيذه، لتعذُّر ذلك عليه. بل الحاكُمِ من حيث هو حاكمٌ: ليس له إلَّا الإنشاء، وأما قُوَّةُ التنفيذ فأمرٌ زائد على كونه حاكماً، فقد يُفوضُ إِليه التنفيذ، وقد لا يَندرجُ في وِلايته (١)، فصارَتْ السَّلْطَنَةُ العامَّة التي هي حقيقةُ الإمامةِ مباينةً للحُكم من حيث هو حُكم. أمَّا إِمامٌ لم تُفوَّض إليه السياسةُ العامة فغيرُ معقولٍ إِلَّا على سبيل إِطلاقِ الِإمامةِ عليه مجازاً، والكلامُ إِنما هو في الحقائق. وأمَّا الرسالَةُ فليس يَدْخُل فيها إِلَّا مجردُ التبليغِ عن الله تعالى، وهذا

стр. 105

المعنى لا يَستلزم أنه فُوِّضَ إِليه السياسةُ العامة، فكم من رُسُلٍ للَّهِ تعالى على وجهِ الدهرِ قد بُعثوا بالرسائل الربانيَّة، ولم يُطلَب منهم غيرُ التبليغ لِإقامة الحُجَّةِ على الخَلْق، من غير أن يُؤمَروا بالنظر في المصالح العامة. وإِذا ظهر الفرقُ بين الِإمامة والرسالةِ فأولَى أن يَظهر بينها وبين النبوَّة، لأنَّ النبوَّة خاصةٌ بالموحَى إليه لا تعلقَ لها بالغير، فقد ظهَر افتراقُ هذه الحقائق بخصائصها (١).

стр. 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 107

وأما آثارُ هذه الحقائق في الشريعة فمُخْتلفة: فما فَعَله ﵇ بطريق الإِمامةِ كقسمةِ الغنائم، وتفريقِ أموال بيت المال على المصالح، وإقامةِ الحدود، وترتيبِ الجيوش، وقتالِ البُغَاة، وتوزيع الإِقطاعات في القُرى والمعادن، ونحو ذلك: فلا يجوز لأحدٍ الإِقدامُ عليه إلَّا باذنِ إِمامِ الوقت الحاضر (١)، لأنه ﷺ إِنما فَعَله بطريقِ الإمامة، وما استُبِيحَ إِلَّا بإذنه، فكان ذلك شرعاً مقرراً لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢). وما فَعَله ﵊ بطريق الحكم كالتمليكِ بالشفعة، وفسوخِ الأنكحةِ والعقود، والتطليقِ بالإِعسار عند تعذُرِ الإِنفاقِ والإِيلاء والفَيئة (٣). ونحو ذلك: فلا يجوز لأحدِ أنْ يقدِم عليه إِلا بحكم الحاكم في الوقت الحاضر (٤)، اقتداءَ به ﷺ ، لأنه ﵇ لم تقرر تلك الأمور إلا بالحكم، فتكون أمَّتُه بعدَهُ ﷺ كذلك. وأما تصرُّفُهُ ﵊ بالفُتيا والرسالةِ والتبليغِ، فذلك شَرْعٌ يَتقرّرُ على الخلائق إلى يوم الدين، يَلزمُنا أن نَتْبَع كلَّ حُكمِ مما بلَّغه إِلينا عن ربِّه بسببه، من غير اعتبار حُكمِ حاكمٍ ولا إِذن إِمام، لأنه ﷺ مبلِّغٌ لنا ارتباطَ ذلك الحكمِ بذلك السبب، وخَلَّى بين الخلائق وبين ربِّهِم.

стр. 108

ولم يكن مُنشِئاً لحُكمٍ مِنْ قِبَلِه ولا مُرتَّباً له برأيه على حسب ما اقتضته المصلحة، بل لم يَفعل إِلَّا مجرَّدَ التبليغ عن ربَّه كالصلواتِ والزكواتِ وأنواعِ العبادات وتحصيلِ الأملاك بالعقودِ من البِياعاتِ والهِباتِ وغيرِ ذلك من أنواع التصرُّفات: لكلّ أحَدٍ أن يُباشره ويُحصل سبَبَهُ، ويَترتَبُ له حُكمُه من غير احتياجٍ إِلى حاكم يُنشئُ حكماً، أو إِمامٍ يُجدّدُ إِذناً. فإِذا تقررَ الفرقُ بين آثار تصرفه ﷺ بالإِمامةِ والقضاءِ والفُتيا: فاعلم أنَّ تصرُّفَه ﵊ ينقسمُ إِلى أربعة أقسام: قسمٌ اتفق العلماء على أنه تصرُّفٌ بالِإمامة، كالإِقطاع، وإِقامةِ الحدود، وإِرسالِ الجيوش، ونحوِها. وقسمٌ اتفق العلماء على أنه تصرف بالقضاء، كإِلزام أداء الديون، وتسليمِ السِّلَع، ونقدِ الأثمان، وفسخِ الأنكحة، ونحوِ ذلك. وقسمٌ اتفق العلماء على أنه تصرفٌ بالفتيا، كإِبلاع الصلواتِ، وإِقامتِها، وإقامةِ المناسك، ونحوِها. وقسمٌ وقع منه ﷺ مُتردِّداً بين هذه الأقسام، اختَلَف العلماءُ فيه على أيها يُحمَلُ؟ وفيه مسائل: المسألة الأولى قولُهُ ﷺ : "مَنْ أحيا أرضاً مَيِّتةً فهي له" (١)

стр. 109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 110

قال أبو حنيفة: هذا منه ﷺ تصرُّفٌ بالإِمامة، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يُحييَ أرضاً إِلا بإذنِ الإمام، لأن فيه تمليكاً، فأشبَهَ الِإقطاعات، والِإقطاعُ يَتوقَّفُ على إِذن الإِمام، فكذلك الإِحياء. وقال مالك والشافعي: هذا مِن تصرُّفِهِ ﷺ بالفُتيا، لأنه الغالبُ من تصرُّفاته ﷺ فإِنَّ عامَّة تصرفاته التبليغُ، فيُحمَلُ عليه، تغليباً للغالبِ الذي هو وضْعُ الرسل ﵈. فعلى هذا: لا يَتوقَفُ الِإحياءُ على إِذن الإِمام، لأنها فُتيا بالِإباحة كالاحتطاب والإحتشاش، بجامعِ تحصيلِ الأملاك بالأسباب الفعلية. وأمَّا قولُ مالك: ما قَرُبَ من العُمْران لا بُدُّ فيه من إِذن الإِمام، فليس لأنه تصرُّف بطريق الِإمامة، بل لِقاعدةٍ أخرى، وهي أنَ إِحياءَ ما قَرُبَ يَحتاجُ إِلى النظر في تحريرِ حَرِيم البَلَد، فهو كتحرير الإعسار في فَسْخ النكاح، وكلُّ ما يَحتاجُ لنظرٍ وتحريرٍ فلا بُدَّ فيه من الحُكَّام.
следующие страницы →