← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1421

المشوق إلى القرآن

عمرو الشرقاوي

Полный текст (231 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ثالثًا: مفاتشةُ العلماء، والأقران، ومناقشتهم في تفسير الآيات الكريمة. وقد اهتم السلف بهذا جدًّا، ومما يدل على ذلك أنهم كانوا يعقدون مجالس خاصة لسماع القرآن من الحفاظ العلماء، فإن: «المطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين» كما يقول ابن تيمية (١). وقال: «وهذا كان سماع سلف الأمة، وأكابر مشايخها وأئمتها، كالصحابة والتابعين ومن بعدهم من المشايخ: كإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشي، وأمثال هؤلاء. وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى الأشعري يا أبا موسى: ذكرنا ربنا!، فيقرأ، وهم يسمعون ويبكون. وكان أصحاب محمد إذا اجتمعوا، أمروا واحدًا منهم أن يقرأ القرآن، والباقي يستمعون. وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ مر بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ، فجعل يستمع لقراءته، وقال: لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود، وقال: مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك، فقال: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرًا (٢)، أي لحسنته لك تحسينًا .. ولهذا السماع من المواجيد العظيمة، والأذواق الكريمة، ومزيد المعارف والأحوال الجسيمة= مالا يسعه

стр. 72

خطاب، ولا يحويه كتاب، كما أن في تدبر القرآن وتفهمه من مزيد العلم والإيمان مالا يحيط به بيان» (١). ولم تكن قراءة أبي موسى إلا قراءة عالم لعلماء يتفهمون عن طريق هذا السماع كلام ربهم سبحانه، وينزلونه على أدوائهم فتحدث الأثر المطلوب. وكانوا يعقدون مجالس للتثوير، والمذاكرة، وعرض الفهوم في الآيات الكريمة، ومنه: ما ورد عن ابن عباس، قال: «كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأنَّ بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله، فقال عمر: إنه من قد علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رُئِيتُ (٢) أنَّه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ [النصر: ١]؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا، وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: «هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له»، قال: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ [النصر: ١] «وذلك علامة أجلك»، ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ [النصر: ٣]، فقال عمر: (ما أعلم منها إلا ما تقول)» (٣). وكانوا يعقدون المجالس لمذاكرة الكتاب وتدارسِه، ومنه: قال ابن زيد في قوله: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم﴾ [البقرة: ٢٠٦] إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ٢٠٧﴾ [البقرة: ٢٠٧] قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا صلى السبحة

стр. 73

وفرغ دخل مربدًا له، فأرسل إلى فتيان قد قرءوا القرآن، منهم ابن عباس، وابن أخي عيينة، قال: فيأتون فيقرءون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف. قال فمروا بهذه الآية: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم﴾ [البقرة: ٢٠٦]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ٢٠٧﴾ [البقرة: ٢٠٧]، قال ابن زيد: وهؤلاء المجاهدون في سبيل الله. فقال ابن عباس، لبعض من كان إلى جنبه: اقتتل الرجلان. فسمع عمر، ما قال، فقال: وأي شيء قلت؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين. قال: ماذا قلت؟ اقتتل الرجلان؟ قال: فلما رأى ذلك ابن عباس، قال: أرى هاهنا من إذا أمر بتقوى الله أخذته العزة بالإثم، وأرى من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله؛ يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشتري نفسي فقاتله، فاقتتل الرجلان. فقال عمر: لله بلادك يا ابن عباس» (١). ومن شأنهم سؤال العلماء بالكتاب أهل الرسوخ عنه، ورد كلام بعضهم لبعض للوصول للمراد بالآية الكريمة، ومنه: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، حدثه قال: «بينما أنا في الحجر جالس، أتاني رجل يسأل عن ﴿العاديات ضبحا﴾ [العاديات: ١] فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم. فانفتل عني، فذهب إلى علي بن أبي طالب ﵁ وهو تحت سقاية زمزم، فسأله عن ﴿العاديات ضبحا﴾ [العاديات: ١] فقال: سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت عنها ابن عباس، فقال: الخيل حين تغير في سبيل الله، قال: اذهب فادعه لي؛ فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك به، والله لكانت أول غزوة في الإسلام لبدر، وما

стр. 74

كان معنا إلا فرسان: فرس للزبير، وفرس للمقداد فكيف تكون العاديات ضبحًا؟! إنما العاديات ضبحًا من عرفة إلى مزدلفة إلى منى؛ قال ابن عباس: فنزعت عن قولي، ورجعت إلى الذي قال علي ﵁» (١). وهذه المجالس تثمر فائدة كبرى، مع المعرفة بطرائق الاستنباط، وما يترتب على ذلك من عمق في التأمل، وهي المرحلة التالية. رابعًا: التأمل العميق. وهذا التأمل يتلوه العمل، ومما يعين في هذه المرحلة: أن يعتني بعلوم السورة، وعلوم الآية، ومن العلوم المتعلقة بالسورة: ١ - اسم السورة، أو أسماؤها إن كان لها أكثر من اسم. ٢ - مكان نزول السورة، وزمان نزولها (المكي والمدني). ٣ - عدد آي السورة، وعدد كلماتها وحروفها. ٤ - فضائلها، إن كان لها فضائل ثابتة. ٥ - مناسبة السورة لما قبلها، ومناسبة فاتحتها لخاتمتها، ومناسبات موضوعاتها بعضها مع بعضٍ. ٦ - موضوعات السورة. وأما مجمل علوم الآية، فأذكر منها: ١ - تفسيرها، وذلك ما مضى في القسم الأول.

стр. 75

٢ - فضلها، إن وُجِدَ. ٣ - اسمها، إن وُجِدَ. ٤ - مكان نزولها وزمانه. ٥ - قراءاتها، إن وُجد فيها اختلاف قراءات. ٦ - إعرابها. ٧ - أحكامها التشريعية (من الأحكام الفقهية، والآداب والسلوك). ٨ - أحكامها العقدية. ٩ - ناسخها ومنسوخها (على اصطلاح السلف). ١٠ - وقوفها. ١١ - أسباب نزولها. ١٢ - إعجازها ووجوه بلاغتها (١). = والانطلاق من هذه المعلومات إلى إدراك أعمق لهدايات القرآن، ومقاصده. إنَّ «مَنْ جمع القُرآنَ؛ فقد حَمَلَ أَمرًا عَظِيمًا، وَقَدْ أُدرِجَت النُّبُوَّةُ بين جَنبَيهِ؛ إِلَّا أَنَّهُ لَا يوحى إليه» (٢)، فينبغي له أن يستعمل الجد في تفهم هذا الكتاب، وحمل رسالاته، وتبليغ هذه الرسالات التي درست في هذه الأزمان. ومما يعين على تثوير الأسئلة، وحسن الفهم، قراءة القرآن في سكون وهدوء، وفي الحديث «إني لأَعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون

стр. 76

بالليل، وأعرِفُ منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار» (١)، وأَخصُّ تلك الأوقات، وقت اجتماع القلب في سكون الليل. ومما يعين على التثوير استعمال الأدب مع الكتاب، إنَّ القرآن كتاب عزيز كريم مجيد، فلا بد من الإقبال بتأدب على هذا الكتاب (٢). ومما يعين على التثوير الاهتمام بالتحزيب (٣)، وتكرار ختم القرآن، مع الاهتمام بالعمل به، فإن ذلك يثمر خيرًا كثيرًا. ولا بأس أن يجعل الإنسان لنفسه ختمة للتدبر، وقد استمرت عند بعض السلف مدة أربعين سنة! والطرق في الوصول لتلقي القرآن، وتدبره، وما يعين عليه، وموانع ذلك = كثيرة جدًّا، فليكتف السالك بكتاب أو كتابين، ثم ليعالج هو بنفسه هذا النعيم في الحياة مع هذا الكتاب. إنَّ من أعظم ما تعانيه قطاعات من المنتسبين للعلم ضعف الاستدلال القرآني في خطاباتهم، بل قد يكون الاستدلال بكلام الغرب والشرق أقرب إليهم من الاستدلال بكلام الله تعالى. لا شك أنَّ «من المعلوم أنَّه في تفاصيل آيات القرآن من العلم والإيمان ما يتفاضل الناس فيه تفاضلًا لا ينضبط لنا .. [وأن] القرآن الذي يقرأه الناس بالليل

стр. 77

والنهار يفاضلون في فهمه تفاضلًا عظيمًا، .. [ولكن] القرآن مورد يرده الخلق كلهم، وكل ينال منه على مقدار ما قسم الله له» (١). وأختم هذا الكلام بذكر الحديث عن رجل بلغ من علمه بالقرآن أنَّه ظل يفسر سورة نوح سنة!، ومع ذلك يقول في آخر حياته، وهو في السجن بعد أن انفرد مع القرآن: «قد فتح الله عليَّ في هذا الحصن في هذه المرة من معاني القرآن، ومن أصول العلم بأشياء، كَانَ كثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن» (٢)، ألا رحم الله أبا العباس ابن تيمية!

стр. 78

«نظرنا في هذا الحديث، فلم نجد شيئًا أرق لهذه القلوب، ولا أشد استجلابًا للحق، من قراءة القرآن لمن تدبره» وهيب بن الورد [حلية الأولياء: (٨/ ١٤٢)]

стр. 79

أن تجعل القرآن ربيع قلبي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما قال عبد قط إذا أصابه همٌّ أو حزن: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك = أن تجعلَ القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همي؛ إلا أذهب الله همه وأبدله مكان حزنه فرحًا»، قالوا: يا رسول الله ينبغي لنا أن نتعلم هذه الكلمات؟ قال: «أجل ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن» (١). فتأمل قوله: «أن تجعل القرآن ربيع قلبي»، فإنَّ «هذا هو المطلوب، والسابق وسائل إليه، فانظر أولًا غاية ذلته وصغاره، ونهاية افتقاره وعجزه، وثانيًا بين عظمة شأنه وجلالة اسمه بحيث لم يبق فيه بقية، وألطف في المطلوب حيث جعل المطلوب وسيلة إزالة الهم المطلوب أولًا. فقوله: «ربيع قلبي» جعل القرآن ربيعًا له؛ لأن الإنسان يرتاح قلبه في الربيع من الأزمان، ويميل إليه.

стр. 80

أقول: كما أنَّ الربيع زمان إظهار آثار رحمة الله تعالي، وإحياء الأرض بعد موتها، كذلك القرآن يظهر منه تباشير لطف الله من الإيمان والمعارف، وتزول به ظلمات الكفر والجهالة والهموم» (١). القرآن راحة لقلبك، وسكون لنفسك في زمان القلق، السكينة المفقودة! إنَّ القرآن العظيم له كبير الأثر في تحصيل هذه السكينة، وتلك السكينة «إذا نزلت على القلب اطمأن بها، وسكنت إليها الجوارح، وخشعت، واكتسبت الوقار، وأنطقت اللسان بالصواب والحكمة، وحالت بينه وبين قول الخنا والفحش، واللغو والهجر، وكل باطل» (٢). وعن البراء، قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط بشطنين (٣)، فتغشَّته سحابة فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: «تلك السكينة تنزلت للقرآن» (٤). فالسكينة .. السكينة يا أهل القرآن إنَّ المرء ليشتاق إلى قارئ هادئ القراءة إذا سمعته حسبت أنَّه يخشى الله! إنَّ الصوت المرتفع قد يجلب مزيدًا من البكاء، لكنه يبعد كثيرًا من السكينة! ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]! إنَّ رفع الصوت بصورة مزعجة في القراءة، ليست من سنن الهدي، «قال قيس بن عباد: -وهو من كبار التابعين -: (كانوا يستحبون خفض الصوت: عند الذكر، وعند القتال، وعند الجنائز).

стр. 81

وكذلك سائر الآثار تقتضي أنهم كانت عليهم السكينة، في هذه المواطن، مع امتلاء القلوب بذكر الله، وإجلاله وإكرامه، كما أن حالهم في الصلاة كذلك. وكان رفع الصوت في هذه المواطن الثلاثة من عادة أهل الكتاب والأعاجم، ثم قد ابتلى بها كثير من هذه الأمة» (١). بل: ألم يأتك خبر مجالس النور؟!، ففي الحديث: « … وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكِينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده … » (٢). «كلمات ما أحوجنا إليها! أجزيةٌ غالية وهِبات سنية، لوَاحدة تكفى لأن يصرف الإنسان جهده كله من أجل تحصيلها. السكينة = نحن في عالم القلق قلوبنا مرتعبة نخاف من المستقبل، نخاف من أنفسنا، نخاف من غيرنا، نخاف من أعدائنا .. حتى يكاد الإنسان أن يقول قد أحيط بنا، نحتاج إلى سكينة تدرأ هذا القلق، والله مالكها وهذا شرطها = الاجتماع عليه بشرطه. التتلمذ على آياته وبيناته، فتح الباب إليه، الأخذ من ينابيع ومتفجرِ الحكمة والبصائر القرآنية. ما أحوجنا إلى رحمة تحفنا (وهذه موعودة) = تدفع ألوان الشقوة التي امتدت أسبابها للكل.

стр. 82

ما أحوجنا إلى صحبة الملأ الأعلى الحديث يقول: .. وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ .. صدقوا الغيب لترتقوا!!. ما أحوجنا إلى أن يحفنا هؤلاء الملأ الأعلون ففي حفوفهم بنا وحياطتهم إيانا = صيانة من ظلمة الشر، ووقاية من أن تمتد إلينا نزغات الشيطان وظلمات النفس. ما أحوجنا إلى الرابعة وهي هي سموًا وارتقاءً .. وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ .. وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ .. أكبر من كل هذه الهبات. لأن الله إذا ذكرك وضع حدًا لشقوتك وبعدك وجفاءك وحدًا لتعاستك وأدرجك ضمن أهله الذين هم أهله وخاصته، اللهم امنحنا من هذه الهبات» (١).

стр. 83

«إني أعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله كيف يلتذ بقراءته»؟! ابن جرير الطبري [معجم الأدباء: (٦/ ٢٤٥٣)]

стр. 84

مجالس النور مجالس القرآن هي مجالس النور، والقرآن قد جاء من عند الله، والذي جاء به روح مطهرة، فما للأرواح الخبيثة عليه سبيل. والذي يصطفيه الله تعالى لمجالس القرآن مصطفى، «لأن القرآن لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به، ولا يحمله بحقه إلا المؤمن، ولا ينال معانيه ويفهمه كما ينبغي، إلا القلوب الطاهرة، وإنَّ القلوب النجسة ممنوعة من فهمه، مصروفة عنه» (١). ومشروع (مجالس القرآن) - كما يقول الأنصاري -: «مسلكٌ تربوي مبَسَّط؛ لسلوك طريق النور؛ قصد التعرف إلى الله! مشروعٌ ليس لنا فيه من الاجتهاد إلا الجمع والترتيب، ومراعاة التنزيل في واقع جديد! نأخذه كما هو من القرآن والسنة النبوية. مشروعٌ لا مِنَّةَ فيه لأحد، إلا لله! ولا فضل فيه لمبدع أو مخترع، وإنما هو كلام الله! ولا انتماء فيه لقائد أو رائد، ولا لتنظيم أو جماعة! بل هو انتساب تعبدي لله! غايته أن نسعى جميعًا - أنا وأنت، ومن شرح اللهُ صدرَه للقرآن - للاستظلال بحقيقة مُسَمَّى: (عبد الله)!

стр. 85

(مجالسُ القرآن) عَرْضٌ متجدد لموائد الروح! فهذا القرآن العظيم أمامك الآن! هذا كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه! هذا نور الوحي، وطريق الهدى! فاقرأ وافْقَهْ عن الله! فهذه السور والآيات تخاطبك أنت بالذات! أنت، نَعَم أنت! إنها - إن أنْصَتَّ بصدق - تخاطبك الآن في زمانك هذا، وفي ظروفك هذه! ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه: ١٣]! استمع إن كنت من المؤمنين بالله حقًّا، الراغبين في التلقي عنه تعالى صِدْقًا! فعندما يجتمع الْجُلَسَاءُ متحلقين بمجالس القرآن، ويشرعون في الاشتغال بكتاب الله جل علاه؛ فإنما هم في الحقيقة يَصِلُونَ أرواحَهم بحبل الله النوراني مباشرةً، ويربطون مصابيح قلوبهم بمصدر النور الأكبر! فإذا بهم يستنيرون بصورة تلقائية، وبقوة لا نظير لها! وذلك بما اقتبسوا من نور الله العظيم! وإذا بهم يترقون بِمَعَارِجِ القرآن ومَدارِجِه إلى مشاهدة حقائق الإيمان، مشاهدةً لا يُضَامُونَ فيها شيئًا! وما كان للزجاج البلوري إذا أشرقت عليه أنوار الحقائق القرآنية إلا أن يكون مُشِعًّا! وذلك هو مَثَلُ أهل الخير المصلحين في الأرض، وَرَثَةِ الأنبياء من الربانيين والصِّدِّيقين!». وفي الحديث (١) «إنَّ لله ﵎ ملائكة سيارة، فضلًا يتتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم، حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، قال: فيسألهم الله ، وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض، يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك، قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك، قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا،

стр. 86

أي رب قال: فكيف لو رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجيرونك، قال: ومم يستجيرونني؟ قالوا: من نارك يا رب، قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري؟ قالوا: ويستغفرونك، قال: فيقول: قد غفرت لهم فأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا، قال: فيقولون: رب فيهم فلان عبد خَطَّاء، إنما مر فجلس معهم، قال: فيقول: وله غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم» (١). وقد وضع الأنصاري ﵀ عدة ضوابط لإنجاح مجالس القرآن، وتلخيصها كالتالي: ١ - تجريد القصدِ لله! حتى يكون مجلسًا تحضره الملائكة بإذن الله؛ وتتنزل عليه السكينة، وتغشاه الرحمة، ويذكره الله فيمن عنده! واعلم أن القرآن الكريم لا يفتح بصائره إلا للمقبلين عليه بإخلاص! فلابد من تجديد

стр. 87

النية كلما هممت بالخروج إلى مكان المجلس، فهو مجلسُ تَعَبُّدٍ وليس مجلسَ تَعَوُّدٍ! فإذا أخلصت لله وحده بما تسعى إليه من التدارس والتدبر لكتابه؛ فتح لك من أنوار القرآن ما يشرق على قلبك بمعرفة اللهِ ﷻ ، ويضيء وجدانَكَ بمحبته تعالى! وذقتَ حقًّا جمال القرآن العظيم! وشاهدتَ من ملكوته ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر! ٢ - تَحَيُّنُ أوقاتِ الانشراح النفسي للقرآن، والإقبال الوجداني على الذِّكْر، ومَظَانِّ اليقظة الإيمانية. ٣ - مراعاة أدب المجلس، وذلك بالاعتدال في هيأة الجلوس بما يحفظ للعلم وقارَه، وللقرآن جلالَه. وينبغي أن يكون ذلك بصورة تساعد على حسن الاستماع، وكمال الإنصات! فلا يصح التمدد، ولا الاسترخاء، إلا لمريض أو ذي عذر؛ أو الجلوس بهيأة تخالف الآداب الإسلامية والأذواق العامة. ٤ - عدم عقد أكثر من لقاء واحد، أو لقاءين اثنين على الأكثر في الأسبوع الواحد، من لقاءات مجالس القرآن؛ بناء على منهج التَّخَوُّلِ في الموعظة، أي جعل تزود القلب من الإيمان على فترات منتظمة وغير متتابعة،؛ حتى لا يَكَلَّ ولا يَمَلَّ. ويتفرع عن هذا الضابط ضابط آخر، هو: عدم طول وقت المجلس الواحد بما يخرجه عن حده. ٥ - احترام قواعد تدارس القرآن العظيم من الترتيل بمنهج التلقي، والتعلم والتعليم بمنهج التدارس، والتزكية بمنهج التدبر.

стр. 88

٦ - مبادرة أحد الجلساء من أهل العلم أو أهل الحلم؛ لتسيير المجلس. فلا بد لمجلس الخير من شخص ينظم سيره، ويرتب أولوياته؛ تجنبًا للفوضى والارتجال، أو الانزلاق إلى غير أهداف مجالس القرآن العظيم! وقد يكون هذا المسيِّر من أهل العلم، أو من أهل الصلاح والورع عمومًا. ٧ - أن يعمد إلى إشراك الجميع في عملية التدارس والتدبر، فالتدارس مشاركة كما تدل عليه صيغة (التفاعل) من عبارته. ومن القواعد التربوية المساعدة على إشراك الجميع: الْحِرْصُ على عدم استفحال عدد الجلساء؛ حتى لا يكون جمهورًا غفيرًا! إذْ هنالك وجب أن يُولَدَ مجلسٌ قرآني جديد! فرع عن الأول؛ لأن الجمهور الكثير يصلح للمحاضرةُ، أو الخطبةُ، أو الدَّرْسُ؛ لا (التَّدارُسُ)! فهذا إنما هو خاصٌ بِالْحِلَقِ كما تبين في النصوص السابقة! والحَلَقَةُ لا يتصور انعقادها إلا بأعداد معقولة. ٨ - تجنيب الجلساء الدخولَ في الجَدَلِ العقيم! فما أهلكَ كثيرًا من الناس إلا الجدلُ! ٩ - الإعراض عن اللغو من القول والابتعاد عنه مطلقا، والتنزه عن سَفَاسِفِ الكلام، فلا ينبغي أن يخالط مجلسَ التدارس إلا ما كان من قبيل العلم، والذِّكر، والتدبر، والتفكر، والاعتبار. وإلا أفسد الشيطان عليك مجلسَك وعبادتَك! فاستعذ بالله منه، واترك لغو الحديث! وتفرغ لذكر الله وحده! وإذا بدر شيء من ذلك من أحد جلسائك فنبهه بأدب وحكمة. ١٠ - تحديد أهداف المجلس من التدارس، والتذكير بذلك من حين لآخر. وهو تحصيل التزكية للقلب بكتاب الله تعالى، والتخلق بأخلاق القرآن العظيم، من خلال مسالك التَّدَبُّر والتفكر.

стр. 89

ومن القواعد التربوية المحصِّنةِ للمجلس من آفة تبذير الوقت، أو إغراقه بدراسة الوسائل دون الغايات، أو بالخلافيات والجدل العقيم: الاعتمادُ على توزيعٍ متوازنٍ للوقت بين سائر مواد المجلس، على حسب أهميتها، بدءًا من التلاوة حتى التدارس فالتدبر؛ بصورة تعطي لكل مادةٍ حقَّها دون أن تطغى على غيرها. ويمكن أن يكون ذلك بصور شتى، فالعبرةُ إنما هي بالنتيجة، وهي: الوصول بالقلوب إلى الدخول الذاتي في جمال القرآن تدارسًا وتدبرًا؛ لتحصيل التزكية، ومن هنا وجب أن يتحلى الْمُسَيِّرُ بالمرونة - وبالدقة أيضًا - ويوازن بين الوسائل والغايات في تنظيم الوقت؛ لتحقيق هذا الهدف النبيل! ١١ - أن يُعْتَمَدَ تفسيرٌ مختَصَرٌ من ذلك كله، مما تلقته الأمة بالقبول وأجمع على صحته السَّلَفُ والخَلَفُ. ١٢ - يُقْرَأ القرآنُ أولًا! مما هو مقصود بالتدارس لذلك المجلس، ويمكن أن تُتَداولَ التلاوةُ بين جميع الحضور أو بين أغلبهم، كما يمكن أن يُكْتَفَى بتلاوة أحدهم فقط، حسب ظروف المجتمعين. ١٣ - فإذا تمت حصَّة التلاوة والاستماع والإنصات إلى كتاب الله، كما يليق بكلام الله؛ فليشرع في قراءة خلاصة التفسير قراءةً مسموعة هادئة مفصَّلَةً؛ حتى يستوعب أهلُ المجلس مقاصدَ الكلام ومراميه، ثم يُشْرَع بعد ذلك في تدارس الخطاب القرآني من خلال ما تَحَصَّلَ في الذهن من معانٍ إجمالية للآيات. وللدخول العملي في التدارس يحسن اتباع الخطوات المنهجية الآتية: ١٤ - تَنَاوُلُ قَدرٍ قليل من الآيات يُشَكِّلُ معنى يحسُن السكوت عليه، والوقوف عنده.

стр. 90

١٥ - يُتَحَقَّقُ من الفهم العام للمعاني التي وردت بها، وأن أهل المجلس على إدراك حسن للمقصود. ويمكن أن تثار الأسئلة حول ما أشكل منها؛ للوصول إلى بيانٍ أشمل وأوضح. ولهذا يمكن مراجعة تفسير الآيات المقصودة بالدراسة أكثر من مرة؛ إن اقتضى الحال. ١٦ - فإذا اتضح المعنى؛ وجب - بعد ذلك مباشرة - الدخول في محاولة التعرف على الهُدَى المنهاجي للآية أو الآيات، وهو عَيْنُ الحِكَم المطلوب تعلُّمُها، مما ورد في آيات وظائف النبوة: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩]. وذلك بمحاولة استنباط الحقائق الإيمانية التي تتضمنها، والأحوال الخُلُقِيَّة التي تُرْشِدُ إليها، ومحاولة عدها باللسان، وإحصائها بالوجدان، وتداول ذلك بين سائر الْجُلَسَاءِ؛ حتى ترسخ بالقلب وتتضح صورتها بما يساعد على تَدَبُّرِها. ١٧ - وبمعرفة ما تيسَّر من الحِكَم والمقاصد نفتح باب التدبر للآيات، والتفكر في خلق الأنفس والأرض والسماوات. وذلك لغاية التخلق بأخلاق القرآن الكريم، والاتصاف السلوكي بِحِكَمِه العظيمة! والتفكر والتدبر - إذا خلص كلاهما لله - يورثان التخلق بأخلاق القرآن بصورة تلقائية، وبلا كلفة، كما بيناه من قبل بشواهده. ١٨ - فإذا تمت مدارسة السورة بأكملها، بهذا المنهج؛ فلا بد - بعد ذلك - من محاولة قطف الثمرات التالية من ثمار المدارسة، وهي: أ- التعرف على القضايا الأساسية التي تعالجها السورة على الإجمال، وهي حقائقها الإيمانية الكبرى، التي تدور بفلك المحور الرئيس في السورة. ب- التعرف على المحور الرئيس للسورة على الإجمال.

стр. 91

والضَّابط الكلي، الجامع لضمان سير مجالس القرآن ونجاحها هو: الحفاظ على ميثاق القرآن العظيم، والالتزام به بقوة! إذ بذلك يعرف الجليس الصادق من غيره. وإنما برهانُ صِدْقِ الجليس، وحقيقةُ انتسابه إلى أهل الله من (جلساء الملائكة)، ومصداقية ذلك كله متوقفة على مدى التزامه بميثاق القرآن العظيم، وهو عَهْدَان: عَهْدُ فِعْلٍ وعَهْدُ تَرْكٍ. فأما (عهد الفعل) فهو يتلخص في ثلاثة التزامات: - الالتزام الأول: الحفاظ على أوقات الصلوات المفروضة بالمسجد، من الفجر إلى العشاء؛ إلا لضرورة شرعية. مع تأكيد النفس وتوطينها على صلاة الفجر وصلاة العشاء، والاجتهاد في ذلك كله لإدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام، على قدر الإمكان. فالصلاة هي خير أعمال المسلم على الإطلاق كما تواتر معناه بطرق شتى! وهي العبادة الوحيدة الحاكمة على ما سواها من الأعمال والعبادات بإطلاق! إذا استقامت للمؤمن حقيقتُها وانكشف له سِرُّها؛ استقام له كل شيء من دينه ودنياه! كما فصلناه بأدلته بمحله، فتأمل! - الالتزام الثاني: الحفاظ على تلاوة جزء من القرآن الكريم لكل يوم، على الدوام، في الحَضَرِ والسَّفَر سواء! حتى يكون ختم القرآن لكل فرد من أفراد المجلس عند نهاية كل شهر. وبهذا يضمن العبد السالك إلى الله زادًا إيمانيَّا يوميًّا، ومنهجًا لتذكر حقائق الإيمان التي استفادها من مجالس التدارس القرآني، فالتلاوة المستمرة تذكيرٌ وأيُّ تذكير! لمن ذاق حقيقتَها وشاهد فضيلتَها. - والالتزام الثالث: الاجتهاد لضم جليس جديد، أو جلساء جُدُد؛ إلى مجالس القرآن، متى سنحت الفرصة، أو إنشاء مجلس جديد على التمام. وتلك

стр. 92

نعمة إيمانية - إن أكرمك الله بها - ولا كأي نعمة! فالحرص على نشر الخير والدعوة إليه؛ سِمَةٌ أساسيةٌ للمؤمن الصادق، مهما لقي في سبيل ذلك ما لقي من الحرج والعنت. والآية التي هي الشِّعَارُ الجامِعُ لذلك كله من كتاب الله جل ثناؤه، هي ما سبقت الإشارة إليه من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]. تَمْسِيكٌ بالكتاب أولا: وهو الأخذ بحقائقه الإيمانية بقوة، وإقامة للصلاة ثانيا: وهو إحسان أدائها والسير إلى الله عبر مواقيتها، ثم انطلاق إلى الإصلاح والدعوة إلى الخير. ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]. ولا أفضل في تلك من خدمة كتاب الله تعالى عمومًا! ثم لا أفضل في هذه من خدمته بإقامة (مجالس القرآن)، والدعوة إلى بنائها وتكثيرها في الأمة، ونشرها بين الأُسَرِ والأقارب، وبين الأحباب والأصحاب، سواء في صورة (المجالس الأسرية)، أو في صورة (صالونات القرآن). وأما (عهد الترك) فهو أيضًا يتلخص في ثلاثة التزامات، وهي تتحقق عند المؤمن بمعاهدة الله ﷻ على ترك الموبقات الثلاث - أعاذنا الله وإياكم منها! - والانقطاع عنها بتاتًا! فلا يصح سيرٌ إلى الله ولا يستقيم؛ ما دام العبد متلبسًا بها أو ببعضها، وما دام لم يتب منها توبة نصوحًا! وعهده فيها هو كما يلي: - معاهدةُ اللهِ ﷻ على ترك المال الحرام، وعلى رأسه الربا بكل صوره، وكذلك كل كَسْبٍ حرام، وأكل أموال الناس بالباطل، من رشوة وغيرها.

стр. 93

- معاهدة الله على ترك الزنا، وعدم الاقتراب من طرقه، وأسبابه، ومقدماته، وتجلياته، من مُخَادَنَةٍ، وبَذَاءَةٍ، وعُرْيٍ، وفُحْشٍ في اللباس والكلام والأخلاق .. إلخ. وكذا مجاهدةُ النفس على غَضِّ البصر، وترك النظر الحرام! لأن النظر الحرام يطمس البصيرة، ويذهب بالحياء، ويطفئ نور التقوى في القلب، ويخسف بجمالَ الورع في النفس، ثم يمسخ وجه صاحبه! وهو سبب كثير من الفساد والبلاء، والعياذ بالله! فلا تستهن به! - معاهدةُ الله تعالى على ترك الخمر، ومقاطعتها من كل الوجوه بتاتًا: شربها، وإنتاجها، وتجارتها، وسائر الخدمات القائمة عليها بإطلاق! ومحاربة ملحقاتها من سائر أنواع المخدرات! فإذا ثقلت عليك الانطلاقة إلى الله، ولم ينكشف لك نور القرآن، ولم تتبين لك حقائقه الإيمانية بمجالسه، أو لم تستقم لك الصلواتُ الخمس على مواقيتها وجماعاتها، أو لم يتخلص لك خشوعُها وجمالُها؛ فراجع نفسك في هذه الموبقات الثلاث! أو في ملحقاتها! وانظر: ما مدى أدائك لحق الله فيها؟ فإنه لا يستقيم للعبدِ سَيْرٌ إلى مولاه؛ ما لم تزل فيه لَوْثَةٌ من هذه اللوثات الثلاث! فلتتحرر من عبادة الشيطان أوَّلًا! حتى تكون عبدا لله بحق، وتستحق صفة (جليس الملائكة)! فإنما (الجلساء) هم الأتقياء! وآنئذ يقال لهم ولمن معهم: (هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم!) (١).

стр. 94

«أعلم الله خلقه: أن من تلا القرآن، وأراد به متاجرةَ مولاه الكريم، فإنه يربحه الربح الذي لا بعده ربح، ويعرفه بركة المتاجرة في الدنيا والآخرة». الآجري [مختصر أخلاق حملة القرآن: (١٣)]

стр. 95

والقرآن حجة لك أو عليك! هل أتاك نبأ تلك الرؤيا التي رآها النبي ﷺ ، وقصها على أصحابه؟! تلك الرؤيا فيها خبر مرعبٌ حقًّا، فقد حكى النبي ﷺ أن صاحبيه قالا له انطلق، قال: «فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بفهر - أو صخرة - فيشدخ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر، فانطلق إليه ليأخذه، فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه، فضربه، قلت: من هذا؟ قالا: … والذي رأيته يشدخ رأسه، فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار، يفعل به إلى يوم القيامة» (١). لهذه الدرجة، أنعم الله عليه .. آتاه القرآن، لكنَّه ترك كل ذلك، ونام عنه، ولم يعمل به، فكان هذا جزائه، فاللهم سلم .. سلم. فالقرآن حجة لك في الدنيا والآخرة، فأما الدنيا، فعن عامر بن واثلة، أن نافع بن عبد الحارث، لقي عمر بعسفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي، فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله ،

стр. 96

وإنَّه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إنَّ نبيكم ﷺ قد قال: «إنَّ الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين» (١). مولى من الموالي رفعه الله بهذا الكتاب المجيد، فكان حجة له. وحجة في الآخرة أيضًا، فعن النواس بن سمعان ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجَّان عن صاحبهما» (٢). والقرآن حجة لعبد عرفه، وشهادة له بخروجه من العمى للإبصار، ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩]. وحجة على عبد أعرض عنه، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا ﴿٩٩﴾ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ [طه: ٩٩ - ١٠٠]. والقرآن حجة لك وشاهد بالخيرية إن تعلمته وعلمته، فعن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان ﵁، عن النبي ﷺ قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، قال: وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان، حتى كان الحجاج قال: (وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا) (٣). وعن سهل بن سعد، قال: أتت النبي ﷺ امرأة، فقالت: إنها قد وهبت نفسها لله ولرسوله ﷺ ، فقال: «ما لي في النساء من حاجة»، فقال رجل: زوجنيها، قال: «أعطها ثوبًا»، قال: لا أجد، قال: «أعطها ولو خاتمًا من

стр. 97

حديد»، فاعتل له، فقال: «ما معك من القرآن؟» قال: كذا وكذا، قال: «فقد زوجتكها بما معك من القرآن» (١). والقرآن حجة لك ونجاة من الهلكة والضلال، وفي الحديث: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله» (٢). فالقرآن حجة لك أو عليك، فانظر إلى أيهما تصير.

стр. 98

«فوالله الذي لا إله إلا هو، ما رأيت وأنا ذو النفس الملأى بالذنوب والعيوب أعظم إلانة للقلب، واستدرارًا للدمع، وإحضارًا للخشية، وأبعث على التوبة من تلاوة القرآن وسماع القرآن» ابن باديس [تفسير ابن باديس: (٣٩)]

стр. 99

إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا فهم المصطلحات التي يتداولها الناس من الأمور المستحسنة، والتفريق بينها، وبيان حدودها = معين على عدم الوقوع في الخطأ. ومن هذا المنطلق سأحاول أن أعرض للفرق بين ثلاثة مصطلحات يقع بسبب الخلط بينها تجرؤ على كتاب الله، ونوع من القول على الله بلا علم، وهي: (التفسير - التدبر - التأثر). فأقول: * التفسير، هو: «بيان معاني القرآن العظيم» (١). وهذا البيان إما أن يصل إليه المفسر اجتهادًا، وإما أن يصل إليه تقليدًا. والاجتهاد على قسمين: ١ - الاجتهاد في بيان المعنى المراد من الآية، وأئمة المجتهدين هم الحجة (٢) من الصحابة والتابعين وأتباعهم.

стр. 100

٢ - أن يجتهد في التخيُّر من أقوال المجتهدين السابقين، أو بناء الأقوال على أقوالهم، وهم على طبقات شتَّى، ومن أجلهم الإمام ابن جرير، وابن عطية، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وكثير غيرهم (١). وتكاد كلمة العلماء تتفق على أهمية علم التفسير، وأنَّه من أعوص العلوم، ويقصدون بذلك حقيقة كيفية الوصول للمعنى من الآيات، وأنَّه يحتاج إلى آلات قد لا تتيسر للإنسان إلا بجهد جهيد، ومن ذلك قول الإمام ابن عطية في مقدمة تفسيره: «فإني لما رأيتُ العلومَ فنونًا، وحديث المعارف شجونًا، وسلكت فإذا هي أودية، وفي كل للسلف مقامات حسان وأندية، رأيت أن الوجه لمن تشزَّن (٢) للتحصيل، وعزم على الوصول، أن يأخذ من كل علم طرفًا خيارا، ولن يذوق النوم مع ذلك إلا غرارًا، ولن يرتقي هذا النجد، ويبلغ هذا المجد، حتى ينضي (٣) مطايا الاجتهاد، ويصل التأويب بالإسئاد (٤)، ويطعم الصبِر ويكتحل بالسهاد (٥)، فجريت في هذا المضمار صدر العمر طلقًا، وأدمنت حتى تفسخت أينا (٦) وتصببت عرقًا، إلى أن انتهج بفضل الله عملي، وحزت من ذلك ما قسم لي، ثم رأيت أن من الواجب على من احتبى، وتخير من العلوم واجتبى، أن يعتمد على علم من علوم الشرع، يستنفد فيه غاية الوسع، يجوب آفاقه، ويتتبع

стр. 101

أعماقه، ويضبط أصوله، ويحكم فصوله، ويلخص ما هو منه، أو يؤول إليه، ويعنى بدفع الاعتراضات عليه، حتى يكون لأهل ذلك العلم كالحصن المشيد، والذخر العتيد، يستندون فيه إلى أقواله، ويحتذون على مثاله. فلما أردت أن أختار لنفسي، وأنظر في علمٍ أعد أنوارَه لظلم رمسي (١)، سبرتها بالتنويع والتقسيم، وعلمت أن شرف العلم على قدر شرف المعلوم فوجدت أمتنها حبالًا، وأرسخها جبالًا، وأجملها آثارًا، وأسطعها أنوارًا، علم كتاب الله جلت قدرته، وتقدست أسماؤه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، الذي استقل بالسنة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض، هو العلم الذي جعل للشرع قوامًا، واستعمل سائر المعارف خدامًا منه تأخذ مبادئها، وبه تعتبر نواشئها، فما وافقه منها نصع وما خالفه رفض ودفع، فهو عنصرها النمير، وسراجها الوهاج، وقمرها المنير. وأيقنت أنَّه أعظم العلوم تقريبًا إلى الله تعالى، وتخليصًا للنيات، ونهيًا عن الباطل، وحضًا على الصالحات، إذ ليس من علوم الدنيا فيختل حامله من منازلها صيدًا، ويمشي في التلطف لها رويدًا. ورجوت أن الله تعالى يحرم على النار فكرًا عمرته أكثر عمره معانيه، ولسانًا مرن على آياته ومثانيه، ونفسًا ميزت براعة رصفه ومبانيه، وجالت سومها في ميادينه ومغانيه، فثنيت إليه عنان النظر، وأقطعته جانب الفكر، وجعلته فائدة العمر، وما ونيت - علم الله- إلا عن ضرورة بحسب ما يلم في هذه الدار من شغوب، ويمس من لغوب، أو بحسب تعهد نصيب من سائر المعارف.

стр. 102

فلما سلكت سبله بفضل الله ذللًا، وبلغت من اطراد الفهم فيه أملًا، رأيت أن نكته وفوائده تغلب قوة الحفظ وتفدح، وتسنح لمن يروم تقييدها في فكره وتبرح، وأنَّها قد أخذت بحظها من الثقل، فهي تتفصى من الصدر تفصي الإبل من العقل. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]. قال المفسرون: أي علم معانيه والعمل بها. ففزعت إلى تعليق ما يُتَنخَّل لي في المناظرة من علم التفسير وترتيب المعاني، وقصدت فيه أن يكون جامعًا وجيزًا محررًا، لا أذكر من القصص إلا ما لا تنفك الآية إلا به، وأثبت أقوال العلماء في المعاني منسوبة إليهم على ما تلقى السلف الصالح - رضوان الله عليهم - كتاب الله من مقاصده العربية السليمة من إلحاد أهل القول بالرموز، وأهل القول بعلم الباطن، وغيرهم، فمتى وقع لأحد من العلماء الذين قد حازوا حسن الظن بهم لفظ ينحو إلى شيء من أغراض الملحدين نبهت عليه. وسردت التفسير في هذا التعليق بحسب رتبة ألفاظ الآية من حكم، أو نحو، أو لغة، أو معنى، أو قراءة، وقصدت تتبع الألفاظ حتى لا يقع طفر (١) كما في كثير من كتب المفسرين .. وقصدت إيراد جميع القراءات: مستعملها وشاذها، واعتمدت تبيين المعاني وجميع محتملات الألفاظ، كل ذلك بحسب جهدي وما انتهى إليه علمي، وعلى غاية من الإيجاز وحذف فضول القول. وأنا أسأل الله جلت قدرته، أن يجعل ذلك كله لوجهه، وأن يبارك فيه وينفع به، وأنا وإن كنت من المقصرين فقد ذكرت في هذا الكتاب كثيرًا من علم

стр. 103

التفسير، وحملت خواطري فيه على التعب الخطير، وعمرت به زمني، واستفرغت فيه منني (١)، إذ كتاب الله تعالى لا يتفسر إلا بتصريف جميع العلوم فيه، وجعلته ثمرة وجودي، ونخبة مجهودي، فليستصوب للمرء اجتهاده، وليعذر في تقصيره وخطئه وحسبنا الله ونعم الوكيل» (٢). وقد آثرت أن أنقله بتمامه، لتعرف مدى الجهد الذي ينبغي أن يبذله طالب علم التفسير، للوصول للمعاني من الآيات. فخلاصة الأمر: أن التفسير علم عظيم، خطير، جليل، وهو من أعوص علوم الشريعة، لا كما يُظَن، ومتعلقه كلام الله تعالى، وهو شرح له وبيان عن معانيه وأحكامه، قدر الطاقة البشرية. ومن ثم فإن مسؤوليته عظيمة، والكلام فيه بغير علم كاف وتحقيق تام = من الافتراء على الله، والقول عليه بغير علم، ولذا كان كثير من السلف، أصحاب الفهوم الصحيحة، والألسن الفصيحة، يتورعون عن الكلام فيه بحرف، ويقولون الله أعلم بما قال، وما عندهم من العلم في القرآن أعظم مما عند أكبر كابر في الخلف، والآثار عن شيخي الإسلام ووالدي المسلمين أبي بكر وعمر في الكلام في القرآن بالرأي محفوظة مشهورة. وكثير من الناس يظن أن التفسير مجرد (تأليف)، ولربما سماه تأملًا، أو خواطر، وغير ذلك، ولا يغني هذا عن التبعة المذكورة (٣).

стр. 104

* أما التدبر فأقرب ما يمكن أن يقال في تعريفه، «تأمل القرآن بقصد الاتعاظ والامتثال» (١). أو «الوقوف مع الآيات والتأمل فيها، والتفاعل معها؛ للانتفاع والامتثال» (٢). - وهذا التدبر لا بد أن يسبقه فهم للمعنى المراد من الآية، إذ محل التدبر مدلولات الآيات، يقول الإمام الطبري ﵀ في تقرير هذا المعنى: «وفي حث الله عباده على الاعتبار بما في آي القرآن، من المواعظ والتبيان، بقوله جل ذكره، لنبيه ﷺ : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ٢٩﴾ [ص: ٢٩]، وقوله: ﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون﴾ [الزمر: ٢٨]، وما أشبه ذلك من آي القرآن، التي أمر الله عباده، وحثهم فيها، على الاعتبار بأمثال آي القرآن، والاتعاظ بمواعظه، ما يدل على أن عليهم معرفة تأويل ما لم يحجب عنهم تأويله من آيات. لأنَّه محال أن يقال لمن لا يفهم ما يقال له ولا يعقل تأويله: اعتبر بما لا فهم لك به، ولا معرفة من القيل والبيان إلا على معنى الأمر بأن يفهمه ويفقهه، ثم يتدبره ويعتبر به. فأما قبل ذلك، فمستحيل أمره بتدبره، وهو بمعناه جاهل، كما محال أن يقال لبعض أصناف الأمم الذين لا يعقلون كلام العرب ولا يفهمونه. لو أنشدت قصيدة شعر من أشعار بعض العرب، ذات أمثال ومواعظ وحكم: اعتبر بما فيها من الأمثال، وادكر بما فيها من المواعظ إلا بمعنى الأمر لها بفهم كلام العرب ومعرفته، ثم الاعتبار بما نبهه عليه ما فيها من

стр. 105

الحكم، فأما وهي جاهلة بمعاني ما فيها من الكلام والمنطق؛ فمحال أمرها بما دلت عليه معاني ما حوته من الأمثال والعبر، بل سواء أمرها بذلك وأمر بعض البهائم به، إلا بعد العلم بمعاني المنطق والبيان الذي فيها. فكذلك ما في آي كتاب الله، من العبر والحكم والأمثال والمواعظ، لا يجوز أن يقال: اعتبر بها، إلا لمن كان بمعاني بيانه عالمًا، وبكلام العرب عارفًا، وإلا بمعنى الأمر لمن كان بذلك منه جاهلًا، أن يعلم معاني كلام العرب، ثم يتدبره بعد، ويتعظ بحكمه وصنوف عبره. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله جل ثناؤه، قد أمر عباده بتدبره، وحثهم على الاعتبار بأمثاله، كان معلوما أنَّه لم يأمر بذلك من كان بما يدل عليه آيه جاهلًا. وإذا لم يجز أن يأمرهم بذلك، إلا وهم بما يدلهم عليه عالمون، صح أنهم بتأويل ما لم يحجب عنهم علمه من آيه الذي استأثر الله بعلمه منه دون خلقه الذي قد قدمنا صفته آنفا عارفون» (١). وعليه، فيمكن التفريق بين التدبر والتفسير من عدة وجوه: ١ - أنَّ التفسير هو كشف المعنى المراد في الآيات، والتدبر هو ما وراء ذلك من إدراك مغزى الآيات ومقاصدها، واستخراج دلالاتها وهداياتها، والتفاعل معها، واعتقاد ما دلت عليه وامتثاله. ٢ - أنَّ التدبر أمر به عامة الناس للانتفاع بالقرآن والاهتداء به، ولذلك خوطب به ابتداءً الكفار في آيات التدبر، والناس فيه درجات بحسب رسوخ العلم والإيمان وقوة التفاعل والتأثر.

стр. 106

وأمَّا التفسير فمأمور به بحسب الحاجة إليه لفهم كتاب الله تعالى بحسب الطاقة البشرية، ولذا فإن الناس فيه درجات كما قال ابن عباس: «التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله» (١). ٣ - أنَّ التدبر لا يحتاج إلى شروط إلا فهم المعنى العام مع حسن القصد وصدق الطلب، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]، أما التفسير فله شروط ذكرها العلماء، لأنه من القول على الله، ولذا تورع عنه بعض السلف (٢). * ومما ينبغي أن يُعلم أن الناس على درجات متفاوتة في التدبر بحسب آلاتهم وإمكاناتهم، فليس تدبر العالم المتبحر في الشريعة كتدبر العامي، ولكل درجات، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم. على أنَّ كثيرًا من الناس قد يتجرأ على كتاب الله تعالى فيفسره بمعهود قومه، أو بما يهجم على خاطره من المعاني، وقد يسمي ذلك خواطر أو تأملات أو تدبر أو غير ذلك، وهذا من الخطأ ومجانبة للصواب. ولست أريد هنا بيان كيفية التدبر، والمعين عليه، وموانع ذلك، .. إلى غير ذلك، فقد أُفردَت مصنفات في بيان ذلك (٣)، ولكني أريد أن أبين أن الله

стр. 107

تعالى حين شرع التدبر للناس لم يشرع لهم أن يتجرؤوا على كتابه، بل هذا أمر لهم بتحصيل الآلة المعينة على تدبر القرآن (١). ولذلك فسأطرح هنا خطوات عملية لمريد التدبر أن يسلكها لينجو إن شاء الله تعالى من الوقوع في المحذور: أولًا: على مريد التدبر أن يتعرف على المعنى الإجمالي للآيات - على الأقل - ليضبط تدبره (٢)، «إنَّ التدبر هو مرحلة ما بعد التفسير .. ! أي ما بعد الفهم للآية. لكن الفهم المطلوب لتحصيل التدبر إنما هو الفهم الكلي العام، أو بعبارة أخرى: الفهم البسيط. ولا يشترط في ذلك تحقيق أقوال المفسرين والغوص في دقائق كتب التفسير! وإلا صار القرآن موجهًا إلى طائفة محصورة فقط! ومن ثم يمكن لأي شخص أن يتدبر القرآن بعد التحقق من المعنى المشهور للآية، يقرؤها من أي تفسير أو يسمعها» (٣).

стр. 108

ثانيًا: كلما ازدادت معرفتك بالآية، وسبب نزولها، وفضلها - إن وجد - فإن تدبرك سيكون أعمق، فلا تقتصر على الكتب التي تحمل المعنى الإجمالي، بل عليك بما هو أوسع من ذلك (١). ثالثًا: من أعظم طرق التدبر (تثوير القرآن) (٢)، ومراجعة حل ما ثورته على نفسك من كتب التفسير، أو أحد من أهل العلم بكتاب الله تعالى. رابعًا: لا تبادر بنشر ما توصلت إليه إلا بعد مراجعة ونظر وتدارس، ولا تستنكف من قبول الحق إن بان فيما توصلت إليه خطأ نبهك غيرك على وجه الصواب فيه. * أما التأثر فهو ضرب من ضروب التدبر، وهو ما يسميه بعض العلماء (التدبر الوجداني) (٣)، وهذا التأثر يختلف عن التدبر بالمعنى المتقدم بأنه قد لا يحتاج إلى تأمل عقلي أو إلى معرفة بالدلالات العميقة للآيات. ولا بد من التنبيه على أن بعض المشركين، وبعض الأعاجم يقع عنده من التأثر بالقرآن مع عدم معرفة المعنى، إذ للقرآن سطوة على النفوس! وإنما نبهت على ذلك لأنه قد يخلطُ بعضُ النَّاسِ بين التَّدبُّرِ والتَّأثُّرِ من سماع القرآن، فيجعلونَ القشعريرةَ التي تصيب الإنسان والخشوعَ الذي يلحقُه بسبب تأثيرِ القرآنِ عليه هو التَّدبُّرُ، وليسَ الأمرُ كذلك. فالتَّدبُّرُ عمليَّةٌ عقليَّةٌ تحدثُ في الذِّهنِ، والتَّأثُّرُ انفعالٌ في الجوارحِ والقلبِ، وقد يكونُ بسبب التَّدبُّرِ، وقد يكونُ بسببِ روعةِ القرآنِ ونظمه، وقد يكونُ بسبب

стр. 109

حالِ الشَّخصِ في تلكَ اللَّحظةِ، واللهُ أعلمُ (١). * تنبيهات: ١ - ثم فرق بين التفسير وبين المعلومات الموجودة في كتب التفسير، فليس كل معلومة موجودة في كتب التفسير هي من صلب علم التفسير، إذ كل علم له بالقرآن تعلق، وقد يستطرد المفسر في علم برع فيه، فيتكلم عليه في سياقات كلامه عن الآيات (٢)، وقد يذكر بعض اللطائف والفوائد وغير ذلك. وهذه اللطائف والفوائد هي في الحقيقة نوع من التدبر للقرآن المجيد. ٢ - «كُلُّ عالِمٍ أو كلُّ مفسِّرٍ متدبرٌ، وليس كل متدبرٍ مفسِّرًا»! فتأمل .. (٣)! ختامًا: إنَّ بعض ما يسميه الناس تدبرات وخواطر، إنما هي في الحقيقة (أُمنيات) = أي: إنَّه يتمنى أن تكون الآية كما يتمنى هو لا ما هي عليه على الحقيقة!! فلتحذر من أن تحمل الآيات على ما تريد، فإنه اتباع للهوى، وقانا الله منه.

стр. 110

«وندمت على تضييعِ أكثرِ أوقاتي في غير معاني القرآن» ابن تيمية [الجامع لسيرته: (٤٦٥)]
следующие страницы →