← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14221

التروك النبوية - تأصيلا وتطبيقا

محمد صلاح الإتربي

Полный текст (574 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

التروك النبوية «تأصيلا وتطبيقا» تأليف محمد صلاح محمد الإتربي تقديم الأستاذ الدكتور عبد الحميد أبو زنيد فضيلة الشيخ محمد عبد المقصود الأستاذ الدكتور أحمد عبد الرحمن النقيب فضيلة الشيخ ياسر حسين برهامي الأستاذ الدكتور أشرف بن محمود الكناني إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدارة الشؤون الإسلامية دولة قطر

стр. 2

دولة قطر - وزارة الْأَوْقَاف والشؤون الإسلامية طبعة خَاصَّة بوزارة الْأَوْقَاف والشؤون الإسلامية - دولة قطر الطبعة الأولى ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م

стр. 3

التّروكُ النَّبَويَّةُ «تَأصِيلاً وَتَطْبِيقًا»

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5

- أ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة لكتاب التروك النبوية الحمد لله حمدًا يوافي نعمه، والصلاة والسلام على أشرف خلقه وخاتم رسله، وبعد، فإن علماء الإسلام قد خلفوا لنا تراثا علميًا ضخمًا، متعدد المناحي، وما يزال معظم هذا التراث مخطوطًا لم ير النور، ولم يتعرف عليه الباحثون، رغم ما فيه من المعاني الدقيقة والأفكار العميقة التي تخدم واقعنا المعاصر وتنير السبل لأمتنا في مجالات الفكر والتشريع والثقافة، ويقدر بعض الخبراء أن ما بقي مخطوطًا من تراث علماء الإسلام يربو على ثلاثة ملايين عنوان، تقبع في زوايا المكتبات، وظلام الصناديق والأقبية، حتى إن بعضها لم يفهرس فهرسة دقيقة فضلًا عن النشر. فكان من المهم في هذه المرحلة أن تتجه الجهود لتقويم هذا التراث واستجلاء ما ينفع الناس منه في عصرنا، ثم العمل على تحقيقه ونشره. وإن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر -وقد وفقها الله لأن تضرب بسهم في إحياء هذا التراث- لتحمد الله على أن ما أصدرته من نفائس التراث قد نال الرضا والقبول من أهل العلم في مشارق الأرض ومغاربها. والمتابع لحركة النشر العلمي لا يخفى عليه جهود دولة قطر في خدمة تراث الأمة منذ ما يزيد على ستة عقود، وقد جاء مشروع إحياء التراث

стр. 6

- ب - الإسلامي الذي بدأته الوزارة منذ ست سنوات امتدادًا لتلك الجهود وسيرًا على تلك المحجة التي عُرفت بها دولة قطر. ومنذ انطلاقة هذا المشروع المبارك يسر الله جل وعلا للوزارة إخراج مجموعة من أمهات كتب العلم في فنون مختلفة تُطبع لأول مرة، ففي تفسير القرآن الكريم أصدرت الوزارة تفسير الإمام العُليمي (فتح الرحمن في تفسير القرآن) وفي علم الرسم أصدرت كتاب (مرسوم المصحف للإمام العُقيلي) ونحن بصدد إصدار جديد متميز للمحرر الوجيز لابن عطية مقابلًا على نسخ خطية عدة. وفي السُّنة أصدرت الوزارة كتاب (التوضيح شرح الجامع الصحيح لابن الملقن) و (حاشية مسند الإمام أحمد للإمام السندي)، و (شرحين لموطأ مالك لكل من القنازعي والبوني)، و (شرح مسند الشافعي للإمام الرافعي)، و (نخب الأفكار شرح معاني الآثار للبدر العيني) إضافة إلى صحيح ابن خزيمة بتحقيقه الجديد المُتقن. وأخيرًا صدر عن الوزارة كتاب: (التقاسيم والأنواع) للإمام ابن حبان وكذا (مطالع الأنوار)، لابن قرقول، وهما ينشران لأول مرة، وهناك مشاريع أخرى يُعلن عنها في حينها. وفي الفقه أصدرت الوزارة: (نهاية المطلب في دراية المذهب للإمام الجويني) الذي حققه وأتقن تحقيقه عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي أ. د. عبدالعظيم الديب -رحمه الله تعالى- وكتاب (الأوسط لابن المنذر) بمراجعة دقيقة للدكتور عبدالله الفقيه عضو اللجنة، وكتاب (التبصرة) للخمي، وحاشية الخلوتي في الفقه الحنبلي، وكتاب الإقناع في مسائل الإجماع، لابن القطان الفاسي، وفي الطريق إصدارات أخرى مهمة تمثل الفقه الإسلامي في عهوده الأولى. وفي السيرة النبوية أصدرت الوزارة الموسوعة الإسنادية (جامع الآثار لابن ناصر الدين الدمشقي). وفي معتقد أهل السنة والجماعة أصدرت الوزارة كتابًا نفيسًا لطيفًا هو كتاب (الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد) لابن العطار، صاحب الإمام النووي رحمهما الله.

стр. 7

- جـ - ولم نغفل عن إصدار دراسات معاصرة متميزة من الرسائل العلمية وغيرها فأخرجنا (القيمة الاقتصادية للزمن) و (نوازل الإنجاب) وفي الطريق -بإذن الله تعالى- ما تقر به العيون من دراسات معاصرة في القرآن والسنة، ونوازل الأمة. واليوم يسرنا أن نقدم لكم كتاب التروك النبوية، لمؤلفه محمد صلاح محمد الإتربي، وهو بحث بذل فيه مؤلفه جهدًا كبيرًا، وأراد من خلاله أن يقدم للقارئ شرحًا موسعًا عن موضوع التروك النبوية. وتظهر أهمية مبحث التروك في أنه أحد قسمي السنة، فكما كان النبي ﷺ مشرعًا بقوله وبفعله، فقد كان النبي ﷺ مشرعًا بالترك كذلك وقد ورد في السنة ما يشير إلى أنه ﷺ كان قاصدًا الترك وأن الصحابة - رضوان الله عليهم- كانوا ينقلون عن النبي ﷺ الترك كما كانوا ينقلون عنه الفعل سواء بسواء، وما ذاك إلا لما استقر في أذهانهم أن ذلك تشريع للأمة وبيان للأحكام، وأن الترك يتعلق به أحكام شرعية وثواب وعقاب وتكليف. فترك النبي ﷺ له جانب تشريعي مهم لا يمكن إغفاله أو التغاضي عنه، ولابد للمجتهد من معرفته، وذلك لتوقف الحكم في كثير من مسائل النوازل عليه كما أنه مؤثر في الحكم على العمل بالبدعية أو السنية وكذا في تمييز المصالح المرسلة من غيرها. والترك وثيق العلاقة بباب المقاصد، ولا يكتمل البحث في المقاصد دون البحث في الترك، فمجال البحث التطبيقي في المقاصد لا يكتمل إلا بتناول جانب الترك، كما أن سد الذرائع، وهو من الأدلة التي أخذ بها الجمهور، تندرج أغلب مسائله أيضًا في الترك. لكن ما هي صفة هذا الترك، وهل كل ترك منه ﷺ يكون حجة، أم أن منه ما هو حجة ومنه ما ليس بحجة، وهل استنبط الفقهاء أحكامًا شرعية من تركه ﷺ ، وما هي الضوابط التي قام عليها هذا الاستنباط إن وجد؛ هذا ما أراد الباحث بيانه في هذه الدراسة، نسأل الله تعالى أن ينفع بها ويجزيه عليها خير الجزاء. وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا.

стр. 8

إهداء إلى العالم الجليل، ذي الفضل البار، والإفضال الشائع، والمحتد الأصيل، والمجد الأثيل، والعزة القَعسَاء، والرتبة الشماء، إمام الفضلاء، وسيد النبلاء، وتاج العلماء، أسد السنة، وزينة الأمة الشيخ أبي إسحاق الحويني بِيُمنِ أبي إسحاق طالتْ يدُ الهدى ... وقَامتْ قَناةُ الدِّيِنِ واشتدّ كاهله هوَ البحرُ مِن أيِّ النواحِي أتَيته ... فَلُجَّتُهُ المعروفُ والعلم ساحِلُهْ شيخي الحبيب أطال الله في الطاعة عمرك، وشفاك وعافاك من كل سوء ضرك، ورفع مقامك، وأعلى رتبتك، وجمعك بالنبيين والصالحين وأكرمك. محمد صلاح الإتربي كفرالشيخ - الأحد ١٣ رجب ١٤٣٣ هـ الموافق ٣/ ٦ / ٢٠١٢ م

стр. 9

تقديم الأستاذ الدكتور عبد الحميد علي أَبو زنيد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اطلعت على الأطروحة المقدمة من الباحث: محمد صلاح محمد الإتربي، المقدمة لنيل درجة الماجستير في أصول الفقه من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، قسم الشريعة الإسلامية، والتي عنوانها: "تروك النبي ﷺ دراسة تأصيلية وتطبيقية". قسم الباحث أطروحته إلى ثلاثة أبواب، تحت كل باب عدة فصول، وكان موفقًا في هذا التقسيم؛ إذ به سيطر على تقسيم مادته العلمية، وقدم الباحث لأطروحته بمقدمة استوعب الباحث فيها جميع ما سبق وأن كُتب في موضوعها على مر العصور، وتميزت الأطروحة بالجانب التطبيقي حيث حشد الباحث العديد من المسائل التطبيقية المبنية على الترك سواء أكان وجوديًّا أم عدميًّا. في الباب الأول -التعريف بترك النبي ﷺ ذكر الباحث صورًا من تروك المكلفين، وهو خارج عن موضوع الأطروحة؛ إذ أن ترك المكلف ليس مصدرًا من مصادر التشريع، وكان الأولى التعرض لما سكت عنه الوحي مما حدث في زمن النبوة، ولم يطلع عليه النبي ﷺ . ما ورد في الأطروحة من مادة علمية: طلبة العلم في أمس الحاجة إليها، وستجد لها موقعًا على رفوف المكتبة الإسلامية. اعتنى الباحث بتخريج الأحاديث والترجمة للأعلام الواردة في ثنايا

стр. 10

الأطروحة. أتبع الباحث أطروحته بالعديد من الكشافات والفهارس التي تعين القارئ على الوصول للمادة العلمية بيسر وسهولة. أتمنى للباحث التوفيق والسداد في حياته العلمية مستقبلًا. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد ﷺ . مقيده أ. د. عبد الحميد علي أبو زنيد الأستاذ بكلية الشريعة وأصول الدين رئيس قسم أصول الفقه سابقًا بكلية الشريعة بجامعة القصيم

стр. 11

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم فضيلة الشيخ محمد بن عبد المقصود العفيفي إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد .. فإن لتروك النبي ﷺ جانبًا تشريعيًّا هامًّا لا يمكن إغفاله أو التغاضي عنه، ومن ثم فلابد للمجتهد المتأهل أن يسبر أغوارها، ويحكم تأصيلها، ويعرف أبعادها وأحوالها، وذلك لتوقف الحكم في كثير من المسائل عليها.

стр. 12

ومع أهمية هذا الباب، لم نقف على مؤلَّف أصولي واحد للأئمة المتقدمين يتناول هذه المسألة المهمة - مسألة التروك - بالدراسة المستقلة. وهذه الأطروحة - التي يشرفني أن أقدم لها - تعد دراسة هامة، جديرة بالاطلاع عليها وفهمها، حيث تعدّ إثراء للمكتبة الإسلامية، وقد انتهى فيها الباحث - حفظه الله - لوضع تصوّر كامل عنها، بعدما بحثها من كافة جوانبها، حتى اكتمل تأصيل هذا الجانب الأصولي المهم. وقد تطلب ذلك من الباحث - جزاه الله خيرًا - جهدًا كبيرًا في البحث والتنقيب، والجمع والإعداد، والمناقشة والترجيح، مما استلزم اطلاعًا وافرًا على المصادر الأصلية الأصولية، وكذلك في الدلالة عليها، والنقل من كتب الحديث المعتمدة، مع تخريجها والحكم عليها قبولًا وردًّا، مسترشدًا بأئمة هذا الشأن وفرسانه. وقد امتازت هذه الأطروحة بسلاسة الأفكار وتسلسلها، والفحص الدقيق للأقوال ونظائرها، ونسبة كل قول إلى قائله والدليل عليه، مع تدوينٍ دقيقٍ للمصادر والمراجع، مما ينبئ عن سعة اطلاع، وفهم ثاقب للباحث حفظه الله ورعاه. وقد كان الباحث - جزاه الله خيرًا - موضوعيًّا في اختياراته، منصفًا في مناقشاته، مع سعة صدر، ورحابة أفق، فجمع في رسالته ما تفرق في غيرها، ولملم شتات الأقوال ورجح بينها، في ترتيب رصين، وتبويب متين. فصارت هذه الرسالة درعًا وسندًا لسنة خير المرسلين ﷺ ، فيفرح بها كل سني متبع، ويغصّ بها حلق كل مبتدع، إذ ردّ الباحث على هؤلاء

стр. 13

المبتدعة، وأبان سوء فهمهم لباب التروك، وما تذرعوا به، ففند شبههم، وأظهر عوار أقوالهم، وذلك بأسلوب علمي، وأدب جم راق. وإنني أهيب بكل طالب علم، وكل داعية بدراسة هذه الأطروحة القيمة، التي شرفتُ بالاطلاع عليها، والتقديم لها، فمن رزق فهم هذا الباب، فقد رزق فهم نصف السنة، فإن السنة فعل وترك، والله المستعان. وإن الجهاد كما يكون بالطعن والسنان يكون أيضًا بالقلم واللسان، وإن أولى ما يتنافس به المتنافسون، وأحرى ما يتسابق في حلبة سباقه المتسابقون: ما كان بسعادة العبد في معاشه ومعاده كفيلًا، وعلى طريق السعادة دليلًا، وذلك العلم النافع والعمل الصالح اللذان لا سعادة للعبد إلا بهما، ولا نجاة له إلا بالتعلق بسببهما، فمن رزقهما فقد فاز وغنم، ومن حرمهما فالخير كله حُرم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. أسأل الله أن يبارك في هذا العمل، وأن يرزقه القبول في الدنيا والآخرة، وأن ينفع به كاتبه وكل من اطلع عليه، سائلًا الله ﵎ أن يرزقنا الإحسان في القول والعمل، والإخلاص في السر والعلن، وعلى الله قصد السبيل. ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. وكتبه أَبو عبد الرحمن محمد بن عبد المقصود العفيفي

стр. 14

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم فضيلة الشيخ ياسر برهامي إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٥، ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد .. فإن قضية البدعة وضررها على الأمة عمومًا وعلى الصحوة خصوصًا قضية عظيمة الأهمية، وهي مسألة اختلاف واسع بين الاتجاهات الإسلامية، وتحقيقها يتوقف عليه مدى العلاقة بين هذه الاتجاهات، مما له أكبر الأثر في

стр. 15

الوصول إلى الغايات المنشودة. وهذه القضية تأصيلها مبني على ما تركه النبي ﷺ في الأمور المختلفة، وأنواع هذا الترك، ولا شك في شدة حاجة طلاب العلم والدعاة إلى معرفة هذا التأصيل، ومواطن الاتفاق ومواطن الاختلاف فيه، لنعرف ما يسوغ وما لا يسوغ من اجتهاد في هذا الباب. وتأتي هذه الرسالة للأخ الكريم الأستاذ محمد صلاح الإتربي حفظه الله - والتي اطلعت عليها إجمالًا، وعلى كثير من أجزائها تفصيلًا - ضوءًا جديدًا في هذا المجال، فيها توضيح عامة المسائل في هذه القضية، وبيان الراجح فيها، قد التزم مؤلفها المنهج السلفي، مسندًا الأقوال إلى مصادرها، أسأل الله أن ينفع بها كاتبها وقارئها وناشرها في الدنيا والآخرة. كتبه ياسر برهامي الإثنين ١٤ رجب ١٤٣٣ هـ الموافق ٤/ ٦ / ٢٠١٢ م

стр. 16

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم الدكتور/ أحمد بن عبد الرحمن النقيب إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: تعدُّ هذه الدراسة التي بين أيدينا من الدراسات البينيّة، هذه الدراسات التي تضربُ في أكثر من فن، وثمرتها تمُكن صاحبها من هذه الفنون التي ضرب فيها، وهذا بخلاف الدراسات الجزئية الضيّقة!! أيضًا، مجال الدراسات الأصولية الفقهية مجال ثَرٌّ - وإن تعددت وكثرت فيه الدراسات -، فلا زال الدرس الأصولي الفقهي في حاجة إلى مزيد من الدراسة، ولا يزال كثير من مسائله وقضاياه في حاجة إلى مُناقشة وتحرير!! ومن هذه القضايا تأتي "قضية التروك النبوية"، وهي شائكة، لم يُفرد لها المتقدّمون تصنيفًا، كما لم يُشمّروا عن سواعدهم في إجلائها شأنهم في كثير من قضايا المجال!! بل إن الدارس الأصولي الحديث لم يتوافر على دراسة هذه القضية وأزيد "الشريفة"، لتعلُّقها برسول الله ﷺ ، والذي لا ينطق عن الهوى، والذي تتنوع تروكه ما بين الاعتيادي العرفي والوحي التشريعي، وكان هذا الملمح مُغريًا للدراسة للوقوف على الملامح المعيارية المشكلة كلا النوعين!!

стр. 17

أيضًا، مما يُثير الجدّة في الدراسة: تعلُّقها بالقصد، وهذا التعلق يجعلُ الاجتهاد قائمًا والنظر مُعتبرًا، وهذا ما اجتهد الباحث - جزاه الله خيرًا - في سبره وخوض غماره، في محاولة حثيثة - أراها حسنة - لضبط الألفاظ والمصطلحات المميزة للمجال، أيضًا محاولة ضبط تقسيماته وتفريعاته وتطبيقاته، وهذا كله مُشعرٌ بتمكن الباحث في هذا المجال. ومما يُشيرُ إلي تمكن الباحث - في مجاله -: ترتيبه المنطقي لمادة كل باب، فهو يقسّمه إلى فصول ثم مباحث؛ وعندما يتناول قضية في مبحث فإنه يُعرّفها لغويًّا ثم أصوليًّا، ثم يسوق أدلة كل فريق - عند تعدد التعريفات - وربما رجّح ما يراه، وذلك مثل ترجيحه جواز بناء المآذن في المساجد وأنها ليست بدعة أو حرامًا، وذلك في معرض تطبيقات الترك العدمي، وهو - غالبًا - عندما يُرجّح يستخدم النظر والقواعد والضوابط، مثل ميله إلى أنه لا كفارة على المرأة التي جامعها زوجها في نهار رمضان وهي صائمة؛ ذلك أن رسول الله ﷺ سكت عن حكم المرأة التي جامعها زوجها في رمضان، وجعل الكفارة على الرجل، والمقام مقام بيان مع الحاجة، ولو كان الحكم يختلف باختلاف الأحوال - في مقامنا - لاستفصل النبي ﷺ منها، أو ربما رجّحَ ما يذهبُ إليه الجمهور، ثم يأتي بأقسام مسائل الموضوع بطريقة حسنة. ومما يُميّز الباحث ودِراسَتَهُ: فهمه الحسن لموضوعه وحسن الربط بين أبعاضه وأجزائه، واعتماده على ما صحّ من الدليل، وما ضَعُفَ ذكره مع بيان ضعفه - لا سيّما إن كان مشهورًا - كخبر مُراجعة الحباب بن المنذر النبيَّ ﷺ موضع بدر.

стр. 18

أيضًا، من مميزات الرسالة الوحدة العلمية العضوية بين متن الرسالة وهامشها، هذا كله مع حُسن استخدام المصادر وجودة توثيق المعلومة ونسبة الأقوال إلى أصحابها. وبالجملة فإن الدراسة طيّبة مُسدَّدة، وإن كانت هناك ملاحظات يسيرة، فإنها لا تحطُّ من قدر الدراسة ولا تنزل من شأن الباحث الواعد - بارك الله فيه -. وصفوة القول: لقد اطلعتُ على الدراسة فأفدتُ منها أكثر مما لاحظتُ عليها، وأرى أنها دراسة مفيدة لطالب العلم، وأسألُ الله أن يجعلها في ميزان صاحبها، وأن تكون بداية حسنة لسُلَّم التوفيق والرُّقي. وصلى الله وسلم وبارك على النبي الحبيب محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وكتبه د/ أحمد بن عبد الرحمن النقيب قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية كلية التربية - جامعة المنصورة Dr-alnakeep@hotmail.com

стр. 19

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم الدكتور/ أشرف بن محمود بن عقلة الكناني إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فإن من نعم الله تعالى العظمى عليَّ أن وفقني لزيارة مصر الحبيبة إلى قلبي عدَّة مرات، وسبب حبي لها أمران؛ الأول: أنها بلد العلماء في القديم والحديث، والآخر: طيبة أهلها وصفاء أُناسها، ومن عظيم منن الله تعالى عليَّ أن هيأ لي أسباب لقيا شيخنا المحدِّث العلامة أبي إسحاق الحويني - حفظه الله

стр. 20

تعالى وشفاه، وفسح في مدته - في زيارتي الثانية لمصر عام ٢٠٠٨ م، التي خصصتها لهذا الهدف، ولو رجحت بدونه لخسرت متعة من أجمل متع الدنيا؛ ألا وهي: متعة لقيا العلماء؛ فإن لقياهم والجلوس معهم جنة الدنيا، كما وصف العلماء، فالحمد لله على ما يسَّر ووفق، وأسأله المزيد من فضله، وعميم إحسانه. هذا وقد وثق بي الأخ: "محمد الإتربي" مرتين؛ مرة حينما استشارني في بعض جوانب من موضوعه القيِّم هذا: "تروك النبي ﷺ دراسة تأصيليَّة تطبيقيَّة"، والمرة الثانية: حينما دفع إليَّ هذه الرسالة لأقدم لها، وهذا من حسن ظنه بإخوانه، فجزاه الله تعالى خير الجزاء، وجعلني خيرًا مما يظنون، وغفر لي ما لا يعلمون. وكنت قبل ذلك قد أشرت على أحد الإخوة عندنا في الأردن أن يكتب في أطروحته للدكتوراه في: "مباحث الترك عند الأصوليين"، نظرًا لأهميَّة الموضوع، وكثرة تفصيلاته، وفعلًا اخترت له هذا العنوان مع مفرادته، وبدأ في الكتابة فيه إلى أن أنهاه، ولكن أخانا لم ينله التوفيق في كثير مما كتب، أو على الأقل لم يكتب على الوجه الذي كان في ذهني من التأصيل العلمي، والتطبيق العملي، وبقيتُ أشعر بخيبة أمل تجاه الكتابة في هذا الموضوع إلى حين زيارتي هذه لمصر؛ حيث ساقني القدر بين يدي زيارتي لشيخنا الحويني، أن صحبني أخانا عمرو الحويني إلى بيت الشيخ محمد الإتربي - وفقه الله تعالى -، وكم سررت حينما أبلغني أنه اختار موضوعًا لأطروحته في الماجستير في تروك النبي ﷺ ، وسألت الله تعالى في نفسي أن يُوفق في كتابته لهذا الموضوع، وكنت

стр. 21

بعدها أتابع عن طريق أخينا عمرو الحويني مراحل كتابته وأطمئن على عمله الذي طال وقته، إلى أن هيأ الله تعالى لي أن أزور مصر للمرة الرابعة، وهيأ الله تعالى سبب زيارتي للشيخ محمد الإتربي عن طريق أخينا عمرو دون سابق ميعاد في يوم الثلاثاء ٢٦/ ١ / ٢٠١٠ م، فأهداني الإتربي نسخة من رسالته، فسررت سرورًا عظيمًا بها، وقلَّبت بعض صفحاتها، وكان يبدو لأول وهلة عظيم الجهد المبذول فيها، وبعدها بيومين هيأ الله تعالى لي زيارة شيخنا العلامة أبي إسحاق الحويني، وكان مما ذكرت لفضيلته أن موضوع رسالة تروك النبي ﷺ ، موضوع مهم، وقد وفِّق الباحث فيه، فكان مما قال - أنقل كلام فضيلته بالمعنى -: "نحن حريصون على نشر مثل هذا الموضوع وتقديمه للناس، ومن النادر أن يكتب أحد مثل هذه الكتابة، وبمثل هذه الطريقة" فاعتبرت هذا شهادة مبدئية للرسالة قبل أن أقرأها، وهي شهادة يُغبط الباحث عليها، ولا تنفعه شهادتي بشيء بعدها. وحينما قرأت الرسالة بعد رجوعي إلى بلدي، ألفيتها رسالة تُشفي الغليل، وتبرئ العليل؛ حيث امتازت بسباكة التأصيل، وحسن التمثيل، وقد استقصى الباحث فيها مسائل الترك عند الأصوليين، ومثَّل لذلك تمثيلًا حسنًا واقعيًّا، مع ما انضم إلى ذلك من ظهور شخصية الباحث ظهورًا واضحًا في كل الرسالة، وإنصاف في التعامل مع المخالف، وتجرد للحق دون تبني رأي مُسبَق وحسن التقسيم والتنويع، كل ذلك في عدم إطالة مملة، أو اختصارة مخلَّة، وقد امتازت الرسالة بميزات كثيرة تدل على سعة اطلاع الباحث وتنوع معرفته للعلوم الشرعيَّة، أعرضها مع التعليق عليها من خلال ما يلي:

стр. 22

أولًا: أهمية البحث في تروكه ﷺ -. لم ينل هذا الموضوع حظه في دراسات الأصوليين قديمًا وحديثًا، ربما لوضوحه في أذهان العلماء السابقين، وربما لأن كتاباتهم تميزت بمناقشة أصول المسائل ومشاهيرها، وربما كان ذلك من باب: وكم ترك الأول للآخر. ومهما كان سبب ذلك، إلا أنه بات من الضروري جدًّا أن تبحث جوانب هذا الموضوع بحثًا حثيثًا في دراسات المعاصرين، التي امتازت ببحث الجزئيات بحثًا مفصَّلًا مع الاستقراء والتتبع، وهذه نعمة من نعم الله علينا في هذا العصر. وتكمن أهميَّة هذا الموضوع بحسب ما أرى فيما يلي: ١ - أن الترك أحد أنواع البيان، تتعلق به أحكام شرعيَّة، يترتب عليها ثواب أو عقاب، ولتروك النبي ﷺ دلالات وأحكام تُبنَى عليها فروع كثيرة؛ فكان لابد من تأصيل شامل لكل جزئيات تروكه ﷺ . ٢ - أن الترك أحد أنواع التشريع، فكما كان النبي ﷺ يُشرِّع بالفعل كان يُشرِّع بالترك، وهذا يدل على اختلاف أحوال التشريع وتنوعها. ٣ - أن للترك أنواعًا شتَّى، وكل نوع له حكم معيَّن، ومنه ما هو حجة يدل على الوجوب، أو على الإباحة، أو على التحريم، ولا يمكن معرفة ذلك إلا بالتأصيل والتنويع والتقسيم. ٤ - أن إغفال مسألة الترك أوقعت كثيرًا من الناس في الابتداع، ومخالفة السنة، فقالوا بشرعيَّة أشياء، وحسبوها على حساب السنة، وهي تخالف

стр. 23

السنة من كل وجه، وما أوقعهم في ذلك إلا الغفلة عن التأصيل العلمي لمسألة الترك. ٥ - أن هناك مسائل معاصرة تتعلق بمسألة الترك، وتأصيل هذه المسألة تأصيلًا واضحًا يُنهى الخلاف في هذه المسائل، ويضع المرء منها على بيِّنة وبصيرة، ويقضي على الجدل الواسع، والخلاف العريض، والنقاش الطويل، مع ما يصحب ذلك أحيانًا من الخروج على آداب الخلاف، كالطعن في النيات، والاتهام بالجمود والتخلف والرجعيَّة؛ والخلاف إذا رَجَعَ إلى أصل يحتكم إليه سَهُل التغلب عليه، وأدى إلى توسيع المدارك، وإلى أن يعذر الناس بعضهم بعضًا فيما يذهبون إليه. وقد هيأ الله تعالى فارسًا هُمامًا أُوتي الجلد في البحث والنظر والتتبع والاستقراء، وكشف عن أهميَّة هذا الموضوع بحسن تقسيمه، وسلاسة أسلوبه، وجميل تأصيله، وأحسب أن كل ما ذكرت من أهداف قد حققه الباحث في هذه الرسالة، فبارك الله في جهوده. ثانيًا: وجوب إعادة النظر في طريقة التمثيل في كتب الأصوليين . اعتادت الكتابة الأصولية - وبالأخص المتأخرة منها - عادة غير حميدة؛ وهي: أن كثيرًا ممن يكتب في الأصول جرى في الكتابة والتأليف على عادة المتكلمين؛ حيث الصعوبة في العبارة إلى درجة الإغلاق، وتجريد القواعد الأصولية من الأمثلة العمليَّة، أو ذكر المثال لمجرد التمثيل على القاعدة حتى وإن كان المثال في ذاته صحيحًا، والخلل في كتب بعض الأصوليين من هذه الجهة من وجهين: الأول: وجود قواعد لا فروع لها. والثاني: عكس الأمر

стр. 24

الأول، وهو وجود قواعد لها فروع، لكن يعتور ذلك أمران: أحدهما: أن تكون الفروع غير صحيحة في ذاتها؛ بل أتَوا بها لمجرد توضيح القاعدة، والآخر: أن تكون الفروع صحيحة، لكنهم يقتصرون على فروع معيَّنة تدور عليها كتب الأصوليين، وكأنه لا يوجد غيرهما في الكتاب والسنة وأقوال السلف، إلى غير ذلك من أساليبهم في التأليف. وقد درج هذا الأسلوب عند الأصوليين من القديم إلى الحديث، حتى سمعت بعض الباحثين في الأصول يقول: "إذا لم تكن الكتابة في الأصول ذات عبارات صعبة ومعقدة ومغلقة تحتاج لبسط وشرح، فليست كتابة أصولية ... " هكذا قال؛ فسبحان الله، وهل أول كاتب لعلم الأصول الإمام الشافعي كانت كتابته كذلك؟! وهل علم الأصول إلا علم خادم للفهم والاستنباط؟ فإذا كانت هذه صفته، فكيف يؤدي غرضه؟ أليس أعظم كتاب وأنفعه للبشرية حتى كان دستورها العظيم، وقرآنا يُتلى آناء الليل وأطراف النهار، ذو أسلوب سهل سلس يفهمه القاصي والداني؟ ولقد عاب عليَّ أمثال هذا المتحدِّث حينما التزمت في رسالتي للدكتوراه، وفي بعض أبحاثي، أن تكون كتابتي في الأصول سلسة مدعَّمة بالأمثلة الواقعيَّة التي تظهر القاعدة وتوضحها - وأرجو أن أكون وفقت في ذلك - فقال لي غير واحد: لقد خرجت عن الأصول إلى الفقه، بل إلى الفقه المقارن، لماذا لا تذكر المثال وتمضي، فالمهم هي القاعدة الأصولية؟ قلت: عجبًا من مثل هذا الكلام! وهل غرض القاعدة الأصولية سوى التمثيل والتطبيق؟ ألم يقل الإمام الشاطبي: "كل مسألة موسومة في أصول الفقه لا يبنى عليها فروع فقهية،

стр. 25

أو آداب شرعية، أو لا تكون عونًا في ذلك؛ فوضعها في أصول الفقه عاريةٌ" (١)، أليس تنمية ملكة البحث والاستنباط والاجتهاد تكون بضرب الأمثلة بل والتطويل فيها، مع التوضيح والتفصيل والاستدراك والرد على التوجيهات والاستدلالات مرة بالإلزام بقاعدة أخرى، ومرة بتوضيح عدم اطراد القاعدة، ومرة بالاستثناء منها، أو إدخال ما ليس منها فيها، لدليل أو قرينة وما أشبه ذلك. ولا يخفى أن أثر التأصيل لا يظهر إذا كان بمنأى عن التطبيق، فعلم الأصول أُضيف إلى الفقه: "أصول الفقه" ولم يُضف للفقه إلا لكونه مفيدًا له، ومحققًا للاجتهاد فيه، فإذا لم يكن مفيدًا فليس هو من أصول الفقه. وقد حمدت للباحث الكريم سلاسة أسلوبه، وحسن تمثيله، وقربه من روح الكتاب والسنة؛ ليدلل على أن علم أصول الفقه ليس علمًا جامدًا كما يقولون، أو علم استوى واحترق كما يزعمون، بل هو علم مرن ممتع سلس لمن فهمه وأدرك غايته، وأحسن استخدامه، بل هذا العلم على حقيقته وصورته البهيَّة التي وضعها أسلافنا، يقدِّم حلولًا منطقيَّة علميَّة لكثير من إشكالات مسائل الخلاف، ولا أظنني أُغرب إذا قلت: إن حل معضلات مسائل الخلاف محصورة في معرفة علمين لا ثالث لهما: علم أصول الفقه، وعلم أصول الحديث، فالأول يضبط الاستدلال، والآخر يضبط الدليل، وإذا استقام الأمران، استقام الفهم، وقَرُبَ من فهم السلف، وبقدر إدراك

стр. 26

العلمين، بقدر ما تنحصر مسائل الخلاف، وبقدر ما تتوحد الأمة على منهج سواء لا تقع معه في معضلات الخلافات والتناحرات والصراعات والاتهامات. ولعل منهج التمثيل هذا، يحقق طريقة الأصوليين والفقهاء في التوظيف العملي لتفسير ألفاظ الشارع، وإيقاف طالب العلم على نماذج من ذلك، مما يُكسبه الدربة والمراس، واتساع الآفاق وطول النفس في المسائل، وطلب الدليل لها بكافة الإمكانات، مع عدم العجلة والإسراع في الجزم بالحكم، الذي يتبعه كيفية التعامل مع الخلاف والمخالف، بشكل أرحب وصدر أوسع. لذلك كله أعجبني جدًّا مسلك باحثنا الكريم في التمثيل، وهو التمثيل الموسَّع أو البحث الفقهي الموسع (١) في بعض المسائل، رغم أنه قد تكون هذه الطريقة في التمثيل معيبة على مذهب البعض في بحث المسائل الأصولية، غير أني أراها عين الصواب، وفصل الخطاب من طرق التمثيل الأصولي؛ حيث إن ثمرة علم أصول الفقه لا تظهر إلا بالمثال، والمثال إذا لم يُبحث من جميع جوانبه، قد لا يسلم تمثيلًا صحيحًا على القضية الأصولية المراد لها الاستدلال لمعارضة البعض فيها، يُفسِّر هذا أن الأصوليين اختلفوا في التمثيل لمسائل معينة، وعارض بعضهم بعضًا في ذلك، فإذا ضربنا المثال لتوضيح القاعدة فقط، قد يُناقشنا البعض نقاشًا آخر حتى يُثبت لنا أن عكس المثال هو الذي يصلح للقاعدة؛ فإذا بحثنا المثال بحثًا فقهيًّا موسعًا، وبيَّنَّا كيف استدل به

стр. 27

الأصوليون كل لمذهبه، حصلت الثمرة المرجوَّة من التمثيل، وانطلق المرء على بصيرة فيما يعمل به أو يترك. ثالثًا: ضرورة الكتابة الأصولية بلغة سهلة موافقة للعصر . مما يُعين على حسن التصنيف وقبول الناس للبحث العلمي: موافقة العصر في كل الجوانب؛ في الأسلوب، واللغة، في الترتيب، والتقسيم، والتنويع، في التمثيل المعاصر، فالانطلاق من روح العصر مع التمسك بثوابت الكتاب والسنة وعمل الأولين من السلف، يحقق الثمرة المرجوَّة التي تفرِّق بين الكتابة القديمة والمعاصرة، ولا تُحمد البتة تلك الكتابات التي يكتب أصحابها فيها وكأنهم يعيشون في القرن السادس الهجري. ولقد أحسن الباحث حينما قسَّم الرسالة تقسيمًا حسنًا يتوافق مع روح البحث العلمي المعاصر، وزاد الرسالة حسنًا حينما قسم أنواع الترك تقسيمًا مفصَّلًا واضحًا، الأمر الذي أراحه في التأصيل وبناء الحكم، على وجه لا يلتبس على القارئ، وهذا مرده إلى سلاسة الأسلوب التي ذكرناها سابقًا. وقد أتاح التقسيم الصحيح الدقيق للترك الإجابة عن كثير مما أورده الشيخ الغماري في رسالته في الترك، هذه الرسالة التي تأثر بها كثير من الناس وبَنَوا عليها على صغر حجمها، وعدم تحرير مسائلها تحريرًا أصوليًّا جيدًا، فتتبعه الباحث تتبعًا علميًّا محررًا في كل ما قال، وفرَّق ذلك على حسب مواضعه من الرسالة، مبينًا وجه الصواب فيه دون اعتساف أو تعصب، أو تبني الآراء المسبقة، وهذه ميزة تحمد لكل باحث سواء أصاب أو أخطأ. وقد حلَّى الباحث رسالته بالمسائل المعاصرة، وهي مسائل طال حولها

стр. 28

الجدل في بعض بلدان المسلمين، وهو صنيع يُحمد عليه، وله فائدة من وجهين: الأول: بيان أن التطبيق مرتبط دائمًا بالتأصيل في كل وقت وحين، وليس الأمر على عواهنه ليحلو لمن شاء أن يفعل ما يريد بحجة استحسانه. والثاني: إيجاد الحلول العلميَّة للمسائل المشكلة المعاصرة، وليس يُسكت المسيء غير العلم. وإن كنت أود أنه زاد في التمثيل المعاصر بعض المسائل الأخرى التي ثار ويثور حولها الجدل في بعض البلاد أيضًا؛ مثل: الأذان الموحد الذي يُبث على الإذاعة من إحدى المساجد الكبيرة، وتتلقاه المساجد جميعًا عبر ذلك البث، وقد انتشر ذلك في بلادنا بلاد الشام، وكذلك ما يفعله البعض من صلاة ركعتين في جماعة شكرًا لله تعالى عند وجود ما يُفرحهم، وكذلك مسألة قراءة القرآن في مكبرات الصوت في المساجد قُبيل الأذان، وغيرها من المسائل المعاصرة. رابعًا: اقتران علم الأصول بعلم الحديث . هناك انفصال مزعوم وسمج بين العلمين؛ علم الحديث وعلم أصول الفقه، وقد تطور هذا الانفصال حتى أصبح يُعاب على المشتغلين بعلم الحديث من قبل الفقهاء، وقل العكس أيضًا، وكما قلنا سابقًا: إن العلمين لا غنى لأحدهما عن الآخر؛ فعلم الحديث يضبط الدليل، وعلم أصول الفقه يضبط الاستدلال، فأنى للأصولي أن يضع القواعد الأصولية التي تستنبط منها الأحكام دون درايةٍ بعلم الحديث، وتسليمٍ لأهل الاختصاص فيه، وقل العكس أيضًا، ولذلك كان الإمام الشافعي يقول للإمام أحمد: "يا أحمد أنت أعلم بالحديث مني، إذا صح عندك الحديث فأعلمني كي آخذ به"،

стр. 29

وصورة من الحاضر مشابهة لتلك الصورة أن الإمام عبد العزيز بن باز، كان يُهاتف العلامة المحدِّث الألباني مرات عدَّة ليسأله عن صحة حديث ما ليفتي به أو ليستنبط منه حكمًا شرعيًّا. ولأجل ذلك قال الخطابي في مقدمة كتابه معالم السنن: "ورأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين وانقسموا إلى فرقتين: أصحاب حديث وأثر، وأهل فقه ونظر، وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة، ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغية والإرادة؛ لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع، وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفر وخراب. ووجدت هذين الفريقين على ما بينهم من التداني في المحلين والتقارب في المنزلتين، وعموم الحاجة من بعضهم إلى بعض، وشمول الفاقة اللازمة لكل منهم إلى صاحبه، إخوانًا متهاجرين، وعلى سبيل الحق بلزوم التناصر والتعاون غير متظاهرين" (١). فَمدَّعو الانفصال بين العلمين قد ضلوا سواء السبيل، وفصلوا بين متلازمين لا يمكن لأحدهما أن ينفك عن الآخر بحال، ولقد اشتهر بعض العلماء بالبراعة في العلمين معًا، كأمثال أبي المظفر السمعاني، والخطيب البغدادي، بل إن واضع علم الأصول كان يلقَّب بناصر الحديث.

стр. 30

أقول هذا الكلام لأنه ظهرت فئة من الأصوليين قديمًا وحديثًا، لا دراية لهم البتة بعلم الحديث، فظهر منهم العجب العُجاب فيما يؤصلون ويستنبطون من قواعد، حتى إن أحدهم ليبني قاعدة على حديث موضوع أو ضعيف جدًّا لا يُمكن أن تقوم به حجة، حتى طفحت كثير من كتب الأصوليين بمثل هذه الأحاديث، وأُدرج عدد ليس بالقليل منها تحت القواعد الأصوليَّة، مع وجود أحاديث صحيحة يصح الاستدلال بها على ما يُريدون، ولا أُريد في هذه العجالة أن أتحدث عن مناقضة القواعد العقليَّة للسنة النبوية، مما حدى بهؤلاء أن يردوا السنة لمخالفتها ما أسموه بمسلمات العقول، هذا جزء مما جره الانفصال السمج بين علم الحديث وبين علم الأصول، الأمر الذي ينبغي معه أن تشتد الدعوة إلى إعادة الترابط بين العلمين، وإظهار ذلك بالحجة والبرهان، وما أُوتينا من قوة. وقد وجدت في هذه الرسالة إضافة إلى جمال التأليف الأصولي: الدراية بعلم الحديث والإطلاع على علومه من مصادره المختلفة، مما أكسب الرسالة قوة، وسلاسة لا يجد القارئ معها مللًا؛ فوفِّق الباحث للموازنة بين الجانب النظري، وبين الجانب العملي، مستشهدًا بما صحَّ عن النبي ﷺ من السنة المطهَّرة، ومستقرئًا للكتب الستة لمعرفة تروكه ﷺ ، جامعًا لطرق الحديث الواحد، ليقدم لنا علمًا كثيرًا، وهذا مسلكًا بات غريبًا نوعًا ما على الدراسات الأصولية، رغم أنه الأصل فيها، فلم يتعود الباحثون الرجوع إلى مصادر السنة النبوية المطهرة لاستخراج القواعد الأصولية، والتدليل على صحتها،

стр. 31

وأقول: لو سمَّى الباحث رسالته: "تروك النبي ﷺ دراسة حديثية تأصيلية"، بدل: " ... دراسة تأصيلية تطبيقية" (١)، لما كان ذلك بعيدًا عن مضمونها، فالنَّفسُ الحديثي واضح جدًّا في هذه الرسالة. خامسًا: لا تكتب إلا ما تفهم . كلمة سمعت مضمونها كثيرًا من أشياخنا، وما أدركتها إلا حينما خضت غمار البحث والقراءة لتصيبني الحيرة مع كثير من الكاتبين، ماذا يريدون؟ وما الفكرة التي يدندنون حولها؟ وما الذي يدور في أذهانهم؟ ولئن كانت الدراسات العلميَّة بحاجة إلى هذه الكلمة فليس أحوج من علم الأصول إليها؛ لعسورة التقعيد، وصعوبة التأصيل، وتنكُّب قَصَارِ الهمم عنه، فلا بد من إحياء هذا العلم ببسط العبارة وتبسيطها، والقرب به من روح الكتاب والسنة، والخروج عن طريقة المتكلمين فيه، لئلا يدخل في الأصول ما ليس منه. وقد ظهرت هذه الميزة جليَّة في باحثنا الأصيل، واستفدت مما فَهِمَ في مواضع كثيرة، وأهتبل هذه الفرصة لأوجِّه نصيحة إلى طلبة العلم والباحثين سواء في الدراسات الأكاديميَّة، أو في الدراسات غير الأكاديميَّة؛ وهي: أن لا يستعجلوا في البحث، وأن لا يحرصوا على إخراج ما كتبوه للناس على عجل؛ فمن صنَّف فقد استُهدِف، وعرض عقله على الناس، ومن لوازم

стр. 32

ترك العجلة أن تتوفر دواعي الفهم والوعي لكل جزئية من جزئيات بحث الباحث، فمن فهم ما يقول استطاع أن يُوصِلَ المعلومة التي يريد للقارئ بأقل التكاليف، وبأيسر العبارات. وقد أصبحت الرسائل العلمية - وللأسف - اليوم تخرج للناس وليس فيها هذه الميزة؛ فالطالب مقيَّد بوقت معين ليخرج رسالته، وهو بعد لم يتمرَّس في البحث والدراسة ومعرفة عبارات العلماء ودقائق المسائل، ولم تتكون لديه الملكة الفقهيَّة للاستنباط والاستخراج والتخريج، فأنى له كتابة المفيد، فلا أقلَّ من أن يتريث في البحث والكتابة، ولا يكتب إلا ما يفهم، ولا يُخرج ما يكتب إلا بعد الاستشارة والاستخارة، والعرض على أهل العلم وطلبته. وأخيرًا أقول: كان لابد من وجود مثل هذه الدراسة العلميَّة المفصَّلة، التي تبين حقيقة الترك وأقوال أهل العلم فيه، مع التحرير والإنصاف والاستقراء والضبط، وتتبع مصادر السنة النبوية، وأقوال الصحابة - رضوان الله عليهم -، ومعرفة متى يُبنَى على الترك حكم ومتى لا يُبنَى عليه حكم، إذ السنة وعمل الأولين من السلف، المرجع المعتمد في تقرير القواعد وتحرير الفوائد العلميَّة التأصيلية، ويتبعهما في المرجعيَّة أقوال الأصوليين والفقهاء وتقعيداتهم، وبحسب القرب وعمل الأولين من السلف، بحسب ما يتقرر صدق القاعدة وأهميتها، وأتمنى على الباحث الكريم إن كان قد مر به أثناء كتابته لهذه الرسالة زيادة تفصيلات في مسألة الترك، أو مزيد أمثلة سنيَّة، أن يستكمله قبل طباعة هذه الرسالة؛ لتكون رسالته موسوعة علميَّة في هذا الموضوع.

стр. 33

جعلنا الله تعالى هداة مهديين، وللحق متبعين، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وكتب د/ أَبو قدامة أشرف بن محمود بن عقلة الكناني أستاذ أصول الفقه في قسم الفقه وأصوله كلية الشريعة/ جامعة اليرموك/ إربد/ الأردن kinane@yu.edu.jo ashrafalkinane@yahoo.com الأربعاء ٤ رجب ١٤٣١ هـ يوافقه ١٦/ ٦ / ٢٠١٠ م

стр. 34

التروك النبوية «تأصيلا وتطبيقا» تأليف محمد صلاح محمد الإتربي تقديم الأستاذ الدكتور عبد الحميد أبو زنيد فضيلة الشيخ محمد عبد المقصود الأستاذ الدكتور أحمد عبد الرحمن النقيب فضيلة الشيخ ياسر حسين برهامي الأستاذ الدكتور أشرف بن محمود الكناني إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدارة الشؤون الإسلامية دولة قطر

стр. 35

دولة قطر - وزارة الْأَوْقَاف والشؤون الإسلامية طبعة خَاصَّة بوزارة الْأَوْقَاف والشؤون الإسلامية - دولة قطر الطبعة الأولى ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م

стр. 36

التّروكُ النَّبَويَّةُ «تَأصِيلاً وَتَطْبِيقًا»

стр. 37

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 38

المقدمة إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد: ففضل العلوم الشرعية وشرفها لا يخفى على أحد، ومنزلة طالبيها والحاملين لها والعاملين بها لا تدانيها منزلة، ولا شك أنها منازل ودرجات، وكلما كان العلم محققًا للغاية منه - وهو فهم مراد الله ومراد رسوله ﷺ كان شرفه أعلى وفضله أتم.

стр. 39

ومن أعظم العلوم التي توصل إلى ذلك "علم أصول الفقه"، فهو علم عظيم القدر، جليل النفع، إذ به يتوصل الإنسان إلى الفهم في الدين المحقق للخيرية في الدنيا والآخرة، وذلك كما قال النبي ﷺ : "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (١). فهذا العلم يضع الضوابط والقواعد والأصول التي يطبقها المجتهد على آيات الله ، وأحاديث رسوله ﷺ لكي يعرف حكم الله تعالى في المسألة، فتحصيله شرط في المجتهد، ولا غنى لطالب العلوم الشرعية عنه. فالأمر كما قال الجويني: "الوجه لكل متصد للإقلال بأعباء الشريعة أن يجعل الإحاطة بالأصول شوقه الآكد، وينص مسائل الفقه عليها نص من يحاول بإيرادها تهذيب الأصول، ولا ينزف زمام الذهن في وضع الوقائع - مع العلم بأنها لا تنحصر - مع الذهول عن الأصول". وإذا كان الفقه هو التطبيق العملي لتلك القواعد والنظريات، فلابد إذن أن يتوافق العِلمان ويسيرا جنبًا إلى جنب، فعلم الأصول يمثل الجانب النظري وعلم الفقه يمثل الجانب التطبيقي والعملي لذلك التأصيل والتنظير.

стр. 40

وكان مما أضمرته في نفسي أن أقوم حينما أجد الفرصة سانحة بدراسة تجمع بين الجانب النظري: المتمثل في الدراسة الأصولية، والجانب العملي: المتمثل في الدراسة الفقهية. وحينما أتيح لي اختيار موضوع لنيل درجة الماجستير (١): اهتبلت الفرصة لتحقيق ما أصبو إليه، فبحثت عن موضوع يحقق لي ما كنت أرجوه من منهج الدراسة، وبعد البحث تبين لي أن موضوع "التروك النبوية" من المواضيع التي تستحق الدراسة الفعلية، ذلك أني لم أجد أحدًا تناوله بالدراسة العميقة فيما أعلم. • أسباب اختيار "التروك النبوية" موضوعًا للدراسة: لقد كان من أهم أسباب اختيار "التروك النبوية" موضوعًا للدراسة: أهمية التشريع بالترك أصوليًّا وفقهيًّا: وذلك أن التروك النبوية تمثل أحد قسمي السنة، فإذا كانت السنة النبوية هي أفعاله ﷺ ، فإن الفعل ما هو إلا فعل إيجابي أو سلبي، وهذا الأخير هو الترك، أضف إلى ذلك تعلق هذا الباب بكثير من مسائل أصول الفقه كالمصلحة المرسلة، والبدعة، والتأسي، والأصل في الأشياء، والتكليف، والمقاصد، وغير ذلك من الأبواب التي يتعلق بها أحكام فقهية.
следующие страницы →