المقدمة
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد:
ففضل العلوم الشرعية وشرفها لا يخفى على أحد، ومنزلة طالبيها والحاملين لها والعاملين بها لا تدانيها منزلة، ولا شك أنها منازل ودرجات، وكلما كان العلم محققًا للغاية منه - وهو فهم مراد الله ومراد رسوله ﷺ كان شرفه أعلى وفضله أتم.
стр. 39
ومن أعظم العلوم التي توصل إلى ذلك "علم أصول الفقه"، فهو علم عظيم القدر، جليل النفع، إذ به يتوصل الإنسان إلى الفهم في الدين المحقق للخيرية في الدنيا والآخرة، وذلك كما قال النبي ﷺ : "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (١).
فهذا العلم يضع الضوابط والقواعد والأصول التي يطبقها المجتهد على آيات الله ، وأحاديث رسوله ﷺ لكي يعرف حكم الله تعالى في المسألة، فتحصيله شرط في المجتهد، ولا غنى لطالب العلوم الشرعية عنه.
فالأمر كما قال الجويني: "الوجه لكل متصد للإقلال بأعباء الشريعة أن يجعل الإحاطة بالأصول شوقه الآكد، وينص مسائل الفقه عليها نص من يحاول بإيرادها تهذيب الأصول، ولا ينزف زمام الذهن في وضع الوقائع - مع العلم بأنها لا تنحصر - مع الذهول عن الأصول".
وإذا كان الفقه هو التطبيق العملي لتلك القواعد والنظريات، فلابد إذن أن يتوافق العِلمان ويسيرا جنبًا إلى جنب، فعلم الأصول يمثل الجانب النظري وعلم الفقه يمثل الجانب التطبيقي والعملي لذلك التأصيل والتنظير.
стр. 40
وكان مما أضمرته في نفسي أن أقوم حينما أجد الفرصة سانحة بدراسة تجمع بين الجانب النظري: المتمثل في الدراسة الأصولية، والجانب العملي: المتمثل في الدراسة الفقهية.
وحينما أتيح لي اختيار موضوع لنيل درجة الماجستير (١): اهتبلت الفرصة لتحقيق ما أصبو إليه، فبحثت عن موضوع يحقق لي ما كنت أرجوه من منهج الدراسة، وبعد البحث تبين لي أن موضوع "التروك النبوية" من المواضيع التي تستحق الدراسة الفعلية، ذلك أني لم أجد أحدًا تناوله بالدراسة العميقة فيما أعلم.
• أسباب اختيار "التروك النبوية" موضوعًا للدراسة:
لقد كان من أهم أسباب اختيار "التروك النبوية" موضوعًا للدراسة: أهمية التشريع بالترك أصوليًّا وفقهيًّا: وذلك أن التروك النبوية تمثل أحد قسمي السنة، فإذا كانت السنة النبوية هي أفعاله ﷺ ، فإن الفعل ما هو إلا فعل إيجابي أو سلبي، وهذا الأخير هو الترك، أضف إلى ذلك تعلق هذا الباب بكثير من مسائل أصول الفقه كالمصلحة المرسلة، والبدعة، والتأسي، والأصل في الأشياء، والتكليف، والمقاصد، وغير ذلك من الأبواب التي يتعلق بها أحكام فقهية.
стр. 41
ومع كل ذلك، فإن تناول هذه المسألة لم يشتهر بين الأصوليين، فهم لم يفصلوا القول فيها على غرار فعلهم في المسائل الأصولية الأخرى، فهم مثلًا لم يعرِّفوا لنا: ماهية الترك، وما يندرج تحته من قواعد وأصول وأحكام وضوابط على نحو مفصل كصنيعهم في المسائل الأصولية الأخرى، ولو استعرضنا أشهر المؤلفات في أصول الفقه، ومقدار تناول تلك المؤلفات لهذه المسألة، لا تضح لنا جليًّا مقدار ذلك التناول، ولتبَّين لنا أن هذه المسألة لم تنل حظها من الدراسة العميقة بعد.
ولا يخفى على المتتبع لكلام أهل العلم، أنهم يَصدُرون - فيما يتعلق بالترك أو غيره من أحكام - عن قواعد واضحة، ومناهج محددة: سواء وضحوا تلك القواعد وذكروها، أو سكتوا عنها كما هو الحال في مسألتنا هذه.
وهذه القواعد التي سكتوا عنها فلم يذكروها: إذا أردنا أن نَتَبيَّنها فلابد من النظر فيما خلفوه من فروع فقهية كثيرة، ثم النسج على منوالهم ومنهجهم في استنباط تلك القواعد الأصولية حتى تتضح لنا تلك القواعد التي لا سبيل لنا أن نطلع عليها بطريق آخر، فهم لم يدونوها في مؤلفاتهم مفصلة مبينة كما سبق.
وأمرٌ كهذا يتطلب دراسة شاملة جامعة لشتات الموضوع، إن لم يكن دراسات.
* * *
стр. 42
• ما تهدف إليه هذه الدراسة:
لا شك أن الموضوع بهذه الصورة لا يمكن حصره، فهو طويل ومتشعب، لذا كان لابد من تحديد الأهداف التي يرجى تحقيقها من دراسة هذا الجانب الأصولي المهم، ولذا فقد وضعت نصب عيني هدفا أساسيًا واحدًا وهو:
الوصول إلى تأصيل مناسب لمسألة الترك، وذلك بوضع تصور أصولي كامل عنها، بعد بحثها من جميع جوانبها، ولم شتات ما تناثر من قضاياها بين بطون الكتب من قواعد أصولية وفقهية، ومسائل ومباحث، وكذلك البحث عن القضايا التي تندرج تحت الترك، وقد بحثت وقررت في غير موضع الترك حتى يكتمل تأصيل هذا الجانب الأصولي المهم.
فهذه الدراسة إذن تهدف إلى توضيح دلالات ترك النبي ﷺ حتى يستطيع المجتهد أن يَصدُر في حكمه على القضايا والوقائع الحادثة عن تأصيلٍ واضحٍ، وقواعدَ مقررةٍ محددةٍ في جانب التروك مع وضع الشروط والضوابط التي يعرف بها التفريق بين أنواع الترك، والتي تقتضي تبعًا التفريق بين أحكام المتروكات.
ولتحقيق هذا الهدف يتعين تطبيق تلك الأصول على الوقائع الحادثة حتى تظهر أهمية ذلك الأصل، ويخرج هذا الفرع على ذلك الأصل، فيعلم كيفية الاستفادة من تلك الأصول، وكيف يمكن أن تطبق في واقع الناس فلا تكون مجرد ترف عقلي أو ثراء علمي لا حاجة ماسة إليه.
بيد أن هناك أهدافًا أخرى تابعة لها، منها:
стр. 43
١ - ذكر أمثلة غير تلك الأمثلة التي تعارف الأصوليون عليها، حتى إن الناظر في كتبهم ليكاد يظن أن تلك الأمثلة القليلة هي كل ما يمكن حصره، أو العثور عليه.
٢ - بيان الارتباط والتداخل الوثيق بين علوم الشريعة، ومدى التناسق والانسجام بين تلك العلوم كالفقه، والأصول، والحديث، بل ومدى احتياج الدارس إلى كل تلك العلوم على حد سواء، وذلك من خلال نموذج عملي كمثال.
٣ - بيان أحكام الحوادث الجديدة التي تكلم فيها المعاصرون، وهي في حقيقتها مبنية على هذه المسألة.
* * *
• المنهج المستخدم في الدراسة:
اقتضت طبيعة الدراسة أن تتعدد مناهج البحث التي استعملت فيها، وذلك بحسب المراد، فقد استعمل المنهج الاستقرائي لجمع النصوص المتعلقة بالدراسة، والمنهج النقلي لتوثيق ما ورد به من نصوص، والمنهج التحليلي الاستنباطي للوصول إلى ما تدل عليه تلك النصوص، وقد تمثلت خطوات تطبيق هذه المناهج كما يلي:
١ - البحث في دواوين السنة عن كل ما نقل عن النبي ﷺ مما يقتضي تركًا وذلك من أجل الوقوف على جوانب ذلك الترك، فكل ما نقل عن النبي ﷺ أنه تركه، أو أعرض عنه، أو فعل بحضرته، أو بغيبته وأقره، داخل في
стр. 44
مجال الدراسة، فكان لابد من قراءة لكتب السنة، حيث إنها المصدر الأصلي للوصول إلى ذلك، واكتفيت في هذا الصدد: بالكتب الستة - صحيحي البخاري ومسلم والسنن الأربعة - حيث إنها تشتمل على معظم ما صح عن النبي ﷺ .
٢ - جمع ما توفر من تلك المادة الحديثية، وإعادة تخريجها تخريجا كاملًا من الكتب الستة، وغيرها، وجمع روايات الحديث الواحد، واستبعاد الضعيف منها.
٣ - كانت النية متجهة إلى البحث في التراث الإسلامي الفقهي حتى يجمع ما نقل عن أئمتنا المتقدمين في ذلك الشأن، وذلك يقتضي البحث في كل مذهب على حدة، وبعدما بدأت في ذلك فعلًا تبين لي أن هذا الأمر مما تفنى دونه الأعمار، وتنقطع الآجال، والسبب في ذلك أن هذه الدراسة لم تقيد بحدود زمنية أو مكانية تحدد مجال البحث - ولا يمكن تقييدها - لأسباب لا تخفى، لذا فقد اكتفيت بتحديد المسائل التي دلت عليها الأحاديث التي تم استخراجها، وما تم إيداعه في هذه الدراسة منها قمت ببحثه بحثًا فقهيًّا مقارنًا بحسب الحاجة إلى ذلك.
٤ - جمع المادة الأصولية المتعلقة بموضوع الدراسة.
ومع ندرة المادة الأصولية وتشعبها وتعلقها بمباحث أخرى، وكذلك وجودها في غير مظانّها، كان لابد من جرد للمؤلفات الأصولية قدر المستطاع للعثور على ما يخص الدراسة من الجانب الأصولي.
٥ - بعد توفر تلك المادة كان لابد من إجالة النظر في كل ما جمع، ووضع تصور مناسب يجمع شتات الموضوع، وهذه الخطوة كانت أصعبهن جميعًا،
стр. 45
وأطولهن وقتًا، فقد كنت أضع التصور العام للدراسة، وبعد المضي فيه: يظهر ما يقتضي نقضه، وإعادة تغييره، حتى وصل عدد التصورات التي وضعت؛ ونقضت، ما يقارب العشرين، إلى أن استقر الأمر على هذه الصورة ولله الحمد والمنة.
٦ - كان منهج تخريج الأحاديث هو أن تخرج تخريجًا مختصرًا وذلك كما يلي:
- إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما أكتفي بالعزو إليهما، إذ إن ذلك كاف في التعريف بصحة الحديث.
- إذا كان الحديث خارج الصحيحين، أذكر موضع الحديث في السنن الأربعة، ثم أذكر درجة الحديث من حيث الصحة والضعف.
- إذا كان الحديث خارج الكتب الستة، بينت موضعه الذي نقلته منه فقط، ثم درجته من حيث الصحة والضعف.
- اعتمدت في بيان درجة الحديث على حكم الشيخ الألباني عليه مع عزو ذلك الحكم إلى مصدره، وحيث لا أجد حكمًا للألباني أنقل من وجدت حكمه مع العزو.
- اعتمدت في العزو للصحيحين والكتب الستة على النسخ المعتمدة عند المشتغلين بالحديث، وقد عزوت للمجلد والصفحة ورقم الحديث - حيث وجد - على الترتيب (١).
стр. 46
٧ - كان منهج توثيق النصوص كما يلي:
- النصوص التي ذكرت بنصها: أذكر المصدر الأصلي التي ذكرت فيه، ولا أعزو لمصدر ناقل عنه إلا حين يتعذر الوصول للمصدر الأصلي، وفي هذه الحالة أنبه أني نقلت من مصدر غير أصلي وأسميه، وهذا لم يحدث إلا في مواضع قليلة بينتها في موضعها.
- قمت بذكر بيانات المصدر كاملة عند أول ذكر له في الهامش ثم اكتفيت فيما بعد ذلك بتسميته فقط.
٨ - اقتصرت في التعريف بالأعلام على الأصوليين والفقهاء غير المشهورين، فلم أُعرِّف بالمشهورين منهم كالأئمة الأربعة، وكذلك لم أعرف بغيرهم كالأعلام الذين ورد ذكرهم داخل نص منقول، أو في متن حديث، وكذلك لم أعرف برواة الأحاديث، ولا الأعلام اللغويين، وكذلك لم أعرف بالمعاصرين.
• عرض موجز للدراسة:
بدأت هذه الدراسة أولًا بتعريف الترك في اللغة وبيان حقيقته عند الأصوليين، واقتضي ذلك بيان اتجاهات الأصوليين في تعريف الترك، وهل هو فعل أم لا، وما يترتب على ذلك الخلاف من آثار أصولية وفقهية، ثم بيان تعريف ترك النبي ﷺ عند الأقدمين والمعاصرين والتعريف المختار بعد تناول أهم تلك التعريفات بالتحليل والدراسة، ثم بيان طرق الوصول إلى معرفة
стр. 47
التروك النبوية، وكذلك أقسام تلك التروك مع بيان وجه التقسيم، والتقسيم المختار.
وقد كان محل ذلك هو الباب الأول.
وانتهت الدراسة - في هذا الباب - إلى تقسيم الترك إلى ترك وجودي وما يلحق به، وترك عدمي وما يلحق به.
فكان بيان الترك الوجودي: ببيان تعريفه، وأقسامه، وأمثلته، وتطبيقاته الفقهية، ودلالاته الأصولية، وما يلحق به: في باب مستقل، هو الباب الثاني.
أما الباب الثالث فكان خاصًا ببيان النوع الثاني وهو الترك العدمي، وذلك على غرار ما فعل في الباب الثاني حيث كان الفصل الأول لبيان تعريفه وبيان أقسامه ودلالته، والفصل الثاني للتطبيقات المتعلقة به، والثالث لما يلحق به وهو ترك الاستفصال.
ثم يأتي بعد ذلك خاتمة ذكرت فيها أهم ما استبان لي من المصاحبة الفعلية للموضوع "نتائج الدراسة"، ثم توصيات الدراسة، وكذلك ملخصًا لها.
ثم تأتي فهارس عامة لتسهيل الإفادة من هذه الدراسة متضمنة فهارس للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية والآثار والأعلام المترجم لهم، والمسائل الفقهية التي بحثت، ثم المصادر والمراجع، وأخيرًا: فهرسًا للموضوعات.
* * *
стр. 48
وبعد ..
فهذا مَرَكبٌ صعبٌ ركبتُه، ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرت لتَنَكّبتُه، فوالله لو كُلفت نقل جبل أو هدمه، لكان أهون علي مما تعرضت له وقصدته، فلطالما هممت أن أنزع عما أردت، ولكثيرًا ما نظرت فيما كتبت: فقلت لنفسي: أي عجب ملأني! .. وأي سخف هزني! .. فاستشرفت لما لست له بأهل، وتجاسرت على ما يعظم على الفحل، فهممت أن أنكص عما أردت، وأعود من حيث بدأت، واستشرت في ذلك من أثق به، فلولا إرادة من الله لما تم ما أقدمت عليه، لكن الله إذا أراد بعبد أمرًا هيأه له وأعدَّه.
وأنا أربأ بنفسي أن أكون ممن فقد صوابه أو طار عقله، فظن أن كل ما كتب صواب لا يصح رفضُه، بل أنا على يقين بأن فيه ما يجب إثباته وما يجب محوه، وحاصل أمري أني بذلت من الجهد ما أحتسبُه، فقد تكلفت لأمري هذا ما لا يعلمه إلا الله وحده، فما كان فيه من توفيق فهو فضله وكرمُه، وما كان فيه من زلل فأنا تائب عنه كله، وما أبرئ نفسي عن الجهل والخطأ والنسيان وكل ما يجب ردُّه.
فيا أيها الناظر فيما سودتُه وزبرتُه، لا يحملنك الهوى على قبول ما فيه أو رده، بل اجعل الحق رائدك في تقييمه، واعذر كاتبه فيما أخطأ فيه، وفيما جهلَه، فإن العجز والتقصير لازم له: بل أصلُه، ويكفيه أن قد رام خيرًا وهذا جهدُه، وقلّ من هيأ أمرًا فهذبه ونقحه حتى أتمَّه، ثم راجعه فلم يجد فيه ما يستوجب نقضَه، فإن الله قد أَبى أن يكون الكمال لأحد سواه وحده.
стр. 49
وبعد ..
فيا أيها الناظر: لك غُنمُ ما تقرأ وعليّ غرمه، لك طيبه وعليّ وزره، فليكن حظي منك دعوة بظهر الغيب، بأن يتجاوز ربي عن الكثير من الزلل، ويقبل القليل من العمل، وأن يرحم ضعفي، ويجبر كسري، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ولا يفوتني أن أتوجه بالشكر إلى مشايخي الأفاضل وعلى الأخص الشيخ الوالد المفضال أسد السنة وفخر الأمة وزينة العلماء الشيخ أبي إسحق الحويني وحماي الفاضل، الشيخ النبيل ذي القدر الجليل الشيخ عماد صابر المرسي، والشيخ الحبيب محمد سعد الأزهري فلهم من المنة عليّ ما لا تفي الدنيا كلها برد يسير منه، أسأل الله تعالى أن يحفظهم من كل سوء، وأن يطيل في الخير بقاءهم، وأن يجزيهم عني بخير ما جزى به أحد عن أحد، إنه تعالى بكل جميل كفيل، وهو نعم المولى ونعم النصير.
كذلك أشكر كل من أعانني أو ساعدني من إخواني بكلمة أو توجيه أو نصيحة أو مساعدة أو كتابة أو مراجعة أو حتى دعوة صالحة، والمقام لا يتسع لذكرهم جميعًا: فالله أسأل أن يجزيهم عني خير الجزاء، وأن يجعل عونهم ذلك في ميزان حسناتهم يوم القيامة.
والشكر موصول لوالديّ جزاهما الله عني خيرًا، أسأل الله أن يجعل هذا العمل برمته في ميزان حسناتهما يوم القيامة، وأن يبارك في عمرهما، وأن
стр. 50
يحسن عملهما، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.
وأخيرًا:
هذا ما أردت بيانه، والله أسأل أن يوفقني فيما أنا بصددِه، وأن يكون عملي هذا خالصًا لوجهِه، وأن يجعله ذخرًا ليوم لا ينفع الإنسان شيء سوى عمله، وأن يجازي كاتبه خيرًا ويتجاوز عن خطئِه، وآخر دعوانا أن سبحان الله وبحمدِه، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا.
والحمد لله رب العالمين.
المؤلف
أبو عبد الرحمن محمد صلاح محمد الإتربي
الأربعاء: غرة ذي الحجة ١٤٣٠ هـ ١٨/ ١١ / ٢٠٠٩ م
стр. 51
تمهيد
اقتضت بعثة النبي الكريم ﷺ ، وكونه رسولًا من عند رب العالمين، أن يكون قدوةً لجميع البشر في كل ما صدر عنه ﷺ ، فأمر سبحانه المسلمين بالاقتداء والتأسي به والمتابعة له، وحثهم على ذلك، جاعلًا إياه في أعلى منزلة وأسمى مكانة، فمن تأسى به نال الخير كله، والرفعة، والسؤدد في الدنيا والآخرة، ومن لم يكن كذلك كان من أهل الذلة والصغار - كما قال ﷺ : "وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري" (١) - وحيث إن الأمر كذلك، فإن كل ما صدر عن النبي ﷺ أيًّا كان ذلك الصادر عنه - فيه تشريع للأمة من بعده، ودينٌ يُتَقَرب به إلى الله سبحانه.
وهذا الذي صدر عن النبي ﷺ عُرف عند المسلمين بالسنة؛ حيث كانت السنة مصدرًا من مصادر التشريع ومعرفة أحكام رب العالمين، فكان قول النبي ﷺ الذي أخبرنا سبحانه أنه وحي من عنده، فكلام الرسول ليس
стр. 52
ككلام بقية البشر بل كلامه معصوم، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤].
ومعلومٌ أن التكاليف الشرعية ما هي إلا طلب فعلٍ أو تركٍ، وغالب تلك التكاليف ما عُلم إلا من قول النبي ﷺ ، حيث إنّ القرآن لم يحتوِ على كثيرٍ من الأحكام المفصلة؛ بل تعرض لها إجمالاً، وبينت السنة ذلك الإجمال، وفسرته بقول النبي ﷺ ، وهذا أمر معلوم، لا يخفى على أحد.
وكما كان النبي ﷺ مشرعًا بقوله فقد كان مشرعًا بفعله، فالنبي ﷺ يصلي ويقول للناس: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١)، ويُعَلِّم الناس مناسك مناسك الحج بفعله، ويرشدهم إلى الاقتداء به، ويقول: "لتأخذوا مناسككم" (٢)؛ أي: عَنِّي.
ولذا كان تعريف السنة عند علماء الأصول متضمنًا قول النبي ﷺ وفعله - المتضمن للإقرار - المبين للأحكام.
وإذا كان النبي ﷺ مشرعًا بالفعل؛ فهل كان مشرعًا بالترك كذلك؟
لقد ورد في السنة ما يشير إلى أنه ﷺ كان قاصدًا الترك، فعن عائشة ﵂ قالت: "إن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل، وهو يحب أن يعمل به
стр. 53
خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم" (١).
فتركه ﷺ العمل كان لأجل حكمة تشريعية كذلك.
والأمثلة على ذلك كثيرة: منها ما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ صلى ذات ليلة بالمسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم" (٢)، وكان ذلك في رمضان.
وقد جاء في الحديث ما يقتضي أن الترك عبادة، من ذلك ما ورد من حديث معاذ بن أنس الجهني ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من ترك اللباس تواضعًا لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء" (٣).
стр. 54
وكذلك ما ورد من حديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك" (١).
وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لها: "ألم تري أنَّ قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم؟ "، فقلت: "يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ "، قال: "لولا حدثان قومك بالكفر لفعلتُ"، فقال عبد الله بن عمر ﵁: "لئن كانت عائشة ﵂ سمعت هذا من رسول الله ﷺ ما أُرَى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين الذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم" (٢).
هذه الأحاديث وغيرها تدل على أن النبي ﷺ كان مُشَرِّعًا بالترك، وأن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا ينقلون عن النبي ﷺ الترك كما كانوا ينقلون عنه الفعل سواء بسواء، وما ذاك إلا لما استقر في أذهانهم أن ذلك تشريع للأمة وبيان للأحكام، وأن الترك يتعلق به أحكام شرعية وثواب وعقاب وتكليف.
стр. 55
لكن ما هي صفة هذا التشريع، وهل كل ترك منه ﷺ يكون حجة، أم أن منه ما هو حجة ومنه ما ليس بحجة، وهل استنبط الفقهاء أحكامًا شرعية من تركه ﷺ ، وما هي الضوابط التي قام عليها هذا الاستنباط إن وجد؛ هذا ما أحاول بيانه في هذه الدراسة، وأسأل الله العون والسداد.
• الدراسات السابقة:
لم أقف على مؤلَّف أصولي واحد للأئمة المتقدمين يتناول مسألة الترك بالدراسة المستقلة، بل لم أهتد إلى عنوان مخطوط يحتمل أن يكون قد تناول التروك النبوية بالدراسة المستقلة، وهذا لا ينفي أن هذه المسألة قد وجد من تناولها في مؤلفاته، ومقدار هذا التناول يختلف من أصولي إلى آخر، لكن لا يخلو مؤلف أصولي من أحد مسائل الترك أو من الإشارة إلى أن الترك فعل فيجري عليه ما يذكر في مبحث الأفعال.
وهذا لا ينفي أن هناك من فَصّل الكلام في الترك بعض الشيء، ولم يكتف بمجرد الإشارة كابن حزم (ت ٤٦٥ هـ) في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام)، ومن بعده السمعاني (ت ٤٨٩ هـ) في (قواطع الأدلة)، والآمدي (ت ٦٣١ هـ) في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام)، والزركشي (ت ٧٩٤ هـ) في (البحر المحيط)، وهذا الأخير يذكر في كتابه أن الأصوليين لم يتعرضوا لبحث الترك ما عدا ما نقله عن السمعاني، رغم أنه ذكر في مقدمة كتابه أنه جمع مادته من أكثر من مائة كتاب.
стр. 56
وأمر كهذا دعا الصنعاني إلى الاعتذار عن صنيع الأصوليين هذا، فقال في معرض تقسيمه للسنة إلى قول وفعل وتقرير: "وهكذا عد أقسامها أكثر أئمة الأصول، ولم يذكروا الترك، لأن التروك داخلة في الأفعال - لأنها كف والكف فعل - ولا يقال: والتقرير كف أيضًا فلا حاجة إلى ذكره، لأنا نقول: إنما قلنا بدخول التروك في الأفعال توجيهًا لما وقع منهم" (١).
وكذلك هناك من فصل الكلام في الترك وطول البحث فيه بعض الشيء كابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) في (الفتاوى الكبرى) و (مجموع الفتاوى)، وابن القيم (ت ٨٥٢ هـ) في (إعلام الموقعين)، والشاطبي (ت ٧٩٠ هـ) في (الموافقات) و (الاعتصام).
وكذلك هناك ذكرٌ لمسألة الترك عند جماعة من المتأخرين كالمرداوي (ت ٨٨٥ هـ) في (التحبير شرح التحرير)، وابن النجار (ت ٩٧٢ هـ) في (شرح الكوكب المنير)، والشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) في (إرشاد الفحول)، لكنها كلها لا تخرج عن مضمون ما ذكره الزركشي في (البحر المحيط).
• أما على صعيد الدراسات المستقلة للمعاصرين فقد وقفت على ما يلي:
١ - " حسن التفهم والدرك لمسألة الترك" للشيخ عبد الله الصديق الغماري، وهي رسالة صغيرة جدًّا (٢) مطبوعة في نهاية رسالة له بعنوان:
стр. 57
"إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة"، وذهب في هذه الرسالة إلى أن الترك ليس دليلًا من أدلة الأحكام، وأن الترك لا يدل على حكم أو يدل على الإباحة، وذكر بعضًا من التطبيقات ذهب إلى أنها كلها تقع على الإباحة، وهذه الرسالة - على صغرها - تعد مصدرًا يعتمد عليه كثير من المعاصرين ممن اطلعت على كلام لهم في مجال الدراسة: كالدكتور عيسى بن عبد الله بن محمد بن مانع الحميري في رسالته: "البدعة الحسنة أصل من أصول التشريع"، وكذلك وهبي سليمان غاوجي الألباني في كتابه: "كلمة علمية هادية في البدعة وأحكامها". وقد تناولت الكلام على المسائل التي ذكرها الشيخ الغماري في موضعها من هذه الدراسة (١).
٢ - "رؤية أصولية لتروك النبي ﷺ " للدكتور صالح قادر كريم الزنكي (٢)، وهو بحث نشر بمجلة الحكمة العدد الثاني والعشرون محرم ١٤٢٢ هـ، والتي تصدر من بريطانيا - ليدز، وهو بحث تكلم فيه عن ماهية الترك فقط، وهو في تعريفه للترك يرى أن الأصوليين لم يقدموا تعريفًا له - وسوف تُناقش هذه القضية في موضعها - ولم يتعرض لما سواها من مباحث متعلقة بالترك.
٣ - "تنبيه النبيل إلى أن الترك دليل" تأليف: محمد بن محمود بن
стр. 58
مصطفى السكندري (١)، وقد خصصه الباحث لمسألة ترك النبي ﷺ لعبادة ما، وذهب إلى أن ذلك يدل على بدعيتها، وقد تكلم عن نقل الترك معتمدًا على ما ذكره ابن القيم في إعلام الموقعين، والبحث لا يجري على أسلوب الدراسات الأكاديمية، فضلًا عن أنه أغفل المسائل الأخرى التي تدخل تحت موضوع الترك.
٤ - "الترك أنواعه وأحكامه" إعداد أبي عبد الله المصلحي (٢) - وهو بحث منشور على شبكة الانترنت - ومادته بالكامل - النقولات والترجيحات والأمثلة والعزو - مستقاة من رسالة الأشقر في أفعال الرسول ﷺ الآتي ذكرها قريبًا.
٥ - "الترك لا ينتج حكمًا" للشريف عبد الله فراج العبدلي (٣).
وكما هو واضح من العنوان فالترك عنده كله بجميع أحواله لا يقتضي إلا جواز المتروك، وهو في ذلك متابع لما ذهب إليه الشيخ الغماري في الرسالة السابقة الذكر، وقد صرح بالنقل منه في أكثر من موضع، وقد احتوت الرسالة على مغالطات علمية شديدة - رغم صغرها - لا يحسن بالباحث أن يقع في مثلها، منها: أنه قال في نقده لابن السمعاني لما ذهب إلى أن الصحابة تابعوا
стр. 59
النبي ﷺ في ترك أكل الضب قال: "فالمتابعة منهم لقوله لما سئل أحرام هو، وليس اتباعًا لتركه"!.
حاصل القول: إن الرسالة في مجملها لا تخرج عن رسالة الشيخ الغماري، فالقول إنها رسالة الشيخ الغماري بصياغة أخرى قول ليس فيه مبالغة، فهي نفس الترتيب والمباحث والأخطاء والترجيحات.
٦ - "الترك عند الأصوليين والفقهاء: دراسة مقارنة" وهي رسالة دكتوراه بالجامعة الأردنية من إعداد الدكتور أيمن عليان أحمد دراكة، وقد نوقشت هذه الرسالة في مايو ٢٠٠٧ - بعد الانتهاء من معظم مادة هذه الرسالة - وهو ذات صلة وثيقة بموضوع الرسالة فلابد لنا من التوقف عندها بعض الشيء:
قسم الباحث رسالته إلى أربعة فصول:
الفصل الأول: لبيان ماهية الترك، والفصل الثاني: لبيان الترك في الحكم التكليفي، والفصل الثالث: لبيان الترك الصادر من النبي ﷺ ، والفصل الرابع: لبيان الترك عند الفقهاء.
فالذي يخصنا - هنا - هو الفصل الأول والثالث.
أما الفصل الأول: فقد تعرض فيه الدكتور أيمن لتعريف الترك والألفاظ ذات الصلة، مع تكييف الترك أصوليًّا ..
وبالرغم من التقارب الكبير بين ما كتبه الدكتور أيمن وما كتبته هنا؛ إلا أن هناك اختلافًا عامًا بين البحثين، سواء في طريقة الطرح - وذلك لأنه يتناول الترك كنظرية أصولية عامة غير خاصة بالنبي ﷺ أو ما أثمر عنه البحث من نتائج - فمفهوم الترك في هذه الدراسة أعم من مفهومه عند الدكتور
стр. 60
أيمن - كذلك انفردت هذه الدراسة في هذا الباب عن دراسة الدكتور أيمن بعدة مسائل كتفصيل الكلام في التلازم بين نقل الترك وترك النقل.
أما الفصل الثالث: الذي تعرض فيه الدكتور أيمن لترك النبي ﷺ فيختلف اختلافًا كبيرًا عن هذه الدراسة، فقد انفردت هذه الدراسة بعدة أمور:
* تقسيم الترك إلى وجودي وعدمي.
* تفصيل الكلام في أنواع الترك المسبب وكيف يعرف.
* تناول الترك المطلق بالدراسة التفصيلية والتفرقة بينه وبين الترك المسبب.
* تناول علاقة الإقرار بالترك بالدراسة التفصيلية.
* التفريق بين البدعة والمصلحة المرسلة في جانب الترك.
* الأمثلة التفصيلية لكل أنواع الترك.
* تناول دلالة الترك الوجودي بالدراسة التفصيلية.
ومع ذلك فالبر موصول لأهله، ولا شك أن الباحث قد أفاد من اطلاعه على دراسة كتلك، وذلك من فضل الله ومنّه وكرمه؛ إذ أن هذه الرسالة لم تطبع بعد، كما أنه كان من العسير الاطلاع عليها إذ أنها نوقشت قبل إتمام هذه الدراسة بالجامعة الأردنية بزمن يسير، الأمر الذي يجعل اطلاع مثلي عليها عسيرًا، ولكن يسر الله لي الاطلاع عليها (١)، والإفادة منها، فلله الحمد والمنة.
стр. 61
٧ - "درء الشكوك عن أحكام التروك" لمؤلفه: ابن حنفية العابدين بن محي الدين (١).
وهذا البحث رغم صغره وكونه لا يجري على نمط الدراسات الأكاديمية إلا أن الرؤية الأصولية لمؤلفه واضحة تمامًا، ويمتاز عن كل الدراسات التي تكلمت في الترك قبل ذلك بهذا الأمر فضلًا عن أمور أخرى لا يمكن إغفالها كتقسيمه الترك إلى وجودي وعدمي وغير ذلك، وهناك تشابه واضح بين هذا البحث وبين ما انتهيت إليه هذه الدراسة.
٨ - "دليل الترك بين المحدثين والأصوليين" وهي دراسة للدكتور أحمد كافي، نال بها رتبة الدكتوراه من كلية الآداب والعلوم الإنسانية المحمدية؛ والمؤرخة بتاريخ ٢٠٠٥ م (٢)، وكما هو واضح من العنوان فالدكتور يتكلم عن موقف المحدثين والأصوليين من قضية الترك سواء كان قرآنيًّا أم نبويًّا فهو أشبه بالمسكوت عنه شرعًا من الناحية الأصولية، وقد تعرض للعديد من
стр. 62
المباحث الموجودة في هذه الدراسة، ومن يطالع الدراسة المشار إليها يجد هناك فرقًا واضحًا من حيث طريقة التناول والبحث، كذلك الاستدلال والترتيب على أن الدراسة تعد في الجملة موافقة لما انتهت إليه هذه الدراسة، وهذا من فضل الله ومنه وكرمه.
• أما الدراسات التي تناولت الترك بالدراسة الفعلية ولكن ليس على سبيل الاستقلال، بل في أثناء البحث فقد وقفت على:
* " أفعال الرسول ودلالتها على الأحكام الشرعية" للدكتور محمد بن سليمان الأشقر وهي رسالته لنيل الدكتوراه من الجامعة الأزهرية، وقد تكلم عن الترك في أربعين صفحة، ثم الإقرار في ثلاث وأربعين صفحة، وتعد هذه الدراسة مصدرًا هامًّا عند كثير من المعاصرين ممن أشار إلى موضوع الدراسة.
ونظرًا لأهمية هذه الدراسة فقد تناولت المسائل التي ذكرها بالدراسة التفصيلية عند بحثها في هذه الدراسة.
* "طرق الكشف عن مقاصد الشارع" للدكتور نعمان جُغَيم، وهي رسالته لنيل درجة الدكتوراه من الجامعة الإسلامية بماليزيا، فقد خصص فصلًا مستقلًا يقع في خمس وعشرين ورقة للكلام عن سكوت الشارع ودلالته على المقاصد، وقد تكلم عن الإقرار وترك الاستفصال كأقسام لسكوت الشارع، وفي دلالة السكوت فرق بين العبادات والمعاملات وتكلم عن ترك النقل هل ينزل منزلة نقل الترك، ويلاحظ أن سكوت الشارع عنده مرادف للترك.
стр. 63
* "المسكوت عنه شرعًا وعلاقته بالسنة والبدعة" (١) للدكتور محمد أنور بيومي؛ وهي دراسة جامعية على ما يبدو، وقد ذهب فيها إلى أن المسكوت عنه للعلماء فيه مذهبين: الأول: مذهب الجمهور القائل بالإباحة، والمذهب الثاني: مذهب ابن تيمية، ومن وافقه: كابن القيم والشاطبي القائلين بالحرمة أو الكراهية، وهذا هو عمود الصورة عنده، وعليه بنيت الدراسة كلها، وهو خلل عظيم إذ أن المسكوت عنه على نوعين؛ وقد جعله هو نوعًا واحدًا، أضف إلى ذلك فإن ما ذهب إليه الجمهور هو ما ذهب إليه ابن القيم وابن تيمية والشاطبي في الحقيقة لكنه جعل النوعين كالمذهبين وهذا الخطأ أثَّرَ في الدراسة بكاملها، فضلًا عن الأخطاء الكثيرة التي اشتملت عليها الدراسة كعدم توضيح الفرق بين البدعة والمصلحة المرسلة، كما يلاحظ على الدراسة ضعف الجانب التأصيلي بها؛ مما أدى إلى عدم وضع ضوابط واضحة في التصور الذي يراه هو للبدعة وما يدخل فيها وما لا يدخل، حاصل القول: أن الدراسة بها خلط شديد بين القضايا الأصولية وبها أخطاء كثيرة، والله المستعان.
ويمكنني أن أضيف أيضًا الدراسات المستقلة الخاصة بالبدعة، فقد تطرقت إلى الكلام عن الترك عند الحديث عن البدعة التركية، وهي لا تخرج عما ذكره الشاطبي في هذا الباب، ومن أهم تلك الدراسات:
стр. 64
- "الإبداع في مضار الابتداع"، لمؤلفه: الشيخ علي محفوظ (١) ﵀، فقد تكلم عن تقسيم السنة إلى فعلية وتركية، ولخص ما ذكره الشاطبي في الاعتصام مضيفًا عليه، ومعلقًا، ومستدركًا فيما يقرب من مائة صفحة.
- "علم أصول البدع"، لمؤلفه: علي بن حسن بن عبد الحميد الحلبي الأثري (٢) فقد خصص الفصل الخامس من الباب الثاني لأحكام الترك ويقع في إحدى عشرة صفحة، وقد أشار في تلك الصفحات القليلة إلى رسالة الشيخ الغماري، ذاكرًا أنه بصدد تأليف رسالة في الرد عليها، ونقل عن ابن القيم قوله في نقل الصحابة لترك النبي ﷺ ، ونقل عن الشاطبي كلامه عن الترك في الاعتصام مختصرًا، ولم يزد على ذلك شيئًا ذا بال.
- "حقيقة البدعة وأحكامها"، تأليف سعيد بن ناصر الغامدي (٣)، وهي رسالته لنيل درجة الماجستير في العقيدة من كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقد تكلم عن الترك في المجلد الثاني من دراسته في حوالي ست عشرة صفحة معتمدًا على ما ذكره الشاطبي في الاعتصام عند كلامه عن الترك.
- "قواعد معرفة البدع"، لمؤلفه: الدكتور محمد حسين الجيزاني (٤)
стр. 65
فقد تكلم عن السنة التركية في القاعدة الثالثة والرابعة من قواعد الأصل الأول - في خمس وعشرين صفحة - وبحثه منصب على الترك العدمي، ومتى يكون بدعة ومتى لا يكون.
أما على صعيد الدراسات - المتعلقة بالبدعة - والتي خالفت الشاطبي في تأصيله للبدع: فقد صدر حديثًا كتاب "مفهوم البدعة وأثره في اضطراب الفتاوى المعاصرة" للدكتور عبد الإله بن حسين العرفج (١)، فقد تكلم في الفصل الرابع عن حكم الترك وأنواعه، وتكلم في الفصول الخامس والسادس والسابع عن مسائل متعلقة بالترك، وكذلك فقد عقد مبحثًا لتحقيق مذهب الشاطبي في البدعة، وقد ذهب إلى أن الترك لا يدل على التحريم سواء في العبادات أو العادات، ورغم محاولة الدكتور لأن يبحث المسألة كمسألة علمية إلا أنه وقع في مغالطات شديدة من أهمها أنه ذهب إلى جواز الإحداث في الدين بعد النبي ﷺ وأن ذلك هو فعل الصحابة، والكتاب برمته موجه لتسويغ البدع خاصة بدعة الاحتفال بالمولد النبوي، ولم يشر الدكتور العرفج إلى الغماري في كتابه رغم أنه موافق له فيما ذهب إليه من آراء.
стр. 66
ورغم أن المؤلفات الأصولية لم تعتنِ بمسألة الترك كقسم من أقسام السنة إلا أن هناك من أثبتها من المعاصرين فمن ذلك:
- أحمد بن محمد بن علي بن الوزير المتوفى سنة (١٣٧٢ هـ) في كتابه (المصفى في أصول الفقه) فقد عد الترك أحد أقسام السنة ولم يخرج فيما ذكره عما قرره الشاطبي.
- عبد الله بن يوسف الجديع في كتابه (تيسير علم أصول الفقه) فقد عد التروك النبوية في مقابلة الأفعال النبوية فعد ثمانية أقسام للترك وهي كلها لا تخرج عن الترك المسبب فقط ولم يتكلم عن باقي الأنواع.
وبعد هذا العرض السريع لما ألف في تلك المسألة أو ما تناولها من دراسات يتبين أن هذه القضية ما زالت تحتاج إلى إماطة اللثام عنها ببحث مفصل لجميع جوانبها، أسأل الله تعالى أن يوفقني لذلك ..
стр. 67
الباب الأول
التعريف بترك النبي ﷺ -
стр. 68
توطئة
" فهم الشيء فرع عن تصوره"، ولذا ينبغي على المتعرض للكلام في حجية الترك النبوي ودلالته أن يفصل القول في ماهية هذا الترك، والمراد بالماهية أعم من مجرد التعريف، فهو يشمل التعريف بالترك بوصفه مركبًا وليس بلقب، وهو بهذا الوصف لابد من التعريف بمفرديه لغويًّا وأصوليًّا، ويشمل كذلك التعريف بوصفه لقبًا، وهو في هذا الصدد يشمل كل ما يوضح هذه الماهية ويساعد على تصورها في الذهن: من بيان الأقسام والأنواع، ومن بيان علاقته بالأفعال، وسبل معرفته والوقوف عليه، وما يترتب على كل ذلك من مسائل ومباحث، ولبيان ذلك عُقد هذا الباب، والذي يهدف إلى وضع تصور واضح وسليم عن محور هذه الدراسة.
وفي هذا الإطار تبلور الباب الأول في فصلين رئيسين:
الأول منهما: للتعريف بالترك وما يتعلق به من أبحاث.
والثاني: للتعريف بترك النبي ﷺ وما يتعلق به من أبحاث.
стр. 69
الفصل الأول
ماهية الترك
стр. 70
توطئة
هذا الفصل معقود للتعريف بترك النبي ﷺ بوصفه مركبًا، وهذا يقتضي التعريف بالترك بدون إضافته للنبي ﷺ أما النبي ﷺ فهو غني عن كل تعريف - وذلك التعريف يكون أولًا: في اللغة، ثانيًا: في الاصطلاح الأصولي، وقد اقتضى الخلاف القائم في تحديد ماهية الترك عند الأصوليين أن أتعرض - بعد تعرضي لذلك الخلاف - لما يترتب عليه من آثار فقهية أو أصولية.
وفي هذا الإطار تبلور الفصل الأول في مبحثين رئيسيين:
الأول منهما: للتعريف اللغوي.
والثاني: للتعريف الاصطلاحي وما يتعلق به من أبحاث.
стр. 71
المبحث الأول: المراد ب الترك في اللغة
الترك في اللغة:
الترك مصدر فعله تركَ: يَترُكه: تَرْكا وتِركانا.
ومنه: تركة الرجل الميت وهو ما يخلفه بعد الموت: فعلة بمعنى مفعول.
ومنه امرأة تريكة؛ أي متروكة فلا تتزوج.
والتَّرِيكَة: رَوْضَةٌ يغْفَلُ عن رَعْيِها.
وقِيلَ: هو المَرتَعُ الذي كانَ الناسُ رَعَوه إِما في فلاة وإِما في جَبَل.
قالَ ابن بَرِّيّ: وقد اسْتَعْمَله الفَرَزْدَقُ في ما تركَه السَّيل من الماء فقالَ:
كان تريكة من ماء مُزْنٍ ... ودارِيَّ الذَّكِيِّ من المُدامِ
والتريكة: البَيضَةُ بعْدَ أَنْ يخرج منها الفرخ (١).
* وقد ذكرت المعاجم للترك أكثر من معنى، كلها تحمل معنى مفارقة الأمر أو الشيء، وهذه المعاني هي:
الأول: تَرَكَ؛ أي: وَدَع .
"التَّرك: ودْعُكَ شيئًا تتركه تركًا" (٢).
стр. 72
وقال ابن منظور: "التَّرْك: وَدْعُك الشيء تركه يتركه تركًا" (١).
قال الخليل: "التَّرك: ودعك الشيء تتركه" (٢).
الثاني: تَرَكَ الشيء؛ أي: طرحه (٣) وخلاه.
" ترك الشيء: خلاه" (٤)، و"الترك: التخلية" (٥)، "وتركت الشيء تركًا: خليته" (٦).
الثالث: تَرك؛ أي: رَفَضَ .
" قال الراغب: ترك الشيء: رفضه قصدًا واختيارًا أو قهرًا واضطرارًا.
стр. 73
فمن الأول قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩]، وقوله: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤].
ومن الثاني: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] " (١).
وكذلك ذكره الفيروزآبادي (٢).
وقريب منه ما ذكره ابن عرفة قال: "الترك على ضربين: مفارقة ما يكون للإنسان فيه رغبة وترك الشيء رغبة عنه" (٣).
* وقد يستعمله أهل اللغة أحيانًا في المعاني الآتية:
الأول: تَرَكَ؛ أي: جَعَلَ ، والترك: الجَعْل) (٤).
قال الأزهري: "وقال الليث الترك: الجعْل في بعض الكلام، تقول: تركت الحبل شديدًا؛ أي جعلته شديدًا" (٥).
стр. 74
ونقل ابن منظور عن ابن الأعرابي قوله: "والترك: الجعل في بعض اللغات، يقال: تركت الحبل شديدًا؛ أي جعلته شديدًا، قال: ولا يعجبني" (١).
وكذلك قال الخليل: "الترك: الجعل في بعض الكلام" (٢).
ونقل المرتضى الزبيدي عن ابن فارس أنه قال: "ما أحسب هذا في كلام الخليل"، وعن ابن سيده قوله: "ولا يعجبني" (٣).
وقال الأصفهاني: "ويجري مجرى جعلت كذا نحو تركت فلانًا وحيدًا" (٤).
الثاني: يقال في كل فعل ينتهي إلى حالة ما .
قال الراغب الأصفهاني: "وقد يقال في كل فعل ينتهي إلى حالة ما: تَركته كذا" (٥).
وكذا قال مجد الدين الفيروزآبادي (٦)، والزبيدي (٧).
стр. 75
الثالث: الترك؛ أي: الإبقاء (١).
قال الأزهري: "وقال غيره - أي الليث - التَرْك: الإبقاء في قوله الله : ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨]؛ أي: أبقينا عليه ذكرًا حسنًا" (٢).
الرابع: تَرَك: قد يتضمن معنى صَيَّر .
قال الزبيدي: "قال شيخنا: وقد يعلق الترك باثنين فيكون مضمنًا معنى صَيَّر فيجري على نمط أفعال القلوب كـ ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٧]، قاله الزمخشري والبيضاوي" (٣).
الخامس: ترك: أسقط، والترك الإسقاط .
يقال: ترك ركعة من الصلاة أي: أسقطها فلم يأتِ بها، فهو مسقط لما قد ثبت شرعًا. وهذا يأتي في المعاني أيضًا، فترك حقه: أي أسقطه (٤).