← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14221

التروك النبوية - تأصيلا وتطبيقا

محمد صلاح الإتربي

Полный текст (574 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المبحث الأول: المراد ب الترك في اللغة الترك في اللغة: الترك مصدر فعله تركَ: يَترُكه: تَرْكا وتِركانا. ومنه: تركة الرجل الميت وهو ما يخلفه بعد الموت: فعلة بمعنى مفعول. ومنه امرأة تريكة؛ أي متروكة فلا تتزوج. والتَّرِيكَة: رَوْضَةٌ يغْفَلُ عن رَعْيِها. وقِيلَ: هو المَرتَعُ الذي كانَ الناسُ رَعَوه إِما في فلاة وإِما في جَبَل. قالَ ابن بَرِّيّ: وقد اسْتَعْمَله الفَرَزْدَقُ في ما تركَه السَّيل من الماء فقالَ: كان تريكة من ماء مُزْنٍ ... ودارِيَّ الذَّكِيِّ من المُدامِ والتريكة: البَيضَةُ بعْدَ أَنْ يخرج منها الفرخ (١). * وقد ذكرت المعاجم للترك أكثر من معنى، كلها تحمل معنى مفارقة الأمر أو الشيء، وهذه المعاني هي: الأول: تَرَكَ؛ أي: وَدَع . "التَّرك: ودْعُكَ شيئًا تتركه تركًا" (٢).

стр. 72

وقال ابن منظور: "التَّرْك: وَدْعُك الشيء تركه يتركه تركًا" (١). قال الخليل: "التَّرك: ودعك الشيء تتركه" (٢). الثاني: تَرَكَ الشيء؛ أي: طرحه (٣) وخلاه. " ترك الشيء: خلاه" (٤)، و"الترك: التخلية" (٥)، "وتركت الشيء تركًا: خليته" (٦). الثالث: تَرك؛ أي: رَفَضَ . " قال الراغب: ترك الشيء: رفضه قصدًا واختيارًا أو قهرًا واضطرارًا.

стр. 73

فمن الأول قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩]، وقوله: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤]. ومن الثاني: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] " (١). وكذلك ذكره الفيروزآبادي (٢). وقريب منه ما ذكره ابن عرفة قال: "الترك على ضربين: مفارقة ما يكون للإنسان فيه رغبة وترك الشيء رغبة عنه" (٣). * وقد يستعمله أهل اللغة أحيانًا في المعاني الآتية: الأول: تَرَكَ؛ أي: جَعَلَ ، والترك: الجَعْل) (٤). قال الأزهري: "وقال الليث الترك: الجعْل في بعض الكلام، تقول: تركت الحبل شديدًا؛ أي جعلته شديدًا" (٥).

стр. 74

ونقل ابن منظور عن ابن الأعرابي قوله: "والترك: الجعل في بعض اللغات، يقال: تركت الحبل شديدًا؛ أي جعلته شديدًا، قال: ولا يعجبني" (١). وكذلك قال الخليل: "الترك: الجعل في بعض الكلام" (٢). ونقل المرتضى الزبيدي عن ابن فارس أنه قال: "ما أحسب هذا في كلام الخليل"، وعن ابن سيده قوله: "ولا يعجبني" (٣). وقال الأصفهاني: "ويجري مجرى جعلت كذا نحو تركت فلانًا وحيدًا" (٤). الثاني: يقال في كل فعل ينتهي إلى حالة ما . قال الراغب الأصفهاني: "وقد يقال في كل فعل ينتهي إلى حالة ما: تَركته كذا" (٥). وكذا قال مجد الدين الفيروزآبادي (٦)، والزبيدي (٧).

стр. 75

الثالث: الترك؛ أي: الإبقاء (١). قال الأزهري: "وقال غيره - أي الليث - التَرْك: الإبقاء في قوله الله : ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨]؛ أي: أبقينا عليه ذكرًا حسنًا" (٢). الرابع: تَرَك: قد يتضمن معنى صَيَّر . قال الزبيدي: "قال شيخنا: وقد يعلق الترك باثنين فيكون مضمنًا معنى صَيَّر فيجري على نمط أفعال القلوب كـ ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٧]، قاله الزمخشري والبيضاوي" (٣). الخامس: ترك: أسقط، والترك الإسقاط . يقال: ترك ركعة من الصلاة أي: أسقطها فلم يأتِ بها، فهو مسقط لما قد ثبت شرعًا. وهذا يأتي في المعاني أيضًا، فترك حقه: أي أسقطه (٤).

стр. 76

* من النقولات السابقة يتبين ما يلي: أولًا: أن الترك عند أهل اللغة يحمل معنيين: الأول: عدم الفعل غفلة عنه، وهو ما يطلق عليه: الترك العدمي المحض، ومن هذا المعنى أطلق على الروضة التي يغفل عن رعيها تريكة، وعلى البيضة بعد أن يخرج منها الفرخ تريكة، وهذا المعنى موجود أيضًا في استعمال الترك بمعنى الإسقاط. الثاني: عدم الفعل إعراضًا عنه، وهو ما يطلق عليه الكف أو الإعراض، وهذا المعنى ظاهر في المعاجم: فودع، ورفض، وطرح، وخلى تحمل معنى الإعراض عن الفعل. ثانيًا: كلا المعنيين السابقين يقتضيان أن الفعل المتروك مقدور على فعله، فلا يقال عن إنسان أنه ترك أمرًا ما إذا كان لا يقدر عليه. جمع "الترك" على "تروك ": " تَرْك" على وزن "فَعْل" فهو ثلاثي صحيح ساكن العين مفتوح الفاء غير معتل العين بالواو، فيجمع جمع تكسير على "فعول" (١). وعلى ذلك فـ "تروك" جمع مطرد على القاعدة. ومع ذلك لم أعثر في المعاجم التي اطلعت عليها (٢) على من نص على أن

стр. 77

الترك يجمع على تروك، مع كثرة استعماله من قبل الأصوليين والفقهاء (١)، ومعلوم أن الترك مصدر، فهل يشكل على هذا الجمع أنه لم يرد به سماع؟ في ظني أن ذلك لا يشكل، فإنه قد يدل على جواز هذا الجمع عند أهل اللغة أمور، منها: الأول: أن المصدر الذي اتفق النحاة على عدم جواز جمعه إلا ما ورد مسموعًا هو المصدر الذي يراد به بيان ما سوى العدد والنوع واتفقوا على

стр. 78

جوازه إذا أريد به العدد (١) واختلفوا في المراد به النوع وقد أجازه مجمع اللغة العربية القاهري (٢). الثاني: ما ذكره النحاة من جواز جمع المصدر إذا كان بمعنى اسم المفعول. الثالث: أن الذي يطلب له سماع هو الذي لا يجري على القاعدة، "فالمفرد إذا كان مستوفيًا للشروط التي يجب تحققها فيه ليصلح أن يجمع على وزنها فمتى تحققت تلك الشروط ساغ جمعه عليها من غير استشارة المراجع اللغوية" (٣). وقد سبق ذِكرُ أن هذا الجمع مستوف لشروط القاعدة، وكذلك فالتَّرْك مصدر يراد به النوع، أو اسم المفعول؛ فهو بمعنى المتروك. المعنى المقصود من هذا الجمع: يستعمل الجمع للدلالة على أن الترك لا يقع على حالة أو صفة واحدة، بل تتنوع وتختلف، فإذا قيل: إن المصدر مراد به النوع فالمعنى: أنواع كثيرة من الترك، وإذا قيل: إن المصدر بمعنى اسم المفعول فالمعنى أحوال مختلفة لما تركه النبي ﷺ .

стр. 79

وبناء على ما سبق: فإنه متى كان المقصود بيان تنوع الوجوه التي يقع عليها ترك النبي ﷺ فإن استخدام الجمع أفضل، ومتى كان المراد بيان حقيقة النوع أو دلالته فالتعبير بالمفرد أفضل. ومن أجل ذلك استخدمت صيغة الجمع في عنوان البحث لتدل على تنوع أحوال الترك وصيغة المفرد في عناوين الأبواب والفصول حيث المراد بيان ذات النوع، وتنوع الاستعمال في ثنايا البحث بحسب المعنى المراد.

стр. 80

المبحث الثاني: المراد بالترك عند الأصوليين (١) المطلب الأول: تعريف الترك عند الأصوليين: لم يتفق الأصوليون على تعريفٍ واحدٍ للترك بل اختلف معناه باختلاف استعمالهم له، ويمكن القول بأن لهم في تحديد المراد من الترك اتجاهين مشهورين (٢)، وفيما يلي بيان هذين الاتجاهين: الاتجاه الأول: الترك: هو عدم فعل المقدور: سواء كان كفًّا أو استمرارًا للعدم الأصلي، فكلاهما يطلق عليه ترك، فلا يشترط في الترك هنا القصد، ولا يشترط التعرض للضد، بل هو مجرد عدم الفعل على أي وجه كان ما دام الفعل مقدورًا. ونظرًا لما اشتهر من أن الأصوليين يشترطون القصد في الترك فقد آثرت أن أذكر من أقوال العلماء ما يدل على أن الترك يشمل الكف وغيره، فمن ذلك:

стр. 81

قال عضد الدين الإيجي (١): " الترك هو عدم فعل المقدور، سواء كان هناك قصد من التارك أو لا كما في حالة الغفلة والنوم، وسواء تعرض لضده أو لم يتعرض، وأما عدم ما لا قدرة عليه فلا يسمى تركًا ولذلك لا يقال: ترك فلان خلق الأجسام" (٢). ووافقه من المعاصرين: المفتي محمد عميم الإحسان المجددي البركتي (٣). قال ابن الوزير (٤):

стр. 82

"حتى في التروك التي هي عدم الأفعال على الصحيح، فإنا نعقل قبح الترك لقضاء الدين، وترك رد الوديعة، وترك الصلاة، ونعقل حسن ترك المظالم، وترك العدوان على المساكين، قبل أن نعقل أن الترك كف النفس عن الفعل أو عدم محض" (١). فعدم الفعل يشمل ما إذا كان هناك قصد من التارك أو لم يكن، وهو يشير إلى الخلاف في ذلك بقوله على الصحيح. قال القاضي الأحمد (٢) في كتابه: جامع العلوم في اصطلاحات الفنون - عند تعليقه على شرح تعريف البيضاوي للعبادة شرعًا أنها التوجه نحو الفعل لوجه الله تعالى وامتثالًا لحكمه -:

стр. 83

"فإن قيل: هذا في التروك مشكل، قلنا: الإشكال إنما هو إذا كان الترك بمعنى العدم، لأنه ليس بفعل، فلا صحة للنية بالمعنى المذكور، لكن الترك هاهنا لكونه مكلفًا به أي مأمورًا به في النهي بمعنى الكف وهو الفعل" (١). فهو هنا يصرح بأن الترك قد يكون بمعنى العدم وقد يكون بمعنى الكف. والترك على هذا الرأي يشتمل على نوعين: النوع الأول: هو الترك الوجودي وهو الترك الذي كان فيه قصد من التارك وهو ما يطلق عليه الكف. النوع الثاني: الترك العدمي وهو الترك الذي لا يكون فيه قصد من التارك بل تركه غفلة عنه. وعلى ذلك يكون الترك أعم من الكف، فالكف إذن أحد أقسام الترك في هذا الاستعمال. الاتجاه الثاني: الترك: هو: كف النفس عن إيقاع الفعل: جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية أن "التّرك في اصطلاح أكثر الأصوليّين والفقهاء: كفّ النّفس عن الإيقاع" (٢).

стр. 84

وعرفه ابن فورك (١) بأنه: "الحكم الحاصل لمن يصح منه حصول ضده بدلاً منه" (٢) فقوله حصول ضده بدلاً منه معناه: لمن يقدر على فعل الضد، وهذا التعريف بمجرده موافق لما ذكره أصحاب الاتجاه الأول لولا ما ذكره بعد ذلك من أنه من قبيل ما يكتسبه العباد. وعرفه الأنصاري (٣) بقوله: "الترك في اصطلاح الأصوليين: عبارة عن موجود كائن مضاد لما يضاده" (٤)، فقوله: "موجود كائن" يعني أنه

стр. 85

وجودي، وقوله: "مضاد لما يضاده" أي: يشترط فيه: التعرض للضد وهو معنى الكف. قال ابن تيمية: "وقد تنازع الناس في الترك، هل هو أمر وجودى أو عدمي؟ والأكثرون على أنه وجودي، وقالت طائفة كأبي هاشم الجبائي: إنه عدمي وإن المأمور يعاقب على مجرد عدم الفعل لا على ترك يقوم بنفسه ويسمون المذمية؛ لأنهم رتبوا الذم على العدم المحض. والأكثرون يقولون: الترك أمر وجودي فلا يثاب من ترك المحظور إلا على تركِ يقوم بنفسه، وتارك المأمور إنما يعاقب على تركٍ يقوم بنفسه وهو أن يأمره الرسول ﷺ بالفعل فيمتنع، فهذا الامتناع أمر وجودي، ولذلك فهو يشتغل عما أمر به بفعل ضده كما يشتغل عن عبادة الله وحده بعبادهّ غيره فيعاقب على ذلك" (١). والمراد بالترك هنا ليس مجرد الترك، بل المراد به الترك الذي يقع التكليف به، ويؤيد ذلك عدة أمور: - قوله في تعليل وجه القول بأنه وجودي: "فلا يثاب من ترك المحظور إلا على ترك يقوم بنفسه، وتارك المأمور إنما يعاقب على ترك يقوم بنفسه".

стр. 86

- أن أبا هاشم الجبائي إنما تكلم فى الترك الذي وقع التكليف به: فقوله "وإن المأمور يعاقب على مجرد عدم الفعل لا على ترك يقوم بنفسه" ظاهر في أنه يريد الترك الذي وقع التكليف به (١). وعلى ذلك يكون الترك والكف مترادفين، وكلاهما بمعنى عدم فعل المقدور قصدًا. الاتجاه المختار: الذي يظهر من العرض السابق أن استعمال كلمة الترك عند الأصوليين تتنوع بحسب المعنى المراد، فقد يستعمل الترك بمعنى الكف، وذلك إذا كان المراد الترك الذي يرد في الخطاب الشرعي: أي الترك الذي يكلف به الإنسان، ولذا يُلاحَظ أن أصحاب الاتجاه الثاني ينصب كلامهم على هذا المعنى في المقام الأول، وقد يستعمل الترك بحسب معناه اللغوي الأصلي فيشمل جميع صور الترك واحتمالاته، ويلاحظ أيضًا أن ذلك لم يكن في معرض الكلام عن

стр. 87

التكليف، وهو ما ظهر واضحًا عند أصحاب الاتجاه الأول. لذا فإن الاتجاه الذي سوف تسير عليه هذه الدراسة هو الاتجاه الأول، والذي يكون الاتجاه الثاني أحد صوره، فالترك يشمل الكف وهو الترك المقصود، والترك المحض وهو الترك غير المقصود، وهو الذي يتفق مع موضوع الرسالة والغرض منها. المطلب الثاني: بيان ألفاظ متعلقة بالترك: أولاً: السكوت: * السكوت في اللغة: السكوت هو: ترك الكلام مع القدرة عليه. قال الزبيدي: "قال شيخنا عن بعض المحققين: إن السُّكوتَ هو تَرْك الكلام مع القدرة عليه، قالوا: وبالقيد الأَخير يُفارق الصَّمْتَ، فإن القدرَة على التَّكَلّم لا تعْتبر فيه، قاله ابن كمال باشا، وأَصلُه للرَّاغب الأَصبهاني، فإنه قال في مفرداته: الصمت أبلغ من السَّكُوت، لأَنّه قد يُستعمل فيما لا قوَّة له على النطق، ولذا قيل لما لا نطق له: الصّامتُ والمُصْمَت؛ والسُّكُوتُ يقال لما له نطق فيترك استعماله" (١). وهو مصدر فعله "سَكَت"، "يَسكُت"، "سُكوتًا"، فهو "ساكت"، والسَّكت: الرجل كثير السكوت، ويقال أيضًا: رجل سكيت، ورجل ساكوت:

стр. 88

إذا كان قليل الكلام من غير عي فإذا تكلم أحسن (١). * السكوت في الاصطلاح: استعمل السكوت عند الأصوليين بنفس المعنى اللغوي، ولم يخصوه بمعنى آخر، قال الجرجاني (٢) في التعريفات: "السكوت هو ترك التكلم مع القدرة عليه" (٣). فالسكوت إذن أحد صور الكف، لأنه في حقيقة الأمر امتناع عن القول، فيكون داخلًا في معنى الترك اللغوي، وكذلك في المعنى المراد في هذه الدراسة. ثانيًا: الكَفّ: * الكف في اللغة: الكف هو: الدفع والمنع والرد، يقال: كَفَفتُه عنه كفًا أي: دفعته ومنعته وصرفته عنه، ومنه سميت اليد كفًّا؛ لأنها تكف عن صاحبها، أو يكف بها ما آذاه.

стр. 89

وأصل الكف: الانقباض والتجمع، ومنه سميت الكف كفًّا؛ لأنها تقبض على الأشياء، وتجتمع (١)، والكف: الامتناع عن موالاة الفعل وإيجاده حالاً بعد حال (٢). * الكف عند الأصوليين: معنى الكف عند الأصوليين لا يخرج عن معناه اللغوي ففي الموسوعة الفقفية: "وأمّا في الاصطلاح: فعرّفه الأصوليون بأنه الانتهاء عن المنهيّ عنه. قال في التّقرير والتّحبير: إن الفعل المكلّف به في النّهي هو كفه النّفس عن المنهيّ، أي انتهاؤُه عن المنهيّ عنه، فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] نهي يقتضي انتهاء المكلّف عن المنهىّ عنه، أي الزّنا إذا طلبته نفسه. فلا يحصل الكف عن المنهيّ عنه إلا بعد إقبال النّفس عليه" (٣). هل القصد شرط في الكف ؟ ما دام الكف بمعنى الامتناع - والامتناع يقتضي أن يكون المكلف قاصدًا للترك وليس ذاهلاً عنه - فإن الكف لابد فيه من قصد الترّك، وهذا ما

стр. 90

يقتضيه المعنى اللغوي: إذ الدفع والرد والمنع كلها أفعال متعدية فلابد أن تقتضي مفعولًا، فالكف لا يتصور وقوعه بدون قصد من الكافّ، ولذا وقع الخلاف بين الجمهور وأبي هاشم في المقتضَى بالتكليف إذ الفرق بين الترك العدمي والكف هو وجود القصد، ولابد هنا من بيان أمرين: الأول: أن قصد الفعل غير قصد الامتثال: الذي هو شرط في حصول الثواب، كما سيأتي، ولذا فقد يقع الكف ولا يثاب أو يثاب وهذا باعتبار القصد أي قصد المكلف بكفه الامتثال لما طلبه الشرع. الثاني: أن قصد الكف هو معنى اشتراط التعرض للضد في الكف، فلا يكون الإنسان كافًا عن فعل إلا إذا رد أو دفع فعلاً ضده، فلا يقال فلان كف عن الزنا إلا إذا رد أو دفع دواعي الزنا وهو نفس قولنا قصد ترك الزنا، وهكذا. هل الكف هو فعل الضد: قال العطار (١) في حاشيته: "المكلف به في النهي: الكف، أي: الانتهاء عن المنهي عنه، وذلك فعل يحصل بفعل الضد للمنهي عنه، وقيل هو فعل الضد" (٢).

стр. 91

فقوله: وذلك فعل، أي: الكف، فالكف يحصل بفعل ضد المنهي عنه أو هو فعل ضد المنهي عنه فالعلاقة بين الكف وفعل الضد أحد أمرين: الأول: أن الكف هو عين فعل الضد. الثاني: أن الكف يستلزم فعل الضد، فلا يحصل الكف إلا إذا فعل الضد، وهذا لا إشكال فيه، ولعل هذا هو الأقرب، وذلك لأن الفعل قد يكون له ضد واحد، وقد يكون له أكثر من ضد، وقد يكون الكف ضدًا لأكثر من فعل، فالسكوت مثلًا ضد الكلام، ومع ذلك فالكف عن الغيبة بالسكوت هو عين الكف عن النميمة بالسكوت أيضًا. علاقة الكف بالترك: مما سبق يمكن القول بأن علاقة الكف بالترك على ثلاث أحوال: أولًا: أن يكونا متقابلين: فيختص الكف بما توفر فيه القصد، والترك بما لم يكن كذلك. ثانيًا: أن يكونا مترادفين: فيكون كلًّا من الكف والترك بمعنى قصد عدم الفعل. ثالثًا: أن يكون الترك أعم من الكف: فيكون الترك هو عدم فعل المقدور ويشمل ما لو قصد فيكون كفًّا،

стр. 92

وما لم يقصد فيكون عدمًا، وهذا هو الأقرب للاستعمال اللغوي، وهو ما ستعتمد عليه هذه الدراسة بإذن الله تعالى. المطلب الثالث: علاقة الترك بالفعل: اختلف الأصوليون في الترك هل هو فعل أم لا، وترتب على خلافهم هذا آثار أصولية وفقهية، وهذا الخلاف ليس في الترك بمعنى العدم إذ الترك بمعنى العدم المحض ليس بفعل؛ لأنه عدم (١) وهذا واضح لا إشكال فيه. أما الترك بمعنى الكف فهل هو فعل أم لا؟ اختلف أهل العلم في ذلك على قولين مشهورين في الأصول (٢): أحدهما: أنه فعل، والثاني: أنه ليس بفعل، وفيما يلي بيان القائلين بكل قول وأدلتهم. القول الأول والقائلون به: ذهب الجمهور إلى كونه فعلًا وقد نص على ذلك طائفة من كل المذاهب:

стр. 93

فمن الحنفية: علاء الدين والبخاري (١) في "كشف الأسرار" (٢)، وابن نجيم الحنفي (٣) فى كتابه: "الأشباه والنظائر" (٤). ومن المالكية: الشاطبي (٥) في (الموافقات) (٦)، وابن بطال (٧): فيما نقله عنه ابن

стр. 94

حجر (١) (٢)، وابن الحاجب (٣) فيما نقله عنه ابن اللحام (٤) (٥) والشنقيطي (٦) في

стр. 95

(أضواء البيان) (١)، وذكر في شرحه على نظم مراقي السعود (٢) أن ذلك هو المذهب، وابن رشد في (بداية المجتهد) (٣). ومن الشافعية: الزركشي (٤) في (المنثور في القواعد) (٥)، وابن حجر في (فتح الباري) (٦)

стр. 96

وابن حجر الهيتمي (١) في (شرح المنهاج) (٢)، والجلال شمس الدين المحلي (٣) في (شرحه على جمع الجوامع) (٤)، والرازي (٥) في (المعالم) (٦)،

стр. 97

والآمدي (١) فيما نقله عنه ابن اللحام (٢)، وتاج الدين السبكي (٣) (٤).

стр. 98

ومن الحنابلة: ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (١)، وابن اللحام (٢). ومن غيرهم: ابن حزم الظاهري (٣) في (الملل والنحل) (٤)، والصنعاني (٥) في كتابه (إجابة السائل شرح بغية الآمل) (٦)، والمناوي (٧)

стр. 99

في (فيض القدير) (١). القول الثاني والقائلون به: نقل ابن تيمية عن أبي هاشم الجبائي أنه يرى أن الكف عدمي (٢)؛ أي ليس بفعل واختاره ابن عرفة (٣) في تفسيره (٤) قال: "البحث على أنه - أي الترك - غير فعل" (٥) وهو مقابل الصحيح عند المالكية، ويفهم من عبارة للقفال (٦)

стр. 100

من الشافعية (١). الأدلة على القول الأول: الأدلة على أن الترك الكفي: فعل كثيرة، منها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]. قال السبكي: "فإن الأخذ التناول، والمهجور المتروك فصار المعنى تناولوه متروكًا؛ أي: فعلوا تركه" (٢). الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ [المائدة: ٦٣]. قال الشنقيطي: "فترك الربانيين والأحبار نهيهم عق قول الإثم وأكل السحت سماه الله جل وعلا صنعًا في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾،

стр. 101

والصنع أخص من مطلق الفعل" (١). الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩]. ووجه الدلالة هنا ما قاله الشنقيطي: "سمى جل وعلا في هذه الآية الكريمة تركهم التناهي عن المنكر فعلًا، وأنشأ له الذم بلفظة بئس التي هي فعل جامد لإنشاء الذم" (٢). الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨]. ووجه الدلالة فيها: أن الله تعالى إنما أمر بالترك وذلك في قوله: ﴿وَذَرُوا﴾ أى: اتركوا، ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ أي: فإن لم تفعلوا الترك، وقد قال ابن عرفة: "فيها حجة لمن يقول: إن الترك فعل" (٣).

стр. 102

هذا ما وقفت عليه من أدلة منصوص عليها من كتاب الله، ويشهد لتلك الأدلة أدلة أخرى من السنة منها: الدليل الخامس: ما رواه الشيخان (١)، واللفظ للبخاري من حديث سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده ﵁ عن النبي ﷺ قال: "على كل مسلم صدقة"، فقالوا: يا نبي الله، فمن لم يجد؟ قال: "يعمل بيده فينفع نفسه وليتصدق، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: "يعين ذا الحاجة الملهوف"، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: "فليعمل بالمعروف وليمسك عن الشر فإنها له صدقة". ووجه الدلالة فيه: أن رسول الله ﷺ جعل ترك الشر صدقة، والصدقة لابد أن تكون فعلًا. الدليل السادس: ما رواه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله ﷺ : "مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله"، قالوا: ثم من؟ قال: "مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره" (٢).

стр. 103

ووجه الدلالة فيه: أن رسول الله ﷺ جعل الذي يدع الناس من شره من أفضل الناس وهو لا يكون أفضل الناس بأمر عدمي. الدليل السابع: ما ورد من حديث سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من ترك اللباس تواضعًا لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها" (١). ووجه الدلالة هنا: أن ترك الفعل مع القدرة عليه هو الكف الاصطلاحي، وقد بين النبي ﷺ أن من كان هذا حاله - ترك اللباس وهو يقدر عليه - كان له من الأجر ما ذكر في الحديث، والأجر والثواب لابد من أن يكون لشيء، لا لعدم محض. الدليل الثامن: قول الصحابة في بناء المسجد بالمدينة:

стр. 104

لئن قعدنا والنبي يعمل ... لذاك منا العمل المضلل (١) قال الشنقيطي: "فسمى قعودهم عن العمل وتركهم له عملاً مضللًا" (٢). * الترجيح: من خلال ما سبق يتضح لنا أن القائلين بأن الترك ليس بفعل لا يخلو كلامهم من أحد أمرين: ١ - أن يقصد بالترك أمر غير الكف وهو عدم الفعل لعدم الحاجة إليه: مثل قول ابن عرفة: "إذا كان طيب الطعام بين يدي رجلين أحدهما جائع والآخر شابع ولم يأكلا منه شيئًا، يقال في الجائع: إنه كف عن الأكل، وفي الشبعان: إنه ترك الأكل". وعلى هذا التفصيل منه يكون الترك فعلًا؛ إذ إن القول بأنه فعل منصب على كونه امتناع وكف. وما ذكره من الفرق بينهما يورد عليه بانه يصح أن يقال عن كليهما إنهما تركا الأكل. ٢ - أن يقصد أن ترك الكف والامتناع ليس بفعل: وهذا لم أجد أحدًا نسب إليه هذأ القول تصريحًا سوى أبي هاشم الجبائي من المعتزلة، والرواية المشهورة عن المالكية.

стр. 105

فعلية الترك عند الدكتور الزنكي: الدكتوو الزنكي يرى أنه ليس كل ترك فعلاً، لكن الترك عنده هنا هو الكف فقد تساءل في أول البحث: "متى يكون الترك (الكف) فعلاً ومتى لا يعتبر فيكلون عدمًا أصليًا؟ ". ولمحاولة الإجابة عن هذا السؤال ذكر أن المنهي عنه قسمان: الأول: المنهي عنه عمل ذهني ظلي لا يوجد له فود في الواقع والخارج. الثاني: المنهي عنه عمل ممكن الوجود في الخارج. فالأول: قسمه إلى صورتين: الأولى: أن التلبس بالضد ليس مأمورًا به، أو ليس له ضدٌّ أصلاً، ورأى أن الترك في هذه الحالة لا يكون فعلًا بل هو عدم محض. والصورة الثانية: أن يكون التلبس بضده مأمور به، وذهب إلى أن ترك المنهي عنه في هذه الحالة يعد فعلاً، لكنها لم تأت من طريق الترك نفسه. أما الثاني: فقد قسمه إلى صورتين: الأولى: أن يكون ضد المنهي أمور به شرعًا، فالترك هنا لا يكون فعلاً إلا بعد مباشرة المأمور. والثانية: أن يكون ليس له ضد معين، أو لا يكون ضده المعين مأمور به شرعًا، فإذا لم يكن له ضد معين: فالترك هنا فعل إذا كان هناك داع لفعل الضد المعين وإلا فلا. أما ألا يكون ضده المعين مأمور به شرعًا فقد ذكر أن هذه صورة غير

стр. 106

موجودة بل هي مجرد تصور عقلي (١). ويلاحظ على ما ذهب إليه الدكتور الزنكي عدة ملاحظات: الأولى: أن الترك عنده بمعنى الكف فقط، ولا سبيل إلى إلغاء الترك العدمي فجعل الترك العدمي من أقسام الكف، وهذا قول لا يستقيم إذ هما ضدان فالكف لابد فيه من القصد والترك العدمي لا يوجد فيه قصد، وإدخال الترك العدمي في الكف أداه إلى عدم القول بفعلية الترك الذي هو الكف. الثانية: ما ذهب إليه من أن الترك ليس فعلاً بإطلاق لا يُنازَع فيه، لكن الإشكال أن الترك عنده هو الكف فقط، ومن ثَمّ فمؤدى كلامه أن الكف ليس فعلًا بإطلاق وهذا ما أخالفه فيه. ثالثًا: بالنظر إلى التقسيمات التي ذكرها يُلاحظ أن الصور التي رأى فيها أن الكف ليس بفعل كانت لأجل أن الترك فيها ترك عدمي محض، وباستثناء الصور التي كان الترك فيها عدمي محض والتي يتوفر فيها شرط القصد فإن الكف في تلك الصور: فعل. وبناء على ذلك: فمآل ما ذكره الدكتور الزنكي إلى القول بفعلية الكف إذا لم يكن تركًا عدميًّا هو ما تعتمده هذه الدراسة من أن الكف فعل، أما الترك العدمي ليس بفعل، والذي يحل ذلك الإشكال الذي وقع فيه الدكتور الزنكي هو تقسيم الترك إلى صورتين: الأولى: الكف وهي فعل.

стр. 107

الثانية: الترك العدمي وهي ليست بفعل. وعليه: فالذي يظهر للباحث هنا أن القول الراجح هو ما عليه جمهور العلماء أن الترك الوجودي فعل.

стр. 108

المطلب الرابع: الآثار الأصولية المترتبة على كون الترك فعلاً: المسألة الأولى: التكليف بالترك: ذهب جمهور أهل السنة إلى أنه لا تكليف إلا بفعلاً (وإن اختلفوا في صفة ذلك الفعل في النهي كما سيأتي بيانه)، خلافًا لأبي هاشم الجبائي (١) من المعتزلة، حيث ذهب إلى جواز أن يرد التكليف في النهي بالعدم الأصلي (٢). قال الغزالي (٣) في المستصفى:

стр. 109

"وقال بعض المعتزلة: قد يقتضي الكف فيكون فعلًا، وقد يقتضي ألا يفعل، ولا يقصد التلبس بضده " (١). والذي قال بذلك من المعتزلة هو أبو هاشم الجبائي نقله عنه الآمدي (٢) والمرداوي (٣) (٤) وابن تيمية (٥) وغيرهم.

стр. 110

ونقل الآمدي عن أبي هاشم قوله: "إن التكليف قد يكون بأن لا يفعل العبد، مع قطع النظر عن التلبس بضد الفعل، وذلك ليس بفعل" (١). وهذا القول من أبي هاشم له مأخذ عقائدي، هو سبب خلافه - فيما يظهر لي -، وذلك أن المعتزلة يقولون بأن الأحكام التكليفية ثابتة بالعقل وأن الشرع إنما يرد موافقًا لها، ومثل هذا يظهر في النهي، فإن النهي إذا كان متعلقه العدم الأصلي وهو ثابت قبل ورود التكليف، كان ذلك دليلًا على أن الأحكام التكليفية ثابتة قبل الشرع وذلك لثبوت متعلقها قبله، إذ لا يمكن ثبوت الأحكام بعد متعلقاتها، وحيث وجد متعلق الحكم قبل الشرع: ثبت الحكم أيضًا قبل الشرع؛ وليس هناك ما يثبته قبل الشرع سوى العقل، وهذا هو ما تقتضيه أصول المعتزلة. الأدلة: استدل الجمهور ب ـ: (١) أن "المنتهي بالنهي يثاب، ولا يثاب إلا على شيء، وأن لا يفعل عدم وليس بشيء، ولا تتعلق به قدرة، إذ القدرة تتعلق بشيء، فلا يصح الإعدام بالقدرة (٢)، وإذا لم يصدر منه شيء، فكيف يثاب على لا شيء " (٣).
следующие страницы →