تدبير النصيب الذي له، والذي يجوز له إبطاله بالبيع، والله أعلم.
فلو أعتق نصيبه من جارية، ثبت الاستيلاد في نصيب شريكه منها، فمنع السراية هنا قوي؛ لأنها تتضمن نقل الملك، وأم الولد لا تقبل نقل الملك من مالك إلى مالك عند من يمنع بيعها، وهو أصح الوجهين عند الشافعية ﵏.
ومن يُجري عموم لفظ الحديث يُلغي هذا المانع بأن الإعتاق وسرايته كالإتلاف، وإتلاف أم الولد يوجب قيمتها، والتقويم سبيله سبيل غرامة المتلفات، وذلك يقتضي تخصيص العموم لصدور أمر جُعل إتلافًا، والله أعلم.
ومنها: أنه يشترط في المعتق أن يكون مختارًا للعتق في العبد المشترك؛ لقوله ﷺ : "من أعتقَ شركًا له"؛ فإنه يقتضي صدور العتق منه، واختياره له، فيثبت الحكم حيث كان مختارًا، وينتفي حيث لا اختيار، إما من حيث المفهوم، وإما لأن السراية على خلاف القياس، فيختص بمورد النص، وإما لإبداء معنى مناسب يقتضي التخصيص بالاختيار.
ولا شك أن إصدار العتق بصيغة مقتضية له بنفسها داخلة في مدلول الحديث.
فلو ورث بعضَ قريبه، عتقَ عليه ذلك البعض من غير اختيار، ولا يسري إلى باقيه، ولا يقوم عليه عند الشافعية، ونص عليه بعض المالكية؛ لعدم اختيار العتق وسببه معًا.
وعن أحمد ﵀ رواية: أنه يعتق عليه نصيب الشريك إذا كان موسرًا، وكأنه يجعل العتق الشرعي الناشئ عن الملك القهري قائمًا مقام الملك والعتق الاختياريين.
ومن أمثلة إرث بعض قريبه وعتقه عليه: إذا عَجَّزَ المكاتب نفسَه بعد أن اشترى شقصًا يعتق على سيده، فإن الملك والعتق يحصلان بعد اختيار السيد، فهو كالإرث، فلو وجد سبب العتق باختياره كقبوله بيع بعض قريبه أو هبته أو الوصية له به.
стр. 1717
وقد نزل ذلك الشافعي منزلة المباشرة، ونص عليه بعض المالكية في الشراء والهبة، فيسري إلى باقيه.
ومن ذلك: لو عجَّز السيد مكاتبه، بعد أن اشترى شقصًا ممن يعتق على سيده، فانتقل إليه الملك بالتعجيز الذي هو سبب العتق لما أجازه، فهو كاختياره بسبب العتق بالشراء وغيره.
وفيه اختلاف لأصحاب الشافعي ﵏، ويضعف هذا عن الأول؛ لأنه لم يقصد التمليك، وإنما قصد التعجيز، فحصل العتق ضمنًا بخلاف الأول؛ فإنه منزل منزلة المباشرة باختيار التمليك بالقبول، فهو أقوى من التعجيز الذي حصل العتق فيه ضمنًا، والله أعلم.
ولا فرق بين الاختيار في الملك وبين الاختيار في سببه، فلو أكره على العتق بحق حكم عليه به شرعًا، نفذ مكان ذلك خارجًا عن حكم الإكراه، ولم يدخل تحت اختياره سبب العتق، ففرق بين اختياره ما يوجب العتق في نفس الأمر، وهو سبب العتق، وبين اختياره ما يوجبه ظاهرًا.
فعلى هذا، إذا قال أحد الشريكين لصاحبه: قد أعتقت نصيبك، وهما معسران عند هذا القول، ثم اشترى أحدهما نصيب صاحبه، فإنه يحكم بعتق النصيب المشترى عنده؛ مؤاخذة للمشتري بإقراره، فهل يسري إلى نصيبه بمقتضى ما قررناه؟ إنه لا يسري؛ لأنه لم يختر ما يوجب العتق في نفس الأمر وإنما اختار ما يوجب الحكم به ظاهرًا.
وقال بعض القدماء من الحنابلة: يعتق جميعه، وهو ضعيف، والله أعلم.
ومنها: لو علق عتق نصيبه من العبد المشترك على صفة، فوجدت الصفة، عتق، وكان ذلك قائمًا مقام العتق المنجز في السراية والتقويم.
وأما العتق إلى أجل، فاختلف المالكية فيه:
والمنقول عن مالك وابن القاسم ﵏: أنه يقوم عليه الآن، فيعتق إلى أجل، وقال سحنون: إن شاء الممسك، قومه الساعة، فكان عتقه إلى سنة
стр. 1718
مثلًا جزاء، وإن شاء تماسك، وليس يبيعه قبل السنة إلا من شريكه، وإن أتت السنة، قوم على مبتداء التقويم.
ومنها: أن الشريك المعتق لو كان نصيبه قليلًا أو كثيرًا، عتق، وتعلق به حكم السراية بشرطه؛ حيث إن الشرك منكَّر، وهو واقع في سياق الشرط؛ فيقع على كل قليل وكثير.
فلو أعتق عضوًا معينًا؛ كاليد أو الرجل مثلًا، اقتضى الحديث ثبوتَ الحكم فيه.
وخلاف أبي حنيفة في الطلاق جارٍ هاهنا، وتناول لفظ الحديث لهذه الصورة أقوى من تناولها للجزء المشاع؛ لما قيدناه؛ لأن الجزء الذي تفرد بالتعيين مشترك حقيقة، فلو أعتق نصيبه، اقتضى الحديث مصادقته لنصيبه.
فعلى هذا، لو قال: أعتقت نصيب شريكي، لم يؤثر في نصيبه، ولا في نصيب الشريك، على المذهبين، فلو قال للعبد الذي يملك نصفه: نصفك حر، وأعتقت نصفك، فهل يحمل على النصف المختص به، أو يحمل على النصف شائعًا؟ فيه اختلاف لأصحاب الشافعي.
وعلى كل حال، فقد عتق، إما كل نصيبه، أو بعضه، فهو داخل تحت الحديث.
ومنها: ثبوتُ الحكم في العبد المشترك، وهو مقتضى الحديث، والأمةُ مثلُه، وهو قياس بالنسبة إلى هذا الأصل، وفي معناه الذي لا ينبغي أن ينكره منصف، غير أنه ورد ما يقتضي دخول الأمة في اللفظ.
فقد روى البيهقي عن مالك عن نافع، عن ابن عمر: "من أعتقَ شِرْكًا له في مملوك"، وروى أيوب عن نافع مثله (١)، وروى بشر بن المفضل عن عبيد الله:
стр. 1719
"في عبد"، وهو لفظ الكتاب، وفي بعض هذه الروايات عموم.
وجاء في رواية موسى بن عقبة عن نافع، عن ابن عمر ما هو أقوى من ذلك: أنه كان يرى في العبد والأمة تكون بين الشركاء، فيعتق أحدهم نصيبه منه، يقول: قد وجب عليه عتقه كله.
وفي آخر الحديث يخبر بذلك ابن عمر عن النبي ﷺ (١).
وكذلك جاء في رواية صخر بن جويرية عن نافع، يذكر العبد والأمة قريبًا مما ذكرناه من رواية موسى، وفي آخره رفع الحديث إلى النبي ﷺ .
ومنها: اعتبار يسار المعتق في وقت العتق؛ فإنه ﷺ قال: "فكانَ له مالٌ يبلغُ ثمنَ العبد" بالفاء، سواء اقتضى ذلك اليسار وقت العتق، أو حاله، فلو كان معسرًا لم يسرِ.
وتقدم الاختلاف في المذاهب فيه قريبًا.
وبه قال الشافعية ﵏، قالوا: إذا أوصى أحد الشريكين بعتق نصيبه بعد موته، فلا سراية، وإن خرج كله من الثلث؛ لأن المال ينتقل بالموت إلى الوارث، ويبقى الميت لا مال له، فلا يقوم على من لا يملك شيئًا وقت نفوذ العتق في نصيبه، وكذلك لو كان يملك كل العبد، فأوصى بعتق جزء منه، فأعتق منه جزءًا، لم يسر. وكذلك لو دبر أحدُ الشريكين نصيبه فقال: إذا متُّ فنصيبي منك حُرٌّ، فكله جارٍ على ما ذكرناه عند من قال به (٢).
وظاهر مذهب المالكية في هذه المسألة في التدبير: أنه لا يسري، وقيل: إنه يقوم في ثلثه، وجعله موسرًا بعد الموت.
ومنها: أن قيمة الشيء تسمى ثَمَنًا؛ فإنه ﷺ قال: "فكانَ له مالٌ يبلغُ ثمنَ العبدِ"، والمراد بالثمن: قيمةُ العبد؛ فإن الثمنَ ما اشتريت به العينَ، وإنما تلزم
стр. 1720
السراية بوجود القيمة، لا بالثمن، وقد تبين المراد بقوله ﷺ : "قُوِّمَ عليه قيمةَ عدلٍ".
وفي رواية عمرو بن دينار عن سالم، عن أبيه: "أَيُّما عَبْدٍ كانَ بينَ اثنينِ، فأعتقَ أحدُهما، فإنْ كانَ موسِرًا، فإنه يُقَوَّمُ عليه بأعلى القيمةِ"، أو قال: "قيمةً لا وَكْسَ ولا شَطَطَ" (١).
وفي رواية أيوب: "وكانَ له من المالِ ما يبلغُ ثمنَهُ بقيمةِ العدلِ" (٢)، وفي هذا كله ما يبين أن المراد بالثمن: القيمة، فلو كان المال لا يبلغ كمال القيمة، ولكن قيمة بعض النصيب، فمقتضى الحديث تعليق الحكم بمال يبلغ ثمن العبد.
وقد ذكر أصحاب الشافعي ﵏ في السراية بذلك وجهين.
فيمكن استدلال من لا يرى السراية بمفهوم لفظ الحديث، ويعضده أن في السراية تبعيض ملك الشريك عليه، والأصح عندهم السراية إلى القدر الذي هو موسر به تحصيلًا للحرية بقدر الإمكان، والمفهوم في هذا ضعيف؛ فلو كان عليه دين يساوي القيمة، أو يزيد عليها، فهل يمنع السراية والتقويم؟
فيه الخلاف في منع المدين الزكاة؛ حيث اشترك هو والعتق في كونهما حقًّا لله - تعالى - تعلق بآدمي، والمالكية يرون أن من عليه دين بقدر ماله، فهو معسر، فيقضى هنا على أصلهم منع السراية.
وظاهر الحديث أن الدين لا يكون مانعًا هاهنا؛ تخصيصًا لهذه الصورة بالمانع الذي يقيمه في العتق والزكاة، فلو ملك ما بقي بنصيب شريكه، ولم يملك غيره، فهل يقوم عليه مقتضى الحديث التقويم؟
والشافعية أخرجوا قوتَ يومه، وقوتَ من تلزمه نفقته، ودستَ ثوبٍ، وسكنى يوم.
стр. 1721
والمالكية اختلفوا: فقيل باعتبار قرب الأيام، وكسوة ظهره؛ كما في الديون التي عليه، ويباع منزله الذي يسكن فيه، وسوار بيته. قالوا: وإنما يترك له ما يواريه لصلاته.
واختلف العلماء في وقت حصول العتق عند وجود شرائط السراية إلى الباقي:
وللشافعي ﵀ ثلاثة أقوال:
أحدها -وهو الأصح عند أصحابه-: أنه يحصل بنفس الإعتاق، وهي رواية عن مالك ﵀.
الثاني: أن العتق لا يحصل إلا إذا أدي نصيب الشريك، وهو ظاهر مذهب مالك.
والثالث: التوقُّف، فإن أدى القيمة، بان حصولُ العتق من وقت الإعتاق، وإلَّا، بانَ أنه لم يعتق.
وألفاظ الأحاديث في ذلك مختلفة عند الرواة، فبعضها يدل على الإعتاق بعد التقويم والإعطاء، فيكون عتق الباقي للتقويم مرتبًا، وذلك يدل على ترتيب في الوجود أو في المرتبة، وهو باطل؛ حيث إن عتق النصيب الباقي على قول السراية بنفس إعتاق الأول، إما معه، أو عقبه.
واعلم أن التقويم إن أريد به تقويم الحاكم، فهو متأخر في الوجود عن عتق النصيب والسراية معًا، ولا يكون عتق الشريك مرتبًا على التقويم مع ما فيه من المجاز، فالتقويم بهذا التفسير مع العتق الأول يتقدم على الإعطاء وعتق الباقي، فلا يكون عتق الباقي متأخرًا عن التقويم على هذا التفسير، لكنه متأخر على ما دل عليه ظاهر اللفظ.
وإذا بطل الثاني، تعين الأول؛ وهو أن يكون عتق الباقي راجعًا إلى الترتيب في الوجود؛ أي: يقع أولًا التقويم، ثم الإعطاء وعتق الباقي، وهو مقتضى مذهب مالك ﵀.
стр. 1722
إلا أنه يبقى على هذا احتمال أن يكون "وعتقَ عليه العبدُ" معطوفًا على "قُوِّمَ قيمةَ عدل"، لا على "أعطي شركاؤه حصصهم"، فلا يلزم تأخر عتق الباقي عن الإعطاء، ولا كونه معه في درجة واحدة تعليل بالنظر في راجح الاحتمالات؛ من حيث عطفه على "أعطي" أو على "قوم".
وأقوى منه رواية عمرو بن دينار عن سالم، عن أبيه؛ إذ فيها: "فكانَ موسرًا؛ فإنه يقوَّمُ عليه بأعلى القيمة، أو قال: قيمةً لا وكسَ ولا شَطَطَ، ثم يقوم لصاحبه حصته، ثم يعتق" (١)، فجاء بلفظة (ثم) المقتضية لترتيب العتق على الإعطاء والتقويم.
وأما ما يدل ظاهره للشافعي؛ فرواية حماد بن زيد عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "من أعتقَ نصيبًا له في عبدٍ، فكان له من المالِ ما يبلغُ ثمنَهُ بقيمة العدلِ، فهو عتيقٌ" (٢).
وأما في رواية بشر بن المفضل عن عبيد الله، مما جاء فيها: "من أعتقَ شركًا له في عبدٍ، فقد عَتَقَ كلُّه، إنْ كان الذي عتقَ نصيبهُ من المالِ ما يبلغُ ثمنَهُ، يقوَّمُ عليه قيمةَ عدلٍ، فيدفعُ إلى شركائه أنصباءَهم، ويُخلي سبيلَه" (٣)؛ فإن في أوله ما يستدل لمذهب الشافعي ﵀ بقوله: "فقد عتقَ كلُّه"؛ فإن ظاهره يقتضي تعقيب عتق كله، لا عتق النصيب. وفي آخره ما يشهد لمذهب مالك ﵀؛ فإنه قال: يقوم قيمة عدل، فيدفع إلى الشركاء النصيب بعد إعتاق النصيب للتقويم، ودفع القيمة عقب التقويم إلى الشركاء، وذكر تخلية السبيل بعد ذلك بالواو.
قال شيخنا الإمام أبو الفتح بن دقيق العيد ﵀: والذي يظهر في هذا أن ينظر إلى هذه الطرق ومخارجها، فإذا اختلفت الروايات في مخرج واحد،
стр. 1723
أخذنا بالأكثر، أو بالأحفظ فالأحفظ، ثم نظرنا في أقربها دلالة على المقصود، فيعمل بها.
وأقوى ما ذكرناه لمذهب مالك لفظة "ثم".
وأقوى ما ذكرناه لمذهب الشافعي ﵀ رواية حماد، وهي قوله: "من أعتقَ نصيبًا له في عبد" إلى قوله: "فهو عتيقٌ".
لكنه يحتمل أن يكون المراد أن مآله العتق، أو أن العتق قد وجب له وتحقق.
وأما قضية وجوبه بالنسبة إلى تعجيل السراية أو توقفها على الأداء، فمحتمل.
فإذا آل الأمر إلى هذا، فالواجب النظر في أقوى الدلالتين وأظهرهما دلالة "ثم" على تراخي العتق عن التقويم والإعطاء.
ودلالة لفظة "فهو عتيق": على تنجيز العتق هذا بعد أن يجري ما ذكرناه من اختلاف الطرق، أو إبقائها على مدلولها، والله أعلم (١).
وقد يستدل بالحديث من يرى السرايةَ بنفس الإعتاق، على عكس ما قررناه في الوجه قبله، وطريقُه أن يقال: لو لم تحصل السراية بنفس الإعتاق، لما تعينت القيمة جزاء للإعتاق، لكن تعينت، فالسراية حاصلة بالإعتاق، بيان الملازمة: أنه إذا تأخرت السراية عن الإعتاق، وتوقفت على التقويم، عتق الشريك نصيبه، ونفذ، وإذا نفذ، فلا تقويم، فلو تأخرت السراية، لم يتعين التقويم، لكنها متعينة بالحديث.
واختلف الحنفية في مجرد الإعتاق، بعد اتفاقهم على عدم تجزيء العتق؛ فأبو حنيفة: يرى بالتجزيء في الإعتاق، وصاحباه لا يريانه. وأثبتا على مذهب أبي حنيفة ﵀ أن للسالب أن يعتق؛ إبقاء للملك، ويضمن لشريكه؛ لأنه جنى على ملكه بالإفساد واستسعاء العبد؛ لأنه ملكه رجاء يسار المعتق، فلو كان في حال إعساره، سقط التضمين، ونفي الأمران الآخران.
стр. 1724
وعند أبي يوسف، ومحمد: لما لم يتجزأ الإعتاق، عتق كله، ولا يملك إعتاقه.
ولهما أن يستدلا بالحديث من جهة ما ذكرناه من تعيين القيمة فيه، ومع تجزيء الإعتاق لا تتعين القيمة.
ومنها: وجوب قيمة نصيب الشريك على المعتق نصيبه؛ للحديث: "أنه يقوم عليه قيمة العدل"، فيدفع لشركائه حصصهم، فإن دلالة سياقه لا شك فيها على هذا الحكم، وذلك يرد مذهب من يرى أن باقي العبد يعتق من بيت مال المسلمين، وهو مروي عن ابن سيرين - رحمه الله تعالى -، ومقتضاه التقويم على الموسر.
وذكر بعضهم قولًا آخر: أنه ينفذ عتق من أعتق، ويبقى من لم يعتق على نصيبه يفعل فيه ما يشاء.
وروي في ذلك عن عبد الرحمن بن زيد قال: كان بيني وبين الأسود غلامٌ شهد القادسية، وأبلى فيها، أرادوا عتقه، وكنت صغيرًا، فذكر ذلك الأسود لعمر ﵁، فقال: أعتقوا أنتم، ويكون عبد الرحمن على نصيبه حتى يرغب في مثل ما رغبتم فيه، أو يأخذ نصيبه (١).
وفي رواية عن الأسود قال: كان لي ولإخوتي غلام أبلى يوم القادسية، فأردت عتقه، فذكرت ذلك لعمر، فقال: أتفسدُ عليهم نصيبهم حتى يبيعوا؟! فإن رغبوا فيما رغبت فيه، وإلا لم يفسد عليهم نصيبهم، فقال بعضهم: لو رأى التضمين، لم يكن ذلك إفسادًا لنصيبهم (٢).
قال شيخنا الإمام أبو الفتح بن دقيق العيد ﵀: والإسناد صحيح،
стр. 1725
غير أن في إثبات قوله بعدم التضمين عند اليسار بهذا نظر، أما على كل تقدير، فالحديث يدل على التقويم عند اليسار المذكور فيه، والله أعلم (١).
ومنها: العمل بالظنون في باب القيم، وهو متفق عليه؛ لامتناع النص على الجزئيات من القيم في مدة الزمان، وقوله ﷺ : "قُوِّمَ عليهِ قيمةَ عدلٍ" يدل على ذلك.
ومنها: أن ضمان المتلَفات التي ليست من ذوات الأمثال بالقيمة، لا بالمثل صورة.
ومنها: اعتبار الصفات التي تختلف بها القيم عرفًا عند الناس، واشتراط قيمة العدل في الحديث تدل على ذلك.
ومنها: الرد على ربيعة؛ حيث قال: إذا أعتق أحدُهما نصيبه من العبد، فإنه مردود، وصريحُ الحديثِ والإجماعُ يردُّ عليه، وقد حُمل قوله على منع عتق المُشَاع.
ومنها: تعليق العتق بإعطاء الشركاء حصصهم؛ حيث رتب على العتق التقويم بالفاء، ثم على التقويم بالفاء للإعطاء والعتق، وعلى قولنا: إنه يسري بنفس العتق لا بتوقف العتق على التقويم والإعطاء، وقد تقدم ذكر ثلاثة أقوال في ذلك، ثالثها: أنه موقوف، فإن أعطى القيمة، ثبتت السراية وقت العتق، ولا ينافي هذا القول لفظ الحديث.
ومنها: عتق نصيب الموسر جميعه؛ لقوله ﷺ : "وإلا فقد عَتَقَ منه ما عتقَ": فيقتضي أنه إذا كان معسرًا، لا يعتق نصيب الشريك، ويبقى على الرق، أو يستسعى العبد.
وفي ذلك نظر، ويؤخذ حكمه من حديث آخر، وسيأتي - إن شاء الله تعالى -، والله أعلم.
* * *
стр. 1726
الحديث الثاني
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ مَمْلُوكٍ، فَعَلَيْهِ خَلاَصُهُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ؛ قُوِّمَ المَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ استسعى غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيهِ" (١).
اعلم أن هذا الحديث قد روياه في "الصحيحين"، لكن في لفظ الاستسعاء خلاف بين الرواة، فمنهم من فصله من الحديث، وجعله من رأي قتادة.
قال الدارقطني: روى هذا الحديث شعبة، وهشام عن قتادة، وهما أثبت، فلم يذكر فيه الاستسعاء، ووافقهما همام، ففصل الاستسعاء من الحديث، فجعله من رأي قتادة، قال: وعلى هذا أخرجه البخاري، وهو الصواب (٢)!
قال الدارقطني: وسمعت أبا بكر النيسابوري يقول: ما أحسن ما رواه همام وضبطه! ففصل قول قتادة عن الحديث (٣).
وقال القاضي عياض ﵀: قال الأصيلي، وابن القصار، وغيرهما: من أسقط السعاية من الحديث، أولى ممن ذكرها، ولأنها ليست في الأحاديث الأخر من رواية ابن عمر (٤).
وقال ابن عبد البر: الذين لم يذكروا السعاية أثبتُ ممن ذكرها (٥).
стр. 1727
وقال غيره: وقد اختلف فيها عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، فتارة ذكرها، وتارة لم يذكرها.
فدل على أنها ليست عنده من متن الحديث، كما قال غيره، والله أعلم.
أما معنى الاستسعاء في هذا الحديث، فالذي عليه جمهور القائلين بجواز الاستسعاء: أن العبد يكلَّف الاكتسابَ والطلبَ حتى يحصل قيمة نصيب الشريك الآخر، فإذا دفعها إليه، عَتَقَ، وقال بعضهم: هو أن يخدم سيدَه الذي لم يعتق بقدر ما له من الرق، فتتفق الأحاديث على هذا.
وقوله ﷺ : "غيرَ مشقوقٍ عليه": أي: لا يكلَّف المملوك ما يشقُّ عليه في السعاية.
وأما الشِّقْص: فهو النصيب، قليلًا كان أو كثيرًا، ويقال له: الشقيص أيضًا بزيادة ياء، ويقال له: الشِّرك -أيضًا- بكسر الشين، وتقدم بعض ذلك.
وأما لفظ المملوك: فيتناول الذكر والأنثى معًا، وتعسف بعضهم وقال: لا يطلق على الأنثى، بل يقال لها: مملوكة. وأما لفظ العبد: فلا يطلق إلا على الذكر، وادعى بعضهم أنه يتناول الذكر والأنثى، وعبد وعبدة، والله أعلم.
وقوله ﷺ : "فعليه خلاصُهُ": هذا اللفظ يشعر باستقبال خلاصه، وقد يقدر فيه محذوف؛ أي: فعليه عوض خلاصه ونحوه، وقد يشعر بعدم السراية بنفس العتق إلى نصيب الشريك، والمراد: فعليه خلاص كله يعتق تتمته.
وقوله ﷺ : "في ماله": ردٌّ على من قال: إنه يعتق من بيت مال المسلمين، وهو ابن سيرين؛ فإن إضافة المال إلى السيد المعتِق ينافي بيت مال المسلمين.
وقد يستدل به لمن يقول: إن الشريك الذي لم يعتق أولًا، ليس له أن يعتق بعد الأول، إذا كان الأول موسرًا؛ لأنه لو أعتق، ونفذ، لم يحصل الوفاء بكون خلاصه من ماله.
لكنه رد عليه الحديث قبله، فإنه من لوازم عدم صحة عتق الثاني: أنه يسري بعتق الأول عليه بفراغه من لفظه؛ فيكون دليلًا على السراية بنفس العتق.
стр. 1728
ويبقى الترجيح بين هذه الدلالة وبين غيرها، من قوله: "قُوِّمَ عليه، وأُعطي شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد"؛ حيث إن ظاهره يرتب العتق على إعطاء القيمة، فأي الدليلين كان أظهرَ، عمل به.
ثم قوله: "فعليه خلاصُه من مالِه": يقتضي عدم استسعاء العبد عند يسار المعتق.
وقوله ﷺ : "فإنْ لم يكنْ له مالٌ": يقتضي ظاهرُه النفيَ العامَّ للمال، والمراد به: المال الذي يؤدي إلى خلاص المملوك.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: جواز عتق العبد المملوك المشترك من بعض الشركاء.
ومنها: أنه إذا كان له مال أنه يلزمه خلاص باقيه من ماله.
ومنها: أنه إذا لم يكن له مال، واستسعى العبد فيما يفك به رقبته: أنه لا يكون سعيًا شاقًّا على العبد، بل يعمل فيه بالاجتهاد، والظن الراجح؛ كما قلنا في القيمة.
ومنها: تعظيم حق العتق، وأنه مطلوب مؤكد للشرع.
ومنها: استسعاء العبد عند عسر المعتق نصيبه، وتقدم الاختلاف فيه في الحديث قبله، والمخالفون في الاستسعاء يعارضونهم بقوله ﷺ : "وإلَّا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ".
قال شيخنا الإمام أبو الفتح ﵀: والنظر المنحصر في تقديم أحد الدلالتين على الأخرى، في قوله: "فقد عتق منه ما عتق" على رقِّ الباقي، ودلالة الاستسعاء على لزومه في هذه الحالة، قال: والظاهر ترجيح هذه الدلالة على الأولى، والله أعلم (١).
قلت: إنما حمل الشيخ ﵀ ترجيحَ دلالة الاستسعاء على دلالة
стр. 1729
قوله: "فقد عتقَ منه ما عتقَ"؛ حيث إنها ثابتة في الحديث عنده، ولم ينظر فيما عللها به الأئمة الذين ذكرناهم، وإنها من قول قتادة، لا من الحديث، بخلاف قوله: "وإلَّا فقدْ عتقَ منه ما عتقَ"؛ فإنها ثابتة عند المحققين من الحفاظ، وإن كان بعضهم عللها وجعلها من قول نافع، لكنه قولٌ مرجوح كما بيناه في الحديث قبله، فتعين ترجيح دلالة "فقد عتقَ منه ما عتق" على الاستسعاء، وأنه ضعيف، والله أعلم [بالصواب، وإليه المرجع والمآب] (١).
* * *
الحديث الثالث
وقد بوب عليه بعضُهم: باب المدبَّر، وليس هو في معظم نسخ الكتاب.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: دَبَّرَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ غُلاَمًا (٢)، وَفِي لَفْظٍ: بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَعْتَقَ غُلاَمًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَاعَهُ بِثَمَانِ مِئَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ ثَمَنَهُ إِلَيْهِ (٣).
أما الرجل المعتق عن دبر؛ فهو أبو مذكور، والغلام المعتق اسمه: يعقوب، والذي اشتراه نعيم بن عبد الله النحام، ذكر ذلك الخطيب البغدادي.
وذكر المعتقَ والغلامَ فقط ابنُ بشكوال، وقال: والمعتق اسمه يعقوب (٤)، كذا في "صحيح مسلم" (٥)، وفي "النسائي" أيضًا (٦) اسم المعتق.
وقد روى الإمام أحمد بن حنبل ﵀ عن إسماعيل بن إبراهيمُ عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁: أن رجلًا من الأنصار يقال
стр. 1730
له: أبو مذكور أعتق غلامًا له يقال له: يعقوب، عن دبر، لم يكن له مال غيره، فدعا به رسول الله ﷺ ، فقال: "من يشتريه؟ " فاشتراه نعيم بن عبد الله النحام بثمان مئة درهم، فدفعها إليه، وقال: "إذا كانَ أحدُكم فقيرًا، فليبدأْ بنفسه، فإن كان فيها فضلٌ، فعلى عيالِه، فإن كان فضلٌ، فعلى ذي قرابته، أو ذي رَحِمِهِ" (١). وهكذا رواه جماعة عن أبي الزبير، عن جابر؛ منهم: الليث بن سعد، وحماد بن سلمة، وابن جريح، وغيرهم، والله أعلم.
وفي رواية النسائي والدارقطني: أن النبي ﷺ لما دفع إليه ثمن الدبر، قال له: "اقضِ بهِ دَيْنَكَ" (٢)، والله أعلم.
وقوله: "دُبُرٍ، وأعتقَ غُلامًا له عن دُبُر"؛ معناه: أعتقه بعد موته؛ أي: قال: أنت حر بعد موتي، فكأنه علَّق عتقه بموته، والموتُ دبرُ الحياة، وبه سمي التدبير.
ولا يقال التدبير في غير الرقيق؛ كالخيل وغيرها، مما يوصي به.
قال الإمام أبو القاسم الرافعي ﵀: وقيل: سمي تدبيرًا؛ لأنه دبر أمر دنياه، باستخدامه واسترقاقه، وأمر آخرته بإعتاقه، قال: وهذا مردود إلى الأول -أيضًا-؛ لأن التدبير في الأمر مأخوذ من لفظ الدبر أيضًا؛ لأنه نظر في عواقب الأمر وإدباره، والله أعلم (٣).
وفي الحديث أحكام:
منها: جواز التدبير وصحته، وقد أجمع المسلمون عليه.
стр. 1731
ثم مذهب الشافعي ﵀، ومالك، والجمهور: أنه يحسب عتقه من الثلث، وقال الليث، وزفر: هو من رأس المال.
ومنها: جواز بيع المدبر قبل موت سيده؛ لهذا الحديث، وقياسًا على بيع الموصي بعتقه؛ فإنه جائز بالإجماع، وهو مذهب الشافعي وأصحابه، وممن جوزه: عائشة، وطاوس، وعطاء، والحسن، ومجاهد، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود.
وكما يجوز بيع المدبر، تجوز هبته والوصية به، وغيرُها من التصرفات المزيلة للملك، سواء كان التدبير مطلقًا، أو مقيدًا، خلافًا لأبي حنيفة في المطلق، ولمالك في المطلق والمقيد معًا.
وعن أحمد روايتان؛ إحداهما: كمذهبنا، والأخرى: أنه له بيعه للدين فقط، ويمنع بيع المدبر.
قال جمهور العلماء والسلف من الحجازيين، والشاميين، والكوفيين: وتأولوا بيعه على أن النبي ﷺ إنما باعه في دين كان على سيده، كما رواه النسائي والدارقطني، وروي: أن النبي ﷺ باعه، وقضى منه دينه، ودفع الفضل إليه.
وروي عن عائشة ﵂: أنها باعت مدبرة لها سحرتها (١). ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة ﵃، ولا خالفها، وهذا يدل على جواز بيعه مطلقًا.
قالوا: ولا تعليق للعتق بصفة انفرد السيد بها فيتمكن من بيعه كالمعلق عتقه بدخول الدار، وتأوله بعض المالكية على أنه لم يكن له مال غيره، فرد تصرفه.
قال هذا القائل: وكذلك يرد تصرف كل من تصدق بكل ماله، وهذا ضعيف باطل، والصواب نفاذ تصرف من تصدق بكل ماله.
стр. 1732
ومنهم من يقول: أنا أقول بجواز بيعه في صورة كذا، والواقعة واقعة حال لا عموم لها، فيجوز أن تكون في الصورة التي أقول بجواز بيعه فيها، فلا تقوم عليَّ الحجة في المنع من بيعه في غيرها، كما يقول مالك ﵀ في جواز بيعه في الدين، على التفصيل المذكور في مذهبه، والله أعلم.
قال القاضي عياض ﵀: والأشبه عندي أن النبي ﷺ فعل ذلك نظرًا له؛ إذ لم يترك لنفسه مالًا.
والصحيح: ما قاله أصحاب الشافعي ومن وافقهم: أن الحديث على ظاهره، وأنه يجوز بيع المدبر بكل حال ما لم يمت السيد، والله أعلم (١).
ومنها: نظر الإمام في مصالح رعيته، وأمرُه إياهم بما فيه الرفق بهم، وبإبطالهم من تصرفاتهم التي يمكن نسخها، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وقد يسر الله تعالى في تأليف هذا الشرح المسمى بـ "العُدَّة في شرح العُمْدَة"، ما تقرُّ به عيونُ الطالبين، وتنشرح له صدور العلماء العارفين، وتستنير له قلوب الألباء الفَطِنين؛ لما احتوى عليه من العلوم الباهرة، والفنون الزاهرة؛ من علوم الحديث، واللغة، والفقه، والأحكام، وأسماء الصحابة والتابعين ورواياتهم، وما تيسر من مناقبهم وآثارهم، وتبيين المبهم من الأسماء، والتنبيه على دقائق واضحة، وجليات رائقة فائحة، وتفسير آيات محكمات، وإيضاح معانٍ مشكلات، وذكر أصول ثابتات، وفروع نَضِرة نيّرات.
فله الحمدُ على ما يسَّر وهدى، وأنعم وأولى، وجاد وأعطى، وأسأل الله تعالى أن يجعله خالصًا، ويعم النفعُ به كلَّ طالب حارصًا، وأن يعصمنا أجمعين من الزيغ والزلل، وأن يوفق من وجد عيبًا لسد الخلل، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، والحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وصلواتُه وسلامه
стр. 1733
على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمامِ المتقين، المرسلِ رحمةً للعالمين، وعلى آله وأزواجه وذريته وصحابته الطاهرين، وعلى سائر الخلق من الملائكة والأنبياء والمرسلين وآلِ كلٍّ والصالحين من سكان السموات والأرضين، وحسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم.
قال مؤلفه ﵀: فرغت من تأليفه صبيحة يوم السبت، السابع عشر من شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث عشر وسبع مئة، [والحمد لله على نعمه التي لا تحصى] (١).
نسخ العبد الفقير إلى الله تعالى: موسى بن إبراهيم النابلسي مولدًا، الأشعري معتقدًا، الشافعي مذهبًا، الأندلسي والدًا، عفا الله عنه وعن والديه، ومستنسخه، والناظر فيه، ومن كان السبب فيه، وجميع المسلمين، آمين.
وكان الفراغ منه: اليوم الثاني من مستهل جمادى الآخرة سنة ستين وسبع مئة، أحسن الله تقضيها بمنِّه وكرمه، آمين، وصلى الله على سيدنا محمد كلَّما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون.
* * *