يؤد الأمانة المأمور بها؛ ولهذا قال ﷺ في "صحيح مسلم" في رواية من هذا الحديث: "ولا غادِرَ أعظمُ غدْرًا من أميرِ عامَّةٍ" (١).
ويحتمل أنه ورد في نهي الرعية عن الغدر بالإمام، فلا يشقوا عليه العصا، ولا يتعرضوا لما يخاف حصول فتنة بسببه، وإذا صدر من الأئمة والولاة ما يشق عليهم، صبروا عليهم ما أقاموا الصلاة فيهم، كما ثبت في الصحيح. ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]، والله أعلم.
وفي الحديث دليل: على غلظ تحريم الغدر من صاحب الولاية العامة وغيره؛ لأنه غدره يتعدَّى ضرره إلى خلق كثير، ولأنه غير مضطر إلى الغدر؛ لقدرته على الوفاء، كما ثبت في الحديث الصحيح: أنه ﷺ قال: "ثلاثةٌ لا يكلِّمُهم اللهُ يومَ القيامة ولا يُزَكِّيهم ولهم عذابٌ أليم: ملكٌ كذاب، وشيخٌ زانٍ، وعائلٌ مستكبِرٌ" (٢).
ولا شك أن الغدر في الحروب والاغتيال فيها وغيرها، ممنوع شرعًا، خصوصًا إن تقدم ذلك عهد أو أمان، وقلنا: إن الدعوة إلى الإسلام واجبة قبل القتال، وذلك كله متعلق بالإمام.
ولفظ الحديث عام في الإمام وغيره، لكن غدر الإمام أعظم، ولهذا عوقب الغادر بالفضيحة العظمى.
وفيه دليل: على شهر الناس، والتعريف بهم في القيامة، لكنه بالنسبة إلى أمهاتهم.
стр. 1682
وفيه: تنبيه على اجتناب الأخفِّ خوفًا من الأشدِّ؛ فإن فضيحة القيامة أشدُّ فضيحة من فضيحة الدنيا؛ حيث إن الأمر يشهده الأولون والآخرون فيها، والله أعلم.
* * *
الحديث الحادي عشر
عَنْهُ أيضًا: أَنَّ امْرَأةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيِّ ﷺ مَقْتُولَةً، فَأنكرَ النَّبِيُّ ﷺ قَتْلَ النِّسَاء وَالصِّبْيَانَ (١).
أعلم أن النساء جمعٌ لا واحدَ له من لفظه، وكذلك النسوان والنسوة.
وأما الصِّبيان؛ فبكسر الصاد وضمها؛ جمع صَبِيّ، ومثل الصبيان في اللفظ: قضيب وقضبان، ورغيف ورُغفان. وفيهما اللغتان.
ولا شك أن النساء والصبيان ليس في نفوسهم من إحداث الضرر والميل إليه ما في نفوس الرجال المقاتلين، والأصل عدمُ إتلاف النفوس، إنما أبيح من إتلافها ما يقتضيه رفع المفسدة، والغالب عدم القتال من النساء والصبيان، فرفع عنهم القتل؛ لعدم مفسدة المقاتلة في الحال الحاضر، ورجاء هدايتهم عند بقائهم، ولعدم ميل نفوسهم إلى التشبث الشديد بما يكون عليه الرجال كثيرًا وغالبًا من المنع والممانعة حال المقاتلة، والله أعلم.
وأجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا، فلو قاتلوا، قال جماهير العلماء: يُقتلون.
وأما شيوخ الكفار؛ فإن كان فيهم رأي، قُتلوا، وإلا، ففيهم وفي الرهبان خلاف:
стр. 1683
والأصح عند الشافعية: قتلُهم؛ لما رواه أبو داود وغيره: أن النبي ﷺ قال: "اقتلوا شيوخَ المشركينَ واسَتْبقُوا شَرْخَهُمْ" (١).
وقال مالك وأبو حنيفة: لا يقتلون، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني عشر
عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ، شَكَيَا القَمْلَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ في غزَاةٍ لَهُمَا، فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الحَرِيرِ، وَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا (٢).
أعلم أن الرخصة في الشيء تدل على المنع منه، ولا شك أن الأصل في الشرع تحريمُ الحرير على الرجال؛ كما تقدم في كتاب اللباس، وثبتت الرخصة في إصبعين منه وثلاث وأربع. وجوز العلماء لبس الديباج الثخين الذي لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح.
وهذا الحديث يدل على الرخصة فيه؛ لدفع القمل، وثبتت الرخصة فيه أيضًا لابن عوف، والزبير؛ للحكة -بكسر الحاء المهملة وتشديد الكاف-؛ وهي: الجرب أو نحوه. وكذلك يجوز لبسه لمن خاف من حر أو برد، ولم يجد غيره، وكذلك يجوز لمن فاجأته الحرب ولم يجد غيره.
أما لبسه للقمل والحكة؛ فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة، وبه قال الشافعي وموافقوه.
стр. 1684
والحكمة في جوازه: ما فيه من البرودة، والبرودة تدفع القمل، وتمنع من الحكة، فالرخصة وقعت للمداواة؛ بخلاف غيرهما؛ فإنها وقعت للضرورة.
وقال مالك: لا يجوز لبسه للحكة والقمل، والأحاديث في الكتاب وغيره حجة عليه، حتى عدوها إلى غيرهما.
ولا شك أن الراوي سمى لبس الحرير رخصة في هذا الحال مع قيام دليل الحظر.
واختلف أصحاب الشافعي في جواز لبس الحرير للحكة ونحوها في السفر والحضر جميعًا، وعدم جوازه، فجمهورهم على الجواز، وقال بعضهم: يختص بالسفر، وهو ضعيف؛ حيث إن الرخصة معقولة متعدية عند العلماء، وصادف السؤال عنها والترخيص في السفر والغزو, لا لتقييدها بهما، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث عشر
عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطابِ ﵁ قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَني النَّضِيرِ مِمَّا أفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ، مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، وَكَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَالِصًا، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْزِلُ نَفَقَةَ أهْلِهِ سَنَةً، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي الكُرَاعِ وَالسِّلاَحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللهِ (١).
كانت غزوة بني النضير في سنة أربع من الهجرة.
وقريظة والنضير: قبيلتان من اليهود، وكان صاحب عهد بني قريظة كعب بن أسد، وكان حيي بن أخطب من سادات بني النضير، ونقض العهد مع رسول الله ﷺ ، فكبر رسول الله ﷺ المسلمون، وقال: "حاربَتْ يَهودُ" في قصة طويلة (٢).
стр. 1685
وقوله: "مما لم يُوجِفِ المسلمونَ عليه بخيلٍ ولا رِكاب"؛ الإيجاف: الإسراع. يقال: وجفَ الفرسُ والبعير، بجف وَجِيفًا: أسرع. وأوجفه صاحبه: إذا حمله على السير (١).
والركاب: الإبل خاصة.
وقوله: "وكانتْ لرسولِ اللهِ ﷺ خالصًا"؛ معناه: أن أموال بني النضير كان معظمها لرسول الله ﷺ ، لا كلها؛ حيث إن له ﷺ مما أفاء الله عليه أربعة أخماسه، وخمس الخمس الباقي، فيكون له أحد وعشرون سهمًا من خمسة وعشرين سهمًا، والأربعة الباقية لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
وقوله: "كان رسولُ الله ﷺ يعزلُ نفقةَ أهلِه سنةً"؛ يعني أنه ﷺ لما كانت أموال بني النضير له خالصًا، واتسع عليه الحال، ادخر لعياله قوت سنة، أو نفقة سنة؛ تطييبًا لقلوبهم، ولاتساع الحال عليه وعلى المسلمين في سنة أربع من الهجرة. وإلا فقد كان حاله ﷺ قبل ذلك أنه لا يدخر لغد شيئًا؛ ثقة بالله ، وتوكلًا عليه، ولضيق الحال عليه وعلى المسلمين.
وهذا كله دليل على مراقبته ﷺ لأمر ربه في خلقه، من العيال الأقارب والأتباع الأجانب.
وكان حال رسول الله ﷺ الغنى الصوري المعنوي، وكان صابرًا لأحكام الله تعالى غنيًّا به ﷺ ، [شاكرًا] (٢) حامدًا له على البأساء والضراء، والشدة والرخاء، ولهذا كان يحمد ربه على كل حال، لما علم أنه ملطوف به مختار له مربوب، وأن اختيار الحق له ﷺ خير من اختياره لنفسه، مع أنه ﷺ عُرضت عليه كنوزُ الأرض فأباها، فكان فقره ﷺ اختيارًا لا اضطرارًا أصليًّا، بل اضطرارٌ عن اختيار.
стр. 1686
وهذا هو الغنى الذي وصفه ﷺ ، وأثبته في الصحيح؛ حيث قال ﷺ : "ليسَ الغِنى عن كثرة العَرَضِ؛ إنَّما الغِنى غِنى النفس" (١).
فافهم ما تحقق في هذه المسألة من الشرع الصحيح والتحقيق المليح، ودع عنك ترهات التحقيق، وتعويجات الطريق! والله أعلم.
وقوله: "ثم يجعلُ ما بقي في الكُراع والسلاح عدةً في سبيل الله ":
الكُراع بضم الكاف، والأكارع من ذوات الظلف خاصة؛ كالأوظفة من الخيل والإبل، ثم أكثر ذلك استعمالًا، حتى سميت الخيل كراعًا.
قال صاحب "المجرد": والكراع: اسم لجميع الخيل، إذا قلت: الكراع والسلاح، وقال غيره: ثم استعمل ذلك في الخيل خاصة (٢).
وأما السلاح؛ فقال الجوهري: هو مذكر، ويجوز تأنيثه، وقال غيره: هو ما أعددته من السلاح للحرب؛ من آلة الحديد مما يقاتل به، والسيف وحده يسمى سلاحًا (٣).
والعدة في سبيل اله تعالى: إعداد الشيء بقصد الطاعة لله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠].
فكأنه ﷺ جعل ما فَضَلَ مما كان خالصًا به من الفيء في الخيل والسلاح؛ إعدادًا للجهاد في سبيل الله تعالى، والله أعلم.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: ما أكرم الله تعالى به نبيه ﷺ من خصائص الدنيا والآخرة، وتقديمه ﷺ . بها في جميع الخلق.
стр. 1687
ومنها: أن حكم أموال الفيء كان خاصًّا به ﷺ في حياته، يضعه حيث شاء، وكان ينفق منه على أهله نفقة سنتهم، ويجعل ما بقي في سبيل الله تعالى إلى أن توفي ﷺ .
واختلف العلماء في مصرف الفيء بعده ﷺ :
فقال قوم: هو للأئمة بعده.
واختلف قول الشافعي على قولين:
أحدهما: للمقاتلة.
والثاني: لمصالح المسلمين، ويبدأ بالمقاتلة، ثم بالأهم فالأهم من المصالح.
وهل يخمس كالغنيمة؟ فيه خلاف: والأكثرون: أنه لا يخمس، بل مصرف جميعه واحد، ولجميع المسلمين فيه حق، والله أعلم.
ومنها: جواز الادخار للنفس والعيال قوت سنة؛ فإن ذلك غير قادح في التوكل، وفعلُه ﷺ ذلك لم يكن لنفسه، بل كان للعيال؛ تطييبًا لقلوبهم وسكونها، وجمعِها على ما هم بصدده، حتى إنه لم يدم ما يدخره عنده سنة، بل كان ينفد قبل انقضائها؛ بصرفه في وجوه الخيرات، ولهذا توفي ﷺ ودرعُه مرهونة على شعير استدانه لأهله، ولم يشبع ثلاثة أيام تباعًا. وقد ثبت في "الصحيحين" كثرةُ جوعه ﷺ وجوع عياله.
وأجمع العلماء على جواز ادخار ما يستغله الإنسان من أرضه وزراعته مما لم يشتره من السوق، كما فعل النبي ﷺ فيما يستغله من مزارعه.
واختلفوا في ادخار قوت سنة من السوق: فأجازه قوم، واحتجوا بهذا الحديث، ولا حجة فيه، ومنعه الأكثر، إلا على قدر ما لا يضر بالسعر.
وهذا الاختلاف إذا كان وقت السعة، أما في وقت ضيق الطعام على المسلمين؛ فتتعين المواساة في الادخار وغيره، بيعًا وشراء وإباحة، والله أعلم.
стр. 1688
ومنها: مراقبة الله تعالى في الأموال أخذًا وصرفًا، منعًا وعطاءً.
ومنها: البداءة بالإنفاق على العيال والتوسعة عليهم، وما فضل يصرف في الأهم من المصالح العامة.
وأما الإنفاق على النفس، فيجوز تقديمها بالنفقة المتوسطة على العيال وغيرهم، ثم يصرف ما بقي على العيال وما ذكرنا، لكن الأفضل، إن كانت ممن تصبر وتحتسب أن تؤثر وتحتسب، وإن كانت لا تصبر، فالأفضل تقديمها. وأما حال الاضطرار المفضي إلى الهلاك، فيتعين تقديم النفس، والله أعلم.
ومنها: إعداد الأئمة والسلاطين والأمراء والأجناد، وكل من شرع له الغزو، وكان له سعة، الخيلَ والسلاحَ، وتأكيد ذلك بقصد الطاعة وعدم الرياء، وذلك سبيل الله تعالى، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع عشر
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَجْرَى النَّبِيُّ ﷺ مَا ضُمِّرَ مِنَ الخَيْلِ مِنَ الحَفْياءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ، وَأَجْرَى مَا لَمْ يُضَمَّرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ. قَالَ ابنُ عُمَرَ: وَكُنْتُ فِيمَّنْ أَجْرَى.
قَالَ سُفْيَانُ: مِنَ الحَفْياءِ إِلى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ أَوْ سِتَّةٌ، وَمنْ ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ إِلَى مَسْجِدِ بَني زُرَيْقٍ مِيلٌ (١).
قوله: "أجرى النبي ﷺ ما ضُمِّرَ من الخيل".
معنى أجرى: سابَقَ؛ كما ثبت في روايات في الصحيح. والمجاراة في العِلْم: المناظرةُ والجدالُ؛ ليظهر علمه للناس رياء وسمعة. وتتجارى بهم
стр. 1689
الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه: أي: يتداعَوْن في الأهواء الفاسدة يسببها مجرى الفرس.
وضُمِّر: معناه تقليل علفها مدة، وإدخالهُا بيتًا كنينًا، وتُجلَّلُ فيه لتعرق ويجف عرقها، فيخفُّ لحمها، وتقوى على الجري.
وقال بعضهم: وتُعلف الحبَّ والقضيم حتى تسمن وتقوى، ثم تُدخل بيتًا كنينًا وتُجلل فيه لتعرق ويجفَّ عرقها، فيصلب ويخف لحمها، ثم ترد إلى القوت، فلا تعلف إلا قوتًا، وذلك في أربعين يومًا، وهذه المدة تسمى: المضمار.
والموضع الذي تضمر فيه الخيل أيضًا: مِضْمار، ومن العرب من يطعمها اللحم واللبن في أيام التضمير.
وقيل: تضميرها: أن تُشَدَّ عليها سروجُها وتُجلل بالأجلة، حتى تعرق تحتها، فيذهب رهلها، ويشتد لحمها.
ويقال: ضُمِّر بالتشديد، وأُضمر بالهمزة والتخفيف، والضُّمْر بسكون الميم وضمها؛ مثل العشر، والعشر: خفة اللحم والهزال. وقد ضمَر الفرس بفتح الميم يضمر ضمورًا، وضَمُر بالضم لغة فيه. ويقال: ضمرت الفرس، وأضمرته (١).
والحَفياء؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الفاء، وتمد، وتقصر، الأشهر: المد، والحاء مفتوحة بلا خلاف، قال صاحب "المطالع": وضبطه بعضهم بضمها. قال: وهو خطأ.
قال الحازمي في "المختلف والمؤتلف": ويقال -أيضًا-: الحيفاء بتقديم، الياء على الفاء، والمشهور في كتب الحديث وغيرها: الحفياء.
وقوله: "قال سفيان -يعني: ابن عيينة - وبين الحفياء والثنية خمسة أميال أو ستة".
стр. 1690
هذا قول الأكثرين. وقال عقبة: ستة أميال أو سبعة (١).
والثنية: الطريق في الجبل. وسميت ثنية الوداع؛ لأنها موضع وداع المسافرين من المدينة، يودعهم مشيعوهم بها.
وقيل: لأن النبي ﷺ ودع بها بعض من خَلَّفَه على المدينة في إحدى خرجاته.
وقيل: بعض سراياه المبعوثة.
والصحيح: الأول؛ فإنه اسم قديم جاهلي لهذه الثنية.
وقد قال نساء الأنصار حين قدم رسول الله ﷺ المدينة: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع (٢).
وقوله: "من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ميل"، زريق -بتقديم الزاي وضمها، وبعدها راء-: بطن من الأنصار من الخزرج، نسب إليه جماعة من الصحابة ﵃ وغيرهم.
والميل؛ حيث أطلق المراد به في المسافات: ألف باع، والباع: أربعة أذرع، والذراع أربعة وعشرون إصبعًا، والأصبع ستُّ شعيرات، بطنُ حبة إلى ظهر أخرى، والشعيرة ست شعرات من شعر البغل، أو ما قام مقامه، والله أعلم.
وفي الحديث أحكام:
منها: جواز المسابقة بين الخيل.
ومنها: تضميرها.
وهذان الحكمان، لا خلاف فيهما.
واختلف الناس في المسابقة بين الخيل، فقيل: هي سنّة، وقيل: من باب المباح، والله أعلم.
стр. 1691
ومنها: جواز تجويع البهائم على وجه الصلاح عند الحاجة إلى ذلك، وليس هو من باب تعذيب البهائم، بل هو من باب تدريبها للحرب، وإعدادها لحاجتها للطلب وللكر.
ومنها: بيان الغاية التي يسابق إليها، ومقدار أمدها.
ومنها: إطلاق الفعل على الأمر به والمسوغ له.
وليس في الحديث دلالة على العوض في المسابقة، ولا على جوازها على غير الخيل، ولا على غير ذلك من الشروط التي اشترطت في عقد المسابقة؛ فإنه لم يصرح فيه بشيء من ذلك.
وقد أجمع العلماء على جواز المسابقة بغير عوض بين جميع أنواع الخيل، قويها مع ضعيفها، وسابقها مع غيره، سواء كان معها ثالث أم لا.
فأما المسابقة بعوض، فجائزة بالإجماع، لكن بشرط أن يكون العوض من غير المتسابقين، أو يكون منهما، ويكون معهما محلل، وهو ثالث على فرس مكافئ لفرسيهما، ولا يخرج المحلل من عنده شيئًا؛ ليخرج هذا العقدَ عن صورة القمار.
ومنها: جواز إضافة المساجد إلى البانين لها، والمصلين فيها.
وفي ذلك جواز إضافة أعمال البر إلى أربابها، وليس في ذلك تزكية لهم.
وليست إضافة المسجد إلى بني زريق إضافةَ تمليك، وإنما هي إضافة تمييز.
وقد ترجم البخاري لهذه المسألة، قال: باب: جواز قول: مسجد بني فلان (١).
وروي عن إبراهيم النخعي: أنه كان يكره أن يقال: مسجد بني فلان، ولا نرى بأسًا أن يقال: مصلى بني فلان.
وهذا الحديث يرد قوله، ولا فرق بين مصلى ومسجد، ولكن قد يقع الفرق
стр. 1692
بينهما من حيث إطلاق الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، فقد أضافها إليه ، فلا ينبغي أن تضاف إلى غيره، إلا على جهة التعريف، والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس عشر
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: عُرِضْتَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وَأَنَا ابنُ خَمْسَ عَشْرَةَ، فَأَجَازَني (١).
اعلم أن غزوة أحد كانت في يوم السبت النصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة، وغزوة الخندق كانت في شوال، وقيل: في جمادى الآخرة، وقيل: في ذي القعدة سنة خمس، وهو يوم الأحزاب، ومقتضى هذا: أن يكون ابن عمر في الخندق ابن ست عشرة سنة.
وهذا الحديث في "الصحيحين" مصرح بأنه ابن خمس عشرة، فإما أن تكون الخندق في السنة الرابعة من الهجرة، فيكون ذلك صحيحًا، أو تكون في الخامسة كما ذكره أصحاب المغازي وغيرهم، فيحتمل أن ابن عمر كان في يوم أحد ابن ثلاث عشرة سنة وأشهُر، فعبر عنها بأربع عشرة، وكان في الخندق ابنَ خمس عشرة سنة وأشهُر، فعبر عنها بخمس عشرة، والله أعلم.
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر النمري في كتابه "الدرر في سيرة النبي ﷺ ": الذين ردهم النبي ﷺ يوم أحد: عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، والبراء بن عازب، وأسيد بن ظهير، وعرابة بن أوس، وزيد بن أرقم، وأبو سعيد الخدري.
стр. 1693
قال: وأجازهم يوم الخندق.
قال: وقد قيل: إن بعض هؤلاء إنما رده يوم بدر، وأجازه يوم أحد، وإنما رد من لم يبلغ خمس عشرة، وأجاز من بلغها. هذا آخر كلامه (١).
قلت: وممن رُدَّ يوم أحد عقيبُ بن عمرو، [وأخوه] (٢) سهيل بن عمرو، وزيد بن حارثة الأنصاري، وسعد بن حَبتة، استُصغروا يوم أحد.
وسعد بن حَبتة: هو جد أبي يوسف القاضي، واسمه يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خنيس بن سعد بن حَبتة، أنصاريُّ، وحَبْتَة: أم سعد، وهي بفتح الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة وفتح التاء المثناة فوق، ثم هاء التأنيث، والله أعلم.
وقوله: "لم يجزني، وأجازني" معناه: جعلني يوم الخندق رجلًا لي حكم الرجال المقاتلين.
وفي الحديث دليل: على أن البلوغ بالسن محدد بخمس عشرة سنة، وهو مذهب الشافعي، والأوزاعي، وابن وهب، وأحمد، وغيرهم.
قالوا: وباستكمال خمس عشرة سنة يصير مكلفًا، وإن لم يحتلم، فتجري عليه الأحكام؛ من وجوب العبادات، وغيرها، ويستحق سهم الرجل من الغنيمة، ويقتل إن كان من أهل الحرب.
وقال بعضهم: لا يحكم ببلوغه بالسن إلا بعد سبع عشرة سنة، وقيل: بعد ثمان عشرة سنة.
واعتذر عن هذا الحديث بأن الإجازة في القتال حكم منوط بإطاقته والقدرة عليه؛ فأجازه النبي ﷺ لابن عمر في الخمس عشرة؛ لأنه رآه مطيقًا للقتال، ولم يكن ميقاتًا؛ لأنه أراد الحكم على البلوغ وعدمه.
стр. 1694
وكان عمر بن عبد العزيز ﵀ لما بلغه هذا الحديث جعله حدًّا، وكان يجعل من دون الخمس عشرة في الذرية، وعمل به الصحابة والتابعون وهلم جرًّا.
قال شيخنا الإمام أبو زكريا النووي ﵀: وفيه دليل على أن الخندق كانت سنة أربع من الهجرة، وهو الصحيح، قال: وجماعة من أهل السير والتواريخ يقولون: كانت سنة خمس، وهذا الحديث يرده؛ لأنهم أجمعوا على أن أحدًا كانت سنة ثلاث، فتكون الخندق سنة أربع؛ لأنه جعلها في هذا الحديث بعدها بسنة. هذا آخر كلامه (١).
وقد ذكرنا الاحتمال فيه على ما قاله أهل السير والمغازي آنفًا، والله أعلم.
وفيه دليل: على أنه ينبغي للإمام استعراض الجيش قبل الحرب، فمن وجده أهلًا، أجازه، ومن وجده غير أهل، رده، كما كان رسول الله ﷺ يفعل، والله أعلم.
* * *
الحديث السادس عشر
وعَنْهُ أيضًا: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَسَمَ فِي النَّفَلِ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا" (٢).
أما النَّفَل -بفتح النون والفاء معًا-، فيطلق، ويراد به الغنيمة، وهو المراد هنا، وقد يراد به الزيادة والعطية غير الغنيمة، لكن لما كانت الغنيمة عطية من الله تعالى؛ حيث أحلها لهذه الأمة دون غيرها، سميت: نفلًا، وعلى ذلك حمل قوله - تعالى -: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال:١]، وقد يراد به ما ينفله الإمام لسرية أو لبعض الغزاة خارجًا عن السهام
стр. 1695
المقسومة، إما من أصل الغنيمة، أو من الخمس، على الاختلاف بين الناس كما قدمناه في حديث ابن عمر في سرية نجد، وإن سهامهم كانت اثني عشر بعيرًا، ونفلوا بعيرًا بعيرًا.
قوله: "قسمَ للفرس سهمين، وللراجِلِ سهمًا" معناه: أنه أسهم للرجل وفرسه ثلاثة أسهم: سهمٌ له، وسهمان لفرسه.
وقد روي هذا من حديثين؛ أحدهما: ما رواه مسلم في بعض طرقه: "للفرس سهمان، وللرجل سهم". من غير ألف في الراجل.
واللام في قوله: للفرس؛ للتعليل، لا للملك أو الاختصاص؛ أي: أعطى الرجل سهمين لأجل فرسه؛ أي: لكونه ذا فرس، وللرجل سهمًا مطلقًا، وهذا معنى متعين الحمل عليه؛ للموافقة، والجمع بين الروايتين.
وقد روي مفسرًا في غير رواية ابن عمر ﵄، من رواية أبي معاوية، وعبد الله بن نمير، وأبي أسامة، وغيرهم، بإسنادهم عنه: أن رسول الله ﷺ أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه (١).
ومثله من رواية ابن عباس، وأبي عمرة الأنصاري، والله أعلم.
فقوله: أسهم، دليل على أنه ليس خارجًا عن السهمان، وقوله: ثلاثة أسهم، صريح في العدد المخصوص.
وهذا الحديث صحيح الإسناد؛ فإنه مروي عن أبي معاوية، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أسهم، فذكره.
لكنه قد اختلف فيه على عبيد الله بن عمر؛ ففي رواية بعضهم عنه كرواية الكتاب، وقيل: إن هذا الراوي عنه ذلك وهمَ فيه.
ولحديث أبي معاوية هذا عاضد من غيره ومعارض له لا يساويه في الإسناد:
أما المعاضد: فرواية المسعودي: حدثني أبو عمرة عن أبيه، قال: أتينا
стр. 1696
رسول الله ﷺ أربعة نفر، ومعنا فرس، فأعطى كل إنسان منا سهمًا، وأعطى الفرس سهمين (١).
لكن المسعودي، وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، فيه مقال، وقد استشهد به البخاري.
وعن رجل من آل أبي عمرة عن أبي عمرة بمعناه، إلا أنه قال: ثلاثة نفر. زاد: فكان للفارس ثلاثة أسهم (٢).
وأبو عمرة صحابي، واختلف في اسمه، فقيل: بشير بن عمرو، وقيل: ثعلبة بن عمرو، وقيل: عمرو بن محصن، وقيل غيره. رواهما أبو داود.
وفي لفظ للبخاري: أن رسول الله ﷺ جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا (٣).
وفي لفظ آخر: قسم رسول الله ﷺ يوم خيبر للفرس سهمين، وللراجل سهمًا.
قال: فسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس، فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس، فله سهم (٤).
ولفظ ابن ماجه: أن النبي ﷺ أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم؛ للفرس سهمان، وللرجل سهم (٥)، والله أعلم.
وأما المعارض الذي لا يساويه في الإسناد، فمنه ما روى عبد الله بن عمر،
стр. 1697
وهو أخو عبيد الله الذي قدمنا ذكره، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قسم يوم خيبر، فذكر الحديث الذي ذكرنا آنفًا عن البخاري، وفسره نافع.
قال الشافعي ﵀: وليس يشك أحد من أهل العلم في تقدمة عبيد الله بن عمر على أخيه في الحفظ.
وقال في التقديم: فإنه سمع نافعًا يقول: للفرس سهمين، وللرجل سهمًا (١).
ولا شك في تقدمة عبيد الله على عبد الله عند أهل العلم.
وهما ابنا عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب.
وقد عضد رواية عبيد الله ما رواه أبو داود في "سننه" من حديث مجمع بن يعقوب بن مجمع، عن عمه مجمع بن حارثة الأنصاري ﵁، وكان أحد القراء الذين قرؤوا القرآن، فذكر شهوده الحديبية مع رسول الله ﷺ ، وأنه أوحي إلى رسول الله ﷺ ، وأنه ﷺ قرأ على الناس: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، وأنه ﷺ قسم خيبر على أهل الحديبية على ثمانية عشر سهمًا؛ وأن الجيش كان ألفًا وخمس مئة؛ فيهم ثلاث مئة فارس, فأعطى للفارس سهمين، وللراجل سهمًا (٢).
قال أبو داود: وحديث أبي معاوية أصح، والعمل عليه، والوهم في حديث مجمع ممن قال: ثلاث مئة فارس، وكانوا مئتي فارس، قال الشافعي ﵀: مجمع بن يعقوب شيخ لا يعرف. قال: فأخذنا في ذلك بحديث عبيد الله، ولم نرَ له خبرًا مثله يعارضه، ولا يجوز رد خبر إلا بخبر مثله (٣).
стр. 1698
وقال البيهقي: والذي رواه مجمع بن يعقوب بإسناده في عدد الجيش وعدد الفرسان قد خولف فيه، ففي رواية جابر وأهل المغازي: أنهم كانوا ألفًا وأربع مئة، وهم أهل الحديبية. وفي رواية ابن عباس، وصالح بن كيسان، وبشير بن يسار: أن الخيل مئتا فارس، وكان للفرس سهمان، ولصاحبه سهم، ولكل راجل سهم، والله أعلم (١).
واعلم أنه إذا كان الجيش فرسانًا كلهم، أو رجالة كلهم، قسمت الغنيمة بينهم بالتسوية؛ فإن كان بعضهم فرسانًا، وبعضهم رجالة، جعل للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم: سهمان بسبب فرسه، وسهم بسبب نفسه، وبهذا قال عامة العلماء من الصحابة والتابعين وغيرهم؛ منهم: ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والليث، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وابن جرير، وآخرون.
وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان فقط: سهم لها، وسهم له.
وحكي عنه أنه قال: لا أفضل بهيمةً على مسلم.
وقال بعضهم: لم يتابع أحد أبا حنيفة على قوله إلا شيئًا روي عن علي وأبي موسى ﵄.
والجواب عن قوله: لا أفضل بهيمةً على مسلم، أن يقال له: فلا تساو بينهما، وقد قيل: إن السهم مستحق بما يلزم من المؤنة والتأثير في القتال،
стр. 1699
ومؤنة الفرس أكثر من مؤنة الفارس، وتأثيره في القتال أكثر، ولو حضر بأفراس، لم يسهم إلا لفرس واحد.
هذا مذهب الجمهور؛ منهم: الحسن، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعي، ومحمد بن الحسن.
وقال الأوزاعي، والثوري، والليث، وأبو يوسف: يسهم لفرسين.
وروي مثله -أيضًا- عن الحسن، ومكحول، ويحيى الأنصاري، وابن وهب، وغيره من المالكيين. قالوا: ولم يقل أحد: إنه يسهم لأكثر من فرسين إلا شيئًا روي عن سليمان بن موسى: أنه يسهم، والله أعلم.
* * *
الحديث السابع عشر
وعَنْهُ أيضًا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً سِوَى قَسْمِ عَامَّةِ الجَيْشِ (١).
اعلم أن للإمام نظرًا ومدخلًا في المصالح المتعلقة بالمال، أصلًا وتقديرًا، على حسب المصلحة، لا بحسب التشهي، والله أعلم.
وحيث أطلق العلماء النظر للإمام أو نائبه أو غيرهما، إنما يعنى به هذا، لا التشهي، والله أعلم.
وقد تقدم ذكر النفل بمعنى إعطاء الإمام لسرية أو لبعض الجيش خارجًا عن السُّهمان، وهو المراد في هذا الحديث. لكنه ليس مبينًا أنه من رأس الغنيمة أو من الخمس؛ فإن اللفظ محتمل لهما جميعًا، والناس مختلفون في ذلك. وقد تقدم ذلك وذكر قائله، ومذاهبهم فيه في الحديث التاسع من كتاب الجهاد هذا.
وقد وردت أحاديث تدل على أن هذا النفل من أصل الغنيمة، رواها أبو داود
стр. 1700
وغيره، وأحاديث تدل على أنه بعد إخراج الخمس منها. وترجم عليها أبو داود أيضًا، فقال: باب فيمن قال: الخمس قبل النفل (١)، وتأوله بعضهم على أنه بعد إقرار الخمس، لا إخراجه، فيبقى محتملًا له ولغيره.
وبالجملة: فالتنفيل له تعلق بمسلك الإخلاص في الأعمال؛ حيث إن التنفيل للترغيب في زيادة العمل؛ من المخاطرة والمجاهدة، فينبغي أن يتفطن لما يضر من المقاصد الداخلة فيها، وما لا يضر، وهو موضع صعب دقيق المأخذ.
ولا شك أن التنفيل له مداخله في قضاء الجهاد لله تعالى، ولكن لا يضر قطعًا بفعل رسول الله ﷺ ذلك لهم. وذلك دليل على أن بعض المقاصد الخارجة عن محضر التعبد لا تقدح في الإخلاص، لكن المشكل ضبط قانونها، وتمييز ما تضر مداخلته من المقاصد، وتقتضي الشركة فيه المنافاة للإخلاص، وما لا تقتضيه، ويكون تبعًا لا أثر له، وتتفرع عنه غير ما مسألة.
والضابط الكلي لهذا المسلك: مراعاة أمر الله تعالى الطلبي، مع مراعاة المشقة المحصلة للمصلحة الموافقة للأمر في اجتهاده مع الصبر والاحتساب، فكل ما كان أقرب إلى ذلك، وحصل بسببه نقل من غير قصده بالوضع الأول، كان مخلصًا فيه غير قادح في إخلاصه، ولا تنقيص أجره، ويكون نظر الإمام في تكثير التنفيل وتنقيصه على هذا النمط، وهذا هو النظر بحسب المصلحة الشرعية، لا بحسب التشهي، ومراعاة عمر ﵁ في ابنه عبد الله وغيره في العطاء يبين ذلك، والله أعلم.
واختلف العلماء في حد النفل، فقال الشافعي: ليس فيه حد لا يتجاوز، وإنما هو لاجتهاد الإمام.
وقال مكحول، والأوزاعي: لا يتجاوز به الثلث؛ حيث إن رسول الله ﷺ كان ينفل الربع بعد الخمس، والثلث بعد الخمس إذا قفل، والله أعلم.
واعلم أن الأنفال لله والرسول؛ حيث سئل رسول الله ﷺ عن شيء منها،
стр. 1701
فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال:١]، ثم أنزل الله تعالى حكم الغنائم.
واختلف العلماء في آية الأنفال:
فقيل: هي منسوخة بآية الغنائم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، وأن مقتضى آية الأنفال والمراد بها: أن الغنائم كانت للنبي ﷺ خاصة كلها، ثم جعل أربعة أخماسها للغانمين بالآية الأخرى. وهذا قول ابن عباس وجماعة.
وقيل: هي محكمة، وأن التنفيل من الخمس.
وقيل: محكمة وأن للإمام أن ينفل ما شاء لمن شاء بحسب ما يراه.
وقيل: محكمة مخصوصة، والمراد: إنفال السرايا، ولعل هذا الحديث يدل عليه، والله أعلم.
* * *
الحديث الثامن عشر
عَنْ أَبِي مُوْسَى عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَن حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ، فَلَيْسَ مِنَّا" (١).
تقدم الكلام على أبي موسى، هو الأشعري.
واعلم أن حمل السلاح في دار الإسلام؛ لإرهابهم عن غير قصد القتل به، مكروه ممنوع منه؛ فإنَّ أمنَ المسلمين مطلوب للشرع؛ حيث إنهم استسلموا لله تعالى، وانقادوا لأمره، وحملُ السلاح منافٍ لذلك. وقد نبه ﷺ على هذا المعنى بقوله: "من حملَ علينا السلاحَ فليسَ مِنَّا"، فإذا حمله لإرعاب المفسدين
стр. 1702
والمخالفين بإذن الإمام، لم يكن حمله عليهم، بل لهم.
ثم إن الحمل للسلاح بين المسلمين، إن كان لمقصود شرعي؛ من إظهار قوة الإسلام؛ لإرهاب العدو وإعلامهم بقوتهم واهتمامهم بقتالهم، فهذا مندوب لا شك فيه. وإن كان لعبًا ولهوًا وبطرًا، وتخييلًا وجردًا، فهو محذور من وجوه يعلمها أهل المعرفة والبصائر، والله أعلم.
وقد يعبر بحمله عن مقصود السلاح، وهو القتل؛ لملازمته بالحمل له غالبًا، وعليه تدل قرينة قوله ﷺ : "مَنْ حملَ علينا السلاحَ"، وقد يعبَّر به عن الحمل حالَ القتال والقصد للضرب بالسيف على كل حال للمسلمين، وقوله ﷺ : "فليس منا"، وقد ثبت مثله: "من غَشَّ فليسَ مِنَّا" (١)، و"ليسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخدودَ، وشَقَّ الجيوبَ .. " (٢) في أحاديث كثيرة من ذلك.
والمراد: ليس مثلنا، أو ليس على طريقنا أو هدينا، وما شابه ذلك.
وإن كان المراد به الخروج عن المسلمين ودينهم، احتجنا إلى تأويله بالاستحلال لحمله على المسلمين بالمعنى الممنوع منه ونحوه، أو غيرهم ممن منع الشرع حمل السلاح عليه.
وقد نقل عن السلف - رحمهم الله تعالى -: أنهم قالوا في مثل هذا الحديث وأشباهه: أن الأولى إطلاق لفظه، كما أطلقه رسول الله ﷺ من غير بيان ولا تأويل.
قالوا: لأن إطلاقه أبلغُ في الزجر، وأوقعُ في النفوس من التأويل والبيان، والله أعلم.
وفي هذا الحديث دليل: على تحريم قتال المسلمين، وتغليظ الأمر فيه.
وفيه دليل: على كراهة حمل السلاح لغير مصلحة شرعية.
стр. 1703
وقد نهى الشرع عن تعاطي السيف مسلولًا، وأمر بالإمساك على النصال، ومنع من الإشارة بالحديد ونحوه، خوفَ نزغ الشيطان من يده إلى أخيه المسلم، وكل ذلك دليل على احترام المسلمين، وتحريم تعاطي الأسباب الحاملة على أذاهم؛ لكرامتهم عند الله تعالى، وتعريف مقامهم، والله أعلم.
* * *
الحديث التاسع عشر
وعَنْهُ أيضًا، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، أَيُّ ذَلكَ في سَبِيلِ الله؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ " (١).
أما الشجاعة؛ فهي ضد الجبن.
ثم القتال للشجاعة على أنواع:
أحدها: أن يقصد به المقاتل إظهار الشجاعة، فيكون في الحديث إضمار تقديره: قاتل لإظهار الشجاعة، على حذف المضاف، وهذا مناف لسبيل الله.
والثاني: أن يكون قتاله شجاعة، علة لقتاله من غير قصدٍ لشيء بالقتال، فهذا بمجرده، من حيث هو هو، لا يجوز أن يكون مرادًا؛ حيث إن الشجاع المجاهد في سبيل الله تعالى إنما قاتل لكونه شجاعًا، لا لقصد إظهار الشجاعة، ولا لكونه علة له. وهذا كما يقال: أعطى لكرمه، ومنع لبخله، وآذى لسوء خلقه؛ فكأنه قاتل لشجاعته، وهذا غير مناف لسبيل الله.
الثالث: أن يكون قتاله للشجاعة فقط، وهو غير المعنى الذي قبله؛ حيث إن الأحوال ثلاثة: حال يقصد بها إظهار الشجاعة، وحال يقصد بها إعلاء كلمة الله تعالى: وحال يقاتل فيها لأنه شجاع، لا يقصد إعلاء كلمة الله تعالى، ولا يقصد
стр. 1704
إظهار الشجاعة، وهذا ممكن؛ فإن الشجاع الذي دهمته الحرب وطبيعته مسارعة إلى القتال، يبدأ بالقتال لطبيعته، وقد يستحضر أنه لغير الله، أو لإعلاء كلمة الله، وقد لا يستحضرهما، ولا واحدًا منهما.
ويوضح الفرق بينهما أن يقال: قاتل لإعلاء كلمة الله لأنه شجاع، فلا ينافي ذلك وجود الشجاعة، ويقال: قاتل للرياء، ولأنه شجاع؛ حيث إن الجبن منافٍ للقتال مع كل فرض يقصد بخلاف المعنى في إيجاده في القتال بقيد التجرد عن غيره، فإنه منافٍ للقصد.
ومفهوم الحديث: أنه في سبيل الله، إذا قاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، وليس في سبيل الله إذا لم يقاتل لذلك.
فعلى الوجه الأول: تكون فائدته بيان أن القتال لهذه الأغراض: مانع.
وعلى الوجه الآخر: أن تكون فائدته أن القتال لأجل إعلاء كلمة الله: شرط.
والفرق بينهما بيِّنٌ، ومفهوم الحديث يقتضي الاشتراط، لكن لا ينبغي أن يضيق بحيث يشترط مقارنته لوقت شروعه في القتال، بل يكون أوسع من هذا، وينبغي وجوده بالقصد العام؛ لتوجهه إلى القتال، وقصده بالخروج إليه لإعلاء كلمة الله تعالى.
ويشهد لذلك: الحديث الصحيح: أنه يكتب للمجاهد استنانُ فرسِه وشربُها في النهر (١) من غير قصدٍ لذلك، لما كان القصد الأول واقعًا على الجهاد، لم يشترط كونه في الجزئيات، بل لا يشترط اقتران القصد بأول الفعل المخصوص، بعد كون القصد صحيحًا في الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى؛ دفعًا للحرج والمشقة، فإن حالة الفزع حالة دهش، وقد تأتي غفلة، فالتزام خطور أو حضور النيات في ذلك الوقت حرج ومشقة، والله أعلم.
стр. 1705
وأما الحمية؛ فهي الأَنَفَة والغيرة عن عشيرته، وهي من فعل القلوب، ولا تقتضي أن يكون القتال لها مقصودًا للفاعل، إما مطلقًا، وإما في مراد الحديث مما فسرت به إلا بالقصد، ودلالة السياق حينئذ تقتضي أن يكون قد جاء للقتال في سبيل الله، إما لانصرافه إلى هذا الغرض وخروجه عن القتال لإعلاء كلمة الله، وإما لمشاركته المشاركة القادحة في الإخلاص.
والمراد بالحمية: الحمية لغير دين الله تعالى، وبهذا يظهر ضعف الظاهرية في مواضع كثيرة.
وأما الرياء؛ فهو ضد الإخلاص، وحقيقتُه: ترك العمل المطلوب لأجل الناس، وهو يقتضي بداية العمل لأجل الناس، وهو مستحيل أن يجتمع العمل لأجل الله تعالى ولأجل الناس، فيكون القتال بعينه مخلصًا وغير مخلص في حال واحدة، وهذا محال، بل يقتضي ذلك أن يكون شركًا في القتال وغيره؛ ولهذا قال الفضيل بن عياض ﵀: تركُ العملِ لأجل الناس رياء، والعملُ لأجل الناس شرك، والإخلاصُ أن يعافيك الله منهما (١).
وقال غيره: لا يعمل للناس شيئًا، ولا يترك لهم شيئًا.
قال شيخنا الإمام أبو الفتح بن دقيق العيد ﵀: فإن قلت: فإذا حملت قوله: قاتل للشجاعة؛ أي: لإظهار الشجاعة، فما الفائدة في قوله بعده: ويقاتل رياء؟ قلت: يحتمل أن يراد بالرياء: إظهارُ قصده للرغبة في ثواب الله تعالى، والمسارعة للقربات، وبذل النفس في مرضاة الله تعالى، والمقاتل لإظهار الشجاعة مقاتل لغرض دنيوي، وهو تحصيل المحمدة من الناس، والثناء عليه بالشجاعة، والمقصدان مختلفان.
ألا ترى أن العرب في جاهليتها كانت تقاتل للحمية وإظهار الشجاعة، ولم يكن لها في المراءاة بإظهار الرغبة في ثواب الله تعالى والدار الآخرة؟ فافترق القصدان.
стр. 1706
ولذلك القتالُ حميةً مخالفٌ للقتالِ شجاعة، والقتالِ للرياء؛ فإن الأول قتال للمحمدة مخلق الشجاعة وصفتها، وأنها قائمة بالمقاتل، وسجية له. والقتال للحمية قد لا يكون لذلك، وقد يُقاتلُ الجبانُ حميةً لكفره، أو لحريمه مكره لئلا يطل، والله أعلم (١).
وفي هذا الحديث دليل: على وجوب الإخلاص في الجهاد.
وفيه: تصريح بأن القتال للشجاعة والحمية والرياء خارجٌ عن الإخلاص لله تعالى.
وفيه دليل على أن الإخلاص لله تعالى هو العمل لأجل امتثال أمره، واجتناب نهيه؛ حيث قال ﷺ : "من قاتلَ لتكونَ كلمةُ الله هي العليا، فهو في سبيلِ الله"، وكلمة الله تعالى هي أمره ونهيه.
وفيه دليل: على أن المجاهد في سبيل الله تعالى مؤمن، فلو قاتل لطلب ثواب الله تعالى، أو للنعيم المقيم، كان في سبيل الله تعالى أيضًا، ويشهد له فعل الصحابي الذي سمع رسول الله ﷺ يقول: "قوموا إلى جنةٍ عرضُها السمواتُ والأرضُ"، فألقى تمرات كُنَّ في يده، وقاتل حتى قُتل (٢) - رحمه الله تعالى -، وظاهر هذا أنه قاتل لثواب الجنة.
والشريعة كلها طافحة بأن الأعمال لأجل الجنة أعمال صحيحة غير معلولة؛ لأن الله تعالى ذكر صفة الجنة، وما أعدَّ فيها للعاملين؛ ترغيبًا للناس في العمل، ومحال أن يرغبهم في العمل للثواب، ويكون ذلك معلولًا مدخولًا، اللهم إلا أن يدعي أن غير هذا المقام أعلى منه، فهذا قد يسامح فيه.
وأما أن يكون علة في العمل، فلا، إذا ثبت أن كلمة الله أمرُ الله ونهيه، وأن المطلوب إعلاؤها بالامتثال أو الانتهاء، وأن الموعود عليها حثًّا على الامتثال
стр. 1707
والانتهاء حق، كان المقاتل للموعود به على الفعل أو الترك مقاتلًا في سبيل الله تعالى، ولا يكون المقاتل لثواب الله تعالى والجنة منافيًا للقتال لإعلاء كلمة الله؛ لأن طلب الفعل وتركه والجزاء عليه والترغيب على الفعل، والترهيب من الترك كله ثبت بكلمة الله، فمن قاتل لواحد منهما، فقد قاتل لإعلاء كلمة الله تعالى، وهو في سبيل الله، فيكون القتال لإعلاء كلمة الله تعالى؛ التي هي الأمر بالقتال وطلبه والمقصود منه في سبيل الله لا على سبيل الحصر، فلا يكون القتال لغيره من الثواب والجزاء، خارجًا عن سبيل الله؛ حيث إنه ثابت بوعد الله تعالى، والحث على القتال به.
فلا يضاد ذلك الإخلاص لله تعالى، بل يكون من فعل فعلًا لطلب ثواب الله تعالى، أو تركه خوفًا من عقاب الله تعالى، مخلصًا له ؛ حيث إن الثواب والعقاب من المضاف إلى الله تعالى، إيجادًا وحكمًا وجزاءً، والله أعلم.
وفيه دليل: على تحريم الفخر بالشجاعة على الناس، فإن فَخَرَ بها لكونها فضْلًا من الله تعالى، فليس بحرامٍ؛ فإن التحدثَ بنعم الله تعالى مطلوب، وهو شكر لها.
وفيه دليل: على تحريم الحَمِيَّةِ غيرِ الدينية؛ فإن الحميَّةَ للدين مطلوبةٌ شرعًا، وتسمى الحُرْقة على الدين والخير، وذلك مُجمَعٌ عليه، وهو من أفضلِ القُربات، وبه امتاز أهل العنايات على غيرهم من أهل الطاعات.
وفيه دليل: على تحريم الرياء، وقد ثبت في الصحيح: "مَنْ راءى، راءى اللهُ به" (١).
стр. 1708
وفيه: السؤال عن الأعمال القلبية والقصد إليها.
وفيه: وجوب الجواب عنها لمن عنده علم على الفور.
واعلم أن الرياء لا يدخل في الأعمال القلبية إلا بالإصرار على إرادته، وكذلك لا يدخل في الأعمال المأمور بإظهارها؛ كالجمعة والجماعات، وأداء الزكوات الواجبات، ونحو ذلك، إلا أن يقصده ويصرَّ عليه، فيكون بقصده له وإصراره عليه مرائيًا فيما بينه وبين الله تعالى، فإن أظهر قصده للناس وإصراره، كان مرائيًا فيما بينه وبينهم، ولا يتصور الرياء فيما أمر بإظهاره بمجرده، والله أعلم.
* * *
стр. 1709
كتاب العتق
العتقُ: الحريةُ.
قال صاحب "المحكم": يقال: عتق يعتق عِتقًا وعَتقًا -بكسر العين وفتحها-، وعتاقًا وعتاقة، فهو عتيق، وهم عتقاء وأعتقة، فهو معتَق وعَتيق، وهم عُتقاء، وأمة عتيق وعتيقة، وإماء عَتائق، وحَلَفَ بالعِتاق؛ أي: الإعتاق.
وزاد الجوهري، فقال: عتق؛ فهو عتيق وعاتق.
قال الأزهري: هو مشتق من قولهم: عَتَقَ الفرسُ: إذا سبق ونجا، وعتق الفرخ: طار واستقلَّ، والعبدُ بالعتقِ يتخلَّصُ ويذهبُ حيثُ شَاء (١).
* * *
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيْمَةَ عَدْلٍ، فَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ العَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ" (٢).
стр. 1710
اعلم أن صيغة "من" للعموم في قوله ﷺ : "من أعتق شركًا"، فتقتضي دخول أصناف المعتقين في الحكم والشرك.
والشقيص: الشريك. فقال: هو شركي وشقيصي: أي شريكي في شِقص من الأرض، والله أعلم.
ومما يدخل في عموم المعتِقين: المريض. وقد اختلف في عتقه شقصًا من عبدٍ:
فالشافعية يرون أنه [إذا] (١) خرج من الثلث جميعُ العبد، قُوِّمَ عليه نصيبُ الشريك، وعتقَ عليه؛ لأن تصرف المريض في ثلثه كتصرف الصحيح في كله.
ونقل عن أحمد ﵀: أنه لا يقوم في حال المرض.
وذكر أبو الوليد بن رشيد قاضي الجماعة عن الماجشون من المالكية فيمن أعتق حصة من عبد بينه وبين شريكه في المرض: أنه لا يقوم عليه نصيب شريكه، إلا من رأس ماله، إن صح، وإن لم يصح، لم يقوَّم في الثلث على كل حال، وعتق في حصته وحده.
والعموم -كما ذكرنا- يقتضي التقويم، وتخصيصه بما يحمله الثلث مأخوذ من الدليل الدال على اختصاص تصرف المريض في التبرعات.
ومما يدخل في عموم المعتقين: المسلم والكافر.
وللمالكية في ذلك تصرف؛ فإن كان الشريكان والعبد كفارًا، لم يلزموا بالتقويم، وإن كان أحدهما مسلمًا والآخر كافرًا، فإن أعتق المسلم، حمل عليه، مسلمًا كان العبد أو ذميًّا.
وإن أعتق الكافر، فقد اختلفوا في التقويم على ثلاثة مذاهب: الإثبات، والنفي، والفرق بين أن يكون العبد مسلمًا، فيلزمه التقويم، وبين أن يكون ذميًّا، فلا يلزم.
وإن كانا كافرين والعبدُ مسلمًا؛ فروايتان.
стр. 1711
وللحنابلة أيضًا وجهان فيما إذا عتق الكافر نصيبه من مسلم وهو مسلم، هل يسري إلى باقيه؟
وهذا التفصيل يقتضي تخصيص صور من هذا العموم:
أحدها: إذا كان الجميع كفارًا، وسببه ما دل عندهم على عدم التعرض للكفار في خصوص الأحكام الفرعية.
وثانيها: إذا كان المعتق هو الكافر على مذهب من يرى ألا يقوم، أو لا يقوم إذا كان العبد كافرًا.
فأما الأول: فرأى أن المحكوم عليه بالتقويم هو الكافر، ولا إلزام له بفروع الأحكام الإسلامية.
وأما الثاني: فرأى أن التقويم إذا كان العبد مسلمًا؛ لتعلق حق المعتق بمسلم.
وثالثها: إذا كانا كافرين والعبد مسلمًا على قول، وسببه ما ذكرناه من تعلق حق المسلم بالعتق.
وهذه التخصصات إن أخذت من قاعدة كلية لا يستند فيها إلى نص معين، فيحتاج إلى الاتفاق عليها، وإن استندت إلى نص معين، فلا بد من النظر في دلالته مع دلالة هذا العموم.
ووجه الجمع بينهما والتعارض قوله: "شركاء": الشرك في الأصل: مصدر لا يقبل العتق، وأطلق على متعلقه، وهو المشترك، فلا بد من إضمار جزء وما يقاربه؛ حيث إن المشترك في الحقيقة هو جملة العين، أو الجزء المعين منها إذا أفرد بالتعيين؛ كاليد والرجل مثلًا، وأما النصيب المعين، فلا اشتراك فيه.
وقوله ﷺ : "قُوِّمَ عليهِ قيمةَ عَدْلٍ"؛ هو بفتح العين؛ أي: لا زيادة ولا نقص.
وقوله: "وإلَّا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ"؛ اختلف في هذا، هل هو من كلام النبي ﷺ ، أم من كلام الراوي عن ابن عمر -وهو نافع-؟
стр. 1712
والذي رواه مالك وغيره من المحققين والحفاظ الضابطين: أنه من كلام النبي ﷺ ؛ فإن مالكًا وعبيد الله العمري، روياه ووصلاه بكلام النبي ﷺ ، وجعلاه منه من غير بيان لكونه مدرجًا من كلام غيره، مع شدة تحريهما وبسطتهما. وهذا هو الظاهر.
ورواه أيوب عن نافع، فقال: قال نافع: وإلا فقد عتق منه ما عتق، ففصله من الحديث، وجعله من قول نافع.
قال القاضي عياض ﵀: وما قاله مالك، وعبيد الله العمري، أولى، وقد جوداه، وهما في نافع أثبتُ من أيوب عند أهل هذا الشأن. كيف وقد قال أيوب مرة: لا أدري هو من الحديث، أم هو شيء قاله نافع؟ فقد شك فيه.
وقد رواه يحيى بن سعيد عن نافع، وقال في هذا الموضع: وإلا فقد جاز ما صنع، فأتى به على المعنى، قال: وهذا كله يرد قول من قال بالاستسعاء، والله أعلم (١).
وفي هذا الحديث أحكام مستنبطة، وأحكام مصرح بها:
أما المصرح بها؛ فمنها: أن من أعتق نصيبه من عبد مشترك، قوم عليه باقيه إذا كان موسرًا بقيمة باقيه، سواء كان العبد مسلمًا أو كافرًا، وسواء كان الشريك مسلمًا أو كافرًا، وسواء كان العتيق عبدًا أو أمة، ولا خيار للشريك في هذا، ولا للعبد، ولا للمعتق، بل ينفذ هذا الحكم وإن كرهوه كلهم؛ مراعاة لحق الله تعالى في الحرية.
وأجمع العلماء على أن نصيب المعتِق يعتق بنفس الإعتاق، إلا ما حكي عن ربيعة أنه قال: لا يعتق نصيب المعتِق، موسرًا كان أو معسرًا، وهذا قول باطل مخالف للأحاديث الصحيحة كلها، وللإجماع.
стр. 1713
وأما نصيب الشريك، فاختلف العلماء في حكمه إذا كان المعتق موسرًا على ستة مذاهب:
أحدها: وهو الصحيح في مذهب الشافعي، وبه قال ابن شبرمة، والأوزاعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وبعض المالكية: أنه عتق بنفس الإعتاق، ويقوم عليه نصيب شريكه بقيمته يوم الإعتاق، ويكون ولاء جميعه للمعتِق، وحكمه من حين الإعتاق حُكم الأحرار في الميراث وغيره من الأحكام، وليس للشريك إلا المطالبة بقيمة نصيبه كما لو قبله.
قال هؤلاء: ولو أعسر المعتق بعد ذلك، استمر نفوذ العتق، وكانت القيمة دينًا في ذمته، ولو مات، أخذت من تركته، فإن لم تكن له تركة، ضاعت القيمة، واستمر عتق جميعه.
قالوا: فلو أعتق الشريك نصيبه بعد إعتاق الأول نصيبه، كان إعتاقه لغوًا؛ لأنه قد صار كله حرًّا.
المذهب الثاني: أنه لا يعتق إلا بدفع القيمة، وهو المشهور من مذهب مالك، وبه قال أهل الظاهر، وهو قول الشافعي.
والمذهب الثالث: أن الشريك بالخيار، إن شاء استسعى العبد في نصف قيمته، وإن شاء أعتق نصيبه، والولاء بينهما، وإن شاء قُوم نصيبه على شريكه المعتق، ثم يرجع المعتق بما دفع إلى شريكه على العبد يستسعيه في ذلك، والولاء كله للمعتق، والعبدُ في مدة السعاية بمنزلة المكاتب في كل أحكامه، هذا مذهب أبي حنيفة.
المذهب الرابع: مذهب عثمان البتي: لا شيء على المعتق، إلا أن تكون جارية رابعة تراد للوطء، فيضمن ما أدخل على شريكه فيها من الضرر.
الخامس: حكاه ابن سيرين: أن القيمة في بيت المال.
السادس: محكي عن إسحاق بن راهويه: أن هذا الحكم للعبيد دون الإماء.
стр. 1714
وهذا القول شاذ مخالف للعلماء كافة، والأقوال الثلاثة قبله فاسدة مخالفة لصريح الأحاديث، فهي مردودة على قائلها.
هذا كله إذا كان المعتق لنصيبه موسرًا، فأما إذا كان معسرًا حال الإعتاق، ففيه أربعة مذاهب:
أحدها: مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي عبيد، وموافقيهم: ينفذ العتق في نصيب المعتق فقط، ولا يطالب المعتق بشيء، ولا يستسعى العبد، بل يبقى نصيب الشريك رقيقًا كما كان، وبهذا قال جمهور العلماء علماء الحجاز؛ للحديث.
المذهب الثاني: مذهب ابن شبرمة، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وسائر الكوفيين، وإسحاق: يستسعى العبد في حصة الشريك.
واختلف هؤلاء في رجوع العبد بما أدى العبد في سعايته على معتقه:
فقال ابن أبي ليلى: يرجع عليه، وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يرجع، ثم هو عند أبي حنيفة في مدة السعاية بمنزلة المكاتب، وعند الآخرين هو حر بالسراية.
المذهب الثالث: مذهب زفر، وبعض البصريين: أنه يقوم على المعتق، ويؤدي القيمة إذا أيسر.
الرابع: حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء: أنه إن كان المعتق معسرًا، بطل عتقه في نصيبه أيضًا، فيبقى العبد كله رقيقًا كما كان، وهذا مذهب باطل.
أما إذا ملك الإنسان عبدًا بكماله، فأعتق بعضه، فيعتق كله في الحال بغير استسعاء، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، والعلماء كافة.
وانفرد أبو حنيفة فقال: يستسعى في نفسه لمولاه.
وخالفه أصحابه في ذلك، فقالوا بقول الجمهور.
وحكى القاضي أنه روي عن طاوس، وربيعة، وحماد، ورواية عن الحسن كقول أبي حنيفة، وقاله أهل الظاهر.
стр. 1715
وعن الشعبي، وعبيد الله، عن الحسن العنبري: أن للرجل أن يعتق من عبده ما شاء، والله أعلم (١).
فلو كان نصيب الشريك مرهونًا، فهل يمنع الرهن سراية العتق إلى نصيب شريكه؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي ﵏، وظاهر عموم الحديث يقتضي عدم المنع من السراية، وكأنه يؤدي إلى تعارض حق الله تعالى في عتق المرهون، وحق المرتهن في الوثيقة؛ حيث إن ملك الشريك لم يزل عن نصيبه المرهون، كيف وحق المرتهن غير متعين في المرهون، فإنه يرجع إلى قيمته، فلا يمنع سراية العتق، فيقوى العمل بعموم اللفظ، ويلغى المانع من إعماله.
وأجمع العلماء على أن الراهن لو أراد أن يوفي من غير العين المرهونة، كان له ذلك، ولا يتعين الوفاء منها، والله أعلم.
ولو كاتبا عبدًا، ثم أعتق أحدهما نصيبه، فقد تعارض عموم لفظ الحديث والتخصيص بعدم المانع، وهو: صيانة الكتابة عن الإبطال. وغاية ما في تنجيز عتقه بالسراية إلى نصيب الشريك المكاتب، إبطال حق الولاء له في نصيبه.
لكن لفظ الحديث يتناوله؛ من حيث إنه عبدٌ، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهمٌ، فيتناول لفظ عموم الحديث إليه أقرب، فيسري العتق إلى نصيب الشريك المكاتب، ويعتق؛ لما فيه من تنجيز العتق في الحال على تأخر العتق بالكتابة، والشارع متشوف إلى العتق بوصف التنجيز.
وكذلك لو كان العبد مدبَّرًا، فأعتق أحدُهما نصيبه فيه، فإن كان الحكم فيه كالكتابة وأولى، وتناول لفظ العموم هاهنا أقوى من الكتابة؛ حيث إنه يجوز بيع المدبر.
ولهذا الأصح من قولي الشافعي عند أصحابه: أنه يقوم على المعتق نصيب الشريك.
وغاية ما في هذا المدبر: أن العتق وسرايته وإليه أبطل حقه من قربه، وهي
стр. 1716
تدبير النصيب الذي له، والذي يجوز له إبطاله بالبيع، والله أعلم.
فلو أعتق نصيبه من جارية، ثبت الاستيلاد في نصيب شريكه منها، فمنع السراية هنا قوي؛ لأنها تتضمن نقل الملك، وأم الولد لا تقبل نقل الملك من مالك إلى مالك عند من يمنع بيعها، وهو أصح الوجهين عند الشافعية ﵏.
ومن يُجري عموم لفظ الحديث يُلغي هذا المانع بأن الإعتاق وسرايته كالإتلاف، وإتلاف أم الولد يوجب قيمتها، والتقويم سبيله سبيل غرامة المتلفات، وذلك يقتضي تخصيص العموم لصدور أمر جُعل إتلافًا، والله أعلم.
ومنها: أنه يشترط في المعتق أن يكون مختارًا للعتق في العبد المشترك؛ لقوله ﷺ : "من أعتقَ شركًا له"؛ فإنه يقتضي صدور العتق منه، واختياره له، فيثبت الحكم حيث كان مختارًا، وينتفي حيث لا اختيار، إما من حيث المفهوم، وإما لأن السراية على خلاف القياس، فيختص بمورد النص، وإما لإبداء معنى مناسب يقتضي التخصيص بالاختيار.
ولا شك أن إصدار العتق بصيغة مقتضية له بنفسها داخلة في مدلول الحديث.
فلو ورث بعضَ قريبه، عتقَ عليه ذلك البعض من غير اختيار، ولا يسري إلى باقيه، ولا يقوم عليه عند الشافعية، ونص عليه بعض المالكية؛ لعدم اختيار العتق وسببه معًا.
وعن أحمد ﵀ رواية: أنه يعتق عليه نصيب الشريك إذا كان موسرًا، وكأنه يجعل العتق الشرعي الناشئ عن الملك القهري قائمًا مقام الملك والعتق الاختياريين.
ومن أمثلة إرث بعض قريبه وعتقه عليه: إذا عَجَّزَ المكاتب نفسَه بعد أن اشترى شقصًا يعتق على سيده، فإن الملك والعتق يحصلان بعد اختيار السيد، فهو كالإرث، فلو وجد سبب العتق باختياره كقبوله بيع بعض قريبه أو هبته أو الوصية له به.
стр. 1717
وقد نزل ذلك الشافعي منزلة المباشرة، ونص عليه بعض المالكية في الشراء والهبة، فيسري إلى باقيه.
ومن ذلك: لو عجَّز السيد مكاتبه، بعد أن اشترى شقصًا ممن يعتق على سيده، فانتقل إليه الملك بالتعجيز الذي هو سبب العتق لما أجازه، فهو كاختياره بسبب العتق بالشراء وغيره.
وفيه اختلاف لأصحاب الشافعي ﵏، ويضعف هذا عن الأول؛ لأنه لم يقصد التمليك، وإنما قصد التعجيز، فحصل العتق ضمنًا بخلاف الأول؛ فإنه منزل منزلة المباشرة باختيار التمليك بالقبول، فهو أقوى من التعجيز الذي حصل العتق فيه ضمنًا، والله أعلم.
ولا فرق بين الاختيار في الملك وبين الاختيار في سببه، فلو أكره على العتق بحق حكم عليه به شرعًا، نفذ مكان ذلك خارجًا عن حكم الإكراه، ولم يدخل تحت اختياره سبب العتق، ففرق بين اختياره ما يوجب العتق في نفس الأمر، وهو سبب العتق، وبين اختياره ما يوجبه ظاهرًا.
فعلى هذا، إذا قال أحد الشريكين لصاحبه: قد أعتقت نصيبك، وهما معسران عند هذا القول، ثم اشترى أحدهما نصيب صاحبه، فإنه يحكم بعتق النصيب المشترى عنده؛ مؤاخذة للمشتري بإقراره، فهل يسري إلى نصيبه بمقتضى ما قررناه؟ إنه لا يسري؛ لأنه لم يختر ما يوجب العتق في نفس الأمر وإنما اختار ما يوجب الحكم به ظاهرًا.
وقال بعض القدماء من الحنابلة: يعتق جميعه، وهو ضعيف، والله أعلم.
ومنها: لو علق عتق نصيبه من العبد المشترك على صفة، فوجدت الصفة، عتق، وكان ذلك قائمًا مقام العتق المنجز في السراية والتقويم.
وأما العتق إلى أجل، فاختلف المالكية فيه:
والمنقول عن مالك وابن القاسم ﵏: أنه يقوم عليه الآن، فيعتق إلى أجل، وقال سحنون: إن شاء الممسك، قومه الساعة، فكان عتقه إلى سنة
стр. 1718
مثلًا جزاء، وإن شاء تماسك، وليس يبيعه قبل السنة إلا من شريكه، وإن أتت السنة، قوم على مبتداء التقويم.
ومنها: أن الشريك المعتق لو كان نصيبه قليلًا أو كثيرًا، عتق، وتعلق به حكم السراية بشرطه؛ حيث إن الشرك منكَّر، وهو واقع في سياق الشرط؛ فيقع على كل قليل وكثير.
فلو أعتق عضوًا معينًا؛ كاليد أو الرجل مثلًا، اقتضى الحديث ثبوتَ الحكم فيه.
وخلاف أبي حنيفة في الطلاق جارٍ هاهنا، وتناول لفظ الحديث لهذه الصورة أقوى من تناولها للجزء المشاع؛ لما قيدناه؛ لأن الجزء الذي تفرد بالتعيين مشترك حقيقة، فلو أعتق نصيبه، اقتضى الحديث مصادقته لنصيبه.
فعلى هذا، لو قال: أعتقت نصيب شريكي، لم يؤثر في نصيبه، ولا في نصيب الشريك، على المذهبين، فلو قال للعبد الذي يملك نصفه: نصفك حر، وأعتقت نصفك، فهل يحمل على النصف المختص به، أو يحمل على النصف شائعًا؟ فيه اختلاف لأصحاب الشافعي.
وعلى كل حال، فقد عتق، إما كل نصيبه، أو بعضه، فهو داخل تحت الحديث.
ومنها: ثبوتُ الحكم في العبد المشترك، وهو مقتضى الحديث، والأمةُ مثلُه، وهو قياس بالنسبة إلى هذا الأصل، وفي معناه الذي لا ينبغي أن ينكره منصف، غير أنه ورد ما يقتضي دخول الأمة في اللفظ.
فقد روى البيهقي عن مالك عن نافع، عن ابن عمر: "من أعتقَ شِرْكًا له في مملوك"، وروى أيوب عن نافع مثله (١)، وروى بشر بن المفضل عن عبيد الله:
стр. 1719
"في عبد"، وهو لفظ الكتاب، وفي بعض هذه الروايات عموم.
وجاء في رواية موسى بن عقبة عن نافع، عن ابن عمر ما هو أقوى من ذلك: أنه كان يرى في العبد والأمة تكون بين الشركاء، فيعتق أحدهم نصيبه منه، يقول: قد وجب عليه عتقه كله.
وفي آخر الحديث يخبر بذلك ابن عمر عن النبي ﷺ (١).
وكذلك جاء في رواية صخر بن جويرية عن نافع، يذكر العبد والأمة قريبًا مما ذكرناه من رواية موسى، وفي آخره رفع الحديث إلى النبي ﷺ .
ومنها: اعتبار يسار المعتق في وقت العتق؛ فإنه ﷺ قال: "فكانَ له مالٌ يبلغُ ثمنَ العبد" بالفاء، سواء اقتضى ذلك اليسار وقت العتق، أو حاله، فلو كان معسرًا لم يسرِ.
وتقدم الاختلاف في المذاهب فيه قريبًا.
وبه قال الشافعية ﵏، قالوا: إذا أوصى أحد الشريكين بعتق نصيبه بعد موته، فلا سراية، وإن خرج كله من الثلث؛ لأن المال ينتقل بالموت إلى الوارث، ويبقى الميت لا مال له، فلا يقوم على من لا يملك شيئًا وقت نفوذ العتق في نصيبه، وكذلك لو كان يملك كل العبد، فأوصى بعتق جزء منه، فأعتق منه جزءًا، لم يسر. وكذلك لو دبر أحدُ الشريكين نصيبه فقال: إذا متُّ فنصيبي منك حُرٌّ، فكله جارٍ على ما ذكرناه عند من قال به (٢).
وظاهر مذهب المالكية في هذه المسألة في التدبير: أنه لا يسري، وقيل: إنه يقوم في ثلثه، وجعله موسرًا بعد الموت.
ومنها: أن قيمة الشيء تسمى ثَمَنًا؛ فإنه ﷺ قال: "فكانَ له مالٌ يبلغُ ثمنَ العبدِ"، والمراد بالثمن: قيمةُ العبد؛ فإن الثمنَ ما اشتريت به العينَ، وإنما تلزم
стр. 1720
السراية بوجود القيمة، لا بالثمن، وقد تبين المراد بقوله ﷺ : "قُوِّمَ عليه قيمةَ عدلٍ".
وفي رواية عمرو بن دينار عن سالم، عن أبيه: "أَيُّما عَبْدٍ كانَ بينَ اثنينِ، فأعتقَ أحدُهما، فإنْ كانَ موسِرًا، فإنه يُقَوَّمُ عليه بأعلى القيمةِ"، أو قال: "قيمةً لا وَكْسَ ولا شَطَطَ" (١).
وفي رواية أيوب: "وكانَ له من المالِ ما يبلغُ ثمنَهُ بقيمةِ العدلِ" (٢)، وفي هذا كله ما يبين أن المراد بالثمن: القيمة، فلو كان المال لا يبلغ كمال القيمة، ولكن قيمة بعض النصيب، فمقتضى الحديث تعليق الحكم بمال يبلغ ثمن العبد.
وقد ذكر أصحاب الشافعي ﵏ في السراية بذلك وجهين.
فيمكن استدلال من لا يرى السراية بمفهوم لفظ الحديث، ويعضده أن في السراية تبعيض ملك الشريك عليه، والأصح عندهم السراية إلى القدر الذي هو موسر به تحصيلًا للحرية بقدر الإمكان، والمفهوم في هذا ضعيف؛ فلو كان عليه دين يساوي القيمة، أو يزيد عليها، فهل يمنع السراية والتقويم؟
فيه الخلاف في منع المدين الزكاة؛ حيث اشترك هو والعتق في كونهما حقًّا لله - تعالى - تعلق بآدمي، والمالكية يرون أن من عليه دين بقدر ماله، فهو معسر، فيقضى هنا على أصلهم منع السراية.
وظاهر الحديث أن الدين لا يكون مانعًا هاهنا؛ تخصيصًا لهذه الصورة بالمانع الذي يقيمه في العتق والزكاة، فلو ملك ما بقي بنصيب شريكه، ولم يملك غيره، فهل يقوم عليه مقتضى الحديث التقويم؟
والشافعية أخرجوا قوتَ يومه، وقوتَ من تلزمه نفقته، ودستَ ثوبٍ، وسكنى يوم.