أحاديث رسول الله ﷺ للإمام الحافظ أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن عليّ بن سرور المقدسيِّ ﵀، سهلِ العبارة، موضَحةٍ من غير إشارة؛ ليفهمه المبتدي، ولا يَزْدَرِيهِ الفاضلُ المنتهي.
فأجبتهم إلى ذلك بعدَ الاستخارة، رجاءَ نفعِهم، وطلبَ ثواب الله تعالى، وحصول البشارة.
وما توفيقي إلَّا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، وهو حسبي ونعم الوكيل، سبحانه هو وليُّ أهل الإحسان.
وسمّيته: كتابَ "العُدَّة في شرح العُمْدَة".
والله تعالى يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن ييسِّرَه على أكمل الوجوه، منجيًا لقارئه وكاتبه والمشتغل به من كل محذور ومكروه وشدة، آمين.
وأتكلم -إن شاء الله تعالى- في كل حديث على راويه من الصَّحابة، ثم على ألفاظه، ثم على معانيه، ثم على أحكامه.
وأرجو من فضل الله تعالى إِنْ تم أن يكون شافيًا نافعًا.
وعلى الله تعالى اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي، استعنت بالله، توكلْت على الله، فوضت أمري إلى الله، أسلمت وجهي إلى الله، ما شاء الله لا قوَّة إلَّا بالله، لا يأتي بالخير إلَّا الله، ولا يصف السُّوء إلَّا الله، وأستودعُه ديني وبدني وقلبي وأمانتي وجميعَ أموري، ووالديَّ وأحبابي والمسلمين أجمعين، وجميعَ عباد الله الصالحين من سكان السَّموات والأرضين.
* * *
стр. 37
كتاب الطَّهارة
الحديث الأوَّل
عن عمرَ بنِ الخطَّاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّة -وفي رواية: بالنِّيَّاتِ-، وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُه إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، ومَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُها أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" (١).
بدأ المصنف به؛ لتعلُّقه بالطَّهارة، واقتداءً بالسَّلف، والبداءة به في تصانيفهم.
وهذا الحديث لم يروه عن النَّبي ﷺ إلَّا عمرُ بنُ الخطاب، وقيل: رواه عنه غيره، ولم يصحَّ، والله أعلم.
وهو أحد الأحاديث التي عليها مدارُ الإسلام.
قال الشَّافعيُّ وأحمدُ بنُ حنبلٍ -رحمهما الله-: يدخل في حديثِ: "الأعمال بالنِّيَّة" ثلثُ العلم (٢).
стр. 38
وقال الشافعيُّ: يدخل هذا الحديث في سبعين بابًا من الفقه (١).
وليس معنى كلام الشَّافعيِّ ﵀ انحصاره في السَّبعين، وإنما مراده المبالغةَ في الكثرة، والله أعلم.
أما راويه فهو: أبو حفصٍ عمرُ بنُ الخطَّابِ بنِ نُفَيْلِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ رِياح -بكسر الرَّاء ثم الياء المثنَّاة من تحت- بنِ عبدِ اللهِ بنِ قرطِ بنِ رَزَاحِ -بفتح الرَّاء ثَمَّ الزَّاي- بنِ عديِّ بنِ كعبٍ، القرشيُّ العدويُّ؛ يجتمع مع رسول الله ﷺ في كعب بن لؤي -بالهمز وتركه-.
أسلم قديمًا، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وهو أول من سُمِّيَ أميرَ المؤمنين عمومًا، وسُمِّيَ قبلَه به خصوصًا عبدُ الله بنُ جحشٍ على سريَّةٍ في اثني عشرَ رجلًا.
وهو أول من مصَّرَ الأمصار، وفتح الفتوح، وهو أحدُ العشرةِ المشهودِ لهم بالجنَّة، وثاني الخلفاء، وسُمِّيَ الفاروقَ لفرقانِه بين الحقِّ والباطل بإسلامه وظهورِ ذلك.
وكان من محدَّثي هذه الأمَّة، ونزل القرآن بموافقتِه في ستَّة أشياء.
ومناقبهُ أكثرُ مِنْ أنْ تُحْصَر، وأشهرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ، يحتمل ذكرها مجلدات.
روي له عن رسول الله ﷺ خمس مئة حديث، وتسعة وثلاثون حديثًا، اتفق البُخاريّ ومسلم منها على ستة وعشرين حديثًا، وانفرد البُخاريّ بأربعة وثلاثين حديثًا، ومسلم بأحد وعشرين حديثًا.
وولِّيَ الخلافة عشرَ سنين وخمسةَ أشهر، وقيل: ستة، وقُتل يوم الأربعاء لأربعٍ بقين من ذي الحجة، وقيل: لثلاث، سنة ثلاث وعشرين، وهو ابن ثلاث وستين على الأصحِّ، ودفن مع رسول الله ﷺ في بيت عائشة ﵂، وصلَّى عليه صُهيبُ بنُ سنان الروميُّ ﵁ (٢).
стр. 39
وأما لفظه:
فقوله: "سمعت" هي أرفعُ صيغِ الرواية، ثمَّ: حدَّثنا، وأخبرنا، كذا قاله الخطيبُ البغداديُّ (١).
وقال أبو عمرو بن الصَّلاح: "حدَّثنا"، و"أخبرنا" أرفع من "سمعت" من جهةٍ؛ إذ ليس في "سمعت" دلالةٌ أن الشَّيخ رَوَّاه إيَّاه، بخلافهما (٢).
وقوله: "رسول الله ﷺ " اختلف أئمَّة الحديث هل يجوز تغيير "قال النبيّ" إلى: "قال رسول الله ﷺ "، أو عكسه؟.
فقال أبو عمرو بن الصَّلاح: الظَّاهر أنَّه لا يجوز، وإن جازت الرِّواية بالمعنى؛ لاختلاف معنى النبوَّة والرِّسالة، قال: والصَّواب -والله أعلم- جوازه؛ لأنَّه لا يختلف به هنا معنًى، وهذا مذهب أحمد بن حنبل، وحمَّاد بن سلمة، والخطيب (٣).
ولفظة "إنمَّا" للحصر عند جمهور اللُّغويين والأصوليين وغيرهم، فتثبت الحكم في المذكور، وتنفيه عمًّا عداه، ولكنَّ نفيَه عما عداه بمقتضى موضوعها، أو هو من طريق المفهوم، وفيه بحث.
وهي تقتضي الحصر المطلق والمقيد، ويفهم ذلك بالقرائن والسِّياق، فإن دلَّ السِّياق والمقصود من الكلام على الحصر في شيء مخصوص، فَقُلْ به، وإلا فاحملْه على الإطلاق.
стр. 40
والنِّيَّة -بتشديد الياء على المشهور، وحكي تخفيفها-، وهي القصد، وهو: عزم القلب على الشيء، والمراد هنا: العزم على الفعل تقربًا إلى الله تعالى.
والهَجْرُ في اللُّغة: التَّرْك، وهو تَرْكُ الوطن وغيره هنا (١).
وقولُهُ ﷺ : "فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلىَ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلىَ اللهِ وَرَسُولِهِ".
القاعدة عند أهل العربية المتقررة أَنَّ الشَّرْطَ والجزَاء والمبتدأ والخبر لا بُدَّ أَنْ يتغايَرا، وها هنا وقع الاتحاد في قوله: "فمن كانت هجرته" إلى آخره، فلا بُدَّ أن يقدر له شيء، وهو: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيّةً وقصدًا، فهجرته إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا.
ووقعت الهجرة في الإسلام على أوجه:
أحدها: إلى الحبشة عندما آذى الكفار الصَّحابة.
الثَّانية: من مكّة إلى المدينة.
الثَّالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله ﷺ .
الرَّابعة: هجرة من أسلم من أهل مكّة ليأتي إلى النبيّ ﷺ ، ثمَّ يرجع إليها.
الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه.
ومعنى الحديث وحكمُه يتناول الجميع، غيرَ أَنَّ الحديث ورد على سببٍ، على ما سيأتي، والعبرة بعموم اللفظ.
وقوله ﷺ : "وَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ الَى دُنْيَا"، الدُّنْيَا -بضم الدَّال على المشهور-، وحكى ابن قتيبة وغيره كسرها، وجمعها دُنا؛ كَكُبْرَى وكُبَر، وهي من دَنَوْتُ؛ لِدُنُوِّها وسبقها الدَّار الآخرة، وينسب إليها: دُنْيَوِيٌّ، ودُنْيِيٌّ، وقال الجوهريُّ وغيره: ودُنْيَاوِيٌّ (٢).
стр. 41
وفي حقيقتها قولان للمتكلمين:
أحدهما: ما على الأرض مع الجَوِّ والهواءِ.
والثاني: كلُّ المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدّار الآخرة، وهو الأظهر.
وقوله: "دُنْيَا" -مقصور غير مُنوَّنٍ على المشهور-، وهو الذي جاءت به الرِّواية، ويجوز في لغةٍ غريبةٍ تنوينها، وروى ابنُ الأعرابي بيت العَجَّاج في جمع دُنْيَا:
دُنْيًا طَالَ ما قد عَنَتْ
بالتنوين، والمشهور فيه بلا تنوين.
وقوله: "أَوِ امْرَأَة يَتَزَوَّجُهَا" أي: يَنْكِحُهَا كما جاء في الرّواية الأخرى، وقد تستعمل بمعنى الاقتران بالشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] أي: قَرَنَّاهم، عند الأكثرين.
وقال مجاهد والبخاري وطائفة: أَنْكَحْنَاهم.
فإن قيل: كيف ذُكِرَتِ المرأة مع الدُّنْيَا مع أنها داخلة فيها؟ فالجواب: أنه جاء أن سببَ هذا الحديث: أن رجلًا هاجر من مكّة إلى المدينة ليتزوَّج امرأةً تسمى أمَّ قيس، لا لقصدِ فضيلةِ الهجرة، فقيل له: مهاجرُ أمَّ قيسٍ (١)، فلهذا خصَّ ذكر المرأة، وإن كانت أعظم أسباب الدُّنيا، ولهذا قال ﷺ : "أَلاَ إنَّ الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا: الْمَرأَةُ الصَّالِحَةُ" (٢).
فالغالبُ أنها شرُّ متاع الدُّنيا دونَ سائر ما يُنوى به الهجرةُ من أفراد الأعراض
стр. 42
الدُّنْيَوية، ولهذا قال ﷺ : "مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِي أَضَرُّ على الرِّجالِ مِنَ النِّسَاءِ" (١).
وقد صنف الإمام أبو الفرج بنُ الجوزيِّ وغيرُه أسبابَ الحديث، كما صنف الواحديُّ وغيره أسبابَ النزول للقرآن، والله أعلم.
وقد يجاب أيضًا: بأنَّ المرأة لا يلزم دخولُها في هذه الصِّيغة؛ لأنَّ لفظة "دُنْيَا" نكرة، وهي لا تعم في الإثبات، فلا تدخل المرأةُ فيها، وقد يكون ذكرها من باب التنبيه على زيادة التحذير منها؛ كذكر الخاص بعد العام تنبيهًا على مرتبته، كما في ذكر جبريل وميكائيل بعد الملائكة، وذكر الصَّلاة الوسطى بعد الصلوات في المحافظة، وذكر محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم -صَلَّى الله عليه وعليهم أجمعين- بعد النبيّين في أخذ الميثاق عليهم، وليس منه النَّخْلُ والرُّمَّانُ بعد ذكرِ الفاكهة، وإن كان قد غَلِطَ بعض النَّاس فيه، فعدَّه منه؛ لأنَّ فاكهةً نكرة في سياق الإثبات، فلا تعم، والله أعلم.
أما معانيه، فتقدَّم بعضها في ألفاظه.
وقوله ﷺ : "إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" لا بُدَّ فيه من إضمار، ولا جائزَ أن يكون المضمر: وجودها؛ لوجود العمل ولا نيَّة، فتعيَّن أَنْ يكونَ المضمر الصِّحةَ أو الكمالَ، وتقدير الصِّحة ألزمُ؛ لأنَّه أقرب إلى خطوره بالذهن عند الإطلاق، فالحمل عليه أولى، وقد يُقدرونه بالاعتبار، وقرب ذلك بمثل؛ كقولهم: إنما الملكُ بالرِّجال؛ أي: قوامه ووجوده، وإنَّما الرِّجال بالمال، وإنَّما الرَّعيَّة بالعدل، وكل ذلك يُراد به أَنَّ قوامَ هذه الأشياء بهذه الأمور.
وعلى تقدير إضمار الصحة أو الكمال، وقع اختلاف الفقهاء، فذهب الشَّافعيُّ والجمهور إلى تقدير الصِّحة، وذهب أبو حنيفة ومن وافقه إلى تقدير
стр. 43
الكمال، وقدَّر بعض المحدثين القبول، وهو راجع إلى ثواب الآخرة، وهو مرتبٌ على الصِّحة والكمال، وقد تَنفكُّ الصِّحة عن القبول بالنِّسبة إلى أحكام الدُّنْيَا فقط، والأعمال تُطْلَقُ على الجوارح والقلوب، قولًا كان العمل أو فعلًا، لكنَّ الأسبقَ إلى الفهم تخصيصُه بالجوارح، لكنْ في الشَّرعيات فهو يستعمل فيهما، فيقال: أعمال القلوب، وأعمال الجوارح، وخصَّص بعضهم أعمال الجوارح بما عدا القول، وهو غلط؛ لاتفاقهم على أنَّ اللِّسان جارحة، والقول عملُه، نعم يستعمل القول والعمل في معرض التَّقابل، أما أنَّ القول لا يسمى عملًا، فلا.
قوله ﷺ : "وإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى" مقتضاه أنَّ مَنْ نوى شيئًا، يحصل له، وما لم ينوه، لا يحصل له، ولهذا عظَّمُوا هذا الحديث، وجعلُوه داخلًا في ثلث العلم، أو نصفه، والمراد بالحصولِ وعدمه بالنِّسبة إلى الشَّرع، وإلَّا فالعملُ قَدْ حصل، لكنَّه غيرُ معتدٍّ به، وسياق الحديث يدل عليه بقوله: "وَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إليه".
فإِنْ قِيل: فما فائدة ذكر الثَّاني بعد الأول؟
قلنا: فائدته اشتراط تعيين المنويِّ، فمن كان عليه صلاة مقضيَّة، لا يكفيه أَنْ ينويَ الصَّلاةَ الفائتة، بل لا بدَّ أَنْ ينويَ كونها ظُهرًا أو عصرًا أو غيرهما.
ولولا اللَّفظ الثَّاني، لاقتضى الأولُ صِحة النيَّة بلا تعيين، أو أَوْهَمَ ذلك.
وكونُ هذا الحديث ثلثَ العلم، قال البيهقيُّ وغيره: معناه أَنَّ كَسْبَ العبد بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنيَّةُ أحدُ أقسامِه الثَّلاثة وأرجحُها؛ لأنَّها تكون عبادة بانفرادها، بخلاف القسمين الآخرين، ولهذا كانت نِيَّة المؤمن خيرًا من عمله؛ لأَن القول والعمل يدخلهما الفساد بالرياء ونحوه، بخلاف النيَّة (١)، وتدخل النيَّة في الوضوء والاغتسال والتيمم والصَّلاة وأنواعها، والزَّكاة والصيام والاعتكاف والحجِّ والطلاق والخلع والعتق والكتابة، والتدبير والإبراء والظهار
стр. 44
ونحوها، بجعل الكناية كالصريح، وكذلك في البيع والإجارة وسائر المعاملات، والرجعة والوقف والهبة وكناية لفظ الطلاق وغيرها عند من يقول: كنايتها مع النية كالصريح، وهو الصَّحيح، وكذلك إذا كان عليه ألفان بأحدهما رهن دون الآخر، فأوفاه ألفًا، صرف إلى ما نواه منهما، وكذلك ما أشبه ذلك، ويدخل -أيضًا- في الأيمان والنُّذور، والله أعلم.
وأمّا ما يتعلق بأحكامه:
فاعلم أن النيَّة في جميع العبادات تكون بالقلب كما سبق، ويُسْتحبُّ أَنْ يتلفظ مع ذلك بلسانه، فإِنِ اقْتصَرَ على القلب، كفاه، وإِن اقتصر على اللسان، فلا.
وعن الشَّافعيِّ قولٌ ضعيفٌ غريبٌ؛ أنَّه يكفيه في الزَّكاة اللَّفظ؛ لأنَّها تشبه الدُّيون، ولهذا يجوز تقديمها قبل وقتها، ويأخذها السُّلطان قهرًا؛ ولهذا قال الأوزاعيُّ: لا تجب النيَّة في الزَّكاة.
وقال أبو عبد الله الزبيريُّ -من متقدِّمي أصحابِ الشَّافعيِّ-: يُشترط في نيَّة الصَّلاة نيَّةُ القلب، ولفظُ اللسان، وهو غلط، ولو جرى على لسانه شيء، وفي قلبه غيره، فالاعتبار بالقلب.
وفي اشتراط إضافة العبادة إلى الله تعالى لصِحَّة النيَّة خلاف؛ فالاعتبارُ بالقلب، قال الجمهور: لا يشترط، لَكنْ يُستَحَبُّ، وشَرَطَها أبو العباس بنُ القاصِّ وغيرُه.
وينبغي لِمَنْ أرادَ شيئًا من الطَّاعات أَنْ يستحضرَ النيَّة، فينوي بها وجه الله تعالى.
وهل يشترط ذلك أول كل عمل -وإن قل وتكرر فعله- مقارنًا لأول العمل متصلًا به؟ اشترطه بعضهم، وشرط بعضهم ذلك في أول العمل، ولا يشترطه إذا تكرر، بل يكفيه أَنْ ينوي أول كل عمل، ولا يشترط تكرارها فيما بعد، ولا مقارنتها، ولا الاتصال.
стр. 45
وشرط بعضهم المقارنة دون الاتصال، وشرط بعضهم الاتصال، وهو أخف من المقارنة، وكلُّ هذه المذاهب راجعةٌ إلى أن النيَّةَ جزءٌ من العبادة، أم شرطٌ لصحتها؟ مذهبُ الجمهور أَنَّها جزءٌ منها، ولأصحاب الشَّافعي وجهٌ أَنَّها شرط، والشرط لا تجب مقارنته ولا اتصاله ولا تكراره للمشروط، بل متى وجد ما يرفعه أو ينفيه، وجب فعله.
وتنبغي النيَّة في الصَّدقات، وقضاء حوائج النَّاس، وعيادة المرضى، واتَّباع الجنائز، وابتداء السَّلام وردِّه، وتشميت العاطس وجوابه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإجابة الدعوة، وحضور مجلس العلم والأذكار، وزيارة الأخيار والقبور، والنفقة على الأهل والضيفان، وإكرام أهل الود والفضل وذوي الأرحام، ومذاكرة العلم والمناظرة فيه وتكراره وتدريسه وتعلمه وتعليمه ومطالعته وكتابته وتصنيفه، والفتوى والقضاء، وإماطة الأذى عن الطريق، والنصيحة والإعانة على البر والتقوى، وقبول الأمانات وأدائها، وما أشبه ذلك؛ حتَّى ينبغي له إذا أراد أَنْ يأكلَ أو يشربَ أو ينامَ أَنْ يَقْصِدَ به التقوِّيَ على طاعة الله تعالى، وإراحة البدن لينشطَ للطَّاعة.
وكذلك إذا أراد جِمَاعَ زوجته أَنْ يقصدَ امتثالَ قول الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وإيصالَها حقها، وتحصيلَ ولد صالحٍ يعبُد الله تعالى، وإعفافَ الزَّوجة، وإعفافَ نفسه وصيانتَها من التطلع إلى حرام، أو الفكر فيه، أو مكابدة المشاقِّ بالصبر، وهذا معنى قوله ﷺ : "وفي بُضْعِ أحَدِكُمْ صَدَقَةٌ" (١).
وكذا ينبغي لِمَنْ يعملُ حِرفةً ينفع المسلمين ممَّا هو فرضُ كفاية أن يقصد إقامةَ فرض الكفاية، ونفعَ المسلمين؛ كالزراعة وغيرِها من الحِرَفِ التي هي قِوَامُ عيشِ المسلمين.
стр. 46
والضَّابط لحصول النِّيَّة والثواب [عليها] (١): أنّه متى قصد بالعمل امتثالَ أمر الشَّرع، وبتركه: الانتهاءَ بنهي الشَّرع، كانت حاصلةً مثابًا عليها، وإلا فلا، وإن لم يقصد ذلك، كان عملًا بهيميًّا، ولهذا قال السَّلف: الأعمال البهيمية: ما عُملت بغير نيَّة، والله أعلم.
واعلم أن سؤالَ الله تعالى ومحاسبته إنما يقع يوم القيامة على مخالفة الوسائل والمقاصد الشَّرعية، وإنعامَهُ وإفضالَهُ إنما يقع على موافقتها، والنيَّة وسيلةٌ للشَّرع ومقصودة، والأعمالُ قد تكونُ وسيلة، وقد تكون مقصودةً، وقد يكون هذا وهذا، وكل وسيلةٍ مقصودةٍ إلى ما دونها، وسيلةٌ بالنسبة إلى ما فوقها، والله أعلم.
ودخول الجنة لا يقع إلَّا برحمة الله تعالى، والدرجاتُ فيها بالأعمال، والخلودُ بالنيَّات، والكلُّ مبدؤه وانتهاؤه وتعلقه راجع إلى فضل الله الإلهِ الخالقِ والآمرِ -تبارك الله ربُّ العالمين-.
* * *
الحديث الثَّاني
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةَ أحَدِكُمْ إذا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأ" (٢).
أبو هريرة: أوَّل مكنًّى بها؛ لهرَّةٍ كانت له يلعب بها صغيرًا.
واسمه عبدُ الرَّحمن بنُ صخرٍ على الأصح من نحو ثلاثين قولًا.
واختلف في نسبه -أيضًا- كثيرًا.
أسلمَ عام خيبر سنة سبع من الهجرة، وشهدها مع رسول الله ﷺ ، ولزمه إلى
стр. 47
أن توفي النبي ﷺ ؛ وهو أكثر الصَّحابة حديثًا، وعبد الله بن عمرو بن العاص أكثرُ منه حديثًا، على ما ثبت عن أبي هريرة ﵁، وعاش أكثرَ منه، وتأخرت وفاته بعده، إلا أنَّ أبا هريرة كان مقيمًا بالمدينة، ولم يخرج منها، وكان النَّاس يأتونها من كلِّ ناحية بعد رسول الله ﷺ ؛ لكونها محط الرّكاب؛ لأجل الخلافة، ولزيارة رسول الله ﷺ ، والصَّلاة في مسجده، ولأخذ العلم، وكان أبو هريرة متصدِّيًا للرواية عن رسول الله ﷺ ، ونشر العلم؛ بخلاف عبد الله بن عمرو؛ فإنَّه سافر إلى البلاد، وغلب عليه العبادة، فلهذا لم يُشتهر حديثه، ولم تكثر روايته؛ واشتُهر وكثر حديث أبي هريرة ﵄.
وكان أبو هريرة من أصحاب الصُّفَّة، ومن أحفظ الصَّحابة حديثًا.
وقال البخاري: أبو هريرة: دَوْسِيٌّ أزديٌّ يمانيٌّ، نزل المدينة.
قال غيره: روى عنه نحو ثمان مئة رجل أو أكثر من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين وغيرهم، وكان ينزل ذا الحليفة، وله بها دار تصدّق بها على مواليه، فباعوها من عمرو بن يزيع، وكان ينوب بالمدينة في الصَّلاة وغيرها، وصلَّى على عائشة وأم سلمة زوجَي النبي ﷺ ، ومات بها، ودفن بالبقيع سنة سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع وخمسين، وكان سنُّه يوم مات ثمانيًا وثمانين سنة، فتكون سنُّه يوم مات النبي ﷺ إحدى وثلاثين سنة، أو ثلاثين، أو تسعًا وعشرين، على الخلاف في وفاته.
وروي له عن رسول الله ﷺ خمسة آلاف حديث، وثلاث مئة حديث، وأربعة وسبعون حديثًا، اتفقا على ثلاث مئة وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين، ومسلم بمئة وسبعين (١).
стр. 48
وأمَّا ما اشتهر في الشَّام من أن قبره بقرية بناحية بالقرب من عسقلان، فليس بصحيح، بل ذاك قبر جَنْدَرَةَ -بفتح الجيم وسكون النُّون وفتح الدَّال المهملة وبالرَّاء ثم الهاء-، ابنِ خَيْشَنَةَ -بفتح الخاء المعجمة ثم الياء المثناة تحت السَّاكنة ثمَّ الشِّين المعجمة ثمَّ النون ثم الهاء-، ابن نقَيرٍ -بضم النون وفتح القاف وسكون المثناة تحت ثم الرَّاء-، أبو قِرْصَافَة -بكسر القاف وسكون الرَّاء ثم الصاد المهملة ثم الألف ثم الفاء ثم الهاء- من بني عمرو بن الحارث بن مالك بن كنانة، سكن الشَّام، ومات بها، وقبره بناحية بقرب من عسقلان، ذكره أبو حاتم بن حِبَّان في الصَّحابة، والله أعلم (١).
والقبول يراد به في الشَّرع الصِّحةُ وحصول ثواب الآخرة وقد تتخلف الصحة عن ثواب الآخرة بدليل صحة صلاة العبدِ الآبق، ومن أتى عرَّافًا، وشاربِ الخمر إذا لم يسكرْ ما دام في جسده شيء منها؛ فأما ملازمةُ القبول للصِّحة، ففي قوله صلي الله عليه وسلم: "لا تُقْبَلُ صَلاةُ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ" (٢)؛ أي: مَنْ بَلَغَتْ سِنَّ الحَيْض لا تقْبَلُ صَلاتُهَا إلَّا بسترتها، ولا تصحُّ ولا تُقبلُ مع انكشاف عورتها، والقبولُ مفسَّر بترتُّب الغرض المطلوب من الشِّيء على الشِّيء، يقال: قبل فلان عذرَ فلان: إذا رتَّب على عذره الغرضَ المطلوب منه، وهو محو الجناية والذنب.
فقوله صلي الله عليه وسلم: "لا يقْبَلُ اللهُ صَلاَةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ" هو عام في عدم القبول من جميع المحدثين في جميع أنواع الصَّلاة، والمراد بالقبول: وقوعُ
стр. 49
الصَّلاة مجزِئةً بمطابقتها للأمر، فعلى هذا يلزم من القبول الصحةُ في الظاهر والباطن، ومتى ثبت القبول، ثبتت الصحة، ومتى ثبتت الصِّحة، ثبت القبول.
ونقل عن بعض المتأخرين أن القبول عبارة عن ترتب الثواب والدَّرجات على العبادة، والإجزاءُ عبارة عن مطابقة الأمر، فهما متغايران، أحدهما أخصُّ من الآخر، ولم يلزم من نَفْي الأخصِّ نفيُ الأعم، فالقبول أخصُّ من الصحَّة، على هذا فكل مقبول صحيح، وليس كل صحيح مقبولًا، وهذا إنْ نفعَ في نفي القبول مع بقاء الصِّحة، ضرَّ في نفي القبول مع نفي الصحة، لكن يقال: دلَّ الدليل على كون القبول من لوازم الصحة، فإذا انتفى، انتفت، فيصحُّ الاستدلال بنفي القبول على نفي الصِّحَة، ويحتاج في نفيه مع بقائها إلى تأويل أو تخريج.
ويرد على من فسَّر القبولَ بكون العبادة مثابًا عليها أو مرضية، مع أن قواعد الشرع تقتضي أن العبادة إذا أُتي بها مطابقة للأمر، كانت سببًا للثواب في ظواهر لا تحصى فيها.
إذا ثبت هذا، فاعلم أن الحدث عبارة عن نواقض الوضوء، وهي عند الشافعية أربع متفق عليها، وأربع مختلف فيها.
وقد فسَّره أبو هريرة -راوي الحديث- بنوع من الحدث حين سُئل عنه، فقال: فُساء أو ضُراط (١)، وكأنَّه أجاب السَّائل عمَّا يجهله منها، أو عمَّا يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر.
والحدث بموضوعه يطلق على الأكبر؛ كالجنابة والحيض والنفاس، والأصغر؛ كنواقض الوضوء، وقد يسمى نفس الخارج حدثًا، وقد يسمى المنع المرتَّبُ عليه حدثًا، وبه يصحُّ قولهم: رفعتُ الحدثَ، ونويتُ رفعه، وإلا استحال ما يرفع ألا يكون واقعًا.
وكَأنَّ الشَّارعَ ﷺ جعل أمد المنع المترتب على خروج الخارج إلى استعمال الطُّهر، وقد تقوَّى بهذا قولُ من يرى أن التَّيَمُّم يرفع الحدث؛ لكون المرتفع هو
стр. 50
المنع، وهو مرتفع بالتَّيمُّمِ، لكنه مخصوص بحالة ما، أو بوقت ما؛ إما عدم الماء، أو مانع من استعماله مع وجوده، وليس ذلك ببدع، والأحكام تختلف باختلاف محالها.
وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجبًا لكلِّ صلاة، فقد ثبت أنَّه كان مختصًّا بوقت، مع كونه رافعًا للحدث اتفاقًا، ولا يلزم من انتهائه في ذلك الوقت بانتهاء وقت الصلاة ألا يكون رافعًا للحدث، ثمَّ نُسخ في فتح مكة، وصلَّى رسول الله ﷺ الصَّلواتِ الخمسَ بوضوء واحد، ونقل عن بعضهم أنه لم ينسخ، وأن الحكم باقٍ إلى الآن، وهو مردود، لكن الحكم في الاستحباب باق، وفي الوجوب منسوخ؛ لأنه إذا نسخ الوجوب، بقي الندب، على ما تقرر في كتب الأصول.
وقد ذكر الفقهاء من أصحاب الشَّافعي وغيرهم: أن الحدث وصفٌ حكميٌّ مقدَّرٌ قيامُه بالأعضاء على معنى الوصف الحسي، وينزلون الوصف الحكمي منزلة الحسي في قيامه بالأعضاء؛ كقولنا: الوضوء أو الغسل يرفع الحدث؛ أي: يزيل الأمر الحكمِي المترتب على المقدر الحكمي، فمن يقول بأن التَّيمُّمَ لا يرفع الحدث يقول: إِن الأمرَ المقدر الحكمي باقٍ لم يزلْ، والمنع (١) الذي هو مترتب عليه زائل، فلا يرفع ذلك الوصف الحكمي المقدر، وإن كان المنع المرتب عليه زائلًا، ولا دليل من حيث الشَّرعُ يدل عليه، وأقرب ما يذكرون فيه أَن الماء المستعمل قد انتقل إليه مانع، وذلك منازع في طهارته أو طهوريته أو نجاسته، فلا يلزم انتقال المانع إليه، فلا يتمُّ الدَّليل، والله أعلم.
وقوله ﷺ : "حَتَّى يَتَوَضَّأ" نفى القبولَ إلى غاية، وهي الوضوء، وما بعد الغاية مخالفٌ لما قبلها، فاقتضى قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا، ودخل تحته الصَّلاة الثانية قبل الوضوء لها ثانيًا، وهذا مجمَع عليه في الوضوء.
والحديث محمول عند العلماء على مَنْ تركَ الوضوء بلا عذر، أمَا مَنْ تركه
стр. 51
بعذر, وأتى ببدله، فالصلاة مقبولة قطعًا؛ لأنَّه قد أتى بما أُمر به قطعًا.
وقد استدلَّ المتقدِّمونَ بهذا الحديث على أن الصَّلاة لا تجوز إلا بطهارة، ولا يلزم من عدم القبول عدمُ الصحة؛ بدليل ما تقدَّم، وقد تكون الصَّلاة مقبولة بلا وضوء ولا تَيَمُّم، فمن لم يجد ماء ولا ترابًا، فإنها صحيحة مقبولة، ولا تجبُ إعادتُها على أحد الأقوال عند الشَّافعي، وهو مختار جماعة من محققي أصحابه، وهو قول جماعة من العلماء، فيكون الحديث خرج على الأصل والغالب، والإعادة والقضاء لا يجبان إلا بأمر محدَّد، وهذا كله على مذهب من يقول: إن الطهارة شرط لصِّحَة الصَّلاة، أمَّا من يقول: إنَّها شرط للوجوب؛ كمالكٍ وابن نافع، فإنهما قالا: مَن عَدِم الماء والصعيد، لم يُصلِّ، ولم يقضِ إِنْ خرج وقت الصَّلاة؛ لأن عدم قبولها لعدم شرطها يدل على أنَّه ليس مخاطبا بها حال عدم شرطها، فلا يترتب في الذِّمَّة شيء، فلا تقضى، لكن قوله ﷺ : "إذَا أَمَرْتُكُمْ بِآمْرِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" (١) يمنع هذا؛ فإنَّه أَمَرَ بالصَّلاة بشروط تعذرت، فيأتي بها، ولا يلزم من انتفاءِ الشَّرط انتفاءُ المشروط بالنسبة إلى أصل الوجوب، والله أعلم.
وقد استدل بهذا الحديث على بطلان الصلاة بالحدث، سواء كان خروجه اختيارًا أم اضطرارًا، سهوًا أو عمدًا؛ لعدم تفريقه ﷺ بين حدث وحدث في حالة دون حالة، وقد حكي عن مالك والشَّافعي -في القديم-، وغيرهما: أنّها لا تبطل إذا سبقه الحدث، بل يتوضأ ويبني على صلاته، وإطلاق الحديث يرد عليه.
واختلف العلماء من أصحاب الشَّافعي وغيرهم في موجب الوضوء ما هو؛ فذهب طائفة إلى أَنّه يجب بالحدث وجوبًا موسعًا، وذهب آخرون إلى أنه يجب بالقيام إلى الصلاة؛ بدليل قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]
стр. 52
الآية، وذهب آخرون إلى أنه يجب بالأمرين جميعًا، وهو الراجح عند أصحاب الشافعي.
وأجمعت الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة من ما أو تراب، ولا فرق في ذلك بين الصلاة المفروضة والنافلة، وسجود التلاوة والشكر، وصلاة الجنازة.
وحكي عن الشَّعبي، ومحمَّد بن جرير الطبري من قولهما جوازُ صلاة الجنازة بغير طهارة، وهو مذهب باطل، والإجماع على خلافه، وعموم الحديث المذكور يدل على ذلك، فلو صلى مُحدِثًا متعمدًا بلا عذرٍ، أثم، ولا يكفر عند الشافعية وجمهور العلماء، وحكي عن أبي حنيفة: أَنَّه يكفر؛ لتلاعبه، دليل الجمهور أَن الكفرَ لا يحكم به إلا بالاعتقاد، وهذا المصلي اعتقاده صحيحٌ، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وعائشة ﵃ قالوا: قال رسول الله ﷺ : "وَيْلٌ للأعْقَابِ مِنَ النَّارِ" (١).
أَمَّا عبدُ الله بنُ عمرِو بنِ العاص: أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو نصير، قرشيٌّ سهمي، وهو وأبوه صحابيان، أسلم قبل أبيه، وأبوه أكبر منه بإحدى عشرة سَنَةً، واستدل الفقهاء بذلك على صحَّة إسلام الصبي المميز، إذ لم يكن عبدُ الله بالغًا، وإن كان بالغًا، فيدل أَنَ أقل سنِّ البلوغ في
стр. 53
الإسلام باستكمال عشر سنين، وقيل: كان أكبر منه باثنتي عشرة سنةً، وقال ابن حبَّان: ثلاث عشرة سنةً.
وكان غزيرَ العلم، مجتهدًا في العبادة، وكان كثيرَ كتابةِ العلمِ والحديث عن رسول الله ﷺ ، وهو أكثرُ أقرانه حملًا عن رسول الله ﷺ ، وأبو هريرة أكثر رواية عن رسول الله ﷺ منه، وتقدم في الحديث قبله سبب ذلك.
وكان رسول الله ﷺ يقول: "نِعْمَ أَهْلُ البَيْتِ عَبْدُ اللهِ وأَبُو عَبْدِ الله وَأُمُّ عَبْدِ الله" (١)، وهو ممِنْ حَفِظ القرآن أجمع على عهدِ رسول الله ﷺ ، وكان يقرأ كتب الأولين؛ التَّوراة والإنجيل، ومناقبه كثيرة جدًّا، وله حكم ومواعظ.
روي له عن رسول الله ﷺ سبع مئة حديث، اتفقا على سبعة عشر حديثًا، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين حديثًا؛ وروى عنه جماعة من التَّابعين، وروى له أصحاب الكتب السِّتَةِ، ومات بمكة، وقيل: بالطَّائف، وقيل: بمصر، وقيل: بالشَّام، قال أبو حاتم بن حبَّان: كان يسكن مكة، ثم خرج إلى الشَّام، وأقام بها، ومات بمصر، ويقال: مات بعجلان -قرية من قرى الشّام بالقرب من غَزَّة من بلاد فلسطين- ليالي الحرَّة- في ولاية يزيد بن معاوية، وكانت الحرة سنة ثلاث وستين، وكان له يوم مات اثنتان وسبعون سنةً، وقد قيل: مات سنة خمس وستين، ومنهم من زعم أَنَّه مات سنة تسع وستين، والأول أصحُّ، هذا آخر كلامه (٢).
стр. 54
وتقدم أبو هريرة، وسيأتي ذكر عائشةَ ﵂ إن شاء الله تعالى.
وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث يوسف بن ماهك بنحوِه عن عبد الله بن عَمرو.
قوله ﷺ : "وَيْلٌ": هو الحزن والهلاك والمشقة من العذاب (١)، ومعناه هنا: هلاك وخيبة، والأَعْقَاب: جمع عَقِب؛ وهي مؤخر القدم، وهي -مؤنثة، وتُسَكَّنُ القافُ وتُكْسَرُ- (٢)، وتخصيصه ﷺ الأَعْقَابَ بالعقاب بالنار؛ لأنَّها التي لم تغسل غالبًا، وقيل: أراد صاحب الأعقاب، فحذف المضاف؛ لأَنَّهم كانوا لا يستقصون غسلَ أرجلهم في الوضوء.
وهذا الحديث ورد على سَبب، وهو أنه ﷺ رأى قومًا وأعقابُهم تلوحُ.
الألف واللام في "الأعقاب" يحتمل أَنْ تكونَ للعهد، فيختص الذكر بتلك الأقدام المرئية التي لم يَمسَّها الماء، ويحتمل أَنْ تكونَ للجنس، فلا يختص بها، بل الأعقاب التي هذه صفتها لا تعم بالطهر، ولا يجوز أَنْ تكون للعموم المطلق في كل الأقدام ومسحها، بل يكون العموم المطلق فيها مرادًا بالتضمين بالتنبيه بالأدنى على الأعلى.
وطرق الحديث، وجمع ألفاظه يفسر بعضه بعضًا.
وقد استدل به: على أَنَّ العقب في الرِّجْل محلٌّ للتطهير بالغَسْل؛ للتوعُّد بالنَّار على تركه، عند رؤيته يلوح من غير غسل.
وقال ﷺ في بعض طرقه: "أَسْبِغُوا الوُضُوء" (٣).
وقد أخرج أبو داود وغيره، بأسانيدهم الصَّحيحة؛ من حديث عمرو بن
стр. 55
شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أن رجلًا قال: يا رسولَ الله! كيف الطَّهور؛ فدعا بماء، فغسل كفَّيه ثلاثًا، إلى أَنْ قال: ثمَّ غسل رجليه ثلاثًا، ثمَّ قال: "هَكَذَا الوُضُوُء؛ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوَ نَقَصَ، فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ" (١).
واستُدلَّ به: على أن المسح لا يجزئُ؛ لأنّه لا يقال في المسح: أسبغوا، ولا: أمرنا بإسباغه فيه، وهذا مجمَع عليه، ولم يقل به أحد من العلماء.
وقالت الشيعة: يجب مسحهما.
وقال محمَّد بن جرير الجُبَّائي (٢) -رأس المعتزلة-: يتخير بين المسح والغسل، وقال بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بين المسح والغسل، وكلها مذاهب باطلة.
وقد صنَّف الإمام أبو الفتح سليم الرَّازي ﵀ كتابًا ستَّ كراريس بخطه، قرأه عليه الخطيب البغداديُّ، وغيره من الأئمة الأعلام، سماه: "الرِّسالة المنصفة في طهارة الرِّجلين في الوضوء" على كلام الشَّريف المرتضى أبي القاسمِ عليِّ بن الحسين الموسوي، والشَّيخِ أبي محمَدٍ عبدِ الله بن محمَّدِ بنِ النُّعمان المعروفِ بابنِ المعلِّم (٣) في ذلك، واستقصى في الردِّ عليهم، وأتى فيه من الأدلة والعلوم ما يُقر به أعينَ العلماء من أهل السنة، وغيرهم، -فرحمه الله، ورضي عنه-.
وفي الحديث: وجوبُ غسل جميع الأعضاء، حتَّى لو بقي جزء لطيف من
стр. 56
عضو، لم يصحَّ وضوءه؛ لأنَّه لم يقلْ أحدٌ من العلماء بالفرق بين وضوءِ عضو ووضوء عضو في المغسول.
وفيه: وجوبُ تعليم الجاهلين، والأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع
عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْعَلْ في أَنْفِهِ، ثمَّ لينتثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَليوترْ، وَإذَا اسْتَيْقَظَ أَحدُكُمْ مِنْ نَوْمه، فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يدخلهما في الإِنَاءِ ثَلاَثًا؛ فَإنَ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ! "، وفي لفظ لمسلم: "فَلْيَسْتنشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنَ الماء"، وفي لفظ: "مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتنشِقْ" (١).
قول الرَّاوي: "أن": هو عند الإطلاق محمول على السَّماع، خصوصًا إن كان الراوي صحابيًّا، وأدرك الواقعة.
وقوله ﷺ : "فَلْيَجْعَلْ في أَنْفِهِ"، ولم يقل: ماء، فيه دليل على جواز حذف المفعول، إذا دلَّ الكلام عليه، وقد ذكر المفعول في غير هذه الرِّواية.
стр. 57
وقوله ﷺ : "ثُمَّ لْينتَثِر"، الانْتِثَارُ: هو دفع الماء للخروج من الأنف، مأخوذ من النثرة؛ وهي طرف الأنف، ومنهم من جعله جذبَ الماء إلى الأنف؛ وهو الاستنشاق، وقال: هو مشتركٌ بينهما، وهو قول ابن الأعرابي وابن قتيبة، وقال الخطابي: النُّثْرَةُ؛ هي الأنف (١)، وثبت في الصَّحيح أنّه ﷺ استنشق واستنثر، فجمع بينهما، وذلك يقتضي التغاير.
ومنهم من قال: سمَّى جذب الماء استنشاقًا بأوَّل الفعل، واستنثارًا بآخره؛ وهو استدعاء الماء بنفس الأنف للدخول والخروج.
وقال الفرَّاء: يقال: نثر الرجل، وانتثر، واستنثر؛ إذا حرَّك النثرة في الطهارة (٢).
وقوله ﷺ : "ومَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتر".
الاستجمار: مسحُ محل البول والغائط بالجِمار، وهي الأحجار، وحمله بعضهم على استعمال البَخُور للتطيُّب بالمجمر، فإنه يقال فيه: تجمَّر، واستَجْمَر، إمَّا بأَنْ يأخذَ ثلاث قطع من الطِّيب، أو يتطيَّب ثلاث مرات، واحدة بعد أخرى، والأظهر الأوَّل.
والإيتار: أنْ يكونَ الاستجمارُ بوتر، لكن هو عند الشَّافعي: لا يجوز بأقل من ثلاث، وإن حصل الإنقاء؛ لأنَّ الواجب عنده أمران: إزالة العين، واستيفاء ثلاث مسحات، فإن حصل الإنقاء بثلاث، فلا زيادة، وإن لم يحصل، وجبت الزيادة.
وهذا الحديث يدل على وجوب الإيتار، لكن بالثلاث من دليل آخر؛ وهو نهيه ﷺ أن يستنجي بأقل من ثلاث (٣).
стр. 58
وقوله: "منخريه": هو -بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة، وبكسرهما جميعًا-، لغتان معروفتان (١).
وقوله ﷺ : "فإنَّ أَحَدَكَمْ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" هو بيان لسبب الأمر بالغسل عند استيقاظه من النوم، وحكمة معناه؛ أنه لا يأمن نجاسة يده بطوافها حال نومه على بدنه، فيصادف بثرة، أو قتل قملة، أو قذرًا، أو نحو ذلك.
قال الشَّافعي وغيره من العلماء ﵏: وأهل الحجاز كانوا يستنجون بالأحجار غالبًا، وبلادهم حارَّة، فإذا نام أحدهم، عرق، فلا يأمن أَنْ تطوفَ يده على ذلك الموضع النجس، فإذا وضعها في الماء القليل، نجّسته، والماء غالبًا إِنَّما يكون في الأواني، والغالب فيها القلة (٢).
أما أحكام الحديث:
فقد تمسَّك به من قال بوجوب الاسْتِنشَاق؛ وهو مذهب أحمد، وقال مالك، والشافعي، وغيرهما بعدم الوجوب، وحملوا الأمر على الاستحباب؛ بدليل قوله ﷺ -فيما روي- للأعرابي: "تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ الله" (٣)، فأحاله على الآية، وليس فيها ذكر الاستنشاق، ولأن المأمور به حقيقة إنَّما هو الانتثار، وليس هو بواجب بالاتفاق.
وفيه دليل على وجوب الإيتار في الاستجمار، أمَّا بالثلاث، فمن دليل خارج.
واعلم أن المراد بالإيتار أَنْ يكونَ عدد المسحات ثلاثًا، أو خمسًا، أو فوق
стр. 59
ذلك مِن الأوتار؛ ومذهب الشَّافعي أنه فيما زاد على الثلاث مستحب، قال أصحاب الشَّافعي: إن حصل الإنقاء بثلاث، فلا زيادة، وإن لم يحصل، وجبت، ثمَّ إن حصل بوتر، فلا زيادة، وإن حصل بشفع؛ كأربع أو ست، استحب الإيتار.
وقال بعض أصحابنا: يجب الإيتار مطلقا؛ لظاهر هذا الحديث، وحجة الجمهور الحديث الصَّحيح في السُّنن: أَن رسول الله ﷺ قال: "مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيوترْ، مَنْ فَعَلَ، فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لا، فَلا حَرَجَ" (١) حملًا له على ما زاد على الثلاث، وجمعًا بينه وبين حديث نهيه ﷺ عن أَنْ يستنجيَ بأقل من ثلاثة أحجار (٢)، والله أعلم.
وفيه دليل على أَنَّ شرعيةَ غسل اليدين وكراهةَ غمسهما في الإناء قبل غسلهما في الوضوء ليس مختصًّا بنوم الليل، بل لا فرق فيه بين نوم اللَّيل والنَّهار؛ لإطلاقه ﷺ النومَ من غير تقييد.
وقال أحمد: يختص بنوم اللَّيل دون النَّهار؛ بقوله ﷺ : "أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ"، والمبيت لا يكون إلا باللَّيل، وقد صح أيضًا مقيدًا بالليل، فقال ﷺ : "إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ"، رواه البخاريُّ ومسلم وأبو داود (٣)، وعنه رواية أخرى: أَن كراهةَ الغمس إن كان من نومِ اللَّيل فهي للتحريم، وإن كان في النهار، فهي للتنزيه، لكنَّه محمول على الغالب، لا للتقييد، كيف وقد علَّل ﷺ بأمر يقتضي
стр. 60
الشَّك، وهو قوله ﷺ : "فَإنَّهُ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ"، فدلَّ على أن اللَّيل والنوم ليس مقصودًا بالتقييد.
وقال جماعة من العلماء: يجبُ غسلُ اليدين قبل إدخالهما الإناء في ابتداء الوضوء عند الاستيقاظ من النوم؛ أخذًا من الأمر؛ لظهوره في الوجوب.
وقال مالك والشَّافعي والجمهور: لا يجب، والأمر أمرُ ندب؛ لحديث الأعرابي، وليس فيه غسل اليدين في ابتداء الوضوء، ولأن الأمر يصرف عن الوجوب عند الإطلاق؛ لقرينة ودليل (١)، وهي هنا تعليله ﷺ بما يقتضي الشَّك في نجاسة اليد، وقواعد الشَّرع تقتضي أنَّ الشَّك لا يقتضي وجوبًا في الحكم إذا كان الأصلُ المستصحبُ على خلافه موجودًا، ولا تحصل الطهارة في اليد والماء، فليستصحب (٢)، ودليلهم على ندبيته في الوضوء مطلقًا وروده في صفة وضوء رسول الله ﷺ من غير تعرض لسبق نوم، والمعنى المعلَّل به في الحديث هو جَوَلان اليد حال اليقظة، فيعم الحكم؛ لعموم عِلَّتِه، ولو خالف وغمس يده، لم يأثمِ الغامس، ولم يفسدِ الماء؛ وحكي عن الحسن البصريِّ: أنَّه ينجُسُ الماءُ في القيام من نومِ اللَّيل، وهي رواية ضعيفة عن أحمد، ونقل عن إسحاق بن راهويه، ومحمَّد بنِ جرير الطبريِّ، وهو ضعيف جدًّا؛ لأصل الطَّهارة في الماء واليد، وعدم التنجس بالشَّك، ولا يمكن أَنْ يقال: الظاهر في اليد النجاسة.
وفيه دليل على كراهة غمس اليد في الإناء قبل غسلها ثلاثًا إذا قام من النوم، وأمَّا غير المستيقظ، فيُسْتَحبُّ له غسلُها قبل إدخالها في الإناء؛ لأَنَّ صيغة النَّهي تقتضي الكراهة على أقل الدَّرجات، ولا يلزم من الكراهة في الشَّيء الاستحباب في غيره؛ لعدم التلازم بينهما؛ بدليل عكسه في صلاة الضُّحَى؛ فإنَّ فعلَها مستحبٌّ، وتركَها غيرُ مكروهٍ، فكذلك غسلهما للمستيقظ قبل إدخالهما الإناء من المستحبات، وتركه له من المكروهات، وبذلك فرَّقَ أصحاب الشَّافعي بين المستيقظ وغيره.
стр. 61
وفيه دليل على الفرق بين ورود الماء على النجاسة، وورودها عليه، فإذا ورد عليها الماء، أزالها، وإذا وردت عليه، نجَّسته إذا كان قليلًا؛ لنهيه ﷺ عن إيرادها عليه، وأمره بإيراده عليها، وذلك يقتضي أَنَّ ملاقاةَ النجاسةِ إذا كان الماءُ واردًا عليها غيرُ مفسدٍ له، وإلَّا لَمَا حَصَلَ المقصودُ من التطْهيرِ.
وفيه دليل على أنَّ الماءَ القليلَ ينجسُ بملاقاةِ النجاسة ووقوعها فيه؛ فإنه ﷺ إذا مَنَعَ من إِدخالِ اليد فيه لاحتمالِ النجاسة، فمع تَيَقُّنِها أولى، لَكِنْ قَدْ يعترض على هذا بأنَّ مطلق التَّاثير (١) لا يلزم منه التَّأثيرُ بالتَّنْجيس، ولا يلزم من ثبوت الأعمِّ ثبوتُ الأخصِّ المعين، فثبت مطلق التَّأثير، ولم يثبت خصوص التأثير بالتنجيس.
وأورد أَنَّ الكراهةَ ثابتةٌ عند التوهُّم، فلا يلزم أَنْ يكونَ أثر اليقين هو الكراهة.
وأُجِيبَ بأنه يثبتُ عند اليقين زيادة في رتبة الكراهة -والله أعلم-.
وفيه دليل على كراهة غمس اليدين في الإناء قبل غسلهما ثلاثا، سواء كان ما في الإناء ماءً قليلًا، أو طعامًا، أو غيره من الأشياء الرَّطبة.
وفيه دليل على استحباب التَّثليث في غسل النجاسة؛ لأنه إذا أمر به في المتوهَّمة، ففي المحقَّقة أولى.
وفيه دليل على رد ما يقوله أحمد أَن الغسل سبعًا عام في جميع النَّجاسات؛ لتنصيصه ﷺ على التثليث، والتَّسبيعُ خاصٌّ في ولوغِ الكلب.
وفيه دليل على أنَّ النَّجاسة المتوهَّمة يُستحبُّ الغسلُ فيها دون الرَّشِّ؛ للأمر بالغسل دون الرَّش؛ فإنه في بولِ الرَّضيع الَّذي لم يَطعمْ، وفي اللِّباس ونحوه إذا توسوس فيه.
وفيه دليل على استحباب استعمال ألفاظ الكنايات فيما يُتحاشى من ذكره؛ فإنه ﷺ قال: "فَإِنَّهُ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ"، ولم يقلْ: فلعلَه وقَعَتْ يَدُه على دُبُرِه، أو ذَكَره، أو نجاسةٍ، أو نحو ذلك.
стр. 62
وفيه دليل على العفو عن أثرِ النَّجَاسة في محلِّها، وإذا انتقل منه لم يعْفَ عنه، وهذا كله إذا شكَّ في نجاسة يده، فلو تيقنَ طهارتها بطريقة، وأرادَ غمسها قبل غسلها، فقد قال جماعة من أصحاب الشَّافعي: حكمه حكم الشَّك؛ لأن أسباب النجاسة قد تخفى في حق معظم النَّاس، فيجري عليه حكمه؛ لئلا يتساهل فيه من لا يعرف، والأصح الذي عليه جمهورهم أنه لا يكره، بل هو بالخيار بين الغمس أولًا والغسل؛ لأن النبي ﷺ ذكر النوم ونبَّه على العِلَّة، وهو الشَّك، فإذا انتفت العِلَّة، انتفت الكراهة.
ولو كان النهى عامًّا، لقال: إذا أرادَ أحدُكم استعمالَ الماءِ، فلا يغمسْ يدَه حتى يغسلها، وكان أعمَّ وأحسن -والله أعلم-.
وفي الحديث دليل على استحباب الأخذ بالاحتياط في العبادات وغيرها عند الاشتباه والشَّك ما لم يخرجْ إلى حد الوسوسة -والله أعلم-.
* * *
الحديث الخامس
عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يبولَنَّ أَحَدُكُمْ في المَاء الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِي، ثم يَغْتَسِل مِنْهُ" (١)، ولمسلم: "لا يَغْتَسِلْ أحَدُكمْ في المَاء الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ" (٢).
الماء الدائم: هو الرَّاكد، ويؤكده قوله ﷺ : "الذي لا يَجْرِي"، ويوضح معناه، ويحتمل أنه ذكرَه للاحترازِ من المياه التي يجري بعضها دون بعض؛ كالبركة، ونحوها.
وقوله ﷺ : "ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْه" الرواية: "يغتسلُ" بالرَّفع؛ أي: هو يغتسلُ منه؛
стр. 63
أي: شأنه الاغتسال منه، ومعناه: النهي عن البول فيه، سواء أراد الاغتسال منه، أو لا. وقيل: يجوز جزمه على النهي، ونصبُه على تقدير أَنْ، أو تكون ثمَّ بمعنى الواو للجمع؛ كقوله: لا تأكل السمكَ وتشرب اللبنَ؛ أي: لا تجمعْ بينهما، وهو فاسد المعنى هنا؛ فإنه يقتضي النَّهي عن الجمع بين البول وإرادة الاغتسال، أو نفس الاغتسال، وليس ذلك مرادًا بالإجماع، بل البول في الماء الراكد منهي عنه على إفراده، والاغتسال فيه منهي عنه على انفراده، سواء كان كثيرًا أو قليلًا، وقد رواهما أبو داود وابن ماجه بإسناد صحيح، ولفظه: "لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في المَاءِ الدَّائِمِ، ولا يغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الجَنَابة" (١)، لَكِنْ إِنْ كان كثيرًا، كان نهيَ تنزيه في الغسل، ونهيَ تحريم في البول؛ لما يلزم منه من تقذيره أو إفساده.
ووقع هنا "يغتسل منه" بالميم، وهي رواية مسلم، ورواية البخاريُّ "فيه" بالفاء، ومعناهما مختلف يفيد كل واحدٍ منهما حكمًا بطريق النَّص، ولو لمْ يَرِدْ، لاستوى الحكم فيه بالنسبة إلى الوضوء والغسل، وهو مختلف فيهما، فيجوزان بالأخذ من الماء الدَّائم واستعماله خارجًا عنه دون التوضؤ والاغتسال فيه نفسه لفهم المعنى المقصود، وهو التنزه عن التقرب إلى الله تعالى بالمستقذرات، ولهذا استوى المعنى في الوضوء والغسل، وقد ورد النهي عن الوضوء في بعض الروايات مصرَّحا به -والله أعلم-.
وسُمِّي الجنب؛ لبعده عن المسجد والقرآن؛ ولمَّا بَعُدَ عنهما، أُمر بالإبعاد عن الماء الدَّائم؛ لئلا يقذره كما يقذره البول، ويقال للرَّجل: جنب، وللمرأة، وللاثنين، والجمع، كله بلفظ واحد، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ [المائدة: ٦].
وأما حكم البول في الماء الراكد، فمقتضاه النهيُّ فيه للتَّحريم مطلقًا، وبه
стр. 64
استدلَّ أبوحنيفة على تنجيس الغدير ائَذي يتحرك طرفُه بتحرك الطَّرف الآخر؛ بوقوع النجاسة فيه، فإِن الصيغة صيغةُ عموم، وهو عند الشَّافعية وغيرهم محمول على ما دونَ القلَّتين، وعدم تنجيس القلَّتين فما زاد إلا بالتغير مأخوذ من حديث القلَّتين؛ جمعًا بين الحديثين؛ فحديث القلَّتين خاص، وهذا الحديث مقتضاه العموم، والخاص مقدَّم على العام.
ولأحمد ﵀ طريقة أخرى، وهي الفرق بين بول الآدمي وما في معناه من العذرة المائعة وغير ذلك من النجاسات، فأمَّا بول الآدمي وما في معناه، فينجِّس الماءَ، وإن كان أكثر من قلَّتين، وأمَّا غيرُه من النجاسات، فيعتبر فيه القلَّتان، وكأنه رأى [أن] الخبث المذكور في حديث القلَّتين عامٌّ بالنسبة إلى الأنجاس، وهذا الحديث خاص بالنِّسبة إلى بول الآدمي، فقدَّم الخاصَّ على العام بالنسبة إلى النجاسات الواقعة في الماء الكثير، ويخرج بولُ الصَّبِيِّ (١) وما في معناه من جملة النجاسات الواقعة في القلَّتين؛ لخصوصه، فينجس الماء دون غيره من النَّجاسات، ويلحق بالبول المنصوص عليه ما يُعْلَمُ أنه في معناه.
ومالك ﵀ حمل النَّهيَ على الكراهة للتَّنزيه مطلقًا؛ لاعتقاده أَن الماءَ لا يَنْجُسُ إلا بالتغير بالنجاسة، فخرج بالحديث عن الظَّاهر عند الكل بالتخصيص أو التقييد؛ للإجماع على أن الماء الكثيرَ المستبحِرَ لا تؤثر فيه النجاسة، وأنه إذا غيرته النجاسةُ (٢)، ولو كان يسيرًا، امتنع استعماله:
فللحنفية أن يقولوا: خرج عن المستبحر الكثير بالإجماع، فيبقى فيما عداه على حكم النص، فيدخل تحته ما زاد على القلَّتين.
وللشافعية أَنْ يقولوا بقولِ أبي حنيفة: في خروج المستبحر للإجماع، ويخرج القلَّتان فيما زاد بمقتضى حديث القلَّتين، فيبقى فيما عداه، وما نقص عن القلَّتين داخلًا تحت مقتضى الحديث.
стр. 65
وللحنابلة أَنْ يقولوا: خرج ما ذكرتموه، وما دون القلَّتين داخل تحت نصِّ الحديث، وما زاد على القلَّتين عام في الأنجاس، فتخصَّصَ ببول الآدمي.
ولمخالفهم أَنْ يقولَ: معلوم جزمًا أَنَّ النهي إنَّما هو لمعنى النَّجاسة، وعدم التَّقرب إلى الله تعالى بما خالطها، وهذا المعنى يستوي فيه سائر الأنجاس، ولا يتجه فرق بين بول الآدمي وغيره في هذا المعنى، ولا يقال: إن بولَ الآدمي أشد استقذارًا من غيره من سائر النَّجاسات، فيكون أوقعَ وأنسبَ في المنع؛ فإنه ليس كذلك، بل قد يساوي غيره، أو يَرجح عليه غيره في الاستقذار والنفرة منه، فلا يبقى لتخصيصه معنًى في المنع دون غيره، فحينئذٍ يحمل الحديث على أنَّه وردَ من باب التنبيه على ما يشاركه في معناه من الاستقذار، وإذا وضح المعنى، شمل الكل، والجمود على خلافه ظاهرية محضة.
وللمالكية أَنْ يقولوا: وجبَ إعمال الحديث فيما يمكن إعماله فيه من كراهة التنزيه في القليل والكثير مع وجود الإجماع على تحريم الاغتسال بعد تغير الماء بالبول، وذلك يلتفت إلى مسألة أصولية، وهي جواز حمل اللَّفظ الواحد على معنيين مختلفين، فإذا جعلنا النَّهي للتحريم، كان استعماله في كراهة التَّحريم والتنزيه، من باب استعمال اللَّفظ الواحد في حقيقته ومجازه، والأكثرون على منعه، والشَّافعي وغيره يقولون بجوازه.
وقد يقال: حالة التغير مأخوذة من غير هذا اللَّفظ، فلا يلزم استعمال اللَّفظ في معنيين مختلفين، وهو متجه، إلَّا أَنَّه يلزم منه التَّخصيص في الحديث.
وقد استدلَّ بعض العلماء برواية مسلم المذكورة على خروج الماء المستعمل عن التطهير به؛ إما لنجاسته كما نقل عن أبي حنيفة ﵀، ونقل عنه الرجوع عن ذلك، وإما لعدم طهوريته، قال: لأنَّ النَّهيَ واردٌ على مجرد الغسل، وهو قوله ﷺ : "لا يَغْتَسِلْ الحديث"، فدل على وقوع المفسدة بمجرده، ولا بدَّ في الحديث من التَّخصيص بحديث القلَّتين على مذهب الشَّافعي، أو المستبحر على مذهب أبي حنيفة؛ فإن الاستعمالَ لا يؤثر فيه.
стр. 66
ومالك ﵀ يرى الماءَ المستعملَ طهورًا، قل أو كثر، فحمل النَّهي على الكراهة كما تقدم، قال: لأَن الماءَ بعد استعماله باقٍ غير مختص بالتَّطهير، والحديث عام في النهي، وإذا حمل على كراهة التنزيه، كانت المفسدةُ عامةً؛ لأَنه لا يستقذر بعد الاغتسال فيه باستعماله في طهارة أو غيرها، فيستمر النَّهيُ، إلَّا أنَّ فيه حملَ النَّهي على المجاز، والأصل الحقيقة، وهو التَّحريم، فلا يظهر وجه الدَّلالة. وقد (١) تمسكت الظاهرية به في تخصيص النَّهي عن البول في الماء، حتى لو بالَ في كوزٍ وصبَّه في الماء، أو بالَ خارجَ الماءِ فجرى إليه، لم يضرَّ عندهم، وكذا قالوا في التغوُّطِ فيه: إِنه لا يضر، وكذا سائر النَّجاسات إذا وقعت فيه، وهو خلاف الإجماع، وأقبح ما نقل عنهم في الجمود؛ إذ العلم القطعي حاصل ببطلانه؛ لاستواء الحكم في الحصول في الماء على ما تقدم، وليس ذلك من مجال الظنون، بل هو مقطوع به، هذا ما يتعلق بالكلام على هذا الحديث، ومذاهب العلماء وتعلقهم بأحكامه وفوائده.
وقد جعل أصحاب الشَّافعي ﵏ النّهي في هذا الحديث على اختلاف حالين؛ باعتبار قلَّة الماء وكثرته، وتغيُّره وعدم تغيُّره، فإن كان قليلًا، فهو للتحريم، تغير أم لمْ يتغيّر، جاريًا كان أو غيره، وحكى بعضهم فيه وجهًا: أَنَّه يُكْرَهُ إذا لمْ يتغيَّرْ، وإن كان كثيرًا وتغير فهو للتَّحريم، جاريًا كان أو غيره، وإن لم يتغيّر، كره، ولا يحرم، وإن كان راكدًا، ولو قيل: يحرم، لم يكن بعيدًا؛ لعموم النهي، وحمله على التَّحريم على المختار عند المحقِّقين من أصحاب الأصول، قال الشَّافعي ﵀ في "البويطي": أكره للجنب أَنْ يغتسلَ في البئر، مَعِينَةً كانت أو دائمة، وفي الماء الرَّاكد، وسواء قليل الرَّاكد وكثيره، أكره الاغتسال فيه (٢).
وقال العلماء: يُكْرَهُ البولُ والتغوُّط بقرب الماء، وإِنْ لمْ يصلْ إليه؛ لعموم
стр. 67
نهيه ﷺ عن البراز في الموارد، ولما فيه من إيذاء المارِّين بالماء، ولما يخاف من وصوله إليه.
وأمَّا انغماس مَنْ لم يستنجِ في الماء للاستنجاء، فإنْ كان قليلًا، فهو حرام، وإن كان كثيرًا جاريًا لا ينجس بوقوع النَّجاسة، فلا بأس به، وإِنْ كان راكدًا، فليس بحرام، ولا تظهَرُ كراهته؛ لأنه ليس في معنى البول، ولا يقاربه، ولو تركه، فهو حسن.
وفي الحديث دليل على أن حكمَ الجاري مخالف لحكم الرَّاكد؛ لأنَّ الشَّيء إذا ذكر بأخص أوصافه، كان حكمُ ما عداه بخلافه، والمعنى فيه أَنَّ الجاري إذا خالطه النَّجس، دفعه الجزء الثاني الَّذي يتلوه منه، فيغلبه، فيصير في معنى المستهلك الَّذي لمْ يخالِطْهُ النَّجس، والماء الرَّاكدُ القليلُ لا يدفع النَّجس عن نفسه إذا خالطه، لكن يداخله، فمهما أرادَ استعمالَ شيءٍ منه، كان النَّجس فيه قائمًا، والماء في حدِّ القلَّة، فكان محرمًا، -والله أعلم-.
وأما حكم الماء الَّذي انغمس فيه الجنب بعد انفصاله منه، فإن كان قلَّتين فصاعدًا، لم يصرْ مستعملًا، سواء اغتسل فيه واحدٌ متكررًا، أو جماعات في أوقات؛ وإن كان دون قلَّتين، فإِن انغمس فيه بغير نيَّة، ثمَّ لمَّا صار تحته، نوى، ارتفعت جنابته، وصار مستعملًا، وإنْ نزلَ فيه إلى ركبتيه مثلًا، ثم نوى قبل انغماس باقيه، صار الماءُ في الحال مستعملًا بالنِّسبة إلى غيره، وارتفعت الجنابة عن ذلك القدر المنغمس، بلا خلاف، وارتفعت -أيضًا- عن الباقي إذا تمَّم انغماسه على المذهب الصحيح المنصوص في مذهب الشَّافعي.
وقال بعض الشَّافعية: لا يرتفع عن باقيه، هذا إذا تمَّم انغماسه من غير انفصال، فلو انفصل ثُمَّ عاد إليه، لم يجزئْه ما يغسله به بعد ذلك، بلا خلاف، ولو انغمس رجلان تحت الماء النَّاقص عن قلَّتين إِنْ تصورتم [أنهما] نويا دفعة واحدة، ارتفعت جنابتهما، وصار الماء مستعملًا، فإن نوى أحدهما قبل الآخر، ارتفعت جنابة النَّاوي، وصار الماء مستعملًا بالنسبة إلى رفيقه، فلا ترتفع جنابته
стр. 68
على المذهب الصَّحيح المشهور، وفيه وجهٌ شاذٌّ أَنَّها ترتفع، وإن نزلا فيه إلى ركبتيهما، فنويا، ارتفعت جنابتهما عن ذلك القدر، وصار مستعملًا، فلا يرتفع عن باقيهما، إلَّا على الوجه الشَّاذ، هذا تفصيل مذهب الشَّافعي في ذلك - والله أعلم - (١).
* * *
الحديث السادس
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا" (٢)، ولمسلم: "أُولاهُنَّ بالترابِ" (٣).
وله في حديث عبد اللَّه بن مُغَفَّلٍ ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ في الإِنَاءِ، فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا، وعَفِّرُوهُ الثامِنةَ بالتُّرابِ" (٤).
أمَّا أبو هريرة، فتقدَّم في الحديث الثاني.
وأمَّا عبد الله بن مُغَفَّل، فكنيته أبو سعيد، وقيل: أبو عبد الرَّحمن، وقيل: أبو زياد، وأبوه مُغَفَّل صحابي -أيضًا-، ويقال: المُغَفَّل: بالألف واللام، ذكره مسلم في "صحيحه"، فيقال: ﵄ عند قراءتهما وكتابتهما، وهو بضم الميم وفتح الغين المعجمة وفتح الفاء المشدَّدة، ثم لام، ويشتبه بمُعْفِل -بضم الميم وسكون العين وكسر الفاء مخففة - والد هبيب الصَّحابي الغِفَاري، وبمَعْقِل -بفتح الميم وسكون العين المهملة وبالقاف المكسورة- جماعة من الصَّحابة ﵃، وبمُعَقَّل -بضم الميم وفتح العين المهملة وبالقاف
стр. 69
المفتوحة المشدَّدة -والد عبد الله بن المعقَّل مذكور في "نسب تنوخ" لمحسِّن بن علي التَّنوخي.
وولد لعبد الله بن مغفَّل: زيادٌ، ومغفلٌ، وحسَّانُ.
قال ابن عبد البرَّ: وكان له سبعة أولاد، وهو عبد الله بن مغفل بن عبد نُهْم -بضم النُّون -، ويقال: عبد عَنْم -بفتح العين وسكون النون-، ابن عفيف بن أسيحم بن ربيعة بن عديِّ بن عوف بن ذُوَيد -بضمِّ الذال المعجمة وفتح الواو وسكون الياء المثناة تحت ثُمَّ دال مهملة- بن سعد بن عداء بن عمرو بن عثمان المزني، من مزينة مضر، بايع رسول الله ﷺ تحت الشَّجرة، وقال: إنِّي لَمَنْ رفع أغصانَ الشَّجرة عن رسول الله ﷺ وهو يخطب (١).
قال الحسن -وهو أروى النَّاس عنه-: كان عبد الله بن مغفل أحدَ العشرة الذين بعثهم عمر إلينا يفقَهون النَّاس، وكان من نقباء أصحابه، وكان سكن المدينة، ثم تحوَّل إلى البصرة، وابْتَنَى بها دارًا قرب المسجد الجامع.
وقال معاوية بن قرة: أول من دخل باب مدينة "تستر" عبد الله بن مغفل المزني، يعني: يوم فتحها.
روي له عن رسول الله ﷺ ثلاثة وأربعون حديثًا، اتفقا منها على أربعة، وانفرد البخاريُّ بحديثٍ، ومسلم بآخر، روى عنه جماعة من التابعين، وروى له البخاريُّ ومسلم وأبو داود، والتّرمذي والنَّسائي، وابن ماجه، ومات بالبصرة سنة ستّين، وقيل: إحدى وستِّين، وقيل: تسع وخمسين، في آخر خلافة معاوية، في ولاية عبيد الله بن زياد، وأمر ألا يصلي عليه ابن زياد، وأمر ابن زياد بأن يصلّي عليه أبو برزة الأسلمي، وصلَّى عليه، وقيل: صلَّى عليه عابد بن عمرو - والله أعلم - (٢).
стр. 70
أما لفظه:
فقوله: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ في الإِنَاءِ" وَلَغَ -بفتح اللام- يَلَغُ -بفتحها أيضًا-، وحكى ابنُ الأعرابي كسرها في الماضي، ومصدرهما وَلغْ، ووُلوغ، وأولغه صاحبُه، وهو أن يُدخل لسانَه في المائع فيحرِّكَه، ولا يقال: ولغ بشيء من جوارحه غيرِ اللِّسان، والولوغ للكلب وسائر السِّباع، ولا يكون لشيء من الطَّير إلا الذباب (١).
وقال الجوهريُّ: قال أبو زيد: وَلغَ الكلبُ بشرابِنا، وفي شرابنا، ومن شرابنا (٢).
وقوله ﷺ : "وَعَفِّرُوهُ الثامِنةَ بِالتراب"، التعفير: التمريغ، ومعناه: مرِّغوه بالتُّراب (٣)، وقال صاحب "المطالع" (٤): عفِّروه: اغسلوه بالتراب؛ أي: مع الماء (٥)، ويقال منه: عَفَره -مخفف الفاء - يعفِرُه عَفْرًا، وعَفَّرَهُ تعفيرًا؛ أي: مرَّغه، والتراب معروف؛ وهو اسمُ جنس لا يثنى ولا يجمع، وقال المبرد: هو جمع واحدته ترابة، وله خمسة عشر اسمًا ذكرها ابن النَّحاس لا حاجة إلى ذكرها هنا (٦).
стр. 71
أما أحكامه:
ففيه الأمر بغسل ما شرب منه الكلب أو ولغ، وهو ظاهر في تنجيس الإناء المولوغ فيه، سواء كان طعامًا مائعًا، أو غيره من المائعات.
وأقوى من هذا الحديث في الدَّلالة رواية مسلم في "صحيحه": أن رسول الله ﷺ قال: "طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فيهِ الْكَلْبُ أَنْ يُغْسَلَ سَبْعًا" (١)؛ لأن لفظة "طهور" معناها: مطهر، والمطهر إمَّا أَنْ يطهِّر الحدث، أو النَّجس، ولا حدث في الإناء وما فيه، ضرورةً، فتعين النَّجس، وهو مذهب الشَّافعي وجمهور العلماء.
وقال بعضهم: المراد: الطهارة اللُّغوية، وهي التنزه عما يُستقذر عادةً لا حكما، ورُدَّ عليه بأَنَّ حملَ اللَّفظ على الحقيقة الشَّرعية مقدَّم على اللُّغويَّة والعرفيَّة، كيف ولا تعارض يقتضيهما؟
وحمل مالك ﵀ هذا الأمر على التَّعبُّد؛ لاعتقاده طهارة الماء والإناء، وربما رجَّحه أصحابه بذكر هذا العدد المخصوص، وهو السَّبع؛ لأَنَّه لو كان للنَّجاسة، لاكتفى بما دون الشَّبع؛ فإنَّه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة، وقد اكتفي فيها بما دون السبع، والحمل على التَّنجيس أولى؛ لأنه متى دار الحكم بين التَّعبد وبين كونه معقولَ المعنى، كان حكمه على معقول المعنى أولى؛ لندرة التَّعبد في الأحكام المعقولة المعنى، وكونُه ليسَ بأغلظ من نجاسة العذرة ممنوعٌ عند القائل بنجاسته، وليس بأقذر منها، والتغليظ لا يتوقف على زيادة الاستقذار، لكن إذا كان أصل المعنى معقولًا، تعين القول به، وإذا وقع في التَّفاصيل ما لا يعقل، اتُّبع في التَّفصيل، ولا ينقض له التأصيل، ولو لم تظهرْ زيادةُ التغليظ في نجاسته، لاقتصر على التَّعبد بالعدد، ورجع في أصل المعنى على معقوليته، وإذا ثبت أن الأمرَ بغسله سبعًا للنجاسة، استدل به على نجاسة عين الكلب، إمَّا لنجاسة لعابه المتصل بفمه؛ لكونه جزءًا منه، وفمُه أشرف
стр. 72
ما فيه، وهو نجس، فكله نجس، أو لكون اللُّعاب نجسًا، وهو عَرَقُ الفم، فعرقه كله نجس، وهو متحلب من البدن، فجميعه نجس.
فتبين من الحديث الدَّلالة على نجاسته فيما يتعلق بالفم، وفي باقي البدن بالاستنباط، وفيه بحث، وهو أن يقال: إنما دلَّ الدَّليل على نجاسة الإناء بسبب الولوغ، وذلك قدر مشترك بين نجاسة عين اللُّعاب والفم، أو تنجسهما باستعمال النَّجاسة غالبًا، والدَّال على المشترك لا يدل على أحد الخاصين، فلا يدل على نجاسة عين الفم أو اللُّعاب، فلا تتم الدَّلالة على نجاسة عين الكلب.
واعترض على ذلك بأَنَّه لو [كانت] العلَّة تنْجيسَ أحدهما، لزمَ أحدُ أمرين: إِمَّا تخصيص العموم، أو ثبوت الحكم بدون علَّته؛ لأنَّه لو فرض تطهير فمه بماءٍ كثيرٍ، أو بأيِّ وجه، فولغ في الإناء، فإمَّا أَنْ يجبَ غسلُه أولًا، أو لا، فَإِنْ لم يجبْ، لزم تخصيصُ العموم، أو ثبوتُ الحكم بدون علَّته، وكلاهما خلاف الأصل. وأجيب عنه بأن الحكم منوطٌ بالغالب، والمذكور من الصُّور نادر، فلا يلتفت إليه، وهذا كلُّه يقوَّي أَنَّ الغسل وتغليظه لأجل قذارته، وهي النجاسة.
وقد استدل على نجاسة الكلب -أيضًا- بأن المولوغ فيه قد أمرنا بإراقته؛ ففي "صحيح مسلم" مرفوعًا: "أَنَّهُ إِذَا وَلَغَهُ، فَلْيُرِقْهُ، وَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا" (١)، ولو كان طاهرًا، لم يأمر بإراقته، فدلّ على نجاسته؛ لنجاسة الكلب، مع نهيه ﷺ عن إضاعة المال.
وإذا ثبت نجاسة الكلب، فهو عام في كل كلب؛ لعموم اللَّفظ، وهو مذهب جمهور العلماء، سواء كان مما يجوز اقتناؤه، وسواء كلب البدوي والحضري.
وفي مذهب مالك أقوال:
أحدها: كمذهب الجمهور في نجاسته.
стр. 73
والثَّاني: طهارته، وإليه ذهب بعض أهل الطاهر، وقالوا: غسله تعبد. وتقدم فساده.
والثالث: طهارة المأذون في اتِّخاذه دون غيره.
وهذه الأقوال الثَّلاثة عن مالك.
وحكى الخطابي عنه قولًا رابعًا: أنَّه إذا لم يجدْ ماءً غيره، توضأ به، وبه قال الثوري، لكن قال: ثُمَّ يتيمَّم بعده.
وقال عبد الملك بن الماجشون المالكي: كلبُ البدوي غيرُ نجس، وكلب الحضري نجس.
والأظهر العموم؛ لأنَّ الألف واللام إذا لم يقمْ دليل على صرفها إلى المعهود المعين، فهي للعموم، ومَنْ يرى الخصوصَ يَصْرِفهُ عنه بقرينة أنهم نُهوا عن اتخاذ الكلاب إلا لوجوه مخصوصة، والأمر بالغسل مع المخالطة عقوبة يناسبها الاختصاص بمن ارتكب النَّهي في اتخاذ ما منع من اتخاذه، فإيجاب الغسل مع المخالطة عسر وحرج، ولا يناسبه الإذن والإباحة في الاتخاذ، وهذا يتوقف على وجود القرينة عند الأمر بالغسل.
وفيه دليل على عموم الإناء، والأمر بغسله للنَّجاسة، وذلك بتنجيس ما فيه، فيقتضي المنع من استعماله.
وفي مذهب مالك قول أَن ذلك يختصُّ بالماء دون الطعام، وقد ورد الأمر بالإراقة مطلقا في الرِّوايات الصَّحيحة، وظاهره للوجوب.
وفي مذهب مالك قول للنَّدب، وكأنَّه لما اعتقد طهارة الكلب بالدَّليل الَّذي دلَّه عليه، جعله صارفًا له من الوجوب إلى النَّدب، والأمر قد يصرف عن ظاهره بدليل.
واتفق أصحابُ الشَّافعي على الأمر بالإراقة، لكن اختلفوا، هل هي واجبة لعينها فتجب على الفور، أم لا تجب الإراقةُ إلا إذا أراد استعمال الإناء؟.
стр. 74
حكى الأول الماوردي في "الحاوي" (١)، ويحتجُّ له بمطلق الأول، وهو يقتضي الوجوب على المختار، وهو قول أكثر الفقهاء.
وبالثاني قال أكثر أصحاب الشَّافعي، لكنهم قالوا: الإراقة مستحبة، لكن إذا أراد استعمال الإناء، أراقه، واحتجُّوا بالقياس على سائر النَّجاسات؛ فإنه لا تجب إراقتها، بلا خلاف، ويمكن أَنْ يُجَابَ عن ذلك بأَنَ المرادَ في الولوغ الرجرُ والتغليظُ والمبالغةُ في التَّنفير عن الكلاب.
وفي الحديث دليل نصًّا (٢) على اعتبار السَّبع في عدد الغسلات، وهو مذهب الشَّافعي، ومالك، وأحمد، والجماهير (٣)، وفيه ردٌّ على أبي حنيفة ﵀ في قوله: تغسل ثلاثًا، وكأنَّه لم يبلغْه هذا الحديث.
ونقل بعض العلماء عن أبي حنيفة وأصحابه: أنه يغسل حتى يغلب على الظن طهارتُه، والعدد لا يعتبر.
وفيه دليل على وجوب التَّعفير بالتراب، وبه قال الشَّافعي وأصحاب الحديث.
وليست في رواية مالك هذه الزيادةُ من ذكر التراب، فلم يقل بها، لكنَّ الزيادة من الثِّقة مقبولة، وهي رواية الشَّافعي والجمهور من المحدّثين، وقالوا بها، ومعلوم أن التراب إنَّما ضُمَّ إلى الماء استظهارًا في التطهير، وتوكيدًا له؛ لغلظ نجاسة الكلب؛ فقد عُقل أن الأُشنان وما أشبهه من الأشياء التي فيها قوَّة الجِلاء والتطهير بمنزلة التراب في الجواز، وذكر أصحاب الشَّافعي ﵏ في الجصِّ والصَّابون والأُشنان بدلَ التراب ثلاثةَ أقوال:
أظهرها: لا يقوم مقامه؛ لظاهر الخبر، ولأنها طهارة متعلقة بالتراب، فلا يقوم غيره مقامه؛ كالتيمم.
стр. 75
والثَّاني: يقوم مقامه؛ كالدِّباغ يقوم غَيْرُ الشَّبِّ والقُرظِ مقامَهما، وكالاستنجاء يقوم فيه غيرُ الحجارة مقامَها.
والثالث: إِنْ وجدَ الترابَ، لم يَعْدِلْ إلى غيره، وإِنْ لم يجدْه، جازَ العدول إلى غيره للضرورة، وإن كان يقوم مقامه.
ومن أصحاب الشَّافعي مَنْ قالَ: يجوز إقامة غير التُّراب مقام التراب فيما يفسد باستعماله؛ كالثِّياب، فلا يجوز فيما لا يفسد؛ كالأواني.
وهذه المسألة مبنيَّة على أصل، وهو أَن التعفير لماذا رُوعي؟ اختلف أصحاب الشَّافعي فيه على أوجه:
أحدها: للتعبد يتبع فيه النقل، وقيل: للاستطهار بغير الماء، وقيل: للجمع بين نوعي الطهور: الماء والتُّراب، فعلى الأوَّل والثالث: لا يكفي استعمال غير التُّراب، ولا الغسلة الثامنة، ولا التُّراب النَّجس، ولا المزج بسائر النجاسات المائعات، وعلى الثاني: يجوز؛ لأَنَّه قد استطهر، وهذا كله معانٍ مستنبطة ليس فيها سوى مجرد مناسبة ليست بأمرٍ قويٍّ، فإذا دخلها الاحتمال، رجع إلى النصِّ، وأيضًا -فالمعنى المستنبط إذا عاد على النَّص بإبطالٍ أو تخصيصٍ، مردودٌ عند جميع الأصوليين - والله أعلم -.
وفيه دليل على أَن غسلة التتريب تحصل بالأولى، وهي أولى عند الشَّافعي، قال أصحابه: يُستحب أَنْ يكونَ التُّراب في غير الأخيرة لنأتي عليه بما ينظفه (١)، والأفضل أَنْ يكونَ في الأولى، ويحصل -أيضًا- بكلِّ مرَّة من المرَّات؛ لأن الرِّوايات ثبتت بذلك، ففي بعضها: "أولاهن"؛ كما ذكره "المصنف"، وفي بعضها "أُخراهنَّ" وفي بعضها: "إحداهن" (٢)، ويرجح جعله في الأولى؛ بأنه إذا