أما أحكامه:
ففيه الأمر بغسل ما شرب منه الكلب أو ولغ، وهو ظاهر في تنجيس الإناء المولوغ فيه، سواء كان طعامًا مائعًا، أو غيره من المائعات.
وأقوى من هذا الحديث في الدَّلالة رواية مسلم في "صحيحه": أن رسول الله ﷺ قال: "طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فيهِ الْكَلْبُ أَنْ يُغْسَلَ سَبْعًا" (١)؛ لأن لفظة "طهور" معناها: مطهر، والمطهر إمَّا أَنْ يطهِّر الحدث، أو النَّجس، ولا حدث في الإناء وما فيه، ضرورةً، فتعين النَّجس، وهو مذهب الشَّافعي وجمهور العلماء.
وقال بعضهم: المراد: الطهارة اللُّغوية، وهي التنزه عما يُستقذر عادةً لا حكما، ورُدَّ عليه بأَنَّ حملَ اللَّفظ على الحقيقة الشَّرعية مقدَّم على اللُّغويَّة والعرفيَّة، كيف ولا تعارض يقتضيهما؟
وحمل مالك ﵀ هذا الأمر على التَّعبُّد؛ لاعتقاده طهارة الماء والإناء، وربما رجَّحه أصحابه بذكر هذا العدد المخصوص، وهو السَّبع؛ لأَنَّه لو كان للنَّجاسة، لاكتفى بما دون الشَّبع؛ فإنَّه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة، وقد اكتفي فيها بما دون السبع، والحمل على التَّنجيس أولى؛ لأنه متى دار الحكم بين التَّعبد وبين كونه معقولَ المعنى، كان حكمه على معقول المعنى أولى؛ لندرة التَّعبد في الأحكام المعقولة المعنى، وكونُه ليسَ بأغلظ من نجاسة العذرة ممنوعٌ عند القائل بنجاسته، وليس بأقذر منها، والتغليظ لا يتوقف على زيادة الاستقذار، لكن إذا كان أصل المعنى معقولًا، تعين القول به، وإذا وقع في التَّفاصيل ما لا يعقل، اتُّبع في التَّفصيل، ولا ينقض له التأصيل، ولو لم تظهرْ زيادةُ التغليظ في نجاسته، لاقتصر على التَّعبد بالعدد، ورجع في أصل المعنى على معقوليته، وإذا ثبت أن الأمرَ بغسله سبعًا للنجاسة، استدل به على نجاسة عين الكلب، إمَّا لنجاسة لعابه المتصل بفمه؛ لكونه جزءًا منه، وفمُه أشرف
стр. 72
ما فيه، وهو نجس، فكله نجس، أو لكون اللُّعاب نجسًا، وهو عَرَقُ الفم، فعرقه كله نجس، وهو متحلب من البدن، فجميعه نجس.
فتبين من الحديث الدَّلالة على نجاسته فيما يتعلق بالفم، وفي باقي البدن بالاستنباط، وفيه بحث، وهو أن يقال: إنما دلَّ الدَّليل على نجاسة الإناء بسبب الولوغ، وذلك قدر مشترك بين نجاسة عين اللُّعاب والفم، أو تنجسهما باستعمال النَّجاسة غالبًا، والدَّال على المشترك لا يدل على أحد الخاصين، فلا يدل على نجاسة عين الفم أو اللُّعاب، فلا تتم الدَّلالة على نجاسة عين الكلب.
واعترض على ذلك بأَنَّه لو [كانت] العلَّة تنْجيسَ أحدهما، لزمَ أحدُ أمرين: إِمَّا تخصيص العموم، أو ثبوت الحكم بدون علَّته؛ لأنَّه لو فرض تطهير فمه بماءٍ كثيرٍ، أو بأيِّ وجه، فولغ في الإناء، فإمَّا أَنْ يجبَ غسلُه أولًا، أو لا، فَإِنْ لم يجبْ، لزم تخصيصُ العموم، أو ثبوتُ الحكم بدون علَّته، وكلاهما خلاف الأصل. وأجيب عنه بأن الحكم منوطٌ بالغالب، والمذكور من الصُّور نادر، فلا يلتفت إليه، وهذا كلُّه يقوَّي أَنَّ الغسل وتغليظه لأجل قذارته، وهي النجاسة.
وقد استدل على نجاسة الكلب -أيضًا- بأن المولوغ فيه قد أمرنا بإراقته؛ ففي "صحيح مسلم" مرفوعًا: "أَنَّهُ إِذَا وَلَغَهُ، فَلْيُرِقْهُ، وَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا" (١)، ولو كان طاهرًا، لم يأمر بإراقته، فدلّ على نجاسته؛ لنجاسة الكلب، مع نهيه ﷺ عن إضاعة المال.
وإذا ثبت نجاسة الكلب، فهو عام في كل كلب؛ لعموم اللَّفظ، وهو مذهب جمهور العلماء، سواء كان مما يجوز اقتناؤه، وسواء كلب البدوي والحضري.
وفي مذهب مالك أقوال:
أحدها: كمذهب الجمهور في نجاسته.
стр. 73
والثَّاني: طهارته، وإليه ذهب بعض أهل الطاهر، وقالوا: غسله تعبد. وتقدم فساده.
والثالث: طهارة المأذون في اتِّخاذه دون غيره.
وهذه الأقوال الثَّلاثة عن مالك.
وحكى الخطابي عنه قولًا رابعًا: أنَّه إذا لم يجدْ ماءً غيره، توضأ به، وبه قال الثوري، لكن قال: ثُمَّ يتيمَّم بعده.
وقال عبد الملك بن الماجشون المالكي: كلبُ البدوي غيرُ نجس، وكلب الحضري نجس.
والأظهر العموم؛ لأنَّ الألف واللام إذا لم يقمْ دليل على صرفها إلى المعهود المعين، فهي للعموم، ومَنْ يرى الخصوصَ يَصْرِفهُ عنه بقرينة أنهم نُهوا عن اتخاذ الكلاب إلا لوجوه مخصوصة، والأمر بالغسل مع المخالطة عقوبة يناسبها الاختصاص بمن ارتكب النَّهي في اتخاذ ما منع من اتخاذه، فإيجاب الغسل مع المخالطة عسر وحرج، ولا يناسبه الإذن والإباحة في الاتخاذ، وهذا يتوقف على وجود القرينة عند الأمر بالغسل.
وفيه دليل على عموم الإناء، والأمر بغسله للنَّجاسة، وذلك بتنجيس ما فيه، فيقتضي المنع من استعماله.
وفي مذهب مالك قول أَن ذلك يختصُّ بالماء دون الطعام، وقد ورد الأمر بالإراقة مطلقا في الرِّوايات الصَّحيحة، وظاهره للوجوب.
وفي مذهب مالك قول للنَّدب، وكأنَّه لما اعتقد طهارة الكلب بالدَّليل الَّذي دلَّه عليه، جعله صارفًا له من الوجوب إلى النَّدب، والأمر قد يصرف عن ظاهره بدليل.
واتفق أصحابُ الشَّافعي على الأمر بالإراقة، لكن اختلفوا، هل هي واجبة لعينها فتجب على الفور، أم لا تجب الإراقةُ إلا إذا أراد استعمال الإناء؟.
стр. 74
حكى الأول الماوردي في "الحاوي" (١)، ويحتجُّ له بمطلق الأول، وهو يقتضي الوجوب على المختار، وهو قول أكثر الفقهاء.
وبالثاني قال أكثر أصحاب الشَّافعي، لكنهم قالوا: الإراقة مستحبة، لكن إذا أراد استعمال الإناء، أراقه، واحتجُّوا بالقياس على سائر النَّجاسات؛ فإنه لا تجب إراقتها، بلا خلاف، ويمكن أَنْ يُجَابَ عن ذلك بأَنَ المرادَ في الولوغ الرجرُ والتغليظُ والمبالغةُ في التَّنفير عن الكلاب.
وفي الحديث دليل نصًّا (٢) على اعتبار السَّبع في عدد الغسلات، وهو مذهب الشَّافعي، ومالك، وأحمد، والجماهير (٣)، وفيه ردٌّ على أبي حنيفة ﵀ في قوله: تغسل ثلاثًا، وكأنَّه لم يبلغْه هذا الحديث.
ونقل بعض العلماء عن أبي حنيفة وأصحابه: أنه يغسل حتى يغلب على الظن طهارتُه، والعدد لا يعتبر.
وفيه دليل على وجوب التَّعفير بالتراب، وبه قال الشَّافعي وأصحاب الحديث.
وليست في رواية مالك هذه الزيادةُ من ذكر التراب، فلم يقل بها، لكنَّ الزيادة من الثِّقة مقبولة، وهي رواية الشَّافعي والجمهور من المحدّثين، وقالوا بها، ومعلوم أن التراب إنَّما ضُمَّ إلى الماء استظهارًا في التطهير، وتوكيدًا له؛ لغلظ نجاسة الكلب؛ فقد عُقل أن الأُشنان وما أشبهه من الأشياء التي فيها قوَّة الجِلاء والتطهير بمنزلة التراب في الجواز، وذكر أصحاب الشَّافعي ﵏ في الجصِّ والصَّابون والأُشنان بدلَ التراب ثلاثةَ أقوال:
أظهرها: لا يقوم مقامه؛ لظاهر الخبر، ولأنها طهارة متعلقة بالتراب، فلا يقوم غيره مقامه؛ كالتيمم.
стр. 75
والثَّاني: يقوم مقامه؛ كالدِّباغ يقوم غَيْرُ الشَّبِّ والقُرظِ مقامَهما، وكالاستنجاء يقوم فيه غيرُ الحجارة مقامَها.
والثالث: إِنْ وجدَ الترابَ، لم يَعْدِلْ إلى غيره، وإِنْ لم يجدْه، جازَ العدول إلى غيره للضرورة، وإن كان يقوم مقامه.
ومن أصحاب الشَّافعي مَنْ قالَ: يجوز إقامة غير التُّراب مقام التراب فيما يفسد باستعماله؛ كالثِّياب، فلا يجوز فيما لا يفسد؛ كالأواني.
وهذه المسألة مبنيَّة على أصل، وهو أَن التعفير لماذا رُوعي؟ اختلف أصحاب الشَّافعي فيه على أوجه:
أحدها: للتعبد يتبع فيه النقل، وقيل: للاستطهار بغير الماء، وقيل: للجمع بين نوعي الطهور: الماء والتُّراب، فعلى الأوَّل والثالث: لا يكفي استعمال غير التُّراب، ولا الغسلة الثامنة، ولا التُّراب النَّجس، ولا المزج بسائر النجاسات المائعات، وعلى الثاني: يجوز؛ لأَنَّه قد استطهر، وهذا كله معانٍ مستنبطة ليس فيها سوى مجرد مناسبة ليست بأمرٍ قويٍّ، فإذا دخلها الاحتمال، رجع إلى النصِّ، وأيضًا -فالمعنى المستنبط إذا عاد على النَّص بإبطالٍ أو تخصيصٍ، مردودٌ عند جميع الأصوليين - والله أعلم -.
وفيه دليل على أَن غسلة التتريب تحصل بالأولى، وهي أولى عند الشَّافعي، قال أصحابه: يُستحب أَنْ يكونَ التُّراب في غير الأخيرة لنأتي عليه بما ينظفه (١)، والأفضل أَنْ يكونَ في الأولى، ويحصل -أيضًا- بكلِّ مرَّة من المرَّات؛ لأن الرِّوايات ثبتت بذلك، ففي بعضها: "أولاهن"؛ كما ذكره "المصنف"، وفي بعضها "أُخراهنَّ" وفي بعضها: "إحداهن" (٢)، ويرجح جعله في الأولى؛ بأنه إذا
стр. 76
لَحِقَ بعضَ المواضع الطَّاهرة رشاشُ بعض الغسلات، لا يحتاج إلى تتريبهِ، وإذا أخرت، فلحق رشاشُ ما قبلها بعضَ المواضع، احتيج إلى تتريبه، فكانت الأولى أولى وأرفق بالمكلَّف.
وفي حديثِ ابنِ مغفل دليلٌ على زيادةِ مرَّةٍ ثامنة ظاهرًا، وبه قالَ الحسنُ البصريُّ، وهو رواية عن مالك، وأحمد بن حنبل، وذكر أصحاب الشَّافعي أنَّه هل يقوم غسله ثامنةً بالماء مكانَ التراب؛ فيه وجهان، والحديثُ قويٌّ في المرَّة الثامنة، ومن تأول الحديث تأوَّلَهُ بتأويلٍ بعيدٍ.
[قال صاحب "الشَّامل" (١): ويحمل الحديث على أَنَّه عَدَّ التراب ثامنة، وإن كان يوجد مع السَّبع؛ لأنه جنس آخر؛ جمعًا بين الخبرين] (٢).
وذكر صاحب "الحاوي" (٣) في قدر التُّراب وجهين:
أحدهما: ما يقع عليه الاسم.
والثَّاني: ما يستوعب محلَّ الولوغ.
وذكر بعض أصحاب الشَّافعي عنه: أنَّه لو جعل مكان التراب غيره من جصٍّ أو أُشنان، قولان، وأن محلَّهما مع عدم التُّراب، فأمَّا مع وجوده، فلا يجوز، قولًا واحدًا.
ومنهم مَنْ قال: القولان في جميع الأحوال، وأنه إذا قلنا: غير التُّراب لا يقوم مقامه في الإناء، ففي الثوب وجهان.
وفيه دليل على أنَّ ذرَّ التُّرابِ على المحل لا يكفي، بل لا بدَّ من خلطه بالماء، ثم إيصاله إلى المحل من إناءٍ أَو ثوبٍ، ووجهه أنَّه جعلَ مرَّة التَّتريب داخلة في
стр. 77
مسمى الغسلات، وذرُّ التُّراب لا يسمى غسلًا، وفيه احتمال من حيث إنَّ ذرَّ التُّراب على المحل، وإتْبَاعَه الماء يصحُّ أَنْ يقالَ: غسل بالتُّراب، ولا بدَّ من مثل هذا في أمره ﷺ في غسل الميت بماءٍ وسدرٍ عند من يرى أَنَّ المتغَير بالطَّاهر غيرُ طهورٍ، وإن جرى على ظاهر الحديث في الاكتفاء بغسلةٍ واحدةٍ؛ إذ بها يحصل مسمى الغسل، إلا أنَّ قوله: "وَعَفِّرُوه" قد يشعر بالاكتفاء بالتَّتريب بطريق ذرِّ التُّراب على المحلِّ، وإِنْ كانَ بخلطه بالماء لا يُنافي كونَه تعفيرًا لغةً، فلا ينافي ما قالوه؛ لإطلاقِ ذرِّ التُّراب على المحل، وعلى إيصاله بالماء إليه، والحديث إِنْ دلَّ على اعتبارِ مسمى الغسلة، دلَّ على خلطه بالماء، وإيصاله إلى المحل، وذلك أمرٌ زائدٌ على مطلق التعفير على تقدير شموله للصُّورتين: ذرِّ التُّراب، وإيصاله بالماء.
وفيه دليل على أنَّ الماءَ القليلَ إذا حلَّت به نجاسةٌ، فَسَد.
وفيه دليل على تحريم بيع الكلب إذا كان نجس الذات، فصار كسائر النَّجاسات.
واعلم أَنَّه لا فرقَ في مذهب الشَّافعي بين ولوغِ الكلبِ وغيرِه من أجزائه؛ كدمه وبوله وروثه وعرقه وشعره ولعابه، أو عضو من أعضائه إذا كان رطبًا، أو أصاب شيئًا رطبًا في حال رطوبتِه ويُبوسةِ أجزائهِ، فإِنَّه يجبُ غسلُه سبعَ مراتٍ إحداهنَّ بالتُّراب.
ولو ولغَ كلبٌ مراتٍ، أو كلبان (١) في إناءٍ، ففيه أوجه، الصَّحيح: أنَّه يكفيه للجميع سبعُ مراتٍ، وقيل: يلزمه لكلِّ وَلْغَةٍ سبعٌ، وقيل: يكفيه لو لغاتِ الكلبِ الواحدِ سبعٌ، ولكلِّ كلبٍ سبعٌ، ولو وقع في الإناء المولوغ فيه نجاسة أخرى، كفى سبع، ولو كانت نجاسة الكلب دمه أو روثه، فلم يزلْ إلَّا بستِّ غسلاتٍ مثلًا، فهل يحسب ذلك غسلة أم ستًّا، أم لا يحسب شيئًا؟ أوجه، أصحها: غسلةً.
стр. 78
ولو ولغ في ماءٍ كثيرٍ بحيث لم ينقصْ بولوغه عن قلَّتين، لم ينجسْه، ولو ولغ في ماءٍ قليل، أو طعام، فأصاب ذلك الماءُ والطعامُ ثوبًا أو بدنًا أو إناءً آخر، وجب غسله سبعًا، إحداهنَّ بالتُّراب، ولو ولغ في إناءٍ فيه طعام جامد، أُلقي ما أصابه وما حوله، وانتُفع بالباقي على طهارته السَّابقة؛ كما في الفأرة تموتُ في السَّمن الجامد - والله أعلم -.
* * *
الحديث السابع
عن حُمْرَانَ مولى عُثمَانَ بنِ عفانَ ﵄[أنه رأى عثمانَ ﵁، دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيهِ مِنْ إنَائِه، فَغَسَلَهُما ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَل يَمِيْنهُ في الوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ واسْتنَشَقَ واسْتنَثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًا، ويَدَيْهِ إلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأسِه، ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ ثَلاثًا، ثُمَّ قالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَتَوَضَّأ نَحْوَ وُضُوئي هَذَا، وَقالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَه، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (١).
أمَّا راوياه:
فأحدهما: عثمانُ بنُ عفان بنِ أبي العاصي بنِ أميَّةَ بنِ عبدِ شمسِ ابنِ عبدِ منافٍ، يجتمع مع رسول الله ﷺ في عبدِ مناف، كنيته أبو عمرو، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو ليلى، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، وتزوَّج ابنتي رسولِ الله ﷺ ، ولهذا سمِّي: ذَا النَّورَين، ولم يُعْرَفْ أحدٌ من لَدُنْ آدمَ ﷺ تزوج بنتي نبي غير عثمان ﵁ رقيَّةَ وأمَّ كلثوم ﵄، وهو أوَّلُ مَنْ خرج إلى أرض الحبشة، وهاجرَ إليها، وسائرُ من هاجر إليها تبعٌ له ﵁، وكان رسول الله ﷺ يستحيي منه أكثرَ من غيره، وهو أكثر
стр. 79
أمته ﷺ حياء، واشترى بئر رُومةَ، وجعلها للمسلمين، وجهَّز جيشَ العُسْرَةِ، فدعا له رسول الله ﷺ بالمغفرة؛ ما أسرَّ وما أعلن، وما أبدى وما أخفى، وما هو كائن إلى يوم القيامة، وقال: "ما يُبَالِي عُثْمَانُ مَا عَمِلَ بَعدَهَا" (١)، وقال رسول الله ﷺ : "مَنْ يزيدُ في مَسْجِدِنَا؟! فاشترى عثمانُ موضعَ خمسِ سواريَ، فزاده في المسجد (٢).
وقال عليُّ بنُ أبي طالب ﵁: كان عثمانُ ﵁ أَوْصَلَنا للرَّحم، وكان مِنَ ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ الآية التي في المائدة [٩٣] (٣).
وزوَّجه الله سبحانه أمَّ كلثوم بنتَ رسول الله ﷺ بمثل صَداق رقيَّةَ، وعلى مثلِ صحبتها، وكان مِمَنْ تستحي منه ملائكةُ الرحمنِ، وشبهه رسول الله ﷺ بإبراهيم خليلِ الرَّحمن، وهو أحدُ المشهود لهم بالجنة (٤)، وأحد الَّذين كانوا معه ﷺ بحراءٍ، فانتفض، فقال ﷺ : "اثْبُتْ أُحُد؛ فَإِنَّما عَلَيْكَ نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ" (٥)، وأحدُ الخلفاء الرَّاشدين، وأحدُ الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، وأحدُ الَّذين قاموا به في ركعةٍ واحدةٍ، وأحدُ صُوَّامِ الدَّهر وقُوَّامِ اللَّيل ﵁، وجمعَ النَّاسَ
стр. 80
على المصحف، واستسلم للقتلِ صبرًا لله تعالى.
روى عنه من الصَّحابة: زيدُ بنُ خالدٍ الجهنيُّ، وعبدُ الله بنُ الزبير، والسائبُ بن يزيدَ، ومحمود بنُ لبيدٍ (١)، وجماعةٌ كثيرة من التَّابعين؛ كابنه، وغيره.
رُويَ له عن رسول الله ﷺ مئةُ حديثٍ، وستة وأربعونَ حديثًا، اتفقا على ثلاثةِ أحاديثَ، وانفردَ البخاريُّ بثمانية، ومسلمٌ بخمسة، وروى له أيضًا: أبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وابن ماجَهْ، وغيرُهم من أصحاب السُّنن والمسانيد.
ووليَ الخلافةَ اثنتي عشرةَ سنةً إلا عشرةَ أيامٍ، وقيل: إلا اثنتي عشرة ليلةً، وكان في يده خاتمُ رسول الله ﷺ نحوًا من سنتين، ثم سقط في بئر أريس من آبار المدينة، فاتَّخذ خاتمًا من فضة فصُّه منه، ونقش عليه: آمنت بالَّذي خَلَقَ فسوَّى.
ووُلِدَ في السَّنة السَّادسة بعدَ الفيل، وقُتِلَ يومَ الجمعة بعدَ العصر، وهو صائمٌ، لثمانَ عشرةَ خَلَوْنَ من ذي الحجة، وقيل: قتل في أوسط أيَّام التَّشرِيق سنة خمس وثلاثين، وهو ابنُ تسعين سنةً، وقيل: ابنُ ثمان، وقيل: اثنتين وثمانين، وصلَّى عليه جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ، ودُفن بالبقيع بُحشِّ كوكب ليلًا (٢).
قال أَسْهَمُ بْنُ حُبَيشٍ: لمَّا حملنا نعشه، غَشِيَنا سوادٌ من خَلْفِنا،
стр. 81
فَهِبْنَاهُم، فنادى مناديهم أَنْ: لا روعَ عليكم، اثبتوا؛ فإِنَّا جئْنا نشهدُه معكم، فكان ابن حبيش يقول: هم ملائكةُ الله (١).
وأمَّا الرَّاوي عنه مولاه حُمرانُ بنُ أَبانَ، فهو مدنيٌّ قُرَشيٌّ أُمَوِيٌّ مولاهم، كان من سبي عينِ التَّمر، كان للمسيب بن نجيد، فابتاعه عثمان، وأدرك أبا بكرٍ وعمرَ، وسمع -أيضًا- عبدَ الله بنَ عمرٍو، ومعاويةَ بنَ أبي سفيانَ، فهو تابعيٌّ ثقة، احتجّا به في "الصّحيحين"، وكان كثيرَ الحديث، وقولُ ابن سعدٍ: لم أَرَهُم يحتجُّون بحديثه، غيرُ صحيح، وهو بضم الحاء - والله أعلم - (٢).
وأمَّا قوله: "دَعَا بِوَضُوءٍ": هو بفتح الواو، وهو الماء، وبالضم اسم لفعل الوُضوء، وقيلَ: بالفتحِ فيهما، وهو قليل، وحُكي ضمُّها، وهو شاذٌّ (٣)، وذكر بعض أصحاب مذهب مالك أَنَّه هل هو اسم لمطلق الماء، أو لما يفيد الوضوء به، أو إعداده له؟.
قال: فيه نظرٌ يحتاج إلى كشفٍ وبيانٍ تنبني عليه مسألة الماء المستعمل لمن استدلَّ بحديث جابر على طهوريته حيث صبَّ عليه ﷺ من وضوئه، ولا يلزم ذلك؛ للإجماع على طهارة المستعمل في فرض الطَّهارة، فكيف بنفلها؟ وما نقل عن أبي حنيفة؛ من نجاسته، ثبت عنه رجوعه عنه، هذا إذا سلَّمْنَا أَن الَّذي صبَّ عليه كان مستعملًا في طهارته، واستعمالهُ للتبريك
стр. 82
جائزٌ بالإجماع، خصوصًا من النبي ﷺ ، وإنْ حمَلْنَاه على ما فَضَلَ من ماءِ وضوئه بعد فراغه منه، فهو طهور بلا شكٍّ، وهو طاهر فيه، فلا يبقى فيه دليل من حيث اللَّفظ على ما أراده من طهوريَّة المستعمَل، وهو مذهب مالك، وهو قول قديم للشَّافعي، وجعل أن الوضوء -بالفتح- حقيقة في المستعمل، أو الأقرب إلى الحقيقة، وأَن استعمالَه في المعدِّ للوضوء مجازٌ، وأَنَّ الحملَ على الحقيقة أو الأقرب إليها أولى، فحينئذٍ حملُه على مطلق الماء أولى مِنْ حملِه على أَنْ يكونَ مقيدًا بالاستعمال، أو الإعداد، وهو قول جمهور الفقهاء وأئمة اللغة - والله أعلم -.
وهذا البحث أفاد إلى أن الماء المطلق يسمَّى وَضوءًا عند إطلاقه، أو لا بدَّ أَنْ يُقْصَدَ به الوضوء ويعد (١) له، وحينئذٍ يرجع إلى تأثير النيّات في الأعيان، وتغيير أحكامها، وهو موجود، - والله أعلم -.
وقوله: "فأفرغَ على يديه": أفرغ؛ أيْ: قَلَبَ وصبَّ على يديه ليغسلهما، واليدان تثنية يد، وهي مؤنثة.
ويؤخذ من الحديث الإفراغُ على اليدين معا، وفي الحديث الآخر: "أَفْرَغَ بيَدِهِ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى، ثُمَّ غَسَلَهُما" (٢)، وهو قدر مشترك بين غسلهمَا مجموعتين أو مفرقتين، لَكِنْ إِنْ أمكنَ غسلُهما معًا، فهو أفضلُ هنا، وإلَّا قدَّم الكف اليمنى كما إذا غسل يده اليمنى إلى المرفق؛ فإِن الأفضلَ تقديمُها بلا شَكٍّ.
قوله: "ثُمَّ تمضمضَ واستنشقَ واستنثرَ": "ثُمَّ" مفيدة للتَّرتيب بين غسل اليدين، والمضمضة، وأصلُها مشعرٌ بالتَّحريك، ومنه: مضمضَ النُّعاس في عينيه: إذا تحرك، واستعملت في المضمضة لتحريك الماء في الفم،
стр. 83
وهو حقيقته عندَ الفقهاء، ولا يُشترطُ مجُّه عندهم، حتى لو ابتلعه بعدَ ذلك، كان قد أتى بها، وعمل بالسُّنة فيها.
ومن ذكر المجَّ منهم في المضمضة، جرى على الأغلب في العادة.
والاستنشاق: أَخْذُ الماء بخياشيمه إلى أعلى.
والاستنثار: أَخْذُه مع الأذى منها إلى خارج، وقد تقدَّم في الحديث الرَّابع الكلامُ على الاستنشاق والاستنثار وحقيقتهما، وأنَّ بعضَهم جعلهما بمعنًى واحدٍ، وهذا الحديثُ يردُّ عليه؛ فإنَّه ﷺ عطفهما، بعضَهما على بعض، والعطفُ يقتضي المغايرةَ.
قوله: "ويَغْسِلُهُمَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ" مبيِّنٌ لذكر العدد المهمَل في رواية مَن أهملَه؛ كمالكٍ وغيرِه، وهو المذكور -أيضًا- في رواية أبي هريرة في الحديث الرَّابع.
وقوله: "ثمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا" الوجهُ: مشتقٌّ من المواجهة، وهو عندَ الفقهاء كذلك، لكنِ اختلفوا في حَدِّهِ، فالذي عليه جمهورُهم أنَّه: ما بين مَنابتِ شعرِ الرَّأس في غالبِ المنابت -لا باعتبار الصَّلَع ولا الغمم- ومنتهى اللَّحْيين، وهما: مجتمع عظمي الحنك طولًا، وفي العرض: ما عدا وَتِدَي الأذنين.
و"ثمَّ" هنا للتَّرتيب بين المسنون والمفروض، وبعضُ الفقهاء رأى التَّرتيبَ في المفروض دونَ المسنون.
وقيل في حِكمةِ تقديمِ المضمضةِ والاستنشاقِ على غَسْلِ الوجهِ المفروض: أنَّ المعتبرَ في صفاتِ الماء للتَّطهير: لونٌ يُدْرَكُ بالبصر، وطعمٌ يُدْرَكُ بالذَّوقِ، ورِيحٌ تُدْرَكُ بالشَّمِّ، فقُدِّمت هاتان السُّنَتَّانِ لاختبارِ الماء، قَبْلَ فِعْلِ الفرضِ.
وقوله: "وَيَدَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ" المرفق: بفتح الميم وكسر الفاء، وقيل: عكسه، لغتان، وكذلك المرفق: من الأمر الذي يَرتفقُ ويَنتفعُ به
стр. 84
الإنسان (١)، وهما قراءَتَانِ في السَّبع، قرأ نافع وابن عامر بالأولى، وقرأ الباقون بالثَّانية.
والمرادُ به: موصلُ الذِّرَاع في العظمين.
لكن اختلفَ قولُ الشَّافعي ﵀: هل هو اسم لإبرة الذِّرَاع، أم لمجموع رأس عظم العضد مع الإبرة؟ على قولين.
وبنى على ذلك أَنَّه لو شُلَّ الذِّراعُ من العضد، هل يجب غسلُ رأسِ العضدِ، أم يستحبُّ؟ فيه خلافٌ، المشهورُ وجوبُهُ، ومذهبُ مالك والشَّافعي وجمهورِ العلماء وجوبُ إدخالِ المرفقينِ في الغَسْلِ، وقال زُفَرُ وأبو بكرِ بنُ داود: لا يجبُ إدخالهُما.
ومنشأُ الاختلافِ: أنَّ "إلى" لانتهاءِ الغايةِ، وقد تردُ بمعنى "مع"، والأول هو المشهور، فَمَن قالَ به، لم يُوجِبْ إدخالَهما في الغسل، ومَنْ قالَ بالثاني، أوجبه.
وفرَّقَ بعضُهم بين أَنْ تكونَ الغايةُ من جنسٍ ما قبلها، أو لا، فإن كانت من الجنس، دخلتْ؛ كما في الوضوء، وإِنْ كانتْ من غيره، لم تدخلْ؛ كما في قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
ومنهم مَنْ قالَ: إِنْ كانَت الغَايةُ لإِخراج ما دخلَ قبلَها، لم يخرجْ؛ فإن اسمَ اليدِ: ينطلقُ عليها إلى المنكب، حتَّى قالَ أَصحابُ الشّافعيِّ: لو طالَت أظافيرُه ولم يقلِّمْها، وجبَ غسلُها بلا خلافٍ؛ لاتصالها باليد، ودخولها فيها، وكذلك لو نبَتَ في محلِّ الفرضِ يدٌ أخرى، أو سَلْعةٌ، وَجَبَ غسلها، بلا خلاف أيضًا.
فلو لم تردْ هذه الغايةُ، لوجبَ غسلُ اليد إلى المنكب، فلمَّا دخلَت، أُخرِجَ عن الغسلِ ما زادَ على المرفقين، فانتهى الإخراج إلى المرفقين، فدخلا في الغسل.
стр. 85
وقال آخرون: لمَّا تردَّد اللَّفظُ بين أَنْ يكونَ للغاية، أو بمعنى "مع"، فاقتضى الإجمالَ؛ فبينه فعله ﷺ ؛ حيث أدارَ الماء على مِرْفقيه، وفعلُه ﷺ أصلٌ في بيان المجمل، خصوصًا في الوجوب.
قال شيخنا أبو الفتح محمَّدُ بنُ عليِّ بنِ وهبٍ القشيريُّ ﵀: وهذا عندَنا ضعيفٌ؛ لأنَّ "إلى" حقيقةٌ في انتهاءِ الغَاية، مجازٌ بمعنى "مع"، ولا إِجْمَالَ في اللَّفظ بعدَ تبيين حقيقته، ويدلُّ على أَنَّها حقيقة في انتهاء الغاية: كثرةُ نصوصِ أهلِ العربيَّة على ذلك، ومَنْ قال بأنَّها بمعنى "مع"، لم ينصَّ على أنَّها حقيقةٌ في ذلك؛ فيجوز أَنْ يريدَ المجاز (١).
قوله: "ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ" هذه الباء مقتضاها عند الشَّافعي التبعيضُ في الآية الكريمة، ويجيء ذلك هنا.
وأنكر أَنْ تكونَ للتَّبعيضِ جماعةٌ، وقالوا: مسحَ رسولُ الله ﷺ جميعَ رَأْسِه، بدأَ من مقدَّمِه إلى مؤخَّرِه، أقبلَ بيديه وأدبرَ، وهو مبينٌ للمراد من الآية، ولا شكَّ أن اسمَ الرأسِ حقيقةٌ في العضوِ كلِّه، لكنَّ الفقهاءَ اختلفوا في القَدْرِ الواجِبِ مِنَ المسحِ، وليس في الحديث ما يدلُّ على الوجوب لمسح جميعه؛ لجواز أَنْ يكونَ الثوابُ المخصوصُ على هذهِ الأفعالِ؛ إذ لا يلزمُ منه عدمُ الصِّحة عند عدم كلِّ جزءٍ من تلك الأفعال، كما رتَّبه فيه على المَضْمَضة والاسْتِنْشَاق، وإِنْ لم يكونا واجبينِ عندَ كثيرٍ من الفقهاءِ أو الأكثرينَ، وادِّعاءُ الإجمال فيه كما في المرفقين، وأَن الفعلَ بيانٌ له، ليسَ بصحيحٍ؛ لأنَّ الظَّاهرَ من الآية بيِّن، إمَّا على مطلَق المسح؛ كما يقوله الشَّافعي ﵀، أو على الكلِّ؛ كما يقوله مالكٌ ﵀ في أنَّ الرأسَ حقيقةٌ في كلِّه، والتبعيض لا يعارضُه، فلا إجمالَ، وهذا قويٌّ، وهو قولٌ عن الشَّافعيِّ ﵀.
واتفق العلماءُ على أنَّ المسحَ لا يتعيَّن على الشَّعر، ولا على البشرة في حقِّ
стр. 86
من له شعر، بل أيَّهما مَسَحَ عليه، أجزأه، فلا نقولُ: إنَّ مسحَ الشَّعر بدلٌ عن البَشرة؛ كما يقول في الخُفِّ - والله أعلم -.
قوله: "ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ" فيه الصَّراحةُ بوجوبِ غسلِهما، والرَّدُّ على الروافض في أن واجبَ الرِّجلين المسحُ، وقد تبيَّن ذلك -أيضًا- من حديثِ جماعةِ من الصَّحابة ﵃ في "الصَّحيح" وغيره، وأنَّهم وصفُوا وضوءَ رسولِ الله ﷺ ، ومن أحسنِ الأحاديثِ في ذلك حديثُ عَمْرِو بنِ عَبَسَةَ -بفتح العين المهملة والباء الموحدة-: أن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ" إلى أَنْ قالَ: "ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ كَمَا أَمَرَهُ الله" (١)، فمن هذا الحديث انضمَّ القولُ إلى الفعلِ، وتَبَيَّنَ أن المأمورَ به الغَسْلُ.
قوله: "ثَلاَثًا" فيه استحبابُ التثليث في غَسْلِ الرِّجلين، وبعضُ الفقهاء لا يراهُ، واستُدِلَّ له بأنَّه ورد في بعض الرِّوايات: "فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا" (٢)، ولم يذكرْ عددًا، وأُكِّد من جهة المعنى بقرب الرِّجْلِ مِنَ الأرض في المشي، وكثرةِ مباشرتها الأوساخَ والأدران، فاقْتَضَى الإِنقَاء مِنْ غَيرِ عددٍ، لكن هذا لا ينافي العددَ، لِمَا في ذكرِ العَدَدِ من الزيادة عليه، فتعيَّنَ العملُ به؛ لدلالةِ لفظِ الحديث عليه من غير وجه - والله أعلم -.
وقوله: "نَحْوَ وَضُوئي هَذَا" اعلم أن لفظةَ "نحو" لا تطابقُ لفظةَ "مِثْل"؛ فإنَّ المِثْلَ يقتضي ظاهرًا المساواةَ من كل وجه، إلا من حيثُ حقيقةُ "مِثْل" و"نَحْو" في خروجهما عن الوحدة، واقتضاء التغاير، لكنَّ لفظةَ "نَحْو" لا تُعطي المثلية، وإِنِ استُعملَتْ كذلك لغةَ لا اصطلاحًا عرفيًّا، فيكونُ استعمالُها فيها مجازًا، ولهذا فرَّقَ المحدِّثونَ بين "نَحْو" و"مِثْل"، فقالوا فيما كانَ مثلَ الإسنادِ أو المتنِ من كُلِّ وجهٍ: مِثْلَهُ، كما استعمله مسلم في "صحيحه" في غير موضع، وقالوا:
стр. 87
"نَحْوَه" فيما قارب الإسنادَ والمتنَ، حتى استدلُّوا على الَّذينَ قالوا بالفرق بينهما، وألزموهم بمنعهم الرِّوايةَ بالمعنى.
ولعلَّ واصفَ وضوءِ رسولِ الله ﷺ ، وروايتَه عنه ﷺ لفظةَ "نَحْوَ وَضُوئي" لحظَ الفرقَ بينهما؛ من حيثُ إنَّ مِثْلِيَّةَ وُضوئهِ ﷺ لا يتأتَّى لأحدٍ إلَّا مِنْ حيثُ امتثالُ الأمرِ، وحصولُ الثوابِ المناسبِ للمتوضِّئ على قدر التبعية فيه؛ لأنَّه قد يكون في وضوئه ﷺ أشياءُ لم نُكلَّفْ بها، فتكون ملغاةً بالنِّسبة إلينا، فيكون ذكرُ ذلك بيانًا للفعل الَّذي يَحصُلُ الثوابُ الموعودُ به، وعليه: فلا بدَّ أن يكونَ الوضوءُ المفعولُ موصوفًا لأجل الغرض المطلوب، فلهذا استعملَ "نَحْو" في حقيقتها العرفية، مع فوات المقصودِ، لا بمعنى "مِثْل"، أو يكون ترك ما علم قطعًا أَنَّه لا يُخِلُّ بالمقصود - والله أعلم -، مع أنَّ لفظةَ: "مثل" ثابتةٌ عنه ﷺ بإسنادِ "الصَّحيحينِ" في "سنن أبي داود"، وغيره (١).
قال شيخُنا الحافظُ الموفقُ أبو الفتحِ المعروفُ بابنِ دقيقِ العيدِ ﵀: ويمكن أَنْ يُقالَ: إنَّ الثوابَ يترتَّب على مقاربةِ ذلكَ بالفعل تسهيلًا وتوسيعًا على المخاطَبين، من غير تضييق وتقييد بما ذكرناه إِلَّا أنَّ الأولَ أقربُ إلى مقصود البيان (٢).
واعلمْ أن غفرَ ما تقدَّم من ذنوب المتوضِّئ مرتَّبٌ على أمرين:
أحدهما: وضوءُه على النَّحو المذكور.
والثَّاني: صلاةُ ركعتين بعدَه بالوصف المذكور في الحديث، والمترتَّبُ على مجموع أمرين لا يلزمُ ترتبه على أحدهما إلا بدليلٍ خارجٍ، وقد يكونُ الشَّيء ذا فضلٍ بوجودِ أحدِ جزأَيْه، فيصحُّ كلامُ مَنْ أدخلَ الحديثَ في فضل الوضوء فقط؛ لحصول مطلق الثواب، لا الثواب المخصوص على مجموع الوضوء على النَّحو
стр. 88
المذكور، والصَّلاة الموصوفة بالوصف المذكور.
قوله: "لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ" اعلم أنَّ حديثَ النَّفسِ على قسمينِ:
أحدُهما: ما يهجُم عليها، ويتعذَّرُ دفعهُ عنها.
والثَّاني: ما يسترسلُ معها، ويمكنُ دفعُه وقطعُه.
فيُحمَلُ الحديثُ عليه دونَ الأول؛ لِعُسر اعتبارِه، ولفظُ الحديث يقتضيه بقوله: "لا يحدِّث"؛ فإنَّه يشهد بتَسَبُّبٍ وتفعُّلٍ لحديثِ النَّفْسِ، ويُمكنُ أَنْ يُحملَ على القسمين؛ لتعلُّق العسرِ بالتَّكاليف في وجوب دفعِه وتحصيلِها لحصول الثَّواب المترتَب عليها، فمن حصل له ذلك العملُ، حصل له ذلك الثوابُ، ومن لا، فلا، ولا يكونُ ذلك من باب التَّكاليف المأثوم تاركه حتى يلزمَ دفع العسر عنه، نعم لا بدَّ أَنْ تكون الحالةُ المترتَّبُ عليها الثَّوابُ المخصوصُ ممكنةَ الحصول، وهي التَّجَرُّدُ عن شواغلِ الدُّنيا، وغلبة ذكرُ الله تعالى على القلب، وتعميرُه به، وذلك حاصل لأهل العناية، ومحكيٌّ عنهم، ثمَّ إن حديثَ النَّفس يعمُّ الخواطر الدُّنيويَّةَ والأخرويَّةَ، والحديثُ محمول على المتعلِّقِ بالدُّنيا فقط؛ لأنَّه مأمورٌ بالفِكْرِ في معاني المتلوِّ من القرآن العزيز والذكر والدَّعوات، وتدبُّرِها، وذلك لا يحصلُ إلا بحديثِ النَّفس، وليس كلُّ أمرٍ محمودٍ أو مندوبٍ بالنِّسبةِ إلى غيرِ وقتِه وحالِه من أمور الآخرة، بل قَدْ يكونُ أجنبيًّا عنها، مثابًا عليه.
وقد كان عمر ﵁ يجهِّزُ الجيوشَ وهو في الصَّلاة، واستعجلَ رسولُ الله ﷺ وهو في صلاةٍ وفراغِهِ منها، وسُئِلَ عن ذلك، فقال ﷺ : "كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ مِنْ تِبْرٍ، فَكَرِهْتُ أَنْ يُحْتَبَسَ، فَقَسَّمْتُهُ" (١)، وكل ذلك قربة خارجة عن مقصود الصّلاة.
قوله ﷺ : "غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" الطاهر فيه العمومُ في الكبائر والصَّغائر،
стр. 89
لكنَّهم جعلوا مثلَه بالصَّغائر، وقالوا: إنَّما تُكَفَّر الكبائرُ بالتوبة، وكان مستندُهم في ذلك وروده مقيدًا في مواضعَ؛ كقوله ﷺ : "الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، والجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ، ورَمَضَانُ إِلَى رَمَضَان، كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ؛ مَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ" (١)، فجعلوه في هذه الأمور المذكورة مقيِّدًا للمطلق في غيرها.
وفي هذا الحديث دليلٌ على سرعة التَّعليم بالفعل، وأنَّه أبلغُ وأضبطُ في حقِّ المتعلم.
وفيه: جوازُ الاستعانة في طلب الماء، وهو مُجْمَعٌ عليه من غير كراهة.
وفيه: استحبابُ إفراغِ الماءِ على اليدين قبلَ غسلِهما ما لم تتحقَّقْ نجاستُهما.
وفيه: جوازُ إدخالِهما الإناءَ بعدَ غسلِهما، وأنَّه لا يفتقر إلى نيَّة الاغترافِ.
وفيه: استحبابُ التثليث في جميع الوضوء، ما عدا الرأسَ؛ فإنَّه لا يُكرَّر ثلاثًا، وقد ثبتَ في "صحيح البخاريِّ" أنَّه ﷺ مسحَه مرَّةً بعد ذكر التَّثليث في باقي الأعضاء (٢)، وهو المختار عند المحققين.
وفيه: وجوبُ التَّرتيبِ في أعضاءِ الوضوءِ؛ فإنَّه رتبه الرَّاوي بثُمَّ في معرض البيان، وهي للتَّرتيب، واختلفَ أصحابُنا في ترتيبِه في مسنونِ أعضاءِ الوضوءِ على وجهين.
وفيه: الاستدلالُ بفعلِه ﷺ على الأحكام الشَّرعية، وأنَّ المرجعَ إليه ﷺ في جميعها.
وفيه: استحبابُ تناولِ ماءِ الوضوءِ باليمين، ولم يتعرَّضْ في هذا الحديث لتقديم اليمين على اليسار، لكنَّه ثابتٌ في غيره من حديث عُثْمَانَ وغيره في اليدين
стр. 90
والرِّجْلَينِ، وأمَّا الأُذُنَان والخَدَّان والكَفَّان والمَنْخِرَان والعَيْنَان وجَانِبَا الرأسِ، فقال العلماء: لا يُستحبُّ تقديمُ اليمين فيهما، بل يستحبُّ غسلُهما ومسحُهما دفعةً واحدة، فلو فعل وغسلَهما أو مسحَهما دفعةً، فإنْ كان له يدٌ واحدة، قَدَّمَ اليمينَ منهما في الأُذنَيْن والخدَّين وباقيها.
وفيه: متابعتُه ﷺ في جميع الأمور، وتحرِّي مصلحة فعلِه ﷺ ، واستحبابُ ركعتين خفيفتين بعد الوضوء، ودفعُ حديث النَّفس في الأمور الدُّنيوية، وما لا يعني، وما أعدَّه الله تعالى لهذه الأمَّة من الثواب على الطَّاعات، وغَفْرِ السَّيئاتِ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]- والله أعلم -.
* * *
الحديث الثَّامن
عَن عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قالَ: شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حُبَيْشٍ، سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ، عَنْ وُضُوءِ رَسُولِ الله ﷺ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَكْفَأَ عَلَى يَدِيْهِ مِنَ التَّوْرِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلاَثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثَلاَثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَحَ رَأْسَهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ (١).
وفي رواية: بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إلَى المَكَانِ الَّذي بَدَأَ مِنْهُ (٢).
وفي رواية: أَتانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً في تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ (٣).
стр. 91
قال ﵁ (١): التَّوْرُ شِبْهُ الطَّسْتِ.
أمَّا رواتُه، فهم أنصاريُّون مازنيُّون مدنيُّون.
أمَّا عمرُو بنُ يحيى، فهو ثقةٌ رُوِيَ له في "الصَّحيحين" (٢)، واسمُ جَدِّه، عُمارةُ بنُ أبي حسن، واسمُه تميمُ بنُ عبدِ عمرِو بنِ قيسِ بنِ محرث بنِ الحارثِ بنِ ثعلبةَ بنِ مازنِ، وقيل: اسمُه كنيتُه، وهو صحابيٌّ، يقال: شهدَ العقبةَ وبدرًا، وعُمارةُ لا يُعْرَفُ له روايةٌ (٣).
وأمَّا أبوه يحيى، فهو تابعيٌّ سمعَ أبا سعيدٍ الخدريّ.
وعبدُ الله بن زيدِ بنِ عاصم ثقةٌ، رويَا له في "الصَّحيحين" (٤).
ومعنى قوله: قال: شهدت عمرو بن أبي حسن كأنه قال: شهدت ابني عمرًا إلخ شهدتُ، يعني: عَمْرًا، ونسبه إلى جدِّه الصَّحابي؛ تشريفًا له، ولم ينسبه إلى نفسِه أدبًا.
وأمَّا قوله: المازنيّ -بالزاي والنُّون- فهو نسبة إلى مازن: قبائل وبطون، أحدها مازن الأنصار، منهم عبدُ الله بنُ زيدِ بنِ عاصم، وأخوه تميمُ بن زيدٍ، وابن أخيه عبَّاد بن تميم، وجماعةٌ من الصَّحابة والتابعين، وعَمْرٌو هذا وأبوه وجدُّه منهم، وتشتبه هذه النِّسبة بالمأربيِّ -بالهمزة والرَّاء والباء الموحدة- نسبة
стр. 92
إلى "مأرب": ناحية بـ "اليمن"، وهي التي استقطع أبيض بن حمال النبيّ ﷺ ملحها، وقد يقال في النِّسبة إليها: المآربي -بالمدِّ على الجمع- والله أعلم -.
وأمَّا عبدُ الله بن زيد، فهو ابنُ زيدِ بنِ عاصمِ بنِ كعب بن عمرو بن عوف بنِ مبذولِ بنِ عَمْرِو بنِ غُنَيْمِ بنِ مازنِ بن النَّجَّارِ الأنصاريُّ المازنيُّ المدنيُّ، أمُّه أمُّ عُمارة نَسِيبة -بفتح النُّون وكسر السِّين- بنتُ كعبِ بنِ عَمْرِو بنِ عوفٍ، شهدَ أُحُدًا مع النبي ﷺ -هو وأمُّه أُمُّ عُمارة، فرُويَ أنَّ النبي ﷺ قال يومئذٍ: "رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ" (١)، وليس هو راوي حديثِ الأذانِ، وإن كان قاله: سفيانُ بنُ عُيينة، فإنّه وَهم، بل راوي حديث الأذانِ عبدُ اللهِ بنُ زيدِ بنِ عبدِ ربِّه بنِ ثعلبةَ بنِ زيدِ بنِ الحارثِ بنِ الخزرجِ، أبو محمَّدٍ الأنصاريُّ الخزرجيُّ، شهد العقبةَ وبدرًا، وكانت رؤياه الأذانَ في السَّنة الأولى من الهجرة بعدَ بناءِ رسول الله ﷺ مسجدَه، وقال ﷺ : "هَذ رُؤْيا حَقٍّ" (٢)، وأمر فنُودي به على ما رأى، وتوفي بالمدينة سنةَ اثنتين وثلاثين وهو ابنُ أربع وستِّين سنةً، وصلَّى عليه عثمانُ بن عفَّان، قال التِّرمذيُّ: سمعت البخاريَّ يقول: لا يُعرف لعبدِ الله بنِ زيدِ بنِ عبدِ ربِّه إلا حديثُ الأذان (٣).
وأمَّا راوي حديث الوضوء، فروَى له أصحابُ الكتب الستَّة، وروى له البخاريُّ ومسلمٌ ثمانيةَ أحاديثَ، وقُتل يومَ الحرَّة في أواخر ذي الحجَّة سنةَ ثلاثٍ وستين وهو ابنُ سبعينَ سنةً (٤)، قال أبو حاتم بن حِبَّانَ: سُمِّيت هذه الوقعةُ بيوم
стр. 93
الحرَّة؛ لأنَّ يزيدَ بنَ معاوية بعثَ جيشَه يريدُ المدينة، وعليهم صخرُ بنُ أبي الجَهْم، فتُوفِّيَ صخرٌ قبلَ مسيرِ الجيش إليها، فاستعمل يزيدُ عليهم بعده مسلم بن عقبة المزني، فسار بهم حتَّى نزل المدينة، فقاتلهم حتَّى هزمَهم، وأباح المدينةَ ثلاثَةَ أيَّام، فسمِّيت هذه الوقعةُ وقعةَ الحرَّة (١)، فهما متفقان في الاسم واسم الأب والقبيلة، ومفترقان في اسم الجدِّ والبطن من القبيلة.
فالأول: مأربي، والثاني: حارثي، وكلاهما أنصاريان خزرجيان، فيدخلان في نوعِ المتفق المفترق من علوم الحديث - والله أعلم -.
وأمَّا ألفاظه، فقوله: "دعا بتَوْرٍ مِنْ صُفْرِ"، التَّوْرُ: مثلُ الإِجَّانَةِ تشبهُ القِدْرَ، ويكون من حجارةٍ ومن نُحاس (٢).
وقال شيخنا أبو الفتح القاضي: هو الطَّسْتُ (٣).
والصُّفْر -بضم الصاد وكسرها، والضَّمُّ أفصحُ وأشهرُ -هو النُّحاس، وسمِّي النُّحاسُ شَبَهًا -بفتح الشِّين والباء، وبكسر الشِّين وإسكان الباء -سُمِّي به لكونه يشبه لون الذَّهب.
وقوله في الرِّواية الأولى: "فَدَعا بِتَوْرٍ مِنْ ماءٍ"؛ أي: من إناء من ماء، على حذف المضاف، وهو نوع من المجاز، واستعمل الحقيقة في الرِّواية، الرواية الثَّانية في قوله: في تورٍ من صُفْر.
وتقدَّم الكلام على المضمضة والاستنشاق والاستنثار.
قوله: "ثم أَدْخَلَ يَدَهُ"؛ يعني: "في التَّوْرِ"، فأقبل بهما وأدبرَ مرَّة واحدة،
стр. 94
اختلفَ الفقهاءُ في كيفية الإقبال والإدبار، هل هو بالنِّسبة إلى الرَّأس، أو بالنِّسبةِ إلى الشَّعر، أو بالنِّسبة إلى النَّاصية إلى الوجه، ثُمَّ إلى مؤخر الرَّأس، ثُمَّ إلى ما بدأ منه؟ على ثلاثة مذاهب.
وهذا الحديث مطلقٌ في الإقبال والإدبار من غير تحديد ابتداء غايةٍ وانتهائِها في الرَّأس، لكنَّه ذكره في الرِّواية الثانية في قوله: بدأ بمقدَّمِ رأسِه حتَّى ذهب بهما إلى قفاه، ثمَّ ردَّهما حتَّى رجع إلى المكان الَّذي بدأ منه، فهذه الرِّواية ظاهرةٌ في الأول، وهو مذهبُ الشّافعي ومالكٍ - رحمهما الله -، وهو أنَّهما قالا: يبدأ بمقدَّم الرَّأس الَّذي يلي الوجهَ، ويذهبُ إلى القفا، ثُمَّ يردُّهما إلى المكان الَّذي بدأ منه، وهو مبتدأ الشَّعر من حدِّ الوجه، ولو لم تردْ روايةُ التَّحديد بالابتداء والانتهاء، لكانَ للإطلاق في الرواية الأولى جوابا من حيث إنّهم قالوا: الإقبال لا يكون ابتداؤه إلا من مؤخَّر الرَّأس، والإدبار لا يكون ابتداؤه إلا من مقدَّم الرَّأس لو سلم، مع أنَّهم استدلُّوا عليه بروايةٍ وردت في حديث الرُّبَيِّعِ بنْتِ مُعَوِّذٍ ﵂ حسنةٍ، رواها عنها أبو داود والتِّرمذيّ وابن ماجَهْ، وحسَّنها الترمذيُّ وقال: حديثُ عبدِ الله بنِ زيدٍ أصحُّ من هذا وأجودُ إسنادًا (١)، وهي أنَّه بدأ بمؤخَّر رأسه، ثُمَّ بمقدَّمه، وهي محمولة على الجواز، لا على الأفضل، أو على حالة أو وقت، فلا يعارض ذلك الرِّواية المفسَّرة عن عبد الله بن زيد، والجوابُ عن رواية الإطلاق في الإقبال والإدبار أن الواو لا تدلُّ على التَّرتيب، ويؤيد عدمه ثبوت التَّقييد بالغاية ابتداءً وانتهاءً في الرِّواية الثانية، ويصحُّ -أيضًا- جعلُ الإقبال من جهة الشَّعر من منابته من جهة القفا، والإدبار إليه على معنى الفرق بين الذَّهاب إليه والوصول، وهو بعيد؛ للبدأة بالرَّأس لا بالشَّعر في رواية الكتاب - والله أعلم -.
وفي هذا الحديث دليلٌ على: جواز الاستعانة بإحضار الماء للطهارة بلا كراهة.
стр. 95
وفيه: جواز الوضوء من آنية النحاس وما أشبهه.
وفيه: تعليم المتعلِّمين بالفعل إذا كان الفعل أبلغَ في الفهم من القول.
وفيه: إلقاء الماء على اليد قبل إدخالها في الإناء في ابتداء الطهارة.
وفيه: جواز إدخالها الإناءَ بعد ذلك.
وفيه: أنَّ نيَّة الاغتراف لا تجب؛ لأنّه لو وجبت، لنُقل.
وفيه: أن الفقهَ اللازم عن الذِّهن من غير أصلٍ شرعيٍّ لا يُعمل به، بل يكونُ العملُ به بدعةً، ويكونُ ذكرُه لتشحيذ الذِّهن، لا لحكم شرعيٍّ.
وفيه: جواز التَّثليث في بعض أعضاء الوضوء دون بعض.
وفيه: الفرقُ بين الاستنشاق والاستنثار.
وفيه: غسل الرِّجْلَين.
وفيه: استقبال الرَّأس واستدباره في مسحه إذا كان له شعر، فلو كان محلوقًا قد نبت يسيرًا، فلا بأس به، ولو كان فاسد المنبت، لم يُستحب، ويكون الحديثُ خرج مخرجَ الغالب.
وفيه: إتيان الكبير إلى أتباعه، وابتداؤهم إيّاه بإحضار ماء الوضوء إذا علموا أنَّ به حاجةً إليه.
* * *
الحديثُ التَّاسعُ
عن عائشةَ ﵂ قالَت: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يُعْجِبُه التَّيمُّنُ في تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطَهُورِهِ، وَفي شَأنِهِ كُلِّهِ (١).
أمَّا عائشةُ ﵂، فهي الصِّدِّيقَةُ بنتُ الصِّدِّيقِ، أُمُّ المؤمنين، أُمُّ عبد الله، كُنِّيتْ بابنِ أختِها أسماءَ بِإذنِ النبي ﷺ ، وقيل: بسقطٍ، ولا يصحُّ،
стр. 96
واسمُ أبيها أبي بكرٍ: عبدُ الله بنُ أبي قُحافَةَ عثمانَ بنِ عامرِ بنِ عَمْرِو بنِ كعبِ بنِ سعدِ بنِ تَيْمِ بنِ مُرَّة بنِ كعبٍ، يلتقي مع رسول الله ﷺ في مُرَّةَ بنِ كعبٍ.
قال أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ: لم يختلفوا في اسم أبيها وجدِّها، وأن لقبَ أبي بكر عتيقٌ، وأمَّها أمُّ رومان -بضم الرَّاء-، وحكى ابن عبد البرِّ أنَّهُ يُقال بفتحها أيضًا، واسمُ أمِّ رومان زينبُ بنتُ عامرٍ، وقيل: بنتُ دهمان من بني مالكِ بنِ كِنانةَ.
وعائشةُ وأبوها وأمُّها وجدُّها صحابةٌ، وشاركها في ذلك جماعة من الصَّحابة، لكنَّه قليلٌ، ولا يوجد أربعة من الصَّحابة متوالدون إلا في آل أبي بكر الصِّدِّيق: عبدُ الله بنُ أسماءَ بنتِ أبي بكرِ بن أبي قحافة، ومحمَّدُ بنُ عبد الرَّحمنِ بنِ أبي بكرِ بنِ أبي قحافةَ.
تزوَّجها رسولُ الله ﷺ قبلَ الهجرةِ بسنتين، وقيل: بثلاث سنين، وقيل غيرُ ذلك، وهي بنتُ ستِّ سنينَ، وبنى بها بعد الهجرة مُنْصَرَفَهُ من بدرٍ في شوالٍ السَّنة الثَّانية من الهجرة، وتوفِّيَ رسولُ الله ﷺ وهي ابنةُ ثماني عشرةَ سنة، رُوي لها عن رسول الله ﷺ ألفُ حديثٍ ومئتا حديثٍ وعشرة أحاديث، اتفق البخاريُّ ومسلم على مئةٍ وأربعةٍ وتسعين حديثًا، وانفردَ البخاريُّ بأربعةٍ وخمسين حديثًا، ومسلمٌ بثمانيةٍ وستين حديثًا، روى عنها من الصَّحابة: عبدُ الله بنُ عبَّاس، وعبدُ الله بنُ الزبير، وعبدُ الله بنُ قيسٍ الأشعريُّ، وعبدُ الله بنُ عامرِ بن ربيعةَ، وأبو هريرة، ونيّفٌ وستُّون رجلًا وامرأةً من التابعين في الصَّحيح، توفيت سنةَ سبع، وقيل: ثمان وخمسين، لسبعَ عشرةَ ليلةً خَلَتْ من شهر رمضان، وأَمرتْ أنْ تُدفنَ بالبقيع، وصلَّى عليها أبو هريرة، ونزل قبرها خمسةٌ: عبدُ الله وعروةُ ابنا الزُّبير، والقاسم بن محمَّد، وعبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي بكر (١) ﵃.
ومناقبهُا كثيرة جدًّا؛ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إلَيْكَ؟ قالَ:
стр. 97
"عَائِشَةُ لا، قِيْلَ: مِنَ الرِّجَالَ؟ قالَ:. "أَبُوهَا" رواه مسلمٌ (١).
وعن مسروقٍ قال: رأيتُ مشيخةَ (٢) أصحاب رسول الله ﷺ الأكابرَ يسألون عائشةَ عن الفرائض (٣).
وعن عطاءِ بن أبي رباح قال: كانت عائشةُ أفقهَ الناس، وأعلمَ الناس، وأحسنَ الناس رأيًا في العامَّة (٤).
وعن عروة قال: ما رأيتُ أحدًا أعلمَ بفقهٍ ولا بطبٍّ ولا بشعرٍ من عائشة ﵂ (٥).
وعن القاسمِ بنِ محمَّدٍ قال: كانت عائشةُ قد استقلَّتْ بالفتوى في خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وهلمَّ جرًّا، إلى أن ماتت (٦).
واعلمْ أن رسولَ الله ﷺ مات عن تسع من أزواجه، وعائشةُ أفضلهنَّ بلا خلاف.
وهل هي أفضلُ من خديجةَ بنتِ خويلد؟ وجهان حكاهما صاحب "التتمة" (٧)، وادعى الثعلبي الإجماع على أن خديجةَ أولُ الناس إسلامًا، وهذا يقتضي ترجيحَ تفضيلِها على عائشة ﵅.
стр. 98
واختصَّت عائشةُ بفضائل لم يشركْها أحدٌ من أزواج النبي ﷺ فيها:
الأولى: أنه ﷺ تزوجها بِكْرًا دون غيرها.
الثانية: أنها خُيِّرَتْ فاختارتِ اللهَ ورسولَه على الفور، وكُنَّ تبعًا لها في ذلك.
الثالثةُ: نزول آية التَّيَمُّم بسبب عِقْدِها حين حبسَ رسولُ الله ﷺ النَّاس، وقال أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرِ: ما هيَ بأولِ بركتِكم [يا] آلَ أبي بكر (١).
الرَّابعةُ: نزولُ براءتها من السَّماء.
الخامسة: جَعْلُها قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة.
السادسةُ: تَتَبُّعُ الناس بهداياهم يومَها؛ لما علموا من حبِّه ﷺ لها.
السابعة: اختيارُه ﷺ أن يُمَرَّضَ في بيتها.
الثامنةُ: وفاته ﷺ بين سَحْرِها ونحرِها.
التاسعة: وفاته في يومها.
العاشرةُ: وفاته ﷺ في بيتها.
الحاديةَ عشرةَ: دفنُه ﷺ في بيتِها.
الثانية عشرة: [بيتها] بقعة هي أفضلُ بقاع الأرض مطلقًا، وهي مدفنه ﷺ ، وادعى القاضي عياض الإجماع عليه.
الثالثةَ عشرةَ: أنها رأتْ جبريلَ ﷺ في صورة دحيةَ الكلبيِّ، وسلَّم عليها.
الرَّابعةَ عشرةَ: كانت أحبَّ نساء النبي ﷺ إليه.
الخامسةَ عشر: اجتماعُ ريقِ رسول الله ﷺ وريقِها في آخر أنفاسه.
السَّادسةَ عشرةَ: كانت أكثرَهن علمًا.
السَّابعةَ عشرةَ: كانت أفصحَهن لسانًا.
стр. 99
الثامنةَ عشرةَ: لم ينزلِ الوحيُ على رسول الله ﷺ في لِحاف امرأةِ غيرها.
التَّاسعةَ عشرةَ: أن جبريلَ جاء إلى النَّبي ﷺ بصورتها قبل أن يتزوَّجها.
العشرون: لم ينكح النبي ﷺ امرأة أبواها مُهاجران بلا خلاف سواها.
الحاديةُ والعشرون: كان أبوها أحبَّ الرجال إليه، وأعزهم عليه ﷺ .
الثَّانيةُ والعشرونَ: كان لها يومان وليلتان في القَسْم دونهن لمَّا وهبتْها سَوْدَةُ بنتُ زمعةَ يومَها وليلتَها.
الثالثةُ والعشرون: أنَّها كانت تغضب، فيترضَّاها ﷺ ، ولم يثبت ذلك لغيرها.
الرَّابعةُ والعشرون: لم ينزلْ بها أمر إلا جعل الله لها منه مخرجا، وللمسلمين بركة.
الخامسةُ والعشرون: لم يَرْوِ عن النبي ﷺ امرأةٌ حديثًا أكثرَ منها.
السَّادسةُ والعشرون: أنّه ﷺ كان يتتبع رضاها في المباحات؛ كضرب الجواري إليها، وجعل ذقنها على عاتقه، ووقوفه لتنظر إلى الحَبَشَةِ يلعبون (١).
وأمَّا ألفاظُه:
فالتَّنَعُّلُ: لُبْسُ النَّعْل، والتَّرَجُّلُ: تسريح الشَّعر، يقال: شعر مرجَّلٌ؛ أي: مسرَّح، وشعرٌ رَجِلٌ ورَجْلٌ، ورجلَه صاحبُه: إذا سرَّحه ودهنه (٢).
стр. 100
والتَّيَمُّنُ في التنعل: البدأةُ باليمنى، وفي التَّرَجُّل: البدأَة بالشق الأيمن من الرَّأس في تسريحه ودهنه، وفي الطهور، البدأَة بالشقّ الأيمن في الغسل، وباليد اليمنى والرِّجْل اليمنى في الوضوء، وأما الخدَّان والعينان والأذنان والمنخران والكفان، فلا يشْرعُ التَّيمُّن فيهما كما تقدَّم إلَّا أنْ يكونَ أقطعَ ونحوَه، فتقدم اليمين (١).
وقولها: "وفي شَأنِهِ كُلِّهِ": عامٌّ في كل شيء، خُصَّ منه دخولُ الخلاء، والخروجُ من المسجد، والامتخاطُ، والاستنجاءُ وما شابه ذلك.
والطُّهورُ في هذا الحديث -بضم الطّاء-، والمراد به فعل الطَّهارة، وبفتح الطَّاء: الماء الَّذي يُتطهَّر به، وقال سيبويه: الطَّهور -بالفتح- يقع على الماء والمصدر معًا (٢).
والضَّابط في معنى هذا الحديث: أن ما كان من باب التَّكريم والرُّتبة (٣) كان لليمين، وما كان بخلافه، فلليسار.
وحكم البدأة باليمنى الاستحبابُ عند مالك والشّافعيِّ، وإن كان الشَّافعيُّ يقول بوجوب التَّرتيب في أعضاء الوضوء؛ فإنَّ اليدين والرّجلين كالعضو الواحد؛ حيثُ جُمعا في لفظ القرآن العزيز؛ حيث قال: ﴿أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٤]، وهو مجمع عليه، ويدخل في عموم قولها: وفي شأنه كُلِّه: حالة اللِّباس، والأكل، والشرب، والأخذ، والعطاء، والاكتحال والسِّواك، وتقليم الأظفار، وقصّ الشَّاربِ، ونتف الإبطِ، وحلق الرأس، والمصافحة، واستلام الحَجَرِ، وما أشبهَ ذلك.
فلو تعارض الانتعالُ والخروجُ من المسجد، خرجَ منه بيسارِه، ووضعَها على
стр. 101
نعلِه اليسرى من غير لبس، ثمَّ خرج باليمنى، ولبسَها، ثم لبس اليسرى -والله أعلم-.
واعلمْ أن تقديمَ اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سنَّة، لو خالفه، صح الوضوءُ، وفاته الفضيلةُ، وقالت الشِّيعةُ: هو واجب، ولا اعتدادَ بخلافهم، لكن قال الشَّافعي: الابتداءُ باليسارِ مكروهٌ -نص عليه في "الأم"- (١).
وقد روى أبو داودَ والتّرمذي بأسانيدَ جيدةٍ عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إذَا لَبِسْتُمْ وَإِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَؤُوا بِأيَامِنِكُمْ" (٢) ظاهرُ الأمرِ فيه للوجوب، فمخالفته محرَّمةٌ، لكن انعقد الإجماع على عدم التَّحريم، فثبتتِ الكراهة -والله أعلم-.
* * *
الحديث العاشر
عن نُعيمٍ الْمُجْمِرِ، عَنْ أبي هريرةَ ﵁، عن النبي ﷺ أنه قالَ: "إن أمتي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ" (٣).
وفي لفظ: رأيتُ ابا هريرةَ يتوضَّأ، فَغسَلَ وجهَه ويدَيْه حتَى كَادَ يبلغُ المنكبينِ، ثمَّ غسَلَ رِجْلَيه حتَى رفعَ إلى الساقين، ثمَّ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ
стр. 102
يقولُ "إن أمتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القيامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أثَرِ الوُضُوء، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنكمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ" (١).
وفي لفظٍ لمسلمٍ: سمعت خليلي ﷺ يقولُ: "تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضُوءُ" (٢).
أما نعيمٌ، فكنيته أبو عبد الله بنُ عبدِ الله، ويقالُ: ابنُ محمدٍ، حكاه ابن حبان، وهو عدوي، مولى عمرَ بنِ الخطَّاب ﵁، تابعي مدني، سمعَ ابنَ عمرَ وأَنَسًا وأبا هريرة، اتفقوا على توثيقه، روى له صاحبا "الصحيحينِ".
وأما المُجْمِرُ، فهو -بضم الميم وسكون الجيم وكسر الميم الثانية-، ويشتبه بمِخْمَرٍ -بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الميم الثانية- ابنِ اخي النجاشي ذي مِخْمَر، وقال ابنُ يونس: مُجْمِر -بضمِّ الميم وكسر الثانية- ويقال: مِخْبَر -بكسر الميم وإبدال الثانية باءً موحدة مفتوحة-، وجماعة من آباء الرواة مجمر (٣) بلا اختلاف، وهو صفةٌ لعبدِ الله أبي نُعيم، لا لنعيمٍ على قولِ الأكثرين، منهمُ ابنُ حِبانَ، وصاحب "المطالع"، وقال: إنما استُعمل في نعيم مجازًا، قال ابن حِيان: وإنما قيل: الْمُجْمِر؛ لأن أباه كان يأخذُ المجمرَ قدامَ عمرَ بنِ الخطاب إذا خرجَ إلى المسجد في شهر رمضان، ويقال: إن عمرَ جعلَ نعيمًا على إجمار المسجد، فسمي: المجمِّرَ؛ ذكره عبد الغني المقدسي في "ترجمة كيسان"، وما أظنهُ صحيحًا -والله أعلم- (٤)، وتجمير المسجد: تبخيرُه.
стр. 103
وأما أبو هريرة، فتقدم.
وأما الغُرَّةُ، فهي البياض في الوجه، والتَّحجيلُ: بياضٌ في اليدين والرّجلين، وأصله في اللغة: البياضُ في جبهة الفرس ويديها ورجليها (١)، ثمَّ استعملَهُ ﷺ في العلامة التي تكون على المؤمنين يوم القيامة في مواضع الوضوء، وهي نور، وسمَّاه غرةً وتحجيلًا من آثار الوضوء، والمرادُ به في الغرة: غسلُ شيءٍ من مقدم الرأس وما يجاوزُ الوجهَ زائدٍ على الجزء الذي يجبُ غسلُه لاستيعابِ كمالِ الوجه، وفي التَّحجيل: غسلُ ما فوقَ المرفقين والكعبين، وهو مستحب بلا خلاف، وادعَى الإمامُ أبو الحسن بن بطَّالٍ المالكي، ثم القاضي عياض اتفاقَ العلماء على أنه لا يُستحبُّ الزيادة فوق المرفقِ والكعبِ، وهي دعوى باطلة؛ فقد ثبت فعل ذلك عن رسول الله ﷺ ، وأبي هريرة، وعمل العلماء وفتواهم عليه، فهما محجوجان بذلك، واحتجاجهما بقوله ﷺ : "مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أو نَقَصَ، فَقَدْ أسَاءَ وَظَلَمَ" (٢) غيرُ صحيح؛ لأن المرادَ به الزّيادةُ في عدد المراتِ أو النقصُ عن الواجبِ، أو الثواب المرتب على نقص العدد، لا الزّيادة على تطويل الغرة والتَّحجيل -والله أعلم-.
وأما حدُّ الزائِدِ، فقالَ بعضُ أصحابِ الشَّافعيّ: لا حد له، وقال بعضُهم:
حده نصفُ العَضُدِ والساقِ، وقال بعضُهم: إلى الركبتين والمنكِب، والأحاديثُ
تقتضي ذلك كله.
[وقد استعمل أبو هريرة ﵁ الحديثَ على إطلاقه، فظاهرُه في إطالة الغرة والتحجيل -والله أعلم-] (٣).
وقوله: "يُدْعَوْنَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ"، يحتمل أَنْ يكونَ منصوبًا على المفعولية
стр. 104
ليُدعون بمعنى التسمية؛ أي: يُسموْن غُرًّا، ويحتملُ أَنْ يكونَ على الحال، وهو الأقرب.
وقوله: "مِنْ آثَارِ الوُضُوء" هو -بضم الواو، وهذا هو المعروف، ويجوز أن يُقال بفتحِها، ويكونُ المراد: آثارَ الماءِ المستعملِ في الوضوء، فالغرةُ والتَّحجيلُ نشآ عن الفعل بالماء، فيجوز نسبتُهما إلى كل واحدٍ منهما.
وقوله ﷺ : "فَمَنِ استَطَاعَ مِنكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ" اقتصارُه ﷺ على ذكر الغرة دون التحجيل، من باب التَّغليب بالذكر لأحدِ الشَّيئين، وإن كان بسبيلٍ واحدٍ للتَّرغيب فيه، وقد استعملَ الفقهاءُ ذلك، فقالوا: يُستحب تطويلُ الغرة، ومرادُهم الغُرةُ والتحجيل -والله أعلم-.
وقد استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث على أن الوضوءَ من خصائصِ هذه الأمة -زادَها اللهُ تعالى شرفًا-، وقال آخرونَ: ليس الوضوءُ مختصًّا بها، بل الذي اختصَّت به الغرة والتحجيلُ.
واحتجوا بالحديث الآخر: "هَذَا وُضُوئي وَوُضُوءُ الأَنبِياء قَبْلي" (١)، وأجاب الأولون عن هذا بجوابين:
أحدُهما: أنَّه حديثٌ ضعيفٌ معروفُ الضَّعفِ.
والثاني: لو صح، لاحتمل اختصاصَ الأنبياء دون أممهم؛ بخلاف هذه الأمة -والله أعلم-، ولا شكَّ أن هذه الأمة مختصةٌ بآثارِ الوضوء يوم القيامة، وهو النور الذي يكون في الوجوه والأيدي والأرجل المسمَّى بالحِلْية دونَ غيرِهم من الأمم -والله أعلم-.
стр. 105
وقولُ أبي هريرة ﵁: "سمعت خليلي ﷺ " أصلُ الخليل: الصَّديقُ، فَعيلٌ بمعنى مفعول، وهو المحبوبُ الذي تخللت محبته القلبَ، فصارت خِلالَه؛ أي: في باطنه، ولا شكَّ أنه يجبُ محبةُ رسولِ الله ﷺ محبةً تُخالطُ القلبَ والبدن، مقدمةً على النفس والمال والولد والناس أجمعين، ويجوزُ إطلاقُ ذلك هنا بهذا المعنى، فيقولُ أحدُ الصحابة أو كلهم: سمعت خليلي، وقال خليلي، وأمَّا هو ﷺ فلم يتَّخذْ أحدًا خليلًا؛ لأن خلته كانت مقصورة على حبِّ الله تعالى، فليس فيها متَّسَعٌ لغيره، ولا شركةٌ من محابِّ الدنيا والآخرة، ولا ينال ذلك إلا بفضل الله لمن يشاء من عباده.
ففي الحديث: استحبابُ المحافظةِ على الوضوء وسننِه المشروعة.
وفيه: ما أعدَّه الله تعالى من الفضل والعلامة لأهل الوضوء يوم القيامة.
وفيه: ما أطلعه الله تعالى لنبيه محمد ﷺ من المغيبات المستقبلة التي لم يُطلع عليها نبيًّا غيره ﷺ من أمور الآخرة وصفات ما فيها -والله أعلم-.
* * *
стр. 106
باب الاستطابة
الاستطابة: إزالة الأذى عن المَخْرَجَيْن بحجرٍ أو ماءٍ، مأخوذٌ من الطِّيب، يقال: استطاب الرّجل فهو مستطيبٌ، وأطاب فهو مطيِّب (١).
* * *
الحديث الأول
عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي كان إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" الخبث -بضم الخاء والباء- وهو جمعُ خبيثٍ، والخبائثُ: جمع خبيثةٍ، استعاذ من ذُكران الشياطين وإناثهم (٢).
أما أنس، فهو أنصاري خزرجي نجاري (٣) كنيته أبو حمزة، كناه رسول الله ﷺ ببقلةٍ كان يجتنيها، قال: الأزهري: البقلة التي جناها أنس كان في طعمها لذعٌ، فسمِّيت حمزة بفعلها فقال: رمَّانة حامزة؛ أي: فيها حموضةٌ، وهو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن يزيد بن حرام -بالحاء المهملة والرَّاء- وجمع ما في الأنصار من الأسماء حرامٌ كذلك، وفي قريش بكسر
стр. 107
الحاءِ المهملة والزَّاي-، أمه أمُّ سُلَيْم، واختُلف في اسمها اختلافًا كثيرًا، والصحيح مليكة، وهو الثابت في "الصحيحين"، وهي بنت مِلْحان -بكسر الميم على المشهور-.
وحكى صاحب "المطالع" عن بعضهم فتحَها (١)، أتت به أُمه إلى النبي ﷺ ليخدمَه حين قدمَ المدينةَ، فخدمه عشرَ سنين، فكان عمرُه عشرًا، وقيل: ثمانيًا، ودعا له رسولُ الله ﷺ بكثرةِ المالِ والولدِ، فرأى ﵁ من أولاده وأحفاده أكثرَ من مئة وعشرين، منهم لصلبه ثمانون ولدًا، ثمانية وسبعون ذكرًا، وابنتان.
وقال أنس: أخبرتني ابنتي أُمَيْنَةُ أنَّه دُفن لصلبي إلى مقدم الحَجاجِّ البصرةَ بضع وعشرون ومئة (٢).
وهو من أكثر الصَّحابة حديثًا، رُوي له عن رسول الله ﷺ ألفا حديثٍ، ومئتا حديثٍ، وستة وثمانون حديثًا، اتَّفقا على مئةٍ وثمانية وستين، وانفرد البخاري بثلاثةٍ وثمانين، ومسلمٌ بأحدٍ وسبعين.
روى عنه: أبو أمامةَ أسعدُ بنِ سهلِ بنُ حنيفٍ، وابناه موسى والنضر، وأحفاده، وخلق كثير من التَّابعين.
وكان رسولُ الله ﷺ يدخل على أُمِّه أمِّ سُليم فيصلي في بيتها غيرَ المكتوبة، ويدعو لهم بخير الدنيا والآخرة.
وهو من أطولِ الصَّحابة عمرًا، وسكن البصرةَ، ومات بها سنة ثلاث، وقيل: خمس، وقيل: إحدى، وقيل: اثنتين وتسعين، ودفن بقصره على نحو فرسخين من البصرة، وهو آخرُ مَنْ مات من الصحابة بها ﵁، وقال محمدُ بنُ عبدِ الله الأنصاري: كان سِنه يومَ ماتَ مئةً وسبعَ سنين.
وقال حُمَيدٌ: عُمرَ مئةَ سنةٍ إلا سنةً، ولا التفات إلى قول من قال: إنه آخر
стр. 108
الصحابة موتًا، بل آخرهم موتًا أبو الطُّفيل عامرُ بن واثلة؛ فإنه مات سنةَ مئة، وقال مُوَرِّقٌ العجلي لما مات أنسٌ: ذهبَ اليومَ نصفُ العلم (١).
أما ألفاظُه:
فالخلاء -بفتح الخاء المعجمة والمدِّ-: موضعُ قضاء الحاجة، وكذلك الكَنيفُ، والمِرْحاض، وأصلُه المكانُ الخالي، ثمَّ كثر استعماله حتى يُجُوز به غير ذلك.
وقوله: "إذا دخلَ" معناه: إذا أراد الدُّخول كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨]، وقد ثبت هذا المعنى تصريحًا في رواية البخاري قال: كانَ إذا أرادَ أن يدخلَ.
وأما الخبث، فهو بضم الخاء والباء وإسكانها، لكنِ الأكثرونَ على الضم، والإسكانُ جائزٌ كما في نظائره، ونقل القاضي عياضٌ أن الأكثرين على الإسكانِ، وقال الخطابي: الإسكانُ غلطٌ، وكلا القولين خلافُ الصواب، بل الوجهان جائزان كما ذكرنا، وجوازُ الإسكان على سبيل التخفيف قياسًا؛ كما يقال: كُتب ورُسل، وعُنق، وأُذن غير ممنوع، لا خلافَ فيه عند أئمة العربية، وهو باب معروف عند أئمةِ التصريفِ، وهو أن فُعُلًا -بضم الفاء والعين- تخَفَّفُ عينُه قياسًا، فلعل الخطابيَّ أنكرَ أن الأصلَ الإسكان فيه، لكن عبارتَه موهمة، وممَن صرح بأن الباء ساكنةٌ هنا إمامُ هذا الفنِّ والعمدةُ فيه أبو عبيد القاسم بنُ سَلام، والخُبثُ -بالضم- جمعُ الخبيثٍ، والخبائث جمعُ الخبيثة، يريد ذُكْرانَ الشَّياطين
стр. 109
وإناثَهم، وقيل: هو الشَّرُّ، وقيل: الكفرُ، وقيلَ: الخُبُثُ: الشَّيطان، والخبائثُ: المعاصي، وقال ابن الأعرابيّ: الخبثُ في كلام العرب: المكروهُ؛ فإن كان من الكلام، فهو الشَّتم، وإن كان من الملل، فهو الكفرُ، وإن كان من الطعام، فهو الحرام، وإن كان من الشَّراب فهو الضَّارُّ (١).
ولا شك في صحة هذا الحديث من رواية أنسٍ ﵁ كما ذكره المصنِّفُ، وهو ثابتٌ في "الصحيحين"، وقد رواه أبو داود والترمذي والنَّسائي وابنُ ماجَهْ، والحاكمُ أبو عبد الله في "مستدركه" من روايةِ زيدِ بنِ أرقم ﵁ بزيادة في أوله، وهي: "إن هذِهِ الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فَإذَا أتَى أَحَدُكُمُ الخَلاءَ، فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ"، وقال الترمذي: حديثُ أنسٍ أصح شيءٍ في الباب وأحسنُ، وحديثُ زيدِ بنِ أرقم في إسناده اضطرابٌ (٢)، وأشار إلى اختلاف الرواةِ فيه، وقال أبو محمد عبدُ الحق في "أحكامه الوسطى": حديثُ زيدِ بن أرقم اختلف في إسنادِه، والذي أسنده ثقةٌ، وقال الحاكم: هو من شرط الصحيح، ولم يُخرجاه بهذا اللفظ، وقال شيخنا أبو زكريا النواوي ﵀: حديثُ زيدِ بنِ أرقمَ صحيحٌ أو حسنٌ، قلتُ: وهو حسنٌ عندَ أبي داودَ؛ لسكوته عليه -والله أعلم-.
قال شيخنا أبو الفتح بنُ دقيق العيد القشيريّ ﵀ قولُه: "إذا دخلَ": يحتملُ أن يُرادَ به: إذا أراد الدخول؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ
стр. 110
شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، ويحتمل أن يريد به: ابتداءُ الدخول، وذكرُ الله تعالى مستحبٌّ في ابتداءِ قضاءِ الحاجة، فإِنْ كان المحل الذي يقضي فيه الحاجة غيرَ معدٍّ لذلك؛ كالصحراء مثلًا، جاز ذكرُ الله تعالى في ذلك المكان، وإن كان معدًّا لذلك؛ كالكنيف، ففي جواز الذِّكر فيه خلافٌ بين الفقهاء، فَمَنْ كَرِهَه، فهو محتاجٌ إلى أَنْ يُؤولَ قولَه: إذا دخل بمعنى: إذا أراد؛ لأن لفظة دخل أقوى في الدلالة على الكُنُفِ المبنيَّة منها على المكان البَراح، أو لأنه قد تبين في حديث آخرَ المرادُ؛ حيث قال ﷺ "إن هَذ الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فَإذا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الخَلاءَ فَلْيَقُل "الحديث، وأما من أجازَ ذكرَ الله تعالى في هذا المكان، فلا يحتاج إلى هذا التأويل، ويحمل دخل على حقيقتها، ثُمَّ قال: الحديثُ الذي ذكرناه من قوله ﷺ : "إنَّ هَذه الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ"؛ أيْ: للجانِّ والشَّياطين بيانٌ لمناسبةِ هذا الدُّعاء المخصوص لهذا المكان المخصوص، هذا آخرُ كلامه (١).
قلت: أمَّا قولُه: يجوز ذكرُ الله تعالى في مكان قضاء الحاجة إذا كان غيرَ مُعدٍّ له؛ كالصحراء، وإن كان معدًّا لها، ففيه خلافٌ بين الفقهاء، وجعلُه حديثَ الحشوش محتضرة بيانًا لمناسبة هذا الدعاء المخصوص في هذا المكان المخصوص، فلا أعلم أحدًا ذكر هذه الجملة من العلماء في الجواز والاختلاف والمناسبة، بل كلهم ذكروا الكراهةَ فيه، حتَّى صرَّح بعضُ العلماءِ في الصحراءِ بالكراهةِ إذا أرادَ قضاءَ الحاجة، وأراد اتخاذَ مكانٍ منه أنَّه يصيرُ حكمُهُ حكمَ المكان المتخذ في البنيان.
ورأيت بعض المتأخِّرين ينقلُ تحريمَ استصحابِ ذكرِ الله تعالى فيه المكتوب، فكيف بالنُّطق به؟، ولم أرَه، لكنَّهم صرَّحوا بالكراهة، سواءٌ كانَ غير قاضٍ حاجتَه، أَمْ على قضائها، ومناسبةُ الاستعاذةِ تقتضي ذلك، أما أنها تقتضي جوازَ ذكرِ الله تعالى فيه، فلا -والله أعلم-.