Полный текст (12 382 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
مباشرة الضَّبَّة اليسيرة تُكْره لغير الحاجة؛ فإن احتاج إلى ذلك فلا، ما معنى مباشرتها؟ معنى مباشرتها أن الإنسان إذا أراد أن يشرب من هذا الإناء المضبَّب شرب من عند الضبة، فيباشرها بشفتيه، هذا معناه، هذا معنى قوله: (تُكْرَه مباشرتُها) مع أنها هي حلال ولا حرام؟ هي حلال، لكن يقول: لا يُبَاشِر هذه الفضة، يكره.
والمكروه عند الفقهاء: هو ما نُهِيَ عنه لا على سبيل الإلزام بالترك، وحكمه: أنه يثاب تاركُه امتثالًا، ولا يعاقَب فاعله، بخلاف الحرام؛ الحرام فاعله يستحق العقوبة، لكن المكروه لا يستحق، وهذا في اصطلاح الفقهاء ﵏.
أما في القرآن والسُّنَّة؛ فإن المكروه يأتي للمحرم؛ ولهذا لما عدَّدَ الله أشياء محرمة في (سورة الإسراء) قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨]. وفي قراءة ﴿سَيِّئَةً عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾؛ فيكون المكروه في القرآن والسُّنَّة غير هذا؛ غير المكروه عند الفقهاء.
كذلك قال النبي ﵊: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» (١١)، وهذا حرام.
وعلى هذا فنقول: المكروه عند الفقهاء تعريفه: ما نُهِيَ عنه لا على سبيل الإلزام بالترك، حكمه يثاب تاركُه امتثالًا، ولا يعاقَب فاعلُه.
إذن هو حكم شرعي، الكراهة حكم شرعي، لا يمكن لأحد أن يُثْبِتَها إلا بدليل، فمن أثبتها بغير دليل، فإننا نَرُدُّ قولَه، كما لو أَثْبَتَ التَّحْريمَ بلا دليل، فإننا نردُّ قولَه.
стр. 107
لننظر الآن بناءً على هذه القاعدة كلام المؤلف: (تُكْرَه مباشرتُها) أي: مباشرة الضَّبَّة المباحة (لغير حاجة)، فإن احتاج إليها بأن كان الإناء يتدفق لو لم يشرب من هذه الجهة، احتاج أن يشرب من هذه الجهة، أو مثلًا هو جاء بالإناء وجعله على النار، لأجل يسخن، وصارت الجهة اللي ما فيها الضبة حارة ما يستطيع، وشرب من الجهة عند الجهة الباردة اللي فيها الضبة، هذه حاجة ولا لا؟ يشرب، ولا كراهة.
فإن لم يحتج فكلام المؤلف صريح في أنه مكروه، ولكن الصواب: أنه ليس بمكروه، وأنه يجوز أن يُباشِرَها؛ لماذا؟ لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل، وما دام قد ثبت أن هذه الضَّبَّة مباحة بمقتضى النص؛ حديث أنس: أن قدح النبيِّ ﵊ انكسر، فاتَّخَذَ مكان الشَّعْب سلسلة من فِضَّة (١٢) هذا مباح بمقتضى النص، فإذا كان مباحًا، فما الذي يجعل مباشرتُه مكروهةً؟
وهل ورد أن الرسول ﷺ كان يَتَوقَّى هذه الجهة مِنْ قَدَحِهِ؟ لا، وحينئذ؛ فالصحيح أنه لا كراهة؛ وذلك لأن هذا شيء مباح، ومباشرة المباح مباحة.
قال المؤلف ﵀: (وَتُباحُ آنيةُ الكفار -ولو لم تَحِلَّ ذبائحُهم- وثيابُهم).
أولًا: (آنية) بالرفع على أنها نائب فاعل.
(ولو لم تَحِلَّ ذبائحُهم)، ذبائح؛ بالرفع على أنها فاعل.
(وثيابهم)، بالرفع على أنها معطوفة على (ذبائحهم)؛ لأنها أقرب مذكور، أو على (آنية)؟ على آنية؛ يعني: وتباح ثيابهم؛ ولهذا لو قال المؤلف ﵀: (وتباح آنية الكفار وثيابهم إن جُهِلَ حالُها) ولو لم تَحِلَّ ذبائحُهم لكان أسلم من هذا الاشتباه الذي قد يشتبه على بعض الناس.
والمهم أن قوله: (آنيةُ الكفار) نائب فاعل، (وثيابُهم) معطوف عليها.
стр. 108
قال المؤلف: (آنيةُ الكفار) الكفار يشمل الكافر الأصلي والكافر المرتد، فلو وجدنا شخصًا في بيتٍ وحده وهو لا يصلي -والعياذ بالله- فهو كافر، يدخل في هذا الحكم؟ نعم، يدخل في هذا الحكم؛ يعني: لنا أن نأكل في آنيته وأن نشرب في آنيته وأن نلبس ثوبه، ولو كان كافرًا؛ لأن المؤلف هنا قال: الكفار، فيشمل كلَّ كافر سواء كان أصليًّا أم مرتدًّا.
اليهود والنصارى يدخلون في ذلك؟ نعم؛ ولهذا قال: (ولو لم تحل ذبائحهم) إشارة إلى أن اليهود النصارى من باب أولى؛ لأن اليهود والنصارى تحلُّ ذبائحُهم، الدليل قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] ﴿طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ المراد به: ذبائحهم، كما فسر ذلك ابن عباس ﵁، وليس المراد خُبْزُهم وشعيرُهم وما أشبه ذلك؛ لأن هذا حلال لهم ولغيرهم، يعني: حتى من غيرهم يجوز أن نأكله، لكن المراد بالآية: ﴿طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هو ذبائحهم فهي حلال اليهود والنصارى.
المجوس لا تَحِلُّ ذبائحُهم، الوثنيون الدَّهْرِيُّون ما تحل ذبائحُهم ما تحل إلا ذبيحة اليهود والنصارى، أما آنية الكفار فتَحِلُّ.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل؟
قلنا: الدليل عموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ثم إن أهل الكتاب إذا كان الله قد أباح لنا طعامهم، فمن المعلوم أنهم يأتون به إلينا أحيانًا مطبوخًا بأوانيهم، ثم إنه ثبت أيضًا أن الرسول ﵊ دعاه غلامٌ يهوديٌّ على خبز شعير، وإِهالَةٍ سَنِخَة (١٣).
стр. 109
ثم إن الجراب الذي رُمي به في خيبر وأخذه عبدُ الله بن المغفَّل ﵁ فالتَفَتَ فإذا النبي ﵊ خلفه يضحك وأكله (١٤)؛ جراب من شحم، ثم إن الشَّاة المسمومة التي أُهديت للرسول ﵊ في خيبر (١٥). كل هذا يدل على أن ما باشروه فهو طاهر ولَّا نجس؟
طلبة: طاهر.
الشيخ: إذن تباح آنيتُهم، ولكن ورد في حديث أبي ثعلبة الخشني أن الرسول ﵊ قال: «لَا تَأْكُلُوا فِيها إِلَّا أَلَّا تَجِدُوا غَيْرَهَا؛ فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيها» (١٦).
فهذا يدل على أن الأولى التَّنَزُّه، ولكن كثيرًا من أهل العلم حملوا هذا الحديث على أناس عُرِفُوا بمباشرة النجاسات من أكل الخنزير، ونحوه، فقالوا: إن هؤلاء مَنَعَ الرسول ﵊ من الأكل في آنيتهم إلا إذا لم نجد، فإننا نغسل ذلك، ونأكل فيها.
وهذا الحمل جَيِّدٌ؛ لأن هذا مقتضى قواعد الشرع، وقد ثبت أن النبي ﷺ توضَّأ وأصحابُه توضَّؤوا من مَزَادَةِ امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ (١٧)، وهي التي عبت الماء فيها وحملته ( ... ).
وقوله: (وَثِيابُهم)، أي: تُباح ثيابُهم، ويش معنى ثيابُهم؟ يعني: ما صنعوه أو ما لبسوه أو الأمران؟ الأمران، ثيابُهم التي صنعوها تحل، والتي صبغوها تحل، ما نقول: لعلهم صبغوها بصبغ نجس؛ أو نسجوها بمنساج نجس؛ لا الأصل الحل، وكذلك ما لبسوه من الثياب فإنه يحل لنا لُبْسُه، ولكن مَنْ عُرِفَ منهم بعدم التَّوَقِّي من النجاسات فإن الأولى التَّنَزُّه عن ثيابه بناءً على ما يقتضيه حديث أبي ثعلبة الخشني (١٢) ﵁.
стр. 110
مثل مَنِ الذين لا يَهْتَمُّون بالنجاسات؟ مثل النصارى؛ يقول أهل العلم: إن النصارى لا يَهْتَمُّون بالنجاسات، يتلوَّث ثوبُه بالنجاسة بالبول، والمرأة بالحيض، ما يهم، عكس اليهود؛ اليهود يقولون: إنه إذا تَنَجَّسَ الثوبُ عندهم قَطَعُوه، قَرَضُوه بالمِقْراض، ولا يمكن أن يغسلوه؛ فجاءت الشريعة هذه -والحمد لله- بين هؤلاء وهؤلاء، وسطًا، لا يُستهان بها ولا يُقْطَع الثوبُ الذي تلوَّث بها، وإنما يُغْسَل، حتى يزول هذا الخبث.
(إن جهل حالها)، وإن عُلِمَ؟
طالب: يُعْمَل بما علموا.
الشيخ: إن عُلِمَ فلا يخلو إما أن أن تُعْلَم طهارتُها، أو تُعْلَم نجاستُها؛ إن عُلِمَت نجاستُها فإنها ما تُسْتَعْمَل، وإن عُلِمَت طهارتُها فلا إشكال فيه، الإشكال فيما إذا جُهِلَت الحال، هل نقول: إن الأصل أنهم لا يَتَوَقَّوْن النجاساتِ وأنها حرام، أو أن الأصل الطهارة حتى يُتَبَيَّن النجاسة. الجواب؟ الأخير؛ ولهذا كلمة: (إن جهل حالها) لها مفهومان؛ المفهوم الأول عُلِمَت طهارتُها، والمفهوم الثاني عُلِمَت نجاستها.
إن عُلِمَت نجاستُها فإنها تُجْتَنَب حتى تُغْسَل، وإن عُلِمَت طهارتُها فالأمر فيها واضح.
طالب: هذا الأصل قبل أن يستعملها عندهم، ولَّا حتى وإن كانت صُنِّعَت يعني؟
الشيخ: حتى المصنوعة والملبوسة عندهم.
***
ثم قال المؤلف: (ولا يَطْهُر جِلْدُ مَيْتَةٍ بِدِباغٍ) الدبغ: معروف، وهو عبارة عن تنظيف الأذى والقذر الذي كان في الجلد بواسطة مواد تضاف إلى الماء، ومنها القَرَظ؛ القَرَظ شيء، أشبه ما له -والله أعلم- اللي يسمونه عندنا (الكرمة)، ما أدري أيش يسمونها عندكم.
على كل حال هذا الدبغ؛ يعني: عبارة عن تنظيف الجلد وإزالة ما يكون فيه من الخبث، فإذا دُبِغَ الجلد فإن المؤلف يقول: إنه لا يَطْهُر بالدِّباغ، وهنا نسأل أولًا: هل جلد الميتة نجس؟
стр. 111
الجواب: فيه تفصيل، إن كانت الميتة طاهرة فَجِلْدُها طاهر، وإن كانت الميتة نجسةً فجلدها نجس، أو لا؟ هل هناك ميتة طاهرة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: مثل؟
الطلبة: السمك.
الشيخ: الجراد الظاهر هذا ما له جلد، لكن لا بأس ميتته طاهرة، السمك ميتته طاهرة؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦].
قال ابن عباس: صيده ما أُخِذَ حيًّا، وطعامُه ما أُخِذَ مَيِّتًا (١٨)، هذا لا إشكال فيه؛ جلده طاهر، وكله طاهر، ولا فيها إشكال.
أما الذي يَنْجُس بالموت فإن جلده يَنْجُس بالموت؛ لأنه داخل في عموم الميتة، أليس كذلك؟ فيكون داخلًا في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] ( ... )، ولا يلزم من التحريم النجاسة، القاعدة هذه صحيحة: لا يلزم من التحريم النجاسة، ولهذا السُّمُّ حرام، وليس بنجس، أو لا؟
والتتن (١٩) حرام وليس بنجس، والخمر حرام وليس بنجس على القول الراجح، فلا يلزم من التحريم النجاسة؛ لأننا نجيب عن ذلك بأن الله علَّل لما قال: لا أجد مُحَرَّمًا ﴿إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، هذا واضح أنه نجس.
فإذن الميتة.
نجسة وجلدها نجس، ولكن هل إذا دبغناه يَطْهُر أو لا؟
اختلف في ذلك أهل العلم؛ فقال بعض العلماء: إنه لا يَطْهُر، وهو -كما ترون- المذهب: أنه لا يَطْهُر بالدباغ؛ لماذا؟ قالوا: لأن الميتة نجسة العين، ونَجِسُ العين لا يمكن أن يَطْهُر، أو لا؟
لو تجيب مثلًا كلبًا وتغسله بالصابون والماء الحار سبع مرات يَطْهُر؟ ما يَطْهُر، نجس العين لا يَطْهُر، أليس كذلك؟
الروثة؛ روثة الحمار لو بتغسلها بماء البحار، تَطْهُر؟ لا.
стр. 112
فيقولون: إن الجلد إنه عَيْنٌ نَجِسَة، والعين النجسة لا يمكن أن تَطْهُر، وهذا في الحقيقة التعليل واضح جدًا؛ أنه لا يطهر لأن نجاسته عَيْنِيَّة، وأما الذي يَطْهُر بزوال خبثه فهو النجاسة الحكمية، كنجاسة طرأت على ثوب ثم غَسَلْناه حتى ذهبت، هذا واضح أنه يطهر، لكن أما الجلد فلا.
إذن فقد اعتمدوا على قياس واضح؛ أنه لا يَطْهُر بالدباغ.
طيب، هذا واحد قطع قطعة لحم من ميتة، وطبخها حط فيها قَرَظ وكل ما يُنَظِّف، قال: الآن طَهُرَت، ويش تقولون؟
طلبة: ما تَطْهُر.
الشيخ: ما تَطْهُر، إذن الجِلْد مثلها ما يطهر، ولكن هذا القياس في مقابلة النص، ما هو النص؟ حديث ميمونة ﵂ أن الرسول ﵊ مَرَّ بشاةٍ يَجرُّونها، فقال: «هَلاَّ أَخَذْتُمْ إِهابَها؟ » قالوا: إنها ميتة، قال: «يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ» (٢٠)، وهذا صريح؛ يطهرها الماء والقَرَظ وهي ميتة يجرونها بَرًّا، فقال: خذوا جلدها، فقالوا: إنها ميتة، قال: «يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظ»، بعد هذا نقف ولا لا؟ نقف.
لكن قالوا: هذا الحديث منسوخ؛ لأنه يروى أن عبد الله بن عكيم قال: إن النبي ﷺ كتب إلينا قبل أن يموت بشهر أو شهرين: «أَلَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ، بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» (٢١).
فقالوا: إن هذا الحديث ناسخ لحديث ميمونة، والله يمحو ما يشاء ويثبت، الجواب على هذا الحديث:
أولًا: الحديث ضعيف، ولا يمكن يقابل الحديث الذي في مسلم.
ثانيًا: الحديث ليس بصريح في النسخ؛ ليس بناسخ؛ لأن ما ندري هل شاة ميمونة قبل أن يموت بشهر، ربما قبل أن يموت بأيام؟ ومن شرط القول بالنسخ العلم بالتاريخ، إذن ما يتحقق النسخ فيه.
ثالثًا: أنه لو ثبت أنه متأخر، فإنه لا يعارض حديث ميمونة؛ لأن قوله: «لَا تَنْتَفِعُوا بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» يحمل على الإهاب قبل الدبغ، وحينئذ يجمع بينه وبين حديث ميمونة.
стр. 113
وبهذا تَبَيَّنَ أن ادِّعاء النسخ لا يصح؛ لهذه الوجوه الثلاثة؛ ضعف الحديث، وعدم العلم بالتاريخ، وإمكان حمله على ما لم يدبغ؛ فيبقى حديث ميمونة محكمًا لا نسخ فيه.
ولكنه يبقى عندنا مسألة القياس والنظر؛ كيف تقولون: لو دبغت الكبد ما طهرت؛ ولو دُبِغَ الجلد طَهُر؟ وكلها أجزاء ميتة، ونحن نعرف أن الشريعة الحكيمة لا يمكن أن تُفَرِّق بين مُتَماثِلَيْن؟ إذن كيف نتخلص من هذا القياس؟
الجواب على هذا من وجهين:
الوجه الأول: أنه متى ثَبَت الفرق في القرآن أو السنة بين شيئين متشابهين فاعلم أن هناك فرقًا في المعنى، ولكنك لم تتوصل إليه؛ لأن إحاطتك بحكمة الله غير ممكنة.
فمتى وَجَدْتَ حُكْمَيْن في شيئين متشابهين في الشريعة، ولكنَّ الحكمين متغايران فاعلم أن هناك سببًا اقتضى اختلافهما في الحكم، ولكن لا يلزم من ذلك أن تعرف هذا السبب، فما موقفك حينئذ؟ التسليم.
ثانيًا: أن نقول: إنه يمكن الفرق بين اللحم والشحم والجلد، فإن حلول الحياة فيما كان داخل الجلد -لأن الجلد كالوعاء- حلول الحياة في ما كان داخلًا أشد من حلوله في الجلد نفسه، لأن الجلد -كما تعلمون- فيه نوع من الصلابة بخلاف اللحوم والشحوم والأمعاء، وما كان داخلُه فإنه ليس مثله، فلا يكون فيه الخبث الذي من أجله صارت الميتة حرامًا ونجسة.
ولهذا نقول: إنه يُعْطَى حُكْمًا بين حُكْمَين:
الحكم الأول: أن ما كان داخل الجلد لا يَطْهُر بالدباغ، ولا بالتنظيف، وما كان خارج الجلد من الشعر والوبر والريش فهو طاهر، والجلد بينهما، فلهذا أعطي حُكمًا بينهما.
وبهذا نعرف سمو الشريعة، وأنها لا يمكن أن تُفَرِّق بين مُتَماثِلَيْن، ولا أن تَجْمَع بين مختلفين.
وأن كون الجلد يَطْهُر بالدباغ من الحكمة العظيمة، وكونه يَنْجُس بالموت من الحكمة العظيمة أيضًا؛ لأنه ليس كالشعر والوبر والريش، وليس كاللحم والشحم والأمعاء، ونحو ذلك.
( ... ) والثاني أن يتحقق ( ... ).
стр. 114
فإن كان هناك ضرورة لكن تندفع بغيره فلا ضرورة ما يجوز، وإن كان هناك ضرورة لكن ما يتحقق أن تندفع به فلا يجوز.
وبهذا نعرف أن التداوي بالمحرَّم حرام، وإن كان بعض العامة يقولون: التداوي بالمحرم حلال؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات.
التداوي بالمحرم حرام، السبب لأنه قد يُشْفَى بدونه، وكثير من الناس شُفِيَ بدون أن يعالج، يشرف على الموت ثم يُشْفِيه الله، هذه واحدة.
ثانيًا: أنه لو فُرِضَ أنه اضطر، هل تندفع الضرورةُ به، قد يُشْفَى، وقد لا يُشْفَى حتى لو استعمل الدواء.
بعض الناس يقولون: إن الكحة دواها شرب لبن الحمير؛ ويقولون في القاعدة المعروفة: (دواء الشهَّاقة لبن النهاقة) هذه من فطرهم، نقول: هذا غير صحيح؛ لأن الله قد يشفيه بدون هذا.
ثم هناك أدوية ثانية يُشْفَى بها، والثاني: لأنه قد يَشْرَب لبن النهَّاقة -كما يقولون- ومع ذلك لا يُشْفَى. وليتهم قالوا: (دواء الشهَّاقة لبن الناقة)، لكن الله يعافينا.
إذن استفدنا قاعدتين؛ القاعدة الأولى: أن الحاجة تبيح المكروه، والثانية أن الضرورة تبيح المحرم ( ... ).
ويستدل له (آنية)، لكننا نقول: لماذا لا نجعلها معطوفة على (ذبائحهم)؟ لفساد المعنى، هذه العلة، لو قلت: ولو لم تحل ذبائحُهم وثيابهم، صار المعنى ولو لم تَحِل ثيابهم، ولا أحد يقول: إن ثياب الكفار ما تحل إلا إذا كانوا معروفين بملابسة النجاسة، ففيها خلاف، المهم أنها معطوفة على آنية ( ... ).
النظرية من وجهين؛ الوجه الأول أنها علة في مقابلة النص، فتكون مُهْدَرَةً باطلة، والوجه الثاني أن نقول: إن النظر الصحيح عندما يتأمل الإنسان يدل على أن القياس الصحيح ما دلَّ عليه النص، من كونه يَطْهُر بالدباغ.
طالب: الجواب عن ( ... ) بأنه يطهر.
الشيخ: بأنه يَطْهُر؟ ! ما فيه جواب؛ لأن هذا هو الصحيح.
стр. 115
( ... ) يجرُّونها، فقال: «هَلَّا أَخَذَتُمْ إِهَابَها فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟ » قالوا: يا رسول الله إنها ميتة، قال: «يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ» (١٢) هذا صريح وواضح.
طالب: أهل اللغة يقولون: إن الإهاب ..
الشيخ: هذا صريح، هذه ميتة يَجُرُّونها، وقالوا: إنها ميتة كيف ننتفع بها، قال: «يُطَهِّرُهَا»، ميتة يجرونها ما دُبِغَت، الميتة اللي تُجَرُّ ما دُبِغَ جلدُها.
طالب: إي، بس الجزء رطب الآن، حتى لو كانت ميتةً يكون الجلدُ رطبًا قبل الدفن.
الشيخ: وإذا كان رطبًا؟
طالب: فيكون إهابًا.
الشيخ: ولو كان إهابًا، لكن الرسول يقول: «يُطَهِّرُهُ»؟
الطالب: «المَاءُ وَالقَرَظُ».
الشيخ: إذن يصير طاهرًا، ولّا لا؟
طالب: يكون طاهرًا.
الشيخ: هذا هو المقصود ( ... ).
على كل حال الآن نقول: الصحيح أنه إذا دُبِغَ يكون طاهرًا؛ للأحاديث الصحيحة في صحيح مسلم وغيره، وأما حديث عبد الله بن عُكَيم فإن هذا ضعيف، ولو صح فإنه يُحْمَل على ما كان قبل الدبغ، ( ... ).
***
يقول: (ويُباح استعمالُه بعد الدَّبْغ في يابس)؛ استعمال أيش؟ جلد الميتة بعد الدبغ في يابس.
أفادنا المؤلف أن استعماله قبل الدبغ لا يجوز؛ لا في يابس، ولا في غير يابس؛ لأنه نجس.
وظاهره أيضًا أنه لا يجوز، ولو بعد أن نَشِفَ الجلد وصار يابسًا، وهذا فيه نظر؛ لأنا نقول: إذا كان يابسًا، واستُعْمِل في يابس فإن النجاسة هنا لا تَتَعدَّى كما لو قددناه وجعلناه حِبالًا لا يُباشَرُ بها الأشياء الرطبة، فإن هذا لا مانع منه.
وأما قوله: (بعد الدبْغِ في يابسٍ) الرطب يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز بالرطب؛ يعني: ما يجوز أن نجعل فيه ماءً، ولو بعد الدبغ؛ ولا أن نجعل فيه لبنًا؟ ولا أن نجعل فيه أي شيء رطب، لماذا؟ لأنه إذا كان نجسًا، ولاقاه ماء تَنَجَّسَ الماء به، هذا الماء يتنجَّس به.
стр. 116
وأما إذا كان في يابس، والجلد يابس فإنه لا يتنجس به؛ لأن النجاسة ما يتعدَّى حكمها إلا إذا تعدَّى أثرها، فإذا لم يتعدَّ أثرُها فإن حكمَها لا يتعدَّى، ولهذا عند العامة كلمة حقيقية، يقولون: (ليس بين اليابسين نجاسة)؛ يعني: إذا تلاقى نجسان وهما يابسان فإن النجاسة لا تنتقل إلى الطاهر.
وقوله: (يُباحُ استعمالُه بعد الدبغ في يابس) إذا قلنا بالقول الراجح الصحيح: إنه يَطْهُر بالدباغ؛ فإنه يباح استعماله في اليابس وفي الرطب.
ويدلُّ لذلك أنَّ الرَّسول توضَّأ هو وأصحابه من مَزَادَةِ امرأة مشركة (١٢)، وذبائح المشركين نجسة، فتوضأ النبي ﵊ وأصحابه من هذه المزادة يدل على أنه يباح استعماله في الرطب؛ لأنه يكون طاهرًا.
نائب الفاعل هو (استعمال)، لكن من الضمير في (استعمال)، يعني استعمال الجلد حال كونه من حيوان طاهر في الحياة، لأنه يباح استعماله في اليابس.
أفادنا المؤلف هنا أن الذي يباح استعمالُه بعد الدبغ في اليابس، إذا كان من حيوان طاهر في الحياة، ما هو الطاهر في الحياة؟
أولًا: كل مأكول فإنه طاهر في الحياة، مثل إبل، بقر، غنم، ضبع، ظباء، وما أشبهها.
ثانيًا: على المذهب؛ كل حيوان من الهر فأقل خلقة فإنه طاهر في الحياة؛ مثل الهرة طاهرة في الحياة؛ لقول الرسول ﵊: «إِنَّها لَيْسَتْ بِنَجِسٍ؛ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» (٢٢).
ثالثًا: كل شيء ليس له نفس سائلة؛ يعني: دم، كل شيء ليس له دم يسيل إذا ذُبِحَ أو قتل فإنه طاهر، هذا الحيوان الطاهر.
رابعًا: الآدمي، لكن الآدمي هنا غير وارد؛ لأن استعمال جلد الآدمي مُحَرَّم لا لنجاسته ولكن لحرمته.
إذن لو دَبَغ الإنسان جلدَ فأرة أو جلد هِرَّةٍ هل يَطْهُر، على المذهب؟ لا يطهر، ما هنا شيء يَطْهُر على المذهب، لكن يُباح استعمالُه في اليابس، وعلى القول الثاني يَطْهُر، فيباح استعماله في اليابسات والمائعات.
стр. 117
طيب، يصح أن نجعل جلد الهرة سقاء صغير، إذا دبغناه؟ على المذهب واضح، على القول الثاني يصح؛ لأنه طَهُر.
فمدار الخلاف الآن على الطاهر في الحياة؛ جلد الحيوان الطاهر في الحياة.
وهذا هو أحد القولين في هذه المسألة أن مناط الحُكْم على طهارة الحيوان في حال الحياة؛ فما كان طاهرًا في الحياة فإنه يباح استعماله بعد الدبغ في يابس، ولا يطهر على المذهب، وعلى القول الثاني يطهر، فيه قول ثالث: إن جِلْدَ الميتة يَطْهُر بالدباغ، لكن بشرط أن تكون الميتة مما تُحِلُّه الذكاة؛ يعني: مما يؤكل، أما ما لا تحله الذكاة فإنه لا يطهر، وهذا القول هو الراجح.
وعلى هذا فجلد الهر وما دونه في الخلقة لا يَطْهُر؛ ودليل هذا القول أن في بعض ألفاظ الحديث «دِبَاغُ جِلُودِ الْمَيْتَةِ ذَكَاتُهَا» (٢٣) فعبَّر بالذكاة، ومعلوم أن الذكاة لا تُطَهِّر إلا ما يُؤْكل ويُباح أكلُه؛ لو أنك ذبحت حمارًا وذكرت اسم الله عليه وأنهر الدم وقطعت الوَدَجَيْن والحلقوم والمريء، يحل؟ ما يُسَمَّى ذكاة.
على هذا نقول: جلد ما يَحْرُم أكلُه ولو كان طاهرًا في الحياة، لا يَطْهُر بالدباغ، الدليل هو: «دِبَاغُ جِلُودِ الْمَيْتَةِ ذَكَاتُهَا».
وفيه أيضًا تعليل: أن الحيوان الطاهر في الحياة إنما جُعِلَ طاهرًا لمشقة التحرُّز منه لقول النبي ﵊: «إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» (١٢)، وهذه العلة بعد الموت باقية ولَّا منتفية؟ منتفية، وعلى هذا فَيَعُود إلى أصله وهو النجاسة، فلا يَطْهُر بالدباغ.
وهذا القول هو الراجح، وعليه فيكون القول الراجح في هذه المسألة: أَنَّ كلَّ حيوان مات وهو مما يُؤْكَل؛ فإن جِلْده يَطْهُر بالدباغ، مفهوم؟ هذا هو القول الراجح، وهو أحد قَوْلَي شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وله قول ثانٍ يوافق القول الذي أشرنا إليه من قبل: أن ما كان طاهرًا في الحياة فإن جلده يَطْهُر بالدبغ.
ثم قال: (وَلَبَنُهَا)، أيش (لبن)؟
стр. 118
(لَبَنُها) أي: الميتة، إذا قيل: أين مرجع الضمير؟ قلنا: قوله: (ولا يَطْهُر جلدُ ميتةٍ).
لبن الميتة نَجِسٌ وإن لم يتغير بها؛ ليش؟ لأنها نجسة، هي حرام نَجِسَة، لكن اللبن ويش شأنه؟ قالوا: لأنه مائع لاقى نَجِسًا فتَنَجَّسَ به، هو مائع، مثل ما لو سقطت فيه نجاسة؛ مائعٌ لاقى نجسًا فتنجَّس به، وإلا فهو في الحقيقة منفصل عن الميتة وهي في حال الحياة؛ لأن هذا الضرع وعاء له، بمنزلة الإناء، لكنهم يقولون: إنه لما ماتت نَجُسَت، فيكون هذا اللبن قد لاقى نجاسةً فيَنْجُس بذلك.
واختار شيخ الإسلام أن لبن الميتة طاهر بناءً على اختياره ﵀ بأن الشيء لا يَنْجْس إلا بالتغير، فقال: إذا لم يكن هذا اللبن متغيِّرًا بدم الميتة وما أشبه ذلك فإنه يكون طاهرًا.
والذي يظهر لي في هذه المسألة أن القول الراجح المذهبُ؛ لأنه وإن كان قد انفصل واجتمع في الضرع قبل أن تموت فإنه يسير بالنسبة إلى ما لاقاه من النجاسة؛ لأن النجاسة محيطة به من كل جانب، فهو يسير، ثم إن الذي يظهر سريان العفونة؛ عفونة الموت إلى هذا اللبن المائع؛ لأنه ليس كالماء في قوة دفع النجاسة فيكون نجسًا.
ثم لو قلنا بأن هذا فيه نظر من حيث قاعدة: لأن القاعدة عندنا: أن ما لا يتغير بالنجاسة فليس بنجس، وهذه قاعدة محكمة عظيمة، فإنا نقول: هذا من باب الاحتياط، والأخذ بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وهذا اللبن الذي لم يزل في الضرع قد يكون داخلًا في هذا العموم. فالمهم أن الاحتياط البُعدُ عنه.
طالب: يجيز شربه ( ... ).
الشيخ: إي نعم، يجيز شربه؛ لأنه عنده طاهر.
***
(وكلُّ أجزائها نَجِسَةٌ) اليد، والرجل، العين، الرأس، كل الأجزاء نجسة لعموم قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، والميتة يطلق على كل الحيوان ظاهره وباطنه.
стр. 119
هل يدخل في قوله: (كلُّ أجزائها) الجلد؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لكن سبق الكلام عليه، وهو قوله: (ولا يَطْهُر جلدُ ميتَةٍ)؛ لأن قوله: (ولا يَطْهُر جلدُ ميتَةٍ) مِن لازمه أنه نَجِس.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أيهم؟
طالب: ( ... )
الشيخ: لا، بل إن هذا الجلد قد لا نقول: إنه من الأجزاء، وقد نقول: من الأجزاء، ولكن سبق الكلام عليه.
***
قال: (غيرَ شَعَرٍ ونحوِه) كالصوف والوبر والريش، هذه أربعة؛ الصوف للغنم الضأن، والوبر للإبل، والشَعَر للمعز والبقر، وما أشبهها، والريش للطيور.
وقول المؤلف: (لبنُها وكلُّ أجزائها نَجِسَة) يستثنى من ذلك ما ميتته طاهرة، ويش اللي ميتته طاهرة؟ السمك؛ يعني: كل حيوان البحر بدون استثناء فإن ميتته طاهرة حلال؛ لقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦]؛ قال ابن عباس ﵄: صيدُه ما أُخِذَ حيًّا، وطعامه ما أُخِذَ مَيِّتًا (٢٤).
هل يلزم من الحِلِّ الطهارة؟ نعم، ما فيه شك، يلزم من الحل الطهارة، وهل يلزم من الحرمة النجاسة؟
طلبة: لا يلزم.
الشيخ: طيب، هل يلزم من النجاسة التحريم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذن نأخذ قواعد ثلاثة الآن؛ كل حلال فهو طاهر، كل نجس فهو حرام، وليس كل حرام نجس، تمام.
يستثنى حيوان البحر كلُّه هذا ميتته طاهرة، يستثنى أيضًا ميتتة الآدمي فإنها طاهرة؛ لعموم قول الرسول ﵊: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (٢٥)، ولأن الرجل إذا مات يُغَسَّل، ولو كان نجسًا ما أفاد به التغسيل.
والثالث: كل ما ليس له دم، والمراد الدم الذي يَنْسَفِحُ إذا ذُبِحَ أو قُتِل؛ مثل كالذباب والصراصير والجراد، وغيرها.
الوزغ يقول الإمام أحمد له نفس سائلة، والعقرب؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ليست كذلك، العقرب ما لها دم.
طالب: ( ... )
الشيخ: إي، كيف له دم؟
طالب: ( ... )
الشيخ: لا، لكنه يؤثر على الأرض ينزل للأرض، الفأرة لها دم يسيل إذن هي نجسة.
стр. 120
إذن كل ما ليس له دم يسيل عند ذبحه فإنه طاهر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: منين؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: هي طاهرة في الحياة، لكن كلامنا بعد الموت، هي نجسة بعد الموت.
ما هو الدليل على طهارة ما ليس له دم يسيل؟
الدليل قول النبي ﵊ في حديث أبي هريرة: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ في شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزَعْهُ» (٢٦).
فإن قوله: «فَلْيَغْمِسْهُ» يشمل غمسه في الماء الحار، وهو إذا غمس في الماء الحار يموت، ولو كان ينجس كان الرسول يأمر بإراقته.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، هذا فيه خلاف يأتي إن شاء الله في النجاسة.
هذه الحيوانات الطاهرة في الحياة، نحن نتكلم عن الحيوان الطاهر في الحياة، والمؤلف يقول: (لَبَنُها وَكُلُّ أجزائِها نَجِسَة)، استثنينا من الميتة الطاهر في الحياة وهي ثلاثة أشياء: أو لا؟
إذن يُسْتَثْنى من الميتة ما كان طاهرًا بعد الموت، وهو ثلاثة أشياء: حيوان البحر، والآدمي، وما لا نفس له سائلة؛ يعني: ما لا دم له يسيل، هذه طاهرة، هو يلزم من طهارة الشيء حله؟
طلبة: لا ..
الشيخ: لا يلزم، يلزم من حِلِّه الطهارة، ولا يلزم من طهارته الحلُّ؛ فبعر البعير؟
طالب: طاهر.
الشيخ: ويؤكل؟
طلبة: لا.
الشيخ: إذن، لا يلزم من الطهارة الحل، ما لا نفس له سائلة طاهر، ويلزم منه الحل؟ لا، طيب هذه تضاف إلى القواعد الثلاثة السابقة. تكون أربع قواعد.
أنه: إذن لا يلزم من الطهارة الحل.
***
стр. 121
يقول المؤلف: (كُلُّ أجزائها نَجِسَةٌ غيرَ شَعَرٍ ونحوه)، لكنهم اشترطوا ﵏ في الشعر ونحوه أن يُجَزَّ جَزًّا، لا أن يُقْلَعَ قَلْعًا؛ يجز إما بمقص، وإما بموس، ولا يقلع قلعًا؛ لماذا؟ لأنه إذا قُلِعَ فإن أصوله مُحْتَقِن فيها شيء من الميتة، وهذا يظهر واضحًا جدًّا في الريش، ولا لا؟ أما الشعر، فهو ما هو ظاهر؛ لكنه في الحقيقة هو الواقع؛ لأنه مُنْغَرِس في الجلد، وفيه شيء فيه مباشر للنجاسة، ويش يقول: لا بد أنه يُجَزُّ جَزًّا.
وبهذا عَلِمْنا أن الميتة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الشعر ونحوه؟ طاهر، اللحم وما كان داخل الجلد نجس، ولا ينفع فيه الدباغ ولا غيره، والثالث: الجلد وهو طبقة بينهما، والحكم ليس إلى هذا وليس إلى هذا، بل حكمه بينهما، ذكر الفقهاء في هذا ذكر الشارح ﵀: (أنَّ جَعْلَ الْمُصْران والكرشَ وترًا دباغٌ)، (المصران) معروفة، (والكرش) معروف، جعله (وترًا) يعني: حبالًا.
(دباغ) يعني: بمنزلة الدباغ، وبناءً على ذلك يكون طاهرًا، ويجوز استعمالُه في اليابسات على المذهب.
لكن صاحب الفروع ﵀، وهو من أشهر تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية -ولا سيما في الفقه- يقول: يتوجه لا.
المعنى: أن الذي يرى هو ﵀: أن الأوجه بناءً على المذهب، أو بناء على القول الراجح عنده أنه ليس دباغًا، وما قاله متوجِّه؛ لأن المصران والكرش من صُلْبِ الميتة، ما يَطْهُر بهذا، لا سيما أيضًا إنه يقول: يُجْعَل وترًا ما يدبغ؛ يعني: ما يدبغ، فالصواب ما ذهب إليه صاحب الفروع؛ أنه لا.
وبهذه المناسبة صاحب الفروع ﵀ يقول مِنْ عنده: وَيَتَوَجَّه، وصاحب الغاية الشيخ مرعي ﵀ من المتأخرين جمع فيها بين المنتهى والإقناع؛ غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى، إذا أراد أن يقول شيئًا يُفَرِّعه من عنده يقول: يَتَّجه. ففرق بين اتجاه صاحب الغاية وتوجيه صاحب الفروع. أفهمتم؟
стр. 122
يعني: هذا ينفعكم إذا مر عليكم ما في الحواشي (ويتجه كذا) فهو من عبارات من؟ مرعي صاحب الغاية من المتأخرين. وإذا قيل: يتوجه فهو من كلام صاحب الفروع.
لكن بين التوجيه والاتجاه من حيث القوة والتعليل والدليل فرق عظيم.
يعني: توجيهات صاحب الفروع ﵀ غالبها مبنيٌّ على القواعد والأصول، أما اتجاهات الشيخ مرعي ﵀ فهي دون مستوى تلك.
يقول: (وَما أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ كَمَيْتَتِهِ) هذه قاعدة فقهية.
(مَا أُبِينَ): ما إعراب (ما)؟ مبتدأ محلها الرفع، لكن ما نوعها؟ استفهاميَّة، شرطية؟
الطلبة: موصولة.
الشيخ: لكن إن جعلتها موصولة، قالت لك الفاء في قوله: (فهو كميتته) ويش محلي؟ ليش أجيء؟ لأن الفاء ما تأتي إلا رابطة، فتكون داخلة على جملة جواب الشرط.
طالب: ( ... ).
الشيخ: طيب هذا خلاف الأصل، إذن معناه إذا جعلناها (ما) موصولة فإنا شبهنها بالشرطية وأدخلنا الفاء في جوابها. مفهوم؟ لكن إذا جعلنا (ما) شرطية فهو أولى من ناحية المعنى ومن ناحية اللفظ؛ أما من ناحية المعنى فلدخول الفاء في الجواب، وأما من ناحية المعنى فلأن هذه قاعدة، واستعمال الشرط في القاعدة أبلغ من استعمال اسم الموصول؛ فنقول: (ما أُبِينَ) هذه (ما) شرطية، و (أُبِين) بمعنى فُصِلَ.
وقوله: (مِنْ حَيٍّ) يعني: من حيوان حي، ولا حتى من الشجر؟ الحي: من الحيوان.
وقوله: (فهو كميتته)؛ يعني: طهارة ونجاسة، وحِلًّا وحرمةً، فهمتم؟ ما أُبِين من الآدمي فهو طاهر حرام؛ لحرمته لا لنجاسته وخبثه.
ما أُبِين من البقرة فهو نجس حرام؛ لأن ميتتها نجسة حرام، ما أبين من السمك طاهر حلال، ما أُبِين من الجرادة؟
طلبة: حلال.
الشيخ: يجوز تأخذ فخذ جرادة تقصه وهي حي وتأكله؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، يجوز والله أعلم.
وما أُبِينَ من حيٍّ فهو كمَيْتَتِه.
(بابُ الاستنجاءِ)
стр. 123
(يُسْتَحَبُّ) عندَ دخولِ الخلاءِ قولُ: (بِسْمِ اللهِ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ) وعندَ الخروجِ منه: (غُفْرَانَكَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّيَ الْأَذَى وَعَافَانِي، وتقديمُ رِجْلِه اليُسرَى دخولًا ويُمْنَى خروجًا عكسَ مسْجِدٍ ونَعْلٍ، واعتمادُه على رِجلِه اليُسرَى، وبُعْدُه في فَضاءٍ، واستتارُه، وارتيادُه لبَولِه مكانًا رِخْوًا، ومَسْحُه بيدِه اليُسرَى إذا فَرَغَ من بَوْلِه من أَصْلِ ذَكَرِه إلى رأسِه ثلاثًا ونَتْرَهَ ثلاثًا، وتَحَوُّلُه من مَوضِعِه ليَسْتَنْجِيَ في غيرِه إن خافَ تَلَوُّثًا.
و(يُكْرَهُ) دخولُه بشيءٍ فيه ذِكْرُ اللهِ تعالى إلا لحاجةٍ، ورَفْعُ ثوبِه قبلَ دُنُوِّه من الأَرْضِ، وكلامُه فيه، وبولُه في شَقٍّ ونحوِه، ومَسُّ فَرْجِه بيمينِه واستنجاؤُه واستجمارُه بها، واستقبالُ النَّيِّرَيْنِ.
و(يَحْرُمُ) استقبالُ القبلةِ واستدبارُها في غيرِ بُنيانٍ،
وهو أحد القولين في المذهب، يقول: إن العظم طاهر، عظم الميتة طاهر، ويستدل لذلك بأن العظم وإن كان يتألم ويحس لكنه ليس فيه الحياة الكاملة، ولا يَحُله الدم، ما يحله الدم، وهو -أي العظم- ما له حركة إلا بغيره، العظم لا يتحرك إلا بغيره، فليس كبقية الجسم، فهو يشبه الظفر والشعر وما أشبهه.
ويقول: إن المدار في التطهير والتنجيس على الدم؛ ولذلك الذي ليس له نفس سائلة؟
طلبة: طاهر.
الشيخ: طاهر، يكون طاهرًا، ولكن الذي يظهر أن الصواب مع المذهب في هذه المسألة؛ لأنه فرّق بين هذا وبين ما لا نفس له سائلة، بأن الذي ليس له نفس سائلة حيوان مستقل، لكن هذا يكون نجسًا تبعًا لغيره، وإذا كان يتألم فليس كالظفر وليس كالشعر.
стр. 124
ثم إن كونه ليس فيه دم هذا ينظر فيه؛ هل هو مؤكد أنه ليس فيه دم، أو أنه فيه دم؛ لأن بعض العظام تحس بأن فيه دمًا، أحيانًا يكون العظم أحمر، فهذه ينظر فيها ويرجع فيها إلى الطب، ولكننا إذا أخذنا بالعموم ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فهو أحوط وأولى.
قال المؤلف: (ما أُبِين من حي فهو كميتته) شرحناها أظن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: (ما أبين من حي فهو كميتته) وناقشنا فيها. الذي يقطع من الحي كميتته أي كميتة ذلك الحي، فإن قطع من آدمي أيش قولك؟
طلبة: طاهر.
الشيخ: فهو طاهر؛ لأن ميتة الآدمي طاهرة، وإن قطع من بعير فهو نجس؛ لأن ميتة البعير نجسة، وإن قطع من سمك فهو طاهر؛ لأن ميتة السمك طاهرة، وإن قطع من جراد؟
طلبة: طاهر.
الشيخ: فهو طاهر؛ لأن ميتته طاهرة، كذا، استثنى العلماء من ذلك مسألتين:
المسألة الأولى: الطريدة.
والمسألة الثانية: المسك وفأرة المسك، المسك وفأرته، مسك وفأرة مسك أيش هذا؟
يقولون: إن المسك بعض دم الغزال، فيه غزلان معروفة تسمى غزال المسك، وإن هذه تركَّض حتى تفحم، ثم ينزل من عند سرتها دم، فإذا نزل هذا الدم يصرونه يربطونه رباطًا قويًّا شديدًا حتى ينقطع اتصاله بالدم، ثم في النهاية يسقط هذا الذي شدوا عليه، تصورتموه زين أو ما تصورتم؟ بس الإخوان أظن أنهم ما تصوروه، فيه نوع من الغزلان يسمى غزال المسك، يقولون: إنهم إذا أرادوا أن يستخرجوا منه المسك فإنهم يركضونه، يجعلونه يركض، يتعبونه، فينزل منه دم من عند سرته، ثم يأتون بخيط شديد قوي فيربطون هذا الدم الذي نزل، يربطونه ربطًا قويًّا من أجل ألا يتصل بالبدن فيتغذى بالدم، إذا أخذ مدة طبعًا يطيح يسقط لأنه ييبس ويسقط، إذا سقط وجد هذا مسكًا، هذا الدم اللي انحجر بالجلد يكون مسكًا من أطيب المسك رائحة.
طالب: من داخل الجلد يا شيخ؟
стр. 125
الشيخ: إي نعم من داخل الجلد، هذا الوعاء يسمى فأرة، فأرة المسك، والمسك هو الذي في جوفه، هذا انفصل من حي ولّا لا؟
طلبة: من حي.
الشيخ: انفصل من حي، ويكون طاهراً بإجماع العلماء على طهارته، أو قول أكثر العلماء، ولهذا يقول المتنبي:
فَإِنْ تَفُقِ الْأَنَامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ
فَإِنَّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ
هذا المسك فأرة مع أنه منفصل من غزال، والغزال ميتته نجسة، لكن هذا مستثنى.
الثانية، المسألة الثانية، ما يستثنى من هذا العموم: الطريدة، بمعنى المطرودة، وهي الصيد يطرده الجماعة فلا يدركونه فيذبحونه، ولكنهم يضربونه بأسيافهم أو خناجرهم ضربة رجل واحد، فهذا يقص يده، وهذا يقص رجله، وهذا يقص رأسه، وهذا يقص بطنه حتى يموت، هذه تسمى الطريدة، بمعنى مطرودة، وليس فيها دليل عن الرسول ﵊، إلا أن ذلك فعل الصحابة ﵃.
قال الإمام أحمد: كانوا يفعلون ذلك في مغازيهم، ولا يرون به بأسًا، والحكمة في هذا -والله أعلم- أن هذه الطريدة لا يقدر على ذبحها، ما يقدر على ذبحها، وإذا لم يقدر على ذبحها فإنها تحل بعقرها في أي موضع من بدنها، صيد، الصيد إذا رميته في أي مكان ومات حلال؛ هذه هي نفس الشيء؛ إلا أن هذه قطعت قبل أن تموت.
قال الإمام أحمد: فإن بقيت، يعني: قطعنا رجلها، ولكن هربت ما أدركناها؛ فإن رجلها حينئذٍ تكون حرامًا ونجسة؛ لأننا ما أدركناها ولم تكن الآن صيدا فتكون حرامًا.
إذن القاعدة (ما أُبِين من حي فهو كميتته) ويش يستثنى منها؟ مسألتان الأولى: الطريدة، والثاني: المسك وفأرة المسك.
[باب الاستنجاء]
ثم قال المؤلف ﵀: (باب الاستنجاء) هذا الباب ذكر فيه المؤلف الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة.
стр. 126
الاستنجاء: استفعال من النجو، وهو في اللغة: القطع، يقال: نجوت الشجرة، أي: قطعتها. وهو: إزالة الخارج من السبيلين بماء أو حجر، وفي ذلك قطع لهذا النجس، هذا وجه تعلق الاشتقاق بالمعنى الاصطلاحي.
فهو في اللغة: من النجو وهو القطع، وأما في الاصطلاح فهو: إزالة الخارج من سبيل بماء أو إزالة حكمه -على القول بأن الاستجمار لا يطهر- بحجر ونحوه، فهمتم؟ إزالة الخارج من سبيل بماء أو إزالة حكمه بحجر ونحوه.
والصواب أن نقول: إزالة الخارج من سبيل بماء أو حجر ونحوه؛ لأن الصحيح أن الاستجمار يطهر تطهيرًا كاملًا كالماء تمامًا.
قال: (اعلم أن الله أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، من الأكل، والشرب، واللباس، والسكن، وغير ذلك من نعم الله التي لا تحصى). الأكل والشرب لله علينا فيه نعم سابقة ولاحقة:
أما السابقة: فإن هذا الماء الذي نشربه ما جاء بحولنا ولا قوتنا، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨، ٦٩]، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]، فبين الله تعالى منته علينا بالماء النازل من السماء، والنابع من الأرض.
الطعام الذي نأكله ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٥]، فهذه نعمة عظيمة من الله، هو الذي زرعه ونماه حتى تكامل، ويسر لنا بالأسباب التي يسر لنا أن نجنيه، وأن نحصده، ثم بالطحن وبالطبخ، إلى غير ذلك من النعم الكثيرة.
стр. 127
قال بعض العلماء: إنه لا يقدم الطعام بين يديك إلا وفيه ثلاث مئة وستون نعمة، هذا اللي يدرك فكيف عاد الذي لا يدرك؟ ثم مع ذلك نِعم عند تناوله، إذا قُدم بين يديك نِعم عند تناوله، كيف؟ عندما تأكله على جوع ماذا تكون لذته؟ ما تتصور، وعندما تطعمه في فمك تجد لذة، وعندما ينزل تجد لذة، وعندما يمشي في الأمعاء ما تجد تعبًا.
الآن لو يقف على يدك بعوضة أحسست برجليها أو لا؟ تحس بها وتقشعر منها، لكن هذا الطعام الغليظ ينزل مع هذه الأمعاء الرقيقة ولا تحس به، نِعم من الله ؛ لأن داخل الجوف ما فيه إحساس يمر به بدون إحساس.
ثم إن الله تعالى خلق غددًا تفرز أشياء تلين هذا الطعام حتى ينزل وتخفف حتى ينزل. ثم إن الله جعل له قنوات يذهب معها التفل وقنوات يذهب معها الماء، ثم هناك عروق شارعة في هذه الأمعاء تفرق الدم على الجسم؛ وأين توصله؟ توصله إلى القلب.
ثم هذا القلب الصغير في لحظة من اللحظات يطهر هذا الدم حتى يخرج من الجانب الآخر من القلب نقيًّا، ثم يدور في البدن، ثم يرجع مرة ثانية إلى القلب فيطهره ويصفيه، ثم يعيده نقيًّا، وهكذا دواليك، كل هذا ونحن لا نحس بهذا الشيء، ما نحس به، وإلا فالقلب يقول هكذا نبضات، كل نبضة تأخذ شيئًا، والنبضة الأخرى تخرج شيئًا من هذا الدم، ومع ذلك يذهب هذا الدم إلى جميع أجزاء الجسم بشعيرات دقيقة منظمة مرتبة على حسب حكمة الله وقدرته.
ثم مع هذا أيضًا، من قدرة الله العظيمة البالغة، أن مجاري العروق لا تتفق في الأعضاء، كل عضو له مجارٍ خاصة، بمعنى أن يدك اليمنى ليست مجاري الدم فيها كيدك اليسرى؛ تختلف. وكذلك بالنسبة للرجل، تختلف، كل هذا من أجل بيان قدرة الله .
ولا شك أن هذا هو مقتضى الحكمة أيضًا، فإنه لولا أن هناك حكمة تقتضي أن يكون لهذه اليد مجار معينة، ولهذه اليد مجار معينة ما خلقها الله هكذا.
стр. 128
المهم أن كل هذا نريد أن نبين أن لله علينا نعمًا مادية بدنية في هذا الطعام، سابقة على وصوله إلينا ولاحقة.
ثم هناك يا إخواني نعم دينية تقترن بهذا الطعام؛ تسمي عند الأكل، وتحمد إذا فرغت، وأيش الجزاء؟ «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا» (١)، نعمة هذه رضى الله هو غاية كل إنسان، من يحصل رضى الله ؟ ومع ذلك نتمتع بنعمه، فإذا حمدناه رضي عنا، وهو الذي تفضل بها أولًا. هذه النعمة أكبر من نعمة البدن «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا».
ما ظنكم لو لم يشرع الله لنا أن نحمده عند الأكل والشرب؛ فإننا لو حمدناه لصرنا مبتدعين وصرنا آثمين، لكنه شرع لنا ذلك لأجل أن يوصلنا إلى رضاه. أسأل الله أن يحقق ذلك لي ولكم، لأجل أن نصل إلى رضاه، وهذه نعمة عظيمة يا إخوان، نعمة ما يدركها إلا الإنسان اللي عنده تأمل.
ثم أيضًا: عند تفريغ هذا الذي أكلنا أو شربنا فيه نعم جسمية وحسية، وشرعية دينية؛ النعم الجسمية لو احتقن هذا الطعام أو الشراب في بطنك ولم يخرج؛ أيش المآل؟ الموت المحقق، لكنه يخرج. لو احتقنت الريح التي جعلها الله تعالى كالجندي بين يدي الأمير لتفتح المجاري أمام ما يعبر منها، لو أنها انسدت ماذا يكون؟ يكون الموت، ينتفخ البطن ثم يتمزق، وكذلك البول.
стр. 129
إذن؛ فلله علينا نعمة في خروجه، وفي يسره، ثم نعمة كبرى -والحمد لله، نسأل الله لنا ولكم دوام النعمة- في حبسه إذا أردت، وفي فتحه إذا أردت، من يستطيع يفتح المثانة حتى ينزل البول لولا أن الله يسر ذلك، ومتى ما شئت، قد تذهب وتبول وليس في المثانة إلا ربعها، يعني ما هي المسألة إجبارية وقد تحبسها وهي مملوءة؛ ولكنك تستطيع أن تتحمل. هذه من نعمة الله، ولا يعرف قدر هذه النعمة إلا من ابتلي بالسلس، نسأل الله السلامة، يعرف قدر هذه النعمة.
وكذلك بالنسبة إلى الخارج الآخر، فهذه نعم عظيمة، ومع ذلك هناك نعم دينية مقرونة بهذه النعمة، عند الدخول هناك ذكر مشروع يقربك إلى الله ، وعند الخروج ذكر مشروع يقربك إلى الله ، وعند الفعل عمل مشروع يقربك إلى الله.
فتأمل كيف نعم الله عليك، سابغة شاملة وواسعة دينية ودنيوية، وبهذا نعرف صدق هذه الآية الكريمة صدقًا لا شبهة فيه إطلاقًا ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] يعني: يغفر لنا ويرحمنا إذا لم نقم بشكر هذه النعم ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، شوف بين حال الإنسان وحال الرب ، حال الرب عند هذه النعم العظيمة يقابل هذا الظلم والكفر بهذه النعم بماذا؟ بالمغفرة والرحمة، أما حال العبد فهي الظلم والكفر، ولكن يقابل هذا والحمد لله المغفرة من الرب العظيم والرحمة.
نرجع الآن إلى كلام المؤلف، وأنا قدمت هذه المقدمة لأن هذه المسائل ينبغي لنا أن نضعها على بالنا دائمًا حتى نعرف قدر النعم الكبيرة.
يقول المؤلف: (يستحب عند دخول الخلاء قول: باسم الله، أعوذ بالله من الخُبث والخبائث).
قال المؤلف: (يُستحب) وقد اختلف الفقهاء ﵏ هل المستحب مرادف للمسنون، أو المستحب ما ثبت بتعليل، والمسنون ما ثبت بدليل؟
стр. 130
يعني: هل إذا قلت: يستحب مرادف لقولي: يسن، أو لا؟ أقول: يسن إلا فيما ثبت بدليل، وأما ما ثبت بالتعليل فأقول فيه: يستحب، فيه خلاف بين الأصوليين، فقال بعضهم: إن الشيء الذي لا يثبت بدليل لا تقل فيه: يسن؛ لأنك إذا قلت: يسن معناه أثبته سنة وليس عندك دليل، أما الشيء الذي يثبت بتعليل ونظر واجتهاد فقل: إنه يستحب؛ لأن الاستحباب ليس كالسنة بالنسبة لإضافته إلى الرسول ﵊.
ولكن أكثرهم يقولون: إنه لا فرق بين يُستحب وبين يُسن؛ ولهذا يعبر بعضهم بيسن ويعبر بعضهم بيستحب.
القول الأول لا شك أنه أقرب إلى الضبط؛ لأنك لا تعبر عن شيء لم يثبت بدليل؛ لا تعبر عنه بيسن، لكن قل نستحب له ذلك، نرى هذا مطلوبًا، وما أشبه ذلك.
أما ما ذكر المؤلف هنا (قول: باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث) فهذا سنة، أما (قول: باسم الله) فهذا قد رواه علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «سَتْرُ مَا بَيْنَ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلُوا الْكَنِيفَ أَنْ يَقُولُوا: بِاسْمِ اللهِ» (٢) ستر بين الجن والعورات.
وأما (أعوذ بالله من الخبث والخبائث) فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس أن الرسول ﵊ كان إذا دخل الخلاء قال: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الخُبثِ وَالْخَبَائِثِ» (٣)، فائدة البسملة عرفناها ما هي؟
طلبة: ستر العورة.
الشيخ: ستر العورة عن الجن، فائدة هذه: الالتجاء إلى الله من الخبث والخبائث، الخُبْث بالسكون والخبائث؛ الخبث: الشر، والخبائث: النفوس الشريرة، يعني النفوس ذوات الشر، وهو أعم من الخُبُث بالضم والخبائث؛ لأن رواية الخُبُث، الخُبُث: جمع خَبيث، والمراد به: ذُكران الشياطين، والخبائث جمع خبيثة، والمراد به: إناث الشياطين، هذا على رواية الضم، أما على رواية التسكين فالخُبْث: الشر، والخبائث: النفوس الشريرة، أيهما أعم؟
طلبة: الثاني.
стр. 131
الشيخ: الثاني أعم، الخبْث والخبائث، ولهذا هو أكثر روايات الشيوخ، قال الخطابي: إنه أكثر رواية الشيوخ.
الخبث والخبائث: الحكمة من الاستعاذة من الخبث والخبائث لأن هذا المكان خبيث، والخبيث مأوى الخبثاء. الشياطين وين تنزل؟ أحب مكان إليها المكان الخبيث ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: ٢٦]، فلهذا لما كانت مأوى الشياطين صار من المناسب أن الإنسان إذا أراد الدخول أن يقول: أعوذ بالله من الخبث والخبائث، حتى لا يصيبه الخبث، وهو الشر، ولا الخبائث، وهي تلك النفوس الشريرة.
طالب: شيخ، الاستحباب حكم شرعي؟
الشيخ: إي نعم، الاستحباب حكم شرعي على القول بأنه لا فرق بينه وبين السنة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: التعليل بالقياس، تعليل الحكم بالقياس، والقياس من الأدلة الشرعية، لكنه ليس كالثابت بنص؛ إذ إن النص لا مجال للمناقشة فيه، لكن الاجتهاد فيه مناقشة.
طالب: وهل هذا يمكن حتى في العبادات ولّا نقول ( ... ).
الشيخ: لا العبادات المشروعة، يعني اللي بيشرع عبادة من أصلها ما يمكن، لكن قد أقيس عبادة على عبادة وأرى أنه لا فرق بينها وبين هذه.
يقول: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث) لكن يقول المؤلف: (يُستحب عند دخول الخلاء) هل العندية هنا قبل ولا بعد؟
طلبة: قبل.
الشيخ: قبل، لكن عندما تريد أن تدخل، طيب وإذا كنت لا أريد قضاء الحاجة في الخلاء، ما فيه مكان معدّ، فإني أقول ذلك إذا أردت أن أجلس، قد يكون في البر إذا أراد أن يجلس يقول ها الكلام.
والخلاء: أصله المكان الخالي، ومناسبته هنا ظاهرة؛ لأن هذا المكان لا يكون جامعًا بين اثنين، ما يجلس فيه إلا الواحد.
وقول المؤلف: (أن يقول) بلسانه ولّا بقلبه.
طلبة: بلسانه.
الشيخ: بلسانه، فالإشارة لا تكفي، اللهم إلا من أخرس، فيمكن أن تكفي الإشارة مع نية القلب.
وقوله: (أعوذ بالله)، ما معنى (أعوذ) أي: أعتصم وألتجئ بالله من الخبث والخبائث.
стр. 132
قال: (وعند الخروج منه)، يعني: يسن أن يقول عند الخروج منه، والعندية هنا قبلية ولا بعدية؟
طلبة: بعدية.
الشيخ: بعدية (عند الخروج منه: غفرانك)، غفران: هذه مصدر غفر يغفر غفرًا وغفرانًا، شكر يشكر شكرًا وشكرانًا، إذن (غفرانك): مصدر منصوب بفعل محذوف تقديره: أسألك غفرانك.
والمغفرة تقدم لنا مرارًا وتكرارًا أنها: ستر الذنب والتجاوز عنه؛ لأنها مأخوذة من المِغْفَر، وفي المغفر ستر ووقاية، وليس سترًا فقط، بل ستر ووقاية، فيكون معنى: اغفر لي؛ أي: استر ذنوبي وتجاوز عني حتى أسلم من عقوبتها.
وقوله (غفرانك) مناسبة ذكره هنا قيل: إن المناسبة أن الإنسان لما تخفف من أذية الجسم تذكر أذية الإثم؛ فدعا الله أن يخفف أذية الإثم كما منّ عليه بتخفيف أذية الجسم، فكما أنه الآن سلم من آثار هذا الأذى فيسأل الله أن يسلم من آثار الذنوب، وهذا معنى مناسب من باب تذكر الشيء بالشيء.
وقال بعض العلماء: إنه يسأل الله غفرانه لأنه انحبس عن ذكره في مكان الخلاء، فيسأل الله أن يغفر له هذا الوقت الذي لم يذكر الله فيه.
وفي هذا نظر، هذا الأخير فيه نظر؛ لأنه إنما انحبس عن ذكر الله بأمر الله، وإذا كان بأمر الله فلم يعرض نفسه للإثم، بل عرض نفسه للمثوبة، ولهذا المرأة الحائض لا تصلي ولا تصوم، فهل يسن لها إذا طهرت أن تستغفر الله؛ لأنها تركت الصلاة والصيام في أيام الحيض؟ أبداً، ما أحد قاله، ولا جاءت به السنة.
فتبين بهذا أن القول الصحيح: أن المناسبة هو تذكر الإنسان حين خلا مما يؤذيه حسًّا أن يسأل الله تعالى أن يخليه مما يؤذيه شرعًا أو معنى.
طالب: ما يمكن أيضًا نقول: إن هذه نعمة من الله أن يتخلص من هذا الأذى بأنه يستغفر الله على عدم القيام بالشكر على النعمة.
الشيخ: لا، النعمة تحتاج إلى الشكر، وإلا لقلنا: كل نعمة ينعم الله بها عليك استغفر الله، ما نقول هكذا، نقول: اشكروا الله.
стр. 133
بقي أن نقول: هذا الحديث صحيح «غُفْرانك» (٤)، وأما «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي» (٥) ففيه ضعف.
«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي» هذا حمد لله على هذه النعم؛ أن الله أذهب عنه الأذى المؤذي، وعافاه منين؟
طالب: من الأذى.
الشيخ: عافاه من آثاره لو بقي، فأنت تسأل الله المغفرة وتحمد الله تعالى على النعمة.
يقول: (وتقديم رجله اليسرى دخولًا، واليمنى خروجًا) يعني: يسن أن يقدم الإنسان رجله اليسرى عند الدخول، ويقدم رجله اليمنى إذا خرج، هذا نقول فيه: يُستحب ولا يُسن؟ على القول بالفرق بينهما.
طلبة: يسن.
الشيخ: فيه حديث، فيه دليل؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما هو الدليل؟
طالب: ( ... ) التيامن.
الشيخ: لا، إن قلنا: وجوب التيامن قلنا: قدم اليمنى.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، في هذه قياسية، هذه مسألة قياسية، يقولون: إن اليمنى تقدم للمسجد كما جاءت به السنة، واليسرى عند الخروج منه، وهذا عكس المسجد، كذلك في النعل ثبت عن الرسول الله ﵊ في الصحيح، بل في الصحيحين أنه أمر لابس النَّعل أن يبدأ باليُمنى أولًا عند اللُّبس، وباليُسرى عند الخلع (٦)، فقالوا: هذا دليل على تكريم اليمنى، فإذا كانت اليمنى مكرمة يبدأ بها باللبس الذي فيه الوقاية، ويبدأ باليسرى بالخلع الذي فيه إزالة الوقاية، ولا شك أن الوقاية تكريم.
قالوا: فإذا كانت اليمنى تقدم في باب التكريم، واليسرى تقدم في عكسه، كما دلت عليه السنة في مسألة النعل، قالوا: فإنه ينبغي أن تقدم عند الدخول للخلاء اليسرى، وعند الخروج اليمنى؛ لأنه خرج إلى أكمل وأفضل من الخلاء، إن الله خفف عنه ما يجده من ألم الأذى فناسب أنه يسأل الله تعالى أن يخفف عنه ذنوبه.
طالب: شيخ ( ... ).
стр. 134
الشيخ: (واعتماده على رجله اليسرى)، يعني: يسن عند قضاء الحاجة أن يعتمد على رجله اليسرى؛ لأن النبي ﵊ أمر أصحابه أن يعتمدوا على الرِّجْل اليُسرى، وينصِبُوا اليُمنى (٧)، هذا ما استدل به الأصحاب، ولكن هذا الحديث ضعيف.
وعللوا بعلة قالوا: إنه أسهل لخروج الخارج، أنه يعتمد على اليسرى وينصب اليمنى.
وله علة ثانية وهو: أن اعتماده في هذه الحال وعلى قضاء الحاجة على اليسرى دون اليمنى يكون هذا من باب إكرام اليمين، فأما الحديث فالحديث ضعيف، لا تقوم به الحجة، وأما أنه أسهل لخروج الخارج فهذا يرجع فيه إلى الأطباء، الفقهاء قالوا: إنه أسهل، فإن ثبت هذا طبًّا فهو يكون من باب مراعاة الصحة.
وأما كونه من باب إكرام اليمين لبعدها فهذا نعم العلة هنا ظاهرة، لكن فيه نوع من المشقة كبيرة إذا نصبت اليمنى واعتمد على اليسرى، لاسيما إذا كان الرجل كثير اللحم، أو ضعيف الجسم، أو كبير السن، يعني يتعب في اعتماده على اليسرى، ويتعب أيضا في نصب اليمنى.
ولهذا لو قال قائل: ما دامت المسألة ليس فيها سنة عن الرسول ﵊ فإن كون الإنسان يبقى على طبيعته معتمدًا على الرجلين كلتيهما هو الأولى وهو الأيسر. وعلى كل حال يرجع في هذا إلى مسألة الطب.
طالب: نعم يا شيخ أقول: إن الأمر ( ... ) سواء باليمنى أو باليسرى في ( ... ).
الشيخ: يعني ما فيه ..
طالب: ليس فيه تسهيل لو بالاعتماد على اليسرى أو باليمنى بس هذا يختلف من شخص لآخر.
الشيخ: طيب الاعتماد على اليسرى (وبعده في فضاء).
стр. 135
(بعده) الضمير يعود على من؟ على قاضي الحاجة، (في فضاء) أي في مكان ليس فيه جدران، أو أشجار ساترة، أو أَكَمَات، أو جبال، يبعد في الفضاء، إلى أي مدى؟ حتى يستتر؛ لحديث المغيرة بن شعبة، قال: إن النبي ﵊ .. وهو في الصحيحين، قال: فانطلق حتى تَوَارى عنِّي فقضى حاجته (٨)، هذا هو الدليل، وأيضًا: فإن فيه من المروءة والأدب ما هو ظاهر، والمراد بقوله: (وبعده في فضاء) حتى لا يرى جسمه.
وأما قول المؤلف: (واستتاره)، فاستتاره هذه معطوفة على (يستحب)، والمراد استتار بدنه كله، وأما استتاره بالنسبة للعورة فهو أمر واجب، يجب أن يستر عورته، وأما بالنسبة لجميع جسده فهو أولى وأفضل لما تقدم من حديث المغيرة.
طالب: ( ... ) معطوف على (يستحب) أو على قوله.
الشيخ: لا على نائب الفاعل في (يستحب).
طالب: قوي يا شيخ.
الشيخ: قوي نعم.
طالب: الاعتماد على ( ... ).
طالب: قضاء الحاجة يا شيخ يشمل البول والغائط.
الشيخ: إي نعم يشمل البول والغائط.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، البول ثبت أنه قضى حاجته على الزبالة في حديث حذيفة وهو يراه وهو إلى جنب عقبه، لكن لعل ذلك لحاجة.
يقول: (واستتاره وارتياده لبوله مكانًا رخوًا)، ارتياد بمعنى طلب، (لبوله) يعني: دون غائطه، و (مكانًا رخوًا) يقال: رَخوًا ورُخوًا ورِخوًا، فهو مثلث الراء، والرخو معناه: المكان اللين الذي لا يُخشى منه رشاش البول إذا نزل عليه هذا الرخو. لماذا يستحب؟
стр. 136
لأنه أسلم من الرشاش، ورشاش البول وإن كان الأصل عدم إصابته إياك، لكن ربما يفتح عليك باب الوسواس، فكثير من الناس يبتلى بالوسواس في هذه الحال، يقول: أخشى أن يكون قد رش علي، ثم تبدأ النفس تعمل عملها حتى يبقى شاكًّا في أمره، فكلما اختار لمكان بوله الرخو فهو أحسن وأفضل، فإن كان في أرض ليس حوله شيء رخو فماذا يصنع؟ قالوا: يُدنِي ذَكَره من الأرض حتى لا يحصل الرشاش، وهذا صحيح، كل هذا إبعادًا عن الوسواس والشكوك التي يلقيها الشيطان في نفس الإنسان.
(ومسحه بيده اليسرى إذا فرغ من بوله، من أصل ذكره إلى رأسه ثلاثًا) يعني: يستحب أيضًا أن يمسح إذا فرغ من البول من أصل الذكر - وهو عند حلقة الدبر- إلى رأسه ثلاث مرات؛ لماذا؟ قال: لأجل أن يخرج ما تبقى في القناة من البول؛ لأنه ربما يبقى بول، فإذا قام أو تحرك نزل، فمن أجل ذلك يحلبه بأن يمسح عليه من عند حلقة الدبر إلى رأسه.
وهذا الذي ذكروه ﵏ قول ضعيف جدًّا؛ لأنه لم يصح عن النبي ﵊، ولأنه يضر بمجاري البول، ولاسيما إذا أضيف إليه النتر ربما يحدث الإدرار، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: إن الذكر كالضرع، إن حلبته در، وإن تركته قر، وعلى هذا فلا يستحب المسح، إنما إذا انتهى البول يغسل رأس الذكر وينتهي الموضوع.
(ونتره ثلاثًا)، ويش معنى النتر؟ يعني أن الإنسان يحرك ذكره من الداخل، ما هو بيده، فينتره لأجل إذا كان فيه شيء من البول فإنه يخرج، هذا التعليل، وفيه حديث لكنه ضعيف لا يصح: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثلَاثًا» (٩)، ولكنه لا يصح، والتعليل هو ما ذكرت لكم، من أجل أن يخرج ما تبقى من البول، ولكن هذا أيضًا يقول شيخ الإسلام: إن النتر بدعة وليس بسنة، ولا ينبغي للإنسان أن ينتر ذكره.
стр. 137
وهذان الأمران اللذان ذكرهما الأصحاب ﵏ يشبهان ما ذكره بعض أهل العلم قال: ينبغي إذا انتهى من البول أن يتنحنح، فإذا كان فيه شيء يخرج، وبعضهم قال: ينبغي أن يقوم ويمشي خطوات لأجل أن يطلع الباقي، وبعضهم قال: ينبغي أن يصعد درجة ويجي من أعلاها بسرعة، كل هذا لأجل أن يخرج، وبعضهم لكن عاد ما هو من أقوال العلماء قال: ينبغي أن يجعل له حبلًا يتعلق فيه ثم ينهز روحه كذا بالحبل، كل هذه من الوساوس التي لا أصل لها، والحمد لله الدين يسر.
صحيح أن بعض الناس قد يُبتلى بأن يكون إذا لم يمش خطوات ويتحرك لو يتوضأ على طول خرج منه شيء بعد الوضوء، فهذا الرجل له حال خاصة، ممكن أن نقول: إذا انتهى البول قبل أن تستنجي فإذا كان من العادة أن ما بقي من البول لا يخرج إلا بحركة، ومشي، فلا حرج أن تمشي، لكن ما نجعل هذا أمرًا عامًّا لكل أحد، بل نجعل هذا كعلاج لهذا الشخص الذي يبتلى بهذه الحال، ولكن بشرط أيضًا أن يكون عنده علم اليقين بأنه يخرج شيء، أما مجرد الوهم فإنه لا عبرة به.
قال المؤلف ﵀: (وتحوله من موضعه ليستنجي إن خاف تلوثًا)، (تحوله) يعني: انتقاله، (من موضعه) أي موضع قضاء الحاجة ليستنجي بماذا؟ يستنجي بالماء، (إن خاف تلوثًا) يعني خاف أنه إذا استنجى في هذا المكان يتلوث بماذا؟ يتلوث بالنجاسة، مثل أن يخشى من أن يضرب الماء على الخارج النجس ثم يرش على ثوبه، أو على فخذه، أو ما أشبه ذلك، فنقول هنا: الأفضل أن تنتقل درءًا لهذه المفسدة، وكما قلت قبل قليل: إن مثل هذه الأمور قد تحدث للإنسان الوساوس والشكوك، فإذا خاف أن يتلوث فلينتقل، أما إذا كان لا يخاف كما يوجد الآن في الحمامات والحمد لله الشيء كله يمشي فإنه لا ينتقل، لا يسن أن ينتقل، بل يبقى ويستنجي في مكانه.
قال: (ويكره دخوله بشيء فيه ذكر الله إلا لحاجةٍ): (يكره دخوله) الضمير في (دخوله) يعود على من؟ على قاضي الحاجة، أو على الخلاء؟
стр. 138
طالب: على قاضي الحاجة.
طالب آخر: على الخلاء.
الشيخ: يحتمل أن المعنى يكره دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله إلا لحاجة أو دخول قاضي الحاجة الخلاء ويكون المفعول هنا محذوفاً.
(يكره دخوله بشيء فيه ذكر الله إلا لحاجةٍ) ظاهر تعليلهم أن المراد هنا بذكر الله: ليس الذكر الذي هو الجمل المعروفة التي يثاب عليها، ولكن المراد بذكر الله هو اسم الله؛ لأنهم استدلوا بحديث أنس أن النبيَّ ﵊ كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه (١٠)؛ (١١) لأنه منقوش فيه: محمد رسول الله، وهذه ما هي من الذكر المعروف، وإن كان (محمد رسول الله) إحدى الشهادتين، لكن ما هو: سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فيقتضي هذا أن كل ما فيه اسم الله فهو يكره دخول الخلاء به، وهذا مبني على صحة الحديث، حديث أنس، فمن صححه أو حسنه قال: إن ذلك مكروه، وأما من قال: إن الحديث لا يصح فيقول: إن الدخول ليس بمكروه، دخول الإنسان بشيء فيه ذكر الله ليس بمكروه، لكن الأفضل ألا يدخل.
وهناك فرق بين قولنا: إن هذا يستحب، وبين قولنا: إن هذا يكره؛ لأنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه كما هو معروف.
استثنى بعض أهل العلم في هذه المسألة قال: إلا المصحف، فيحرم أن يدخل به الخلاء؛ لأن المصحف أشرف الكلام، ودخول الخلاء فيه نوع من امتهانه، فلا يجوز أن يدخل الخلاء بمصحف، سواء كان ظاهرًا أو في جيبه خفيًّا؛ لِما في ذلك من نوع امتهان له.
وقول المؤلف (إلا لحاجةٍ) هذا مستثنى من المكروه، يعني إلا إذا احتاج إلى ذلك، مثل الدراهم، الدراهم قد يكون فيها اسم الله، أو لا؟ ومثل التابعية والجواهر والخطوط أيضا من ( ... )، هذه حاجة؛ لأننا لو قلنا: لا تدخل بها ثم أخرجها ووضعها عند باب الخلاء صارت عرضة؟
طالب: للنسيان.
стр. 139
الشيخ: للنسيان، هذا وارد في كل شيء، عرضة للنسيان، وإذا كان في محل بارح عرضة لأن تطير مثلًا، يطير بها الهواء، وإذا كان في مجمع من الناس عرضةً لأن تُسرق، فإذا كان كذلك فهي حاجة أن يدخل فيها، وكثيرًا ما يضع الإنسان شيئًا، لا سيما إذا كان فيه آيات، على أنه إذا خرج أخذها ثم يخرج وينسى، فهذه حاجة، فإذا احتاج الإنسان إلى دخول شيء فيه ذكر الله فإنه يجوز له الدخول، قلنا في المصحف: إن بعضهم قال: إنه حرام، فهل تبيح الحاجة دخوله فيه؟ أو نقول: لا بد من الضرورة؟ المعروف أن المحرم لا تبيحه إلا الضرورة، ما تبيحه الحاجة، لكن مع ذلك قالوا: إنه إذا خاف أن يسرق فلا بأس أن يدخل به، وظاهر كلامهم: وإن كان الإنسان غنيًّا لو سرق مصحفه لوجد بدله، وعلى كل حالٍ ينبغي للإنسان في المصحف خاصة أن يحاول عدم الدخول، حتى لو كان في مجمع عام يمكنه أن يعطيه أحدًا من الناس يثق به ويقول: أمسكه حتى أخرج.
طالب: يا شيخ، نزع النبي ﷺ خاتمه ما يكون هو لئلا يباشر النجاسة، أنه عندما يتوضأ بيده.
الشيخ: لا؛ لأن الرسول ﵊ كان يلبسه في اليمنى وفي اليسرى، اليمنى ما تباشر النجاسة.
طالب: اليسرى.
الشيخ: اليسرى تباشرها نعم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما ندري، لو كان الحديث مقيدًا بما إذا كان لابسه باليسرى لكان صحيح يتجه ما قلت.
طالب: ممكن أنه خلعه وأدخله بجيبه ودخل.
الشيخ: الله أعلم، ما ندري.
طالب: إذا كانت العلة هذه يكون أدخله في جيبه.
الشيخ: ممكن إذا كانت العلة خوف النجاسة فهو إذا أدخله في جيبه زالت العلة.
( ... ) السؤال شيء آخر ما رأيكم في رجل جعل المسجل أو الراديو عنده في بيت الخلاء يستمع إليه قرآنا؟
طالب: هذا قطعًا فيه امتهان.
الشيخ: فيه امتهان له؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب لو جعله خارج الباب، عند الباب.
طلبة: لكن سماعه فقط.
الشيخ: يسمعه فقط.
طالب: نعم قد يذكر الله قد يسبح قد ..
стр. 140
الشيخ: لا ما هو مسبح ولا شيء، بيسمع بس.
طالب: ( ... ).
الشيخ: هذا يسأل عنه بعض الناس يقول: إنه أحياناً يوافق نور على الدرب ووده يستمع إليه، ونور على الدرب يصير فيه آيات، يستدل العلماء فيه بآيات، يقول: أنا إذا حطيته عندي قال: بقوله تعالى مثلًا كذا وكذا أسكه ولا ويش سوي.
طالب: ( ... ) خلف الباب.
الشيخ: مشكلة خلف الباب ( ... ).
طالب: إذاعة القرآن.
الشيخ: إذاعة القرآن صحيح يمكن إذاعة القرآن يجيب قرآن صحيح.
طالب: ( ... ).
الإشكال هي في الحقيقة النفس من الناحية العاطفية ما تميل إلى هذا، يعني الإنسان يستقبح إنه يخلي واحد عنده يستمع إلى القرآن وهو في بيت الخلاء، ومن ناحية ثانية من الناحية النظرية تقول: هذا كأنك تستمعه من فرجة؛ لأن اللي يقرأ ما هو في وسط ( ... ) القارئ الآن ولكنك تسمع صوته من هذه النافذة، إنما الذي أرى ولكن ما أقول: هذا الحكم الشرعي، أنا من الناحية النفسية ما أحب هذا، وأرى أنه إذا جاءت الآيات وأنت مثلا تستمع إليه سكه، القرآن يسمع من هذا المكان، أما إذا كان خارج الباب فلا بأس، وقد ذكروا أن المجد ابن تيمية ﵀ جد شيخ الإسلام ابن تيمية أنه إذا دخل الخلاء أمر خادمه أو أحد أولاده أنه يقرأ عليه العلم، إما أحاديث وإلا كلام الفقهاء والعلماء؛ لئلا يغيب عن دارسة العلم في هذه المدة ( ... ).
قوله: (ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض)، رفع ثوبه يعني قاضي الحاجة يكره أن يرفع ثوبه قبل أن يدنو من الأرض، وهذا على وجهين:
أحدهما: أن يكون حوله من ينظره، فرفع الثوب هنا قبل الدنو من الأرض محرم؛ لأنه كشف للعورة لمن ينظر إليها، وقد نهى النبي ﵊ عن ذلك: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ» (١٢).
стр. 141
الثاني: كشفه وهو خالٍ ليس عنده أحد، فهل يكره أو لا؟ هذا ينبني على جواز كشف العورة والإنسان خالٍ. وفيه للعلماء ثلاثة أقوال: الجواز، والكراهة، والتحريم، والمذهب يقولون: إنه يكره أن يرفع ثوبه قبل دنوه من الأرض إذا لم يكن ناظر، فإن كان ناظر فهو حرام، ويكره إذا لم يكن ناظر؛ لأن فيه كشفًا للعورة بلا حاجة، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: تكشف عورتك بلا حاجة، الحاجة أنك إذا قربت من الأرض، أما وأنت بعيد فلا حاجة لذلك، ويقولون: إنه يحرم كشف العورة في الخلاء، لكن إنما قلنا بكراهة ذلك دون التحريم لأن كشفه هنا لسبب، وكان الخارج أو الزائد هو أن يبدأ بذلك قبل أن يباح له هذا الشيء، فلهذا يقولون: إنه على سبيل الكراهة، لا على سبيل التحريم.
وقول المؤلف: (ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض) إذا كان يريد أن يبول وهو قائم، فهذا سيرفع ثوبه وهو واقف، ولكن نقول: إن القائم دانٍ من قضاء الحاجة؛ لأنه سيقضيها وهو قائم.
والبول قائمًا جائز، لاسيما إذا كان لحاجة، ولكن بشرطين:
أن يأمن التلويث، وأن يأمن الناظر، وقد ثبت في الصحيحين من حديث حذيفة أن الرسول ﵊ أتى سُبَاطَةَ قومٍ فبالَ قائمًا (١٣).
قال أهل العلم: فعل ذلك للجواز، وقال علماء آخرون: فعل ذلك للحاجة؛ لأن السباطة كانت عند قوم مجتمعين ينظرون إليه، فهو إن قعد في أعلاها مستدبرًا لهم ارتد بوله إليه، وإن قعد في أعلاها مستقبلًا لهم فقد كشف عورته أمامهم، فما بقي إلا أن يكون قائمًا مستدبرًا للقوم، فيكون في ذلك محتاجًا إلى البول قائمًا.
وأما حديث أن ذلك كان لأثر في مأبِضه (١٤) فإنه ضعيف، وكذلك القول بأنه فعل ذلك لأن العرب يتطببون بالبول قائمًا من وجع الركب (١٥) فهذا ضعيف. ولكن نعم يمكن العرب إذا أوجعتهم ركبهم عند الجلوس يمكن يبولون قيامًا للحاجة.
стр. 142
طالب: بالنسبة للذي يرفع ثوبه وهو قائم والناس ينظرون إليه وذكرت في الحديث «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ» فهذا الحكم في الناظر يعني ما يتعلق بالمنظور إليه.
الشيخ: إي نعم الحكم في الناظر صحيح إذا كان يحرم النظر، فلولا أن كشفها محرم ما حرم النظر، هذا وجه الدلالة، ولهذا يجوز مثلًا ينظر الإنسان إلى وجه الإنسان وإلى صدره وإلى منكبه لأنه يباح كشفه.
طالب: ذكرنا قولًا من الأقوال الثلاثة جواز كشف العورة ( ... ) التحريم والجواز ( ... ).
الشيخ: الكراهة، والتحريم، والجواز، الظاهر أنه للكراهة أقرب، ولهذا كان الذي عليه جنابة إذا أراد أن يغتسل يتوضأ وهو عار، والوضوء هنا سنة وليس بواجب، ولو كان الخلوة يحرم فيها كشف العورة لقلنا: إنه لا يجوز لك أن تتوضأ إلا وأنت مستتر، ثم إذا جاء الغسل الذي لا بد فيه من خلع الثوب فاخلعه، وقد يجاب بأن هذه المسألة لما أبيح له أن يكشف ثوبه هنا للاغتسال صار كشفه للوضوء تبعًا، وهذه المسألة إن شاء الله تأتينا في العورة، ما حررتها هنا تحريرًا بالغًا، تأتينا إن شاء الله في درس العورة.
طالب: السباطة.
الشيخ: السباطة: الزبالة، كناسة، في الغالب تكون مرتفعة لأن مجمع الكنائس يكنس يعني.
يكره أيضًا (كلامه فيه) أي: كلام قاضي الحاجة (فيه) أي: في الخلاء، يكره، ما هو الدليل على الكراهة؟
استدلوا بأن رجلًا مرَّ بالنبيِّ ﷺ وهو يبول؛ فسلَّم عليه فلم يردَّ ﵇ (١٦).
стр. 143
ما رد ﵇، قالوا: ولو كان الكلام جائزًا لرد ﵇؛ لأن رد السلام واجب، لكن هذا الاستدلال مقتضاه التحريم، أنه يحرم أن يتكلم وهو على قضاء حاجته، ولهذا لما ذكر صاحب النكت ابن مفلح لما ذكر هذه المسألة قال: وظاهر استدلالهم يقتضي التحريم، وهو أحد القولين في المسألة. على أن كلام الإنسان وهو على حاجته محرم لا يجوز. أما إذا كانا اثنين ينظر أحدهما إلى الآخر ويتحدثان فهو حرام بلا شك، بل إن ظاهر الحديث الوارد فيه لولا ما فيه من المقال لكان ظاهره أنه من كبائر الذنوب؛ لأن الرسول ﵊ أخبر أن الرجلين إذا فعلا ذلك فإن الله يمقت عليه (١٧)، والمقت أشد البغض؛ وهذا يقتضي أن يكون من الكبائر، إنما الكلام المجرد هذا يكره، والاستدلال بالحديث كما سمعتم.
لكن لو قال قائل: إن الاستدلال بالحديث يقتضي التحريم؛ لأنه ترك واجبًا، وترك الواجب لا يباح إلا إذا كان الشيء محرمًا؛ لكن أجاب العلماء عن ذلك؛ أجابوا بجوابين:
الجواب الأول قالوا: إن هذا المسلم على قاضي الحاجة لا يستحق ردًّا؛ لأنه لا ينبغي السلام على قاضي الحاجة، حطوا بالكم هذا جواب.
الجواب الثاني: أن الرسول ﵊ ما ترك الواجب؛ لأنه بعد أن انتهى رد ﵇ واعتذر منه، الرسول علم بأنه سيرد عليه، وغاية ما فيه أنه أجل الرد؛ لأنه ليس على طهر.
أما الوجه الأول فضعيف، قولهم بأنه سلم عليه وهو لا يستحق الرد في هذه الحال لأن الرسول ﵊ ما علل عدم السلام بأنك سلمت في حالٍ لا تستحق الرد.
стр. 144
وأما الثاني فنعم، الثاني أن الرسول ﵊ ما ترك الرد تركًا مطلقًا، وعرفنا بأنه أجله، وهذا لا يستلزم القول بالتحريم، ولكن مع ذلك إذا احتاج إلى أن يتكلم، كما لو انتهى الماء الذي يستنجي به، لا يقدر يستنجي، ولا يقدر يقوم، الآن إذا ما استنجى ما يقدر يقوم الإنسان، وصوت إلى أحد: أعطني ماء، فهذا حاجة ولا بأس به.
نهى أن يضرب الرجلان الغائط ثم يجلسان لقضاء الحاجة يتحدثان، قال: «فَإِنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ»، ولكن هذا الاستدلال فيه نظر، لماذا؟
لأن الدليل أخص من المدلول، والقاعدة في الاستدلال ألا يستدل بالأخص على الأعم، وإنما يستدل بالأعم على الأخص، فالدليل هنا في رجلين ضربا الغائط وجلسا وصارا يتحدثان، هذه حالة غير مجرد أن يتكلم الإنسان على الخلاء. ونحن نقول في مثل هذه الحال: أقل أحوالها أن يكون مكروهًا إذا لم ينظر أحدهما إلى عورة الآخر، فإن نظر أحدهما إلى عورة الآخر فإن ذلك محرم.
وعلى كل حال، فقد نص الإمام أحمد ﵀ على أنه يكره الكلام حال قضاء الحاجة، وقال مرة أخرى: إنه لا ينبغي، والمعروف عند أصحاب الإمام أحمد أن الإمام إذا قال: أكره كذا، أو قال: لا ينبغي، فهو للتحريم، هذا معروف عندهم.
طالب: لو قال.
الشيخ: لا ينبغي. وعلى كل حال نحن نرى أنه لا ينبغي أن يتكلم في حال قضاء الحاجة إلا كما قال الفقهاء: لحاجة، مثل لو أراد أن يرشد أحدًا أو كلمه أحد لا بد أن يرد عليه، أو كان له حاجة في شخص وخاف أن ينصرف وقال: فلان وما أشبه ذلك.
طالب: شيخ ( ... ).
الشيخ: (وبوله في شق ونحوه) يعني: يكره بوله في شق ونحوه، الشق: هو الفتحة تكون في الأرض، وهو الجحر، جحر الدواب والهوام، هذا الشق.
وقوله: (ونحوه)، مثل بعضهم بفم البالوعة، يعني البالوعة هي متجمع الماء الغير نظيف، وسميت بالوعة لأنها تبتلع الماء.
стр. 145
فيكره للإنسان أن يبول في الشق؛ السرب والجحر وما أشبه ذلك، وظاهر كلام فقهائنا ﵏: ولو كان الشق معلوم السبب، كما لو كانت الأرض قيعانًا وجاءها المطر فالعادة أنه إذا يبس هذا القاع العادة أنه يتشقق ويتفطر، فظاهر كلام الفقهاء حتى في هذه الحال يكره.
ومع هذا نقول: إنه يكره، فإذا كان مكروهًا فإنه يزول بماذا؟
بالحاجة؛ لأنه أحيانًا ما يكون عندك في الفضاء مثلًا إذا كنت في روضة قيعان وقد مر بها الوادي وما أشبه ذلك لا بد يكون فيها تفطر، قد يشق عليك أن تجد مكانًا ليس فيه هذه الشقوق.
المهم الحكم هنا الكراهة، فما هو الدليل؟ وما هو التعليل؟
الدليل: ما رواه قتادة عن عبد الله بن سرجس أن الرسول ﷺ : نهى أن يُبال في الجُحر، قيل لقتادة: ما بال الجُحر؟ قال: يُقال: إِنَّها مساكن الجنّ (١٨). هذا الحديث منهم من صححه، ومنهم من ضعفه، ولكن أقل أحواله أن يكون حسنًا؛ لأن العلماء قبلوه، واحتجوا به، فهذا هو الدليل أن الرسول نهى أن يُبال في الجُحر.
وأما التعليل فقالوا: لأنه يخشى أن يكون في هذا الجحر شيء ساكن فتفسد عليه مسكنه، أو يخرج وأنت على بولك ثم يؤذيك، وربما تقوم بسرعة فلا تسلم من رشاش البول، فلهذا لا ينبغي.
وقد ذكر المؤرخون أن سعد بن عبادة ﵁ بال في جحر في الشام، وما أن فرغ من بوله حتى استلقى ميتًا -سعد بن عبادة سيد الخزرج ﵁ فسمعوا هاتفًا يهتف في المدينة يقول:
نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْ
رَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ
وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْ
نِ فَلَمْ نُخْطِئْ فُؤَادَهْ (١٩)
следующие страницы →