Полный текст (12 382 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الطلبة: ما تغير بنجاسة.
الشيخ: والثاني؟
الطلبة: أو لاقاها وهو يسير.
الشيخ: والثالث؟
الطلبة: ما انفصل عن محل نجاسة.
الشيخ: ما انفصل عن محل نجاسة قبل زوالها.
ثم لما ذكر المؤلف: النجسَ ﵀ كيف نُطهِّر هذا النجس؟ عندنا الآن ماء نجس، ونحن نريد أن نتوضأ، ونحتفظ بهذا الماء، فكيف نُطهِّره؟
فيه ملاحظة قبل قوله: (أو لاقاها وهو يسير) ما مفهوم إن لاقاها وهو كثير؟
طلبة: ليس بنجس.
الشيخ: فليس بنجس إلا أن يتغير، لكن سبق لنا أن بول الآدمي وعذرته المائعة لا يقيد بالكثير، ويش يقيد؟ بما يشق نزحه.
وعلى هذا فإذا لاقى بولًا وهو كثير، لكن لا يشق نزحه يكون نجسًا بمجرد الملاقاة، يكون كلام المؤلف هنا ينبغي أن يُلاحظ فيه ما سبق، فيقال: (أو لاقاها وهو يسير) مفهومه إن لاقاها وهو كثير لا ينجس، ولكن يُستثنى من هذا بول الآدمي وعذرته المائعة.
أما كيف يُطَهَّر، فقال المؤلف: (فإِن أُضيف إِلى الماء النَّجِس طَهُورٌ كثيرٌ غيرُ ترابٍ، ونحوِه أو زال تغيُّر النَّجس الكثير بنفسه أو نُزِحَ منه فبقِيَ بعده كثيرٌ غَيْر مُتغيرٍ طَهُرَ).
عندنا ثلاثة طرق في تطهير الماء النَّجس:
الطريق الأول: أن نضيف إليه طَهورًا كثيرًا غير تراب ونحوه؛ يعني أن نضيف إليه ماءً طهورًا، لكن اشترط المؤلف أن يكون المضاف كثيرًا، لماذا اشترط؟
لأننا لو أضفنا قليلًا تنجس بملاقاته الماء النجس؛ عندك الآن إناء فيه ماء نجس، لكن هذا الإناء كبير، يأخذ أكثر من قُلَّتين، والماء الذي فيه نصف قُلَّة، حطوا بالكم.
ماء في قدر كبير، مقداره نصف قلة، متغير بالنجاسة، لكنه يأخذ ثلاث قلال، كيف نطهِّره؟
نجيب قُلَّتين ونصبّهم على نصف القُلَّة، الآن أضفنا إليه ماءً كثيرًا؛ يطهر إذا زال تغيره يطهر، يكون الآن طَهُورًا؛ لأننا أضفنا إليه ماءً كثيرًا، إِن أضفنا إِليه قُلَّة واحدة؛ وزال التغيُّر لا يكون طَهُورًا، يبقى على نجاسته؛ لأنه لاقاه ماء يسير فينجس به.
стр. 72
طالب: ( ... ).
الشيخ: أيش؟
الطالب: يعني إذا أضفنا نصف قُلّة، ثم نصف قلة، ثم نصف قُلَّة .. ؟
الشيخ: إي، ما ينفع إلا أن يكون متصلًا؛ لأنه إذا أضفت نصف قُلة، ثم رحت جيبت صار الأولى قد نجست.
إذا أضيف إليه ماء كثير يطهر سواء كان الماء النجس قليلًا أو كثيرًا، صح ولَّا لا؟
طالب: بزوال العلة.
الشيخ: إي، بزوال النجاسة نعم؛ لأن المؤلف يقول: (فإن أضيف إلى الماء النجس) ما قال: الماء النجس اليسير طهور كثير، حطوا بالكم، الإضافة الآن ويش اللي صار فيها؟
أن يكون طهورًا كثيرًا، المضاف إليه يشترط فيه أن يكون كثيرًا أو يسيرًا، ولَّا ما يشترط؟ لا يشترط.
فإذا كان عندك قدر فيه قُلَّتان نجستان، ولكنَّه يأخذ أربع قِلال، وأضفت إِليه قُلَّتين، وزال تغيُّره يَطْهُر، ولَّا لا؟
يطهر، يكون طهورًا مع أنه -أي النَّجس- قُلَّتان.
قال: (أو زال تغيُّر النَّجس الكثير بنفسه)، ما هو الكثير؟ ما بلغ قُلَّتين، زال تغيره بنفسه، عندك ماء في قِدر يبلغ قُلَّتين، وهو نجس، لكنه بقي يومين ثلاثة، وزالت ريحه، زالت الرائحة اللي فيه، ولا بقي للنَّجاسة أثر، وأنت ما أضفت إليه شيئًا، ولا فعلت فيه شيئًا، ماذا يكون هذا الماء؟ يكون طَهُورًا، لماذا؟
قالوا: لأنَّ الماء الكثير قادر على تطهير غيره، فتطهير نفسه من باب أولى، ولَّا لا؟
هذا الماء الكثير اللي يبلغ قلتين زال تغيره بنفسه، فنقول: أصبح الآن طهورًا، إحنا ما عملنا فيه أي عمل، يكون طهورًا، ويطهر بالإضافة أيضًا، ولَّا ما يطهر؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: صار إذا كان قُلَّتين طهر بأمرين؛ بالإضافة؛ إضافة الطهور الكثير، وبزوال تغيُّره بنفسه، تمام ولَّا لا؟
طلبة: تمام.
стр. 73
الشيخ: (أو نُزِحَ منه فبقِيَ بعده كثيرٌ غَيْرُ مُتغيرٍ). (نزح منه) أي: من الماء الكثير، نزح منه ماء، فبقي بعد النزح ماء كثير، في هذه الصورة لا بد أن يكون الماء المتنجس أكثر من قلتين؛ لأن المؤلف اشترط أن يبقى بعد النزح قلتان، فعلى هذا تكون هذه المسألة الثالثة، إذا كان عند إنسان قدر فيه أربع قلال ونجس، ونزح منه شيئًا وبقي قلتان، ولكن هذا الباقي ما صار فيه نجاسة، يكون طهورًا، هذه الأربع قلال لو زال تغيره بنفسه يكون طهورًا؟
طلبة: طهور.
الشيخ: طيب، هذه الأربع قلال لو أضفنا إليه قلتين، يطهر؟
طلبة: طهور.
الشيخ: إذن ما زاد على القلتين فإنه يمكن أن يطهر بثلاثة طُرق:
الطريق الأول: الإضافة.
والطريق الثاني: زوال تغيُّرِه بنفسه.
والطريق الثالث: أنْ يُنْزَح منه؛ فيبقى -أي: بعد النزح- كثير؛ يعني قلتين فأكثر؛ فإنه يكون طهورًا.
إذا كان الماء أقل من قلتين، فكم طريقًا لتطهيره؟
الطلبة: طريق واحد.
الشيخ: طريق واحد، وهو الإضافة، أن يضاف إليه كثير، لو زال التغير بنفسه؟
ما يطهر؛ لأنه لم يبلغ قُلَّتين، لا يطهر؛ لأنه لم يبلغ قُلَّتين، فهمتم الآن؟
الآن نطالب، النجس ما هو؟
قلنا: ثلاثة أنواع: ما تغير بنجاسة، أو لاقاها وهو يسير، أو انفصل عن محل نجاسة قبل زوالها.
هذا النجس، بماذا يكون تطهيره، بأي طريق؟
نقول: إن كان أكثر من القلتين، فله ثلاثة طرق:
أولًا: أن نضيف إليه طهورًا كثيرًا.
والثاني: أن يزول تغيره بنفسه.
والثالث: أن ينزح منهما شيء، ولو كان يسيرًا.
النزح ما هو؟ المنزوح لا تنظر إليه، أن يُنزح منه شيء، ويبقى بعده كثير.
إذا كان قلتين لا زيادة ولا نقص، فهو له طريقان؛ لتطهيره؛ طريقان:
الطريق الأول: أن يضاف إليه طهور كثير.
والطريق الثاني: أن يزول تغيره بنفسه.
وإذا كان أقل من قلتين، فليس لتطهيره إلا طريق واحد، وهو أن يضاف إليه ماء كثير، مفهوم؟
استثنى المؤلف في مسألة الإضافة، قال: (غير تراب ونحوه).
стр. 74
لو أضفنا إليه ترابًا، ومع اختلاطه بالتراب وترسَّب التراب زالت الرائحة، يطهر؟
على المذهب: لا، ما يطهر مع أن التراب أحد الطهورين، ولَّا لا؟ لكن يقولون: إن تطهير التراب ليس حسيًّا، بل هو معنويٌّ، فإن الإنسان عند التيمُّم لا يتطهَّر طهارة حسِّيَّة، ولكن يتطهر طهارة معنويَّة، فإذا كان الماء لا يؤثر تأثيرًا حسيًّا فإنه وإن زال به أثر النجاسة بمعنى المتنجس لا يؤثر. بنحو التراب مثل أيش؟
لو أضفنا إليه ملحًا أو جصًّا أو صابونًا أو غيره؛ فإنه لا يطهر؛ لأنه ما فيه شيء يطهر إلا بالماء، ما فيه طهارة إلا بالماء، هذا هو ما مشى عليه المؤلِّف، وهو المذهب.
ولكن الصحيح أنه إذا زال تغيُّر الماء بالنجاسة بأي طريق فإنه يكون طهُورًا؛ وذلك لأن الحكم متى ثبت لعلَّة زال بزوالها، فما دمنا قد رجحنا أن الماء لا ينجس إلا بالتغير فنقول: إذا زال هذا التغير طهر، وأي فرق بين أن يكون كثيرًا وأن يكون يسيرًا؟
العلة واحدة، متى زالت -أقصد النجاسة- فإنه يكون طهورًا مطهِّرا، وهذا القول الصحيح تجدونه أيسر فهمًا، وأيسر عملًا، يحتاج إنه يروح يجيب مثلًا كثيرًا نظيفًا ما يحتاج، نقول: متى زالت النجاسة ولم يُوجد لا ريح، ولا لون، ولا طعم فإنه يطهر.
واعلم أن هذا الحكم بالنسبة للماء فقط دون سائر المائعات، سائر المائعات تنجس بمجرد الملاقاة، ولو كانت مئة قُلّة، فلو كان عند الإنسان، إِناء كبير فيه عسل مائع وسقطت فيه شعرة من فأرة، ويش يكون هذا؟ يكون نجسًا، ما يجوز أكله ولا بيعه ولا شراؤه، ولو كان عنده حِبّ كبير من الدهن المائع، وسقطت فيه -كما قلنا- شعرة من فأرة -ترى المراد فأرة الميتة- إذا قلنا: بنجاسة الشعر، لكن المثال الصحيح الذي ينطبق حتى على المذهب أن يسقط فيه شعرة من كلب، في هذا الحِبّ الكبير، ولم يتغير ولم يتأثر، شعرة واحدة مثل شعر أهداب العين يكون هذا الدهن الكثير يكون نجسًا، يجوز بيعه ولَّا لا؟
стр. 75
المذهب ما يجوز بيعه كما مر علينا؛ دهن متنجّس، ما يجوز بيعه، ما يجوز إلا الاستصباح بها في غير المسجد، والصحيح أن كل الأشياء ما دامت لم تتغير بالنجاسة فهي طاهرة، فإن تغيرت فهي نجسة.
طالب: حتى المائعات غير الماء ( ... ).
الشيخ: (وإن شكَّ في نجاسة ماء، أو غيرِه، أوْ طَهارته بنى على اليقين)
(إن شك في نجاسة ماء أو غيره) غير الماء فهو يبني على اليقين، كيف شك في نجاسة ماء أو طهارته؟ كيف يشك في نجاسته أو طهارته؟
في نجاسته إذا كان أصله طاهرًا، وفي طهارته إذا كان أصله نجسًا، شك في نجاسة الماء، عنده ماء طاهر ما علم أنه تنجس، ثم جاء فوجد فيه شيئًا، ولنفرض أنه وجد روثة لا يدري أروثة بعير هي أم روثة حمار؟ والماء متغيِّر، فيه خضرة من هذه الروثة، ولكن ما يدري، الآن شك في نجاسته ولَّا طهارته؟
في نجاسته؛ لأنه كان يعرف أنه طاهر، فجاء هذا الحدث فشك، هل هو نجس أم طاهر فنقول: ابنِ على اليقين، ما هو اليقين؟ الطهور، وتَطَهَّر به ولا حرج.
كذلك إذا شك في نجاسة غيره؛ غير الماء، عنده ثوب فشك في نجاسته، فما هو الأصل؟ الطهارة، حتى يعلم أنه نجس.
عنده جلد؛ جلد شاة، وشك هل هو جلدُ مُذَكَّاة، أو جلد ميتة، ويش الغالب؟ أنه جلد مُذَكَّاة، ولَّا يمكن يكون جلد ميتة؟
لكن على القول الراجح -كما سيأتينا إن شاء الله تعالى- أن المدبوغ ولو كان جلد ميتة يكون طاهرًا.
شكَّ في الأرض الآن يبغى يصلي، وقال: والله ما أدري هل هذه البقعة طاهرة ولَّا نجسة؟
فنقول: الأصل الطهارة، فتكون طاهرة ويصلي عليها.
كذلك لو شك في طهارة الماء، كيف شك في طهارته، عنده ماء نجس يعرف أنه نجس، فلما عاد إليه قال: والله ما أدري هل زال التغير أو ما زال؟ شك، ماذا نقول؟
الأصل النجاسة، الأصل بقاء نجاسته، وعلى هذا فلا يستعمله؛ لأن الأصل النجاسة؛ ولهذا قال: (بَنَى على اليَقِينِ)، اليقين هو الذي كان قبل الشك، فهمت.
стр. 76
إذن، إذا شك في نجاسة الماء فهو طهور، إذا شك في طهارة الماء المتنجِّس، فهو نجس، ما هو الدليل، وما هو التعليل؟
الدليل على ذلك حديث عبد الله بن زيد أن النبي ﵊ شُكِيَ إِليه الرَّجل -وكذلك في حديث أبي هريرة- يجدُ الشيء في بطنه؛ فيُشكل عليه، هل خرج منه شيء أم لا؟ فقال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (٥).
هذا واضح أن الرسول ﷺ أمرَ بالبناء على الأصل، وهو بقاء الطَّهارة حتى يسمع صوتًا أو يجدَ ريحًا.
إذن هذا الماء الطهور شككنا، هل أصيب بنجاسة أم لا؟
فنقول: لا نتجنبه حتى نتيقن أنه نجس، وهذا الماء المتنجس شككنا هل زال تغيره بالنجاسة أم لا؟
فنقول: لا نستعمله حتى نتيقن أن النجاسة زالت، هذا دليل أثري؛ يعني دليل بالأثر، كذلك عندنا دليل نظري؛ دالّ بالنظر، وهو أن الأصل بقاء الشيء، هذا الأصل، الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يتبين تغير الشيء، فهذا دليل نظري عقلي.
وبناء على ذلك إذا أصابك ماء الميزاب وأنت مارّ في السوق تقول: والله ما أدري هل هذا من المراحيض أو من غسيل الثياب؟ وهل هو من غسيل ثياب الصبيان نجسة، أو من غسيل ثياب رجال طاهرة، ويش نقول؟
طلبة: الطهارة.
الشيخ: الأصل الطهارة، طيب أنا شوفت كأن لونه متغير؟ !
طلبة: ( ... ).
الشيخ: الأصل الطهارة، ولو كان متغيرًا.
قالوا: ولا يجب عليه أن يشمه أو أن يتفقده، ما هو واجب، يمشي على ما كان عليه ويكون الأصل الطهارة، وهذا كله من سعة رحمة الله حتى لا نتكلف ونشق على أنفسنا؛ ولهذا الصَّحابة لما قالوا: يا رسول الله، إِنَّ قومًا يأتوننا باللَّحم؛ ما ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ قال: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا» (٦).
стр. 77
قالت عائشة راويةُ الحديث: وكانوا حديثي عهد بالكفر؛ يعني توًّا هم مسلمون، هنا يغلب على الظنّ أنَّهم لم يذكروا اسمَ الله، ومع ذلك ما أمر الرسول بأن نسأل ولا أن نبحث، إذن ما نسأل.
ويُروى عن عمر ﵁: أنَّه مرَّ هو وصاحب له بصاحب حوض، فأصابهم منه، فسأل صاحبَ الحوض: هل هذا نجس أم لا؟
فقال له عمر: يا صاحب الحوض، لا تخبرنا (٧). وفي رواية: أن الذي أصابهم ماء ميزاب، فقال عمر: يا صاحب الميزاب، لا تُخبِرْنا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، أبدًا، الاحتياط عدم العمل بهذا؛ لأننا رأينا أن الذين يحتاطون قد ينفتح عليهم باب الوسواس، وهذا كثيرًا ما هو موجود الآن.
طالب: في حديث الرسول ﷺ وجد التمر في الطريق، وقال: لولا أني أخشى أنه صدقة لأكلت؟
الشيخ: نعم، هذا في باب الأطعمة ( ... )، وأيضًا الرسول ﷺ لعلها -والله أعلم- إن هناك قرينة تُقوّي أنها من الصدقة.
طالب: شيخ، ( ... )؟
الشيخ: إي، ولو كان الأصل الطهارة.
الطالب: لو رأينا البول، ولكن ما ( ... ) البقعة ( ... )؟
الشيخ: يبغي دينه.
قال: (وإن اشتبه طَهور بنجس حَرُمَ استعْمَالُهُمَا).
(اشتبه طهور)؛ يعني ماء طهور (بنجس) بماء نجس (حرم استعْمَالُهُمَا)، لماذا؟
لأن اجتناب النَّجس واجب، ولا يتم إلا باجتنابهما، وما لا يتمُّ الواجب إِلا به فهو واجب، هذا دليل نظري.
ويُستدلُّ عليه أيضًا، ربما يستدل عليه، بأن النبي ﵊ قال في الرَّجُل يرمي الصيد فيقع في الماء، قال: «إِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي، الْمَاءُ قَتَلَهُ أَمْ سَهْمُكَ» (٨). وقال: «إِذَا وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أيُّهُمَا قَتَلَهُ» (٩). فأمر باجتنابه؛ لأنّا ما ندري هل هو من الحلال أو من الحرام؟
هذان ماءان نجسان، ما ندري أيهما الحلال لنا من الحرام، فما الواجب؟
стр. 78
الواجب اجتنابهما؛ العلة: ما لا يكون الواجب إلا به فهو واجب، فوجب اجتنابهما جميعًا، هذه مسألة.
الحكم الثاني في هذا الاشتباه قال: (ولم يتحرَّ)؛ يعني ما ينظر أيُّهما الطَّهور من النَّجس، ما يتحرى، على طول يتجنبه، ولا يتحرى حتى ولو مع وجود قرائن، ما يتحرَّى، هذا هو المشهور من المذهب.
والقول الثاني: أنه يتحرى؛ وهو قول الشافعي، وهو الصواب أنه يتحرى؛ لأن النبي ﷺ قال في حديث ابن مسعود في مسألة الشك في الصلاة، ويش قال؟
قال: «لِيَتَحَرَّ الصَّوَابَ ثُمَّ ليَبْنِ عَلَيْهِ» (١٠)، هذا دليل أثريٌّ في ثبوت التَّحرِّي في المشتبهات.
أما الدَّليل النَّظري: فنقول من القواعد المقرَّرة عند أهل العلم: أنَّه إذا تعذَّر اليقين رُجع إلى غلبة الظنِّ؛ فهنا تعذَّر علينا اليقينُ أيهما النجس، فنرجع إِلى غلبة الظن؛ ولهذا الصواب -بلا شك- هذا القول؛ أنه يتحرّى إذا غلب على ظنه أن هذا هو الطهور استعمله، ولا شيء عليه، ويجتنب الآخر، هذان مسألتان.
المسألة الثالثة: قال: (ولا يُشترط للتيمُّم إراقتهما، ولا خلطُهما)، أفادنا المؤلِّفُ بقوله: (ولا يُشترط للتيمُّم) ( ... ).
نقول: الآن يجب عليك الاجتناب، ويش تسوي جت الصلاة يا جماعة، ماذا أعمل؟ !
تتيمَّم؛ لأنك غير قادر على استعمال الماء الآن؛ لأن هذا مشتبه بنجس ما يمكن تستعمله، فيشمله قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦].
فإذن أتيمم، ولكن هل يُشترط للتيمُّم إراقتهما أو خلطهما؟
في هذا قولان لأهل العلم؛ ولهذا المؤلِّف نفى هذا؛ لأن فيها قولًا وإلا كان ما يحتاج ينفيه، قال: (ولا يُشتَرط للتيمُّم إِراقتهما، ولا خلطُهما) ردًّا للقول الذي يقول: إنه يُشتَرط إراقتهما، أو خلطهما، وهو قولٌ في المذهب.
قالوا: ما يمكن يتيَمَّم حتى يُريقَ الماءين؛ ليكون عادمًا للماء حقيقة، أو يخلطهما حتى يكونا، يتحقَّق النَّجاسة، يكونا نجسين.
стр. 79
وعُلِم من ذلك أنه لو أمكن تطهير أحدهما بالآخر لوجب أو لا؟
طالب: التطهير.
الشيخ: لوجب التطهير، ولا يحتاج إلى تيمُّم؛ يعني لو كان الإناءان كل واحد منهما قلتين فأكثر، يمكن تطهير أحدهما بالآخر؛ لأنه إذا كان رقم واحد هو النجس أضفنا إليه رقم اتنين؛ وهو طهور كثير فيطهره إذا زالَ تغيُّره، وكذلك بالعكس.
فالآن أفادنا المؤلف ﵀ ثلاثة أحكام في هذه المسألة إذا اشتبه طهور بنجس:
الحكم الأول: تحريم استعمالهما.
الحكم الثاني: عدم التحري في أيهما الطهور.
الحكم الثالث: أنه يتيمم، أو لا؟
الحكم الرابع: أنه لا يشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما، وإن شئنا قلنا: إن هذا تابع للتيمم، فلا يكون حكمًا مستقلًّا، لكن هناك قول يقول: لا بد من خلطهما حتى يكونا نجسين أو إراقتهما حتى يكون عادمًا للماء حقيقة، ولكن الصحيح أنه لا يشترط.
ذكرنا أن الصواب التحرّي، أو لا؟ واستدللنا له بأثر ونظر ولَّا لا؟
التحري إذا كان هناك قرائن تدل على أن هذا هو الطهور، وهذا هو النجس، واضح أن المحل الآن قابل للتحري، بسبب القرائن، ولكن إذا لم يكن هناك قرائن، فهل يمكن التحري؟
طالب: لا يمكن.
الشيخ: التحري بناء على القرينة غير ممكن، ( ... ) الإناءان سواء في اللون والنوع والماء سواء، ولا يتذكر شيءأبدًا، لكن قال بعض العلماء في هذه الحال أيضًا: إذا اطمأنت نفسه إلى أحدهما فليأخذ به، وقاسوه على ما إذا اشتبهت القِبلة على الإنسان، ونظر في الأدلة ما وجد أدلة في النهار، الليل مظلم ما فيه نجوم، ويش قالوا؟
طالب: يُصلي.
الشيخ: يصلي؛ حيث ترتاح نفسه إلى جهة يصلي إليها، فقالوا: إذا اطمأنت نفسه إلى أحد الماءين فليستعمله، ولا شك أن هذا -استعماله لأحد الماءين في هذه الحال- فيه شيء من الضعف، لكنه خير من العدول إلى التيمم.
طالب: ما يجمع بينهما؟
الشيخ: لا، ما ينفع؛ لأن هذا نجس.
الطالب: يعني يجمع بين التيمم، نقول: تطهر بطهارة يعني أو ( ... )؟
стр. 80
الشيخ: لا، لأنا نحن ذكرنا قبل في درس سابق أنالصحيح أنه ما يمكن تجتمع الطهارتان، وإن كان الفقهاء ذكروا أنه يجمع بين التيمم وطهارة الماء في أربع صور، لكن الصحيح عدم ذلك.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: لا، قد أكون أنا ما أشم، أو يكون رجل أعمى ما يرى، أو فاقد الذوق، أو ربما نروح نذوقه ( ... )؛ يعني يجوز اختبار مثل هذا إن يذوقه لو كان يخشى أن يقع في النجس، وإذا أحس أن هذا هو النجس ( ... ).
طالب: ( ... )؟
الشيخ: يكون طهورًا، يكون ما فيه اشتباه الآن.
طالب: ولا يستخير ولا صلاة استخارة؟
الشيخ: لا، ما أظن.
طالب: له أن يستخير، ثم ( ... ).
الشيخ: يستخير، ثم يتوضأ؛ أي: الماء اللي ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي، هذه بتجينا -إن شاء الله- في باب التيمم إن شاء الله تعالى.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يتحرَّى.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما ينفع.
يقول: (وإِن اشتَبَه بطَاهر تَوَضّأ منهمَا وُضُوءًا واحدًا، مِنْ هذا غَرْفَةٌ، ومن هذا غَرفةٌ، وصَلَّى صلاةً واحدةً)، اشتبه بطاهر، هل ترد هذه على القول الصحيح؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ لأن ما فيه طاهر غير مطهر، لكن على المذهب يمكن إن اشتبه بطاهر، كيف يشتبه بطاهر؟ الطاهر ما تغير بطَبْخٍ أو ساقط فيه، يسمى تغيرًا، لا نقول: الطاهر أكثر من هذا، غُمس فيه يد قائم من نوم ليل ناقض لوضوء، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يمكن هذا؟ لا، خلت به طهور، غمس فيه يد قائم من نوم ليل ناقض لوضوء يكون طاهرًا غير مطهّر، فهذا رجل عنده ماءان، أحدهما: متيقن أنه أول ما قام من النوم غمس يده فيه، ولكن ما يدري هل هو رقم واحد أو رقم اتنين، اشتبه الآن طهور بماذا؟
طلبة: بطاهر.
الشيخ: بطاهر، ويش نسوي؟ هل نقول مثل الأول: لا يتحرى؟ نقول: ما يتحرى نعم، لا يتحرى؛ لأنه ما فيه تحري.
ماذا يصنع، يتيمم؟ لا؛ لأن استعمال الطاهر هنا لا يضره، بخلاف المسألة الأولى، المسألة الأولى استعمال النجس يضره، ينجس ثيابه وينجس بدنه، لكن هذا ما يضر.
стр. 81
إذن كيف يصنع؟ يتوضأ وضوءًا واحدًا لا وضوءين، من هذا غَرفة، ومن هذا غرفة، وجوبًا من هذا غرفة ومن هذا غرفة؟
وجوبًا، وعلى هذا فيمكن أن يلغز بهذه المسألة، ويقال: رجل وجب عليه التكرار في الوضوء، التكرار يجب مرة واحدة، الوضوء مرة واحدة، ولَّا لا؟
لكن هذا يجب أن يتوضأ مرتين، غرفتين، يأخذ من هذا غرفة يغسل يديه كفيه، ويأخذ من هذا غرفة يغسل كفيه، ثم يأخذ من هذا غرفة يغسل وجهه، ومن هذا غرفة يغسل وجهه، ومن هذا غرفة يغسل يده اليمنى، ومن هذا غرفة يغسل يده اليمنى، وهكذا حتى يكمل، لازم، ومسح الرأس؛ يبل يده من هذا، ويبل يده من هذا، لا بد، واضح، لماذا؟
لأن بعض العلماء يقول، أقول: لماذا؟ لأجل إذا أتم وضوؤه فقد تيقن أنه توضأ بطهور، أو لا؟
إذا خلص وغسل رجليه الآن تيقّن أنه توضأ بطهور، فيكون وضوؤه صحيحًا.
لو قال قائل: لماذا لا يتوضأ من هذا وضوءًا كاملًا، ثم يرجع ويتوضأ من هذا وضوءًا كاملًا؟ !
نقول: لا يمكن، ليش؟ لأن كل واحد منهما يحتمل أنه هو الطهور، وحينئذٍ يختل الترتيب بين الأعضاء، يمكن مثلًا إذا غسلت من رقم واحد وضوءًا كاملًا، قد يكون هو الطهور أو الطاهر، فأنت الآن أديت هذا الوضوء شاكًّا فيه ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: شاكًّا فيه، تيجي للثاني تقول: أتوضأ منه وضوءًا كاملًا، توضأت، الآن أنت شاك ولَّا ما شكيت؟ شاك، فأديت الوضوء وأنت شاك فيه، هذه من جهة.
من جهة أخرى ربما يكون هذا هو الطهور غسلت به وجهك، ثم يكون في الثاني هو الطهور، غسلت به بعدما تميت غسلت به وجهك، وإذا غسلت اليد يمكن نقول بالعكس، فيحصل بذلك إخلال في الترتيب.
فصار الآن هذا مبني -عدم الصحة- على أمرين أو لعدم الصحة وجهان:
الوجه الأول: أن كل وضوء أديته فأنت شاك فيه، ما أديت وضوءًا عازمًا به.
стр. 82
الثاني: أننا إذا قدرنا توضأت وضوءًا كاملًا، ثم قدرنا أن الطاهر هو الأول اللي توضأت منه هو الطهور، ثم توضأت الوضوء الكامل من الثاني الذي هو الطاهر، هذا ما يمكن أن تجزم به في كل عضو من أعضائك، ربما تجزم في الأول، أو يغلب على ظنك أن هذا هو الطهور عند غسل الوجه، وفي الثاني يغلب على ظنك أن هذا هو الطهور عند غسل الوجه، أو عند غسل اليد، وكذلك بالعكس، سيحصل اختلاف في الترتيب؛ بمعنى أن تصوري بأن هذا هو الطاهر، أو هذا هو الطهور قد يختلف بحسب الأعضاء؛ فيختلف ترتيبها، واضح؟
الآن توضأت من هذا وضوءًا كاملًا وانتهيت، ثم أردت أن أتوضأ من الثاني وضوءًا كاملًا، كل عضو من أعضائي أنا أقدِّر أن هذا هو الطهور، أو أن هذا هو الطاهر، كل عضو من الأعضاء، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: فإنا إذا قدرنا أن الأول هو الطهور، يمكن يكون مشينا على الترتيب، إذا قدرنا أن الثاني هو الطهور مشينا على الترتيب ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما مشينا على الترتيب؛ لأنه اختلف؛ إذ إني مثلًا غسلت إيدي بالأول على أن ذاك هو الطهور، والآن غسلت وجهي على أن هذا هو الطهور؛ لأن كل عضو أغسله فأنا بقدِّر أن هذا هو الطهور أو هذا هو الطاهر.
طالب: فإن اتفقا يا شيخ.
الشيخ: ما يمكن تتفق وأنا شاك فيها.
طالب: ( ... ).
الشيخ: الواقع غير مسألة ما أعتقد، فالمهم أن الوجه الأول واضح لكم؛ أنك تؤدي طهارة شاكًّا فيها، ولا يقال إنه باجتماعهما حصل اليقين، نقول: لأن أحدهما حينما أديته كنت شاكًّا فيه، ما عندك يقين، فلهذا يقول: يتوضأ وضوءًا واحدًا لا وضوءين، أيضًا يصلي صلاة واحدة.
وقال بعض العلماء: يتوضأ وضوءين، ويصلي صلاتين، يتوضأ بهذا وضوءًا، ثم يصلي، ثم يتوضأ بالثاني وضوءًا، ثم يصلي؛ لأجل أن يتيقن بالفعلين أنه توضأ وضوءًا صحيحًا وصلى صلاة صحيحة.
стр. 83
ولكن على القول الرَّاجح الصحيح، فهذا غير وارد أصلًا؛ لأن الصواب أن الماء لا يكون طاهرًا غير مطهر، بل كله إما طَهورًا، وإما نجس.
( ... ) (وإِن اشْتَبَهَتْ ثياب طاهرةٌ بنجسة أو بمحرَّمةٍ صلَّى في كلِّ ثوبٍ صلاةً بعددِ النَّجس أو المحرَّم، وزَاد صلاةً)
إذا اشتبهت ثياب طاهرةٌ بنجسة، هذه المسألة لها تعلُّق في باب اللباس، في باب السترة، باب شروط الصَّلاة، ولها تعلُّق هنا، تعلُّقها هنا من باب الاستطراد؛ لأنه معلوم أن الثِّياب ما لها دخل في الماء، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: هذه تُذكر في باب ستر العورة، من شروط الصلاة.
لكن هم ذكروها هنا على سبيل الاستطراد، فنقول: إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة، مثلًا رجل له ثوبان؛ أحدهما: قد تيقّن أنه تنجّس، والثاني: طاهر، ثم جاء بيلبسهم شك أيهما الطاهر من النجس، فماذا يصنع؟
والآن ما نوع الثوب ما فيه شك؛ يعني إذا كان معه ثوب لا شك فيه فالأمر واضح، ماذا يصنع؟ يصلي في الثوب الذي لا شك فيه، وينتهي الموضوع، لكن هذا ما عنده إلا ثوبين لازم بيصلي بأحدهما، وشك فماذا يصنع؟ نقول: تصلي بعدد النجس وتزيد صلاة، ليش؟
لأنك كل ثوب تصلي فيه يحتمل أنه هو النجس، فلا تصح صلاتك؛ إذ إن من شروط الصلاة أن يصلي الإنسان بثوب طاهر، فلا يمكن أن تخرج بيقين، أو فلا يمكن أن تصلي بثوب طاهر يقينًا إلا إذا صليت بعدد النجس وزدت صلاة.
طيب عنده ستة أثواب نجسة وواحد طاهر، كم يصلي؟ سبع صلوات بعدد النجس، والنجس ستة، ويزيد صلاة لأجل أن يتيقن أنه صلى بثوب طاهر.
هنا في الحقيقة كل صلاة يؤديها يشك هي اللي صحت ولّا اللي ما صحت، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: كل صلاة يؤديها ما يؤديها عن يقين، حتى السابعة ما يظن أن هي التي صحت دون الأولى، لكن إذا اجتمع الجميع تيقنَّا أنه صلى صلاة صحيحة.
لو زاد عدد النجس، لو كان عنده ثلاثون ثوبًا نجسًا وواحد طاهر، يُصلِّي كل وقت واحدًا وثلاثين صلاة.
стр. 84
على كل حال هذه فرضًا، وإلا بدل من دول يروح يشتري ثوبًا جديدًا، وينتهي، أو يغسل واحدًا وينتهي، لكن هذه المسألة فرضًا، يُصلِّي بعدد النجس، ويزيد صلاةً، هذا ما مشى عليه المؤلف، ولكن الصحيح في هذه المسألة أنه يتحرى.
وإذا غلب على ظنه أحد الثياب صلى فيه وانتهى، والله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولم يُوجب الله على الإنسان أن يصلي أكثر من صلاة أبدًا، فالصواب أنه يصلي صلاة واحدة، فإن قلت: ألا يحتمل مع التحرِّي أن يكون صلَّى بالثوب النجس؟
طالب: احتمال وارد.
الشيخ: نقول: بلى، لكن هذا منتهى قدرته، ثم إِنَّ الصَّلاة في الثَّوب النَّجس عند الضَّرورة، الصحيح أنها تجوز.
أما المذهب يرون أن الصلاة في الثوب النجس عند الضرورة، تُصلي فيه وتعيد، فلو فرضنا -على المذهب- وهذه مسألة استفراضية مثلما استفرضنا هنا في أصل المسألة لو أن الإنسان ما عنده إلا ثوب نجس وهو في البر، ولا عنده ما يُطهّره به، وبقي في البر شهرًا كاملًا يصلي بالثوب النجس وجوبًا، ويعيد إذا طهَّره وجوبًا، يُعيد ما صلى به، يُصلي ويُعيد، يُصلي ليش؟ لأنه حضر وقت الصلاة وأمر بها، ويُعيد لأنه صلى في ثوب نجس فصلاته باطلة.
ولا شك أن هذا القول ضعيف، وأن القول الراجح أنه يُصلي ولا يُعيد، وهم قد قالوا ﵏ إنه في صلاة الخوف إذا اضطُر إلى حمل السلاح النَّجس حَمَلَه ولا إعادة عليه للضَّرورة، هذا أيضًا للضرورة، ماذا يصنع.
المهم إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة، فما الحكم على المذهب؟
طلبة: يصلي بعدد النجس، ويزيد صلاة.
الشيخ: يصلي بعدد النجس، ويزيد صلاة؛ لأنه لا يتيقن أنه صلى صلاة بثوب طاهر إلا بهذه الصورة، فيجب عليه أن يصلي بعدد النجس ويزيد صلاة.
طالب: لكن كل صلاة يا شيخ يلبس ثوبًا ولَّا كيف؟
стр. 85
الشيخ: كل صلاة يلبس سبعة أثواب، إذا كانوا ستة، عنده ستة أثواب نجسة، والسابع طاهر، واشتبه عليه، نقول صلِّ بكل ثوب صلاة، فيصلي في الثوب رقم واحد صلاة، ثم الثاني في رقم اتنين، ثم الثالث في رقم ثلاثة إلى السابعة.
طالب: هم يقولون: يا شيخ، إذا تردد في الصلاة بطلت، فهنا صلى في كل ثوب بنية غير جازمة؟
الشيخ: غير جازمة، هم يقولون: لكن بمجموع الأمر، بمجموع الصلوات هذه تيقنا أنه صلى صلاة بثوب طاهر.
الطالب: وما الفرق بينه وبين ما لو اشتبه طهور بطاهر كون أنه لا يتوضأ وضوءين؟
الشيخ: إي نعم، هم قالوا: لأنه يمكن الجمع بينهما هناك، في مسألة الطهور والطاهر يمكن الجمع، فيتوضأ من هذا غرفة ومن هذا غرفة، لكن فيما يمكن ويش يسوي؟ ما نقدر نقول: البس ثوبين جميعًا، نفس الشيء كلهم نجسات.
طالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: الماء النجس تتوضأ بالأول، وتصلي، وتتوضأ بالثاني، وتصلي ما الفرق؟
الشيخ: نعم، الفرق بينهما أن الماء إذا استعمله وهو نجس تنجّس هو وثيابه فزاده شرًّا، أما هذا ما يضر، إذا تنجس عاد يحتاج أنه يغسّل اللي تنجس بهذا الماء النجس.
إذا اشتبهت ثياب مباحة بمحرّمة، هذه المسألة لها صورتان:
الصورة الأولى: أن تكون محرَّمة لحق الله.
والصورة الثانية: أن تكون محرّمة لحقّ الآدمي.
المحرّمة لحق الله مثل الحرير، اشتبه عليه الثوب الحرير الصناعي بالثوب الحرير الطبيعي، ممكن هذا ولَّا لا؟
ممكن، ما يدري أيهما، عنده عشرة أثواب حرير طبيعي، وثوب واحد حرير صناعي كلها معلقة بالعلاقية، قال: والله أنا ما أدري أيها اللي بأصلي به ما بين الحرير الصناعي أو الحرير الطبيعي، ماذا نقول له؟
طلبة: ( ... ) صلاتك.
الشيخ: لا، إحدى عشرة صلاة؛ لأن عنده عشرة أثواب محرمة حرير طبيعي، وثوب واحد حرير صناعي نقول: صلِّ عشر صلوات وكلها الآن ما صحت صلاته! صلِّ إحدى عشرة صلاة، بعد ذلك نتيقن أنك صليت في ثوبٍ حلال.
стр. 86
هذه المسألة مبنية على مسألة ستأتينا إن شاء الله تعالى، هل يشترط لستر العورة أن يكون الثوب مباحًا؟ هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بيانها في باب ستر العورة.
المهم المذهب أنه يشترط لستر العورة أن يكون الثوب مباحًا، فعلى هذا إذا اشتبهت ثياب محرمة بمباحة صلى بعدد المحرمة في كل ثوب صلاة، ويزيد صلاة واحدة. ذكرنا أن المسألة لها صورتان؟
طالب: نعم.
طلبة: محرمة لله، وحق الآدمي.
الشيخ: مُحرَّمة لحق الله مثل الحرير.
محرمة لحق الآدمي كالمغصوب؛ إنسان عنده ثوب مغصوب، وعنده ثوب ملك له، واشتبه عليه المغصوب بالملك، فماذا يصنع؟
طلبة: يصلي ( ... ).
الشيخ: يصلي بعدد المغصوب، ويزيد صلاة، لكن هنا مشكلة! كيف يصلي بالثوب المغصوب وهو ملك غيره، فحينئذٍ يكون قد انتفع بملك غيره بلا إذنه؟ ! انتبهوا لهذا!
المحرم لحق الله، واضح أنه يصلي فيه ولا فيه إشكال؛ يعني يصلي فيه وعلى كلام المؤلف يزيد صلاة، لكن إذا كان محرمًا لحق الغير، وقلنا: صلِّ بهذه الثياب المغصوبة، صلِّ بها وزد صلاة، ويش بيرد علينا، يرد علينا استعمال مال الغير بغير إذنه، وهذا محرم.
تعارض عندنا الآن واجب أيش بعد؟
طلبة: ومحرم.
الشيخ: ومحرم، واجب وهو أنه يجب أن يُصلِّي بكل ثوب، ومُحرَّم وهو أنه يستلزم استعمال مال غيره، فماذا نصنع؟
الجواب على ذلك أن يُقال: استعمال مال الغير هنا للضرورة، كما لو احتاج الإنسان إلى مال غيره لدفع ضر، واحد مثلًا عنده بطانية لغيره ومات من البرد، يحتاج إلى بطانية يتغطى فيها، نقول: اصبر ( ... ) ويأكلك البرد، ولَّا تغطى فيها؟
نقول هنا: استعمال مال الغير للضرورة، وعليه -لهذا الغير- ضمان ما نقص الثوب وأُجرة الثوب، ضمانه إن نقص وأُجرة استعماله إياه، فالحين ضاع حق الغير ولّا ما ضاع؟
стр. 87
ما ضاع ما دام بيضمن له منافعه، ويضمن له نقصه، وأنا اضطررت إلى استعماله؛ لأنه واجب عليَّ أن أصلي بعدد المحرم صلاة، زال الإشكال الآن ولَّا لا؟
زال الإشكال؛ لأنه إذا اضطر الإنسان إلى نفع مال الغير وجب أن يدفعه له، وهذا مضطر، ولكن هل يدفعه بالأجرة أو يدفعه مجانًا فيه خلاف، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- في باب الأطعمة أظن.
إنما الآن نقول: استعمِلْه لأجل الضرورة الشرعية، وعليك ضمان ما نقص، وعليك أُجرة منفعته، هذا هو تحرير المسألة على المذهب.
والصَّحيح أيضًا في هذه المسألة: أنه يتحرَّى، الصحيح أنه يتحرّى، وأنه يُصلِّي بما يغلب على ظَنِّه أنَّه الثوب المباح ولا حرج عليه؛ لأن الله لا يكلِّف نفسًا إلا وسعها.
وهذه كلافة شديدة، افرض أن الثياب ثلاثون، نقول: كل ظهر صلِّ ثلاثين صلاة ظهر، وكل عصر واحدًا وثلاثين، وكل مغرب واحدًا وثلاثين، وكل عشاء واحدًا وثلاثين.
طيب نشوف الآن واحد وثلاثين في خمسة بمئة وخمسة وخمسين، أكثر من فروض الصلاة أول ما فُرضت، هذا مشقة.
طالب: ممكن يترك الصلاة! !
الشيخ: المهم الصواب أن هذه المسألة -والحمد لله- الأمر فيها واضح؛ وهو أنه يتحرَّى، هذا بالنسبة للثياب النجسة، وكذلك بالنسبة للثياب المحرمة.
طالب: خمسة في واحد وثلاثين يا شيخ مئة وخمسة خمسين ثلاثة أضعاف الصلاة ( ... ) بدون قرائن؟
الشيخ: لو فرض أن ما عنده قرائن، ولا يمكن التحري، أن التحري لم يمكن لعدم وجود القرينة، فيصلي فيما شاء؛ لأنه في هذه الحال مضطر إلى أن يُصلي بالثوب النجس، والصواب أنه إذا كان مضطرًّا للصلاة في الثوب النجس أنه يصلي ولا إعادة عليه.، وأما الثوب المحرم فإن فيه أصلين:
الأصل الأول: الضرورة.
والأصل الثاني: أن في المسألة نزاعًا في صحة الصلاة في الثوب المحرم، سواء لحق الله أو لحق الآدمي، والمسألة فيها خلاف، وسيأتي -إن شاء الله- التحقيق فيها.
طالب: ما يعتبر فاقد الثوب حسًّا كما فقد الماء حِسًّا؟
стр. 88
الشيخ: لا، ما فقده حسًّا، شرعًا يمكن.
طالب: إي شرعًا؟
الشيخ: إي، أما حسًّا ما فقده، لا، ما يعتبر؛ لأن هذا ما هو فقد؛ لأنه يمكن يصلي فيه، أما مسألة النجس؛ الماء الطهور والنجس واضح أنه لو أنه تطهَّر بالنجس ما زاده إلا تلويثًا.
[باب الآنية]
(باب الآنية)
الباب: هو ما يُدخَلُ منه إلى الشيء، والعُلماء ﵏ يضعون (كتابًا، وبابًا، وفصلًا)؛ فالكتاب عبارة عن جملة أبواب تدخل تحت جنس واحد، والباب نوع من ذلك الجنس مثلما نقول: (حَبٌّ) يشمل (البر، والشعير، والذُّرة، والرز)، لكن البر شيء، والشعير شيء آخر؛ كتاب الطَّهارة يشمل كلَّ جنس يصدق عليه أنه طهارة، أو يتعلَّق بها، لكن الأبواب أنواع من ذلك الجنس، أما الفصول فهي عبارة عن مسائل تتميَّز عن غيرها ببعض الأشياء، إما بشروط أو بتفصيلات.
وأحيانًا يُفَصِّلون الباب لطول مسائله، لا لانفراد بعضها في حكم خاص، ولكن لطول المسائل، يكتبون فصولًا.
الآنية؛ جمع (إِناء)؛ وهو الوعاء، وعاء الشيء؛ أي: إناء الشيء؛ يعني الإناء هو الوعاء، وذكرها المؤلِّفُ هنا، وإِن كان لها صلة بباب الأطعمة؛ لأن الأطعمة أيضًا لا تؤكل إِلا بأوانٍ؛ فباب الآنية له صلة بباب الأطعمة الذي يذكره الفقهاء في آخر الفقه، وله صلة هنا في باب المياه؛ لأن الماء -كما تعلمون- جوهر سيَّال لا يمكن حفظه إلا في الإناء؛ فلهذا ذكروه بعد باب المياه، ومعلوم أنَّ من الأنسب إِذَا كان للشيء مناسبتان أن يُذكرَ في المناسبة الأولى؛ لأنَّه إِذا أُخِّرَ إلى المناسبة الثَّانية فاتت فائدتُه في المناسبة الأولى، لكن إِذا قُدِّم في المناسبة الأولى لم تَفُتْ فائدته في المناسبة الثانية اكتفاءً بما تقدَّم.
стр. 89
الآنية الأصل فيها الحِلُّ؛ لأنها داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ومنه الآنية؛ لأن الآنية من الأرض، نعم، ربما يعرض فيها شيء يُوجب تحريمها، كما لو اتُّخذت على صورة حيوان مثلًا فهنا تحرم؛ لا لأنها آنية، ولكن لأنها صارت على صورة محرَّمة، وإلا فالأصل فيها الحل.
والدَّليل ما ذكرت: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ هذا من القرآن.
ومن السُّنَّة: قول النبي ﷺ : «وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ» (١١). وقال ﵊: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ الْفَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» (١٢).
إذن فالأصل فيما سكت اللَّهُ عنه الحِلّ إلا في العبادات، في العبادات الأصل حتى التَّحريم؛ لأن العبادات طريقٌ موصل إلى الله ، فإذا لم نعلم أن الله وضعه طريقًا إليه حرُم علينا أن نتخذه طريقًا، وكما دلَّت الآيات والأحاديث على أن العبادات موقوفة على الشَّرع، ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فدلَّ على أن ما يَدينُ به العبد ربَّه لا بُدَّ أن يأذن الله به.
وقال النبي ﵊: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (١٣).
إن الأصل في الأواني الحِلّ لدلالة الكتاب والسُّنّة، وعلى هذا فإذا اختلفنا في شيء، هل هو حلال أو حرام، فنقول لمن قال إنه حرام: عليك الدليل؛ لأن الأصل عندنا.
стр. 90
ولا فرق بين أن تكون الأواني كبيرة أو صغيرة، يباح الكبير والصغير، قال الله تعالى عن سليمان: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣].
(الجوابِ) ما هي؟ الجابية، البرك، والجَفْنَة مثل الصَّحفة.
﴿وقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ما تُحْمل ولا تُشال؛ لأنَّها كبيرة، راسية، ولكثرة ما يُطبخ فيها لا تُحمل، تبقى على ما كانت عليه، فلا فرق بين الصغير والكبير، لكن إذا خرج ذلك إلى حدِّ الإسراف صار محرَّمًا لغيره، لماذا؟ للإسراف ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].
قال المؤلف: (كُلُّ إِناءٍ طَاهِرٍ) احترازًا من الإناء النَّجس؛ فإن النجس لا يجوز استعماله؛ لأنَّه نجس قذر، وفي هذا -الذي قاله المؤلِّفُ- نظر، فإن النَّجس يباح استعمالُه إِذا كان على وجه لا يتعدَّى، فلا حرج في استعماله، كما سيأتينا -إن شاء الله تعالى- في مسألة الجلد قبل الدبغ أو بعد الدبغ، فإذا استُعمل على وجه لا يتعدى؛ فإنه لا حرج فيه.
والدَّليل على ذلك حديث جابر أن النبيَّ ﵊ قال حين فتح مكَّة: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةَ، وَالْخِنْزِيرَ، وَالْأَصْنَامَ» (١٤)، قالوا: يا رسول الله، أرأيت شُحوم الميتة؛ فإِنَّها تُطلى بها السُّفن، وتُدهن بها الجلود، ويَستصبح بها النَّاس، قال: «لَا، هُوَ حَرَامٌ». فأقرَّ النبيُّ ﵊ هذا الفعل مع أنَّ هذه الأشياء نجسة، فدلَّ ذلك على أن الانتفاع بالشيء النَّجس إذا كان على وجه لا يتعدَّى لا بأس به.
وقوله: (ولو ثمينًا)، (لو) هذه إشارة خلاف؛ يعني ولو كان غاليًا مرتفع الثمن مثل أيش؟ كالجواهر، والزُّمرُّد، والماس، وما أشبه ذلك فإنه يباح اتَّخاذه واستعماله.
стр. 91
وقال بعضُ أهل العلم: إِنَّ الثمين لا يُباح اتِّخاذه واستعماله، لما فيه من الخُيلاء والإسراف، وعلى هذا القول يكون التحريم فيه لذاته ولَّا لغيره؟
طلبة: لغيره.
الشيخ: لغيره، وهو كونُه إسرافًا وداعيًا إِلى الخُيلاء والفخر، فيكون من هذه الناحية محرمًا، لا لأنه ثمين.
وقوله: (يُباحُ اتِّخاذه)، هذا خبر المبتدأ، أين المبتدأ؟ (كُلّ)، والتَّركيب هنا فيه شيء من الإيهام؛ لأن قوله: (يُباح اتِّخاذُه واستعمَالُه) قد يَتَوَهَّم الواهم أنَّها صفة لا أنها خبر، ويتوقَّعُ الخبر؛ ولهذا لو قال المؤلف: يُباح كُلُّ إناءٍ طاهر ولو ثمينًا -يباح اتخاذه واستعماله- لكان أَوْلَى، ولكن على كل حال المعنى واضح.
قال: (يباح اتِّخاذُه واستعمَالُه)، هل هناك فرق بين الاتِّخاذ والاستعمال؟ نعم، اتخاذه أنه يقتنى فقط إِما للزِّينة، وإما لاستعماله في حال الضَّرورة، وإما للبيع فيه والشِّراء، وما أشبه ذلك، هذا الاتخاذ، وأما الاستعمال فهو التلبُّس بالانتفاع به؛ يعني يبدأ يستعمله فيما يستعمله فيه، فإذن اتخاذ الأواني جائز.
طيب لو زادت على قَدْرِ الحاجة؟
الجواب: نعم، ولو زادت على قدر الحاجة؛ يعني لو فُرض الإنسان عنده إبريق شاي يكفيه، ويبغى يشتري إبريقًا آخر، يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز اتخاذه، وإن كان ما هو مستعمل الآن، لكن أتخذه؛ لأنه رُبَّما أحتاجه فأبيعه، ربما أحد يستعيره مني، ربما أن اللي عندي يخرب، ربما إنه يأتيني ضيوف ما يكفيهم اللي عندي، فالمهم أن الاتخاذ جائز، والاستعمال جائز.
قال المؤلف: (إلا آنية ذهب وفضَّة ومضببًا بهما).
من القواعد الفقهية يقولون: إن الاستثناء معيار العموم؛ يعني معناه إذا استثنيت؛ فمعنى ذلك أن ما سوى ها الصورة فهو داخل في الحكم، وعلى هذا فكلُّ شيء يُباحُ اتِّخاذه.
طالب: ( ... ) الاستثناء؟
الشيخ: معيار العموم، الاستثناء معيار العموم؛ يعني ميزانه.
стр. 92
ذكر بعض الفقهاء، قالوا: إلا عظم آدميٍّ وجلده، فلا يُباح اتِّخاذه واستعماله آنيةً؛ وعلَّلوا ذلك بأنَّه محترمٌ بحرمته، وقد قال النبيُّ ﵊: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا» (١٥)، إِسناده صحيح.
يقول: (إلا آنية ذهب وفضة ومُضَبَّبًا بهما، فإنه يحرُمُ اتخاذُها واستعمالُها).
آنية الذهب معروف، هذا المعدن الأحمر الثمين الذي تتعلق به النفوس وتحبه وتميل إليه، وقد جعل الله في فطر الخلق الميل إلى هذا الذَّهب؛ كما قال الشاعر:
رَأَيْتُ النَّاسَ قَدْ ذَهَبُوا
إِلَى مَنْ عِنْدَهُ ذَهَبُ
اللي عنده ذهب فضلًا عن ذهبه، وكذلك الفضَّة، وهي في نفوس الخلق دون الذَّهب؛ ولهذا كان تحريمُها أخفّ من الذهب.
وقوله: (إلا آنية ذهبٍ وفضَّةٍ) يشمل الصَّغير، والكبير حتى الملعقة، وحتى السِّكين، وما أشبهها.
قال: (ومُضَبَّبًا بهما)، ويش معنى مضبب، ما معنى التضبيب؟
طالب: مرصع.
طالب آخر: التجبير.
الشيخ: لا، يقولون: إن الضبَّة حديدة تجمع بين طرفي المنكسر، هذه الضبة، وهذا يشبه التلحيم، لكنه في الأقداح السابقة، أنا أدركته، ويمكن بعضكم أدركه أيضًا، إذا انكسرت الصحفة من الخشب يخرزونها خرزًا، مخاريط صغيرة دقيقة جدًّا وأشرطة، شِرطان صغيرة، ويحطون على محل الكسر جلدة، عشان ما ينضح الإناء، هذا هو التضبيب، فالمضبب بهما حرام إلا ما استُثني، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 93
إذن أواني الذهب والفضة سواء كانت خالصة أو مخلوطة فإنها حرام، ما هو الدليل؛ لأنا نحن قلنا قاعدة قبل قليل: الأصل الحل إلا بدليل؛ الدليل حديث حذيفة ﵁: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» (١٦)، وكذلك حديث أم سلمة: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» (١٧)، وهذا دليل على أن النهي للتحريم، حديث حذيفة النهي فيه للتحريم لا للكراهة؛ وذلك لأن الرسول ﷺ توعَّده بنار جهنم، فيكون محرَّمًا، بل من كبائر الذنوب.
(بابُ الآنِيَةِ)
كلُّ إناءٍ طاهرٍ ولو ثَمِينًا يُباحُ اتِّخاذُه واستعمالُه إلا آنيةَ ذهَبٍ وفِضَّةٍ ومُضَبَّبًا بهما فإنه يَحْرُمُ اتِّخَاذُها واستعمالُها ولو على أُنْثَى، وتَصِحُّ الطهارةُ منها إلا ضَبَّةً يَسيرةً من فِضَّةٍ لحاجةٍ. وتُكْرَهُ مُباشَرَتُها لغيرِ حاجةٍ، وتُباحُ آنِيَةُ الكفَّارِ ولو لم تَحِلَّ ذبائِحُهم، وثيابُهم إن جُهِلَ حالُها، ولا يَطْهُرُ جِلْدُ مَيْتَةٍ بدِباغٍ، ويُباحُ استعمالُه بعدَ الدبْغِ في يابِسٍ من حَيوانٍ طاهرٍ في الحياةِ، ولَبَنُها وكلُّ أجزائِها نَجِسَةٌ غيرَ شَعَرٍ ونحوِه، وما أُبِينَ من حيٍّ فهو كمَيْتَتِه.
كتابًا وبابًا وفصلًا.
فالكتاب: عبارة عن جملة أبواب تدخل تحت جنس واحد، والباب نوع من ذلك الجنس مثلما نقول: (حَبّ) يشمل: البُرَّ والشعير والذُّرة والرز لكن البُرَّ شيء، والشعير شيء آخر.
كتاب الطهارة يشمل كل جنس يصدق عليه أنه طهارة، أو يتعلق بها.
لكن الأبواب أنواع من ذلك الجنس.
أما الفصول: فهي عبارة عن مسائل تتميز عن غيرها ببعض الأشياء، إما بشروط أو بتفصيلات.
وأحيانًا يُفَصِّلُون الباب لطول مسائله، لا لانفراد بعضها في حكم خاص، ولكن لطول المسائل يكتبون فصولًا.
стр. 94
(الآنية): جمع إناء، وهو الوعاء، وعاء الشيء أي: إناء الشيء، يعني: الإناء هو الوعاء، وذكرها المؤلف هنا، وإن كان لها صلة بباب الأطعمة؛ لأن الأطعمة أيضًا لا تؤكل إلا بأوانٍ؛ فباب الآنية لها صلة بباب الأطعمة الذي يذكره الفقهاء في آخر الفقه، وله صلة هنا في باب المياه؛ لأن الماء -كما تعلمون- جوهر سيَّال لا يمكن حفظُه إلا بالإناء؛ فلهذا ذكروه بعد باب المياه.
ومعلوم أن من الأنسب إذا كان للشيء مناسبتان أن يُذْكَر في المناسبة الأولى؛ لأنه إذا أُخِّرَ إلى المناسبة الثانية فاتت فائدته في المناسبة الأولى لكن إذا قُدِّمَ في المناسبة الأولى لم تفت فائدته في المناسبة الثانية اكتفاء بما تقدم.
(الآنية): الأصل فيها الحِل؛ لأنها داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ومنه الآنية؛ لأن الآنية من الأرض، نعم ربما يَعْرِض فيها شيء يوجِب تحريمها، كما لو اتُّخِذَت على صورة حيوان مثلًا فهنا تَحْرُم؛ لا لأنها آنية، ولكن لأنها صارت على صورة محرَّمة، وإلا فالأصل فيها الحل.
والدليل ما ذكرتُ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ هذا من القرآن، ومن السُّنَّة قول النبي ﷺ : «وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ» (١)، وقال ﵊: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» (٢).
الأصل في الأشياء الإباحة وفي العبادات التحريم إذن فالأصل فيما سَكَتَ الله عنه الحل إلا في العبادات؛ في العبادات الأصل التحريم؛ لأن العبادات طريق موصل إلى الله ؛ فإذا لم نَعْلَم أن الله وضعه طريقًا إليه حَرُم علينا أن نتَّخذه طريقًا.
стр. 95
وكما دلت الآيات والأحاديث على أن العبادات موقوفة على الشرع؛ ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] دلَّ هذا على أن ما يَدين به العبد ربه لا بد أن يأذن الله به، وقال النبي ﵊: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (٣) لكن في هذا الباب ..
طالب: ( ... ) وجه الدلالة؟
الشيخ: ( ... )؟
إن الأصل في الأواني الحِلَّ بدلالة الكتاب والسنة، وعلى هذا فإذا اختلفنا في شيء هل هو حلال أو حرام؟ فنقول لمن قال: إنه حرام: عليك الدليل؛ لأن الأصل عندنا.
ولا فرق بين أن تكون الأواني كبيرة أو صغيرة، يباح الكبير والصغير؛ قال الله تعالى عن سليمان: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣].
(الجوابِ) ما هي؟ الجابية: برك، الجفنة مثل الصحفة، ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ما تُحْمَل ولا تُشَال؛ لأنها كبيرة راسِيَة، ولكثرة ما يُطْبَخ فيها لا تُحْمَل، تَبْقَى على ما كانت عليه، فلا فرق بين الصغير والكبير، لكن إذا خرج ذلك إلى حدِّ الإسراف صار محرَّمًا لغيره، لماذا؟ للإسراف إن الله لا يحب المسرفين.
***
стр. 96
قال المؤلف: (كل إناء طاهر)؛ احترازًا من الإناء النَّجِس؛ فإن النجس لا يجوز استعماله؛ لأنه نَجِسٌ قذر، وفي هذا الذي قاله المؤلف نظر، فإن الإناء النجس يباح استعماله إذا كان على وجه لا يتعدىلنجس يُباح استعمالُه إذا كان على وجه لا يتعدَّى، فلا حرج في استعماله، كما سيأتينا إن شاء الله تعالى في مسألة الجلد، قبل الدبغ أو بعد الدبغ، فإذا استعمل على وجه لا يتعدَّى فإنه لا حرج فيه، والدليل على ذلك حديث جابر أن النبي ﵊ قال حين فتح مكة: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وِالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؟ فَإِنَّهَا تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُود، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ، قَالَ: لَا، هُوَ حَرَامٌ» (٤). فأقرَّ النبيُّ ﵊ هذا الفعل مع أن هذه الأشياء نجسة، فدل ذلك على أن الانتفاع بالشيء النجس إذا كان على وجه لا يتعدى لا بأس به.
وقوله: (ولو ثمينًا) (لو): هذه إشارة خلاف؛ يعني: ولو كان غاليًا مرتفعَ الثمن مثل أيش؟ كالجواهر، والزُّمرد، والماس، وما أشبه ذلك فإنه يُباحُ اتخاذُه واستعماله.
وقال بعض أهل العلم: إن الثمين لا يُباح اتخاذُه واستعمالُه؛ لما فيه من الخيلاء والإسراف؛ وعلى هذا القول يكون التحريم فيه لذاته ولّا لغيره؟ لغيره، وهو كونه إسرافًا وداعيًا إلى الخيلاء والفخر، فيكون من هذه الناحية محرَّمًا؛ لا لأنه ثمين.
وقوله: (يُباحُ اتخاذُه) هذا خبر المبتدأ، أين المبتدأ؟ (كُلُّ)، والتركيب هنا فيه شيء من الإيهام؛ لأن قوله: (يُباحُ اتِّخاذُهُ واستعمالُه)، قد يَتَوهَّم الواهم أنها صِفة لا أنها خبر، ويتوقع الخبر؛ ولهذا لو قال المؤلف: يُباحُ كُلُّ إناءٍ طاهر ولو ثمينًا؛ يباح اتخاذُه واستعماله لكان أولى، ولكن على كل حال المعنى واضح.
стр. 97
قال: (يُباحُ اتِّخاذُه واستعمالُه)، هل هناك فرق بين الاتخاذ والاستعمال؟ نعم؛ اتخاذه: إنه يُقْتَنى فقط؛ إما للزينة، وإما لاستعماله في حال الضرورة، وإما للبيع فيه والشراء، وما أشبه ذلك، هذا الاتخاذ.
وأما الاستعمال: فهو التلبُّس بالانتفاع به؛ يعني يبدأ يستعمله فيما يستعمله فيه.
فإذن اتخاذ الأواني جائز، طيب لو زادت على قدر الحاجة؟
الجواب: نعم، ولو زادت على قَدْرِ الحاجة، يعني: لو فُرِض أن إنسانًا عنده إبريق شاهي يكفيه، وبغى يشتري إبريقًا آخر، يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز اتخاذه، وإن كان ما هو مستعمل الآن، لكن اتخذه لأنه ربما أحتاجه فأبيعه، ربما أحد يستعيره مني، ربما أن اللي عندي يخرب، ربما إنه يأتيني ضيوف ما يكفيهم اللي عندي.
فالمهم أن الاتخاذ جائز والاستعمال جائز.
***
قال المؤلف: (إِلَّا آنيةَ ذَهَبٍ وفضة وَمُضَبَّبًا بهما)، من القواعد الفقهية يقولون: أن الاستثناء مِعْيار العموم؛
يعني: معنى إذا استثنيت فمعنى ذلك إن ما سوى ها الصورة فهو داخل في الحكم، وعلى هذا فكل شيء يباح اتخاذه، الاستثناء معيار العموم؛ يعني: ميزانه.
ذكر بعض الفقهاء قالوا: إلا عَظْمَ آدمِيٍّ وجِلْده، فلا يباح اتخاذُه واستعماله آنيةً، وعلَّلُوا ذلك بأنه محترم بحرمته، وقد قال النبي ﵊: «كَسْرُ عَظْمِ مَيِّتٍ كَكَسْرِهِ حَيًّا» (٥) إسناده صحيح.
يقول: (إِلَّا آنيةَ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَمُضَبَّبًا بِهِما، فإنه يَحْرُم اتخاذُها واستعمالُها) (آنية الذهب) معروف هذا المعدن الأحمر الثمين الذي تتعلق به النفوس وتحبُّه وتميل إليه، وقد جعل الله في فطر الخلق الميل إلى هذا الذهب؛ كما قال الشاعر:
رَأَيْتُ النَّاسَ قَدْ ذَهَبُوا
إِلَى مَنْ عِنْدَهُ ذَهَبُ
стр. 98
اللي عنده ذهب فضلًا عن ذهبه، وكذلك الفضة، وهي في نفوس الخلق دون الذهب؛ ولهذا كان تحريمُها أخفَّ من الذهب.
وقوله: (إلا آنيةَ ذهبٍ وَفِضَّةٍ) يشمل الصغير والكبير، حتى الملعقة وحتى السكين وما أشبه.
قال: (ومُضَبَّبًا بهما)، ويش معنى مُضَبَّب، ما معنى التضبيب؟
طلبة: التجبير.
الشيخ: لا، يقولون: إن الضَّبَّة: حديدة تجمع بين طَرَفَي المنكسر، وهذا يشبه التَّلْحِيم، لكنه في الأقداح السابقة -أنا أدركته ويمكن بعضكم أدركه أيضًا- إذا انكسرت الصَّحْفَة من الخشب يَخْرِزُونها خَرْزًا؛ مخاريق صغيرة دقيقة جدًّا وشُرْطَان صغيرة ويُحطون على محل الكسر جِلْدة، عشان ما يَنْضح الإناء، هذا هو التضبيب فالمضبَّب بهما حرام، إلا ما استثني، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
إذن أواني الذهب والفضة، سواء كانت خالصة أو مخلوطة فإنها حرام؛ ما هو الدليل؟
نحن قلنا قاعدة قبل قليل، الأصل الحِل إلا بدليل، الدليل: حديث حذيفة ﵁: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» (٦).
وكذلك حديث أم سلمة: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» (٧)، وهذا دليل على أن النهي للتحريم، وحديث حذيفة النهي فيه للتحريم لا للكراهة وذلك لأن الرسول ﷺ توعَّدَه بنار جهنم، فيكون محرَّمًا بل من كبائر الذنوب، هذا هو الدليل.
إذا قيل: المُضَبَّب بهما، لو قال قائل: الحديث في الآنية نفسها؟
فالجواب: أنه ورد في حديث رواه الدارقطني: أَنَّه من شَرِب في آنية الذَّهب والفِضَّة، أو في شيء فيه منهما (٨).
стр. 99
وأيضًا: المحرم مَفْسَدة، فإن كان خالصًا فمفسدتُه خالصة، وإن كان غيرَ خالص ففيه بقدر هذه المفسدة؛ ولهذا المحرم يحرم قليلُه وكثيرُه، كل شيء مُحَرَّم حَكَم الشارع بأنه مُحَرَّم فإنَّه حَرامٌ قليلُه وكثيرُه هذا وجه.
***
قول المؤلف: (أَوْ مُضَبَّبًا بهما) قال: (فَإِنَّهُ يَحْرُم اتخاذُها واستعمالُها) قوله: (اتخاذها) (واستعمالها) بينهما فرق؟ بينهما فرق كما تقدم.
وعندنا هنا ثلاث حالات: اتخاذ، واستعمال، وأكل وشرب، ثلاث أشياء.
أما الاتخاذ: فهو على المذهب حرام، كما قال المؤلف، وفيه قول آخر في المذهب أيضًا؛ في مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
وحكي عن الشافعي أنه ليس بحرام؛ اتخاذ أواني الذهب والفضة، وهو قولٌ في مذهب الإمام أحمد.
الثاني: الاستعمال وهو محرَّم في المذهب قولًا واحدًا؛ إنه يَحْرُم استعمالُه في غير الأكل والشرب، مثل أيش؟
طالب: الوضوء.
الشيخ: إي، مثل الوضوء فيها، يحفظ بها أشياء من أدوية أوغيرها، وما أشبه ذلك، هذا حرام، قولًا واحدًا في المذهب.
أما الثالث: الأكل والشرب بها فإنه حرامٌ بالنص، بعضهم حكى الإجماع أيضًا، الأكل والشرب فيها، بعضهم حكى الإجماع على التحريم ولا شك، أن النص ظاهر فيه، ولا يمكن أحدٌ أن يقول: إن الأكل والشرب في الذهب والفضة جائز، مع وجود الحديث الصريح في النهي، وفي الوعيد أيضًا.
إذن الأكل والشرب لا شك في تحريمه.
الاستعمال في غير الأكل والشرب؛ المذهب قولًا واحدًا أنه حرام.
стр. 100
الاتخاذ في المذهب قولان؛ هل يحرم أو لا يحرم؟ والصحيح: أن الاتخاذ والاستعمال في غير الأكل والشرب ليس بحرام؛ أن استعمال الذهب والفضة في غير الأكل والشرب ليس بحرام، وكذلك الاتخاذ من باب أولى؛ وذلك لأن النبي ﷺ إنما نهى عن شيء مخصوص وهو الأكل والشرب، ولو كان المحرَّمُ حتى غير الأكل والشرب لكان النبي ﵊، أبلغ الناس وأبينُهم في الكلام ما يخصُّ شيئًا دون شيء، بل إن تخصيصه الأكل والشرب دليل على أن ما عداهما جائز؛ لأن الناس ينتفعون بهما -بالذهب والفضة- في غير ذلك.
ولو كانت الآنيةُ حَرامًا مُطلقًا لأمر النبي ﷺ بتكسيرِها، كما كان ﵊ لا يَدَع شيئًا فيه تصاوير ولا تصيلبًا إلا كَسَرَه، فلو كانت الآنيةُ محرَّمَة لكان يأمُر بكسْرِها؛ لأنه إذا كانت محرمة في كل الحالات؛ في الاتخاذ والاستعمال وفي الأكل والشرب إذن ليس لبقائها فائدة، ليس لها إلا التكسير.
ويدلُّ لذلك أن أمَّ سلمة -وهي راوية الحديث- كان عندها جُلْجُل من فضة -الجلجل شيء يشبه الطابوق- جَعَلَتْ فيه شَعَرَاتٌ من شعر النبي ﵊، فكان الناس يستشفون بها، إذا مرض أحدٌ أو أصابه أَلَمٌ يبعثون إليها بماء وتجعله في هذا الجلجل وتُخَضْخِضُه بالشَّعَرَاتِ ثم تُعْطِيه المريضَ فيُشْفَى بإذن الله ، وهذا الحديث عنها صحيح في البخاري، وهي راوية الحديث، وهذا استعمال له ولَّا لا، استعمال له لكن في غير الأكل والشرب، فالصحيح أنه لا يَحْرُم إلا ما حرَّمه رسول الله ﷺ ، في الأواني، وهو الأكل والشرب.
стр. 101
فإن قال قائل: حَرَّمَها الرسولُ في الأكل والشرب؛ لأنه هو الأغلب استعمالًا؛ وما عُلِّقَ به الحكمُ لكونِهِ أَغْلَب فإنه لا يَقْتَضِي تَخْصِيصُه به كما في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣]، فقَيَّد تحريمَ الرَّبِيبةِ بكونها في الحَجْر، وهي مع ذلك تَحْرُم وإن لم تكن في حَجْرِه على قول أكثر أهل العلم؟
قلنا: هذا صحيح، لكن كون الرسول ﵊ يُعَلِّق الحكم بالأكل والشرب؛ لأن مظهر الأمة في الترف في الأكل والشرب أبلغ منه في مظهرها في غير ذلك، وهذه علة تقتضي تخصيص الحكم بالأكل والشرب؛ لأنه لا شك أن الإنسان اللي أوانيه في الأكل والشرب ذَهَبٌ وفِضَّة، ما هو مثل الإنسان الذي يستعملها في حاجاتٍ أخرى تخفى على كثير من الناس، ولا يكون مظهر الأمة الإسلامية هو التفاخر بالذهب والفضة.
طالب: ( ... )
الشيخ: ما هي نص ما هو بيشرب منه، نخضخضه ثم نَصُبُّه للمريض ويشرب، ما هو يشرب من هذا.
طالب: ما يمكن يَحْرُم، يعني: بصرف النظر عن ها الحديث؛ لأنه سرف، هذه آنية سرف؟
الشيخ: هو إذا حَرُم لغيره لا بأس، والكلام على إنه إذا حرم لغيره؛ إذا وصل إلى حد السَّرف حرم من جهة الإسراف، ولهذا مثلًا الآن اللي بيتخذ إناء من هذا الثمين البلاتين، وعند الناس أشد من الذهب، ومع ذلك هو حلال، لكن لو فُرِضَ إنه خرج إلى حد الإسراف، وقيل: إن هذا من باب الإسراف ولكن الناس يعتادونه صار حرامًا لغيره، فالكلام على أصل الإباحة، وأما ما حَرُمَ لغيره فهذا باب واسع.
كل الأشياء المباحة إذا تضمنت مُحَرَّمًا صارت حرامًا من باب الوسائل.
طالب: ( ... ) في الإجماع؛ الإجماع حكي فيها؛ تعيين الزمان ( ... ).
الشيخ: لا غير صحيح، الشوكاني رده، وقال: هذا ما هو بصحيح.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: فيها ضعف، لكن لها قوة؛ ولهذا أنا أردفتها بالقاعدة: إن الشيء المحرم يحرم سواء كان خالصًا أو مشتركًا.
стр. 102
بقينا قول المؤلف: (ومضببًا بهما فإنه يحرم اتخاذه واستعماله) يشمل الرجال والنساء، فلا يجوز للمرأة أن تستعمل أواني الذَّهَبِ والفضة كما لا يجوز للرجل.
فإن قال قائل: أليس يجوز للمرأة أن تَتَحَلَّى بالذهب؟
فالجواب: يجوز لها أن تتحلى بالذهب، ولكن الرجل لا يجوز له ذلك، والفرق أن المرأة في حاجة إلى أن تتجمل وتتزين، وتَجَمُّلُها وتَزَيُّنُها ليس لها وحدها، بل لها ولزوجها أيضًا، فهو من مصلحة الجميع، والرجل ليس بحاجة إلى ذلك؛ فالرجل طالب لا مطلوب، والمرأة مطلوبة؛ ولهذا تجد أكثر ما تكون النصوص مُوُجَّهَة للرجال، لأنهم هم الذين لهم القوام على النساء وهم الطالبون.
كثيرًا ما -بالمناسبة- يحصل إشكال، لماذا يَذْكُر الله الأزواج للرجال في الجنة والحور العين، ولا يذكر للنساء شيئًا، ويش الجواب؟ الجواب ما ذكرنا هو أن المرأة مطلوبة لا طالبة، وهي بلا شك سيأتيها في الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ولن تختار إلا ما اختار الله لها.
الحاصل أنا نقول: إن تحريم الأواني عامٌّ للذكور والإناث؛ لأنه لا داعي إلى إباحته للنساء بخلاف اللباس والتَّجَمُّل فإنه يباح للنساء.
***
يقول: (فإنه يحرم اتخاذه واستعمالها ولو على أنثى، وتصح الطهارة منها)، منين؟
طلبة: من آنية الذهب والفضة.
طالب: من المُضَبَّب.
الشيخ: لا، من الآنية، من آنية الذهب والفضة؛ يعني: لو كان الإنسان جاعلًا له للوضوء فقط إناءً من ذهب، توضأ به، قال: بأحضر الإناء من الذهب أتوضأ به، صار يتوضأ من هذا الماء، يصح؟
طالب: نعم.
الشيخ: الطهارة تصح، لكن الاستعمال حرام، الاستعمال محرم.
وقال بعض العلماء: إن الطهارة لا تصح، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن التحريم هنا لا يعود إلى نفس الوضوء، ولَّا لا؟ وإنما يعود إلى الاستعمال مطلقًا.
стр. 103
نعم لو توضأ بماء محرم فهذا هو الذي فيه خلاف قوي، أما هذا فالخلاف فيه ضعيف؛ لأن الإناء ليس شرطًا في الوضوء، ولا تتوقف صحة الوضوء على هذا الإناء، لو جَعَلَ الماء في إناء آخر استقام أمره، ولو وَجَد الماء في الأرض وتوضأ منه استقام أمره؛ فلهذا تصح الطهارة منها.
طيب، هل تصح الطهارة بالآنية؟
طالب: تصح.
الشيخ: وتصح فيها؟
طلبة: لا ما تصح.
الشيخ: وتصح إليها؟
هم قالوا: تصح منها، وفيها، وبها، وإليها؛ تصح الطهارة منها؛ بأن يَغْتَرِف منها، الإناء بالأرض يَغْتَرِف منها.
وبها؛ بأن يجعلها آلةً يصب بها، مثلما تكون مغرفة، يغرف بآنية من ذهب ويصب على ذراعه، ويصب على رجليه، الآن تَطَهَّر بها، منها؛ إذا غرف.
فيها؛ تكون واسعة كبيرة وينغمس في وسطها، وإلا يغمس الذراع فيها مثلًا.
وإليها؛ بأن يكون الماء الذي يَنْزِل منه ينزل في إناء من ذهب.
شوف الفرق؛ حروف الجر -سبحان الله العظيم- كيف تُغَيِّر المعنى هذا التغير؟ !
وهذا دليل على أن اللغة العربية فِقْهُها جدًّا قوي، فقه اللغة العربية ومعرفة معاني الحروف ومتعلقاتها مهم جدًّا، له غور بعيد.
إليها؛ بمعنى أن يصب ماء الوضوء اللي يتقاطر من يديك أو من وجهك على هذا الإناء.
طالب: ( ... ).
***
الشيخ: يقول: (إلا ضَبَّةً يَسِيرةً مِنْ فِضَّةٍ لحاجة) هذا مستثنى من قوله: (يَحْرُم اتخاذها واستعمالها).
(إلا ضبةً يسيرةً من فضة لحاجة) الشروط أربعة: ضبةً، يسيرةً، من فضة، لحاجة، إذا تمت الشروط الأربعة جاز؛ الدليل ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك ﵁: أَنَّ قَدَحَ النبيِّ ﷺ انكسر فاتَّخَذَ مكان الشَّعْبِ سِلْسِلَةً من فِضَّة (٩).
(الشَّعْب) يعني: الشق، (سلسلة من فضة) هذا الدليل وعلى هذا فيكون هذا الحديث مُخَصِّصًا لما سبق.
إذا قال قائل: من أين اتخذتم اشتراط أن تكون يسيرة؟
стр. 104
قلنا: لأن هذا هو الغالب في القدح، القدح صغير، ما يشرب به، والغالب أنه إذا انكسر، ما يحتاج إلى شيء كثير، والأصل التحريم ولَّا الحل في الفضة؟
طلبة: التحريم.
الشيخ: التحريم، فنقتصر على ما هو الغالب، أو المتيقن.
وقوله: (ضَبَّة) إذا قال قائل: أنتم قلتم: (ضَبَّة)، وهي ما يُجْبَر بها الإناء، لو جعل الإنسان على خرطوم الإبريق فضة؛ يجوز ولَّا لا؟
طالب: لا، ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؛ لأن هذا ليس لحاجة، وليس ضبة، هذا عبارة عن تمويه أو زيادة إلحاق.
إذا قال قائل: لماذا اشترطتم من فضة: ( ... ) ما تقيسون الذهب على الفضة؟
نقول: لورود النص؛ النص ما ورد إلا في الفضة فقط، ثم إن الذهب أغلى وأشدُّ تحريمًا؛ ولهذا في باب اللباس حَرُمَ على الرجل الخاتم من الذهب، وأبيح له الخاتم من الفضة، فَدَلَّ هذا على أن الفضة أهون، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في باب اللباس قال: الأصل في الفضة الإباحة، وأنها حلال للرجال، إلا ما قام الدليل على التحريم.
يعني: ما فيها عمومات؛ في الفضة عمومات تدل على تحريمها على الرجال، فالأصل الحِلُّ، وهذا باب إن شاء الله يأتينا البحث فيه.
والكلام على أننا نقول: الذي ورد فيه هو الفضة، ولا يمكن قياس الذهب عليها.
وأيضًا معنى آخر: لو كان الذهب جائزًا لكان النبي ﵊ يَجْبُر به الكسر؛ لأن الذهب أبعد من الصدأ، تعرفون الصدأ، ما يصدأ الذهب، والفضة تصدأ؛ ولهذا لمَّا اتَّخذ بعض الصَّحابة أنفًا من فِضَّة أنتن -قُطِعَ أنفُه في إحدى المعارك- فَاتَّخَذ أنفًا من فضة فَأَنْتَن، فأمرَهُ النبيُّ ﷺ أن يتَّخذ أنفًا من ذهب (١٠)؛ لأنه لا ينتن.
فلو كان الذهب جائزًا لكان أوفق بأن يُجْعَل في مكان هذا الشَّعب.
(لحاجة) ويش دليلكم على اشتراط الحاجة؟ الكسر؛ الرسول ما اتخذها إلا لما انكسر؛ والكسر لا شك إنه لحاجة، فعلى هذا، الشروط الأربعة، مأخوذة منين؟ من الحديث.
стр. 105
أربعة شروط: ضَبَّة، يَسيرة، من فضة، لحاجة.
إذا كانت غير ضَبَّة فهي حرام، وكثيرة حرام، من ذهب حرام، لغير حاجة حرام.
فما هي الحاجة؟ أن يَتَعَلَّق بها غَرَضٌ غير الزينة؛ يعني: ألَّا يتخذها زينة، وليست الحاجة: أَلَّا يَجِد ما يَجْبُر به الكَسْرَ سواها؛ لأن هذا ما هو حاجة، هذا ضرورة، عرفتم؟
الحاجة معناها؟ ألَّا يتخذها زينة، وتعبيرهم أن يتعلق بها غرض غير الزينة.
قال شيخ الإسلام ﵀: وليس المعنى أَلَّا يجد غيرها ما يجبر به؛ فإن هذه ضرورة وهي تبيح المنفرد، لو اضطر الإنسان إلى أن يشرب بآنية الذهب، ما في مانع يشرب؛ لأنها ضرورة، وإن قال قائل: ما يتصور الضرورة في الإناء؟ فالجواب لا، يتصور، يتصور؟
طلبة: إي، مقطوع يديه، يتصور.
الشيخ: لا ما هو مقطوع يديه، اللي عنده يدين الواضح ( ... ) على عشرين أصبعًا ما يخالف، فيه يَدَيْن، وفيه كل شيء، لكن واحد بيطبخ طعامًا، ويش يُسَوِّي؟ يطبخ على يديه؟ ! ما يمكن، يطبخ بخشب؟ ! ما يمكن، يشتري، فيه أواني من الذهب؟ ما يقدر، فيه أوانٍ أخرى ما عنده قيمة، فيحنئذ يكون الضرورة متصورة.
طالب: في ماء من الحنفية ( ... ).
الشيخ: إي نعم، ولو يَنْزِل هو من شق ما طَلَّع شيئًا، ولا عنده الآن إلا هذه يكون ضرورة.
طالب: الضرورة تبيح المحظور، والحاجة تبيح أو تجيز الحرام، هنا قال: يعني تعبيره، أنه يجوز للحاجة.
الشيخ: صحيح، إحنا ذكرنا من قبل قاعدة: أن المحرم للوسيلة إذا كان تحريمه تحريم وسائل فإن الحاجة تبيحه.
قلنا فيه قاعدة، إنه إذا كان الشيء محرمًا من باب تحريم الوسائل فإن الحاجة تبيحه، ومثَّلنا ( ... ) أشياء؛ بنظر المخطوبة مثلًا، ومثلَّنا بالعرايا، ويُمَثَّل أيضًا بهذا؛ لأن هذا إنما حرم ما فيه شيء منهما لئلا يكون وسيلة إلى اتخاذه الكامل.
***
стр. 106
مباشرة الضَّبَّة اليسيرة تُكْره لغير الحاجة؛ فإن احتاج إلى ذلك فلا، ما معنى مباشرتها؟ معنى مباشرتها أن الإنسان إذا أراد أن يشرب من هذا الإناء المضبَّب شرب من عند الضبة، فيباشرها بشفتيه، هذا معناه، هذا معنى قوله: (تُكْرَه مباشرتُها) مع أنها هي حلال ولا حرام؟ هي حلال، لكن يقول: لا يُبَاشِر هذه الفضة، يكره.
والمكروه عند الفقهاء: هو ما نُهِيَ عنه لا على سبيل الإلزام بالترك، وحكمه: أنه يثاب تاركُه امتثالًا، ولا يعاقَب فاعله، بخلاف الحرام؛ الحرام فاعله يستحق العقوبة، لكن المكروه لا يستحق، وهذا في اصطلاح الفقهاء ﵏.
أما في القرآن والسُّنَّة؛ فإن المكروه يأتي للمحرم؛ ولهذا لما عدَّدَ الله أشياء محرمة في (سورة الإسراء) قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨]. وفي قراءة ﴿سَيِّئَةً عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾؛ فيكون المكروه في القرآن والسُّنَّة غير هذا؛ غير المكروه عند الفقهاء.
كذلك قال النبي ﵊: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» (١١)، وهذا حرام.
وعلى هذا فنقول: المكروه عند الفقهاء تعريفه: ما نُهِيَ عنه لا على سبيل الإلزام بالترك، حكمه يثاب تاركُه امتثالًا، ولا يعاقَب فاعلُه.
إذن هو حكم شرعي، الكراهة حكم شرعي، لا يمكن لأحد أن يُثْبِتَها إلا بدليل، فمن أثبتها بغير دليل، فإننا نَرُدُّ قولَه، كما لو أَثْبَتَ التَّحْريمَ بلا دليل، فإننا نردُّ قولَه.
стр. 107
لننظر الآن بناءً على هذه القاعدة كلام المؤلف: (تُكْرَه مباشرتُها) أي: مباشرة الضَّبَّة المباحة (لغير حاجة)، فإن احتاج إليها بأن كان الإناء يتدفق لو لم يشرب من هذه الجهة، احتاج أن يشرب من هذه الجهة، أو مثلًا هو جاء بالإناء وجعله على النار، لأجل يسخن، وصارت الجهة اللي ما فيها الضبة حارة ما يستطيع، وشرب من الجهة عند الجهة الباردة اللي فيها الضبة، هذه حاجة ولا لا؟ يشرب، ولا كراهة.
فإن لم يحتج فكلام المؤلف صريح في أنه مكروه، ولكن الصواب: أنه ليس بمكروه، وأنه يجوز أن يُباشِرَها؛ لماذا؟ لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل، وما دام قد ثبت أن هذه الضَّبَّة مباحة بمقتضى النص؛ حديث أنس: أن قدح النبيِّ ﵊ انكسر، فاتَّخَذَ مكان الشَّعْب سلسلة من فِضَّة (١٢) هذا مباح بمقتضى النص، فإذا كان مباحًا، فما الذي يجعل مباشرتُه مكروهةً؟
وهل ورد أن الرسول ﷺ كان يَتَوقَّى هذه الجهة مِنْ قَدَحِهِ؟ لا، وحينئذ؛ فالصحيح أنه لا كراهة؛ وذلك لأن هذا شيء مباح، ومباشرة المباح مباحة.
قال المؤلف ﵀: (وَتُباحُ آنيةُ الكفار -ولو لم تَحِلَّ ذبائحُهم- وثيابُهم).
أولًا: (آنية) بالرفع على أنها نائب فاعل.
(ولو لم تَحِلَّ ذبائحُهم)، ذبائح؛ بالرفع على أنها فاعل.
(وثيابهم)، بالرفع على أنها معطوفة على (ذبائحهم)؛ لأنها أقرب مذكور، أو على (آنية)؟ على آنية؛ يعني: وتباح ثيابهم؛ ولهذا لو قال المؤلف ﵀: (وتباح آنية الكفار وثيابهم إن جُهِلَ حالُها) ولو لم تَحِلَّ ذبائحُهم لكان أسلم من هذا الاشتباه الذي قد يشتبه على بعض الناس.
والمهم أن قوله: (آنيةُ الكفار) نائب فاعل، (وثيابُهم) معطوف عليها.
стр. 108
قال المؤلف: (آنيةُ الكفار) الكفار يشمل الكافر الأصلي والكافر المرتد، فلو وجدنا شخصًا في بيتٍ وحده وهو لا يصلي -والعياذ بالله- فهو كافر، يدخل في هذا الحكم؟ نعم، يدخل في هذا الحكم؛ يعني: لنا أن نأكل في آنيته وأن نشرب في آنيته وأن نلبس ثوبه، ولو كان كافرًا؛ لأن المؤلف هنا قال: الكفار، فيشمل كلَّ كافر سواء كان أصليًّا أم مرتدًّا.
اليهود والنصارى يدخلون في ذلك؟ نعم؛ ولهذا قال: (ولو لم تحل ذبائحهم) إشارة إلى أن اليهود النصارى من باب أولى؛ لأن اليهود والنصارى تحلُّ ذبائحُهم، الدليل قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] ﴿طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ المراد به: ذبائحهم، كما فسر ذلك ابن عباس ﵁، وليس المراد خُبْزُهم وشعيرُهم وما أشبه ذلك؛ لأن هذا حلال لهم ولغيرهم، يعني: حتى من غيرهم يجوز أن نأكله، لكن المراد بالآية: ﴿طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هو ذبائحهم فهي حلال اليهود والنصارى.
المجوس لا تَحِلُّ ذبائحُهم، الوثنيون الدَّهْرِيُّون ما تحل ذبائحُهم ما تحل إلا ذبيحة اليهود والنصارى، أما آنية الكفار فتَحِلُّ.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل؟
قلنا: الدليل عموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ثم إن أهل الكتاب إذا كان الله قد أباح لنا طعامهم، فمن المعلوم أنهم يأتون به إلينا أحيانًا مطبوخًا بأوانيهم، ثم إنه ثبت أيضًا أن الرسول ﵊ دعاه غلامٌ يهوديٌّ على خبز شعير، وإِهالَةٍ سَنِخَة (١٣).
стр. 109
ثم إن الجراب الذي رُمي به في خيبر وأخذه عبدُ الله بن المغفَّل ﵁ فالتَفَتَ فإذا النبي ﵊ خلفه يضحك وأكله (١٤)؛ جراب من شحم، ثم إن الشَّاة المسمومة التي أُهديت للرسول ﵊ في خيبر (١٥). كل هذا يدل على أن ما باشروه فهو طاهر ولَّا نجس؟
طلبة: طاهر.
الشيخ: إذن تباح آنيتُهم، ولكن ورد في حديث أبي ثعلبة الخشني أن الرسول ﵊ قال: «لَا تَأْكُلُوا فِيها إِلَّا أَلَّا تَجِدُوا غَيْرَهَا؛ فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيها» (١٦).
فهذا يدل على أن الأولى التَّنَزُّه، ولكن كثيرًا من أهل العلم حملوا هذا الحديث على أناس عُرِفُوا بمباشرة النجاسات من أكل الخنزير، ونحوه، فقالوا: إن هؤلاء مَنَعَ الرسول ﵊ من الأكل في آنيتهم إلا إذا لم نجد، فإننا نغسل ذلك، ونأكل فيها.
وهذا الحمل جَيِّدٌ؛ لأن هذا مقتضى قواعد الشرع، وقد ثبت أن النبي ﷺ توضَّأ وأصحابُه توضَّؤوا من مَزَادَةِ امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ (١٧)، وهي التي عبت الماء فيها وحملته ( ... ).
وقوله: (وَثِيابُهم)، أي: تُباح ثيابُهم، ويش معنى ثيابُهم؟ يعني: ما صنعوه أو ما لبسوه أو الأمران؟ الأمران، ثيابُهم التي صنعوها تحل، والتي صبغوها تحل، ما نقول: لعلهم صبغوها بصبغ نجس؛ أو نسجوها بمنساج نجس؛ لا الأصل الحل، وكذلك ما لبسوه من الثياب فإنه يحل لنا لُبْسُه، ولكن مَنْ عُرِفَ منهم بعدم التَّوَقِّي من النجاسات فإن الأولى التَّنَزُّه عن ثيابه بناءً على ما يقتضيه حديث أبي ثعلبة الخشني (١٢) ﵁.
стр. 110
مثل مَنِ الذين لا يَهْتَمُّون بالنجاسات؟ مثل النصارى؛ يقول أهل العلم: إن النصارى لا يَهْتَمُّون بالنجاسات، يتلوَّث ثوبُه بالنجاسة بالبول، والمرأة بالحيض، ما يهم، عكس اليهود؛ اليهود يقولون: إنه إذا تَنَجَّسَ الثوبُ عندهم قَطَعُوه، قَرَضُوه بالمِقْراض، ولا يمكن أن يغسلوه؛ فجاءت الشريعة هذه -والحمد لله- بين هؤلاء وهؤلاء، وسطًا، لا يُستهان بها ولا يُقْطَع الثوبُ الذي تلوَّث بها، وإنما يُغْسَل، حتى يزول هذا الخبث.
(إن جهل حالها)، وإن عُلِمَ؟
طالب: يُعْمَل بما علموا.
الشيخ: إن عُلِمَ فلا يخلو إما أن أن تُعْلَم طهارتُها، أو تُعْلَم نجاستُها؛ إن عُلِمَت نجاستُها فإنها ما تُسْتَعْمَل، وإن عُلِمَت طهارتُها فلا إشكال فيه، الإشكال فيما إذا جُهِلَت الحال، هل نقول: إن الأصل أنهم لا يَتَوَقَّوْن النجاساتِ وأنها حرام، أو أن الأصل الطهارة حتى يُتَبَيَّن النجاسة. الجواب؟ الأخير؛ ولهذا كلمة: (إن جهل حالها) لها مفهومان؛ المفهوم الأول عُلِمَت طهارتُها، والمفهوم الثاني عُلِمَت نجاستها.
إن عُلِمَت نجاستُها فإنها تُجْتَنَب حتى تُغْسَل، وإن عُلِمَت طهارتُها فالأمر فيها واضح.
طالب: هذا الأصل قبل أن يستعملها عندهم، ولَّا حتى وإن كانت صُنِّعَت يعني؟
الشيخ: حتى المصنوعة والملبوسة عندهم.
***
ثم قال المؤلف: (ولا يَطْهُر جِلْدُ مَيْتَةٍ بِدِباغٍ) الدبغ: معروف، وهو عبارة عن تنظيف الأذى والقذر الذي كان في الجلد بواسطة مواد تضاف إلى الماء، ومنها القَرَظ؛ القَرَظ شيء، أشبه ما له -والله أعلم- اللي يسمونه عندنا (الكرمة)، ما أدري أيش يسمونها عندكم.
على كل حال هذا الدبغ؛ يعني: عبارة عن تنظيف الجلد وإزالة ما يكون فيه من الخبث، فإذا دُبِغَ الجلد فإن المؤلف يقول: إنه لا يَطْهُر بالدِّباغ، وهنا نسأل أولًا: هل جلد الميتة نجس؟
следующие страницы →