Полный текст (12 382 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
(آمين) قالوا: إنها بمعنى: اللَّهُمَّ اسْتجِبْ، فهي فِعْل دعاء، واسم الفعل ليس له اشتقاق.
قال الفقهاء: فإن شدَّدَ الميمَ بطلت الصَّلاةُ؛ لأنَّ معناها حينئذٍ: قاصدين، ولا وجه لذلك، ولهذا قالوا: يحرم أن يُشدِّد الميم، وتبطل الصَّلاةُ؛ لأنه أتى بكلامٍ مِن جنسِ كلام المخلوقين.
ومتى يقول: آمين؟
الإِمامُ إذا انتهى من قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: آمين، والمنفرد إذا انتهى من قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين.
والمأموم، قال بعضُ العلماءِ: يقول: (آمين) إذا فَرَغَ الإِمامُ مِن قول: آمين.
واستدلُّوا بظاهر قوله: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا»، قالوا: وهذا كقوله: «إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا»، ومعلومٌ أنك لا تكبِّر حتى يفرغ الإِمامُ مِن التكبير، ولكن هذا القول ضعيف؛ ودليل ذلك أنه جاء مصرحًا به في لفظٍ آخر: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ».
وعلى هذا فيكون المعنى: إذا أمَّن؛ أي: إذا بَلَغَ ما يُؤمَّنُ عليه، وهو ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، أو إذا شَرَعَ في التَّأمين فأمِّنوا؛ لتكونوا معه، لكن نسمع بعض الأحيان بعض الجماعة يتعجَّل؛ لا يكاد يصل الإِمام إلى النون من ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ إلا وقد قال: (آمين)، هذا خِلافُ السُّنَّةِ، وهذا نوعٌ مِن مسابقة الإِمام؛ لأنَّ الإِمامَ لم يَصلْ إلى الحدِّ الذي يُؤمَّنُ على قوله فيه حتى يختم قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
يقول المؤلف: (ويجهرُ الكُلُّ بآمينَ في الجَهريَّة).
لم يفصح المؤلِّف ﵀ هنا عَمَّا إذا لم يعرفْ الفاتحةَ هل يلزمه أن يتعلَّمها؟
الجواب: نعم؛ يلزم أن يتعلَّمها؛ لأن قراءتَها واجبةٌ، وما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ، كعادم الماء؛ يجب عليه طلبُه وشراؤه إنْ كان يُباع؛ لأنَّ ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ.
стр. 1157
وليس هذا من باب: ما لا يتمُّ الوجوب؛ لأن وجوب الفاتحة ثابتٌ، فيلزم أن يتعلَّم هذه السُّورة، فإن ضاق الوقتُ قرأ ما تيسَّرَ من القرآن من سواها؛ لعموم قوله ﷺ : «اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ»، فإن لم يكن معه قرآن فإنه يُسَبِّحُ: (سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، واللَّهُ أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله) كم هذه؟ خمس كلمات، فإذا قال قائل: كيف يجزئ الخمس عن السَّبع؛ لأن الآيات في الفاتحة سَبْع؟
فالجواب: أنه لا يلزمُ أن يكون البدلُ مساويًا للمُبدل منه، أَلا ترى أنَّ كسوةَ العشرة في كفَّارة اليمين لا يساويها إطعامُهم في الغالب، ولا تساوي عِتْقَ الرَّقَبة أيضًا، فالبدلُ لا يلزم منه مساواة المُبدل منه، لكن قال فقهاؤنا ﵏: إذا كان عنده شيءٌ من القرآن سوى الفاتحة وجب عليه أن يقرأ منه بقَدْرِ الفاتحة، وفرَّقوا بين هذا وبين الذِّكر؛ بأن ما يَقدر عليه من جنس ما عَجز عنه؛ فوجب أن يكون مساويًا له، بخلاف البدل المحض فإنه لا يلزم.
فصارت المراتب الآن: قراءة الفاتحة، فإن عجز فبما تيسَّرَ مِنَ القرآن مِن غيرها، فإن عَجَزَ فالتَّسبيحُ، والتَّحميد، والتَّكبير، والتَّهليل والحَوقلة.
إذا قال قائل: إذا لم أجد مَنْ يُعَلِّمني إيَّاها إلا بأُجرة، فهل يلزمُني دفع الأجرة إليه؟
الجواب: نعم؛ كما لو لم أجد ماءً إلا ببيع، فإنه يلزمُني شراؤه للوُضُوء، ولكن يبقى النَّظرُ: هل يجوز للآخر أن يطلب أُجْرةً على تعليم القرآن؟
стр. 1158
الجواب الصحيح: الجواز؛ لعموم قول النبيِّ ﷺ : «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ»، وهذا الذي استأجر، أو طَلَبَ الأُجرةَ، طَلَبَ على عَمَلٍ متعدٍّ وهو التَّعليم، بخلاف مَن طَلَبَ أُجرة على القِراءة، فإنه لا يجوز، لو جاء واحد وقال: أنا بقرأ سورة البقرة وتُعطيني كذا وكذا، قلنا: هذا حَرام، أمَّا إذا قال: أعلِّمُكَ إياها بكذا وكذا؛ فهذا جائز، ولهذا زوَّجَ النبيُّ ﷺ الرَّجُلَ الذي لم يجدْ مهرًا، زوجه المرأة بما معه من القُرآن، يعلِّمُها إيَّاه.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك ( ... ) بعض أهل العلم بقولهم بأنهم أجمعوا على أن قول الله ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] أنها نزلت في الصلاة، ولما قال شيخ الإسلام ﵀: إن قراءة المأموم حال قراءة الإمام عبث لا تتم به الجماعة.
الشيخ: نعم، كما قلنا قبل قليل، قلنا: نعم هي عامة في غير الفاتحة؛ لأن الفاتحة دل النص على وجوب قراءتها، فتكون أدلة وجوب قراءة الفاتحة مخصصة لعموم الآية.
وأما قول شيخ الإسلام: إنها عبث، فهذا من الكلمات التي نرجو الله أن يعفو عنه بها، فكيف تكون عبثًا، والنبي ﵊ يقول: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا».
ثم إنه يرد على ذلك ما إذا جاء بعد أن قرأ الإمام الفاتحة، وهو في السورة اللي بعدها، فأين تذهب الفاتحة في حق هذا الرجل، لا قرأها ولا استمع إليها.
***
الطالب: ( ... ) والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 1159
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وَيَجْهُرُ الكُلُّ بِآمِينَ في الجَهْرِيَّة ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهَا سُورَةً، تَكُونُ فِي الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ المُفَصَّلِ، وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ، وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ، وَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ بِقِرَاءَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ ثَمَّ يَركَع.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الجهر سبق لنا أنه يكون في أولتين غير الظهرين، صلاة الليل؛ الفرائض معروف فيها الجهر، وصلاة النفل إن كانت تقام جماعة فالسنة فيها الجهر وإن كان الإنسان منفردًا فإنه يُخير بين الإسرار والجهر، فإن النبي ﷺ أمَّ حذيفة بن اليمان فجهر، وأمَّ ابن عباس والظاهر أنه لم يجهر، فإذا كانت القراءة جهرًا أنشط له فليقرأ جهرًا، وإن كانت القراءة سرًّا أخشع له فليقرأ سرًّا، وإن تساوى الأمران احتمل أن يقال بالجهر؛ لأنها صلاة ليلية، واحتمل أن يقال بعدمه؛ لأن الرسول ﷺ كان إذا صلى الراتبة في العشاء لا يجهر.
ثم قال المؤلف ﵀: (وَيَجْهُرُ الكُلُّ بِآمِينَ في الجَهْرِيَّة ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهَا سُورَةً)، قوله: (ثُمَّ يَقْرَأُ) هل (ثم) هنا على معناها الأصلي؟ أي أنها تفيد الترتيب والتراخي، أو لمجرد الترتيب؟
هذا مبنيٌّ على القول باستحبابِ السُّكوتِ بعدَ الفاتحة أو عدمِه.
فإن قلنا: باستحباب السُّكوتِ -وهو المذهب- صارت (ثم) هنا على معناها الأصلي؛ أي أنها للتَّرتيب والتَّراخي، وعلى هذا فيسكتُ الإِمامُ بعدَ الفاتحةِ سكوتًا، ولكن كم مقدار هذا السُّكوت؟
قال بعض العلماء: إنه بمقدار قراءة المأموم سُورةَ الفاتحةِ، وعلى هذا؛ فيكون طويلًا بعضَ الشَّيء.
стр. 1160
وقيل: بل إنه سكوت ليترادَّ إلى الإِمام نَفَسُه، وليتأمَّل ماذا يقرأ بعدَ الفاتحةِ، وليشْرَع المأموم في قراءة الفاتحة حتى يستمرَّ فيها؛ لأن الإِمام لو شَرَعَ فورًا بقراءة السُّورة لم يبدأ المأموم بالقراءة، وحينئذٍ تفوته.
والصَّحيح أن هذه السَّكتة سكتة يسيرة؛ لا تشرع بمقدار أن يقرأَ المأمومُ سُورةَ الفاتحة، بل السُّكوت بمقدار أن يقرأ المأمومُ سُورةَ الفاتحة إلى البدعة أقرب منه إلى السُّنّة؛ لأن هذا السُّكوتَ طويلٌ، ولو كان النبيُّ ﷺ يسكتُه؛ لكان الصَّحابةُ يسألون عنه، كما سألَ أبو هريرة ﵁ النَّبيَّ ﷺ عن سُكوته فيما بين التكبير والقِراءة، فالصَّحيح أنَّها سكتةٌ يسيرة فيها هذه الفوائد:
أولًا: التَّمييز بين القِراءةِ المفروضةِ والقراءة المستحبَّة.
وثانيًا: ليترادَّ إليه النفسُ.
وثالثًا: لأجل أن يشرع المأمومُ بالقِراءة.
ورابعًا: ربما لا يكون قد أعدَّ سورةً يقرأ بها بعدَ الفاتحة، فيتأمَّل ماذا يقرأ.
(ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهَا)، أي: بعدَ الفاتحة، وأفاد قوله: (بعدَها) أنه لا تُشرع القراءةُ قبل الفاتحة، فلو نسيَ فقرأ السُّورةَ قبل الفاتحةِ أعادها بعد الفاتحة؛ لأنه ذِكْرٌ قالَه في غير موضعه فلم يجزئ، بل لا بد أن يعيد.
(يَقْرَأُ بَعْدَهَا سُورَةً) وهذه القراءة على قول جمهور أهل العلم بل عامتهم سُنَّةٌ، وليست بواجبةٍ؛ لأنه لا يجب إلا قراءة الفاتحة.
وأفادنا المؤلِّف بقوله: (سُورة) إلى أنَّ الذي ينبغي للإِنسانِ أن يقرأَ سورةً كاملةً، لا بعضَ السُّورة، ولا آيات من أثناء السُّور؛ هذه هي السنة أن يقرأ سورة ولكن هل يفرقها بين الركعتين سيأتي الكلام عليه.
المهم ألا يقرأ آيات من أثناء السور؛ لأن ذلك لم يَرِدْ عن النَّبيِّ ﷺ ، أطلقه ابن القيم، قال: لم يكن من هديه أن يقرأ آيات من أثناء السور.
стр. 1161
ولكن ورد بل ثَبَتَ عن النبيِّ ﵊: قرأ في سُنَّةِ الفجر آيات من السُّور، فكان أحيانًا يقرأ في الرَّكعة الأُولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] الآية، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]، والأصل: أن ما ثَبَتَ في النَّفْل ثَبَتَ في الفرض؛ وهذه قاعدة دلت عليها السنة؛ أن ما ثبت في نفل الصلاة فهو ثابت في الفرض، إلا بدليل، وما ثبت في الفرض فهو ثابت في النفل إلا بدليل؛ لأنها عبادة من جنس، والأصل اتفاقها في الأحكام، ويدلُّ لهذا: أن الصَّحابة ﵃ لما حَكَوا أنَّ رسول الله ﷺ كان يصلي على راحلته يُوتِرُ عليها قالوا: غير أنه لا يُصلِّي عليها المكتوبةَ.
فلما حَكَوا أنه يوتر، ثم قالوا: غير أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة، دَلَّ ذلك على أنَّ المعلومَ أنَّ ما ثَبَتَ في النَّفل ثبتَ في الفرض.
على كُل حال؛ نرى أنه لا بأس أن يقرأ الإِنسانُ آيةً من سورةٍ في الفريضة وفي النافلة، وربما يُستدل له أيضًا بعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، لكن السُّنَّة والأفضل أن يقرأَ سورةً، والأفضلُ أن تكون كاملةً في كلِّ ركعة، فإن شَقَّ فلا حَرَجَ عليه أن يقسم السُّورة بين الركعتين؛ لأن النبيَّ ﷺ قرأ ذات يوم سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فلما وصل إلى قصة موسى وهارون أخذته سَعْلةٌ فَرَكَعَ، فدلَّ هذا على جواز قَسْمِ السُّورة؛ لا سيَّما عند الحاجة.
وقوله: (سُورة) السورة هي طائفة من القرآن لها أول ولها آخر، سُميت بذلك؛ لأنها مسورة بابتداء وانتهاء، يعني لها محيط في الأول وفي الآخر، ومنه قيل للحائط المحيط بالبيت سور.
стр. 1162
قوله: (سُورة) يلزم من قراءة السُّورة أن يقرأَ قبلها: (بسم الله الرحمن الرحيم)، وعلى هذا؛ فتكون البسملةُ مكرَّرة كم مرة؟
الطلبة: مرَّتين.
الشيخ: مرَّتين: مرَّة للفاتحة، ومرَّة للسُّورة، أما إنْ قرأ مِن أثناء السُّورة فإنه لا يُبسمل؛ لأن الله لم يأمر عند قراءة القرآن إلا بالاستعاذةِ، وأما البسملة فإنها لا تكون في أواسط السُّور.
يقول المؤلف: (تَكُونُ فِي الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ، وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ) (تكون) أي: السُّورة، (في الصبح) أي: في صلاة الصُّبح، (من طِوال المُفصَّلِ) بكسر الطاء، ولا يقال: طُوال؛ لأن طُوال صفة للرَّجُل الطويل، وأما طِوال بالكسر فهي جمع طُول، أي: سُورة من السُّور الطِوال مِن المفصل.
المفصَّل ثلاثة أقسام، كما يدلُّ عليه كلام المؤلِّف: منه طِوال، ومنه قِصار، ومنه وسط، فمِن (ق) إلى (عَمَّ) هذا هو الطِوال، ومِن (عَمَّ) إلى (الضُّحَى) أوساط، ومُن (الضُّحَى) إلى آخره قِصار.
وسُمِّيَ مُفصَّلًا لكثرة فواصله؛ لأن سُورَهُ قصيرةٌ، فلهذا سمي مفصلا.
من (ق) إلى آخر (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) أربعة أجزاء وشيء أو لا؟ يساوي البقرة وآل عمران، ورُبعًا مِن النساء، وشيئًا قليلًا، تكون في الصُّبح مِن طِوال المُفصَّل؛ لماذا؟ لأن الله نصَّ على القرآن في صلاة الفجر فقال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، فَعبَّرَ عن الصَّلاةِ بالقرآن إشارةً إلى أنَّه ينبغي أن يكون القرآن مستوعِبًا لأكثرها، وهو كذلك، ولهذا بقيت صلاةُ الصُّبح على ركعتين لم تُزَدْ، بينما الظُّهر والعصر والعشاء كلها زِيدت.
قال المؤلف: (وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ) يعني: من الضُّحى إلى آخره هذا هو الأفضل.
стр. 1163
(وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ) من عَمَّ إلى الضحى دليل ذلك السُّنَّة الواردة عن النبيِّ ﵊؛ فإن الغالب مِن فِعْلِ النبيِّ ﵊ هو هذا.
لكنه أحيانًا يقرأ في الفجر مِن القِصَار، وفي المغرب من الطِوال، فمرَّة صَلَّى الفجرَ بـ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ قرأها مرتين في الرَّكعتين، ومرَّة في المغرب قرأ بسُورة الأَعْرَافِ، وقرأ بسورة الْطُّور، وقرأ بـ (المرسلات)، وكلُّ هذا من أطول ما يكون من السُّور، فدلَّ ذلك على أنه ينبغي للإِمام أن يكون غالبًا على ما ذَكَرَ المؤلِّفُ، ولكن لا بأس أن يطيل في بعض الأحيان في المغرب، ويُقَصِّرَ في الفجر.
وقول المؤلف: (وفي الباقي من أوساطه) الدليل على ذلك؛ أن النَّبيَّ ﷺ أرشد معاذَ بنَ جَبَلٍ أن يقرأ في صلاة العشاء بـ (سَبِّحِ) والغاشية و (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى)، و (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)، ونحوها، فدلَّ هذا على أن هذا هو الأفضل.
وهنا سؤال: هل يجوز أن يقرأَ الإِنسانُ بالسُّورةِ في الرَّكعتينِ بمعنى أنْ يكرِّرها مرَّتين؟
الجواب: نعم، ولا بأس بذلك، والدَّليلُ فِعْلُ الرسول ﵊ أنه قرأ: (إِذَا زُلْزِلَت) في الرَّكعتين جميعًا، أي: كرَّرها.
لكن قد يقول قائل: لعلَّ النبيَّ ﷺ نَسِيَ؛ لأنَّ مِن عادته أنه لا يُكرِّر السُّورة.
стр. 1164
والجواب عن هذا: أن يُقال: احتمالُ النسيانِ وارد، ولكن أقوى منه احتمال التشريع؛ أي: أن النبيَّ ﷺ كرَّرها تشريعًا للأمة؛ ليبيِّن للأمة أن ذلك جائز، يُرجّح احتمالِ النسيان أنَّ العادة من فِعْلِ الرسول ﵊ ألا يكرر، ويرجح احتمال التشريعُ أن الأصل في فِعْلِ الرسول ﵊ التشريعُ، وأنه لو كان ناسيًا لنبّه عليه، وهذا الأخيرُ -أي: أنَّ ذلك مِن باب التشريع- أحوطُ وأقربُ إلى الصَّوابِ، وأنه يجوز للإنسان أحيانًا أن يكرر السورة ولا بأس.
قال: (وفي الباقي من أوساطه).
بحث المؤلف الشارح ﵀ تنكيس السُّور، والآيات، والكلمات، والحروف، وإن كان لم يبحث في هذه الأربعة، ولكن نحن الآن نبحث فيها، تنكيس السُّور وتنكيس الآيات وتنكيس الكلمات وتنكيس الحروف.
أما تنكيس الحروف؛ فهذا لا شك في تحريمه؛ بمعنى أن تكون الكلمة مشتملة على ثلاثة أحرف؛ فيبدؤها الإنسان مِن آخرها مثلًا، هذا لا شكَّ في تحريمه، وأنَّ الصَّلاةَ تبطلُ به؛ لأنه إخراج للقرآن عن الوجه الذي تكلَّم الله به، كما أن الغالب أنَّ المعنى يختلفُ اختلافًا كبيرًا.
وأما تنكيس الكلمات؛ أي: أن يبدأ بكلمة قبل الأُخرى، مثل أن يقول: الحمد لربِّ العالمين، الله الرحمن الرحيم، فهذا أيضًا محرَّم بلا شكٍّ؛ لأنه إخراجٌ لكلامِ الله عن الوجه الذي تكلَّم اللَّهُ به.
стр. 1165
تنكيس الآيات أيضًا؛ محرَّم على القول الرَّاجح؛ لأن ترتيب الآيات توقيفي، ومعنى توقيفي: أنه بأمر النبي ﷺ ، ولهذا تَجِدُ أحيانًا بعضَ الآيات بين آيات لا يَظهرُ لك تَعَلُّقُها به، مما يدلُّ على أن الأمر توقيفي مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأِزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٠].
أيهما أسبق قراءة؟
الطلبة: الثانية.
الشيخ: لا، الأولى أسبق، الأولى سابقة عليها في القراءة.
وأيهما أسبق نزولا؟
الطلبة: الثانية.
الشيخ: الثانية، ولو كان التَّرتيبُ غيرَ توقيفي؛ لكان على حسب النُّزولِ، لكنه توقيفي، أي أن الأمر فيه موقوف على ورود الشرع به، وعلى هذا فيحرم تنكيس أيش؟
الطلبة: الآيات.
الشيخ: الآيات، هذه ثلاثة أشياء.
تنكيس السور يُكره، وقيل: يجوز، وأظن فيه قولًا بالتحريم فهذه ثلاثة أقوال.
أما الذين قالوا بالجواز فاستدلُّوا: بحديث حذيفة بن اليمان، الذي في صحيح مسلم أن النبيَّ ﷺ : قامَ مِن اللَّيلِ فقرأَ بسورةِ البقرةِ، ثم بالنِّساءِ، ثم آل عمران، وهذا على غير التَّرتيبِ المعروف، قالوا: وفِعْلُ النبيِّ ﷺ دليلٌ على الجواز.
وأما الذين قالوا بالكراهة، فقالوا: إنَّ الصَّحابةَ ﵃ وَضَعُوا المُصحفَ الإِمام -الذي يكادون يُجمعون عليه- في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وَضَعوه على هذا التَّرتيب، فلا ينبغي الخروجُ عن إجماعهم، أو عمَّا يكون كالإِجماع منهم؛ لأنَّهم سلفُنا وقدوتُنا.
стр. 1166
وأما الذين قالوا بالتحريم، فقالوا: إن هذا إجماع من الصحابة، أو يكاد يكون إجماعًا، وهو من سُنَّة الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁، وقد أُمِرْنَا باتِّباعِه، فوجب علينا أن نقرأ القرآن مرتبًا؛ ولأنه قد يكون فيه تشويشٌ على العامة، وتَنَقُّصٌ لكلام الله إذا رأى العامة أنَّ النَّاسَ يقدِّمون ويؤخِّرون فيه، والعامي عامي جاهل لا يعرف.
ولكن؛ القول بالكراهة قولٌ وسطٌ بين قولين، فيقال: إنَّ إجماع الصحابة على هذا الترتيب غير موجود، فإن في مصاحف بعضِهم ما يخالف هذا التَّرتيب كمصحف ابن مسعود، ﵁، وأما قراءة النبيِّ ﵊ في حديث حذيفة لـ (النساء) قبل (آل عمران) فهذا -لعلَّه- قبل العرضة الأخيرة؛ لأنَّ جبريلَ كان يُعارِضُ النَّبيَّ ﷺ القرآن في كُلِّ رمضان، فيكون ما اتَّفق عليه الصحابةُ أو ما كادوا يتَّفقون عليه هو الذي استقرَّ عليه الأمر، لا سيما وأنَّ رسولَ الله ﷺ كان يقرنُ بين البقرة وآل عمران، مما يدلُّ على أنهما قرينتان، فيكون تقديمه النساء في حديث حذيفة قبل الترتيب الأخير.
والحق أن الترتيب بين السُّور منه توقيفي، ومنه اجتهادي، فما وَرَدَتْ به السُّنَّةُ كالترتيب بين (الجُمعة) و (المنافقين)، وبين (سَبِّحِ) و (الغاشية) فهو على سبيل التوقيف؛ فالنبيُّ ﵊ قرأَ (الجمعة) قبل (المنافقون).
وقرأ (سَبِّح) قبل (الغاشية) فهذا على سبيل الترتيب التوقيفي، وما لم تَرِدْ به السُّنَّةُ فهو اجتهادٌ من الصَّحابةِ، والغالب أنَّ الاجتهادَ، إذا كان معه الأكثر أقربُ إلى الصَّوابِ.
طالب: ( ... ) يبدأ من البقرة، يقرأ كل يوم ..
стр. 1167
الشيخ: إي نعم، هذا خلاف السنة لا شك؛ يعني بعض المصلين يبدأ القرآن من أوله إلى آخره، ويدعي أنه يفعل ذلك من أجل أن يسمع الناس كلام الله من أوله إلى آخره، فنقول له: أين النبي ﷺ من هذا؟ أليس النبي ﷺ أولى الناس بذلك؛ لأجل أن يبلغ الناس كلام الله ولا ينسيهم إياه، فأين هو من ذلك أهو لا يدري أم ماذا؟ ثم نقول: العلماء لم يقولوا بهذا، وإذا لم يقولوا به فإنه يكون ذلك خروجًا عن السنة المعروفة عن النبي ﵊، وكذلك يكون خروجًا عما قاله علماء هذه الأمة.
طالب: شيخ أحسن الله إليكم، أقول ذكر بعض الصحابة أن النبي ﷺ كان يصلي الظهر حتى إن الذاهب ليذهب إلى البقيع فيقضي الحاجة، ثم يتوضأ، ثم يدرك الركعة الأولى، وقوله: (كان) كأنها ( ... ) اللفظ تفيد الاستمرار، وقد ذكرنا في كلام المؤلف أنه يقرأ في الباقي من أوساطهم؛ من أوساط المفصل.
الشيخ: نعم، هذا الغالب.
الطالب: لكن كأنه يقول: إنه كان يديم الاستمرار في التطويل في الظهر.
الشيخ: لا، هذا الطول لا يديمه؛ لأنه وردت أحاديث تدل على خلاف ذلك.
طالب: بالنسبة لتحديد المفصل هل هو توقيفي أو اجتهادي؟
الشيخ: لا، اجتهاد، الظاهر إنه اجتهاد من العلماء ما سمعت بهذا في السنة.
طالب: شيخ، إذا كان رجل ما يرتب القرآن -يقرأ علينا القرآن بالترتيب- لكن يحاول أنه يمر على القرآن أو على أغلبه؛ لكي يسمع الناس أكثر القرآن، وبعض الآيات ناقصة ( ... ) جهاد وبغي و ..
стр. 1168
الشيخ: ما أرى هذا، أنا ما أرى هذا، شيء لم يفعله السلف لا خير فيه، نعم لو فُرض أن هناك مناسبة وقرأ بهذا لم أرَ في هذا بأسا على أنه فيه ثقل عندي؛ يعني –مثلًا- لو ابتدأ في رمضان ابتدأ صلاة المغرب أول ليلة منه بآيات الصيام مثلًا، أو صلاة العشاء لكان في هذا شيء من التساهل، على إني لا أحب هذا؛ لأن هذه المناسبة أيضًا موجودة في عهد الرسول ﷺ ولم يُعهد أو لم يُنقل أنه كان يقرأ بذلك، فالذي أرى أن الإنسان لا يتخذ سنة لم يسنها مَن قبله أبدًا، الاتباع أولى من الابتداع مهما حسن عند العبد.
ولا تَصِحُّ الصلاةُ بقراءةٍ خارجةٍ عن مُصْحَفِ عُثمانَ، ثم يَرْكَعُ مُكَبِّرًا رافعًا يَدَيْهِ ويَضَعُهما على رُكبتَيْهِ مُفَرَّجَتَي الأصابعِ مُستويًا ظَهْرُه ويَقولُ: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ " ثم يَرفعُ رأسَه ويَدَيْهِ قائلاً إمامٌ ومنفرِدٌ: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وبعدَ قِيامِهما " رَبَّنا ولك الْحَمْدُ، مِلْءَ السماءِ ومِلءَ الأرضِ، ومِلءَ ما شِئْتَ من شيءٍ بَعْدُ " ومأمومٌ في رَفْعِه " رَبَّنا وَلَكَ الْحَمْدُ " فقط، ثم يَخِرُّ مُكَبِّرًا ساجدًا على سبعةِ أعضاءٍ؛ رِجْلَيْهِ ثم رُكْبَتَيْهِ ثم يَدَيْهِ ثم جَبْهَتِه مع أَنْفِه
قوله: (لا تصح): نفي الصحة يقتضي الفساد. فإذا قرأ بقراءة خارجة عن مصحف عثمان فصلاته فاسدة على كلام المؤلف. وما المراد بالصحة؛ إذا قال العلماء في العبادات: تصح أو لا تصح؟
قال العلماء: الصحيح ما سقط به الطلب، وبرئت به الذمة، والفاسد ما ليس كذلك، فإذا فعل الإنسان عبادة ولم يسقط الطلب بها عنه لاختلال شرط أو وجود مفسد قلنا: إنها فاسدة، وإذا فعل عبادة وسقط بها الطلب وبرئت بها الذمة قلنا: إنها صحيحة.
стр. 1169
وقوله: (بقراءة خارجة عن مصحف عثمان) ما مصحف عثمان؟ مصحف عثمان ﵁ هو الذي جمع الناس عليه في خلافته؛ وذلك أن النبي ﷺ توفي والقرآن لم يجمع، بل كان في صدور الرجال، وفي عسب النخل، وفي اللخاف: في الحجارة البيضاء الرهيفة، وما أشبه ذلك، ثم جُمع في خلافة أبي بكر ﵁ حين استحر القتل بالقراء في اليمامة.
ثم جمع في عهد عثمان ﵁، سبب جمعه أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» (١)، فكان الناس يقرؤون بهذه الأحرف، وقد اختلفت لهجات الناس، فصار فيه خلاف، في الأجناد الذين يقاتلون في أطراف المملكة الإسلامية، فخشي بعض القواد من الفتنة، فكتبوا إلى عثمان ﵁ في ذلك، فاستشار الصحابة، فجمع المصحف، بل القراءات على حرف واحد، وهو لغة قريش، يعني على لغة واحدة وهي لغة قريش، واختارها لأنها أشرف اللغات، حيث إنها لغة النبي ﷺ ، وهي أعرب اللغات أيضًا، يعني أنها أرسخها في العربية، فجمع المصاحف كلها على مصحف واحد وأحرق ما سواها.
فاجتمعت الأمة على هذا المصحف، ونُقل إلينا نقلًا متواترًا، ينقُله الأصاغر عن الأكابر، ولم تختلف فيه الأيدي ولا النقلة، بل هو محفوظ بحفظ الله إلى يوم القيامة.
لكن هناك قراءات خارجة عن هذا المصحف الذي أمر عثمان بجمع المصاحف عليه، وهذه القراءات صحيحة ثابتة عمن قرأ بها عن النبي ﷺ ، لكنها تعتبر عند القراء اصطلاحًا شاذة، وإن كانت صحيحة، وقد اختلف العلماء ﵏ في هذه القراءة الشاذة في أمرين:
الأمر الأول: هل تجوز القراءة بها، أو لا تجوز؟ وعلى القول بالجواز فهل تجوز القراءة بها في الصلاة وخارج الصلاة، أو خارج الصلاة فقط؟
стр. 1170
الأمر الثاني: اختلف العلماء الذين يقولون: لا يقرأ بها هل هي حجة في الحكم، أو ليست بحجة؟ فمنهم من قال: إنها ليست بحجة، ومنهم من قال: إنها حجة.
وأصح هذه الأقوال أنه إذا صحت هذه القراءة عمن قرأ بها من الصحابة، فإنها مرفوعة إلى رسول الله ﷺ ، وتصح القراءة بها في الصلاة وخارج الصلاة، هذا هو الأصح، أصح الأقاويل في هذا؛ لأنها إذا صحت موصولة إلى رسول الله ﷺ فما المانع؟ نعم لا نقرأ بها أمام العامة؛ لأننا إذا قرأنا بها أمام العامة حصل بذلك فتنة، وحصل بذلك تشويش، وحصل بذلك قلة اطمئنان إلى القرآن الكريم، وقلة ثقة به، وهذا لا شك أنه مؤثر ربما على العقيدة فضلًا عن العمل.
لكن الكلام فيما بين الإنسان وبين نفسه، أو فيما بينه وبين طلبة العلم الذين يفهمون حقيقة هذا الأمر، لا يقول قائل: إذا صحت وصححتم الصلاة بها وصححتم القراءة بها وأثبتم الأحكام بها، لا يقول قائل: لماذا لا تقرؤونها على العامة؟ لأننا نقول: إن هدي الصحابة ﵃ ألا تحدث الناس بحديث لا تبلغه عقولهم، كما في حديث علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون -أي: بما يمكن أن يعرفوه ويهضموه وتبلغه عقولهم- أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ (٢). يعني العامي إذا جاءه أمر غريب عليه نفر على طول، وكذب، وقال: هذا شيء محال، مستحيل، أنا لا أؤمن بهذا الشيء. ربما يقول هكذا. مشكلة هذا.
وقال ابن مسعود: إنك لا تحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة (٣). وصدق ﵁، فلهذا نحن لا نحدث العامة بشيء لا تبلغه عقولهم؛ لئلا تحصل الفتنة، ويتضرر في عقيدته وفي عمله.
стр. 1171
ومن ذلك ما يكثر السؤال عنه من الطلبة، وهو أنه ثبت عن النبي ﵊ أنه لما قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] أنه وضع إبهامه وسبابته على أذنه وعلى عينيه (٤): فقال: هل يجوز أن أفعل هذا؟
فجوابنا على هذا أن نقول: لا تفعله أمام العامة؛ لأن العامة ربما ينتقلون بسرعة إلى اعتقاد المشابهة والمماثلة، بخلاف طالب العلم.
ثم هذا فعل من الرسول ﵊ وليس أمرًا، ما قال لنا: ضعوا أصابعكم على أعينكم وآذانكم حتى نقول: لا بد من تنفيذ أمر الرسول، هو فعل قصد به تحقيق هذا الأمر، لا التعبد بذلك، فيما يظهر لنا، فلماذا نلزم أنفسنا ونكرر السؤال عن مثل هذا من أجل أن نقوله أمام العامة؟
فالحاصل أنه ينبغي لطالب العلم أن يكون معلمًا مربيًا، والشيء الذي يخشى منه الفتنة وليس أمرًا لازمًا لا بد منه ينبغي للإنسان أن يتجنبه.
стр. 1172
إذن يقول المؤلف ﵀: (لو قرأ بقراءة خارجة عن مصحف عثمان لم تصح الصلاة) مثال ذلك: قوله تعالى في آية كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، في قراءة ابن مسعود: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ﴾، فلو قرأ الإنسان في الصلاة: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ﴾ بطلت صلاته، لماذا؟ قالوا: لأن هذه الكلمة ليست من كلام الله، ما نعتبرها من كلام الله حكمًا، وإن كانت قد تكون من كلام الله حقيقة، لكننا لا نعتبرها حكمًا من كلام الله، فتكون من كلام الآدميين، وقد قال النبي ﵊: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ» (٥).
ولكن هذا القول إذا تأملته وجدته ضعيفًا، وكيف تكون من كلام الآدميين وقد صح أن النبي ﷺ قرأ بها؟ ولا سيما قراءة ابن مسعود الذي قال فيه الرسول ﷺ : «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ -أو قال: طَرِيًّا كَمَا أُنْزِلْ- فَلْيَقْرَأْ، أو فَعَلَيْهِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» (٦)، يعني قراءة ابن مسعود. فقراءة أوصى بها رسول الله ﷺ ، كيف يقول قائل بعد صحتها وثبوتها عن ابن مسعود: إن الصلاة لا تصح بها؟ ولهذا كلما تأملت هذا القول وجدته ضعيفًا. ولكن احذروا أن تقرؤوا بها أمام العامة؛ لما علمتم من خوف الفتنة.
قال: (ولا تصح الصلاة بقراءة خارجة عن مصحف عثمان ﵁، ثم يركع مكبِّرًا) يعني بعد القراءة يركع مكبرًا.
стр. 1173
وقوله (ثم يركع) نقول فيها مثلما قلنا في: ثم يقرأ بعد الفاتحة: إنها للترتيب والتراخي. فينبغي قبل أن يركع أن يسكت سكوتًا، لكنه ليس سكوتًا طويلًا، بل بقدر ما يرتد إليه نفسه، فإن ذلك قد جاء في حديث سمرة بن جندب ﵁ (٧)، فيسكت بين القراءتين الفاتحة والسورة، وبين القراءة والركوع، لكنه ليس سكوتًا طويلًا بل سكوتًا قصيرًا.
وقوله (يركع): الركوع هو الانحناء في الظهر، فيركع، وهذا الركوع المقصود به: تعظيم الله ؛ فإن هذه الهيئة من هيئات التعظيم، ولذلك كان الناس يفعلونها أمام الملوك والكبراء والأسياد، ينحنون لهم، وربما يركعون، وربما يسجدون، والعياذ بالله، لكن الركوع هيئة تدل على تعظيم الراكع بين يدي من ركع له، ولهذا قال النبي ﵊: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ» (٨) ليجتمع فيه التعظيم القولي والتعظيم الفعلي.
وقوله (مكبرًا) حال من يركع، حال مقارنة ولا غير مقارنة؟
طالب: مقارنة.
الشيخ: مقارنة. يعني في حال هويه إلى الركوع يكبر، فلا يبدأ قبل، ولا يؤخره حتى يصل إلى الركوع، أي يجب أن يكون التكبير فيما بين الانتقال والانتهاء، حتى قال الفقهاء ﵏: لو بدأ بالتكبير قبل أن يهوي، أو أتمه بعد أن يصل إلى الركوع فإنه لا يجزئه؛ لأنهم يقولون: إن هذا تكبير في الانتقال، فمحله ما بين الركنين، فإن أدخله في الركن الأول لم يصح، وإن أدخله في الركن الثاني أيضًا لم يصح؛ لأنه مكان لا يشرع فيه هذا الذكر، فالقيام لا يشرع فيه التكبير، والركوع لا يشرع فيه التكبير، إنما التكبير بين القيام وبين الركوع.
стр. 1174
ولا شك أن هذا القول له وجهة من النظر؛ لأن التكبير علامة على الانتقال، فينبغي أن يكون في حال الانتقال، ولكن القول بأنه إن كمله بعد الوصول للركوع، أو بدأ به قبل الانحناء مبطل للصلاة؛ القول بأن ذلك مبطل للصلاة فيه مشقة على الناس؛ لأنك لو تأملت أحوال الناس اليوم لوجدت أكثر الناس لا يعملون بهذا، منهم من يكبر قبل أن يتحرك للهوي، ومنهم من يصل إلى الركوع قبل أن يكمل.
والغريب أن بعض الجهال اجتهد اجتهادًا خاطئًا، وقال: لا أكبر حتى أصل إلى الركوع، لا أكبر حتى أصل إلى الركوع، لماذا؟ قال: لأنني لو كبرت قبل أن أصل إلى الركوع لسابقني المأمومون، يسابقونني فيهوون قبل أن أصل إلى الركوع، وربما وصلوا إلى الركوع قبل أن أصل إليه.
وهذا من غرائب الاجتهاد؛ أن تفسد عبادتك لتصحيح عبادة غيرك الذي ليس مأمورًا بأن يسابقك، يعني هو المخطئ، يعني لو قدر أن المأموم من حين ما سمع لفظ: الله أكبر أهوى إلى الركوع، فهل هو مخطئ أو أنت المخطئ؟ المخطئ المأموم. كيف أذهب إلى شيء يرى بعض العلماء أن صلاتي تفسد به من أجل تصحيح خطأ لإنسان هو المخطئ؟ !
ولهذا نقول: هذا اجتهاد في غير محله، ونسمي المجتهد هذا الاجتهاد أيش؟
طلبة: جاهلًا مركبًا.
الشيخ: جاهلًا مركبًا؛ لأنه جهل، وجهل أنه جاهل. إذن نقول: كبر من حين أن تهوي، واحرص على أن ينتهي قبل أن تصل إلى الركوع، ولكن لو وصلت إلى الركوع قبل أن تنتهي فلا حرج عليك، والقول بأن الصلاة تفسد بذلك قول ضعيف ولا يمكن العمل به.
قال (ثم يركع مكبرًا) ولا يمكن العمل به إلا بمشقة.
(ثم يركع مكبرًا، رافعًا يديه) رافعًا يديه إلى حذو منكبيه، أو إلى فُرُع أذنيه كما سبق عند تكبيرة الإحرام.
ويرفع يديه إذا أراد أن يركع، ثم يضعهما على ركبتيه. ودليل ذلك: حديث ابن عمر أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا كبر للركوع (٩)، والحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما.
стр. 1175
يقول: (رافعًا يديه، ويضعهما على ركبيته) سبق لنا بحث في هذه المسألة، وهو إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يرفعهما إلى الفروع أو إلى المنكبين فماذا يصنع؟
طلبة: المستطاع.
الشيخ: يرفعهما بقدر المستطاع، وإذا كان لا يستطيع أن يرفعهما إلا فوق، مثل أن تكون يداه ما تتعكف، ممدودة، نقول: يرفع ولو زاد؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
قال: (ويضعهما على ركبتيه) يضعهما: أي اليدين. والمراد باليدين هنا؟
طالب: الكفان.
الشيخ: المراد الكفان؛ لأننا هو سبق لنا قاعدة: أن اليد إذا أطلقت فهي الكف. صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: تليها قاعدة؛ أن الله لما أراد ما خرج عن الكف بين في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، ولهذا يقطع السارق من مفصل الكف؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ولا يقطع من المرفق؛ لأنه لو أراد ذلك لقيده.
طالب: شيخ، القراءات هذه ( ... ) هل هذه من قراءة مصحف .. ؟
الشيخ: إي نعم، كل القراءات السبعية هذه كلها من مصحف عثمان.
طالب: طيب، أيش معنى هذه الأول، لغات يعني؟
الشيخ: ما نعرف هذه اللغات ماتت، لما اقتصر الناس على المصحف هذا، على لغة قريش، ماتت اللغات الأخرى، ما نعلمها.
طالب: هذه يعني يقرؤها الرسول ﷺ ؟
الشيخ: إي، لا، ما هو بالرسول قرأ بها، لكن هم رخص لهم في ذلك، رخص لهم، فالآن مثلًا اللهجات تجد فرقًا بين لهجة القصيم مثلًا ولهجة الرياض ولهجة الحجاز وما أشبه ذلك.
طالب: شيخ ( ... ) بعدما يقرأ الفاتحة؟
الشيخ: كلا.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، أطول شويه، علشان يبدأ المأموم بالقراءة. نعم.
طالب: وضع اليد اليمنى على اليسرى للمرأة، اختلاف بين بعض الطلبة بينهم ( ... ) والرحمة.
الشيخ: إحنا ذكرنا أنه إما وضع أو قبض.
طالب: ( ... ) على القبض ( ... ) قبض ( ... ).
الشيخ: أيش لون؟
стр. 1176
طالب: ممكن يقول: يحط إصبعين ( ... ) ويحط الباقي ذلك، ومنهم يقول ( ... ) أو ( ... ).
الشيخ: القبض كذا، إحنا ذكرنا، وقلت لكم، قبض عادي، إي نعم.
أما هذه ذكر بعض العلماء أنه لما وردت الأحاديث بالقبض والوضع قال: نجمع بينهما بالفعل، ونخلي خنصر وإبهام ( ... ) على فوق، علشان يجمع بينهما، لكن ما هو بصحيح هذا، بل هما هيئتان مستقلتان.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، أقول: إذا فرغ المأموم من التشهد الأول قبل أن يقوم الإمام، هل يعيد أو يصبر.
الشيخ: بيجينا إن شاء الله.
طالب: لا؛ لأنه ( ... ) يا شيخ هذا والله.
الشيخ: نعم؟
طالب: إذا صلى إمام بطلبة علم وقرأ بقراءة أخرى، لكن هم ما عندهم علم بالقراءات؟
الشيخ: وأيش تقولون في هذا؟ يعني صلى إمام بطلبة علم لكن ما عندهم علم بالقراءات؟
طلبة: يبين، يعلمهم.
الشيخ: إي ما يخالف، يعلمهم قبل ولا عقب؟
طالب: قبل.
الشيخ: قبل أحسن؛ لأنه إذا قرأ بالقراءة اللي ما يعرفونها يشوش عليهم في صلاتهم، يمكن يردون عليه، ويمكن لو هابوه لعلمه، نعم، يصير في قلوبهم شك، فالأحسن يقول لهم مثلًا قبل.
طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، وردت بعض الروايات: كان يكبِّر حين يسجد (١٠)، ما هو الدليل؟
الشيخ: ما وصلنا للسجود، جزاك الله خيرًا.
طالب: لا، بس موضع التكبير بس.
الشيخ: إي، التكبير في الانتقال.
طالب: لا، الرواية هذه حين يسجد.
الشيخ: تبقى تجيئنا إن شاء الله في السجود.
طالب: شيخ، بالنسبة للسكتة بعد الفاتحة، بعضهم يقول: ينبغي للإمام أنه ما يسكت.
الشيخ: إي نعم.
طالب: حتى السكتة الصغيرة هذه؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ .
الشيخ: هؤلاء الذين لم يصححوا حديث سمرة قالوا: لا يسكت، ولكن لا شك أن الصحيح السكوت:
أولًا: لأن الحديث كما قال ابن حجر ثابت، وحسنه بعضهم، ما هو صحيح أنه واصل إلى درجة الحسن بلا شك.
стр. 1177
والشيء الثاني: أنه من القاعدة الشرعية: التفريق بين الفرض والنفل، وقراءة الفاتحة ركن، وما بعدها نفل، فلو واصلت لم يتضح الفرض.
طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا يا شيخ. لو قال قائل: إن قراءة النبي ﷺ الزلزلة في الركعتين؛ لعله كان مسافرًا، وإذا كان الإنسان مسافرًا يقرأ من قصار قصد.
الشيخ: ما يخالف، لا، هو ما هو بالمشكلة أنه قرأ قصير، المشكلة أنه كررها، هل هو نسيان أو تشريع؟ أما مسألة التقصير لا. نعم.
طالب: يقال: إنه ( ... ).
الشيخ: أيش؟
طالب: وضع اليدين على الركبتين نسف وضعًا آخر ثابتًا.
الشيخ: إي نعم، صحيح.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما وصلناه.
طالب: شيخ، بعض الأئمة حريصون على تطبيق هذه السنة في المغرب، يحبون يقرأون بسورة الأعراف، بعضهم يعني يخبر المأموين أو يكتب لوحة على الباب بأننا سنقرأ اليوم الأعراف، علشان ما يشق عليهم ..
الشيخ: سمعتم سؤاله؟
طالب: لا ما سمعنا.
الشيخ: يقول: بعض الأئمة يحب أن يفعل السنة في قراءة الأعراف، فيكتب على الباب: إننا الليلة سنقرأ في سورة الأعراف، أو يخبرهم مثلًا، فهل هذا مشروع أو غير مشروع أنه يخبرهم؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: هو لا شك أن الرسول ﷺ ما أخبر الصحابة فيما يظهر، لكن بعض الناس اجتهد قال: لأني أخشى أن يكون من الناس من له حاجة، والنبي ﵊ أمر بمراعاة ذوي الحاجات بأن نقصر الصلاة؛ يجيء واحد مثلًا عنده شغل؛ إما مواعد أحدًا، إما ضيوف عنده، إذا قرأنا سورة الأعراف يمكن يؤذن الأخير ما خلصنا، وربما أنه يقطع الصلاة.
لكن قد يقول قائل: نعم، له أن يقطع الصلاة، ولا مانع؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ما يعرف الحكم؟ هذه مشكلة.
طلبة: بعضهم ما يعرف يقرأ.
طالب آخر: فيه حل يا شيخ. ( ... ).
الشيخ: لا أدري، اللي وده يطبق السنة ..
стр. 1178
طالب: اللي وده يطبق السنة، ما يطبقه بالمسجد العام الذي يأتي كل أحد، ( ... )، أنا أذكر أني سألتك السؤال يا شيخ هذا، ( ... ) طلبة علم، لا يصلي ( ... ).
الشيخ: لا، هو يرى أن السنة أن يفعل الإنسان في مسجده الذي يصلي فيه.
طالب: إذا علم الناس السنة يجهلون هذا ( ... ).
الشيخ: لكن هي ما هي السنة راتبة، يمكن الرسول فعلها مرة واحدة.
طالب: شيخ ( ... ).
الشيخ: نعم.
طالب: ما أظن الحل يا شيخ، ما أظن ( ... ).
الشيخ: نعم. لا قلنا. أنا أرى أنه ما يكتب، لكن مهما قال لك ربما نقول: إذا علمنا أن الناس اختلفت أحوالهم، وأنهم لهم علاقات بعد المغرب، ألا تكلف عليهم. نعم إذا كنتم محصورين، في جماعة مثلًا، في المسجد معروف جماعتنا، ويعرفون السنة، وقرأت بهم؛ لأنه بعد حتى قلنا له أن ينفصل أو ينفرد، فقالوا: ربما لا يعلم جواز الانفراد.
طالب: ( ... ) إذا قام ساكتًا حتى يعني جلس جلسة الاستراحة، ثم بعد جلسة الاستراحة يكبر ويقوم.
الشيخ: لا، أنا أرى إذا كان الإمام يرى جلسة الاستراحة أنه من يوم يرفع من السجود يكبر علشان يشوفه المأمومون ويجلسون؛ لأن السنة إذا كان الإمام يجلس استراحة أن تجلس.
طالب: طيب، هم يقومون من قبل إذا كبر وجلس للاستراحة ( ... ).
الشيخ: إذا خاف من هذا، يعني مثلًا بأن كان ما هي معروفة من حالة الإمام، ربما نقول: لا تكبر إلا إذا قمت.
طالب: بعد أن قام للاستراحة؟
الشيخ: نعم.
الشيخ: قال (ويضعهما على ركبتيه) ويضعهما: يعني اليدين (على ركبتيه مفرجتي الأصابع).
قوله: (يضعهما على ركبتيه) هذا هو السنة، وهي السنة الأخيرة، وقد كانت السنة قبل ذلك التطبيق، وهو أن يضع الإنسان بطن كفه على كفه الأخرى، ثم يضعهما بين ركبتيه، أو بين فخذيه، وهذا كان في أول الإسلام، ثم بعد ذلك نسخ، وقد كان عبد الله بن مسعود ﵁ يعمل بذلك؛ لأنه لم يبلغه الناسخ، ولكنه قد ثبت في صحيح مسلم وغيره أن ذلك كان في أول الأمر ثم نسخ.
стр. 1179
وعلى هذا فيضع الكفين على الركبتين معتمدًا عليهما، ليس مجرد لمس، بل يعتمد، وتكون مفرجتي الأصابع، يعني لا مضمومة هكذا، بل مفرجة هكذا، كأنه قابض ركبتيه، كما جاءت بذلك السنة.
وقوله: (مستويًا ظهره) الاستواء يشمل استواء الظهر في المد، واستواءه في العلو والنزول، يعني فليس يقوس ظهره ولا يستره حتى ينزل وسطه، وليس أيضًا ينزل مقدم الظهر حتى يكون كالذي يريد أن يصل إلى الأرض بوجهه، بل كان ظهره مستويًا، وقد جاءت بذلك السنة عن النبي ﷺ ؛ قالت عائشة ﵂: كان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه -لم يشخصه: يعني لم يرفعه، ولم يصوبه: يعني لم ينزله- ولكن بين ذلك (١١).
وجاء كذلك فيما رواه الإمام أحمد: أن النبي ﷺ كان يسوي ظهره (١٢).
وجاء عنه أيضًا أنه كان يسويه حتى لو صب عليه الماء لاستقر (١٢). وهذا يدل على كمال التسوية.
هذا بالنسبة للظهر: فيكون الظهر والرأس سواءً، ويكون الظهر ممدودًا مستويًا، أما بالنسبة لليدين فعرفتم أنهما توضَعان على الركب مفرجتي الأصابع. وينبغي كذلك أيضًا أن يفرج في يديه، فيفرجهما عن جنبيه، ولكن هذا مشروط بما إذا لم يكن فيه أذية، فإن كان فيه أذية لمن كان إلى جانبه، فإنه لا ينبغي للإنسان أن يفعل سنة يؤذي بها غيره؛ لأن الأذية فيها تشويش على المصلي إلى جنبك، وتلبيس عليه، ثم إنه يخشى أن يكون ذلك داخلًا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] فإن هذا يشمل الأذى القولي والفعلي.
على كل حال يفرج عضديه عن جنبيه ما لم يؤذ جاره، فإن آذاه فلا ينتهك حرمة المسلم من أجل فعل سنة.
قال: (مفرجتي الأصابع مستويًا ظهره) والواجب من هذا أن ينحني بحيث يكون إلى الركوع التام أقرب منه إلى الوقوف التام، يعني بحيث يعرف أن هذا الرجل راكع.
стр. 1180
وقيل: الواجب أن ينحني بحيث يمكن من كان وسطًا أن يمس ركبتيه بيديه، وهذا هو المشهور من المذهب، أنه ينحني بحيث يمكن أن يمس ركبتيه بيديه إذا كان وسطًا، يعني إذا كانت يداه ليستا طويلتين ولا قصيرتين. لكن القول الأول أظهر، وهو أن يكون إلى الركوع التام أقرب منه إلى الوقوف التام، بحيث يعرف من يراه أنه قد حنى ظهره.
يقول: (ويقول: سبحان ربي العظيم)، يقول متى؟
طالب: في الركوع.
الشيخ: يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم.
وسبحان: اسم مصدر منصوب على المفعولية المطلقة دائمًا، محذوف العامل دائمًا أيضًا. ومعنى التسبيح: التنزيه. والذي ينزه الله عنه أمران:
أحدهما: النقص المطلق.
والثاني: النقص في كماله.
والثالث، وقد يكون من الثاني: مشابهة المخلوقين.
فهذه ثلاثة أشياء ينزه الله عنها: النقص المطلق، والثاني؟
طلبة: النقص في الكمال.
الشيخ: النقص في الكمال. والثالث؟
طلبة: مشابهة المخلوقين.
الشيخ: مشابهة المخلوقين.
أما الأول فينزه عن الجهل والعجز والضعف والموت والنوم وما أشبه ذلك.
وأما الثاني فينزه عن التعب فيما يفعله؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]. فالقدرة والخلق لا شك أنه كمال، لكن قد يعتريها النقص بالنسبة للمخلوق، فالمخلوق قد يصنع بابًا، قد يصنع قِدرًا، قد يبني بناءً، ولكن مع التعب والإعياء، فيكون هذا نقصًا في أيش؟ في الكمال. أما الرب فإنه لا يلحقه تعب ولا إعياء، حتى مع هذه المخلوقات العظيمة، السماوات والأرض، وفي هذه المدة الوجيزة، ومع ذلك ما مسه تعب ولا إعياء.
الثالث: مشابهة المخلوقين، فإن مشابهة المخلوقين نقص؛ لأن إلحاق الكامل بالناقص يجعله ناقصًا، بل مقارنة الكامل بالناقص يجعله ناقصًا، كما قيل:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ
стр. 1181
إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ الْعَصَا
لأنك لو قلت: والله عندي سيف حديد قوي أمضى من العصا، ماذا يفهم الناس من هذا السيف؟
طلبة: أنه ناقص.
الشيخ: أنه ضعيف. إذا قلت: إنه أمضى من العصا معناه أنه ليس بشيء.
فعلى كل حال: الذي ينزه الله عنه هذه الأمور الثلاثة: النقص المطلق، والنقص في الكمال، ومشابهة المخلوقين.
وقوله (ربي العظيم): العظيم في ذاته وصفاته، فإنه في ذاته أعظم من كل شيء، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، طي السجل للكتب سهل جدًّا، إذا كتب الإنسان وثيقة وطواها فهي عنده سهلة، وقال : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]، وما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في كف أحدنا (١٣).
وأما عظم صفاته فلا تسأل عنها، ما من صفة من صفاته إلا وهي عظمى؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠].
إذن أنت تنزه الله وتصفه بعد تنزيهه بأمرين كماليين كاملين وهما: الربوبية والعظمة، فيجتمع من هذا الذكر التنزيه والتعظيم. والتنزيه والتعظيم باللسان تعظيم قولي، وبالركوع تعظيم فعلي، فيكون الركوع جامعًا بين التعظيمين القولي والفعلي، ولهذا قال النبي ﵊: «أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ» (١٤).
стр. 1182
ومقام تعظيم الغير مقام ذل للمعظم، ولهذا لما كان القرآن أشرف الذكر لم يناسب أن يقرأه الإنسان وهو في هذا الانحناء والخضوع، بل يُقرأ في حال القيام، والقيام أكمل حالًا من الركوع من حيث الهيئة، وإن كان الركوع لا شك أن الذل لله .
قال: (يقول: سبحان ربي العظيم) ولم يذكر المؤلف كم يقول ذلك، نعم، ولكن سيأتينا إن شاء الله تعالى في ذكرٍ لواجبات الصلاة أن الواجب مرة، وما زاد فهو سنة.
وقول المؤلف (يقول: سبحان ربي العظيم) ظاهره أنه لا يزيد عليها شيئًا، فلا يقول: وبحمده، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو أن الاقتصار على قول: (سبحان ربي العظيم) أفضل من أن يزيد قوله: (وبحمده).
ولكن الصحيح أن المشروع أن يقول أحيانًا: (وبحمده)؛ لأن ذلك قد جاءت به السنة، وقد نص الإمام أحمد ﵀ أنه يقول هذا وهذا؛ لورود السنة به، فيقتصر أحيانًا على (سبحان ربي العظيم) وأحيانًا يزيد: (وبحمده).
وظاهر كلامه أيضًا: أنه لا يقول ما صح به الحديث عن عائشة ﵂؛ أن النبي ﷺ كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (١٥)، ولكن السنة قول ذلك، وأن يقول الإنسان هذا؛ لأن النبي ﷺ كان يقوله: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي».
وكذلك أيظًا ظاهر كلام المؤلف أنه لا يقول: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» (١٦)، ولكن السنة قد جاءت به وصحت عن النبي ﷺ ، فعلى هذا يزيد: سبوح قدوس رب الملائكة والروح.
ولكن هل يقول هذه الزيادة الأخيرة دائمًا بالإضافة إلى (سبحان ربي العظيم) و (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك) أو أحيانًا؟
стр. 1183
هذا محل احتمال، وقد سبق لنا أن الاستفتاحات الواردة لا تقال جميعًا، إنما يقال بعضها أحيانًا وبعضها أحيانًا، لكن أذكار الركوع المعروف عند عامة العلماء أنها تذكر جميعًا.
قال: (ويقول: سبحان ربي العظيم، ثم يرفع رأسه) ثم يرفع رأسه فقط الرأس؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: والظهر.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: يرفع رأسه وظهره، نعم؛ لأن المؤلف قال: (ثم يركع)، والركوع هو انحناء الظهر، لكن مراده يرفع رأسه وظهره بلا شك.
(يرفع رأسه ويديه قائلًا إمام ومنفرد) إلى آخره.
(يرفع رأسه ويديه) الرفع من الركوع ركن، ولا بد منه؛ لقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا» (١٧).
وأما رفع اليدين فإنه سنة، إن فعله الإنسان فهو أفضل، وإن تركه فصلاته صحيحة، هذا هو الذي عليه عامة أهل العلم. والرفع هنا سنة ثبتت بحديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين وغيرهما، أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا كبر للركوع وإذا رفع من الركوع، إذا قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» (١٨).
قال: (قائلًا إمام ومنفرد). (قائلًا): حال من؟
طالب: فاعل يرفع.
الشيخ: حال من فاعل يرفع. إذن فيكون القول في حال الرفع، ويكون هذا الذكر (سمع الله لمن حمده) من أذكار الرفع، فلا يقال قبل الرفع ولا يؤخر لما بعده.
ويقال في هذا ما قيل في التكبير؛ فمن العلماء من قال: يجب أن يكون قوله: (سمع الله لمن حمده) ما بين النهوض إلى الاعتدال، فإن قاله قبل أن ينهض أو أخر بعضه أو كله حتى اعتدل فإن صلاته لا تصح، لكن سبق لنا أن الأمر في هذا واسع، وأنه لا ينبغي إلحاق الناس الحرج في هذا الأمر.
стр. 1184
(قائلًا إمام ومنفرد: سمع الله لمن حمده)، (سمع) من المعروف أنها تتعدى بنفسها، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]، وهنا تعدت باللام، ولا يمكن أن نقول: إن تعديتها باللام من أجل ضعف العامل؛ لأن العامل هنا فعل، وهو الأصل في العمل، ولكن نقول: تعدت باللام لأنها ضمنت معنى فعل يعدى باللام، يعني (سمع) هنا ضمنت معنى فعل يعدى باللام، ما هو أقرب فعل يتناسب مع هذا الفعل؟
طلبة: استجاب.
الشيخ: استجاب. قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]. وعلى هذا فمعنى (يستمع) أي: استجاب. وهذا هو المراد بدلالة اللفظ ودلالة المقام. أما دلالة اللفظ فهو تعدي الفعل بأيش؟
طلبة: باللام.
الشيخ: وأما دلالة المقام فلأن مجرد السمع لا يستفيد منه الحامد، إنما يستفيد الحامد بماذا؟ بالاستجابة، أما مجرد السمع فإن الله يسمع من حمده ومن لم يحمده، ولكن الذي يستفيد منه هو الاستجابة. وعلى هذا فيكون الفعل هنا مضمنًا معنى (استجاب)، نقول ذلك بدلالة لفظية ودلالة حالية أو مقامية؟ اللفظية: ما هي؟
طلبة: تعديه.
الشيخ: تعديه باللام، والحالية أو المقامية إذا شئت هو أنه لا يستفيد الإنسان من سمع الله المجرد، بل لا يستفيد إلا من استجابته.
وقوله: (سمع الله لمن حمده) سبق لنا أن الحمد هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، ولكن قد يقول قائل: كيف تقولون: إن (سمع) بمعنى (استجاب)، وهنا ليس فيه دعاء؟
والجواب على ذلك أن نقول: إن من حمد الله فإنه قد دعا ربه بلسان الحال؛ لأن الذي يحمد الله ويش يرجو؟
طلبة: الثواب.
الشيخ: يرجو الثواب، فإذا كان يرجو الثواب فإن الثناء على الله بالحمد والذكر والتكبير مثلًا متضمن للدعاء؛ لأنه لم يحمد الله إلا رجاء الثواب.
стр. 1185
فإذن نقول: (سمع الله لمن حمده)، كيف تقول: إن معناها استجاب؟
فنقول: لأن الحامد إنما حمد الله رجاءً لثوابه، فيكون (استجاب) مناسبًا تمامًا لذلك.
قال: (سمع الله لمن حمده) لا بد أن يكون بهذا اللفظ، فلو قال: استجاب الله لمن أثنى عليه، فهل يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن هذا ذكر واجب، فيقتصر فيه على الوارد، ولا بد أن يكون على هذا الترتيب: (سمع الله لمن حمده)، فلو قال: (الله سمع لمن حمده) لم يصح، ولو قال: (لمن حمده سمع الله) لم يصح أيضًا، لا بد من الترتيب؛ لأنها السنة وردت هكذا، وقد قال النبي ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١٩)، ولأنه ذِكر واجب، فوجب الاقتصار فيه على الوارد.
قال: (وبعد قيامهما) الضمير يعود على الإمام والمنفرد.
(بعد قيامهما) يقولان: (ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد).
يقول: (ربنا ولك الحمد) ولم يذكر المؤلف غير هذه الصيغة، فهل هذا يقتضي أن تكون هي الواجبة؟ يحتمل أن يكون هكذا، ويحتمل أن المؤلف اقتصر على هذه الصيغة طلبًا للاختصار.
وعلى كل فهذه الصيغة فيها أربع صفات:
الصفة الأولى: ربنا ولك الحمد.
والصفة الثانية: ربنا لك الحمد.
والصفة الثالثة: اللهم ربنا لك الحمد.
والصفة الرابعة: اللهم ربنا ولك الحمد.
وكل واحدة من هذه الصفات مجزِئة، ولكن الأفضل أن يقول هذا أحيانًا وهذا أحيانًا على القاعدة التي قررناها فيما سبق؛ من أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة الأفضل فيها فعلها على هذه الوجوه، وذكرنا أن في ذلك ثلاث فوائد:
طالب: الفائدة الأولى: نحافظ على الشكل.
الشيخ: نحافظ على السنة، يعني إحياء كل من السنن.
طالب: اتباع السنة.
الشيخ: اتباع السنة.
الطالب: حضور القلب.
стр. 1186
الشيخ: حضور القلب؛ لأن الإنسان إذا صار مستمرًّا على صيغة واحدة صارت كأنها أتوماتيكية، يقولها ولا يشعر، فإذا كان منتبهًا يغير يقول هذا أحيانًا وهذا أحيانًا صار ذلك أدعى لحضور القلب؟
طالب: إبعاد الملل الذي ..
الشيخ: نعم، دفع الملل عن الإنسان، وهذا في العبادات؟
طالب: المتنوعة.
الشيخ: المتنوعة، قد يكون في غير هذا الموضع أيضًا. نعم.
طالب: سؤال يا شيخ، السؤال الثاني.
الشيخ: سؤال، طيب.
طالب: شيخ، نقل بعض الأقوال عندنا فتوى عند من ذكر هذه الأذكار جملة ذكروا أكثر من الأذكار هذه في أحد أركانه، في الصلاة.
الشيخ: أيش، أن من؟
طالب: من ذكر هذه الأذكار المتنوعة في موضع واحد فقط أنها بدعة، وصور لذلك مثل الأذكار الصباح والمساء.
الشيخ: نعم، أن من ذكرها في موضع واحد؟
طالب: نعم.
الشيخ: يعني من جمعها قصدك.
طالب: نعم، الأذكار المتنوعة جمعها كلها في موضع واحد.
الشيخ: أما إذا كانت كل واحدة بدلًا عن الأخرى فهذا لا شك أنها بدعة، يعني لو قال الإنسان: ربنا ولك الحمد، اللهم ربنا لك الحمد، اللهم ربنا ولك الحمد، ربنا لك الحمد، قلنا: هذا بدعة.
طالب: يقاس عليها؟
الشيخ: لكن إذا جمعها وهي مختلفة، ما هي من نوع الواحد، فلا يظهر أنها بدعة؛ ولهذا نقول في أذكار الصلوات: تجمع بينها، أذكار الصباح والمساء كذلك.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، استمرار وضع اليد على الركبة هل هو شرط في الركوع أم لا؟
الشيخ: لا، ما هو شرط.
طالب: بعض الأئمة يا شيخ يرفعون من الركوع ولا يقولون: (سمع الله لمن حمده) إلا وهو قائم، في هذه الحال يأتي مسبوق ويركع، وهو رافع من الركوع، فهل يصح أم لا يصح؟ تجزئه الركعة هذه اللي أدركها مع الإمام قبل أن يقول: سمع الله لمن حمده؟
стр. 1187
الشيخ: سمعتم السؤال؟ يقول: إن بعض الأئمة لا يقولون: سمع الله لمن حمده إلا بعد قيامهم، ثم يأتي شخص فيركع والإمام قد رفع، فهل يعتد بهذه الركعة؛ لأنه ركع قبل أن يقول الإمام: سمع الله لمن حمده، أو لا يعتد بها؛ لأن الإمام رفع من الركوع؟
طالب: لا يعتد.
الشيخ: الجواب، لا يعتد بها، لا يعتد بها لا شك، لكن هذا من جهل الأئمة، وقد مر علينا أن بعضهم يقول: أنا أؤخر التكبير أو التسميع لئلا يسبقني المأمومون، وسبق لنا بيان خطأ هذا الشخص، وهذا الذي ذكرت أيضًا فيه خطأ آخر وهو أن بعض المسبوقين يعتد بهذه الركعة مع أنها لا تجزئه. إي نعم.
طالب: شيخ، المأموم إذا قال: سمع الله لمن حمده، فهل تبطل صلاته؟
الشيخ: إي بيجينا إن شاء الله.
طالب: شيخ، عبد الله بن مسعود يا شيخ كان بيطبق في الركوع، هل بلغه النسخ عن الرسول ﷺ ؟
الشيخ: لم يبلغه، اللهم ما بلغه، قطعًا لو بلغه ما بقي هكذا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، قلنا: إن الثناء هو الدعاء ( ... ) استجاب سمع الله لمن حمده.
الشيخ: الثناء متضمن للدعاء.
طالب: متضمن للدعاء.
الشيخ: نعم.
طالب: لكن هو يقول: سمع الله لمن حمده، ولم يقل: اللهم لك الحمد، يعني: لم يحمد الله، قال: لمن حمده.
الشيخ: نعم، صح.
طالب: وين الحمد؟
الشيخ: يعني كل من حمد الله فالله يستجيب له.
طالب: يعني هو لا يخبر عن نفسه.
الشيخ: لا، ما هو بيخبر عن نفسه، ما قال: سمع الله لي، يخبر بأن الله لفضله وكرمه كل من حمده استجاب له.
***
طالب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد فقط، ثم يخر مكبرًا ساجدًا على سبعة أعضاء: رجليه ثم ركبتيه ثم يديه ثم جبهته مع أنفه، ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 1188
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد فقط).
قال: (سمع الله لمن حمده) معنى سمع يعني استجاب، كما فهمتم، والحمد هو الثناء، أو بل الحمد وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.
فيقال: حمد الشيء أو حمد فلانًا يعني وصفه بصفات الكمال مع محبته وتعظيمه، وأنه ذو احترام في قلبه.
قال ابن القيم: وبهذا يعرف الفرق بين الحمد والمدح؛ فإن المدح وصف الممدوح بالكمال أو بالصفات الحميدة، لكن لا يلزم منه أن يكون محبًّا معظمًا، قد يمدحه من أجل أن ينال غرضًا له، قد يمدحه من أجل أن يتقي شره، لكن الحمد لا يكون إلا مع محبة وتعظيم.
وبهذا نعرف قوة سر اللغة العربية؛ حيث إن الحروف واحدة هنا: حمد ومدح، الحروف فيها واحدة، لكن إذا اختلف ترتيب الحروف اختلف المعنى، فمدح مقلوب؟
طلبة: حمد.
الشيخ: مقلوب حمد، يعني: مختلف في الترتيب، وإن كان ليس مقلوبًا من كل وجه، لكن لما اختلف ترتيب الحروف اختلف المعنى.
المهم أن الحمد هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، وأما من عرّف الحمد بأنه الثناء بالجميل الاختياري فهذا قاصر:
أولًا: لأن الثناء أخص من المدح؛ لأن الثناء هو مدح مكرر، كما جاء في الحديث الصحيح أن الإنسان إذا قال: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حَمِدَنِي عَبْدِي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي» (٢٠)، ففرق الله بين الحمد والثناء.
ثانيًا: أنه الجميل الاختياري يخرج الحمد على كمال الصفات اللازمة التي لا تتعدى كالعظمة والكبرياء وما أشبه ذلك، والله تعالى محمود على صفات الكمال اللازمة وصفات الكمال المتعدية، فهو محمود على كماله، ومحمود على إحسانه .
стр. 1189
قال: (ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) (ملء) هذه صفة لموصوف محذوف، والتقدير: حمدًا ملء. و (حمدًا) هذه المحذوفة منصوبة على المصدر، والعامل فيها المصدر في قوله: (ربنا ولك الحمد). وقوله: (ملء السماء وملء الأرض) هكذا قال المؤلف بلفظ الإفراد، وأكثر الروايات الواردة في هذا بلفظ الجمع: «مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ» (٢١). هذا أكثر الروايات الواردة عن النبي ﷺ ، وفي رواية لمسلم: «مِلْءَ السَّمَاءِ» (٢٢)، لكن أكثر الروايات بالجمع.
(وملء الأرض): جاء بها مفردة؛ لأن هذا هو التعبير القرآني، فالله في القرآن يعبر عن الأرض بالإفراد وعن السماوات بالجمع.
وقوله (ملء السماوات وملء الأرض) ما معنى قوله: (ملء)؟
قال بعض أهل العلم: معناه أنه لو كان الحمد أجسامًا لملأ السماء وملأ الأرض، فيكون ملأها بالحجم، يعني لو قدر أن هذا الحمد أجسام لملأ السماء والأرض، ولكن الصحيح خلاف ذلك وأن معنى قوله: (ملء السماء) هو أن الله محمود على كل مخلوق، وعلى كل فعل يفعله، فكل فعل يفعله وكل مخلوق يخلقه فإن الله تعالى يستحق عليه الحمد. ومعلوم أن السماوات والأرض بما فيها كلها من خلق الله، فيكون الحمد حينئذ مالئًا للسماوات والأرض؛ لأن المخلوقات تملأ السماوات والأرض، وهذا أولى؛ لأن الإنسان يستحضر به أن الله محمود على كل فعل فعله وعلى كل خلق خلقه.
أما أن يقدر أنه أجسام متراكمة فهذه أيضًا تختلف؛ لأن الأجسام قد تكون صغيرة وقد تكون كبيرة، ومعلوم الفرق بين ما ملئ بأجسام صغيرة وما ملئ بأجسام كبيرة؛ لأن ما ملئ بأجسام كبيرة في الغالب يكون فيه فراغات، وقدر ذلك بصاع من الأقط المقروص، الذي جعل كالقرصان، ومن صاع من الرز، تجد الفراغات الكثيرة في الأول دون الثاني.
стр. 1190
فالمهم أن القول الصحيح في هذه المسألة: أن الله تعالى يحمَد على كل ما في السماوات وما في الأرض من مخلوقاته، وعلى كل فعل فعله .
وقوله: (ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد). هل يشاء الله من شيء بعد؟
الجواب: نعم؛ لأن السماوات والأرض تطوى وتزول، ثم تأتي الجنة والنار، فهو أعم من بقاء السماء والأرض. ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد مما لا يعلمه إلا الله.
في بعض روايات مسلم: «وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا» (٢٣)، وهذا نص على ما بينهما، ولو حذفت لكان قوله: «مِلْءَ السَّماوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ» مغنيًا عنها، ولهذا يذكر الله تعالى أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ويذكر أحيانًا أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام.
(ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد) من يقول هذا؟ يقوله الإمام والمنفرد؛ لقول المؤلف: (ومأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد فقط). قال (ومأموم) يعني أن المأموم يقول في رفعه، في حال الرفع: ربنا ولك الحمد. أما الإمام والمنفرد فيقول في رفعه: سمع الله لمن حمده. إذن المأموم يقول في رفعه: ربنا ولك الحمد.
قال: (فقط): هذه بمعنى: فحسْب، يعني لا يزيد على ذلك، فيقتصر على هذا ويقف ساكتًا. الدليل: قوله ﷺ : «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (٢٤).
стр. 1191
ولكن عند التأمل نجد أن هذا القول ضعيف، وأن المأموم ينبغي أن يقول كما يقول الإمام والمنفرد، يعني يقول بعد رفعه: ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد؛ وذلك لأن النبي ﷺ قال: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، فجعل قول المأموم: (ربنا ولك الحمد) معادلًا لقول الإمام: (سمع الله لمن حمده). والإمام يقول: (سمع الله لمن حمده) في حال الرفع، فيكون المأموم في حال الرفع يقول: ربنا ولك الحمد، أما بعد القيام فيقول: ملء السماوات إلى آخره؛ لقوله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١٩).
فهذا هو القول الراجح في هذه المسألة: أن المأموم يقول كما يقول الإمام والمنفرد بعد رفعهما، وعرفتم وجه الترجيح.
إذن يترجح بأمرين: الأمر الأول: أن النبي ﷺ جعل قول المأموم: (ربنا ولك الحمد) بإزاء قول الإمام؟
طلبة: سمع الله لمن حمده.
الشيخ: سمع الله لمن حمده. وهذا حين الرفع.
الوجه الثاني: قوله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١٩)، فإن هذا يشمل المأموم كما يشمل الإمام والمنفرد.
وعلم من كلام المؤلف أن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده. وهو كذلك.
فإذا قال قائل: ما الجواب عن قوله ﷺ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وقد كان يقول: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»؟
فالجواب على هذا سهل وهو أن قوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» عام، وإذا قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (٢٥) هذا خاص، والخاص يقضي؟
طلبة: على العام.
стр. 1192
الشيخ: على العام، فيكون المأموم مستثنًى من هذا العموم بالنسبة لقول: (سمع الله لمن حمده) فإنه يقول: (ربنا ولك الحمد) فقط. وظاهر كلام المؤلف أنه لا يزيد على هذا الذكر الواجب بعد القيام من الركوع. ولكن الصحيح أنه يزيد ما جاءت به السنة، مثل: «أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (٢٦).
وعلى هذا فالظاهر أن المؤلف حذف هذه الجملة اقتصارًا أو اختصارًا؟
طلبة: اختصار ..
طلبة: اقتصار ..
الشيخ: هو في الحقيقة فيه احتمال أن يكون اقتصارًا أو اختصارًا؛ إن كان اختصارًا فالمعنى أن المؤلف اقتصر على بعض الذكر الوارد، وإذا كان اقتصارًا فالمعنى أن المؤلف يرى ألا يقال سواه، يعني هو اقتصر على هذا. ولكن الذي يظهر أنه اقتصار، أنه حذفها اقتصارًا؛ لأن المقام مقام ذكر، والذكر ينبغي أن يذكر كل ما ورد فيه، إلا أن يدعي مدعٍ أن المؤلف يرى أن هذا الكتاب مختصر، فاختصر.
على كل حال لا يهمنا ما أراده المؤلف، الذي يهمنا أن السنة أن يقول الإنسان ما ورد في هذا مما زاد على كلام المؤلف.
قال: (ومأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد فقط) ولم يذكر المؤلف ﵀ ماذا يصنع بيديه بعد الرفع من الركوع؟ هل يعيدهما على ما كانتا عليه قبل الركوع فيضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى، أو يرسلهما؟
فالمنصوص عن الإمام أحمد ﵀ أن الإنسان يخير بين إرسالهما وبين وضع اليد اليمنى على ذراع اليسرى، وكأن الإمام أحمد ﵀ رأى ذلك؛ لأنه ليس في السنة ما هو صريح في هذا، فقال: الإنسان مخير، وهذا كما يقول بعض العلماء في مثل هذه المسألة: الأمر في ذلك واسع؛ إن شاء أرسل، وإن شاء وضع.
стр. 1193
ولكن الذي يظهر من السنة أن السنة هي وضع اليمنى على ذراع اليسرى؛ لعموم حديث سهل بن سعد الثابت في البخاري: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة (٢٧). فإنك إذا أخذت بعموم هذا الحديث في الصلاة ولم يقل: في القيام، تبين لك أن القيام بعد الركوع يشرع فيه الوضع؛ لأن الصلاة اليدان فيها حال الركوع تكون على الركبتين، وفي حال السجود على الأرض، وفي حال الجلوس على الفخذين، وأيش بقي؟
طلبة: القيام.
الشيخ: حال القيام يشمل ما قبل الركوع وما بعد الركوع، فيضع الإنسان يده اليمنى على ذراعه اليسرى، وهذا هو الصحيح.
طالب: شيخ، لم يذكر المصنف قول المأموم: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه (٢٨).
الشيخ: إي نعم، هذا أيضًا ما ذكره المؤلف، مع أنه قد ثبتت به السنة في إقرار الرسول ﵊ للرجل الذي قال ذلك.
طالب: ما ورد في السنة قول النبي ﷺ .
طالب آخر: نسمع السؤال الأول يا شيخ.
الشيخ: السؤال يقول: ما ذكر: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. إي نعم.
طالب: وهل جاء في السنة قول الصحابي حينما أقره النبي ﷺ : كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك؟
الشيخ: لا أعرف هذا.
طالب: الذي تعرف ( ... ).
الشيخ: إي، ما ذكر هذا.
طالب: شيخ، الإكثار من الحمد، يعني النبي ﷺ كان يقف وقوفًا طويلًا، لا نقول يعني: إن الإنسان يحمد كما يشاء، ما جاءت به السنة وما لم تأت.
الشيخ: نعم. يعني مثلًا إذا كان في صلاة تطال فيها الأركان.
طالب: مثل؟
الشيخ: مثل الركوع، والقيام بعده، والسجود، والجلوس، يكرر الحمد، أقول: يكرر الحمد.
طالب: هل يكرر ويأتي .. ؟
الشيخ: يأتي بالوارد ويكرر ما شاء، مثلًا يقول: لربي الحمد، اللهم لك الحمد، وما أشبه ذلك.
стр. 1194
طالب: طيب، يا شيخ، فيه وجه ( ... ) أن المأمومين يقولون مثل الإمام، أنت قلت: النبي ﷺ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
الشيخ: نعم.
طالب: فيه وجه يا شيخ، ما نقول: قاعدة: أن المأموم الأصل يفعل مثل الإمام إلا ما جاء الدليل بالتخصيص.
الشيخ: نعم، ما فيه شك، هذا هو الأصل، كل مصل؛ إمام أو مأموم أو منفرد ذكر أو أنثى، فيفعل كما فعل رسول الله ﷺ .
طالب: أحسن الله إليك، هل يجوز أن يوصل الأذكار في قوله: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السماوات وملء الأرض؟
الشيخ: الظاهر أنه لا بأس به؛ لأن الأول بإقرار الرسول ﷺ وهذا بفعله، لكن كونه يبدأ بما جاءت به السنة الصريحة عن الرسول أحسن، إي نعم.
طالب: ( ... ) الحمد والشكر.
الشيخ: في هذه من الزيادات التي لا تنبغي.
طالب: هذا اللفظ.
الشيخ: لغة إي نعم؛ لأنه يقال: إن الألفاظ الواردة في الأذكار ينبغي المحافظة عليها. نعم.
طالب: جزاك الله خيرًا، بالنسبة لإرسال اليدين بعد الركوع، لو شاهدنا رجلًا يرسل يديه هل نقول له: أنت خالفت السنة أو نقول: إن الأمر على السعة؟
الشيخ: أما على مذهب الإمام أحمد فالأمر على السعة، ما نقول له شيئًا، لا نقول: ضع ولا أرسل، لكن على ما رجحناه: ينبغي أن ندله؛ لأن بعض الناس قد يغتر بكلام بعض العلماء الذين أنكروا هذا إنكارًا عظيمًا، يعني أنكروا الوضع، وزعموا أنه بدعة، فيبين له؛ لأنه يخشى أن يعتقد أن الوضع بدعة، فيكون في هذا خطر عليه.
طالب: شيخ. قد جاء في سنن الدارقطني من حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه أنه قال: كنا إذا قال النبي ﵊: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، قلنا: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد (٢٩). فماذا يجاب عليه؟
стр. 1195
الشيخ: يجاب بأن هذا اجتهاد منهم مخالف لأمر الرسول ﵊؛ لأن الرسول قال: «إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» مع أن الإمام يقول: ربنا ولك الحمد بالاتفاق.
طالب: لكن هو يقول يا شيخ: كنا يعني إن صح ..
الشيخ: إي، هذا مثل قول ابن مسعود ﵁: كنا نقول بعد موت الرسول: السلام على النبي، بدل قوله: السلام عليك أيها النبي (٣٠). ولا شك أن هذا من فعل ابن مسعود ﵁، ليس عن جميع الصحابة؛ لأن عمر بن الخطاب خطب على المنبر؛ على منبر الرسول، وأمر بالتشهد، وقال: قولوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته (٣١). صريحة.
***
( ... ) وآله وأصحابه أجمعين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم يقرأ الفاتحة).
وسؤالنا الآن: ما حكم قراءة الفاتحة على ما ذهب إليه المؤلف؟
طالب: حكم قراءة الفاتحة واجب.
الشيخ: من أي نوع من أنواع الواجبات؟
الطالب: الواجب لازم على صاحبي الحال.
الشيخ: هذا تعريف الواجب.
طالب: الواجب الذي ..
الشيخ: من أي أنواع الواجبات؟
طالب: شو أنواع الواجبات؟
الشيخ: لأن الواجبات لها أنواع، الواجبات في الصلاة التي يجب تحققها في الصلاة أنواع.
طالب: هذه من الأشياء التي يجب تحققها في الصلاة.
الشيخ: ما هذا يعني؟ نعم.
طالب: إنها ركن.
الشيخ: من الأركان؟ صح. من الأركان. يعني فيه واجب وركن وشرط، وكلها يصدق عليها اسم واجب، لكنها أنواع. هي ركن من أركان الصلاة على كل مصلٍّ، على ما ذهب إليه المؤلف؟
طالب: لا. على المنفرد والإمام، أما المأموم فلا.
الشيخ: إذن فيه ركن في حق الإمام والمنفرد، دون المأموم؟ كيف نستخرج هذا من كلام المؤلف؟
طالب: إي نعم. لأنه قال: (ثم يقرأ الفاتحة) يتكلم عن الإمام.
الشيخ: لا.
طالب: لا؛ لقوله: (يقرأ به لزم غير مأموم إعادتها).
الشيخ: نعم. نأخذه من قوله: (لزم غير مأموم)؟
طالب: (إعادتها).
следующие страницы →